14

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ

غلبة الحقّ في نهاية المطاف

51
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي14


التوضيح

كيف راعى الإسلام طبيعة البشر الاجتماعية في تشريعاته وعقائده؟ وما أسباب اختلاف الناس في فهم الدين، وكيف عالجها القرآن؟ هل يكفل الإسلام حرية التفكير والبحث بعيداً عن القمع؟ وكيف تختلف هذه الرؤية عن تجارب الأمم السابقة؟ وأخيراً، هل حقاً سيطوي الدين الحق مسيرة البشرية ليحكم العالم بأسره في النهاية؟
تكتشفون إجابات هذه التساؤلات العميقة في هذا البحث الاجتماعيّ القيّم للعلّامة الطباطبائي.

/۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ

  • غلبة الحقّ في نهاية المطاف

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الرابع عشر

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٤

  •  

  •  

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  • إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • [طرح العلاّمة الطباطبائي ضمن بحوثه الاجتماعيّة بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا ۱٥ فصلاً من البحوث الاجتماعيّة تقدّمت قسم منها ضمن سلسلة البحوث السابقة۱، وهذان الفصلان الرابع عشر والخامس عشر منها:]

  • ۱٤ـ الإسلام اجتماعيّ بجميع شئونه

  • يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الآية) على ما مرّ بيانه٢ وآيات أخر كثيرة. 

  • و صفة الاجتماع مرعيّة مأخوذة في الإسلام في جميع ما يمكن أن يؤدّى بصفة الاجتماع من أنواع النواميس٣ و الأحكام بحسب ما يليق بكلّ منها من نوع الاجتماع، و بحسب ما يمكن فيه من الأمر و الحثّ الموصل إلى الغرض، فينبغي للباحث أن يعتبر الجهتين معًا في بحثه: 

  • أنواع التكاليف الاجتماعيّة في الإسلام حسب جهتي البحث

  • الجهة الأولى: الاختلاف من حيث “شكل الاجتماع وطبيعته”

  • فالجهة الأولى من الاختلاف ما نرى أنّ الشارع شرع الاجتماع مستقيمًا في الجهاد إلى حدّ يكفي لنجاح الدفاع و هذا نوع.

  • و شرع وجوب الصوم و الحجّ مثلاً للمستطيع غير المعذور، و لازمه اجتماع الناس للصيام و الحجّ، وتممّ ذلك بالعيدين: الفطر و الأضحى، و الصلاة المشروعة فيهما. و شرّع وجوب الصلوات اليوميّة عينيًّا لكلّ مكلّف من غير أن يوجب فيها جماعة، و تدارك ذلك بوجوب الجماعة في صلاة الجمعة في كلّ أسبوع مرّة، صلاة جماعة واحدة في كلّ أربعة فراسخ. و هذا نوع آخر. 

  • الجهة الثانية: الاختلاف من حيث “الحكم الشرعي ودرجة إلزامه الوجوبي أو الاستحبابي”

  • و الجهة الثانية ما نرى أنّ الشارع شرع وجوب الاجتماع في أشياء بلا واسطة كما عرفت و ألزم على الاجتماع في أمور أخرى غير واجبة لم يوجب الاجتماع فيها مستقيمًا كصلاة الفريضة مع الجماعة فإنّها مسنونة مستحبّة غير أنّ السنّة جرت على أدائها جماعة و على الناس أن يقيموا السنّة٤. و قد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم في قوم من المسلمين تركوا الحضور في الجماعة: «ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم». و هذا هو السبيل في جميع ما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فيجب حفظ سنته على المسلمين بأي وسيلة أمكنت لهم و بأي قيمة حصلت.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

3
  • و هذه أمور سبيل البحث فيها الاستنباط الفقهي من الكتاب و السنة و المتصدي لبيانها الفقه الإسلامي.

