1

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني

مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

37
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم القرآن والحديث والدعاء

العدد التسلسلي1


التوضيح

ما هي مزايا تفسير الميزان وكيف استطاع أن يجمع بين العقل والنقل، والظاهر والباطن، ليصبح وثيقة عالمية تدافع عن الإسلام ومدرسة التشيّع بلا تعصب؟ وما هو سرّ منهج “تفسير القرآن بالقرآن” الذي اعتمده العلامة الطباطبائي؟ وكيف قام هذا التفسير بتلبية حاجات العصر والرد على المدارس الأخرى المعاصرة؟ ولماذا قيل إن الحوزات العلمية تحتاج لمائتي عام لتدرك قيمته الحقيقية؟ ولماذا كان محور مؤلّفات ومحاضرات العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه؟ وما الذي دفعه إلى الاعتقاد بأنّ قلم الوحي والإلهام جرى على يد العلاّمة الطباطبائي حين تأليفه؟
هذه التساؤلات العميقة يجيب عنها هذا العرض الشامل لمنزلة ومزايا هذا السفر القرآني الخالد بقلم

/۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني

  • مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

  •  

  • تفسير الميزان في نظر العلامة الطهراني ـ البحث الأول

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: معرفة الله ـ الشمس الساطعة

  •  

  •  

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

2
  •  

  •  

  • أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ‌

  • بِسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‌

  • و صلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا محمَّدٍ و اله الطَّيِّبِين الطَّاهِرِين‌

  • و لَعْنَةُ اللهِ عَلَى أعْدَائهِمْ أجْمَعِين مِنَ الآنَ إلى قِيامِ يَوْمِ الدِّين‌

  • و لَا حَولَ و لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيم

  •  

  •  

  • تفسير الميزان محور دروس ومؤلّفات العلاّمة الطهراني 

  • منذ عودة هذا الحقير المسكين من النجف الأشرف في شهر شوّال المكرّم سنة ۱٣۷٦ هـ۱ وحتّى هذا التأريخ، و هو شهر ربيع الأوّل من عام ۱٤۰۰ هـ، كان محور البحث الذي دار بيني و بين الأشقّاء والروحانيّين الأعزّاء و سادة الإيمان، على أساس تفسير آي القرآن و البحث و التنقيب في الروايات الواردة عن المعصومين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، و كانت في أحايين كثيرة تتّضح مسألة تطابُقِ الآيات القرآنيّة و الأخبار النبويّة مع الحقائق، سواءٌ من ناحية الاستدلال الفكريّ والذهنيّ، أم من الناحية الوجدانيّة و مشاهدة الضمير، و ذلك باستخدام البحوث الفلسفيّة و العلميّة من جهة، والمحاورات الذوقيّة و العرفانيّة من جهة أخرى.

  • و لقد كانت لنا في مرّات عديدة و أوقات مختلفة بحوث خاصّة بمسألة التوحيد و الولاية و المعاد، وتفسير الكثير من الآيات القرآنيّة و العديد من المسائل الفقهيّة و العلميّة.

  • و مع وجود التفاسير الكثيرة و البالغة أكثر من ثلاثين نوعاً، فقد اعتمدنا أكثر ما اعتمدنا على تفسير «الميزان في تفسير القرآن» تأليف سماحة الأستاذ آية الله العظمى العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ التبريزيّ أمدّ الله في ظلاله السامية، و كان ملاذنا في البحث و التدقيق.٢

  • و للتفسير المذكور مكانة سامية و مَعَزَّة غالية في نفس الحقير، و إنّه لذو مَعلَم خاصّ و فريد بين التفاسير الأخرى.

  • رغبة العلاّمة الطهراني في شرح تفسير الميزان

  • و لذا، فقد استقرّ رأينا على تهيئة سلسلة كاملة من التفسير المشار إليه و ذلك باللغة الفارسيّة و بإنشاء سهل و تحرير مُدرَك و سلس، يحوي جميع المواضيع المذكورة فيه، حتى يتسنّى للإخوة الناطقين باللغة الفارسيّة الاستفادة كما يجب و بأقصى ما يمكن من ينابيع «تفسير الميزان».

