المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي0
التوضيح
متى وكيف بدأت مسيرة البشريّة على هذه الأرض؟ وهل ينتهي الإنسان الحاليّ إلى أب واحد أمّ إلى سلالات خلت؟ وماذا تفيد المعطيات الجيولوجيّة في هذا المجال؟كيف يُفسّر الاختلاف التشريعيّ في زواج الطبقة الأولى من بني آدم؟ وهل تمايز الألوان البشريّة يعود لتعدد الآباء؟
يجيب العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه عن ذلك في هذه البحث المأخوذ من تفسير الميزان.
هو العليم
عمر الإنسان وبدء خلقه
نقد نظريّة داروين
بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث التمهدي
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ۱
نقاط في تفسير الآية
غرض الآية ووصفها الله بأنّه الذي خلق من نفس واحدة
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَ نِساءً﴾ يريد دعوتهم إلى تقوى ربّهم في أمر أنفسهم وهم ناس متّحدون في الحقيقة الإنسانيّة من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم والمرأة، والصغير والكبير، والعاجز والقويّ، حتّى لا يجحف الرجل منهم بالمرأة، ولا يظلم كبيرهم الصغير في مجتمعهم الذي هداهم الله إليه لتتميم سعادتهم، والأحكام والقوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم إياها لتسهيل طريق حياتهم، وحفظ وجودهم وبقائهم فرادى ومجتمعين.
ومن هناك تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصّة، وكذا تعليق التقوى بربهم دون أن يقال: اتَّقُوا اللَّهَ ونحوه فإنّ الوصف الذي ذكّروا به أعني قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ «إلخ» يعمّ جميع الناس من غير أن يختصّ بالمؤمنين، وهو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير والتكميل لا من شئون الألوهيّة.
وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ «إلخ» فالنفس على ما يستفاد من اللغة عين الشيء يقال: جاءني فلان نفسه وعينه وإن كان منشأ تعيّن الكلمتين النفس والعين لهذا المعنى (ما به الشيء شيء) مختلفًا، ونفس الإنسان هو ما به الإنسان إنسان، وهو مجموع روح الإنسان وجسمه في هذه الحياة الدنيا والروح وحدها في الحياة البرزخيّة على ما تحقّق فيما تقدّم من البحث في قوله تعالى: ﴿وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ الآية﴾٢.
معنى النفس الواحدة وزوجها
وظاهر السياق أنّ المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام، ومن زوجها زوجته، وهما أبوا هذا النسل الموجود الذي نحن منه وإليهما ننتهي جميعًا على ما هو ظاهر القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾٣، وقوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾٤، وقوله تعالى: حكاية عن إبليس: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾٥.
وأمّا ما احتمله بعض المفسّرين أنّ المراد بالنفس الواحدة وزوجها في الآية مطلق الذكور والإناث من الإنسان الزوجين اللذين عليهما مدار النسل، فيئول المعنى إلى نحو قولنا: خلق كلّ واحد منكم من أب وأمّ بشرين من غير فرق في ذلك بينكم فيناظر قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾۱، حيث إنّ ظاهره نفي الفرق بين الأفراد من جهة تولّد كلّ واحد منهم من زوجين من نوعه: ذكر وأنثى. ففيه فساد ظاهر وقد فاته أنّ بين الآيتين ـ أعني آية النساء وآية الحجرات ـ فرقًا بيّنًا؛ فإنّ آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانيّة، ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكوّن كلّ واحد منهم إلى أب وأم إنسانين فلا ينبغي أن يتكبّر أحدهم على الآخرين ولا يتكرّم إلا بالتقوى، وأما آية النساء فهي في مقام بيان اتّحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة، وأنّهم على كثرتهم رجالاً ونساء إنّما اشتقّوا من أصل واحد وتشعّبوا من منشإ واحد فصاروا كثيرًا على ما هو ظاهر قوله: ﴿وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً﴾، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر والأنثى الناسلين من الإنسان، على أنّه لا يناسب غرض السورة أيضًا كما تقدّم بيانه.
وأما قوله: ﴿وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ فقد قال الراغب: يقال لكلّ واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل، ولكلّ ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضادًّا: زوج، إلى أن قال: وزوجة لغة رديئة، انتهى.
وظاهر الجملة أعني قوله: ﴿وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ أنّها بيان لكون زوجها من نوعها بالتماثل وأنّ هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعًا إلى فردين متماثلين متشابهين، فلفظة من نشوئية، والآية في مساق قوله تعالى: ﴿وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً﴾٢، وقوله تعالى: ﴿وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً﴾٣، وقوله تعالى: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾٤، ونظيرها قوله: ﴿وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾٥، فما في بعض التفاسير: أنّ المراد بالآية كون زوج هذه النفس مشتقّة منها وخلقُها من بعضها وفاقًا لما في بعض الأخبار: أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه، مما لا دليل عليه من الآية.
