المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي11
التوضيح
هل السَّعيُ لرضا الله يتعارضُ مع تحقيق طموحاتنا في الحياة؟ وهل الإيمانُ بالآخرة يعني بالضَّرورة التَّخلّي عن الدُّنيا؟ وما هي حقيقةُ الحرِّيَّة الَّتي ينادي بها الإسلام، هل هي الانفلاتُ من كلِّ قيدٍ أم التَّحرُّر من عبوديّة الهوى؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يتكامل ويزدهر وهو يستندُ إلى مبادئ ثابتةٍ، وما هو السَّبيلُ إلى ذلك التَّحوُّل الاجتماعيّ المنشود؟
يجيبُ هذا البحثُ المستلُّ من تفسير الميزان عن هذه الشُّبُهات الماديّة المعاصرة، ويضعُ أُسسًا واضحةً لفهم هذه المفاهيم المحوريّة.
هو العليم
الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ
مفاهيم إسلاميّة في مواجهة الشُّبُهات الماديّة
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الحادي عشر
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٤
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبينا محمّد وآله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين
[طرح العلاّمة الطباطبائي ضمن بحوثه الاجتماعيّة بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا سلسلة من البحوث الاجتماعيّة في ۱٥ فصلاً تقدّم قسم منها ضمن سلسلة البحوث السابقة۱، وهذه هي الفصول الثامن والتاسع والعاشر منها.]
۸ـ شبهة: ألا يتنافى طلب الآخرة مع تحقيق مصالح الدنيا؟
ربّما يتوهم المتوهّم أنّ جعل الأجر الأخروي ـ وهو الغرض العام في حياة الإنسان الاجتماعيّة ـ يوجب سقوط الأغراض الحيويّة٢ التي تدعو إليها البنية الطبيعيّة الإنسانيّة، وفيه فساد نظام الاجتماع، والانحطاط إلى منحطّ الرهبانيّة. وكيف يمكن الانقطاع إلى مقصد من المقاصد مع التحفّظ على المقاصد المهمّة الأخرى؟! وهل هذا إلا تناقض؟!
لكنّه توهّم ناشئ من الجهل بالحكمة الإلهيّة والأسرار التي تكشف عنها المعارف القرآنيّة، فإنّ الإسلام يبني تشريعه على أصل التكوين كما مرّ ذكره مرارًا في المباحث السابقة من هذا الكتاب٣. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ﴾ ٤
وحاصله: أنّ سلسلة الأسباب الواقعيّة التكوينيّة تعاضدت على إيجاد النوع الإنسانيّ في ذيلها، وتوفّرت على سوقه نحو الغاية الحيويّة التي هُيِّئت له، فيجب له أن يبني حياته في ظرف الكدح والاختيار على موافقة الأسباب فيما تريد منه وتسوقه إليه، حتّى لا تناقضها حياته فيؤدّيه ذلك إلى الهلاك والشقاء. وهذا، لو تفهّمه المتوهّم، هو الدين الإسلامي بعينه. ولمّا كان هناك فوق الأسباب سبب وحيد، هو الموجد لها المدبّر لأمرها فيما دقّ وجلّ، وهو الله سبحانه الذي هو السبب التامّ فوق كلّ سبب بتمام معنى الكلمة، كان الواجب على الإنسان الإسلام له والخضوع لأمره. وهذا معنى كون التوحيد هو الأساس الوحيد للدين الإسلاميّ.
ومن هنا يظهر أنّ حفظ كلمة التوحيد والإسلام للّه وابتغاء وجهه في الحياة، جريٌ على موافقة الأسباب طرًّا، وإعطاءُ كلّ ذي حقّ منها حقّه من غير شرك ولا غفلة. فعند المرء المسلم غايات وأغراض دنيويّة وأخرى أخرويّة، وله مقاصد ماديّة وأخرى معنويّة، لكنّه لا يعتني في أمرها بأزيد مما ينبغي من الاعتناء والاهتمام. ولذلك بعينه نرى أنّ الإسلام يندب إلى توحيد الله سبحانه والانقطاع إليه والإخلاص له، والإعراض عن كلّ سبب دونه ومبتغى غيره، ومع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة والجري على المجاري الطبيعيّة.
