المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي10
التوضيح
ما الفارق الجوهريّ بين منطق الإحساس ومنطق التعقّل في توجيه السلوك الإنسانيّ؟ ولماذا يعجز دافع المنفعة الدنيويّة عن منع الخيانة والجريمة في الخفاء؟ وكيف يتفوّق المنهج القرآنيّ في نظريّة “إحدى الحسنيين” على النظرة الماديّة القاصرة؟ وما السرّ الذي دفع المسلمين الأوائل للاعتراف بذنوبهم طواعيةً؟
يُعالج هذا المقال هذه التساؤلات، مقارناً بين الدوافع الماديّة والمنطق الإلهيّ، ومبيّناً أثر التربية الإسلاميّة العقليّة في استقامة النفس البشريّة وضمان التزامها بالحقّ في السّر والعلن.
هو العليم
منطق العقل و منطق الإحساس في الحياة الاجتماعيّة
النفع العابر والنفع الباقي
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث العاشر
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٤
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
إلى قيام يوم الدين
[طرح العلاّمة الطباطبائي ضمن بحوثه الاجتماعيّة بعد آية ﴿ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾۱ سلسلة من البحوث الاجتماعيّة في ۱٥ فصلاً تقدّمت ضمن البحوث السابقة٢، وإليك الفصل السابع منها.]
۷ـ منطقان: منطق التعقّل و منطق الإحساس
أمّا منطق الإحساس فهو يدعو إلى النفع الدنيويّ و يبعث إليه، فإذا قارن الفعلَ نفعٌ و أحسّ به الإنسان، فالإحساس متوقّد شديد التوقان في بعثه و تحريكه، و إذا لم يحسّ الإنسان بالنفع فهو خامد هامد.
و أمّا منطق التعقّل فإنّما يبعث إلى اتّباع الحق و يرى أنّه أحسن ما ينتفع به الإنسان أحسّ مع الفعل بنفع مادّي أو لم يحسّ، فإنّ ما عند الله خير و أبقى.
مثالان على منطقي الإحساس والتعقّل: قول عنترة وآية إحدى الحسنيين
و قس في ذلك بين قول عنترة و هو على منطق الإحساس:
| و قولي كلّما جشأت و جاشت | *** | مكانَك تُحمدي أو تستريحي |
يريد أنّي أستثبت نفسي كلّما تزلزلت في الهزاهز و المواقف المهولة من القتال بقولي لها: اثبتي فإن قُتلتِ يحمدك الناس على الثبات و عدم الانهزام، و إن قتلتِ العدوّ استرحتِ و نلت بغيتك، فالثبات خير على أيّ حال، و بين قوله تعالى و هو على منطق التعقّل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اَللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾٣، يريد أنّ أمر ولايتنا و انتصارنا إلى الله سبحانه لا نريد في شيء ممّا يصيبنا من خير أو شرّ إلا ما وعدنا من الثواب على الإسلام له و الالتزام لدينه كما قال تعالى: ﴿لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاَ نَصَبٌ وَ لاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفَّارَ وَ لاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ وَ لاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً وَ لاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اَللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾٤.
و إذا كان كذلك فإن قتلتمونا أو أصابنا منكم شيء كان لنا عظيم الأجر و العاقبة الحسنى عند ربّنا، و إن قتلناكم أو أصبنا منكم شيئًا كان لنا عظيم الثواب و العاقبة الحسنى و التمكّن في الدنيا من عدوّنا، فنحن على أيّ حال سعداء مغبوطون و لا تتحفون لنا في قتالنا و لا تتربّصون بنا في أمرنا إلا إحدى الحسنيين، فنحن على الحسنى و السعادة على أيّ حال، و أنتم على السعادة و نيل البغية بعقيدتكم على أحد التقديرين، و في إحدى الحالين و هو كون الدائرة لكم علينا فنحن نتربّص بكم ما يسوؤكم و أنتم لا تتربّصون بنا إلا ما يسرّنا و يسعدنا.