  • ثمّ رسا بنا المقام، و لأسباب معيّنة، إلى تأليف رسالة مستقلّة عن كلّ من المواضيع المتعلّقة بالأبحاث العقائديّة و الأحكام التعبديّة و المسائل الأخلاقيّة و الاجتماعيّة، حتى يتمّ بحث كلّ موضوع من تلك المواضيع بتفصيل أكثر و إطناب أوسع، تُستَوفى فيه متعلّقات ذلك الموضوع كافّة، فتزول بذلك كلّ الإشكالات و الشبهات و الأسئلة، و تتّضح جميع جوانب ذلك الموضوع بشكل كامل و وافٍ.

    1. في هذا التأريخ، قَدِمَ الحقير إلى طهران بنيّة التوجُّه منها للتشرّف بزيارة الضريح الطاهر للإمام علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء، و بعد أداء الزيارة و اللقاء بالأساتذة السابقين للحوزة العلميّة في قم و زيارة الأقرباء و الأرحام ـ و كان فصل الصيف على الأبواب ـ فرجعتُ مرّة أخرى إلى النجف الأشرف، حيث كنتُ قد خلّفتُ بيتي مع أثاثه و باقي المتعلّقات الخاصّة هناك. و لأنّي كنتُ قد قرّرتُ الإقامة في طهران، فقد جعلتُ عودتي إليها في التأريخ المذكور، و أقمتُ فيها حتى انتهاء فصل الصيف، ثمّ عدتُ ثانية إلى النجف، و مكثتُ فيها حتى بعتُ الدار، فكانت عودتي إلى طهران أواسط شهر جمادي الاولى سنة ۱٣۷۷ هجريّة قمريّة. و منذ ذلك الوقت، ذهبتُ إلى المسجد، و تابعتُ من هناك الدرس و البحث.
    2. يقول نجل العلاّمة الطهراني سماحة آية الله السيّد محمّد محسن رضوان الله عليهما في إحدى محاضراته: 
      وكان المرحوم العلّامة يلقي المحاضرات ويتحدّث في الجلسات كجلسة عصر الجمعة، وهي في نفسها من مجالس الذكر، حيث يتمّ فيها قراءة دعاء السمات أو أدعية أخرى؛ كما كان هناك مجلس ليلة الثلاثاء الذي كان يختلف عن بقيّة المجالس التي كانت تُعقد في ليالٍ أخرى، ففي الليالي الأخرى كان سماحته يقوم بتفسير القرآن ابتداءً من سورة الحمد وقد تجاوز سورة آل عمران في تفسيره. لقد بدأ مجالس التفسير هذه بعد عودته من النجف الأشرف وأتمّ تفسير سورتي البقرة وآل عمران، وكان يعتمد في هذه الدروس على تفسير الميزان‌. (برنامج إكسير السعادة، محاضرات السيد الطهراني، ص: ٢۱٢۷).

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

3
  • و كان مجموع ما بلغ من تلك الرسائل حتى الآن حوالي مائة رسالة، كرسالة إعجاز القرآن، و إعجاز الأنبياء، و رسالة الشفاعة، و رسالة الولاية، و رسالة الإمامة و الزعامة، و رسالة النبوّة، و رسائل متفرّقة في أحوال و سيرة الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، و رسالة في البرزخ، و رسالة في القيامة، و رسالة في الحشر و قيام الإنسان عند الله، و رسالة الميزان، و رسالة الصراط، و رسالة العبوديّة في الإسلام، و رسالة الصلاة، و رسالة الوجوبَينِ العَينيّ و التعيينيّ لصلاة الجمعة في جميع الأزمنة، و رسالة الصيام، و رسالة الحجّ، و رسالة الجهاد و الحكومة، و رسالة القرض الحَسن و الربا، ورسالة الملكيّة و طرقها المشروعة و غير المشروعة، و رسالة الحقوق العامّة، و رسالة حقوق المرأة، و غير ذلك من البحوث الدينيّة و العلميّة، و التي هي صُلب ما يحتاج إليه شبابنا في العصر الحاضر وأجيالنا في المستقبل.