ومن هنا يظهر أنّ أفراد المجتمع الإسلاميّ هم السعداء بحقيقة السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وأنّ غايتهم، وهو ابتغاء وجه الله في الأعمال، لا تزاحم سائر الغايات الحيويّة إذا ظهرت واستوثرت.۱
شبهة: إقامة العدالة الاجتماعيّة هي الدين فمن أقامها استغنى عنه
ومن هنا يظهر أيضًا فساد توهّم آخر، وهو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين، أنّ حقيقة الدين والغرض الأصلي منه هو إقامة العدالة الاجتماعيّة والعباديّات فروع متفرّعة عليها، فالذي يقيمها فهو على الدين ولو لم يتلبّس بعقيدة ولا عبوديّة.٢
والباحث المتدبّر في الكتاب والسنّة، وخاصّة في السيرة النبويّة، لا يحتاج في الوقوف على بطلان هذا التوهّم إلى مئونة زائدة وتكلّف استدلال على أنّ هذا الكلام، الذي يتضمّن إسقاط التوحيد وكرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينيّة، فيه إرجاع للغاية الدينيّة التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنيّة التي هي التمتّع. وقد عرفت أنهما غايتان مختلفتان لا ترجع إحداهما إلى الأخرى، لا في أصلها ولا في فروعها وثمراتها.٣
٩. ما معنى الحرية في الإسلام؟
تاريخ مصطلح الحريّة
كلمة الحريّة، على ما يراد بها من المعنى، لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدّة قرون. ولعلّ السبب المبتدع لها هي النهضة المدنيّة الأوروبيّة قبل بضعة قرون، لكنّ معناها كان جائيًا في الأذهان وأمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة.
سبب الرغبة في الحريّة
والأصل الطبيعيّ التكوينيّ الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهّز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إيّاه على العمل، فإنّها حالة نفسيّة في إبطالها إبطال الحسّ والشعور المنجرّ إلى إبطال الإنسانيّة.
غير أنّ الإنسان لمّا كان موجودًا اجتماعيًّا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع، وإلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات وفعله في الأفعال، المنجرّ إلى الخضوع لقانون يعدّل الإرادات والأعمال بوضع حدود لها. فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة والعمل هي بعينها تحدّد الإرادة والعمل، وتقيّد ذلك الإطلاق الابتدائيّ والحريّة الأوليّة.
حدود الحريّة بين الحضارة الماديّة والإسلام
والقوانين المدنيّة الحاضرة، لمّا وضعت بناء أحكامها على أساس التمتّع الماديّ كما عرفت، أنتج ذلك حريّة الأمة في أمر المعارف الأصليّة الدينيّة من حيث الالتزام بها وبلوازمها، وفي أمر الأخلاق وفي ما وراء القوانين من كلّ ما يريده ويختاره الإنسان من الإرادات والأعمال. فهذا هو المراد بالحرية عندهم.
وأما الإسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد كما عرفت، ثمّ في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة، ثمّ تعرّض لكلّ يسير وخطير من الأعمال الفرديّة والاجتماعيّة كائنة ما كانت. فلا شيء ممّا يتعلّق بالإنسان أو يتعلّق به الإنسان إلا وللشرع الإسلاميّ فيه قدم أو أثر قدم، فلا مجال ولا مظهر للحريّة بالمعنى المتقدّم فيه.
نعم، للإنسان فيه الحرية عن قيد عبوديّة غير الله سبحانه. وهذا وإن كان لا يزيد على كلمة واحدة، غير أنّه وسيع المعنى عند من بحَث بحْث تعمّق في السنّة الإسلاميّة والسيرة العمليّة التي تندب إليها وتقرّها بين أفراد المجتمع وطبقاته، ثمّ قاس ذلك إلى ما يشاهَد من سنن السؤدد والسيادة والتحكّمات في المجتمعات المتمدّنة بين طبقاتها وأفرادها أنفسها، وبين كلّ أمّة قويّة وضعيفة.
وأما من حيث الأحكام، فالتوسعة فيما أباحه الله من طيّبات الرزق ومزايا الحياة المعتدلة من غير إفراط أو تفريط. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ اَلطَّيِّبَاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ﴾۱ (الآية). وقال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً﴾٢. وقال تعالى: ﴿وَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾٣.
هل تدلّ آية ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ﴾ على حريّة الرأي والعقيدة؟
ومن عجيب الأمر ما رامه بعض الباحثين والمفسّرين وتكلّف فيه من إثبات حريّة العقيدة في الإسلام بقوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ﴾٤، وما يشابهه من الآيات الكريمة.
وقد مرّ البحث التفسيريّ عن معنى الآية في سورة البقرة٥، والذي نضيف إليه هاهنا أنّك عرفت أنّ التوحيد أساس جميع النواميس الإسلاميّة. ومع ذلك كيف يمكن أن يشرّع حرية العقائد؟ وهل ذلك إلا التناقض الصريح؟ فليس القول بحريّة العقيدة إلا كالقول بالحريّة عن حكومة القانون في القوانين المدنيّة بعينه.