وأما قوله: ﴿وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً﴾، البث هو التفريق بالإثارة ونحوها قال تعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾۱، ومنه بثّ الغمّ ولذلك ربّما يطلق البثّ ويراد به الغمّ لأنّه مبثوث يبثّه الإنسان بالطبع، قال تعالى ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾٢، أي غمّي وحزني.
وظاهر الآية أنّ النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: ﴿و بثّ منهما رجالاً كثيرًا و نساء﴾، و لم يقل: منهما و من غيرهما، و يتفرّع عليه أمران:
أحدهما: أنّ المراد بقوله: ﴿رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً﴾ أفرادُ البشر من ذريّتهما بلا واسطة أو مع واسطة، فكأنّه قيل: و بثّكم منهما أيّها الناس.
وثانيهما: أنّ الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم وزوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة والأخوات (ازدواج البنين بالبنات) إذ الذكور والإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ، ولا ضير فيه فإنّه حكم تشريعيّ راجع إلى الله سبحانه، فله أن يبيحه يومًا ويحرّمه آخر، قال تعالى: ﴿وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾٣، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾٤، وقال: ﴿وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾٥، وقال: ﴿وَ هُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.٦
كم عمر الإنسان على الأرض؟
يذكر تاريخ اليهود أنّ عمر هذا النوع لا يزيد على ما يقرب من سبعة آلاف سنة، والاعتبار يساعده؛ فإنّا لو فرضنا ذكرًا وأنثى زوجين اثنين من هذا النوع وفرضناهما عائشين زمانًا متوسّطا من العمر، في مزاج متوسّط، في وضع متوسّط من الأمن والخصب والرفاهية ومساعدة سائر العوامل والشرائط المؤثرة في حياة الإنسان، ثمّ فرضناهما وقد تزوّجا وتناسلا وتوالدا في أوضاع متوسّطة متناسبة، ثمّ جعلنا الفرض بعينه مطّردًا فيما أولدا من البنين والبنات على ما يعطيه متوسّط الحال في جميع ذلك، وجدنا ما فرضناه من العدد أوّلا وهو اثنان فقط يتجاوز في قرن واحد ـ رأس المائة ـ الألف أي إنّ كلّ نسمة يولّد في المائة سنة ما يقرب من خمس مائة نسمة.
ثمّ إذا اعتبرنا ما يتصدّم به الإنسان من العوامل المضادّة له في الوجود والبلايا العامّة لنوعه من الحرّ والبرد والطوفان والزلزلة والجدب والوباء والطاعون والخسف والهدم والمقاتل الذريعة والمصائب الأخرى غير العامّة، وأعطيناها حظّها من هذا النوع أوفر حظ، وبالغنا في ذلك حتّى أخذنا الفناء يعمّ الأفراد بنسبة تسعمائة وتسعة وتسعين إلى الألف، وأنه لا يبقى في كلّ مائة سنة من الألف إلا واحد، أي إنّ عامل التناسل في كلّ مائة سنة يزيد على كلّ اثنين بواحد وهو واحد من ألف.
ثمّ إذا صعدنا بالعدد المفروض أوّلاً بهذا الميزان إلى مدّة سبعة آلاف سنة (۷۰ قرنًا) وجدناه تجاوز بليونين ونصفًا، وهو عدد النفوس الإنسانيّة اليوم على ما يذكره الإحصاء العالمي.
فهذا الاعتبار يؤيّد ما ذُكر من عمر نوع الإنسان في الدنيا. لكنّ علماء الجيولوجي (علم طبقات الأرض) ذكروا أنّ عمر هذا النوع يزيد على مليونات من السنين، وقد وجدوا من الفسيلات الإنسانيّة والأجساد والآثار ما يتقدّم عهده على خمسمائة ألف سنة على ما استظهروه، فهذا ما عندهم، غير أنه لا دليل معهم يقنع الإنسان ويرضي النفس باتصال النسل بين هذه الأعقاب الخالية والأمم الماضية من غير انقطاع، فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه الأرض ثمّ كثر ونما وعاش، ثمّ انقرض، ثمّ تكرّر الظهور والانقراض ودار الأمر على ذلك عدّة أدوار، على أن يكون نسلنا الحاضر هو آخر هذه الأدوار.
