8

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة

التقليد واتّباع الخرافة

21
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم العقائد

العدد التسلسلي8


التوضيح

ما هما النوعان الأساسيّان لعلوم الإنسان؟ وما هو معيار الصواب في كلّ منهما ومتى تسمّى خرافة؟ وما هو سبب تبنّي الخرافة؟ هل تختصّ الخرافة بالشرقيّين دون الغربيّين؟ ما هي أهمّ خرافات الحضارة المعاصرة؟ أليس نفي ما وراء الحسّ اعتمادًا على الحسّ خرافة؟ أوليس جعل الفرد فداء للمجتمع خرافة؟ وهل صحيح أنّ الدين يرجع إلى العهد الثاني من عهود تطوّر البشريّة؟
يعالج العلاّمة الطباطبائي هذه المسائل في هذا البحث المنتخب من تفسيره العظيم.

/۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة 

  • التقليد واتّباع الخرافة

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الثامن

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج۱

  •  

  •  

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • [بحث العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه حول خرفات الحضارة المعاصرة ضمن بحثه عن التقليد والخرافة في تفسير آية ﴿وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾، وقد تناول فيه موضوعين اجتماعيّين: 

  • أحدهما: فداء الفردِ المجتمعَ بنفسه. والذي تعرّض له أيضًا في تفسير آية ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات... ﴾ وقد أضيف إليه.

  • والثاني: نقد نظرية أوغست كونت في المراحل التي مرّ بها المجتمع الإنساني من حيث نمط أفكاره ومدركاته، ولذلك أدرج هذا البحث ضمن سلسلة البحوث الاجتماعيّة أيضًا، إضافة إلى البحوث العقائديّة.] 

  • تفسير قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله

  • قوله تعالى: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾، الإلفاء الوجدان أي وجدنا عليه آباءنا، و الآية تشهد بما استفدناه من الآية السابقة في معنى خطوات الشيطان.

  • قوله تعالى: ﴿أَ وَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لاَ يَهْتَدُونَ﴾، جواب عن قولهم، و بيانه أنه قول بغير علم و لا تبين، و ينافيه صريح العقل فإن قولهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، قول مطلق أي نتبع آباءنا على أي حال و على أي وصف كانوا، حتى لو لم يعلموا شيئا و لم يهتدوا و نقول ما فعلوه حق، و هذا هو القول بغير علم، و يؤدي إلى القول بما لا يقول به عاقل لو تنبه له و لو كانوا اتبعوا آباءهم فيما علموه و اهتدوا فيه و هم يعلمون: أنهم علموا و اهتدوا فيه لم يكن من قبيل الاهتداء بغير علم.

  • و من هنا: يعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لاَ يَهْتَدُونَ﴾، ليس واردا مورد المبالغة نظرا إلى أن سلب مطلق العلم عن آبائهم مع كونهم يعلمون أشياء كثيرة في حياتهم لا يحتمل إلا المبالغة.

  • و ذلك أن الكلام مسوق سوق الفرض بإبداء تقدير لا يقول بجواز الاتباع فيه قائل ليبطل به إطلاق قولهم نتبع ما ألفينا عليه آباءنا و هو ظاهر.۱

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

3
  • التقليد و اتباع الخرافة

  • العلوم النظريّة والعمليّة عند الإنسان ومعنى الخرافة

  • الآراء و العقائد التي يتّخذها الإنسان إمّا نظريّة لا تعلّق لها بالعمل من غير واسطة كالمسائل المتعلّقة بالرياضيّات و الطبيعيّات و ما وراء الطبيعة، و إما عمليّة متعلقة بالعمل بلا واسطة كالمسائل المتعلّقة بما ينبغي فعله و ما لا ينبغي. 

  • و السبيل في القسم الأول هو اتّباع العلم و اليقين المنتهي إلى برهان أو حسّ، و في القسم الثاني اتباع ما يوصل إلى الخير الذي فيه سعادة الإنسان أو النافع فيها، و اجتناب ما ينتهي إلى شقائه أو يضرّه في سعادته، و أما الاعتقاد بما لا علم له بكونه حقًّا في القسم الأول، و الاعتقاد بما لا يعلم كونه خيرًا أو شرًّا فهو اعتقاد خرافي.