  • لكن، و ممّا يُؤسَف له، لم يُنجَز من تلك الرسائل إلّا النزر اليسير و ذلك لكثرة الشواغل العلميّة والأمور الاجتماعيّة التي كانت تحيط بي، و التي حالت دون وصولي إلى الهدف المنشود.

  • إلّا أنّ العناية الإلهيّة شملتني، فتمكّنتُ من جمع المواضيع القرآنيّة و التفاسير الروائيّة و العلميّة والاجتماعيّة و التأريخيّة و الأخلاقيّة على شكل سلسلة علميّة سمّيتها «دورة علوم و معارف اسلام» (سلسلة العلوم و المعارف الإسلاميّة) بحثتُ فيها تلك المواضيع و وضعتها بين يدي الإخوة الأعزّاء، فلم تَقلّ أهمّيّة عن ذلك الهدف المنشود.۱

  • المنهج التفسيري عند العلاّمة الطباطبائي

  • ۱ـ تفسير القرآن بالقرآن واستفادته من السيّد القاضي (رض)

  • أمّا المنهج التفسيريّ عند العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه، فقد كان طبقاً للأسلوب التفسيريّ لأستاذه في العرفان و العلوم الباطنيّة الإلهيّة: المرحوم آية الله الحاجّ ميرزا على القاضي، و هو تفسير الآيات بالآيات؛ أي استنباط مفهوم و مغزى آية القرآن من القرآن نفسه. و قد كانت هذه طريقة المرحوم آية الله القاضي، فقد كتب تفسيراً من بداية القرآن إلى سورة الأنعام، و كان يُعَلّم تلامذته الكتاب الإلهيّ على هذا النحو. و كان أستاذنا المرحوم سماحة السيّد العلّامة يقول كراراً: «إنَّ هذا الأسلوب التفسيريّ الذي لدينا هو من المرحوم القاضي».

    1. معرفة الله، ج‌۱، ص ٥.

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

4
  • ٢ـ تلبية حاجات العصر في جميع الجوانب والمجالات

  • و عندما كان في تبريز، ألّف العلّامة تفسيراً مختصراً للقرآن الكريم من أوّل آياته حتّى سورة الأعراف، وكان يعتمد في تدريس الطلاب على ذلك التفسير. و فيما بعد تطلّب الأمر إعداد تفسير مفصّل و شامل لكلّ حاجات العصر، يراعي فيه الجوانب التأريخيّة و الفلسفيّة و الأخلاقيّة، و تعالج فيه الأبحاث الاجتماعيّة و الروائيّة بأسلوب حديث.

  • و لقد وفّقه الله تعالى، فألّف تفسيراً بعنوان «الميزان في تفسير القرآن» في عشرين مجلّداً، بدأ به حوالى سنة ۱٣۷٤ و ختمه في ليلة القدر (في الثالث و العشرين) من شهر رمضان المبارك سنة ۱٣٩٢ هـ، وكان مع التأليف، يدرّس مطالبه لطلّاب الحوزة العلميّة في قم، و قد استفاد من محضره المبارك العديد من الفضلاء و الطلّاب.

  • مزايا تفسير الميزان

  • ۱ـ تفسير القرآن بالقرآن، الدليل على صحّته وخطر تركه

  • و أوّل و أهمّ مزيّة من مزاياه، هي تفسير الآيات بالآيات؛ و هو تفسير القرآن بالقرآن؛ فطبقاً للروايات الموجودة عندنا و التي تقول‌: «إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضَاً».۱ فإنّ آيات القرآن قد تنزّلت من مبدأ واحد، و هو كلام واحد لا يؤثّر تقدُّم بعض الآيات أو لحوقها على البعض الآخر في المعنى الكلّيّ المستفاد من الآية، و بناءً عليه فإنَّ جميع القرآن بحكم كلام واحد، و خطاب واحد، قد جاء من متكلّم واحد؛ و كلّ جملة فيه يمكن أن تكون قرينة و مفسّرة لكلّ الجمل الأخرى. فلو رأينا خفاء في معاني بعض الآيات، لأمكن إزالته من خلال الملاحظة و التطبيق و المقارنة مع الآيات الأخرى الواردة في مثل موضوع الآيات أو ما يشابهه.