  • ملاحظة الإسلام للاجتماع في المعارف الأساسيّة 

  • و أهمّ ما يجب هاهنا هو عطف عنان البحث إلى جهة أخرى، و هي اجتماعيّة الإسلام في معارفه الأساسيّة بعد الوقوف على أنّه يراعي الاجتماع في جميع ما يدعو الناس إليه من قوانين الأعمال (العباديّة و المعامليّة و السياسيّة) و من الأخلاق الكريمة و من المعارف الأصليّة. 

  • من مظاهر الدعوة إلى الاجتماع الدعوة إلى دين الفطرة وعذر المستضعف

  • نرى الإسلام يدعو الناس إلى دين الفطرة بدعوى أنّه الحق الصريح الذي لا مرية فيه، و الآيات القرآنيّة الناطقة بذلك كثيرة مستغنية عن الإيراد، و هذا أوّل التآلف و التآنس مع مختلف الأفهام؛ فإنّ الأفهام على اختلافها و تعلّقها بقيود الأخلاق و الغرائز لا تختلف في أن «الحقّ يجب اتباعه».

  • ثمّ نراه يعذر من لم تقم عليه البيّنة و لم تتّضح له المحجّة و إن قرعت سمعه الحجّة قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‌َ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾۱ و قال تعالى: ﴿إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجَالِ وَ اَلنِّسَاءِ وَ اَلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كَانَ اَللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾٢ انظر إلى إطلاق الآية و مكان قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾، و هذا يعطي الحريّة التامّة لكلّ متفكّر يرى نفسه صالحة للتفكّر مستعدّة للبحث و التنقير أن يتفكّر فيما يتعلّق بمعارف الدين و يتعمّق في تفهّمها و النظر فيها. على أنّ الآيات القرآنيّة مشحونة بالحثّ و الترغيب في التفكّر و التعقّل و التذكّر. 

  • أسباب اختلاف الناس في الفهم وعلاجها

  • و من المعلوم أنّ اختلاف العوامل الذهنيّة و الخارجيّة مؤثر في اختلاف الأفهام من حيث تصوّرها وتصديقها و نيلها و قضائها، و هذا يؤدّي إلى الاختلاف في الأصول التي بني على أساسها المجتمع الإسلاميّ كما تقدّم.

  • إلا أنّ الاختلاف بين إنسانين في الفهم على ما يقضي به فنّ معرفة النفس و فنّ الأخلاق و فنّ الاجتماع يرجع إلى أحد أمور: 

    1. سورة الأنفال، الآية ٤٢.
    2. سورة النساء، الآية ٩٩.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

4
  • ۱ـ اختلاف الأخلاق

  • إما إلى اختلاف الأخلاق النفسانيّة و الصفات الباطنة من الملكات الفاضلة و الرديّة فإن لها تأثيرًا وافرًا في العلوم و المعارف الإنسانيّة من حيث الاستعدادات المختلفة التي تودعها في الذهن، فما إدراك الإنسان المنصف و قضاؤه الذهنيّ كإدراك الشموس المتعسّف، و لا نيل المعتدل الوقور للمعارف كنيل العجول و المتعصّب و صاحب الهوى و الهمجيّ الذي يتّبع كلّ ناعق و الغويّ الذي لا يدري أين يريد و لا أنى يراد به. و التربية الدينيّة تكفي مئونة هذا الاختلاف فإنّها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينيّة من المعارف و العلوم، و تستولد من الأخلاق ما يناسب تلك الأصول و هي مكارم الأخلاق قال تعالى: ﴿كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسىَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلى‌َ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾۱ و قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾٢ و قال تعالى: ﴿وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾٣ و انطباق الآيات على مورد الكلام ظاهر.

