المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم الاخلاق والحکمة والعرفان
التوضيح
هل الأخلاق مجرّد قوالب مطّاطيّة تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان؟ وماذا لو تحوّل الظلم والسرقة إلى “فضيلة” إن خدما مصلحة المجتمع، والعدل “رذيلة” إن خالفها؟! كيف ردّ العلاّمة الطباطبائي على دعاة “النسبيّة الأخلاقيّة” الذين يربطون القيم بالتطوّر المادي؟ وهل خلاف الشعوب في الأخلاق هو اختلافٌ في المبدأ أم مجرّد خطأ في التطبيق؟
يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا مواضع الضعف في هذه النظريّة.
هو العليم
نسبيّة الأخلاق
نقد العلاّمة الطباطبائي لنسبيّة الأخلاق
بحوث من تفسير الميزان، البحوث الأخلاقيّة، البحث الثالث
إعداد: الهيئة العلميّة في موقع مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج۱
بسم الله الرّحمن الرّحيم
و به نستعين
و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد
و على آله الطيّبين الطّاهرين
و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين
[تعرّض العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه بعد تفسير آية إنّا للّه وإنّا إليه راجعون لبحثين في بيان مناهج التربيّة المتّبعة عند الناس سواء من أتباع الأديان السابقة أو غيرهم، وقارنها بطريقة القرآن التي تعتمد على التوحيد الخالص والحبّ بين العبد وربّه. وقد تقدّم توضيح ذلك في البحثين السابقين۱، ثمّ تعرّض بعدهما لنقد النظريّة المطروحة حول نسبيّة الأخلاق وتغيّرها من زمان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، وإليك نصّ كلامه:]
نظريّة نسبيّة الأخلاق معناها وأدلّتها
بقي هنا شيء و هو أن هاهنا نظرية أخرى في الأخلاق تغاير ما تقدّم، و ربّما عدّ مسلكًا آخر، و هو أنّ الأخلاق تختلف أصولاً و فروعًا باختلاف الاجتماعات المدنيّة؛ لاختلاف الحسن و القبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، و قد ادّعي أنّها نتيجة النظريّة المعروفة بنظريّة التحوّل و التكامل في المادّة.
قالوا: إنّ الاجتماع الإنسانيّ مولود جميع الاحتياجات الوجوديّة التي يريد الإنسان أن يرفعها بالاجتماع، و يتوسّل بذلك إلى بقاء وجود الاجتماع الذي يراه بقاء وجود شخصه، و حيث إنّ الطبيعة محكومة لقانون التحوّل و التكامل كان الاجتماع أيضًا متغيّرًا في نفسه، و متوجّهًا في كلّ حين إلى ما هو أكمل وأرقى، و الحسن و القبح ـ و هما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال و عدم موافقته له ـ لا معنى لبقائهما على حال واحد، و جمودهما على نهج فارد، فلا حسن مطلقًا، و لا قبح مطلقًا، بل هما دائما نسبيّان مختلفان باختلاف الاجتماعات بحسب الأمكنة و الأزمنة، و إذا كان الحسن و القبح نسبيّين متحوّلين وجب التغيّر في الأخلاق، و التبدّل في الفضائل و الرذائل.
و من هنا يستنتج أنّ الأخلاق تابعة للمرام القوميّ الذي هو وسيلة إلى نيل الكمال المدنيّ و الغاية الاجتماعيّة، لتبعيّة الحسن و القبح لذلك، فما كان به التقدّم و الوصول إلى الغاية و الغرض كان هو الفضيلة و فيه الحسن، و ما كان يدعو إلى الوقوف و الارتجاع كان هو الرذيلة، و على هذا فربّما كان الكذب و الافتراء و الفحشاء و الشقاوة و القساوة و السرقة و الوقاحة حسنة و فضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، و الصدق و العفة و الرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان من المطلوب.
هذه خلاصة هذه النظريّة العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيّون من الماديّين، و النظريّة غير حديثة، على ما زعموا، فقد كان الكلبيّون من قدماء ـ اليونان ـ على ما ينقل على هذه المسلك، و كذا المزدكيّون وهم أتباع مزدك الذي ظهر بإيران على عهد كسرى و دعا إلى الاشتراك، كان عملهم على ذلك، و يعهد من بعض القبائل الوحشيّة بإفريقيّة و غيرهم.
