1

تفسير الميزان ج1

تفسير الميزان ج1
مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة الطباطبائي

القسم القرآن والحديث والدعاء

المجموعة الميزان في تفسير القرآن


التوضيح

الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
/٤٤۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان ج۱

1
  •  

  •  

  •  

  • الميزان في تفسير القرآن 

  • الجزء الأول‌

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تأليف : العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سرّه

  •  

  •  

تفسير الميزان ج۱

3
  •  

تفسير الميزان ج۱

4
  •  

  •  

  • المقدمة في مسلك البحث التفسيري في الكتاب 

  • بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا و الصلاة على من جعله شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا و على آله الذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت و طهرهم تطهيرا. 

  • مقدمة: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب بطريق الاختصار. 

  • التفسير (و هو بيان معاني الآيات القرآنية و الكشف عن مقاصدها و مداليلها) من أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع من البحث و التنقير المسمى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله تعالى و تقدس: 

  • {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ} الآية: البقرة - ١٥١. 

  • و قد كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة و المراد بهم غير علي (علیه السلام)، فإن له و للأئمة من ولده نبأ آخر سنتعرض له كابن عباس و عبد الله بن عمر و أُبي و غيرهم اعتنوا بهذا الشأن، و كان البحث يومئذ لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيات بجهاتها الأدبية و شأن النزول و قليل من الاستدلال بآية على آية و كذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في القصص و معارف المبدأ و المعاد و غيرها. 

  • و على هذا الوصف جرى الحال بين المفسرين من التابعين كمجاهد و قتادة و ابن أبي ليلى و الشعبي و السدي و غيرهم في القرنين الأولين من الهجرة، فإنهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئا غير أنهم زادوا من التفسير بالروايات، (و بينها روايات دسها اليهود أو غيرهم)، فأوردوها في القصص و المعارف الراجعة إلى 

  •  

تفسير الميزان ج۱

5
  • الخلقة كابتداء السماوات و تكوين الأرض و البحار و إرم شداد و عثرات الأنبياء و تحريف الكتاب و أشياء أخر من هذا النوع، و قد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير و البحث. 

  • ثم استوجب شيوع البحث الكلامي بعد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من أمم البلاد المفتوحة بيد المسلمين و علماء الأديان و المذاهب المتفرقة من جهة. 

  • و نقل فلسفة يونان إلى العربية في السلطنة الأموية أواخر القرن الأول من الهجرة، ثم في عهد العباسيين، و انتشار البحث العقلي الفلسفي بين الباحثين من المسلمين من جهة أخرى ثانية. 

  • و ظهور التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي و تمايل الناس إلى نيل المعارف الدينية من طريق المجاهدة و الرياضة النفسانية دون البحث اللفظي و العقلي من جهة أخرى ثالثة. 

  • و بقاء جمع من الناس و هم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية من جهة أخرى رابعة. 

  • أن اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في المذاهب ما عمل، و لم يبق بينهم جامع في الرأي و النظر إلا لفظ لا إله إلا الله و محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و اختلفوا في معنى الأسماء و الصفات و الأفعال و السماوات و ما فيها و الأرض و ما عليها و القضاء و القدر و الجبر و التفويض و الثواب و العقاب و في الموت و في البرزخ و البعث و الجنة و النار، و بالجملة في جميع ما تمسه الحقائق و المعارف الدينية و لو بعض المس، فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الآيات، و كل يتحفظ على متن ما اتخذه من المذهب و الطريقة. 

  • فأما المحدثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة و التابعين فساروا و جدوا في السير حيث ما يسير بهم المأثور و وقفوا فيما لم يؤثر فيه شي‌ء و لم يظهر المعنى ظهورا لا يحتاج إلى البحث أخذا بقوله تعالى: {وَ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} الآية: آل عمران - ٧ و قد أخطئوا في ذلك فإن الله سبحانه 

  •  

تفسير الميزان ج۱

6
  • لم يبطل حجة العقل في كتابه، و كيف يعقل ذلك و حجيته إنما تثبت به! و لم يجعل حجية في أقوال الصحابة و التابعين و أنظارهم على اختلافها الفاحش، و لم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات و المتنافيات من الأقوال، و لم يندب إلا إلى التدبر في آياته، فرفع به أي اختلاف يتراءى منها، و جعله هدى و نورا و تبيانا لكل شي‌ء، فما بال النور يستنير بنور غيره! و ما شأن الهدى يهتدي بهداية سواه! و كيف يتبين ما هو تبيان كل شي‌ء بشي‌ء دون نفسه!. 

  • و أما المتكلمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق و تأويل ما خالف على حسب ما يجوزه قول المذهب. 

  • و اختيار المذاهب الخاصة و اتخاذ المسالك و الآراء المخصوصة و إن كان معلولا لاختلاف الأنظار العلمية أو لشي‌ء آخر كالتقاليد و العصبيات القومية، و ليس هاهنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا. 

  • ففرق بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن؟ أو يقول: 

  • ما ذا يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمر نظري عند البحث، و أن يتكي على ما ليس بنظري، و الثاني يوجب وضع النظريات في المسألة و تسليمها و بناء البحث عليها، و من المعلوم أن هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه. 

  • و أما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق و تأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم أعني: 

  • الرياضيات و الطبيعيات و الإلهيات و الحكمة العملية، و خاصة المشائين، و قد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة و آيات الخلقة و حدوث السماوات و الأرض و آيات البرزخ و آيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات و الأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية و الجزئية و ترتيب العناصر و الأحكام الفلكية و العنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصوا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

7
  • على أن هذه الأنظار مبتنية على أصول موضوعة لا بينة و لا مبينة. 

  • و أما المتصوفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة و اعتنائهم بشأن الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر و آياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل، و رفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، و تلفيق جمل شعرية و الاستدلال من كل شي‌ء على كل شي‌ء، حتى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل و رد الكلمات إلى الزبر و البينات و الحروف النورانية و الظلمانية إلى غير ذلك. 

  • و من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، و لا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد و الأوفاق و الحروف، و لا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانية و غيرها إلى العربية. 

  • نعم قد وردت روايات‌ عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت (علیه السلام) كقولهم: إن للقرآن ظهرا و بطنا و لبطنه بطنا إلى سبعة أبطن أو إلى سبعين بطنا الحديث. 

  • لكنهم (علیه السلام) اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، و اعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، و سنبين في أوائل سورة آل عمران إن شاء الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن و انتشار الإسلام، و أن الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل المعنى و المفهوم. 

  • و قد نشأ في هذه الأعصار مسلك جديد في التفسير و ذلك أن قوما من منتحلي الإسلام في إثر توغلهم في العلوم الطبيعية و ما يشابهها المبتنية على الحس و التجربة، و الاجتماعية المبتنية على تجربة الإحصاء، مالوا إلى مذهب الحسيين من فلاسفة الأروبة سابقا، أو إلى مذهب أصالة العمل (لا قيمة للإدراكات إلا ترتب العمل عليها بمقدار يعينه الحاجة الحيوية بحكم الجبر). 

  • فذكروا: أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم و هو أن: (لا أصالة في الوجود إلا للمادة و خواصها المحسوسة) فما كان الدين يخبر عن وجوده مما يكذب العلوم ظاهره كالعرش و الكرسي و اللوح و القلم يجب أن يؤول تأويلا. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

8
  • و ما يخبر عن وجوده مما لا تتعرض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجه بالقوانين المادية. 

  • و ما يتكي عليه التشريع من الوحي و الملك و الشيطان و النبوة و الرسالة و الإمامة و غير ذلك، إنما هي أمور روحية، و الروح مادية و نوع من الخواص المادية، و التشريع نبوغ خاص اجتماعي يبنى قوانينه على الأفكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي. 

  • ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلا ما وافق الكتاب، و أما الكتاب فلا يجوز أن يبنى في تفسيره على الآراء و المذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الذي أبطله العلم بالبناء على الحسن و التجربة، بل الواجب أن يستقل بما يعطيه القرآن من التفسير إلا ما بينه العلم. 

  • هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحس و التجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، و لا كلام لنا هاهنا في أصولهم العلمية و الفلسفية التي اتخذوها أصولا و بنوا عليها ما بنوا. 

  • و إنما الكلام في أن ما أوردوه على مسالك السلف من المفسرين (أن ذلك تطبيق و ليس بتفسير) وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، و إن صرحوا أنه حق التفسير الذي يفسر به القرآن بالقرآن. 

  • و لو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئا، فما بالهم يأخذون الأنظار العلمية مسلمة لا يجوز التعدي عنها؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف إصلاحا. 

  • و أنت بالتأمل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: أن الجميع مشتركة في نقص و بئس النقص، و هو تحميل ما أنتجه الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدل به التفسير تطبيقا و سمي به التطبيق تفسيرا، و صارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، و تنزيل عدة من الآيات تأويلات. 

  • و لازم ذلك (كما أومأنا إليه في أوائل الكلام) أن يكون القرآن الذي يعرف 

  •  

تفسير الميزان ج۱

9
  • نفسه (بأنه هدى للعالمين و نور مبين و تبيان لكل شي‌ء) مهديا إليه بغيره و مستنيرا بغيره و مبينا بغيره، فما هذا الغير! و ما شأنه! و بما ذا يهدي إليه! و ما هو المرجع و الملجأ إذا اختلف فيه! و قد اختلف و اشتد الخلاف. 

  • و كيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم (مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة و العرف العربي) الكلمات أو الآيات، فإنما هو كلام عربي مبين لا يتوقف في فهمه عربي و لا غيره ممن هو عارف باللغة و أساليب الكلام العربي. 

  • و ليس بين آيات القرآن (و هي بضع آلاف آية) آية واحدة ذات إغلاق و تعقيد في مفهومها بحيث يتحير الذهن في فهم معناها، و كيف! و هو أفصح الكلام و من شرط الفصاحة خلو الكلام عن الإغلاق و التعقيد، حتى أن الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة و غيرها، في غاية الوضوح من جهة المفهوم، و إنما التشابه في المراد منها و هو ظاهر. 

  • و إنما الاختلاف كل الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها و مركبها، و في المدلول التصوري و التصديقي. 

  • توضيحه: أن الأنس و العادة (كما قيل) يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة فإن المادة هي التي يتقلب فيها أبداننا و قوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحياة الدنيوية، فإذا سمعنا ألفاظ الحياة و العلم و القدرة و السمع و البصر و الكلام و الإرادة و الرضا و الغضب و الخلق و الأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية لمفاهيمها. 

  • و كذا إذا سمعنا ألفاظ السماء و الأرض و اللوح و القلم و العرش و الكرسي و الملك و أجنحته و الشيطان و قبيله و خيله و رجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى أفهامنا مصاديقها الطبيعية. 

  • و إذا سمعنا: أن الله خلق العالم و فعل كذا و علم كذا و أراد أو يريد أو شاء و أو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا. 

  • و إذا سمعنا نحو قوله: {وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} الآية و قوله: { لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } الآية 

  •  

تفسير الميزان ج۱

10
  • و قوله: { وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ } الآية. و قوله: { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } الآية. قيدنا معنى الحضور بالمكان. 

  • و إذا سمعنا نحو قوله: { إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } الآية أو قوله: 

  • { وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ }. الآية أو قوله: { يُرِيدُ اَللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ } الآية فهمنا: أن الجميع سنخ واحد من الإرادة، لما أن الأمر على ذلك فيما عندنا، و على هذا القياس. 

  • و هذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، و من حقنا ذلك، فإن الذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم و التفهم، و الاجتماع إنما تعلق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلقة بالمادة و لواحقها، فوضعنا الألفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات و أغراضا عائدة إلينا. 

  • و كان ينبغي لنا أن نتنبه: أن المسميات المادية محكومة بالتغير و التبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول و التكامل كما أن السراج أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة و شي‌ء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضاءة به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي و لم يبق من أجزاء السراج المعمول أولا الموضوع بإزائه لفظ السراج شي‌ء و لا واحد. 

  • و كذا الميزان المعمول أولا، و الميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلا. 

  • و السلاح المتخذ سلاحا أول يوم، و السلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك. 

  • فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا و صفة و الاسم مع ذلك باق، و ليس إلا لأن المراد في التسمية إنما هو من الشي‌ء غايته، لا شكله و صورته، فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا كان اسم الميزان و السراج و السلاح و غيرها باقيا على حاله. 