  • ٢ـ اختلاف الأفعال

  • و إمّا أن يرجع إلى اختلاف الأفعال، فإنّ الفعل المخالف للحقّ كالمعاصي و أقسام التهوّسات الإنسانيّة، و من هذا القبيل أقسام الإغواء و الوساوس يلقّن الإنسان و خاصّة العاميّ الساذج الأفكار الفاسدة ويعدّ ذهنه لدبيب الشبهات و تسرّب الآراء الباطلة فيه، و تختلف إذ ذاك الأفهام و تتخلّف عن اتباع الحقّ! و قد كفى مئونة هذا أيضًا الإسلام حيث أمر المجتمع بإقامة الدعوة الدينيّة دائمًا أوّلاً، و كلّف المجتمع بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ثانيًا، و أمر بهجرة أرباب الزيغ و الشبهات ثالثًا. قال تعالى: 

  • ﴿وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ﴾ (الآية) ٤ فالدعوة إلى الخير تستثبت الاعتقاد الحقّ و تقرّه في القلوب بالتلقين و التذكير، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يمنعان من ظهور الموانع من رسوخ الاعتقادات الحقّة في النفوس، و قال تعالى: ﴿وَ إِذَا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‌ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ لَكِنْ ذِكْرى‌َ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الآيات)٥، ينهى الله تعالى عن المشاركة في الحديث الذي فيه خوض في شي‌ء من المعارف الإلهيّة و الحقائق الدينيّة بشبهة أو اعتراض أو استهزاء و لو بنحو الاستلزام أو التلويح، و يذكر أنّ ذلك من فقدان الإنسان أمر الجدّ في معارفه، و أخذه بالهزل و اللعب و اللهو، و أنّ منشأه الاغترار بالحياة الدنيا، و أنّ علاجه التربية الصالحة و التذكير بمقامه تعالى.

    1. سورة الأحقاف، الآية ٣٠.
    2. سورة المائدة، الآية ١٦.
    3. سورة العنكبوت، الآية ٦٩.
    4. سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
    5. سورة الأنعام، الآية ٧٠.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

5
  • ٣ـ البعد وعدم وصول المعارف

  • و إمّا أن يكون الاختلاف من جهة العوامل الخارجيّة كبعد الدار و عدم بلوغ المعارف الدينيّة إلا يسيرة أو محرّفة أو قصور فهم الإنسان عن تعقّل الحقائق الدينيّة تعقّلاً صحيحًا كالجربزة و البلادة المستندتين إلى خصوصيّة المزاج. و علاجه تعميم التبليغ و الإرفاق في الدعوة و التربية، و هذان من خصائص السلوك التبليغي في الإسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلى‌ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي﴾۱، ومن المعلوم أنّ البصير بالأمر يعرف مبلغ وقوعه في القلوب و أنحاء تأثيراته المختلفة باختلاف المتلقّين و المستمعين، فلا يبذل أحد إلا مقدار ما يعيه منه، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه الفريقان: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم‌، و قال تعالى: ﴿فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾٢، فهذه جمل ما يتّقى به وقوع الاختلاف في العقائد أو يعالج به إذا وقع.

  • و قد قرّر الإسلام لمجتمعه دستورًا اجتماعيًّا فوق ذلك يقيه عن دبيب الاختلاف المؤدّي إلى الفساد والانحلال، فقد قال تعالى: ﴿وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٣ فبيّن أنّ اجتماعهم على اتباع الصراط المستقيم وتحذّرهم عن اتباع سائر السبل يحفظهم عن التفرّق و يحفظ لهم الاتحاد و الاتفاق، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا﴾٤ و قد مرّ أنّ المراد بحبل الله هو القرآن المبيّن لحقائق معارف الدين، أو هو و الرسول صلّى الله عليه وآله و سلم على ما يظهر من قوله تعالى قبله: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‌ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اَللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾٥.

    1. سورة يوسف، الآية ١٠٨.
    2. سورة التوبة، الآية ١٢٢.
    3. سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
    4. سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
    5. سورة آل عمران، الآية ١٠١.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

6
  • تدلّ الآيات على لزوم أن يجتمعوا على معارف الدين و يرابطوا أفكارهم و يمتزجوا في التعليم و التعلّم فيستريحوا في كلّ حادث فكريّ أو شبهة ملقاة إلى الآيات المتلوّة عليهم و التدبّر فيها لحسم مادّة الاختلاف و قد قال تعالى: ﴿أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾۱، و قال: ﴿وَ تِلْكَ اَلْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ اَلْعَالِمُونَ﴾٢ و قال: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾٣ فأفاد أنّ التدبّر في القرآن أو الرجوع إلى من يتدبّر فيه يرفع الاختلاف من البين.