  • و هذا التفسير مبنيّ على تفسير الآيات بالآيات، و تحصيل معاني‌ القرآن من القرآن، و على هذا الأساس تقاس المعاني المستفادة من الخارج و يعلم مدى موافقتها أو مخالفتها للقرآن؛ و لا تجعل المعاني الموجودة في الذهن أصلاً و محوراً تطبّق عليه الآيات القرآنيّة؛ أو بتعبير آخر، نصبّ القرآن في قالبها، كما هو حاصل في أكثر التفاسير؛ و هي في الحقيقة ليست تفسيراً، و إنَّما هي تطبيق للمعاني الذهنيّة والمعلومات الخارجيّة، أو العلوم الفلسفيّة و العمليّة و الاجتماعيّة و التأريخيّة و الروائيّة على القرآن الكريم.

    1. و قد ورد في الخطبة ۱٣۱ من «نهج البلاغة»: «كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسمعُونَ بِهِ، وَ ينطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؛ لَا يَخْتَلِفُ في اللهِ. وَ لَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ».

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

5
  • و من الواضح أنَّ الآيات ستفقد بهذا النهج التطبيقيّ مفهومها و محتواها و اعتبارها بشكل تامّ؛ لأنَّ كلّ واحد من أصحاب العلوم بدءاً من النحويّ و وصولاً إلى الفيلسوف، و حتّى أصحاب العلوم التجريبيّة و الطبيعيّة كالأطبّاء و علماء الفلك و النجوم، يريدون تحميل علومهم على القرآن و اكتساب سنداً وشاهداً لهم منه، و ما أكثر التفاسير التي كتبت على هذا النحو، حتّى الموضوعيّة منها.

  • إنّ مثل هذا العمل، في الحقيقة، يمسخ القرآن. و بعبارة أخرى يقتل القرآن و يميته، و يفقده قيمته واعتباره.

  • فينبغي أخذ معاني القرآن من نفس القرآن؛ و في «الميزان» رُوعي هذا المنهج على النحو الأكمل.

  • ٣ـ رعاية المعاني الكليّة للألفاظ (لا الماديّة المأنوسة) وتحديد موارد الجري 

  • و من خصائص هذا التفسير أيضاً، رعاية المعاني الكلّيّة للألفاظ الموضوعة؛ و ليس خصوص المعاني الجزئيّة الطبيعيّة و المادّيّة المأنوسة لذهن الإنسان. 

  • و أيضاً تحديد موارد الجَرْي و الانطباق و فصلها عن متن المدلول المطابقيّ للآيات.

  • ٤ـ معالجة الموضوع من زوايا مختلفة روائيًّا واجتماعيًّا وتاريخيًّا وفلسفيًّا و...

  • و منها أيضاً، معالجة الأبحاث المختلفة. و إضافة إلى البيانات القرآنيّة، روعيت الأبحاث الروائيّة، الاجتماعيّة، التأريخيّة، الفلسفيّة و العلميّة، كلّ واحد على حدة بدون الخلط أو المزج بين الموضوعات.

  • ٥ـ تلبية حاجات العصر ونقد المدارس المعاصرة ومقارنتها بالإسلام وردّ الإشالات

  • و على هذا الأساس، عولجت المسائل المتعلّقة بعالم اليوم و آرائه و أفكاره و المدارس و المذاهب الموجودة بشكل كافٍ و مستوفٍ، و قورنت مع قانون الإسلام المقدّس، و حُدّدت مواقع الجرح والتصويب و الردّ و الإيراد أو النفي و الإثبات، و أجيب بأفضل نحو على الإشكالات التي أوردت على الشريعة الإسلاميّة المقدّسة من المدارس الشرقيّة و الغربيّة و الإلحاديّة و الكافرة، و سرت إلى العالم الإسلاميّ، مبيّناً نقاط الضعف و الإبهام و المغالطة. و على أساس الآيات الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ‌ ، وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ‌﴾.۱ ﴿وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾٢ و نظائرها التي هي محور الحقّ و ميزان الأصالة و الواقعيّة؛ و إنَّما تقاس بها بقيّة الآراء والمذاهب، وعليه تظهر موارد الخطأ و المغالطات الفكريّة في مرامهم.