  • لماذا يخضع الإنسان للخرافة؟

  • و الإنسان لمّا كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء و الطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة، فإنّه لا تخضع نفسه إلى الرأي الخرافيّ المأخوذ على العمياء و جهلاً، إلا أنّ العواطف النفسانيّة و الإحساسات الباطنيّة التي يثيرها الخيال ـ و عمدتها الخوف و الرجاء ـ ربّما أوجبت له القول بالخرافة من جهة أنّ الخيال يصوّر له صورًا تستصحب خوفًا أو رجاء فيحفظها إحساس الخوف أو الرجاء، و لا يدعها تغيب عن النفس الخائفة أو الراجية، كما أنّ الإنسان إذا أحلّ 

  • واديًا ـ و هو وحده بلا أنيس و الليل داج مظلم و البصر حاسر عن الإدراك ـ فلا مؤمّن يؤمّنه [بتمييز] المخاطر من غيرها بضياء و نحوه، فترى أنّ خياله يصوّر له كل شبح يترائى له غولاً مهيبًا يقصده بالإهلاك أو روحًا من الأرواح، و ربّما صوّر له حركة و ذهابًا و إيابًا و صعودًا في السماء و نزولاً إلى الأرض، و أشكالاً و تماثيل، ثمّ لا يزال الخيال يكرّر له هذا الشبه المجعول كلّما ذكره و حاله حاله من الخوف، ثمّ ربّما نقله لغيره فأوجد فيه حالاً نظير حاله و لا يزال ينتشر، و هو موضوع خرافيّ لا ينتهي إلى حقيقة.

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

4
  • و ربّما هيّج الخيال حسّ الدفاع من الإنسان أن يضع أعمالاً لدفع شرّ هذا الموجود الموهوم و يحثّ غيره على العمل بها للأمن من شرّه فيذهب سنّة خرافيّة.

  • ابتلاء الشرقيين والغربيّين بالخرافة ومحاولات العلماء للتخلّص منها

  • و لم يزل الإنسان منذ أقدم أعصار حياته مبتلى بآراء خرافيّة حتّى اليوم، و ليس كما يظنّ من أنّها من خصائص الشرقيّين؛ فهي موجودة بين الغربيّين مثلهم لو لم يكونوا أحرص عليها منهم.

  • و لا يزال الخواصّ من الإنسان ـ و هم العلماء ـ يحتالون في إمحاء رسوم هذه الخرافات المتمكّنة في نفوس العامّة من الناس بلطائف حيلهم التي توجب تنبّه العامّة و تيقّظهم في أمرها، و قد أعيا الداء الطبيب فإنّ الإنسان لا يخلو من التقليد و الاتباع في الآراء النظريّة و المعلومات الحقيقيّة من جانب، و من الإحساسات و العواطف النفسانيّة من جانب آخر، و ناهيك في ذلك أنّ العلاج لم ينجح إلى اليوم.

  • نماذج من الخرافات المعاصرة

  • الخرافتان الأولى والثانية: نفي ما وراء الحسّ وبناء الحضارة على الكمال الميسور 

  • و أعجب من الجميع ما يراه في ذلك أهل الحضارة و علماء الطبيعة اليوم! فقد ذكروا أنّ العلم اليوم يبنى أساسه على الحسّ و التجربة و يدفع ما دون ذلك، و المدنية و الحضارة تبني أساسها على استكمال الاجتماع في كلّ كمال ميسور ما استيسر۱، و بنوا التربية على ذلك.

  • تفنيد خرافة نفي ما وراء الحسّ

  • مع أنّ ذلك ـ و هو عجيب ـ نفسه من اتباع الخرافة؛ فإنّ علوم الطبيعة إنّما تبحث عن خواصّ الطبيعة وتثبتها لموضوعاتها، و بعبارة أخرى هذه العلوم الماديّة إنّما تكشف دائمًا عن خبايا خواصّ المادة، و أمّا ما وراء ذلك فلا سبيل لها إلى نفيه و إبطاله؛ فالاعتقاد بانتفاء ما لا يناله الحسّ و التجربة من غير دليل من أظهر الخرافات.