وبعبارة أخرى، العقيدة ـ بمعنى حصول إدراك تصديقيّ ينعقد في ذهن الإنسان ـ ليس عملًا اختياريًّا للإنسان حتّى يتعلّق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير. وإنّما الذي يقبل الحظر والإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال كالدعوة إلى العقيدة وإقناع الناس بها وكتابتها ونشرها، وإفساد ما عند الناس من العقيدة والعمل المخالفَين لها، فهذه هي التي تقبل المنع والجواز. ومن المعلوم أنّها إذا خالفت موادَّ قانونٍ دائرٍ في المجتمع أو الأصل الذي يتكئ عليه القانون، لم يكن مناص من منعها من قبل القانون.
ولم يتّكئ الإسلام في تشريعه على غير دين التوحيد (التوحيد والنبوة والمعاد) وهو الذي يجتمع عليه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس أهل الكتاب، فليست الحريّة إلا فيها وليست فيما عداها إلا هدمًا لأصل الدين. نعم، هاهنا حريّة أخرى وهي الحريّة من حيث إظهار العقيدة في مجرى البحث وسنبحث عنها في الفصل ۱٤ الآتي.
۱۰. ألا يؤدّي الإسلام إلى ركود المجتمع بسبب نفي القوى المتضادّة منه؟
ربّما أمكن أن يقال: هب أنّ السنّة الإسلاميّة سنّة جامعة للوازم الحياة السعيدة، والمجتمع الإسلامي مجتمع سعيد مغبوط، لكنّ هذه السنة لجامعيّتها وانتفاء حريّة العقيدة فيها تستوجب ركود المجتمع ووقوفه عن التحوّل والتكامل، وهو من عيوب المجتمع الكامل كما قيل. فإنّ السير التكامليّ يحتاج إلى تحقّق القوى المتضادّة في الشيء وتفاعلها حتّى تولّد بالكسر والانكسار مولودًا جديدًا خاليًا من نواقص العوامل المولّدة التي زالت بالتفاعل. فإذا فرض أنّ الإسلام يرفع الأضداد والنواقص وخاصّة العقائد المتضادّة من أصلها، فلازمه أن يتوقّف المجتمع الذي يكوّنه عن السير التكاملي.
أقول: وهو من إشكالات المادية التحولية (ماترياليسم ديالكتيك) وفيه خلط عجيب. فإنّ العقائد والمعارف الإنسانيّة على نوعين:
ـ نوع يقبل التحوّل والتكامل: وهو العلوم الصناعيّة التي تستخدم في طريق ترفيع قواعد الحياة الماديّة، وتذليل الطبيعة العاصية للإنسان كالعلوم الرياضيّة والطبيعيّة وغيرهما. وهذه العلوم والصناعات وما في عدادها كلّما تحولت من النقص إلى الكمال أوجب ذلك تحوّل الحياة الاجتماعيّة لذلك.
ـ ونوع آخر لا يقبل التحوّل وإن كان يقبل التكامل بمعنى آخر، وهو العلوم والمعارف العامّة الإلهيّة التي تقضي في المبدأ والمعاد والسعادة والشقاء وغير ذلك قضاءً قاطعًا واقفًا غير متغيّر ولا متحوّل، وإن قبلت الارتقاء والكمال من حيث الدقّة والتعمّق. وهذه العلوم والمعارف لا تؤثّر في الاجتماعات وسنن الحياة إلا بنحو كليّ، فوقوف هذه المعارف والآراء وثبوتها على حال واحد لا يوجب وقوف الاجتماعات عن سيرها الارتقائي، كما نشاهد أنّ عندنا آراء كثيرة كليّة ثابتة على حال واحد من غير أن يقف اجتماعنا لذلك عن سيره كقولنا: إنّ الإنسان يجب أن ينبعث إلى العمل لحفظ حياته، وإنّ العمل يجب أن يكون لنفع عائد إلى الإنسان، وإن الإنسان يجب أن يعيش في حال الاجتماع، وقولنا: إنّ العالم موجود حقيقة لا وهمًا، وإنّ الإنسان جزء من العالم، وإنّ الإنسان جزء من العالم الأرضيّ، وإنّ الإنسان ذو أعضاء وأدوات وقوى إلى غير ذلك من الآراء والمعلومات الثابتة التي لا يوجب ثبوتها ووقوفها وقوف الاجتماعات وركودها. ومن هذا القبيل القول بأنّ للعالم إلهًا واحدًا شرع للناس شرعًا جامعًا لطرق السعادة من طريق النبوّة، وسيجمع الجميع إلى يوم يوفّيهم فيه جزاء أعمالهم. وهذه هي الكلمة الوحيدة التي بنى عليها الإسلام مجتمعه وتحفّظ عليها كلّ التحفّظ.