    1. الآية ۱٣ و ۱٤، من السورة ۸٦: الطارق
    2. الآيتان ٤۱ و ٤٢، من السورة ٤۱: فصّلت

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

6
  • ٦ـ الدفاع عن التشيّع بدقّة دون إثارة العصبيّة

  • و من خصائص هذا التفسير أيضاً، حمايته لمذهب التشيّع؛ و قد أدّى هذا الدور المهمّ من خلال الأبحاث الدقيقة و العميقة و إظهار مواضع الآيات، بلغة و بيان بليغ دون إثارة الحميّة الجاهليّة، ونيران العصبيّة؛ و بالاعتماد على نفس الآيات القرآنيّة، و تفسيرها بنحو لا يقبل الردّ و الإنكار؛ و بواسطة الروايات التي نقلها العامّة أنفسهم، كما جاء في تفسير «الدرّ المنثور» و غيره، و قد أجلى المطالب في كلّ موضوع من المواضيع‌ الولائيّة، و أثبت الولاية العامّة و الكلّيّة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

  • و بالنسبة للمفسّرين المصريّين المعاصرين من العامّة، أورد مطالبهم بدون ذكر اسمائهم، و أشار إلى نقاط الضعف و التزييف فيها؛ و برهن على مواقع الخطأ و الشبهات.

  • ۷ـ بسط الكلام في الأخلاق والإقتصار على الإشارة في العرفان

  • و في المسائل الأخلاقيّة تحدّث بشكل مبسوط مفصّل، و في المسائل العرفانيّة بصورة دقيقة و لطيفة ومختصرة، و في جملة قصيرة كان يظهر عالماً من العلم. و يدعو الإنسان إلى لقاء الله و الوطن الأصليّ.

  • ۸ـ الجمع بين الظاهر والباطن والعقل والنقل

  • و في هذا التفسير، جمع بين المعاني الظاهريّة و الباطنيّة للقرآن، و بين العقل و النقل، و أعطى كلّ شي‌ء حظّه.

  • ٩ـ كونه أساسًا للدعوة إلى الإسلام والتشيّع

  • إن هذا التفسير من الروعة و الجمال و البهاء بقدر يمكن معه تعريفه للعالم كسند لعقائد الإسلام والشيعة، و يمكن إرساله إلى جميع المدارس و المذاهب؛ و دعوتهم على أساسه إلى دين الإسلام ومذهب التشيّع. كما أنّه قد قام بنفسه بإنجاز هذا الأمر الهامّ، و انتشر «الميزان» في العالم و وصل إلى قلب فرنسا و أمريكا، و أرسلت الأعداد الكثيرة منه إلى البلاد الإسلاميّة، و أجريت التحقيقات حوله، و أدّى إلى فخر الشيعة و مباهاتهم و رفعتهم في المحافل العلميّة.۱

  • ۱۰ـ الفرادة والشموليّة

  • «الميزان» هو التفسير الأوحديّ الذي يبيّن النكات الدقيقة و الحسّاسة، و يقف مقابل مغالطات المعاندين، و يتميّز بالجامعيّة. و حقّاً يمكن القول: إنَّه لم يؤلّف تفسير مثله منذ صدر الإسلام حتّى اليوم. و كان أستاذنا جامع العلوم و وارث زُبُرِ العلماء الحقّ، و قد حاز على مقام الجامعيّة في مجال هذه الفنون و العلوم. 