  • تفنيد خرافة نسبة كمال المجتمع إلى الفرد

  • و مثلها القول: إنّ الإنسان يجب له تحمّل مرّ القانون و الصبر على الحرمان في بعض ما تشتهيه نفسه ليتحفّظ به الاجتماع فينال كماله في الباقي، فيعتقد أنّ كمالَ الاجتماع كمالُه٢

    1. توضيحه كما يفهم من كلامه الآتي: أنّ المجتمع يبني بقاءه على ما يتيسّر من الكمال ويضحّي من أجل ذلك بما لم يتيسّر، فمثلاً لو تعرّض المجتمع لخطر فإنّ الكمال المتيسّر هو أن يبقى جماعة على قيد الحياة بينما يضحّي بعض الأفراد بحياتهم لأجلهم. فبقاء حياة هذه الجماعة هو الميسور، وفداء بعض الأفراد أنفسهم غير ميسور. وسيبيّن العلاّمة رضوان الله عليه أنّ هذا بنفسه خرافة، لأنّ أصل وجود المجتمع إنّما كان لأجل الفرد، لا أنّ الفرد هو لأجل المجتمع، ولكنّهم يروّجون لهذه الخرافة بتهييج الأحاسيس والمشاعر وتصوير أنّ لمن يفدي نفسه ذكر باق وحياة دائمة على الألسن، والحال أنّه مع انعدام الإنسان فلا فائدة تعود عليه من بقاء ذكره وما شابه، وهو مجرّد خرافة، أمّا في الإسلام فلأنّه يرى حياة آخرة فالتضحية هي من أجل الحقّ والحصول على الثواب الأخرويّ تعدّ أمرًا صحيحًا.(م)
    2. أي كمال للفرد (م)

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

5
  • و هذه خرافة، فإنّ كمال الاجتماع إنّما هو كماله فيما يتطابق الكمالان۱ و أمّا غير ذلك فلا. فأيّ موجب على فرد ـ بالنسبة إلى كماله أو اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع الدنيا إذا قدر على نيل ما يبتغيه من آماله و لو بالجور و فاق في القوّة و الاستطاعة من غير مقاوم يقاومه ـ أن يعتقد أنّ كمال الاجتماع كمالُه و الذكرَ الجميل فخارُه؟! كما أنّ أقوياء الأمم لا يزالون على الانتفاع من حياة الأمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئًا إلا وطؤوه، و لا منالاً إلا نالوه، و لا نسمة إلا استرقّوها و استعبدوها، و هل ذلك إلا علاجًا لمزمن الداء بالإفناء؟!

  • تفنيد مسألة فداء الوطن بالنفس لأجل بقاء الذكر الجميل

  • و كذلك بناء المدنيّة على استكمال الاجتماع المذكور فإنّ هذا الاستكمال و نيل السعادة الاجتماعيّة٢ ربّما يستلزم حرمان بعض الأفراد من سعادته الحيويّة الفرديّة كتحمّل القتل و التفدية في الدفاع عن الوطن أو القانون أو المرام٣، و المحروميّة من سعادة الشخص لأجل وقاية حريم الاجتماع، فهذه الحرمانات لا يقدِم فيها الإنسان إلا عن عقيدة الاستكمال، و أن يراها كمالات ـ و ليست كمالات لنفسه ـ بل عدم وحرمان لها، و إنّما هي كمالات ـ لو كانت كمالات ـ للمجتمع من حيث هو مجتمع، و إنما يريد الإنسان الاجتماع لأجل نفسه لا نفسه لأجل الاجتماع، و لذلك كلّه ما احتالت هذه الاجتماعات٤ لأفرادها فلقّنوهم أنّ الإنسان يكتسب بالتفدية ذكرًا جميلاً و اسمًا باقيًا على الفخر دائمًا و هو الحياة الدائمة، و هذه خرافة، وأيّ حياة بعد البطلان و الفناء؟! غير أنّا نسمّيها حياة تسمية ليس وراءها شي‌ء! 