وأما القرآن الكريم فإنّه لم يتعرّض تصريحًا لبيان أنّ ظهور هذا النوع هل ينحصر في هذه الدورة التي نحن فيها أو أن له أدوارا متعدّدة نحن في آخرها؟ وإن كان ربّما يستشمّ من قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ (الآية)۱ سبق دورة إنسانيّة أخرى على هذه الدورة الحاضرة، وقد تقدّمت الإشارة إليه في تفسير (الآية).٢
نعم في بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ما يثبت للإنسانيّة أدوارًا كثيرة قبل هذه الدورة وسيجيء في البحث الروائي.
هل الألوان المختلفة لأصناف الناس دليل على تعدّد الآباء؟
ربما قيل: إنّ اختلاف الألوان في أفراد الإنسان وعمدتها البياض كلون أهل النقاط المعتدلة من آسيا وأوربا، والسواد كلون أهل إفريقيا الجنوبيّة، والصفرة كلون أهل الصين واليابان، والحمرة كلون الهنود الأمريكيّين، يقضي بانتهاء النسل في كلّ لون إلى غير ما ينتهي إليه نسل اللون الآخر، لما في اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء، وعلى هذا فالمبادي الأُوَل لمجموع الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة.
وربّما يستدلّ عليه بأنّ قارة أمريكا انكشفت ولها أهل وهم منقطعون عن الإنسان القاطن في نصف الكرة الشرقيّ بالبعد الشاسع الذي بينهما انقطاعًا لا يرجى ولا يحتمل معه أنّ النسلين يتّصلان بانتهائهما إلى أب واحد وأم واحدة.
والدليلان كما ترى مدخولان:
أما مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان فلأنّ الأبحاث الطبيعيّة اليوم مبنيّة على فرضيّة التطوّر في الأنواع، ومع هذا البناء كيف يطمأنّ بعدم استناد اختلاف الدماء فاختلاف الألوان إلى وقوع التطوّر في هذا النوع؟! وقد جزموا بوقوع تطوّرات في كثير من الأنواع الحيوانيّة كالفرس والغنم والفيل وغيرها، وقد ظفر البحث والفحص بآثار أرضيّة كثيرة يكشف عن ذلك؟ على أنّ العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء.۱
وأما مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار فإنّ العهد الإنسانيّ على ما يذكره علماء الطبيعة يزهو إلى ملايين من السنين، والذي يضبطه التاريخ النقليّ لا يزيد على ستّة آلاف سنة، وإذا كان كذلك فما المانع من حدوث حوادث فيما قبل التاريخ تجزّي قارة أمريكا عن سائر القارات، وهناك آثار أرضيّة كثيرة تدل على تغييرات هامّة في سطح الأرض بمرور الدهور من تبدل بحر إلى برّ وبالعكس، وسهل إلى جبل وبالعكس، وما هو أعظم من ذلك كتبدّل القطبين والمنطقة على ما يشرحه علوم طبقات الأرض والهيئة والجغرافيا فلا يبقى لهذا المستدلّ إلا الاستبعاد فقط. هذا.
وأما القرآن فظاهره القريب من النصّ٢ أنّ هذا النسل الحاضر المشهود من الإنسان ينتهي بالارتقاء إلى ذكر وأنثى هما الأب والأمّ لجميع الأفراد. أمّا الأب فقد سمّاه الله تعالى في كتابه بآدم، وأما زوجته فلم يسمّها في كتابه، ولكنّ الروايات تسمّيها حوّاء كما في التوراة الموجودة، قال تعالى: ﴿وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾٤. وقال تعالى: ﴿وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾٥ الآية، وقال تعالى: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾٦ الآيات فإنّ الآيات كما ترى تشهد بأنّ سنّة الله في بقاء هذا النسل أن يُتسبّب إليه بالنطفة لكنّه أظهره حينما أظهره بخلقه من تراب، وأنّ آدم خُلق من تراب، وأنّ الناس بنوه، فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته ممّا لا ريب فيه وإن لم تمتنع من التأويل.
وربّما قيل: إنّ المراد بآدم في آيات الخلقة والسجدة آدم النوعيّ دون الشخصيّ كان مطلق الإنسان من حيث انتهاء خلقه إلى الأرض ومن حيث قيامه بأمر النسل والإيلاد سمّي بآدم، وربّما استظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.۱ فإنّه لا يخلو عن إشعار بأنّ الملائكة إنّما أمروا بالسجدة لمن هيّأه الله لها بالخلق والتصوير، وقد ذكرت الآية أنّه جميع الأفراد لا شخص إنسانيّ واحد معيّن حيث قال: ﴿وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾، وهكذا قوله تعالى: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إلى أن قال: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ إلى أن قال: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.٢ حيث أبدل ما ذكره مفردًا أوّلاً من الجمع ثانيًا.