الرد على نظريّة نسبيّة الأخلاق
و كيف كان فهو مسلك فاسد، و الحجّة التي أقيمت على هذه النظريّة فاسدة من حيث البناء و المبنى معًا۱، توضيح ذلك:
المقدّمة الأولى: تشخّص الموجودات الخارجيّة وعدم تشخّص المفاهيم الذهنيّة
أنّا نجد كلّ موجود من هذه الموجودات العينيّة الخارجيّة يصحب شخصيّة تلازمه، ويلزمه أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر، و يفارقه في الوجود، كما أنّ وجود زيد يصحب شخصيّةً ونوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين عمرو، فزيد شخص واحد، و عمرو شخص آخر، و هما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه حقيقة لا شكّ فيها، و هذا غير ما نقول: إنّ عالم المادة موجود ذو حقيقة واحدة شخصيّة فلا ينبغي أن يشتبه الأمر.
و ينتج ذلك: أنّ الوجود الخارجيّ عين الشخصيّة، لكنّ المفاهيم الذهنيّة تخالف الموجود الخارجيّ في هذا الحكم فإنّ المعنى كيف ما كان يجوِّزُ العقلُ أن يصدقَ على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الإنسان و مفهوم الإنسان الطويل، و مفهوم هذا الإنسان القائم أمامنا.
و أمّا تقسيم المنطقيّين المفهوم إلى الكليّ و الجزئيّ، و كذا تقسيمهم الجزئيّ إلى الإضافي و الحقيقي، فإنّما هو تقسيم بالإضافة و النسبة، إما نسبة أحد المفهومين إلى الآخر و إما نسبته إلى الخارج، و هذا الوصف الذي في المفاهيم ـ و هو جواز الانطباق على أكثر من واحد ـ ربّما نسمّيه بالإطلاق كمّا نسمي مقابله بالشخصيّة أو الوحدة.٢
المقدّمة الثانية: تغيّر الموجود وحركته واقتضاؤها لوجود قَدْرٍ مشترك ثابت
ثمّ الموجود الخارجيّ ـ و نعني به الموجود الماديّ خاصّة ـ لمّا كان واقعًا تحت قانون التغيّر و الحركة العموميّة، كان لا محالة ذا امتداد منقسمًا إلى حدود و قطعات، كلّ قطعة منها تغاير القطعة الأخرى ممّا تقدم عليها أو تأخّر عنها، و مع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغيّر والتبدّل لأنّ أحد شيئين إذا عدم من أصله، و الآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدّل هذا من ذاك، بل التبدّل الذي يلازم كلّ حركة إنّما يتحقّق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعًا.
و من هنا يظهر أنّ الحركة أمر واحد بشخصه يتكثّر بحسب الإضافة إلى الحدود، فيتعيّن بكلّ نسبة قطعة تغاير القطعة الأخرى، و أمّا نفس الحركة فسيلان و جريان واحدٌ شخصي.
و نحن ربّما سمّينا هذا الوصف في الحركة إطلاقًا في مقابل النسب التي لها إلى كلّ حدّ حدٍّ، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود. و من هنا يظهر أنّ المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعي موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الأول، فإنّ الإطلاق بهذا المعنى وصف ذهنيّ لموجود ذهني، هذا.۱
المقدّمة الثالثة: حاجة الفرد الإنساني للمجتمع لتحقيق التكامل
ثم إنّا لا نشك أنّ الإنسان موجود طبيعيّ ذو أفراد و أحكام و خواصّ، و أنّ الذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد أعني الاجتماع الإنساني، إلا أنّ الخلقة لمّا أحسّت بنقص وجوده، و احتياجه إلى استكمالات لا تتمّ له وحده، جهّزته بأدوات و قوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع و ضمن الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أوّلا و بالذات والاجتماع مقصود لها ثانيًا و بالتبع.٢
المقدّمة الرابعة: وحدة الطبيعة الإنسانيّة واستمرارها رغم تغيّر الأفراد
و أما حقيقة أمر الإنساني٣ مع هذا الاجتماع الذي تقتضيه و تتحرّك إليه الطبيعة الإنسانيّة ـ إن صحّ إطلاق الاقتضاء و العليّة و التحرّك في مورد الاجتماع حقيقة٤ ـ فإنّ الفرد من الإنسان موجود شخصيّ واحد بالمعنى الذي تقدّم من شخصيّته و وحدته، و هو مع ذلك واقع في الحركة، متبدّل متحوّل إلى الكمال، و من هنا كان كلّ قطعة من قطعات وجوده المتبدّل مغايرة لغيرها من القطعات، و هو مع ذلك ذو طبيعة سيّالة مطلقة محفوظة في مراحل التغيّرات واحدةٍ شخصيّةٍ، و هذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد و التناسل و اشتقاق الفرد من الفرد ـ و هي التي نعبّر عنها بالطبيعة النوعيّة ـ فإنّها محفوظة بالأفراد و إن تبدّلت و عرض لها الفساد و الكون، بمثل البيان الذي مرّ في خصوص الطبيعة الفرديّة، فالطبيعة الشخصيّة موجودة متوجّهة إلى الكمال الفردي، و الطبيعة النوعيّة موجودة مطلقة متوجّهة إلى الكمال.٥
المقدّمة الخامسة: ثبات الأحكام الاجتماعيّة بثبات الاجتماع المطلق
و هذا الاستكمال النوعيّ لا شكّ في وجوده و تحقّقه في نظام الطبيعة، و هو الذي نعتمد عليه في قولنا: إنّ النوع الإنسانيّ مثلاً متوجّه إلى الكمال، و إنّ الإنسان اليوم أكمل وجودًا من الإنسان الأوّلي، و كذا ما تحكم به فرضيّة تحول الأنواع، فلولا أنّ هناك طبيعة نوعيّة خارجيّة محفوظة في الأفراد أو الأنواع مثلاً لم يكن هذا الكلام إلا كلامًا شعريًّا.