  • فكان ينبغي لنا أن نتنبه أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية و الغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك مما لا مطمع فيه البتة، و لكن العادة و الأنس منعانا ذلك، و هذا هو الذي دعا المقلدة من أصحاب الحديث من الحشوية و المجسمة أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير و ليس في الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة و الأنس في تشخيص المصاديق. ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

11
  • لكن بين هذه الظواهر أنفسها أمور تبين: أن الاتكاء و الاعتماد على الأنس و العادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها و يختل به أمر الفهم كقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ } الآية . و قوله: { لاَ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ }. و قوله: { سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

  • و هذا هو الذي دعا الناس أن لا يقتصروا على الفهم العادي و المصداق المأنوس به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عن الخطاء و الحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعا الإنسان إلى أن يتمسك بذيل البحث العلمي، و أجاز ذلك للبحث أن يداخل في فهم حقائق القرآن و تشخيص مقاصده العالية، و ذلك على أحد وجهين، أحدهما: أن نبحث بحثا علميا أو فلسفيا أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي بالآية و نحملها عليه، و هذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير أن القرآن لا يرتضيها كما عرفت، و ثانيهما: أن نفسر القرآن بالقرآن و نستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، و نشخص المصاديق و نتعرفها بالخواص التي تعطيها الآيات، كما قال تعالى: 

  • { وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ} الآية. و حاشا أن يكون القرآن تبيانا لكل شي‌ء و لا يكون تبيانا لنفسه، و قال تعالى: { هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّنَاتٍ مِنَ اَلْهُدى‌ وَ اَلْفُرْقَانِ } . الآية و قال تعالى: { وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً } الآية . و كيف يكون القرآن هدى و بينة و فرقانا و نورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون و لا يكفيهم في احتياجهم إليه و هو أشد الاحتياج! و قال تعالى: { وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } الآية و أي جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه! و أي سبيل أهدى إليه من القرآن!. 

  • و الآيات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم و المتشابه في أوائل سورة آل عمران. 

  • ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) الذي علمه القرآن و جعله معلما لكتابه كما يقول تعالى: 

  • { نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلى‌ قَلْبِكَ } الآية. و يقول: { وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } الآية . و يقول: { يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ } الآية . و عترته و أهل بيته الذين أقامهم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) هذا المقام‌ في الحديث المتفق 

  •  

تفسير الميزان ج۱

12
  • عليه بين الفريقين: [إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض‌]. و صدقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عز من قائل: { إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } و قال { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ} الآية و قد كانت طريقتهم في التعليم و التفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير. و سنورد ما تيسر لنا مما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل بيته في ضمن أبحاث روائية في هذا الكتاب، و لا يعثر المتتبع الباحث فيها على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الآية بحجة نظرية عقلية، و لا فرضية علمية. 

  • و قد قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): [فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع و ماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار، و هو الدليل يدل على خير سبيل، و هو كتاب تفصيل و بيان و تحصيل - و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكمة و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، له نجوم و على نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه - فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، و ليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب و يخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص و يقل التربص‌]. و قال علي (علیه السلام): (يصف القرآن على ما في النهج) [ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض الخطبة]. 

  • هذا هو الطريق المستقيم و الصراط السوي الذي سلكه معلموا القرآن و هداته صلوات الله عليهم. 

  • و سنضع ما تيسر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية، أو إلى مكاشفة عرفانية. 

  • و احترزنا فيها عن أن نضع الأنكتة أدبية يحتاج إليها فهم الأسلوب العربي أو مقدمة بديهية أو عملية لا يختلف فيها الأفهام. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

13
  • و قد تحصل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ الكلام فيما نذكره. 

  • (١) المعارف المتعلقة بأسماء الله سبحانه و صفاته من الحياة و العلم و القدرة و السمع و البصر و الوحدة و غيرها، و أما الذات فستطلع أن القرآن يراه غنيا عن البيان. 

  • (٢) المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى من الخلق و الأمر و الإرادة و المشية و الهداية و الإضلال و القضاء و القدر و الجبر و التفويض و الرضا و السخط، إلى غير ذلك من متفرقات الأفعال. 

  • (٣) المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه و بين الإنسان كالحجب و اللوح و القلم و العرش و الكرسي و البيت المعمور و السماء و الأرض و الملائكة و الشياطين و الجن و غير ذلك. 

  • (٤) المعارف المتعلقة بالإنسان قبل الدنيا. 

  • (٥) المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه و معرفة نفسه و معرفة أصول اجتماعه و معرفة النبوة و الرسالة و الوحي و الإلهام و الكتاب و الدين و الشريعة، و من هذا الباب مقامات الأنبياء المستفادة من قصصهم المحكية. 

  • (٦) المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، و هو البرزخ و المعاد. 

  • (٧) المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، و من هذا الباب ما يتعلق بمقامات الأولياء في صراط العبودية من الإسلام و الإيمان و الإحسان و الإخبات و الإخلاص و غير ذلك. 

  • و أما آيات الأحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه. 

  • و قد أفاد هذه الطريقة من البحث ارتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى المخالف للظاهر من بين الآيات، و أما التأويل بالمعنى الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، فسترى أنه ليس من قبيل المعاني. 

  • ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية نورد ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامة و الخاصة، و أما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة و التابعين. فإنها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

14
  • على ما فيها من الخط و التناقض لا حجة فيها على مسلم. 

  • و سيطلع الباحث المتدبر في الروايات المنقولة عنهم (علیه السلام)، أن هذه الطريقة الحديثة التي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة في التفسير التي سلكها معلموه سلام الله عليهم. 

  • ثم وضعنا أبحاثا مختلفة، فلسفية و علمية و تاريخية و اجتماعية و أخلاقية، حسب ما تيسر لنا من البحث، و قد آثرنا في كل بحث قصر الكلام على المقدمات المسانخة له، من غير تعد عن طور البحث. 

  • نسأل الله تعالى السداد و الرشاد فإنه خير معين و هاد الفقير إلى الله: محمد حسين الطباطبائي‌ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

15
  • (١) سورة الحمد و هي سبع آيات (٧) 

  • [سورة الفاتحة (١): الآیات ١ الی ٥]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ١ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ ٢ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ٣ مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ }

  • ( بيان) 

  • قوله تعالى: { بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ } الناس ربما يعملون عملا أو يبتدئون في عمل و يقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك مباركا بذلك متشرفا، أو ليكون ذكرى يذكرهم به، و مثل ذلك موجود أيضا في باب التسمية فربما يسمون المولود الجديد من الإنسان، أو شيئا مما صنعوه أو عملوه كدار بنوها أو مؤسسة أسسوها باسم من يحبونه أو يعظمونه، ليبقى الاسم ببقاء المسمى الجديد، و يبقى المسمى الأول نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمي ولده باسم والده ليحيي بذلك ذكره فلا يزول و لا ينسى. 

  • و قد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عز اسمه؛ ليكون ما يتضمنه من المعنى معلما باسمه مرتبطا به، و ليكون أدبا يؤدب به العباد في الأعمال و الأفعال و الأقوال، فيبتدءوا باسمه و يعملوا به، فيكون ما يعملونه معلما باسمه منعوتا بنعته تعالى مقصودا لأجله سبحانه فلا يكون العمل هالكا باطلا مبترا، لأنه باسم الله الذي لا سبيل للهلاك و البطلان إليه. 

  • و ذلك أن الله سبحانه يبين في مواضع من كلامه: أن ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل، و أنه: سيقدم إلى كل عمل عملوه مما ليس لوجهه الكريم، فيجعله هباء منثورا، و يحبط ما صنعوا و يبطل ما كانوا يعملون، و أنه لا بقاء لشي‌ء إلا وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم و صنع باسمه هو الذي يبقى و لا يفنى، و كل أمر من الأمور إنما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، و هذا هو الذي يفيده ما رواه الفريقان‌ عن 

  •  

تفسير الميزان ج۱

16
  • النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال: [كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر الحديث‌]. و الأبتر هو المنقطع الآخر، فالأنسب أن متعلق الباء في البسملة أبتدئ بالمعنى الذي ذكرناه فقد ابتدأ بها الكلام بما أنه فعل من الأفعال، فلا محالة له وحدة، و وحدة الكلام بوحدة مدلوله و معناه، فلا محالة له معنى ذا وحدة و هو المعنى المقصود إفهامه من إلقاء الكلام، و الغرض المحصل منه. 

  • و قد ذكر الله سبحانه الغرض المحصل من كلامه الذي هو جملة القرآن إذ قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اَللَّهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ } الآية: المائدة - ١٦ إلى غير ذلك من الآيات التي أفاد فيها: أن الغاية من كتابه و كلامه هداية العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة { بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ }، فهو الله الذي إليه مرجع العباد، و هو الرحمن يبين لعباده سبيل رحمته العامة للمؤمن و الكافر، مما فيه خيرهم في وجودهم و حياتهم، و هو الرحيم يبين لهم سبيل رحمته الخاصة بالمؤمنين و هو سعادة آخرتهم و لقاء ربهم و قد قال تعالى: { وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }. الأعراف - ١٥٦. فهذا بالنسبة إلى جملة القرآن. 

  • ثم إنه سبحانه كرر ذكر السورة في كلامه كثيرا كقوله تعالى: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } يونس - ٣٨. و قوله: { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } هود - ١٣. و قوله تعالى: { إِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ } التوبة - ٨٦. و قوله: { سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَ فَرَضْنَاهَا } النور - ١. فبان لنا من ذلك: أن لكل طائفة من هذه الطوائف من كلامه (التي فصلها قطعا قطعا، و سمي كل قطعة سورة) نوعا من وحدة التأليف و التمام، لا يوجد بين أبعاض من سورة و لا بين سورة و سورة، و من هنا نعلم: أن الأغراض و المقاصد المحصلة من السور مختلفة، و أن كل واحدة منها مسوقة لبيان معنى خاص و لغرض محصل لا تتم السورة إلا بتمامه، و على هذا فالبسملة في مبتدإ كل سورة راجعة إلى الغرض الخاص من تلك السورة. 

  • فالبسملة في سورة الحمد راجعة إلى غرض السورة و المعنى المحصل منه، و الغرض الذي يدل عليه سرد الكلام في هذه السورة هو حمد الله بإظهار العبودية له سبحانه بالإفصاح 

  •  

تفسير الميزان ج۱

17
  • عن العبادة و الاستعانة و سؤال الهداية، فهو كلام يتكلم به الله سبحانه نيابة عن العبد، ليكون متأدبا في مقام إظهار العبودية بما أدبه الله به. 

  • و إظهار العبودية من العبد هو العمل الذي يتلبس به العبد، و الأمر ذو البال الذي يقدم عليه، فالابتداء باسم الله سبحانه الرحمن الرحيم راجع إليه، فالمعنى باسمك أظهر لك العبودية. 

  • فمتعلق الباء في بسملة الحمد الابتداء و يراد به تتميم الإخلاص في مقام العبودية بالتخاطب. و ربما يقال إنه الاستعانة و لا بأس به و لكن الابتداء أنسب لاشتمال السورة على الاستعانة صريحا في قوله تعالى: { وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 

  • و أما الاسم‌، فهو اللفظ الدال على المسمى مشتق من السمة بمعنى العلامة أو من السمو بمعنى الرفعة و كيف كان فالذي يعرفه منه اللغة و العرف هو اللفظ الدال و يستلزم ذلك أن يكون غير المسمى، و أما الإسلام بمعنى الذات مأخوذا بوصف من أوصافه فهو من الأعيان لا من الألفاظ و هو مسمى الاسم بالمعنى الأول كما أن لفظ العالم (من أسماء الله تعالى) اسم يدل على مسماه و هو الذات مأخوذة بوصف العلم و هو بعينه اسم بالنسبة إلى الذات الذي لا خبر عنه إلا بوصف من أوصافه و نعت من نعوته و السبب في ذلك أنهم وجدوا لفظ الاسم موضوعا للدال على المسمى من الألفاظ، ثم وجدوا أن الأوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات و تدل عليه حال اللفظ المسمى بالاسم في أنها تدل على ذوات خارجية، فسموا هذه الأوصاف الدالة على الذوات أيضا أسماء فأنتج ذلك أن الاسم كما يكون أمرا لفظيا كذلك يكون أمرا عينيا، ثم وجدوا أن الدال على الذات القريب منه هو الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، و أن الاسم بالمعنى الأول إنما يدل على الذات بواسطته، و لذلك سموا الذي بالمعنى الثاني اسما، و الذي بالمعنى الأول اسم الاسم، هذا و لكن هذا كله أمر أدى إليه التحليل النظري و لا ينبغي أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللغة ما ذكرناه. 

  • و قد شاع النزاع بين المتكلمين في الصدر الأول من الإسلام في أن الاسم عين المسمى أو غيره و طالت المشاجرات فيه، و لكن هذا النوع من المسائل قد اتضحت اليوم اتضاحا يبلغ إلى حد الضرورة و لا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل و ما يقال فيها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

18
  • و العناية بإبطال ما هو الباطل و إحقاق ما هو الحق فيها، فالصفح عن ذلك أولى. 

