/۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الوطن حدوده والغاية من حمايته

  • رؤية الإسلام حول القوميّة والوطنيّة

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الثالث عشر

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج۱ و ٤

  •  

  •  

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  • إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • [طرح العلاّمة الطباطبائي ضمن بحوثه الاجتماعيّة بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا ۱٥ فصلاً من البحوث الاجتماعيّة تقدّمت قسم منها ضمن سلسلة البحوث السابقة۱، وهذا الفصل الثالث عشر منها مع إضافة ما يناسبه من المواضع الأخرى:]

  • ۱٣ـ مفهوم الوطن في الإسلام وحدوده

  • ألغى الإسلام أصل الانشعاب القوميّ من أن يؤثّر في تكوّن المجتمع أثرَه، ذاكَ الانشعابَ الذي عامِلُه الأصليُّ البدويّة و العيش بعيشة القبائل و البطون، أو اختلاف منطقة الحياة و الوطن الأرضيّ، و هذان ـ أعني البدويّة و اختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانويّة من حرارة و برودة و جدب و خصب وغيرهما ـ هما العاملان الأصليّان لانشعاب النوع الإنسانيّ شعوبًا و قبائل، و اختلاف ألسنتهم و ألوانهم على ما بيّن في محله.٢

  • ثمّ صارا عاملين لحيازة كلّ قوم قطعة من قطعات الأرض على حسب مساعيهم في الحياة و بأسهم وشدّتهم، و تخصيصها بأنفسهم و تسميتها وطنًا يألفونه و يذبّون عنه بكلّ مساعيهم.

  • و هذا و إن كان أمرًا ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعيّة التي تدفعهم الفطرة إلى رفعها، غير أنّ فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانيّة من حياة النوع في مجتمع واحد، فإنّ من الضروريّ أنّ الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتّتة و تألّفها و تقوّيها بالتراكم و التوحّد لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتمّ و أصلح، و هذا أمر مشهود من حال المادّة الأصليّة حتّى تصير عنصرًا ثمّ... ثمّ نباتًا ثمّ حيوانًا ثمّ إنسانًا.

  • و الانشعابات بحسب الأوطان تسوق الأمّة إلى توحّد٣ في مجتمعها يفصله عن المجتمعات الوطنيّة الأخرى، فيصير واحدًا منفصل الروح و الجسم عن الآحاد الوطنيّة الأخرى، فتنعزل الإنسانيّة عن التوحّد و التجمّع و تبتلى من التفرق و التشتت بما كانت تفرّ منه، و يأخذ الواحد الحديث٤ يعامل سائر الآحاد الحديثة (أعني الآحاد الاجتماعيّة) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونيّة من استخدام واستثمار و غير ذلك، و التجريب الممتدّ بامتداد الأعصار منذ أوّل الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك، و ما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة٥ يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم.

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

3
  • بناء الإسلام مجتمعه على العقيدة دون الجنس والقوميّة والوطن 

  • و هذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابات و التشتّتات و التميّزات، و بنى الاجتماع على العقيدة دون الجنسيّة و القوميّة و الوطن و نحو ذلك، حتّى في مثل الزوجيّة و القرابة في الاستمتاع والميراث، فإنّ المدار فيهما على الاشتراك في التوحيد لا المنزل و الوطن مثلاً۱.

  • و من أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند البحث عن شرائع هذا الدين أنّها لم تهمل أمره في حال من الأحوال، فعلى المجتمع الإسلامي عند أوج عظمته و اهتزاز لواء غلبته أن يقيموا الدين و لا يتفرقوا فيه، و عليه عند الاضطهاد و المغلوبيّة ما يستطيعه من إحياء الدين و إعلاء كلمته و على هذا القياس، حتّى أنّ المسلم الواحد عليه أن يأخذ به و يعمل منه ما يستطيعه و لو كان بعقد القلب في الاعتقاديّات والإشارة في الأعمال المفروضة عليه.٢