ويردّه ـ مضافًا إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلناه من الآيات ـ ظاهرُ قوله تعالى بعد سرد قصّة آدم وسجدة الملائكة وإباء إبليس في سورة الأعراف: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾٣ فظهور الآية في شخصيّة آدم مما لا ينبغي أن يرتاب فيه.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾٤، وكذا الآية المبحوث عنها: ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً﴾ (الآية)، بالتقريب الذي مرّ بيانه.
فالآياتكما ترى تأبى أن يسمّى الإنسان آدم باعتبار وابن آدم باعتبار آخر، وكذا تأبى أن تنسب الخلقة إلى التراب باعتبار وإلى النطفة باعتبار آخر، وخاصّة في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الآية)، وإلا لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى خلقة استثنائيّة ناقضة للعادة الجارية. فالقول بآدم النوعيّ في حدّ التفريط، والإفراط الذي يقابله قول بعضهم: إنّ القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنة.
نقد نظريّة دارون
الآيات السابقة تكفي مؤونة هذا البحث فإنّها تنهي هذا النسل الجاري بالنطفة إلى آدم وزوجته، وتبيّن أنّهما خلقا من تراب، فالإنسانيّة تنتهي إليهما، وهما لا يتّصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما وإنّما حدثا حدوثًا.
والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أنّ الإنسان الأوّل فرد تكامل إنسانًا. وهذه الفرضيّة بخصوصها وإن لم يتسلّمها الجميع تسلّمًا يقطع الكلام واعترضوا عليها بأمور كثيرة مذكورة في الكتب، لكنّ أصل الفرضيّة وهي «أنّ الإنسان حيوان تحوّل إنسانًا» مما تسلّموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان.
فإنّهم فرضوا أنّ الأرض وهي أحد الكواكب السيّارة قطعة من الشمس مشتقّة منها وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان، ثمّ أخذت في التبرّد من تسلّط عوامل البرودة، وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة وتجري عليها السيول وتتكوّن فيها البحار، ثمّ حدثت تراكيب مائيّة وأرضيّة، فحدثت النباتات المائيّة ثمّ حدث ـ بتكامل النبات واشتماله على جراثيم الحياة ـ السمكُ وسائر الحيوان المائيّ، ثمّ السمك الطائر ذو الحياتين، ثمّ الحيوان البريّ، ثمّ الإنسان، كلّ ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضيّ الموجود في المرتبة السابقة يتحوّل به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة، فالنبات ثمّ الحيوان المائيّ ثمّ الحيوان ذو الحياتين، ثمّ الحيوان البريّ، ثمّ الإنسان على الترتيب هذا. كلّ ذلك لما يشاهد من الكمال المنظّم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال ولما يعطيه التجريب في موارد جزئيّة التطور.
وهذه فرضيّة افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواصّ والآثار من غير قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها، مع إمكان فرض هذه الأنواع متباينة من غير اتّصال بينها بالتطوّر وقصر التطوّر على حالات هذه الأنواع دون ذواتها، وهي التي جرى فيها التجارب، فإنّ التجارب لم يتناول فردًا من أفراد هذه الأنواع تحوّل إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان، وإنّما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصّها ولوازمها وأعراضها.
واستقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع، وإنما المقصود الإشارة إلى أنّه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل قاطع، فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعًا مفصولاً عن سائر الأنواع غير معارضة بشيء علميّ.
كيف تناسلت الطبقة الثانية من أبناء آدم؟
الطبقة الأولى من الإنسان وهي آدم وزوجته تناسلت بالازدواج، فأولدت بنين وبنات (إخوة وأخوات) فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم وهم إخوة وأخوات أو بطريق غير ذلك؟ ظاهر إطلاق قوله تعالى: ﴿وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً﴾ الآية على ما تقدّم من التقريب أنّ النسل الموجود من الإنسان إنّما ينتهي إلى آدم وزوجته من غير أن يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أنثى، ولم يذكر القرآن للبثّ إلا إياهما، ولو كان لغيرهما شركة في ذلك لقال: وَ بَثَّ مِنْهُما و من غيرهما، أو ذكر ذلك بما يناسبه من اللفظ، ومن المعلوم أنّ انحصار مبدإ النسل في آدم وزوجته يقضي بازدواج بنيهما من بناتهما.