  • و أما لفظ الجلالة، فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، و إله‌ من أله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحير، فهو فعال بكسر الفاء بمعنى المفعول ككتاب بمعنى المكتوب سمي إلها لأنه معبود أو لأنه مما تحيرت في ذاته العقول، و الظاهر أنه علم بالغلبة، و قد كان مستعملا دائرا في الألسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهلي كما يشعر به قوله تعالى: { وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللَّهُ } الزخرف - ٨٧. و قوله تعالى: { فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هَذَا لِشُرَكَائِنَا } الأنعام - ١٣٦. 

  • و مما يدل على كونه علما أنه يوصف بجميع الأسماء الحسنى و سائر أفعاله المأخوذة من تلك الأسماء من غير عكس، فيقال: الله الرحمن الرحيم و يقال: رحم الله و علم الله، و رزق الله، و لا يقع لفظ الجلالة صفة لشي‌ء منها و لا يؤخذ منه ما يوصف به شي‌ء منها. 

  • و لما كان وجوده سبحانه، و هو إله كل شي‌ء يهدي إلى اتصافه بجميع الصفات الكمالية كانت الجميع مدلولا عليها به بالالتزام، و صح ما قيل إن لفظ الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال و إلا فهو علم بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدل عليه مادة أله. 

  • و أما الوصفان: { اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ }، فهما من الرحمة، و هي وصف انفعالي و تأثر خاص يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه و رفع حاجته، إلا أن هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الإعطاء و الإفاضة لرفع الحاجة و بهذا المعنى يتصف سبحانه بالرحمة. 

  • و الرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدل على الكثرة، و الرحيم فعيل صفة مشبهة تدل على الثبات و البقاء و لذلك ناسب الرحمن أن يدل على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن و الكافر و هو الرحمة العامة، و على هذا المعنى يستعمل كثيرا في القرآن، قال تعالى: 

  • { اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‌ } طه - ٥. و قال: { قُلْ مَنْ كَانَ فِي اَلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمَنُ مَدًّا } مريم - ٧٥. إلى غير ذلك، و لذلك أيضا ناسب الرحيم أن يدل على النعمة الدائمة و الرحمة الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى: { وَ كَانَ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

19
  • بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } الأحزاب - ٤٣. و قال تعالى: { إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ } التوبة - ١١٧. إلى غير ذلك، و لذلك قيل: إن الرحمن عام للمؤمن و الكافر و الرحيم خاص بالمؤمن. 

  • و قوله تعالى: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ }، الحمد على ما قيل هو الثناء على الجميل الاختياري و المدح أعم منه، يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، و يقال: مدحت اللؤلؤ على صفائه و لا يقال: حمدته على صفائه، و اللام فيه للجنس أو الاستغراق و المال هاهنا واحد. 

  • و ذلك أن الله سبحانه يقول: { ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ } غافر - ٦٢. 

  • فأفاد أن كل ما هو شي‌ء فهو مخلوق لله سبحانه، و قال: { اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ } السجدة - ٧. فأثبت الحسن لكل شي‌ء مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق و بالعكس، فلا خلق إلا و هو حسن جميل بإحسانه و لا حسن إلا و هو مخلوق له منسوب إليه، و قد قال تعالى: { هُوَ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ } الزمر - ٤. و قال: { وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ } طه - ١١١. فأنبأ أنه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر و لا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر بل خلقه عن علم و اختيار فما من شي‌ء إلا و هو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل، و أما من جهة الاسم فقد قال تعالى: { اَللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى‌ } طه - ٨. و قال تعالى { وَ لِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى‌ فَادْعُوهُ بِهَا وَ ذَرُوا اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } الأعراف - ١٨٠. فهو تعالى جميل في أسمائه و جميل في أفعاله، و كل جميل منه. 

  • فقد بان أنه تعالى محمود على جميل أسمائه و محمود على جميل أفعاله، و أنه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقة لأن الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد و له سبحانه كل حمد. 

  • ثم إن الظاهر من السياق و بقرينة الالتفات الذي في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} الآية أن السورة من كلام العبد، و أنه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد نفسه و ما ينبغي أن يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، و هو الذي يؤيده قوله: { اَلْحَمْدُ لِلَّهِ }

  •  

تفسير الميزان ج۱

20
  • و ذلك أن الحمد توصيف، و قد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: { سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ } الصافات - ١٦٠. 

  • و الكلام مطلق غير مقيد، و لم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح (علیه السلام): { فَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي نَجَّانَا مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ } المؤمنون - ٢٨. و قال تعالى حكاية عن إبراهيم (علیه السلام): { اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ } إبراهيم - ٣٩. و قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) في بضعة مواضع من كلامه: { وَ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ } النمل - ٩٣. و قال تعالى حكاية عن داود و سليمان (علیه السلام) { وَ قَالاَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ } النمل - ١٥. و إلا ما حكاه عن أهل الجنة و هم المطهرون من غل الصدور و لغو القول و التأثيم كقوله‌{ وَ آخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ } يونس - ١٠. 

  • و أما غير هذه الموارد فهو تعالى و إن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: { وَ اَلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } الشورى - ٥. و قوله { وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } الرعد - ١٣ و قوله { وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } الإسراء - ٤٤. 

  • إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية و جعل الحمد معه، و ذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله و كمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته و أسمائه التي منها جمال الأفعال، قال تعالى: { وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } طه - ١١٠فما وصفوه به فقد أحاطوا به و صار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه و يسبحوه عن ما حدوه و قدروه بأفهامهم، قال تعالى: { إِنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } النحل - ٧٤، و أما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده و وصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أن الذي يقتضيه أدب العبودية أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه و لا يتعدى عنه، كما- في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): [لا أحصي ثناء عليك أنت - كما أثنيت على نفسك الحديث‌] فقوله في أول هذه السورة : {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ } تأديب بأدب عبودي ما كان للعبد 

  •  

تفسير الميزان ج۱

21
  • أن يقوله لو لا أن الله تعالى قاله نيابة و تعليما لما ينبغي الثناء به. 

  • و قوله تعالى: {رَبِّ اَلْعَالَمِينَ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ} انتهى (و قرأ الأكثر ملك يوم الدين) 

  • فالرب‌ 

  • هو المالك الذي يدبر أمر مملوكه، ففيه معنى الملك، و معنى

  • الملك‌

  • (الذي عندنا في ظرف الاجتماع) هو نوع خاص من الاختصاص و هو نوع قيام شي‌ء بشي‌ء يوجب صحة التصرفات فيه، فقولنا العين الفلانية ملكنا معناه: أن لها نوعا من القيام و الاختصاص بنا يصح معه تصرفاتنا فيها و لو لا ذلك لم تصح تلك التصرفات و هذا في الاجتماع معنى وضعي اعتباري غير حقيقي و هو مأخوذ من معنى آخر حقيقي نسميه أيضا ملكا، و هو نحو قيام أجزاء وجودنا و قوانا بنا فإن لنا بصرا و سمعا و يدا و رجلا، و معنى هذا الملك أنها في وجودها قائمة بوجودنا غير مستقلة دوننا بل مستقلة باستقلالنا و لنا أن نتصرف فيها كيف شئنا و هذا هو الملك الحقيقي. 

  • و الذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة هو حقيقة الملك دون الملك الاعتباري الذي يبطل ببطلان الاعتبار و الوضع، و من المعلوم أن الملك الحقيقي لا ينفك عن التدبير فإن الشي‌ء إذا افتقر في وجوده إلى شي‌ء فلم يستقل عنه في وجوده لم يستقل عنه في آثار وجوده، فهو تعالى رب لما سواه لأن الرب هو المالك المدبر و هو تعالى كذلك. 

  • و أما { اَلْعَالَمِينَ}: فهو جمع 

  • العالم‌ 

  • بفتح اللام بمعنى ما يعلم به كالقالب و الخاتم و الطابع بمعنى ما يقلب به و ما يختم به و ما يطبع به، يطلق على جميع الموجودات و على كل نوع مؤلف الأفراد و الأجزاء منها كعالم الجماد و عالم النبات و عالم الحيوان و عالم الإنسان و على كل صنف مجتمع الأفراد أيضا كعالم العرب و عالم العجم و هذا المعنى هو الأنسب لما يئول إليه عد هذه الأسماء الحسنى حتى ينتهي إلى قوله { مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ } على أن يكون الدين و هو الجزاء يوم القيامة مختصا بالإنسان أو الإنس و الجن فيكون المراد بالعالمين عوالم الإنس و الجن و جماعاتهم و يؤيده ورود هذا اللفظ بهذه العناية في القرآن كقوله تعالى { وَ اِصْطَفَاكِ عَلى‌ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ } آل عمران - ٤٢. و قوله تعالى: { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } فرقان - ١، و قوله تعالى: { أَ تَأْتُونَ اَلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

22
  • اَلْعَالَمِينَ } الأعراف - ٨٠. 

  • و أما {مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ} فقد عرفت معنى المالك و هو المأخوذ من الملك بكسر الميم، و أما الملك‌ و هو مأخوذ من الملك بضم الميم، فهو الذي يملك النظام القومي و تدبيرهم دون العين، و بعبارة أخرى يملك الأمر و الحكم فيهم. 

  • و قد ذكر لكل من القرائتين، ملك و مالك؛ وجوه من التأييد غير أن المعنيين من السلطنة ثابتان في حقه تعالى، و الذي تعرفه اللغة و العرف أن الملك بضم الميم هو المنسوب إلى الزمان يقال: ملك العصر الفلاني، و لا يقال مالك العصر الفلاني إلا بعناية بعيدة، و قد قال تعالى: ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم، و قال أيضا: {لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ} غافر - ١٦.

  • (بحث روائي‌)

  • في العيون، و المعاني، عن الرضا (علیه السلام): في معنى قوله: {بِسْمِ اَللَّهِ} قال (علیه السلام): يعني أسم نفسي بسمة من سمات الله و هي العبادة، قيل له: ما السمة؟ قال العلامة. أقول و هذا المعنى كالمتولد من المعنى الذي أشرنا إليه في كون الباء للابتداء فإن العبد إذا وسم عبادته باسم الله لزم ذلك أن يسم نفسه التي ينسب العبادة إليها بسمة من سماته. 

  • و- في التهذيب، عن الصادق (علیه السلام)، و في العيون، و تفسير العياشي، عن الرضا (علیه السلام): أنها أقرب إلى اسم الله الأعظم - من ناظر العين إلى بياضها. أقول: و سيجي‌ء معنى الرواية في الكلام على الاسم الأعظم. 

  • و في العيون، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): أنها من الفاتحة و أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يقرأها و يعدها آية منها، و يقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني‌ أقول: و روي من طرق أهل السنة و الجماعة نظير هذا المعنى‌ فعن الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم القرآن و السبع المثاني، و بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها. و في الخصال، عن الصادق (علیه السلام) قال: ما لهم؟ قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

23
  • و

  • عن الباقر (علیه السلام): سرقوا أكرم آية في كتاب الله‌ { بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ}، و ينبغي الإتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه. أقول و الروايات عن أئمة أهل البيت في هذا المعنى كثيرة، و هي جميعا تدل على أن البسملة جزء من كل سورة إلا سورة البراءة، و في روايات أهل السنة و الجماعة ما يدل على ذلك. 

  • ففي صحيح مسلم، عن أنس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أنزل علي آنفا سورة فقرأ: {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ}. و عن أبي داود عن ابن عباس (و قد صححوا سندها) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان لا يعرف فصل السورة، (و في رواية انقضاء السورة) حتى ينزل عليه‌ { بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ}. أقول و روي هذا المعنى من طرق الخاصة عن الباقر (علیه السلام). 

  • و

  • في الكافي، و التوحيد، و المعاني، و تفسير العياشي، عن الصادق (علیه السلام) في حديث: و الله إله كل شي‌ء، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة. و روي عن الصادق (علیه السلام): الرحمن اسم خاص بصفة عامة - و الرحيم اسم عام بصفة خاصة. أقول: قد ظهر مما مر وجه عموم الرحمن للمؤمن و الكافر و اختصاص الرحيم بالمؤمن، و أما كون الرحمن اسما خاصا بصفة عامة و الرحيم اسما عاما بصفة خاصة فكأنه يريد به أن الرحمن خاص بالدنيا و يعم الكافر و المؤمن و الرحيم عام للدنيا و الآخرة و يخص المؤمنين، و بعبارة أخرى: الرحمن يختص بالإفاضة التكوينية التي يعم المؤمن و الكافر، و الرحيم يعم التكوين و التشريع الذي بابه باب الهداية و السعادة، و يختص بالمؤمنين لأن الثبات و البقاء يختص بالنعم التي تفاض عليهم و العاقبة للتقوى. 