ومن المعلوم أنّه مما لا يوجب باصطكاك ثبوته ونفيه وإنتاج رأي آخر فيه إلا انحطاط المجتمع كما بيّن مرارًا. وهذا شأن جميع الحقائق الحقّة المتعلّقة بما وراء الطبيعة، فإنكارها بأيّ وجه لا يفيد للمجتمع إلا انحطاطًا وخسّة.
والحاصل أنّ المجتمع البشري لا يحتاج في سيره الارتقائي إلاّ إلى التحوّل والتكامل يومًا فيومًا في طرق الاستفادة من مزايا الطبيعة، وهذا إنّما يتحقّق بالبحث الصناعيّ المداوم وتطبيق العمل على العلم دائمًا، والإسلام لا يمنع من ذلك شيئًا.
وأما تغيّر طريق إدارة المجتمعات وسنن الاجتماع الجارية كالاستبداد الملوكيّ والديمقراطيّة والكمونيزم۱ ونحوها، فليس بلازم إلا من جهة نقصها وقصورها عن إيفاء الكمال الإنساني الاجتماعيّ المطلوب، لا من جهة سيرها من النقص إلى الكمال. فالفرق بينها لو كان فإنّما هو فرق الغلط والصواب لا فرق الناقص والكمال. فإذا استقرّ أمر السنّة الاجتماعيّة على ما يقصده الإنسان بفطرته وهو العدالة الاجتماعيّة، واستظلّ الناس تحت التربية الجيّدة بالعلم النافع والعمل الصالح، ثمّ أخذوا يسيرون مرتاحين ناشطين نحو سعادتهم بالارتقاء في مدارج العلم والعمل ولا يزالون يتكاملون ويزيدون تمكّنًا واتساعًا في السعادة، فما حاجتهم إلى تحوّل السنّة الاجتماعيّة زائدًا على ذلك؟ ومجرّد وجوب التحوّل على الإنسان من كلّ جهة حتّى فيما لا يحتاج فيه إلى التحوّل مما لا ينبغي أن يقضي به ذو نظر وبصيرة.
شبهة ضرورة تغيّر المعتقدات بتغيّر الظروف وجوابها
فإن قلت: لا مناص من عروض التحوّل في جميع ما ذكرت أنّه مستغن عنه كالاعتقادات والأخلاق الكليّة ونحوها، فإنّها جميعًا تتغيّر بتغيّر الأوضاع الاجتماعيّة والمحيطات المختلفة ومرور الأزمنة. فلا يجوز أن ينكر أن الإنسان الجديد تغاير أفكاره أفكار الإنسان القديم، وكذا الإنسان يختلف نحو تفكّره بحسب اختلاف مناطق حياته كالأراضي الاستوائيّة والقطبيّة والنقاط المعتدلة، وكذا بتفاوت أوضاع حياته من خادم ومخدوم وبدويّ وحضريّ ومثرٍ ومعدَم وفقير وغنيّ ونحو ذلك. فالأفكار والآراء تختلف باختلاف العوامل وتتحوّل بتحوّل الأعصار بلا شكّ كائنة ما كانت.
قلت: الإشكال مبنيّ على نظريّة نسبية العلوم والآراء الإنسانيّة، ولازمها كون الحقّ والباطل والخير والشرّ أمورًا نسبيّة إضافيّة. فالمعارف الكليّة النظريّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد، وكذا الآراء الكليّة العمليّة كالحكم بكون الاجتماع خيرًا للإنسان وكون العدل خيرًا حكمًا كليًّا لا من حيث انطباقه على المورد، تكون أحكامًا نسبيّة متغيّرة بتغيّر الأزمنة والأوضاع والأحوال، وقد بيّنا في محله٢ فساد هذه النظرية من حيث كليتها.
وحاصل ما ذكرناه هناك أنّ النظريّة غير شاملة للقضايا الكليّة النظريّة وقسم من الآراء الكليّة العمليّة. وكفى في بطلان كليّتها أنّها لو صحّت (أي كانت كليّة مطلقة ثابتة) أثبتت قضيّة مطلقة غير نسبيّة وهي نفسها، ولو لم تكن كليّة مطلقة بل قضيّة جزئية أثبتت بالاستلزام قضيّة كليّة مطلقة، فكليّتها باطلة على أيّ حال. وبعبارة أخرى، لو صحّ أنّ “كلّ رأي واعتقاد يجب أن يتغيّر يومًا” وجب أن يتغيّر نفس هذا الرأي يومًا، أي لا يتغيّر بعض الاعتقادات أبدًا، فافهم ذلك.۱