و الكلام في الاجتماع الشخصيّ القائم بين أفراد قوم أو في عصر أو في محيط، و نوع الاجتماع القائم بنوع الإنسان المستمرّ باستمراره و المتحوّل بتحوّله ـ لو صحّ أنّ الاجتماع كالإنسان المجتمع حال خارجيّ لطبيعة خارجيّة! ـ نظير القول في طبيعة الإنسان الشخصيّة و النوعيّة في التقييد و الإطلاق.۱
فالاجتماع متحرّك متبدّل بحركة الإنسان و تبدّله و له وحدة من بادئ الحركة إلى أين توجّه بوجود مطلق ـ و هذا الواحد المتغيّر بواسطة نسبته و إضافته إلى كلّ حدّ حدّ يصير قطعة قطعة، و كلّ قطعة شخص واحد من أشخاص الاجتماع، و أشخاص الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الإنسان، كما أنّ مطلق الاجتماع بالمعنى الذي تقدّم مستند إلى مطلق الطبيعة الإنسانيّة، فإنّ حكم الشخص شخص الحكم و فرده، و حكم المطلق مطلق الحكم٢ ـ لا كليّ الحكم، فلسنا نعني الإطلاق المفهومي فلا تغفل ـ و نحن لا نشكّ أنّ الفرد من الإنسان و هو واحد له حكم واحد باق ببقائه، إلا أنّه متبدّل بتبدّلات جزئيّة بتبع التبدّلات الطارئة على موضوعه الذي هو الإنسان، فمن أحكام الإنسان الطبيعيّ أنّه يتغذّى و يفعل بالإرادة و يحسّ و يتفكّر، و هي موجودة مع الإنسان و باقية ببقائه و إن تبدّلت طبق تبدّله في نفسه، و كذلك الكلام في أحكام مطلق الإنسان الموجود بوجود أفراده.