  • و في كشف الغمة، عن الصادق (علیه السلام) قال: فقد لأبي (علیه السلام) بغلة فقال لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضيها فما لبث أن أتي بها بسرجها و لجامها - فلما استوى و ضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء و قال الحمد لله و لم يزد، ثم قال ما تركت و لا أبقيت 

  •  

تفسير الميزان ج۱

24
  •  شيئا جعلت أنواع المحامد لله عز و جل، فما من حمد إلا و هو داخل فيها.

  • قلت: و

  • في العيون، عن علي (علیه السلام): أنه سئل عن تفسيرها فقال: هو أن الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا - إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل - لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال: قولوا الحمد لله على ما أنعم به علينا.

  •  أقول: يشير (علیه السلام) إلى ما مر من أن الحمد، من العبد و إنما ذكره الله بالنيابة تأديبا و تعليما. 

  • [بحث فلسفي [معنى الحمد و أنه لله سبحانه]. 

  • البراهين العقلية ناهضة على أن استقلال المعلول و كل شأن من شئونه إنما هو بالعلة، و أن كل ما له من كمال فهو من أظلال وجود علته، فلو كان للحسن و الجمال حقيقة في الوجود فكماله و استقلاله للواجب تعالى لأنه العلة التي ينتهي إليه جميع العلل، و الثناء و الحمد هو إظهار موجود ما بوجوده كمال موجود آخر و هو لا محالة علته و إذا كان كل كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كل ثناء و حمد تعود و تنتهي إليه تعالى، فالحمد لله رب العالمين. 

  • قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الآية

  • العبد

  • هو المملوك من الإنسان أو من كل ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى: { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاَّ آتِي اَلرَّحْمَنِ عَبْداً } مريم - ٩٣. و العبادة مأخوذة منه و ربما تفرقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي فيها لاختلاف الموارد، و ما ذكره الجوهري في الصحاح أن أصل العبودية الخضوع فهو من باب الأخذ بلازم المعنى و إلا فالخضوع متعد باللام و العبادة متعدية بنفسها. 

  • و بالجملة فكان العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه و لذلك كانت العبادة منافية للاستكبار و غير منافية للاشتراك فمن الجائز أن يشترك أزيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد، قال تعالى: { إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ }: غافر - ٦٠. و قال تعالى: { وَ لاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }: الكهف - ١١٠ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

25
  • فعد الإشراك ممكنا و لذلك نهى عنه، و النهي لا يمكن إلا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فإنه لا يجامعها. 

  • و العبودية إنما يستقيم بين العبيد و مواليهم فيما يملكه الموالي منهم، و أما ما لا يتعلق به الملك من شئون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به عبادة و لا عبودية، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه و لا أن العبد يتبعض في نسبته إليه تعالى فيكون شي‌ء منه مملوكا و شي‌ء، آخر غير مملوك، و لا تصرف من التصرفات فيه جائز و تصرف آخر غير جائز كما أن العبيد فيما بيننا شي‌ء منهم مملوك و هو أفعالهم الاختيارية و شي‌ء غير مملوك و هو الأوصاف الاضطرارية، و بعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم و بعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا، فهو تعالى مالك على الإطلاق من غير شرط و لا قيد و غيره مملوك على الإطلاق من غير شرط و لا قيد فهناك حصر من جهتين، الرب مقصور في المالكية، و العبد مقصور في العبودية، و هذه هي التي يدل عليه قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. حيث قدم المفعول و أطلقت العبادة. 

  • ثم إن الملك حيث كان متقوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر، فلا يكون حاجبا عن مالكه و لا يحجب عنه، فإنك إذا نظرت إلى دار زيد فإن نظرت إليها من جهة أنها دار أمكنك أن تغفل عن، زيد و إن نظرت إليها بما أنها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها و هو زيد. 

  • و لكنك عرفت أن ما سواه تعالى ليس له إلا المملوكية فقط و هذه حقيقته فشي‌ء منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، و لا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه: { أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ } حم السجدة - ٥٤، و إذا كان كذلك فحق عبادته تعالى أن يكون عن حضور من الجانبين. 

  • أما من جانب الرب عز و جل، فأن يعبد عبادة معبود حاضر و هو الموجب للالتفات المأخوذ في قوله تعالى{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} عن الغيبة إلى الحضور. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

26
  • و أما من جانب العبد، فأن يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى و جسدا من غير روح؛ أو يتبعض فيشتغل بربه و بغيره، إما ظاهرا و باطنا كالوثنيين في عبادتهم لله و لأصنامهم معا أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات و الأغراض؛ كان يعبد الله و همه في غيره، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فإن ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي، قال تعالى: {فَاعْبُدِ اَللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ اَلدِّينَ } الزمر - ٢ و قال تعالى: { أَلاَ لِلَّهِ اَلدِّينُ اَلْخَالِصُ وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اَللَّهِ زُلْفى‌ إِنَّ اَللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} الزمر - ٣. 

  • فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد و هو الحضور الذي ذكرناه، و قد ظهر أنه إنما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته و لم يتعلق. قلبه في عبادته رجاء أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله، و لم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الإنية و الاستكبار، و كان الإتيان بلفظ المتكلم مع الغير للإيماء إلى هذه النكتة فإن فيه هضما للنفس بإلغاء تعينها و شخوصها وحدها المستلزم لنحو من الإنية و الاستقلال بخلاف إدخالها في الجماعة و خلطها بسواد الناس فإن فيه إمحاء التعين و إعفاء الأثر فيؤمن به ذلك. 

  • و قد ظهر من ذلك كله: أن إظهار العبودية بقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }؛ لا يشتمل على نقص من حيث المعنى و من حيث الإخلاص إلا ما في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } من نسبة العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود و القدرة و الإرادة مع أنه مملوك و المملوك لا يملك شيئا، فكأنه تدورك ذلك بقوله تعالى {وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي إنما ننسب العبادة إلى أنفسنا و ندعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلين بذلك مدعين ذلك دونك، فقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لإبداء معنى واحد و هو العبادة عن إخلاص، و يمكن أن يكون هذا هو الوجه في اتحاد الاستعانة و العبادة في السياق الخطابي حيث قيل { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} من دون أن يقال: إياك نعبد أعنا و اهدنا الصراط المستقيم 

  •  

تفسير الميزان ج۱

27
  • و أما تغيير السياق في قوله: { اِهْدِنَا اَلصِّراطَ} الآية. فسيجي‌ء الكلام فيه إن شاء الله تعالى. 

  • فقد بان بما مر من البيان في قوله‌ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } الآية؛ الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، و الوجه في الحصر الذي يفيده تقديم المفعول، و الوجه في إطلاق قوله: { نَعْبُدُ }، و الوجه في اختيار لفظ المتكلم مع الغير، و الوجه في تعقيب الجملة الأولى بالثانية، و الوجه في تشريك الجملتين في السياق، و قد ذكر المفسرون نكات أخرى في أطراف ذلك من أرادها فليراجع كتبهم و هو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه. ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

28
  • [سورة الفاتحة (١): الآیات ٦ الی ٧] 

  • {اِهْدِنَا اَلصِّراطَ اَلْمُسْتَقِيمَ ٦ صِراطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضَّالِّينَ ٧ }  

  • بيان ( معنى الصراط و الهداية).

  • قوله تعالى: { اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إلخ؛ أما الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط و أما

  • الصراط 

  • فهو و الطريق و السبيل قريب المعنى، و قد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بين أنه الصراط الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سئل الهداية إليه و هو بمعنى الغاية للعبادة أي: إن العبد يسأل ربه أن تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط. 

  • بيان ذلك: أن الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الإنسان بل لجميع من سواه سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلْإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلى‌ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ }: الإنشقاق - ٦ و قال تعالى: {وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ} التغابن - ٣، و قال: { أَلاَ إِلَى اَللَّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ }: الشورى - ٥٣، إلى غير ذلك من الآيات و هي واضحة الدلالة على أن الجميع سالكوا سبيل، و أنهم سائرون إلى الله سبحانه. 

  • ثم بين: أن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال: { أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } يس - ٦١. 

  • فهناك طريق مستقيم و طريق آخر وراءه، و قال تعالى {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّاعِ إِذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}: البقرة - ١٨٦، و قال تعالى: { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ}: غافر - ٦٠، فبين تعالى: أنه قريب من عباده و أن الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته و دعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} السجدة - ٤٤ فبين: أن غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم و سبيلهم بعيدة. 

  • فتبين: أن السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب و هو سبيل المؤمنين و سبيل 

  •  

تفسير الميزان ج۱

29
  • بعيد و هو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل و هناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى: { إِنَّ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ } الأعراف - ٤٠. و لو لا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، و قال تعالى: { وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‌}: طه - ٨١ و الهوي هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر أخذ في السفالة و الانحدار، و قال تعالى: { وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ اَلسَّبِيلِ } البقرة - ١٠٨، فعرف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل، و عند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلاثة أقسام: من طريقه إلى فوق و هم الذين يؤمنون بآيات الله و لا يستكبرون عن عبادته، و من طريقه إلى السفل و هم المغضوب عليهم، و من ضل الطريق و هو حيران فيه و هم الضالون، و ربما أشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: { صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضَّالِّينَ} .

  • و الصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث أعني: 

  • طريق المغضوب عليهم و طريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا أن قوله تعالى: { يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } المجادلة - ١١. يدل على أن نفس الطريق الأول أيضا يقع فيه انقسام. 

  • و بيانه: أن كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى: { وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ اَلسَّبِيلِ } البقرة - ١٠٨. و في هذا المعنى قوله تعالى { أَنْ لاَ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} يس - ٦٢. و القرآن يعد الشرك ظلما و بالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الأمر: { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ اَلظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}: إبراهيم - ٢٢. كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ }: الأنعام - ٨٢ و هو ظاهر من ترتيب الاهتداء و الأمن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم و لبس الإيمان به، و بالجملة الضلال و الشرك و الظلم أمرها واحد و هي متلازمة مصداقا، و هذا هو المراد من قولنا: إن كل واحد منها معرف بالآخر أو 

  •  

تفسير الميزان ج۱

30
  • هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم. 

  • إذا عرفت هذا علمت أن الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا يقع فيه شرك و لا ظلم البتة كما لا يقع فيه ضلال البتة، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، و لا في ظاهر الجوارح و الأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، و هذا هو حق التوحيد علما و عملا إذ لا ثالث لهما و ما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ و ينطبق على ذلك قوله تعالى: { اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ }: الأنعام - ٨٢، و فيه تثبيت للأمن في الطريق و وعد بالاهتداء التام بناء على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم. 

  • ثم إنه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى: 

  • { وَ مَنْ يُطِعِ اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} النساء - ٦٨. و قد وصف هذا الإيمان و الإطاعة قبل هذه الآية بقوله {فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً} النساء - ٦٦. فوصفهم بالثبات التام قولا و فعلا و ظاهرا و باطنا على العبودية لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة و مع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعا لأولئك المنعم عليهم و في صف دون صفهم لمكان مع و لمكان قوله: { وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } و لم يقل: فأولئك من الذين. 

  • و نظير هذه الآية قوله تعالى: { وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ} الحديد - ١٩. و هذا هو إلحاق المؤمنين بالشهداء و الصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، و قوله: لهم أجرهم. 

  • فأولئك (و هم أصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدرا و أرفع درجة و منزلة من هؤلاء و هم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم و أعمالهم من الضلال و الشرك و الظلم، فالتدبر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

31
  • في هذه الآيات يوجب القطع بأن هؤلاء المؤمنين (و شأنهم هذا الشأن) فيهم بقية بعد، لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم، و ارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم و لعلهم نوع من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى: { يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} المجادلة - ١١. فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدرا، يربو على نعمة الإيمان التام، و هذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. 

  • ثم إنه تعالى على أنه كرر في كلامه ذكر الصراط و السبيل لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد، و عد لنفسه سبلا كثيرة فقال عز من قائل { وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت - ٦٩. و كذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلا ما في هذه الآية {صِراطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} الآية) و لكنه نسب السبيل) إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلى‌ بَصِيرَةٍ } يوسف - ١٠٨. و قال تعالى {سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } لقمان - ١٥. و قال: { سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ } النساء - ١١٤، و يعلم منها: أن السبيل غير الصراط المستقيم فإنه يختلف و يتعدد و يتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اَللَّهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } المائدة - ١٦، فعد السبل كثيرة و الصراط واحدا و هذا الصراط المستقيم إما هي السبل الكثيرة و إما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض و اتحادها فيها. 