    1. متانة الميزان في اللغة العربيّة
      و الأمر الشيّق هنا أنَّ هذا التفسير متين في العربيّة، بليغ و متين في حفظ القواعد العربيّة و في اسلوب تسلسل المواضيع بحيث يعسر على العلماء و المحقّقين العرب و هم أهل الأدب العربيّ تمييز و إدراك أنَّ مؤلّفه من غير العرب. بل لم يُنقل حتّى الآن عن أحد القول بأنَّ هناك قرائن في هذا التفسير تشير إلى أنَّ مؤلّفه إيرانيّ أو أنَّ لغته الأصليّة هي التركيّة الآذربيجانيّة، أو أنّه من غير العرب عموماً. فقد سئل المرحوم آية الله الحاجّ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في حياته، و كان استاذاً في الأدب و العربيّة و فريد عصره فيهما، عن كاتب دورة معروفة في الإمامة حُرّرت في عصره، فأجاب: من البين أنَّ الذي كتبها من غير العرب.
      و حين سئل المرحوم الشيخ عبد الله السبيتيّ صهر المرحوم السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ عن ذلك، أجاب: من الجليّ أنَّ كاتبها عجميّ
      أمّا في تفسير« الميزان» فلم تُنقل مثل هذه الامور، إضافة إلى أنّه قد نُقل عن أحد الفضلاء و العلماء المعاصرين، و هو من مشاهير الأدب العربيّ، أنَّ« الميزان في تفسير القرآن» يعدّ من حيث الطابع الأدبيّ و اللغويّ من بين الكتب الأدبيّة للطلبة الجامعيّين في لبنان؛ هذا مع أنَّ بعض الكتّاب كان يأخذ نسخته إلى النجف الأشرف فيقرأها على المرحوم آية الله الشيخ محمد على الاردوباديّ و كان ممتازاً في الأدب العربيّ فيصحّحها له.
      و لقد صحّح« العروة الوثقي» للمرحوم آية الله اليزديّ شخصان، أحدهما عربيّ و هو الشيخ أحمد كاشف الغطاء، و الآخر إيرانيّ و هو السيّد أحمد الخونساريّ، كما جرى أيضاً تصحيح« الكفاية» للمرحوم آية الله الخراسانيّ
      يقول المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ في كتاب« معادن الجواهر و نزهة الخواطر»( ج ۱، ص ٤٢) بعد تأكيده على ضرورة إتقان اللغة العربيّة و الأدب العربيّ لدارسي العلوم الإسلاميّة، و بعد إبدائه أسفه الشديد على تدنّي مستوى الأدب في الحوزات الحاليّة:« و إذا نظرنا أنَّ جلّ العلماء المحقّقين كانوا في الأعصار السالفة من العجم من الشيعة و أهل السنّة، و أنّهم كانوا يتقنون العلوم العربيّة أشدّ إتقان كما تشهد به آثارهم ومؤلّفاتهم، علمنا أنَّ هذا التقصير حصل في الأعصار الأخيرة فقط.
      و نحن نذكر بعض الأمثلة لما قلناه و هو قليل من كثير، فهذا الشيخ مرتضى الأنصاريّ شيخ المحقّقين و قدوتهم و فاتح باب التحقيق لمن بعده في هذا العصر، و مبتكر التحقيقات الكثيرة و الفوائد الجمّة النافعة لعلم الاصول، الذي كان على ما يقال يحافظ على معرفة علم العربيّة أشدّ المحافظة، بل قيل: إنّه كان يواظب على تلاوة« ألفيّة ابن مالك» و بعضهم يبالغ و يقول: كان يتلوها في أعقاب الصلاة و يجعلها من جملة التعقيبات، لمّا كان غير ضليع مع ذلك بالاستعمالات العربيّة، ذكر في تفسير حديث: النَّاسُ في سَعَة مَا لَا يَعْلَمونَ: من جملة الاحتمالات أن تكون« ما» مصدريّة ظرفيّة، و« سعة» منوّنة غير مضافة، أي:« الناس في سعةٍ ما داموا لا يعلمون»؛ مع أنَّ العربيّ العارف بأساليب العرب في استعمالاتهم لا يشكّ أنَّ هذا الاستعمال غير صحيح عندهم، و أنّه إذا قصد هذا المعنى يجب أن يُقال: النَّاسُ في سَعَة مَا لم يَعْلموا». ثمّ يختم المرحوم الأمين المطلب بعد ذكر عدّة أمثلة لأفراد آخرين
      أمّا تفسير« الميزان» الذي كان يُكتب على الورق مباشرة دونما مسوّدة، حتّى تصحيح الأخطاء المطبعيّة كان يتمّ من قبل سماحة الاستاذ العلّامة نفسه؛ رحمة الله عليه مل‌ء زنة عرشه. و كان حين ينشغل بالكتابة يكتفي بشرب قدح من الشاي المخفّف، أو يدخّن نصف سيجارة، و كانت سجائره من نوع «اشنو»، و كان ثمن العلبة الواحدة منها سبعة قرانات (ريالات) و كثيراً ما كان يحصل أنّه لا يمتلك ثمن تلك السجائر. فَسَلَامٌ علَيْهِ يَوْمَ وُلِدُ وَ يَوْمَ مَاتَ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّاً.