  • و من هنا يظهر أنّ المجتمع الإسلامي قد جُعل جعلاً يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال و على كلّ التقادير من حاكميّة و محكوميّة، و غالبيّة و مغلوبيّة و تقدّم و تأخّر و ظهور و خفاء و قوّة و ضعف. و يدلّ عليه من القرآن آيات التقيّة بالخصوص قال تعالى: 

  • ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (الآية)٣ و قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾٤ و قوله: ﴿فَاتَّقُوا اَللَّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾٥و قوله: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٦و۷

  • خطأ نسبة كمال المجتمع إلى النفس مع خسران النفس

  • الاعتقاد بانتفاء ما لا يناله الحسّ و التجربة من غير دليل من أظهر الخرافات۸، و مثلها القول: إنّ الإنسان يجب له تحمّل مرّ القانون و الصبر على الحرمان في بعض ما تشتهيه نفسه ليتحفّظ به الاجتماع فينال كماله في الباقي، فيعتقد أنّ كمالَ الاجتماع كمالُه٩

  • و هذه خرافة، فإنّ كمال الاجتماع إنّما هو كماله فيما يتطابق الكمالان۱۰ و أمّا غير ذلك فلا. فأيّ موجب على فرد ـ بالنسبة إلى كماله أو اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع الدنيا إذا قدر على نيل ما يبتغيه من آماله و لو بالجور و فاق في القوّة و الاستطاعة من غير مقاوم يقاومه ـ أن يعتقد أنّ كمال الاجتماع كمالُه و الذكرَ الجميل فخارُه؟! كما أنّ أقوياء الأمم لا يزالون على الانتفاع من حياة الأمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئًا إلا وطؤوه، و لا منالاً إلا نالوه، و لا نسمة إلا استرقّوها و استعبدوها، و هل ذلك إلا علاجًا لمزمن الداء بالإفناء؟!

    1. فقد ورد أنّ المؤمن كفو المؤمنة، كما أنّ الكفر من موانع الإرث فلا يرث الكافرُ المسلم ولو كان أباه أو ابنه. (م)
    2. الشاهد في ذلك هو أنّ إقامة الدين بعقيدته وشريعته هي المطلوبة دائمًا وبأيّ شكل من الأشكال، لا إقامة المجتمع كيفما اتّفق وتحت أيّ عنوان قوميّ أو عرقيّ أو وطنيّ. (م) 
    3. سورة النحل، الآية ١٠٦.
    4. سورة آل عمران، الآية ٢٨.
    5. سورة التغابن، الآية ۱٦.
    6. سورة آل عمران، الآية ١٠٢.
    7. تفسير الميزان ج٤، ٥۱٢ـ ۱٢٦
    8. ملاحظة: اقتطعت هذه الفقرات من مقالة ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة لمناسبتها لهذا الموضوع، وقد سبق هذا الكلام فيها كلام مفصّل حول نفي ما لا يناله الحسّ فراجع. 
    9. أي كمال للفرد (م)
    10. أي كمال المجتمع وكمال الفرد (م)

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

4
  • فداء الوطن بالنفس دون ابتغاء ما عند الله

  • و كذلك بناء المدنيّة على استكمال الاجتماع المذكور فإنّ هذا الاستكمال و نيل السعادة الاجتماعيّة۱ ربّما يستلزم حرمان بعض الأفراد من سعادته الحيويّة الفرديّة كتحمّل القتل و التفدية في الدفاع عن الوطن أو القانون أو المرام٢، و المحروميّة من سعادة الشخص لأجل وقاية حريم الاجتماع، فهذه الحرمانات لا يُقدِم فيها الإنسان إلا عن عقيدة الاستكمال، و أن يراها كمالات ـ و ليست كمالات لنفسه ـ بل عدمٌ وحرمانٌ لها، وإنّما هي كمالات ـ لو كانت كمالات ـ للمجتمع من حيث هو مجتمع، و إنما يريد الإنسان الاجتماع لأجل نفسه لا نفسه لأجل الاجتماع، و لذلك كلّه ما احتالت هذه الاجتماعات٣ لأفرادها فلقّنوهم أنّ الإنسان يكتسب بالتفدية ذكرًا جميلاً و اسمًا باقيًا على الفخر دائمًا و هو الحياة الدائمة، و هذه خرافة، وأيّ حياة بعد البطلان و الفناء؟! غير أنّا نسمّيها حياة تسمية ليس وراءها شي‌ء! 