  • و أيضا قال تعالى: { وَ مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ} يوسف - ١٠٦. 

  • فبين أن من الشرك (و هو ضلال) ما يجتمع مع الإيمان و هو سبيل، و منه يعلم أن السبيل يجامع الشرك، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: {وَ لاَ اَلضَّالِّينَ } .

  • و التدبر في هذه الآيات يعطي أن كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، و أن كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه 

  •  

تفسير الميزان ج۱

32
  • غير الآخر و يفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين أنه يتحد مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة و غيرها كقوله: { وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ } يس - ٦١. و قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} الأنعام - ١٦١. فسمى العبادة صراطا مستقيما و سمى الدين صراطا مستقيما و هما مشتركان بين السبل جميعا، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما أن للبدن أطوارا في حياته هو عند كل طور غيره عند طور آخر، كالصبا و الطفولية و الرهوق و الشباب و الكهولة و الشيب و الهرم لكن الروح هي الروح و هي متحدة بها و البدن يمكن أن تطرأ عليه أطوار تنافي ما تحبه و تقتضيه الروح لو خليت و نفسها بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها و البدن مع ذلك هو الروح أعني الإنسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو الصراط المستقيم إلا أن السبيل كسبيل المؤمنين و سبيل المنيبين و سبيل المتبعين للنبي ص أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت أن الإيمان و هو سبيل ربما يجامع الشرك و الضلال لكن لا يجتمع مع شي‌ء من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه و شوبه و قربه و بعده، و الجميع على الصراط المستقيم أو هي هو. 

  • و قد بين الله سبحانه هذا المعنى، أعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق و الباطل في كلامه، فقال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ اِبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبَاطِلَ فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ اَلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثَالَ } الرعد - ١٧. فبين: أن القلوب و الأفهام في تلقي المعارف و الكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد، و سيجي‌ء تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، و بالجملة فهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم. 

  • و إذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك أن الصراط المستقيم ـ

  •  

تفسير الميزان ج۱

33
  • مهيمن على جميع السبل إلى الله و الطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى أن السبيل إلى الله إنما يكون سبيلا له موصلا إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم حقيقة، مع كون الصراط المستقيم هاديا موصلا إليه مطلقا و من غير شرط و قيد، و لذلك سماه الله تعالى صراطا مستقيما، فإن 

  • الصراط 

  • هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه و لا يدفعهم عن بطنه، و المستقيم هو الذي يريد أن يقوم على ساق فيتسلط على نفسه و ما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره، و يرجع المعنى إلى أنه الذي لا يتغير أمره و لا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته و إيصاله سالكيه إلى غايته و مقصدهم قال تعالى: { فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً } النساء - ١٧٤. أي لا يتخلف أمر هذه الهداية، بل هي على حالها دائما، و قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اَللَّهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَ هَذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً } الأنعام - ١٢٦. أي هذه طريقته التي لا يختلف و لا يتخلف، و قال تعالى: { قَالَ هَذا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ} الحجر - ٤٢. أي هذه سنتي و طريقتي دائما من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله: { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً } الفاطر - ٤٢. 

  • و قد تبين مما ذكرناه في معنى الصراط المستقيم أمور. 

  • أحدها: أن الطرق إلى الله مختلفة كمالا و نقصا و غلاء و رخصا، في جهة قربها من منبع الحقيقة و الصراط المستقيم كالإسلام و الإيمان و العبادة و الإخلاص و الإخبات، كما أن مقابلاتها من الكفر و الشرك و الجحود و الطغيان و المعصية كذلك، قال سبحانه { وَ لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } الأحقاف - ١٩. 

  • و هذا نظير المعارف الإلهية التي تتلقاها العقول من الله فإنها مختلفة باختلاف الاستعدادات و متلونة بألوان القابليات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى: 

  •  

تفسير الميزان ج۱

34
  • { أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } الآية. 

  • و ثانيها: أنه كما أن الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل، فكذلك أصحابه الذين مكنهم الله تعالى فيه و تولى أمرهم و ولاهم أمر هداية عباده حيث قال: { وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } النساء - ٧١. و قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ } المائدة - ٥٥. و الآية نازلة في أمير المؤمنين علي (علیه السلام) بالأخبار المتواترة و هو (علیه السلام) أول فاتح لهذا الباب من الأمة و سيجي‌ء تمام الكلام في الآية. 

  • و ثالثها: أن الهداية إلى الصراط يتعين معناها بحسب تعين معناه، و توضيح ذلك أن الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، و فيه أن تعديتها لمفعولين لغة أهل الحجاز، و غيرهم يعدونه إلى المفعول الثاني بإلى، و قوله هو الظاهر، و ما قيل: إن الهداية إذا تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الإيصال إلى المطلوب، و إذا تعدت بإلى فبمعنى إراءة الطريق، مستدلا بنحو قوله تعالى: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} القصص - ٥٦. حيث إن هدايته بمعنى إراءة الطريق ثابتة فالمنفي غيرها و هو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى: { وَ لَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً } النساء - ٧٠. و قال تعالى: { وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }الشورى - ٥٢. 

  • فالهداية بالإيصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، و الهداية بإراءة الطريق بإلى، و فيه أن النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية التي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها أصلا، و بعبارة أخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافا إلى أنه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: {يَا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشَادِ} غافر - ٣٨. فالحق أنه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، و من الممكن أن يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار و بالجملة فالهداية هي الدلالة و إراءة الغاية بإراءة الطريق و هي نحو إيصال إلى المطلوب، و إنما تكون من الله سبحانه، و سنته سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب و يتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره، و قد بينه الله سبحانه بقوله: {فَمَنْ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

35
  • يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ} الأنعام - ١٢٥. و قوله: { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى‌ ذِكْرِ اَللَّهِ ذلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} الزمر - ٢٣. و تعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل و الاطمينان، فهو إيجاده تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر الله و يميل و يطمئن إليه، و كما أن سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به. 

  • و إلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ} العنكبوت - ٦٩. إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله، و بين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الأول يريد سلامة السبيل و دفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فإنه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به، و كذا يمده الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلت عظمته. 

  • و رابعها: أن الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظا في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها و درجاتها، صح أن يهدي الله الإنسان إليه و هو مهدي فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهديه إلى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أن قوله تعالى: {اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ }(و هو تعالى يحكيه عمن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، و لا يرد عليه: أن سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل و هو محال، و كذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل و لا يتعلق به سؤال، و الجواب ظاهر. 

  • و كذا الإيراد عليه: بأن شريعتنا أكمل و أوسع من جميع الجهات من شرائع الأمم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين أنعم الله عليهم منهم؟ و ذلك أن كون شريعة أكمل من شريعة أمر، و كون المتمسك بشريعة أكمل من المتمسك بشريعة أمر آخر وراءه، فإن المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) (مع كون شريعته أكمل و أوسع) ليس بأكمل من نوح و إبراهيم (علیه السلام) مع كون شريعتهما أقدم و أسبق، و ليس ذلك إلا أن حكم الشرائع و العمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها و التخلق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص و إن كان من أهل الشرائع السابقة أكمل و أفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد و لم تستقر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

36
  • حياة المعرفة في روحه و لم يتمكن نور الهداية الإلهية من قلبه، و إن كان عاملا بالشريعة المحمدية ص التي هي أكمل الشرائع و أوسعها، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة و يسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها. 

  • و من أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحققين من أهل التفسير جوابا عن هذه الشبهة: أن دين الله واحد و هو الإسلام، و المعارف الأصلية و هو التوحيد و النبوة و المعاد و ما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع، و إنما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي أن الأحكام الفرعية فيها أوسع و أشمل لجميع شئون الحياة، فهي أكثر عناية بحفظ مصالح العباد، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة و الموعظة و الجدال الأحسن، ثم إن الدين و إن كان دينا واحدا و المعارف الكلية في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا، و تقدموا في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه و الاعتبار بما صاروا إليه هذا. 

  • أقول: و هذا الكلام مبني على أصول في مسلك التفسير مخالفة للأصول التي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها، فإنه مبني على أن حقائق المعارف الأصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب و الدرجات، و كذا سائر الكمالات الباطنية المعنوية، فأفضل الأنبياء المقربين مع أخس المؤمنين من حيث الوجود و كماله الخارجي التكويني على حد سواء، و إنما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير أن يتكي على تكوين، كما أن التفاضل بين الملك و الرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت من حيث الوجود الإنساني هذا. 

  • و لهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه، و هو القول بأصالة المادة و نفي الأصالة عما وراءها و التوقف فيه إلا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، و قد وقع في هذه الورطة من وقع، لأحد أمرين: إما القول بالاكتفاء بالحس اعتمادا على العلوم المادية و إما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العامي. 

  • و للكلام ذيل طويل سنورده في بعض الأبحاث العلمية الآتية إن شاء الله تعالى. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

37
  • و خامسها: أن مزية أصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، و كذا صراطهم على سبيل غيرهم، إنما هو بالعلم لا العمل، فلهم من العلم بمقام ربهم ما ليس لغيرهم، إذ قد تبين مما مر: أن العمل التام موجود في بعض السبل التي دون صراطهم، فلا يبقى لمزيتهم إلا العلم، و أما ما هذا العلم؟ و كيف هو؟ فنبحث عنه إن شاء الله في قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الرعد - ١٧. 

  • و يشعر بهذا المعنى قوله تعالى: { يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } المجادلة - ١١، و كذا قوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } الملائكة - ١٠، فالذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيب و هو الاعتقاد و العلم، و أما العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيب و الأمداد دون الصعود إليه تعالى، و سيجي‌ء تمام البيان في البحث عن الآية. ) بيان معنى الصراط و الهداية.)

  • بحث روایی (معنی جری القرآن)

  • في الكافي، عن الصادق (علیه السلام): في معنى العبادة قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفا، فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا الله تبارك و تعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الأجراء، و قوم عبدوا الله عز و جل حبا، فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة.

  • و في نهج البلاغة،: إن قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، و إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، و إن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار. 

  • و في العلل، و المجالس، و الخصال، عن الصادق (علیه السلام): إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه - فتلك عبادة الحرصاء و هو الطمع، و آخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد، و هي رهبة، و لكني أعبده حبا له عز و جل فتلك عبادة الكرام، لقوله عز و جل: { وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ }

  • و لقوله عز و جل : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ }، فمن أحب الله عز و جل 

  •  

تفسير الميزان ج۱

38
  • أحبه، و من أحبه الله كان من الآمنين، و هذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون. أقول: و قد تبين معنى الروايات مما مر من البيان، و توصيفهم (علیه السلام) عبادة الأحرار تارة بالشكر و تارة بالحب، لكون مرجعهما واحدا، فإن الشكر وضع الشي‌ء المنعم به في محله، و العبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقها لذاته، فيعبد الله لأنه الله، أي لأنه مستجمع لجميع صفات الجمال و الجلال بذاته، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته، فليس الحب إلا الميل إلى الجمال و الانجذاب نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لأنه هو، و هو معبود لأنه جميل محبوب، و هو معبود لأنه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد. 

  • و روي بطريق عامي عن الصادق (علیه السلام): في قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } الآية، يعني: 

  • لا نريد منك غيرك و لا نعبدك بالعوض و البدل: كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك. أقول: و الرواية تشير إلى ما تقدم، من استلزام معنى العبادة للحضور و للإخلاص الذي ينافي قصد البدل. 

  • و في تحف العقول، عن الصادق (علیه السلام) في حديث: و من زعم أنه يعبد بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، و من زعم أنه يعبد الصفة و الموصوف فقد أبطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف، و من زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير، و ما قدروا الله حق قدره. الحديث. 

  • و في المعاني، عن الصادق (علیه السلام): في معنى قوله تعالى: {اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ } يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، و المبلغ إلى جنتك، و المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك‌ و في المعاني، أيضا عن علي (علیه السلام): في الآية، يعني، أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. أقول: و الروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شبهة لزوم تحصيل الحاصل من سؤال الهداية للمهدي، فالرواية الأولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية مصداقا و الثانية إلى اتحادها مفهوما. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

39
  • و في المعاني، أيضا عن علي (علیه السلام): الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو، و ارتفع عن التقصير و استقام، و في الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة. 