تفسير الميزان في نظر العلاّمة الطهراني - مزايا تفسير الميزان ومنهج تأليفه

7
  • فلِلّهِ دَرُّهُ وعليهِ أجرُه.

  • ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ، فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ﴾ ۱

  • و رغم أنَّ هذا الحقير قد طالع أكثر من ثلاثين من التفاسير المهمّة للشيعة و السنّة، لكنّي لم أرَ مثل «الميزان» في الروعة و البهجة و الجامعيّة، و كأنّه قد عزل كلّ التفاسير الأخرى و بقي وحده. 

  • آراء العلماء في تفسير الميزان (السيّد موسى الصدر والشيخ مغنيّة)

  • و في الحقيقة، لست الوحيد المتفرّد، بل هناك العديد من العلماء الأعلام و المفكّرين العظام و أهل‌ البحث و التحقيق الذين عبّروا عنها أو أشاروا إليها.

  • و هذا صديقنا الصالح و زميلنا في الدراسة الجليل الحاجّ السيّد موسى الصدر خلّصه الله من أيدي الفجرة و أطال الله بقاءه، ينقل عن العالم الوحيد و الكاتب المشهور و المتضلّع الخبير الشيخ محمّد جواد مغنيّة اللبنانيّ أنّه كان يقول: منذ ذلك الوقت الذي حصلت على «الميزان» تعطّلت مكتبتي، وانهمكت في مطالعة «الميزان» فقط.٢ 

  • حاجة تفسير الميزان إلى مائتي سنة من الدراسة

  • وقد ذكر العبد الفقير يوماً للأستاذ قائلاً: لم يأخذ هذا التفسير الشريف حتّى الآن مكانته اللائقة في الحوزات العلمية كما ينبغي، ولم تُدرك قيمته الحقيقية بعد. ولو دُرِّس هذا التفسير في الحوزات، وخضعت محتوياته ومطالبه للبحث والنقد والتحليل، واستمر هذا الأمر بشكل متواصل، فستتضح قيمة هذا التفسير بعد مائتي عام.٣

  • قلم الوحي والإلهام جرى على يدي العلاّمة حين كتابته

  • و قلتُ في مرّة أخرى: حين أطالع هذا التفسير في بعض الأوقات، و أشاهد كيف تربطون الآيات ببعضها، و كيف توازنون بين سلاسلها و تخرجون معانيها عن طريق التطبيق، لا أجد إلّا أن أقول إنّ قلم الوحي و الإلهام الإلهيّ قد جرى على يديك.