  • منهج القرآن الكريم في العلم والعمل

  • و أما ما سلكه القرآن في ذلك فهو أمره باتباع ما أنزل الله و النهي عن القول بغير علم، هذا في النظر، وأما في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله فيه فإن كان مطابقًا لما تشتهيه النفس كان فيه سعادة الدنيا و الآخرة، وإن كان فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، و ما عند الله خير و أبقى.٥

    1. أي كمال المجتمع وكمال الفرد (م)
    2. في الأصل: النيل بالسعادة (م)
    3. أي العقيدة. (م)
    4. أي ولذلك كلّه كانت الحيل التي احتالت بها المجتمعات. (م)
    5. تفسير الميزان ج۱ ص٤٢۱ ـ ٤٢٢

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

6
  • أليس معنى بل أحياء ولكن لا تشعرون هو بقاء الذكر؟ 

  • [وأمّا]۱ قوله تعالى: ﴿وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَتَشْعُرُونَ﴾ (الآية)٢، ربّما يقال: إنّ الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله و رسوله و اليوم الآخر و أذعنوا بالحياة الآخرة، و لا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت، بعد ما أجابوا دعوة الحقّ و سمعوا شيئًا كثيرًا من الآيات الناطقة بالمعاد، مضافًا إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، و هم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، و جميع الكفّار، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم، و الذكر الجميل على مرّ الدهور، و بذلك فسّره جمع من المفسرين.

  • و يردّه أوّلاً: أنّ كون هذه حياة إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، و مثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، و هو تعالى يدعو إلى الحقّ و يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ﴾٣ ، و أما الذي سأله إبراهيم في قوله: ﴿وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ﴾ ٤فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة، و لسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه و جميل ذكره بعده فحسب.

  • نعم هذا القول الباطل، و الوهم الكاذب إنما يليق بحال الماديين، و أصحاب الطبيعة، فإنهم اعتقدوا: مادية النفوس و بطلانها بالموت و نفوا الحياة الآخرة، ثمّ أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس و تأثّرها بالسعادة و الشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية، لا سيّما في عظائم العزائم التي يموت و يقتل فيها أقوام ليحيا و يعيش آخرون، و لو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان ـ و خاصّة إذا اعتقد بالموت و الفوت ـ أن يُبطل ذاته ليبقيَ ذات آخرين، و لا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتّع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئًا إلا و يأخذ بدله، و أما الإعطاء من غير بدل، و الترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، و الحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال و حظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام و الخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر و جميل الثناء، و يجب عليه أن يحرم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع و الحضارة، و يتمّ العدل الاجتماعيّ فينال بذلك حياة الشرف و العلاء.

    1. أضيفت هذه الكلمة لربط الكلام بما قبله وليست من الأصل. (م)
    2. سورة البقرة، الآية ۱٥٤.
    3. سورة يونس، الآية ٣٢.
    4. سورة الشعراء، الآية ٨٤.

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

7
  • و ليت شعري إذا لم يكن إنسان، و بطل هذا التركيب المادي، و بطل بذلك جميع خواصه، و من جملتها الحياة و الشعور، فمن هو الذي ينال هذه الحياة و هذا الشرف؟ و من الذي يدركه و يلتذّ به؟ فهل هذا إلا خرافة؟!

  • و ثانيًا: أنّ ذيل الآية و هو قوله تعالى: ﴿وَ لَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، لا يناسب هذا المعنى، بل كان المناسب له أن يقال: بل أحياء ببقاء ذكرهم الجميل، و ثناء الناس عليهم بعدهم، لأنّه المناسب لمقام التسلية وتطييب النفس.

  • و ثالثًا: أن نظيرة هذه الآية ـ و هي تفسّرها ـ وصف حياتهم بعد القتل بما ينافي هذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾۱ إ لى آخر الآيات ومعلوم أنّ هذه الحياة حياة خارجيّة حقيقيّة ليست بتقديريّة.