  • و في المعاني، أيضا عن علي (علیه السلام): في معنى { صِرَاطَ اَلَّذِينَ} الآية: أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك، لا بالمال و الصحة، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا، قال: و هم الذين قال الله: { وَ مَنْ يُطِعِ اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً}

  • و في العيون، عن الرضا (علیه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: قال الله عز و جل: قسمت فاتحة الكتاب بيني و بين عبدي - فنصفها لي و نصفها لعبدي، و لعبدي ما سأل، إذا قال العبد: {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ }- قال الله جل جلاله بدأ عبدي باسمي - و حق علي أن أتمم له أموره، و أبارك له في أحواله، فإذا قال: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ }، قال الله جل جلاله: حمدني عبدي، و علم أن النعم التي له من عندي، و أن البلايا التي دفعت عنه بتطولي، أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة - و أدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، و إذا قال { اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ }، قال الله جل جلاله: شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم - أشهدكم لأوفرن من رحمتي حظه و لأجزلن من عطائي نصيبه فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ }- قال الله تعالى: 

  • أشهدكم، كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين، لأسهلن يوم الحساب حسابه، و لأتقبلن حسناته و لأتجاوزن عن سيئاته، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، قال الله عز و جل: صدق عبدي، إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: { وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }- قال الله تعالى: بي استعان عبدي و إلي التجأ، أشهدكم لأعيننه على أمره، و لأغيثنه في شدائده و لآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: { اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة، قال الله عز و جل: هذا لعبدي و لعبدي ما سأل، و قد استجبت لعبدي و أعطيته ما أمل و آمنته مما منه وجل. أقول: و روى قريبا منه الصدوق في العلل، عن الرضا (علیه السلام)، و الرواية كما ترى

  •  

تفسير الميزان ج۱

40
  • تفسر سورة الفاتحة في الصلاة فهي تؤيد ما مر مرارا أن السورة كلام له سبحانه بالنيابة عن عبده في ما يذكره في مقام العبادة و إظهار العبودية من الثناء لربه و إظهار عبادته، فهي سورة موضوعة للعبادة، و ليس في القرآن سورة تناظرها في شأنها و أعني بذلك: 

  • أولا: أن السورة بتمامها كلام تكلم به الله سبحانه في مقام النيابة عن عبده فيما يقوله إذا وجه وجهه إلى مقام الربوبية و نصب نفسه في مقام العبودية. 

  • و ثانيا: أنها مقسمة قسمين، فنصف منها لله و نصف منها للعبد. 

  • و ثالثا: أنها مشتملة على جميع المعارف القرآنية على إيجازها و اختصارها فإن القرآن على سعته العجيبة في معارفه الأصلية و ما يتفرع عليها من الفروع من أخلاق و أحكام في العبادات و المعاملات و السياسات و الاجتماعيات و وعد و وعيد و قصص و عبر، يرجع جمل بياناتها إلى التوحيد و النبوة و المعاد و فروعاتها، و إلى هداية العباد إلى ما يصلح به أولاهم و عقباهم، و هذه السورة كما هو واضح تشتمل على جميعها في أوجز لفظ و أوضح معنى. 

  • و عليك أن تقيس ما يتجلى لك من جمال هذه السورة التي وضعها الله سبحانه في صلاة المسلمين بما يضعه النصارى في صلاتهم من الكلام الموجود في إنجيل متى ": (٦ - ٩-١٣) و هو ما نذكره بلفظة العربي، أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا، أعطنا اليوم، و اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، و لا تدخلنا في تجربة - و لكن نجنا من الشرير آمين‌. 

  • تأمل في المعاني التي تفيدها ألفاظ هذه الجمل بعنوان أنها معارف سماوية، و ما يشتمل عليه من الأدب العبودي، أنها تذكر أولا أن أباهم (و هو الله تقدس اسمه) في السماوات! ثم تدعو في حق الأب بتقدس اسمه و إتيان ملكوته و نفوذ مشيته في الأرض كما هي نافذة في السماء، و لكن من الذي يستجيب هذا الدعاء الذي هو بشعارات الأحزاب السياسية أشبه؟ ثم تسأل الله إعطاء خبز اليوم و مقابلة المغفرة بالمغفرة، و 

  •  

تفسير الميزان ج۱

41
  • جعل الإغماض عن الحق في مقابل الإغماض، و ما ذا هو حقهم لو لم يجعل الله لهم حقا؟ و تسأله أن لا يمتحنهم بل ينجيهم من الشرير، و من المحال ذلك، فالدار دار الامتحان و الاستكمال و ما معنى النجاة لو لا الابتلاء و الامتحان؟ ثم اقض العجب مما ذكره بعض المستشرقين من علماء الغرب و تبعه بعض من المنتحلين: أن الإسلام لا يربو على غيره في المعارف، فإن جميع شرائع الله تدعو إلى التوحيد و تصفية النفوس بالخلق الفاضل و العمل الصالح، و إنما تتفاضل الأديان في عراقة ثمراتها الاجتماعية.!! .!! (

  • (بحث آخر روائي)

  • في الفقيه، و تفسير العياشي، عن الصادق (علیه السلام) قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين (علیه السلام).

  •  و في المعاني، عن الصادق (علیه السلام) قال: هي الطريق إلى معرفة الله، و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، و من لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه في الآخرة فتردى في نار جهنم. 

  • و في المعاني، أيضا عن السجاد (علیه السلام) قال: ليس بين الله و بين حجته حجاب، و لا لله دون حجته ستر، نحن أبواب الله و نحن الصراط المستقيم و نحن عيبة علمه، و نحن تراجمة وحيه و نحن أركان توحيده و نحن موضع سره.

  • و عن ابن شهر آشوب عن تفسير وكيع بن الجراح عن الثوري عن السدي، عن أسباط و مجاهد، عن ابن عباس" :في قوله تعالى: { اِهْدِنَا اَلصِّراطَ اَلْمُسْتَقِيمَ}، قال: 

  • قولوا معاشر العباد: أرشدنا إلى حب محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و أهل بيته (علیه السلام). أقول: و في هذه المعاني روايات أخر، و هذه الأخبار من قبيل الجري، و عد المصداق للآية، و اعلم أن الجري (و كثيرا ما نستعمله في هذا الكتاب) اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت (علیه السلام). 

  •  

  • (١) القصيص الفاضل كوستاولبون في تاريخ تمدن الإسلام 

  •  

تفسير الميزان ج۱

42
  • ففي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن هذه الرواية؛ ما في القرآن آية إلا و لها ظهر و بطن و ما فيها حرف إلا و له حد، و لكل حد مطلع؛ ما يعني بقوله: ظهر و بطن؟ قال؟ ظهره تنزيله و بطنه تأويله، منه ما مضى و منه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس و القمر، كلما جاء منه شي‌ء وقع‌ الحديث. 

  • و في هذا المعنى روايات أخر، و هذه سليقة أئمة أهل البيت فإنهم (علیه السلام) يطبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد و إن كان خارجا عن مورد النزول، و الاعتبار يساعده، فإن القرآن نزل هدى للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد و واجب الخلق و واجب العمل، و ما بينه من المعارف النظرية حقائق لا تختص بحال دون حال و لا زمان، دون زمان و ما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرعة من حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد و لا عصر دون عصر لعموم التشريع. 

  • و ما ورد من 

  • شأن النزول

  • (و هو الأمر أو الحادثة التي تعقب نزول آية أو آيات في شخص أو واقعة) لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها و يموت بموتها لأن البيان عام و التعليل مطلق، فإن المدح النازل في حق أفراد من المؤمنين أو الذم النازل في حق آخرين معللا بوجود صفات فيهم، لا يمكن قصرهما على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخر بعدهم و هكذا، و القرآن أيضا يدل عليه، قال تعالى: { يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } المائدة - ١٦ و قال: { وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَيَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ } حم سجدة - ٤٢. و قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر - ٩. 

  • و الروايات في تطبيق الآيات القرآنية عليهم (علیه السلام) أو على أعدائهم أعني: 

  • روايات الجري، كثيرة في الأبواب المختلفة، و ربما تبلغ المئين، و نحن بعد هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث فليتذكر. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

43
  • (٢) سورة البقرة و هي مائتان و ست و ثمانون آية (٢٨٦) 

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ١ الی ٥] 

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ }{الم ١ ذلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ٢ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٣ وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُولَئِكَ عَلى‌ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ٥} 

  • (بيان)

  • لما كانت السورة نازلة نجوما لم يجمعها غرض واحد إلا أن معظمها تنبئ عن غاية واحدة محصلة و هو بيان أن من حق عبادة الله سبحانه أن يؤمن عبده بكل ما أنزله بلسان رسله من غير تفرقة بين وحي و وحي، و لا بين رسول و رسول و لا غير ذلك ثم تقريع الكافرين و المنافقين و ملامة أهل الكتاب بما ابتدعوه من التفرقة في دين الله و التفريق بين رسله، ثم التخلص إلى بيان عدة من الأحكام كتحويل القبلة و أحكام الحج و الإرث و الصوم و غير ذلك. 

  • قوله تعالى: {الم}، سيأتي بعض ما يتعلق من الكلام بالحروف المقطعة التي في أوائل السور، في أول سورة الشورى إن شاء الله، و كذلك الكلام في معنى هداية القرآن و معنى كونه كتابا. 

  • و قوله تعالى: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} إلخ، المتقون هم المؤمنون، و ليست التقوى من الأوصاف الخاصة لطبقة من طبقاتهم أعني: لمرتبة من مراتب الإيمان حتى تكون مقاما من مقاماته نظير الإحسان و الإخبات و الخلوص، بل هي صفة مجامعة لجميع مراتب الإيمان إذا تلبس الإيمان بلباس التحقق، و الدليل على ذلك أنه تعالى لا يخص بتوصيفه طائفة خاصة من طوائف المؤمنين على اختلاف طبقاتهم و درجاتهم و الذي أخذه تعالى من الأوصاف المعرفة للتقوى في هذه الآيات التسع عشرة التي يبين فيها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

44
  • حال المؤمنين و الكفار و المنافقين خمس صفات، و هي الإيمان بالغيب، و إقامة الصلاة، و الإنفاق مما رزق الله سبحانه، و الإيمان بما أنزله على أنبيائه، و الإيقان بالآخرة، و قد وصفهم بأنهم على هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة بسبب تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه، فهم إنما صاروا متقين أولي هذه الصفات بهداية منه تعالى، ثم وصف الكتاب بأنه هدى لهؤلاء المتقين بقوله تعالى: {ذلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} فعلمنا بذلك: أن الهداية غير الهداية، و أن هؤلاء و هم متقون محفوفون بهدايتين، هداية أولى بها صاروا متقين، و هداية ثانية أكرمهم الله سبحانه بها بعد التقوى و بذلك صحت المقابلة بين المتقين و بين الكفار و المنافقين، فإنه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين و عماءين، ضلال أول هو الموجب لأوصافهم الخبيثة من الكفر و النفاق، و ضلال ثان يتأكد به ضلالهم الأول، و يتصفون به بعد تحقق الكفر و النفاق كما يقوله تعالى في حق الكفار: {خَتَمَ اَللَّهُ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‌ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‌ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }البقرة - ٧، فنسب الختم إلى نفسه تعالى و الغشاوة إلى أنفسهم، و كما يقوله في حق المنافقين: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضاً } البقرة - ١٠فنسب المرض الأول إليهم و المرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ } البقرة - ٢٦، و قوله تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ } الصف - ٥. 

  • و بالجملة المتقون واقعون بين هدايتين، كما أن الكفار و المنافقين واقعون بين ضلالين. 

  • ثم إن الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن و بسبب سلامة الفطرة، فإن الفطرة إذا سلمت لم تنفك من أن تتنبه شاهدة لفقرها و حاجتها إلى أمر خارج عنها، و كذا احتياج كل ما سواها مما يقع عليه حس أو وهم أو عقل إلى أمر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس منه يبدأ الجميع و إليه ينتهي و يعود، و إنه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الأعمال و الأخلاق، و هذا هو 

  •  

تفسير الميزان ج۱

45
  • الإذعان بالتوحيد و النبوة و المعاد و هي أصول الدين، و يلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيته، و استعمال ما في وسع الإنسان من مال و جاه و علم و فضيلة لإحياء هذا الأمر و نشره، و هذان هما الصلاة و الإنفاق. 

  • و من هنا يعلم: أن الذي أخذه سبحانه من أوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا سلمت و أنه سبحانه وعدهم أنه سيفيض عليهم أمرا سماه هداية، فهذه الأعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت، هداية سابقة و هداية لاحقة، و بين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد و صلاح العمل، و من الدليل على أن هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الأولى، آيات كثيرة كقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ فِي اَلْآخِرَةِ} إبراهيم - ٢٧. و قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} الحديد - ٢٨. و قوله تعالى: { إِنْ تَنْصُرُوا اَللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ } محمد (صلى الله عليه وآله و سلم)٧- .