  • هل الذكر الجميل وارتفاع شأن المجتمع والوطن ثمن للنفس؟

  • و أما ما سلكه القرآن في ذلك فهو أمره باتباع ما أنزل الله و النهي عن القول بغير علم، هذا في النظر، وأما في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله فيه فإن كان مطابقًا لما تشتهيه النفس كان فيه سعادة الدنيا و الآخرة، وإن كان فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، و ما عند الله خير و أبقى.٤

  • [وأمّا] قوله تعالى﴿وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَتَشْعُرُونَ﴾٥، ربّما يقال: إنّ الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله و رسوله و اليوم الآخر و أذعنوا بالحياة الآخرة، و لا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت، بعدما أجابوا دعوة الحقّ و سمعوا شيئًا كثيرًا من الآيات الناطقة بالمعاد، مضافًا إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، و هم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، و جميع الكفّار، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم و الذكر الجميل على مرّ الدهور، و بذلك فسّره جمع من المفسرين.

    1. في الأصل: النيل بالسعادة (م)
    2. أي العقيدة. (م)
    3. أي ولذلك كلّه كانت الحيل التي احتالت بها المجتمعات. (م)
    4. تفسير الميزان ج۱ ص٤٢۱ ـ ٤٢٢
    5. سورة البقرة، الآية ۱٥٤.

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

5
  • و يردّه:

  • حياة الذكر حياة وهميّة

  • أوّلاً: أنّ كون هذه حياةً إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، و مثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، و هو تعالى يدعو إلى الحقّ و يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ﴾۱، و أما الذي سأله إبراهيم في قوله: ﴿وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ﴾٢، فإنّما يريد به بقاء دعوته الحقّة، و لسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه و جميل ذكره بعده فحسب.

  • حاجة المادّيين إلى هذا الوهم دون المعتقدين بالمعاد

  • نعم هذا القول الباطل، و الوهم الكاذب إنما يليق بحال المادّيين، و أصحاب الطبيعة، فإنّهم اعتقدوا: مادية النفوس و بطلانها بالموت و نفوا الحياة الآخرة ثمّ أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس و تأثرها بالسعادة و الشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية، لا سيما في عظائم العزائم التي يموت و يقتل فيها أقوام ليحيا و يعيش آخرون، و لو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان (و خاصة إذا اعتقد بالموت و الفوت) أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين، و لا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئًا إلا و يأخذ بدله و أما الإعطاء من غير بدل، و الترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، و الحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال و حظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام و الخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر و جميل الثناء، و يجب عليه أن يحرّم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع و الحضارة، و يتمّ العدل الاجتماعي فينال بذلك حياةَ الشرف والعلاء.

    1. سورة يونس، الآية ٣٢.
    2. سورة الشعراء، الآية ٨٤.

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

6
  • و ليت شعري إذا لم يكن إنسان، و بطل هذا التركيب المادّي، و بطل بذلك جميع خواصّه، و من جملتها الحياة و الشعور، فمن هو الذي ينال هذه الحياة و هذا الشرف؟ و من الذي يدركه و يلتذّ به؟ فهل هذا إلا خرافة؟!

  • و ثانيًا: أن ذيل الآية و هو قوله تعالى: ﴿وَ لَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، لا يناسب هذا المعنى، بل كان المناسب له أن يقال: بل أحياء ببقاء ذكرهم الجميل، و ثناء الناس عليهم بعدهم، لأنّه المناسب لمقام التسلية وتطييب النفس.

  • و ثالثًا: أن نظيرة هذه الآية ـ و هي تفسرها ـ وصف حياتهم بعد القتل بما ينافي هذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾۱، إلى آخر الآيات و معلوم أنّ هذه الحياة حياة خارجيّة حقيقية ليست بتقديريّة.