  • و تدلّ على أنّ الإرجاع إلى الرسول و هو الحامل لثقل الدين يرفع من بينهم الاختلاف و يبيّن لهم الحقّ الذي يجب عليهم أن يتّبعوه، قال تعالى: ﴿وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾٤، و قريب منه قوله تعالى: ﴿وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى‌ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾٥، و قوله: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾٦، فهذه صورة التفكّر الاجتماعيّ في الإسلام.

  • و منه يظهر أنّ هذا الدين كما يعتمد بأساسه على التحفّظ على معارفه الخاصّة الإلهيّة، كذلك يسمح للنّاس بالحريّة التامّة في الفكر، و يرجع محصّله إلى أنّ من الواجب على المسلمين أن يتفكّروا في حقائق الدين ويجتهدوا في معارفه تفكّرًا و اجتهادًا بالاجتماع و المرابطة، و إن حصلت لهم شبهة في شي‌ء من حقائقه ومعارفه أو لاح لهم ما يخالفها فلا بأس به، و إنّما يجب على صاحب الشبهة أو النظر المخالف أن يعرض ما عنده على كتاب الله بالتدبّر في بحث اجتماعي، فإن لم يداو داءه عرضه على الرسول أو من أقامه مقامه حتّى تنحلّ شبهته أو يظهر بطلان ما لاح له إن كان باطلاً، قال تعالى ﴿اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ هَدَاهُمُ اَللَّهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ﴾۷.

    1. سورة النساء، الآية ٨٢.
    2. سورة العنكبوت، الآية ٤٣.
    3. سورة النحل، الآية ٤٣.
    4. سورة النحل، الآية ٤٤.
    5. سورة النساء، الآية ٨٣.
    6. سورة النساء، الآية ٥٩.
    7. سورة الزمر، الآية ١٨.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

7
  • و الحريّة في العقيدة و الفكر على النحو الذي بيّناه غير الدعوة إلى هذا النظر و إشاعته بين الناس قبل العرض فإنّه مفض إلى الاختلاف المفسد لأساس المجتمع القويم.

  • هذا أحسن ما يمكن أن يدبّر به أمر المجتمع في فتح باب الارتقاء الفكريّ على وجهه مع الحفظ على حياته الشخصية، و أما تحميل الاعتقاد على النفوس و الختم على القلوب و إماتة غريزة الفكرة في الإنسان عنوة و قهرًا و التوسّل في ذلك بالسوط أو السيف أو بالتكفير و الهجرة و ترك المخالطة، فحاشا ساحة الحقّ و الدين القويم أن يرضى به أو يشرع ما يؤيده، و إنّما هو خصّيصة نصرانيّة و قد امتلأ تاريخ الكنيسة من أعمالها و تحكّماتها في هذا الباب و خاصّة فيما بين القرن الخامس و بين القرن السادس عشر الميلاديّين بما لا يوجد نظائره في أشنع ما عملته أيدي الجبابرة و الطواغيت و أقساه.

  • و لكن من الأسف أنا معاشر المسلمين سُلِبنا هذه النعمة و ما لزمها (الاجتماع الفكريّ و حريّة العقيدة) كما سُلِبنا كثيرًا من النعم العظام التي كان الله سبحانه أنعم علينا بها لما فرّطنا في جنب الله و ﴿إِنَّ اَللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فحكمت فينا سيرة الكنيسة و استتبع ذلك أن تفرّقت القلوب وظهر الفتور و تشتّتت المذاهب و المسالك. يغفر الله لنا و يوفّقنا لمرضاته و يهدينا إلى صراطه المستقيم.