  • فهزّ رأسه و قال: انّ هذا من حُسن نظركم فقط، فأنا لم أفعل شيئاً!٤ و ٥

    1. سورة الواقعة، الآية ۸٩. 
    2. قال سماحة الصديق الأكرم حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ السيّد محمد على نجل آية الله الميلانيّ في شأن المرحوم استاذنا العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: لقد قدم رئيس الجمعيّة الثقافيّة المصريّة: الشيخ محمد الفحّام و مساعده الشيخ الشرباصيّ إلى مشهد، فجاءا إلى أبي، و كان من جملة كلامهما: لقد وجدنا تفسير« الميزان» أفضل التفاسير، و قد طالعناه إلى الجزء الثامن عشر و لم نعثر على الجزءين الأخيرين. و كانا في غاية الشوق لرؤية العلّامة الطباطبائيّ عن كتب، بيد أنَّ العلّامة لم يكن آنذاك في مدينة مشهد المقدّسة، إذ كان قد سافر إلى الخارج، لذا فلم يلتقيا به، لكنّ المرحوم أبي أرسل إليهما في مصر الجزءين التاسع عشر و العشرين من التفسير.
      كان هذا كلام سماحة نجل الميلاني؛ أمّا سماحة آية الله الحاج الشيخ محمد رضا المهدوي الدامغاني فقد سبق أن حكى للحقير هذا المطلب بهذه الكيفيّة:
      نظراً لعقد علاقات الصداقة بين ايران و مصر، و لتقرّر إقامة العلاقات الثقافية بين البلدين، فقد قدم إلى ايران ممثلًا عن مصر، الشيخ محمّد الفحّام و الشرباصيّ فزارا المؤسّسات الثقافية و التقيا بالعلماء. و كنتُ أحد تلامذة و معتمدي المرحوم آية الله الحاجّ السيّد هادي الميلاني، فأرسل لي يُخبرني برغبته في لقائي يوم الغد مبكّراً، فذهبتُ صباح اليوم التالي مبكراً إلى محضره فقال: لقد تقرّر أن يزورنا شخصان من الشخصيّات المصريّة من قبل جمعيّة العلاقات الثقافيّة الإيرانيّة المصريّة، فلتكن حاضراً في تلك الجلسة. و علينا من جهة أخرى أن نهديهما شيئاً، فما الذي ترونه صالحا للإهداء؟ فقلت: دورة تفسير« الميزان» فهو كتاب علمي و شريف و معتبر، و يناسب هذا اللقاء
      قال: لقد بدا لي ذلك أيضاً. لذا فقد أعدّ دورة من تفسير« الميزان» ليهديه لهما عند اللقاء بهما. كما انّه من جهة أُخرى أرسل إلى العلّامة الطباطبائي ليحضر ذلك المجلس، فاعتذر العلّامة عن الحضور لمرضه
    3. وقال المرحوم العلاّمة في كتاب الحدّ من عدد السكّان ص ۱۸۱ أيضًا: لقد كان المرحوم الشهيد الشيخ مرتضى المطهّري صديقنا و صاحبنا القديم منذ قديم الأيّام‌ (انظر كتاب سيرى ىر زندگانی استاد مطهری/ نظرة في حياة الأستاذ مطهّري ط۱ ص ٥٥،) و كان يقول: «لو جرى تدريس تفسير «الميزان‌» بشكل صحيح في الحوزات العلميّة، لاكتشف فضلاء الحوزة قيمة هذا الكتاب بعد مائتيْ سنة أخرى». (م)
    4. كان هذا الحقير قد ذهب يوماً في مشهد المقدّسة بعد طبع هذا الكتاب« مهر تابان»(/ الشمس الساطعة) لردّ زيارة الصديق الأكرم و الأخ المعظّم: سماحة آية الله الحاج السيد محمد الشاهرودي دامت بركاته نجل المرحوم أستاذنا: سماحة آية الله العظمى الحاجّ السيّد محمود الشاهروديّ رضوان الله عليه، و كان أولاده و أصهاره حاضرين كذلك، فدار الحديث عن العلّامة الطباطبائي رضوان الله عليه، فذكر أنّ شخصيّة العلّامة مهمّة جداً لديهم. وقال لي صهره الأكبر الحاج السيّد مرتضى الصدر، حفيد المرحوم الحاجّ السيّد حسن الصدر: ما كان أحسن لو كنتم قد كتبتم رسالة الذكرى هذه «مهر تابان» بالعربيّة!
      فقال الحقير: لقد كانت رسالة الذكرى هذه لشرح حاله للناطقين بالفارسيّة الذين يعرفونه و الذين تعاملوا مع أفكاره قليلًا أو كثيراً. و لقد كان وطنه ومحلّ سكناه في البلاد الفارسيّة. فقال السيّد الصدر: أنتم مخطئون! فالعلّامة أكثر شهرة في البلاد العربيّة منه في المدن الإيرانيّة، و ليس من عالم ومحقّق و خاصّة في مصر و لبنان الّا و يمتدح العلّامة و يصفه بالعظمة، و الّا و له مراجعة و مراودة مع كتاب « الميزان»، حتى أنّ الطلبة الجامعيّين و الطّلاب عموماً يمتلكون تفسير« الميزان» و يقدّرون أفكار العلّامة.
      فقال الحقير: يلزم اذاً و الحال هذه أن يُترجم كتاب «مهر تابان» إلى العربيّة فيوضع في متناول أيديهم!
    5. الشمس الساطعة، ص: ٥۸ ـ ٦۷