  • و رابعًا: أن الجهل بهذه الحياة التي بعد الموت ليس بكل البعيد من بعض المسلمين في أواسط عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فإن الذي هو نص غير قابل للتأويل إنما هو البعث للقيامة، و أما ما بين الموت إلى الحشر - و هي الحياة البرزخية - فهي و إن كانت من جملة ما بينه القرآن من المعارف الحقة، لكنها ليست من ضروريات القرآن... .٢

  • ما هو الضامن للأخلاق الفاضلة غير حبّ الوطن؟

  • الأخلاق الفاضلة أيضًا تحتاج في ثباتها و استقرارها إلى ضامن يضمن حفظها و كلاءتها، و ليس إلا التوحيد، أعني القول بأنّ للعالم إلهًا واحدًا ذا أسماء حسنى خلق الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم، و هو يحبّ الخير و الصلاح، و يبغض الشرّ و الفساد، و سيجمع الجميع لفصل القضاء و توفية الجزاء فيجازي المحسن بإحسانه و المسي‌ء بإساءته. و من الواضح أن لولا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتباع الهوى و الكفّ عن حظوظ النفس الطبيعيّة، فإنّما الطبيعة الإنسانيّة تريد وتشتهي مشتهيات نفسها لا ما ينتفع به غيرها كطبيعة الفرد الآخر إلا إذا رجع بنحو إلى مشتهى نفسها (أحسن التأمل فيه).

    1. سورة آل عمران، الآية ١٩٦.
    2. تفسير الميزان ج۱، ٣٤٥ـ ٣٤٦.

من الذی یتولى قيادة المجمتع في الاسلام

7
  • ففيما كان للإنسان مثلاً تمتّع في إماتة حقّ من حقوق الغير و لا رادع يردعه و لا مجازي يجازيه و لا لائم معاتب يلومه و يعاتبه، فأيّ مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة و ارتكاب المظلمة و إن عظمت ما عظمت؟! و أمّا ما يتوّهم ـ و كثيرًا ما يخطئ فيه الباحث ـ من الروادع المختلفة كالتعلّق بالوطن و حبّ النوع والثناء الجميل و نحو ذلك فإنّما هي عواطف قلبيّة و نزوعات باطنيّة لا سببَ حافظًا عليها إلا التعليم و التربية من غير استنادها إلى السبب الموجب، فهي إذن أوصاف اتفاقيّة و أمور عاديّة لا مانع معها يمنع من زوالها، فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتع بالعيش بعده و هو يرى أنّ الموت فناء وبطلان؟! و الثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين و لا لذّة يلتذّ به الفادي بعد بطلان ذاته.

  • و بالجملة لا يرتاب المتفكّر البصير في أنّ الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء و لا يعود إليه منه نفع، و الذي يعده و يمنّيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن و الثناء الجميل الخالد و الفخر الباقي ببقاء الدهر فإنّما هو غرور يغترّ به و خدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته و عواطفه، فيخيّل إليه أنّه بعد موته و بطلان ذاته حاله كحاله قبل موته، فيشعر بذكره الجميل فيلتذّ به، و ليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخّر بهيجان إحساساته فيعفو و يبذل من نفسه و عرضه و ماله أو كلّ كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا و عقل، و هو سكران لا يعقل و يعدّ ذلك فتوّة و هو سفه و جنون.

  • فهذه العثرات و أمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصّن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه، و لذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءًا من طريقته الجارية على أساس التوحيد الذي من شؤونه القول بالمعاد، و لازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان و يجتنّب الإساءة أينما كان و متى ما كان سواء عُلم به أو لم يُعلم، و سواء حمِدَه حامد أو لم يحمِد، و سواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن؛ فإنّ معه الله العليم الحفيظ القائم على كلّ نفس بما كسبت، و وراءه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرًا و ما عملت من سوء، و فيه تجزى كل نفس بما كسبت.۱

    1. تفسير الميزان ج٤ ، ص ۱۰۸ ـ ۱۱٢.