و لمّا كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الإنسانيّة و خواصّها فمطلق الاجتماع ـ نعني به الاجتماع المستمرّ الذي أوجدته الطبيعة الإنسانيّة المستمرّة من حين وجد الإنسان الفرد إلى يومنا هذا ـ من خواصّ النوع الإنسانيّ المطلق، موجود معه باق ببقائه، و أحكام الاجتماع التي أوجدها و اقتضاها هي مع الاجتماع موجودة بوجوده، باقية ببقائه، و إن تبدّلت بتبدّلات جزئيّة مع انحفاظ الأصل مثل نوعها، و حينئذ صحّ لنا أن نقول: إنّ هناك أحكامًا اجتماعيّة باقية غير متغيّرة، كوجود مطلق الحسن و القبح، كما أنّ نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أنّ الاجتماع لا ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد و إن تبدّل اجتماع خاصّ إلى آخر خاص، و الحسن المطلق و الخاصّ كالاجتماع المطلق و الخاصّ بعينه.٣
المقدّمة السادسة: جذور الفضائل الأخلاقيّة الأربع في طبيعة الفرد
ثمّ إنا نرى أنّ الفرد من الإنسان يحتاج في وجوده و بقائه إلى كمالات و منافع يجب له أن يجتلبها و يضمّها إلى نفسه، و الدليل على هذا الوجوب احتياجه في جهات وجوده و تجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذّي و جهاز التناسل مثلاً، فعلى الإنسان أن يقدم عليه، و ليس له أن لا يقدم قطعًا بالتفريط فإنه يناقض دليل الوجوب الذي ذكرناه، و ليس له أن يقدم في باب من أبواب الحاجة بما يزيد على اللازم بالإفراط، مثل أن يأكل حتّى يموت أو يمرض، أو يتعطّل عن سائر قواه الفعّالة، بل عليه أن يتوسّط في جلب كلّ كمال أو منفعة، و هذا التوسّط هي العفّة، و طرفاه الشره و الخمود، و كذلك نرى الفرد في وجوده و بقائه متوسّطًا بين نواقص و أضداد و مضارّ لوجوده يجب عليه أن يدفعها، والدليل عليه الاحتياج و التجهيز في نفسه فيجب عليه المقاومة و الدفاع على ما ينبغي من التوسّط، من غير إفراط يضادّ سائر تجهيزاته أو تفريط يضاد الاحتياج و التجهيز المربوطين، و هذا التوسّط هي الشجاعة، و طرفاها التهوّر و الجبن. و نظير الكلام جار في العلم و مقابلَيه أعني الجربزة و البلادة، و في العدالة و مقابليها و هما الظلم و الانظلام.
فهذه أربع ملكات و فضائل تستدعيها الطبيعة الفرديّة المجهّزة بأدواتها: العفّة و الشجاعة و الحكمة والعدالة ـ و هي كلّها حسنة ـ لأنّ معنى الحسن الملاءمة لغاية الشيء و كماله و سعادته، و هي جميعًا ملائمة مناسبة لسعادة الفرد بالدليل الذي تقدّم ذكره۱، و مقابلاتها رذائل قبيحة.
و إذا كان الفرد من الإنسان بطبيعته و في نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضًا على هذا الوصف، و كيف يمكن أن يُبطل الاجتماع ـ و هو من أحكام هذه الطبيعة ـ سائر أحكامها الوجوديّة؟ وهل هو إلا تناقض الطبيعة الواحدة، و ليس حقيقة الاجتماع إلا تعاون الأفراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم و بلوغها إلى غاية أمنيتها؟!
المقدّمة السابعة: سريان الفضائل الفردية إلى المجتمع
و إذا كان الفرد من الإنسان في نفسه و في ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع الإنسان في اجتماعه النوعيّ أيضًا كذلك، فنوع الإنسان في اجتماعه يستكمل بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، و باجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، و بالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، و بالعدالة الاجتماعيّة ـ و هي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، و بلوغه حظّه الذي يليق به دون الظلم و الانظلام ـ و كلّ هذه الخصال الأربع فضائل بحكم الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنسانيّ بحسنها المطلق و يعدّ مقابلاتها رذائل و يقضي بقبحها.
النتيجة العامّة
فقد تبيّن بهذا البيان: أنّ في الاجتماع المستمرّ الإنساني حُسنًا و قُبحًا لا يخلو عنهما قطّ، و أنّ أصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنة دائمًا، و مقابلاتها رذائل قبيحة دائمًا، و الطبيعة الإنسانيّة الاجتماعيّة تقضي بذلك، و إذا كان الأمر في الأصولعلى هذا النحو، فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك۱، و إن كان ربّما يقع اختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه.
النتائج الخاصّة وبيان فساد كلماتهم
إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق و هاك بيانه:
فساد قولهم بعدم وجود حسن وقبح مطلقين
أما قولهم: إنّ الحسن و القبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما النسبيّ من الحسن و القبح وهو متغيّر مختلف باختلاف المناطق و الأزمنة و الاجتماعات، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الإطلاق المفهومي بمعنى الكليّة و الإطلاق الوجودي بمعنى استمرار الوجود، فالحسن و القبح المطلقان الكليّان غير موجودين في الخارج؛ لوصف الكليّة و الإطلاق، لكنّهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة. و أما الحسن و القبح المطلقان المستمرّان بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرًّا باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإنّ غاية الاجتماع سعادة النوع، و لا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة و المفروضة للاجتماع كيفما فُرض، فهناك أفعال موافقة و مخالفة دائمًا، فهناك حسن و قبح دائمًا.