  • و رابعًا: أنّ الجهل بهذه الحياة التي بعد الموت ليس بكلّ البعيد من بعض المسلمين في أواسط عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم؛ فإنّ الذي هو نصّ غير قابل للتأويل إنّما هو البعث للقيامة، و أمّا ما بين الموت إلى الحشر ـ و هي الحياة البرزخية ـ فهي و إن كانت من جملة ما بيّنه القرآن من المعارف الحقّة، لكنّها ليست من ضروريّات القرآن...٢

  • الخرافة الثالثة: نظريّة أوغست كنت في تقسيم التاريخ البشري إلى أربع عهود وعدّه اتباع الدين خرافة 

  • و الذي يقوله أصحاب الحسّ: أنّ اتّباع الدين تقليد يمنع عنه العلم، و أنّه من خرافات العهد الثاني من العهود الأربعة المارّة على نوع الإنسان ـ و هي عهد الأساطير و عهد المذهب٣ و عهد الفلسفة و عهد العلم، و هو الذي عليه البشر اليوم من اتباع العلم و رفض الخرافات ـ فهو قول بغير علم و رأي خرافيّ.

  • أمّا إنّ اتباع الدين تقليد فيبطله: أنّ الدين مجموع مركب من معارف المبدأ و المعاد، و من قوانين اجتماعية من العبادات و المعاملات مأخوذة من طريق الوحي و النبوة الثابت صدقه بالبرهان. و المجموعة من الأخبار التي أخبر بها الصادق صادقة و اتّباعها اتّباع للعلم لأنّ المفروض العلم بصدق مخبرها بالبرهان، و قد مرّ في البحث التالي لقوله تعالى ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾٤، كلام في التقليد فارجع.٥

    1. سورة آل عمران، الآية ١٩٦.
    2. تفسير الميزان ج۱، ٣٤٥ـ ٣٤٦.
    3. أي الدين (م)
    4. سورة البقرة، الآية ٦٧.
    5. الميزان ج۱ ص ٢۰٩. والبحث المنتخب تحت عنوان: التقليد وطلب الدليل بين الذم والمدح

ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة - التقليد واتّباع الخرافة

8
  • و من العجيب أنّ هذا القول قول من ليس بيده في أصول الحياة و سنن الاجتماع: من مأكله و مشربه وملبسه و منكحه و مسكنه و غير ذلك إلا التقليد على العمى و اتباع الهوى من غير تثبّت و تبيّن، نعم اختلقوا للتقليد اسمًا آخر و هو اتّباع السنّة التي ترتضيها الدنيا الراقية فصار التقليد بذلك ممحوّ الاسم ثابت الرسم، مهجور اللفظ، مأنوس المعنى، و كان (ألقِ دلوك في الدلاء) شعارًا علميًّا و رقيًّا مدنيًّا وعاد (و لا تتبع الهوى فيضلّك) تقليدًا دينيًّا و قولاً خرافيًّا.

  • و أما تقسيمهم سير الحياة الإنسانيّة إلى أربعة عهود، فما بأيدينا من تاريخ الدين و الفلسفة يكذّبه فإنّ طلوع دين إبراهيم إنّما كان بعد عهد الفلسفة بالهند و مصر و كلدان، و دين عيسى بعد فلسفة يونان و كذا دين محمّد صلّى الله عليه وآله و سلم ـ و هو الإسلام ـ كان بعد فلسفة يونان و إسكندريّة، و بالجملة غاية أوج الفلسفة كانت قبل بلوغ الدين أوجه. و قد مرّ فيما مرّ أنّ دين التوحيد يتقدّم في عهده على جميع الأديان الأخر.۱

  • و الذي يرتضيه القرآن من تقسيم تاريخ الإنسان هو تقسيمه إلى عهد السذاجة و وحدة الأمم و عهد الحس و المادة، و سيجي‌ء بيانه في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ﴾٢و٣

    1. مرّ في تفسير الميزان، ج‌۱، ص: ٤۰۱. 
    2. سورة البقرة، الآية ٢١٣. راجع تفسيرالميزان ج٢ ص ۱۱۱. والبحوث المنتخبة تحت عناوين:
      ۱ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
      ٢ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
      ٣ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
    3. تفسير الميزان، ج۱ ص ـ ٤٢٢ ـ ٤٢٤.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.