  • و قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ} الصف - ٧. و قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفَاسِقِينَ} الصف - ٥. إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و الأمر في ضلال الكفار و المنافقين كما في المتقين على ما سيأتي إن شاء الله. 

  • و في الآيات إشارة إلى حياة أخرى للإنسان كامنة مستبطنة تحت هذه الحياة الدنيوية، و هي الحياة التي بها يعيش الإنسان في هذه الدار و بعد الموت و حين البعث، قال تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} الأنعام - ١٢٣. و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله. 

  • و قوله سبحانه: { يُؤْمِنُونَ}، الإيمان‌ تمكن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الأمن كأن المؤمن يعطي لما أمن به الأمن من الريب و الشك و هو آفة الاعتقاد، و الإيمان كما مر معنى ذو مراتب، إذ الإذعان ربما يتعلق بالشي‌ء نفسه فيترتب عليه أثره فقط، و ربما يشتد بعض الاشتداد فيتعلق ببعض لوازمه، و ربما يتعلق بجميع لوازمه فيستنتج منه أن للمؤمنين طبقات على حسب طبقات الإيمان. 

  • و قوله سبحانه: { بِالْغَيْبِ}، الغيب‌ خلاف الشهادة و ينطبق على ما لا يقع عليه الحس، و هو الله سبحانه و آياته الكبرى الغائبة عن حواسنا، و منها الوحي، و هو 

  •  

تفسير الميزان ج۱

46
  • الذي أشير إليه بقوله: { وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} فالمراد بالإيمان بالغيب في مقابل الإيمان بالوحي و الإيقان بالآخرة، هو الإيمان بالله تعالى ليتم بذلك الإيمان بالأصول الثلاثة للدين، و القرآن يؤكد القول على عدم القصر على الحس فقط و يحرص على اتباع سليم العقل و خالص اللب. 

  • و قوله سبحانه: {وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، العدول في خصوص الإذعان بالآخرة عن الإيمان إلى الإيقان، كأنه للإشارة إلى أن التقوى لا تتم إلا مع اليقين بالآخرة الذي لا يجامع نسيانها، دون الإيمان المجرد، فإن الإنسان ربما يؤمن بشي‌ء و يذهل عن بعض لوازمه فيأتي بما ينافيه، لكنه إذا كان على علم و ذكر من يوم يحاسب فيه على الخطير و اليسير من أعماله لا يقتحم معه الموبقات و لا يحوم حوم محارم الله سبحانه البتة قال تعالى: {وَ لاَ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‌ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسَابِ} ص - ٢٦، فبين تعالى: أن الضلال عن سبيل الله إنما هو بنسيان يوم الحساب؛ فذكره و اليقين به ينتج التقوى. 

  • و قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلى‌ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ}، الهداية كلها من الله سبحانه، لا ينسب إلى غيره البتة إلا على نحو من المجاز كما سيأتي إن شاء الله، و لما وصفهم الله سبحانه بالهداية و قد قال في نعتها: { فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ } الأنعام - ١٢٥، و شرح الصدر سعته و هذا الشرح يدفع عنه كل ضيق و شح، و قد قال تعالى: 

  • { وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ } الحشر - ٩، عقب سبحانه هاهنا أيضا قوله: {أُولَئِكَ عَلى‌ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ }؛ بقوله: { وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ} الآية.

  • (بحث روائي)

  • في المعاني، عن الصادق (علیه السلام): في قوله تعالى{اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }، قال: من آمن بقيام القائم (علیه السلام) أنه حق. أقول: و هذا المعنى مروي في غير هذه الرواية و هو من الجري. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

47
  • و في تفسير العياشي، عن الصادق (علیه السلام): في قوله تعالى: { وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قال: و مما علمناهم يبثون. - و في المعاني، عنه (علیه السلام): في الآية: و مما علمناهم يبثون، و ما علمناهم من القرآن يتلون. أقول: و الروايتان مبنيتان على حمل الإنفاق على الأعم من إنفاق المال كما ذكرناه. 

  • (بحث فلسفي) جواز التعويل على غير المحسوسات‌ 

  • هل يجوز التعويل على غير الإدراكات الحسية من المعاني العقلية؟ هذه المسألة من معارك الآراء بين المتأخرين من الغربيين؛ و إن كان المعظم من القدماء و حكماء الإسلام على جواز التعويل على الحس و العقل معا؛ بل ذكروا أن البرهان العلمي لا يشمل المحسوس من حيث إنه محسوس، لكن الغربيين مع ذلك اختلفوا في ذلك، و المعظم منهم و خاصة من علماء الطبيعة على عدم الاعتماد على غير الحس، و قد احتجوا على ذلك بأن العقليات المحضة يكثر وقوع الخطإ و الغلط فيها مع عدم وجود ما يميز به الصواب من الخطإ و هو الحس و التجربة المماسان للجزئيات بخلاف الإدراكات الحسية فإنا إذا أدركنا شيئا بواحد من الحواس أتبعنا ذلك بالتجربة بتكرار الأمثال، و لا نزال نكرر حتى نستثبت الخاصة المطلوبة في الخارج ثم لا يقع فيه شك بعد ذلك، و الحجة باطلة مدخولة. 

  • أولا: بأن جميع المقدمات المأخوذة فيها عقلية غير حسية فهي حجة على بطلان الاعتماد على المقدمات العقلية بمقدمات عقلية فيلزم من صحة الحجة فسادها. 

  • و ثانيا: بأن الغلط في الحواس لا يقصر عددا من الخطإ و الغلط في العقليات، كما يرشد إليه الأبحاث التي أوردوها في المبصرات و سائر المحسوسات، فلو كان مجرد وقوع الخطإ في باب موجبا لسده و سقوط الاعتماد عليه لكان سد باب الحس أوجب و ألزم. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

48
  • و ثالثا: أن التميز بين الخطإ و الصواب مما لا بد منه في جميع المدركات غير أن التجربة و هو تكرر الحس ليست آلة لذلك التميز بل القضية التجربية تصير إحدى المقدمات من قياس يحتج به على المطلوب، فإنا إذا أدركنا بالحس خاصة من الخواص ثم أتبعناه بالتجربة بتكرار الأمثال تحصل لنا في الحقيقة قياس على هذا الشكل: إن هذه الخاصة دائمي الوجود أو أكثري الوجود لهذا الموضوع، و لو كانت خاصة لغير هذا الموضوع لم يكن بدائمي أو أكثري، لكنه دائمي أو أكثري و هذا القياس كما ترى يشتمل على مقدمات عقلية غير حسية و لا تجريبية. 

  • و رابعا: هب أن جميع العلوم الحسية مؤيدة بالتجربة في باب العمل لكن من الواضح أن نفس التجربة ليس ثبوتها بتجربة أخرى و هكذا إلى غير النهاية بل العلم بصحته من طريق غير طريق الحس، فالاعتماد على الحس و التجربة اعتماد على العلم العقلي اضطرارا. 

  • و خامسا: أن الحس لا ينال غير الجزئي المتغير و العلوم لا تستنتج و لا تستعمل غير القضايا الكلية و هي غير محسوسة و لا مجربة، فإن التشريح مثلا إنما ينال من الإنسان مثلا أفرادا معدودين قليلين أو كثيرين، يعطي للحس فيها مشاهدة أن لهذا الإنسان قلبا و كبدا مثلا، و يحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يقل أو يكثر و ذلك غير الحكم الكلي في قولنا: كل إنسان فله قلب أو كبد، فلو اقتصرنا في الاعتماد و التعويل على ما يستفاد من الحس و التجربة فحسب من غير ركون على العقليات من رأس لم يتم لنا إدراك كلي و لا فكر نظري و لا بحث علمي، فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحس في مورد يخص به كذلك التعويل فيما يخص بالقوة العقلية، و مرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصديقات الكلية و المدرك لهذه الأحكام العامة، و لا ريب أن الإنسان معه شي‌ء شأنه هذا الشأن، و كيف يتصور أن يوجد و يحصل بالصنع و التكوين شي‌ء شأنه الخطأ في فعله رأسا؟ أو يمكن أن يخطئ في فعله الذي خصه به التكوين؟ و التكوين إنما يخص موجودا من الموجودات بفعل من الأفعال بعد تثبت الرابطة الخارجية بينهما، و كيف يثبت رابطة بين موجود و ما ليس بموجود أي خطأ و غلط؟ و أما وقوع الخطإ في العلوم أو الحواس فلبيان حقيقة الأمر فيه محل آخر ينبغي الرجوع إليه و الله الهادي. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

49
  • (بحث آخر فلسفي) وجود العلم. 

  • الإنسان البسيط في أوائل نشأته حين ما يطأ موطأ الحياة لا يرى من نفسه إلا أنه ينال من الأشياء أعيانها الخارجية من غير أن يتنبه أنه يوسط بينه و بينها وصف العلم، و لا يزال على هذا الحال حتى يصادف في بعض مواقفه الشك أو الظن، و عند ذلك يتنبه: أنه لا ينفك في سيره الحيوي و معاشه الدنيوي عن استعمال العلم لا سيما و هو ربما يخطئ و يغلط في تميزاته، و لا سبيل للخطإ و الغلط إلى خارج الأعيان، فيتيقن عند ذلك بوجود صفة العلم (و هو الإدراك المانع من النقيض) فيه. 

  • ثم البحث البالغ يوصلنا أيضا إلى هذه النتيجة، فإن إدراكاتنا التصديقية تحلل إلى قضية أول الأوائل (و هي أن الإيجاب و السلب لا يجتمعان معا و لا يرتفعان معا) فما من قضية بديهية أو نظرية إلا و هي محتاجة في تمام تصديقها إلى هذه القضية البديهية الأولية، حتى إنا لو فرضنا من أنفسنا الشك فيها وجدنا الشك المفروض لا يجامع بطلان نفسه و هو مفروض، و إذا ثبتت هذه القضية على بداهتها ثبت جم غفير من التصديقات العلمية على حسب مساس الحاجة إلى إثباتها، و عليها معول الإنسان في أنظاره و أعماله. 

  • فما من موقف علمي و لا واقعة عملية إلا و معول الإنسان فيه على العلم، حتى أنه إنما يشخص شكه بعلمه أنه شك، و كذا ظنه أو وهمه أو جهله بما يعلم أنه ظن أو وهم أو جهل هذا. 

  • و لقد نشأ في عصر اليونانيين جماعة كانوا يسمون بالسوفسطائيين نفوا وجود العلم، و كانوا يبدون في كل شي‌ء الشك حتى في أنفسهم و في شكهم، و تبعهم آخرون يسمون بالشكاكين قريبو المسلك منهم نفوا وجود العلم عن الخارج عن أنفسهم و أفكارهم (إدراكاتهم) و ربما لفقوا لذلك وجوها من الاستدلال. 

  • منها: أن أقوى العلوم و الإدراكات (و هي الحاصلة لنا من طرق الحواس) مملوءة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

50
  • خطأ و غلطا فكيف بغيرها؟ و مع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على شي‌ء من العلوم و التصديقات المتعلقة بالخارج منا؟ و منها: أنا كلما قصدنا نيل شي‌ء من الأشياء الخارجية لم ننل عند ذلك إلا العلم به دون نفسه فكيف يمكن النيل لشي‌ء من الأشياء؟ إلى غير ذلك من الوجوه. 

  • و الجواب عن الأول: أن هذا الاستدلال يبطل نفسه، فلو لم يجز الاعتماد على شي‌ء من التصديقات لم يجز الاعتماد على المقدمات المأخوذة في نفس الاستدلال، مضافا إلى أن الاعتراف بوجود الخطإ و كثرته اعتراف بوجود الصواب بما يعادل الخطأ أو يزيد عليه، مضافا إلى أن القائل بوجود العلم لا يدعي صحة كل تصديق بل إنما يدعيه في الجملة، و بعبارة أخرى يدعي الإيجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي و الحجة لا تفي بنفي ذلك. 

  • و الجواب عن الثاني: أن محل النزاع و هو العلم حقيقته الكشف عن ما وراءه فإذا فرضنا أنا كلما قصدنا شيئا من الأشياء الخارجية وجدنا العلم بذلك اعترفنا بأنا كشفنا عنه حينئذ، و نحن إنما ندعي وجود هذا الكشف في الجملة، و لم يدع أحد في باب وجود العلم: أنا نجد نفس الواقع و ننال عين الخارج دون كشفه، و هؤلاء محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافا اضطراريا في أفعال الحياة الاختيارية و غيرها، فإنهم يتحركون إلى الغذاء و الماء عند إحساس ألم الجوع و العطش، و كذا إلى كل مطلوب عند طلبه لا عند تصوره الخالي، و يهربون عن كل محذور مهروب عنه عند العلم بوجوده لا عند مجرد تصوره، و بالجملة كل حاجة نفسانية ألهمتها إليهم إحساساتهم أوجدوا حركة خارجية لرفعها و لكنهم عند تصور تلك الحاجة من غير حاجة الطبيعة إليها لا يتحركون نحو رفعها، و بين التصورين فرق لا محالة، و هو أن أحد العلمين يوجده الإنسان باختياره و من عند نفسه و الآخر إنما يوجد في الإنسان بإيجاد أمر خارج عنه مؤثر فيه، و هو الذي يكشف عنه العلم، فإذن العلم موجود و ذلك ما أردناه. 