و على هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيفما فرض و لا يعتقد أهله أنّ من الواجب أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه؟! أو أنّ جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب؟! أو أنّ الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم؟! أو أنّ العلم الذي تتميّز به منافع الإنسان من غيرها فضيلة حسنة؟! و هذه هي العدالة والعفة و الشجاعة و الحكمة التي ذكرنا أنّ الاجتماع الإنسانيّ كيفما فُرض لا يحكم إلا بحسنها وكونها فضائل إنسانيّة، و كذا كيف يتيسّر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض و الانفعال عن التظاهر بالقبيح الشنيع؟! و هو الحياء من شعب العفّة، أو لا يحكم بوجوب السخط و تغيّر النفس في هتك المقدّسات و هضم الحقوق؟! و هو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعيّة؟! و هو القناعة، أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض الناس و تحقيرهم بالاستكبار و البغي بغير الحق؟! و هو التواضع. و هكذا الأمر في كلّ واحد واحد من فروع الفضائل.
فساد قولهم باختلاف المجتمعات في الفضائل
و أمّا ما يزعمونه من اختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل و صيرورة الخُلُق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة جزئيّة فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعيّ بأن يعتقد قوم بوجوب اتباع الفضيلة الحسنة و آخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق الحكم على المصداق و عدم انطباقه.
مثل أنّ الاجتماعات التي كانت تديرها الحكومات المستبدّة كانت ترى لعرش الملك الاختيار التامّ في أن يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و ليس ذلك لسوء ظنّهم بالعدالة، بل لاعتقادهم بأنّه من حقوق السلطنة و الملك، فلم يكن ذلك ظلمًا من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقّة بزعمهم.
و مثل أنّ العلم كان يعيّر به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملّة فرنسا في القرون الوسطى، و لم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أنّ العلم بالسياسة و فنون إدارة الحكومة يضادّ المشاغل السلطانيّة.
و مثل أنّ عفّة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، و كذا الحياء من النساء و كذا الغيرة من رجالهنّ، و كذا عدّة من الفضائل كالقناعة و التواضع أخلاق لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكنّ ذلك منهم لأنّ اجتماعهم الخاصّ لا يعدّها مصاديق للعفّة و الحياء و الغيرة و القناعة و التواضع، لا لأنّ هذه الفضائل۱ ليست فضائل عندهم.
و الدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفّة الحاكم في حكمه و القاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، و يمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال و الحضارة وعن جميع مقدّساتهم، و يمدحون القناعة بما عيّنه القانون من الحقوق لهم، و يمدحون التواضع لأئمّتهم وهداتهم في الاجتماع.
فساد قولهم بدوران الأخلاق مدار موافقتها لغاية المجتمع
و أمّا قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعي و استنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع، ففيه مغالطة واضحة؛ فإنّ المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين التي قرّرتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين، و لا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لولا الإخلال بانتظامها و جريها، و لا محالة لها أحكام من الحسن و القبح و الفضيلة و الرذيلة.
و المراد بالمرام مجموع الفرضيّات التي وضعت لإيجاد اجتماع على هيئة جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعني أنّ الاجتماع و المرام الاجتماعي متغايران بالفعليّة و القوة، و التحقّق و فرض التحقّق٢، فكيف يصير حكم أحدهما عين حكم الآخر، و كيف يكون الحسن و القبح، و الفضيلة والرذيلة التي عيّنها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الإنسانيّة متبدّلة إلى ما حكم به المرام الذي ليس إلا فرضًا من فارض؟!٣
و لو قيل: أن لا حكم للاجتماع العامّ الطبيعيّ من نفسه بل الحكم للمرام، و خاصة إذا كانت فرضيّة متلائمة لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن و القبح، و الفضيلة و الرذيلة، و أنّها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمرّ من الطبيعة.
على أنّ هاهنا محذورًا آخر و هو أنّ الحسن و القبح و سائر الأحكام الاجتماعيّة ـ و هي التي تعتمد عليها الحجّة الاجتماعيّة و تتألّف منها الاستدلالات ـ لو كانت تابعة للمرام، و من الممكن بل الواقع تحقّق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدّى ذلك إلى ارتفاع الحجّة المشتركة المقبولة عند عامّة الاجتماعات، ولم يكن التقدّم و النجاح حينئذ إلا للقدرة و التحكّم، و كيف يمكن أن يقال: إنّ الطبيعة الإنسانيّة ساقت أفرادها إلى حياة اجتماعيّة لا تفاهم بين أجزائها و لا حكم يجمعها إلا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ و هل هذا إلا تناقض شنيع في حكم الطبيعة و اقتضائها الوجودي؟٤و٥.