  • ۱٥ـ الدين الحق هو الغالب على الدنيا في النهاية

  • و العاقبة للتقوى، فإنّ النوع الإنسانيّ بالفطرة المودوعة فيه يطلب سعادته الحقيقيّة، و هو استواؤه على عرش حياته الروحيّة و الجسميّة معًا حياة اجتماعيّة بإعطاء نفسه حظّها من السلوك الدنيويّ و الأخرويّ، و قد عرفت أنّ هذا هو الإسلام و دين التوحيد.

  • و أما الانحرافات الواقعة في سير الإنسانيّة نحو غايتها و في ارتقائها إلى أوج كمالها، فإنّما هو من جهة الخطإ في التطبيق، لا من جهة بطلان حكم الفطرة، و الغاية التي يعقبها الصنع و الإيجاد لا بدّ أن تقع يومًا معجّلاً أو على مهل، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يريد أنّهم لا يعلمون ذلك علمًا تفصيليًّا و إن علمته فطرتهم إجمالاً، إلى أن قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إلى أن قال: ﴿ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾۱، و قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾٢، و قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ﴾٣ و قال تعالى: ﴿وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوى‌﴾٤ فهذه و أمثالها آيات تخبرنا أنّ الإسلام سيظهر ظهوره التامّ فيحكم على الدنيا قاطبة.

    1. سورة الروم، الآيات ٣٠ـ ٤١.
    2. سورة المائدة، الآية ٥٤.
    3. سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
    4. سورة طه، الآية ١٣٢.

التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ - غلبة الحقّ في نهاية المطاف

8
  • و لا تصغ إلى قول من يقول: إنّ الإسلام و إن ظهر ظهورًا ما و كانت أيّامه حلقة من سلسلة التاريخ فأثّرت أثرها العامّ في الحلقات التالية و اعتمدت عليها المدنيّة الحاضرة شاعرة بها أو غير شاعرة، لكنّ ظهوره التامّ أعني حكومة ما في فرضيّة الدين بجميع موادّها و صورها و غاياتها ممّا لا يقبله طبع النوع الإنسانيّ و لن يقبله أبدًا و لم يقع عليه بهذه الصفة تجربة حتّى يوثق بصحّة وقوعه خارجًا و حكومته على النوع تامّة.

  • و ذلك أنّك عرفت أنّ الإسلام بالمعنى الذي نبحث فيه غاية النوع الإنساني و كماله الذي هو بغريزته متوجّه إليه شعر به تفصيلاً أو لم يشعر، و التجارب القطعيّة الحاصلة في أنواع المكونات يدلّ على أنّها متوجّهة إلى غايات مناسبة لوجوداتها يسوقها إليها نظام الخلقة، و الإنسان غير مستثنى من هذه الكليّة.

  • على أنّ شيئًا من السنن و الطرائق الدائرة في الدنيا الجارية بين المجتمعات الإنسانيّة لم يتّكِ في حدوثه وبقائه و حكومته على سبق تجربة قاطعة، فهذه شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ظهرت حينما ظهرت ثمّ جرت بين الناس، و كذا ما أتى به برهما و بوذا و ماني و غيرهم، و تلك سنن المدنيّة الماديّة كالديمقراطيّة و الكمونيسم۱ و غيرهما كلّ ذلك جرى في المجتمعات الإنسانيّة المختلفة بجرياناتها المختلفة من غير سبق تجربة.

  • و إنّما تحتاج السنن الاجتماعيّة في ظهورها و رسوخها في المجتمع إلى عزائم قاطعة و همم عالية من نفوس قويّة لا يأخذها في سبيل البلوغ إلى مآربها عيّ و لا نصب، و لا تذعن بأنّ الدهر قد لا يسمح بالمراد والمسعى قد يخيب، و لا فرق في ذلك بين الغايات و المآرب الرحمانيّة و الشيطانيّة.٢