وأما الحكم بحرمته في الإسلام وكذا في الشرائع السابقة عليه على ما يحكى فإنّما هو حكم تشريعيّ يتبع المصالح والمفاسد، لا تكوينيّ غير قابل للتغيير، وزمامه بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فمن الجائز أن يبيحه يومًا لاستدعاء الضرورة ذلك، ثمّ يحرمه بعد ذلك لارتفاع الحاجة واستيجابه انتشار الفحشاء في المجتمع.
والقول بأنّه على خلاف الفطرة وما شرّعه الله لأنبيائه دين فطريّ، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾۱، فاسد فإنّ الفطرة لا تنفيه ولا تدعو إلى خلافه من جهة تنفّرها عن هذا النوع من المباشرة (مباشرة الأخ الأخت) وإنّما تبغضه وتنفيه من جهة تأديته إلى شيوع الفحشاء والمنكر وبطلان غريزة العفّة بذلك وارتفاعها عن المجتمع الإنساني، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من التماسّ والمباشرة إنّما ينطبق عليه عنوان الفجور والفحشاء في المجتمع العالميّ اليوم، وأما المجتمع يوم ليس هناك بحسب ما خلق الله سبحانه إلا الإخوة والأخوات والمشيّة الإلهية متعلقه بتكثّرهم وانبثاثهم فلا ينطبق عليه هذا العنوان.
والدليل على أن الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزيّة تداوله بين المجوس أعصارًا طويلة ـ على ما يقصّه التاريخ ـ وشيوعه قانونيًّا في روسيا ـ على ما يحكى ـ وكذا شيوعه سفاحًا من غير طريق الازدواج القانونيّ في أوربا.٢
وربّما يقال: إنّه مخالف للقوانين الطبيعيّة وهي التي تجري في الإنسان قبل عقده المجتمع الصالح لإسعاده، فإنّ الاختلاط والاستيناس في المجتمع المنزليّ يبطل غريزة التعشّق والميل الغريزيّ بين الإخوة والأخوات كما ذكره بعض علماء الحقوق۱.
وفيه أنّه ممنوع كما تقدّم أوّلاً، ومقصور في صورة عدم الحاجة الضروريّة ثانيًا، ومخصوص بما لا تكون القوانين الوضعيّة غير الطبيعيّة حافظة للصلاح الواجب الحفظ في المجتمع، ومتكفّلة لسعادة المجتمعين، وإلا فمعظم القوانين المعمولة والأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعية.٢
نظرة في الروايات حول ما تقدّم
في التوحيد، عن الصادق عليه السالم في حديث قال: «لعلك ترى أنّ الله لم يخلق بشرًا غيركم؟ بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميّين».
أقول: ونقل ابن ميثم في شرح نهج البلاغة عن الباقر عليه السلام ما في معناه، ورواه الصدوق في الخصال أيضًا.
وفي الخصال، عن الصادق عليه السلام قال: «إن الله تعالى خلق اثني عشر ألف عالم، كلّ عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أنّ للّه عزّ وجلّ عالمًا غيرهم».
وفيه، عن أبي جعفر عليه السلام: «لقد خلق الله عزّ وجلّ في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدًا بعد واحد مع عالمه، ثمّ خلق الله عزّ وجلّ آدم أبا البشر وخلق ذريّته منه»، (الحديث).
وفي نهج البيان، للشيباني عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (ع): من أيّ شيء خلق الله حواء؟ فقال (ع): «أي شيء يقولون هذا الخلق؟»
قلت يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم.
فقال: «كذبوا أكان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟»
فقلت: جعلت فداك من أيّ شيء خلقها؟
فقال: «أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله ص: إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طينفخلطها بيمينه وكلتا يديه يمين فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء».
أقول: ورواه الصدوق عن عمرو مثله، وهناك روايات أخر تدلّ على أنّها خلقت من خلف آدم وهو أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر، وكذا ورد في التوراة في الفصل الثاني من سفر التكوين، وهذا المعنى وإن لم يستلزم في نفسه محالاً إلا أن الآيات القرآنيّة خالية عن الدلالة عليه كما تقدّم.
وفي الإحتجاج، عن السجاد عليه السلام في حديث له مع قرشيّ يصف فيه تزويج هابيل بلوزا أخت قابيلوتزويج قابيل بإقليما أخت هابيل، قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟
قال: «نعم».
فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم.
قال: فقال: «إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله»، ثمّ قال له: «لا تنكر هذا إنما هي شرائع الله جرت، أ ليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهمثم أنزل الله التحريم بعد ذلك»، (الحديث).
أقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب والاعتبار، وهناك روايات أخر تعارضها وهي تدلّ على أنّهم تزوّجوا بمن نزل إليهم من الحور والجانّ وقد عرفت الحقّ في ذلك.۱