تحليل المثالين وانحصار منطق الإحساس بحالة النفع الدنيويّ
فهذان منطقان: أحدهما يعني الثبات و عدم الزوال على مبنى إحساسيّ و هو أنّ للثابت أحد نفعين: إما حمد الناس و أما الراحة من العدوّ، هذا إذا كان هناك نفع عائد إلى الإنسان المقاتل الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة، أما إذا لم يكن هناك نفع عائد كما لو لم يحمده الناس لعدم تقديرهم قدر الجهاد و تساوى عندهم الخدمة و الخيانة، أو كانت الخدمة مما ليس من شأنه أن يظهر لهم البتّة أو لا هي و لا الخيانة، أو لم يسترح الإحساس بفناء العدوّ بل إنّما يستريح به الحقّ، فليس لهذا المنطق إلا العيّ و اللكنة.
أسباب البغي والخيانة والجناية في منطق الإحساس
و هذه الموارد المعدودة هي الأسباب العامّة في كلّ بغي و خيانة و جناية، يقول الخائن المساهل في أمر القانون إنّ خدمته لا تقدّر عند الناس بما يعدلها، و إنّ الخادم و الخائن عندهم سواء، بل الخائن أحسن حالاً و أنعم عيشًا، و يرى كلّ باغ و جان أنّه سيتخلّص من قهر القانون، و أنّ القوى المراقبة لا يقدرون على الحصول عليه، فيخفي أمره و يلتبس على الناس شخصه.
و يعتذر كلّ من يتثبّط و يتثاقل في إقامة الحقّ و الثورة على أعدائه و يداهنهم بأنّ القيام على الحقّ يذلّله بين الناس، و يُضحك منه الدنيا الحاضرة، و يعدّونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الأساطير، فإن ذكّرته بشرافة النفس و طهارة الباطن ردّ عليك قائلاً: ما أصنع بشرافة النفس إذا جرّت إلى نكد العيش و ذلّة الحياة؟! هذا.
و أما المنطق الآخر و هو منطق الإسلام فهو يبني أساسه على اتّباع الحقّ و ابتغاء الأجر و الجزاء من الله سبحانه، و إنّما يتعلّق الغرض بالغايات و المقاصد الدنيويّة في المرتبة التالية و بالقصد الثاني، و من المعلوم أنّه لا يشذّ عن شموله مورد من الموارد، و لا يسقط كليّته من العموم و الاطّراد، فالعمل ـ أعمَّ من الفعل و الترك ـ إنمّا يقع لوجهه تعالى و إسلامًا له و اتباعًا للحقّ الذي أراده، و هو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم، و لا عاصم منه، و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و الله بما تعملون خبير، فعلى كلّ نفس ـ فيما وردت مورد عمل أو صدرت ـ رقيب شهيد قائم بما كسبت، سواء شهده الناس أو لا، حمدوه أو لا، قدروا فيه على شيء أو لا.
أثر التربية الإسلاميّة العقليّة على الناس في عهد رسول الله (ص)
و قد بلغ من حسن تأثير التربية الإسلاميّة أنّ الناس كانوا يأتون رسول الله صلّى الله عليه وآله فيعترفون عنده بجرائمهم و جناياتهم بالتوبة و يذوقون مرّ الحدود التي تقام عليهم ـ القتل فما دونه ـ ابتغاء رضوان الله و تطهيرًا لأنفسهم من قذارة الذنوب و درن السيّئات، و بالتأمّل في هذه النوادر الواقعة يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب تأثير البيان الدينيّ في نفوس الناس، و تعويده لهم السماحة في ألذّ الأشياء و أعزّها عندهم و هي الحياة و ما في تلوها، و لو لا أنّ البحث قرآني لأوردنا طرفا من الأمثلة التاريخيّة فيه.۱