  • و اعلم: أن في وجود العلم شكا قويا من وجه آخر و هو الذي وضع عليه أساس العلوم المادية اليوم من نفي العلم الثابت (و كل علم ثابت)، بيانه: أن البحث العلمي 

  •  

تفسير الميزان ج۱

51
  • يثبت في عالم الطبيعة نظام التحول و التكامل، فكل جزء من أجزاء عالم الطبيعة واقع في مسير الحركة و متوجه إلى الكمال، فما من شي‌ء إلا و هو في الآن الثاني من وجوده غيره و هو في الآن الأول من وجوده، و لا شك أن الفكر و الإدراك من خواص الدماغ فهي خاصة مادية لمركب مادي، فهي لا محالة واقعة تحت قانون التحول و التكامل، فهذه الإدراكات (و منها الإدراك المسمى بالعلم) واقعة في التغير و التحول فلا معنى لوجود علم ثابت باق و إنما هو نسبي، فبعض التصديقات أدوم بقاء و أطول عمرا أو أخفى نقيضا و نقضا من بعض آخر و هو المسمى بالعلم فيما وجد. 

  • و الجواب عنه: أن الحجة مبنية على كون العلم ماديا غير مجرد في وجوده و ليس ذلك بينا و لا مبينا بل الحق أن العلم ليس بمادي البتة، و ذلك لعدم انطباق صفات المادة و خواصها عليه. 

  • (١) فإن الماديات مشتركة في قبول الانقسام و ليس يقبل العلم بما أنه علم الانقسام البتة. 

  • (٢) و الماديات مكانية زمانية و العلم بما أنه علم لا يقبل مكانا و لا زمانا، و الدليل عليه إمكان تعقل الحادثة الجزئية الواقعة في مكان معين و زمان معين في كل مكان و كل زمان مع حفظ العينية. 

  • (٣) و الماديات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العمومية فالتغير خاصة عمومية فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغير، فإن حيثية العلم بالذات تنافي حيثية التغير و التبدل و هو ظاهر عند المتأمل. 

  • (٤) و لو كان العلم مما يتغير بحسب ذاته كالماديات لم يمكن تعقل شي‌ء واحد و لا حادثة واحدة في وقتين مختلفين معا و لا تذكر شي‌ء أو حادثة سابقة في زمان لاحق، فإن الشي‌ء المتغير و هو في الآن الثاني غيره في الآن الأول، فهذه الوجوه و نظائرها دالة على أن العلم بما أنه علم ليس بمادي البتة، و أما ما يحصل في العضو الحساس أو الدماغ من تحقق عمل طبيعي فليس بحثنا فيه أصلا و لا دليل على أنه هو العلم، و مجرد تحقق عمل عند تحقق أمر من الأمور لا يدل على كونهما أمرا واحدا، و الزائد على هذا المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محل آخر. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

52
  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٦ الی ٧]

  •  {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ اَللَّهُ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‌ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‌ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٧} 

  • (بيان)

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا}، هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر و تمكن الجحود من قلوبهم، و يدل عليه وصف حالهم بمساواة الإنذار و عدمه فيهم، و لا يبعد أن يكون المراد من هؤلاء الذين كفروا هم الكفار من صناديد قريش و كبراء مكة الذين عاندوا و لجوا في أمر الدين و لم يألوا جهدا في ذلك و لم يؤمنوا حتى أفناهم الله عن آخرهم في بدر و غيره، و يؤيده أن هذا التعبير و هو قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، لا يمكن استطراده في حق جميع الكفار و إلا انسد باب الهداية و القرآن ينادي على خلافه، و أيضا هذا التعبير إنما وقع في سورة يس (و هي مكية) و في هذه (السورة و هي سورة البقرة أول سورة نزلت في المدينة) نزلت و لم تقع غزوة بدر بعد، فالأشبه أن يكون المراد من {اَلَّذِينَ كَفَرُوا}، هاهنا و في سائر الموارد من كلامه تعالى: كفار مكة في أول البعثة إلا أن تقوم قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي أن المراد من قوله تعالى: {اَلَّذِينَ آمَنُوا}، فيما أطلق في القرآن من غير قرينة هم السابقون الأولون من المسلمين، خصوا بهذا الخطاب تشريفا. 

  • و قوله تعالى: {خَتَمَ اَللَّهُ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‌ سَمْعِهِمْ }إلخ يشعر تغيير السياق: (حيث نسب الختم إلى نفسه تعالى و الغشاوة إليهم أنفسهم) بأن فيهم حجابا دون الحق في أنفسهم و حجابا من الله تعالى عقيب كفرهم و فسوقهم، فأعمالهم متوسطة بين حجابين: من ذاتهم و من الله تعالى، و سيأتي بعض ما يتعلق بالمقام في قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً}

  • و اعلم أن الكفر كالإيمان وصف قابل للشدة و الضعف فله مراتب مختلفة الآثار كالإيمان. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

53
  • (بحث روائي) وجوه الكفر. 

  • في الكافي، عن الزبيري عن الصادق (علیه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عز و جل، قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، و الجحود على وجهين، و الكفر بترك ما أمر الله، و كفر البراءة، و كفر النعم. فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية و هو قول من يقول: لا رب و لا جنة و لا نار، و هو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية و هم الذين يقولون و ما يهلكنا إلا الدهر و هو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم و لا تحقيق لشي‌ء مما يقولونقال عز و جل{إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ أن ذلك كما يقولون } و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، يعني بتوحيد الله، فهذا أحد وجوه الكفر. 

  • و أما الوجه الآخر فهو الجحود على معرفة، و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنه حق قد استقر عنده، و قد قال الله عز و جل: {وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اِسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا}، و قال الله عز و جل: {وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلْكَافِرِينَ}، فهذا تفسير وجهي الجحود، و الوجه الثالث من الكفر كفر النعم  و ذلك قوله سبحانه يحكي قول سليمان: {هَذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}، و قال: 

  • {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ}، و قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاَ تَكْفُرُونِ}

  • و الوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز و جل به، و هو قول عز و جل:{ وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ لاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارى‌ تُفَادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}، فكفرهم بترك ما أمر الله عز و جل به و نسبهم إلى الإيمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده  فقال: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

54
  • } ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‌ أَشَدِّ اَلْعَذابِ وَ مَا اَللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }.

  • و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة و ذلك قول الله عز و جل يحكي قول إبراهيم: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَداوَةُ وَ اَلْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}، يعني تبرأنا منكم، و قال: (يذكر إبليس و تبريه من أوليائه من الإنس يوم القيامة) إني كفرت بما أشركتمون من قبل، و قال: {إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}، يعني يتبرأ بعضكم من بعض. أقول: و هي في بيان قبول الكفر الشدة و الضعف كما مر

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٨ الی ٢٠]

  •  {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ٨ يُخَادِعُونَ اَللَّهَ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ مَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ ٩ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَتُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْمُفْسِدُونَ وَ لَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ ١٢ وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ اَلنَّاسُ قَالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ اَلسُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلسُّفَهَاءُ وَ لَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ ١٣ وَ إِذا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‌ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ١٤ اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٥ أُولَئِكَ}

  •  

تفسير الميزان ج۱

55
  • {اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاَلَةَ بِالْهُدى‌ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَ مَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ١٦ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اَللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ ١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ١٨ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ اَلصَّوَاعِقِ حَذَرَ اَلْمَوْتِ وَ اَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ١٩ يَكَادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اَللَّهَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ٢٠}

  • (بيان)

  • قوله تعالى: { وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَقُولُ } إلى آخر الآيات، الخدعة نوع من المكر، و الشيطان‌ هو الشرير و لذلك سمي إبليس شيطانا. و في الآيات بيان حال المنافقين، و سيجي‌ء إن شاء الله تفصيل القول فيهم في سورة المنافقين و غيرها. 

  • و قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَاراً }إلخ مثل يمثل به حالهم، أنهم كالذي وقع في ظلمة عمياء لا يتميز فيها خير من شر و لا نافع من ضار فتسبب لرفعها بسبب من أسباب الاستضاءة كنار يوقدها فيبصر بها ما حولها فلما توقدت و أضاءت ما حولها أخمدها الله بسبب من الأسباب كريح أو مطر أو نحوهما فبقي فيما كان عليه 

  •  

تفسير الميزان ج۱

56
  • من الظلمة و تورط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها و ظلمة الحيرة و بطلان السبب. 

  • و هذه حال المنافق، يظهر الإيمان فيستفيد بعض فوائد الدين باشتراكه مع المؤمنين في مواريثهم و مناكحهم و غيرهما حتى إذا حان حين الموت و هو الحين الذي فيه تمام الاستفادة من الإيمان ذهب الله بنوره و أبطل ما عمله و تركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئا و يقع بين الظلمة الأصلية و ما أوجده من الظلمة بفعاله. 

  • و قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ} إلخ، الصيب‌ هو المطر الغزير، و البرق معروف، و الرعد هو الصوت الحادث من السحاب عند الإبراق، و الصاعقة هي النازلة من البروق. 

  • و هذا مثل ثان يمثل به حال المنافقين في إظهارهم الإيمان، أنهم كالذي أخذه صيب السماء و معه ظلمة تسلب عنه الأبصار و التمييز، فالصيب يضطره إلى الفرار و التخلص، و الظلمة تمنعه ذلك، و المهولات من الرعد و الصاعقة محيطة به فلا يجد مناصا من أن يستفيد بالبرق و ضوئه و هو غير دائم و لا باق متصل كلما أضاء له مشى و إذا أظلم عليه قام. 

  • و هذه حال المنافق فهو لا يحب الإيمان و لا يجد بدا من إظهاره، و لعدم المواطاة بين قلبه و لسانه لا يستضي‌ء له طريقه تمام الاستضاءة، فلا يزال يخبط خبطا بعد خبط و يعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلا و يقف قليلا و يفضحه الله بذلك و لو شاء الله لذهب بسمعه و بصره فيفتضح من أول يوم‌

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٢١ الی ٢٥]

  •  {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرَاشاً وَ اَلسَّمَاءَ بِنَاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢ وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا}

  •  

تفسير الميزان ج۱

57
  • {عَلى‌ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنَّاسُ وَ اَلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ٢٤ وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا اَلَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٥

  • (بيان)

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا }إلخ، لما بين سبحانه: حال الفرق الثلاث: المتقين و الكافرين، و المنافقين، و أن المتقين على هدى من ربهم و القرآن هدى لهم، و أن الكافرين مختوم على قلوبهم؛ و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة، و أن المنافقين مرضى و زادهم الله مرضا و هم صم بكم عمي (و ذلك في تمام تسع عشرة آية) فرع تعالى على ذلك أن دعا الناس إلى عبادته و أن يلتحقوا بالمتقين دون الكافرين و المنافقين بهذه الآيات الخمس إلى قوله: {خَالِدُونَ}. و هذا السياق يعطي كون قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} متعلقا بقوله: {اُعْبُدُوا}، دون قوله {خَلَقَكُمْ} و إن كان المعنى صحيحا على كلا التقديرين. 

  • و قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، الأنداد جمع ند كمثل، وزنا و معنى و عدم تقييد قوله تعالى: {وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بقيد خاص و جعله حالا من قوله تعالى {فَلاَ تَجْعَلُوا} يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الإنسان و له علم ما كيفما كان لا يجوز له أن يتخذ لله سبحانه أندادا و الحال أنه سبحانه هو الذي خلقهم و الذين من قبلهم ثم نظم النظام الكوني لرزقهم و بقائهم. 

  • و قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} أمر تعجيزي لإبانة إعجاز القرآن، و أنه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازا باقيا بمر الدهور و توالي القرون 

  •  

تفسير الميزان ج۱

58
  • و قد تكرر في كلامه تعالى: هذا التعجيز كقوله تعالى {قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‌ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}: الإسراء - ٨٨، و قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: هود - ١٣. و على هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: {مِمَّا نَزَّلْنَا}، و يكون تعجيزا بالقرآن نفسه و بداعة أسلوبه و بيانه. 

  • و يمكن أن يكون الضمير راجعا إلى قوله: {عَبْدِنَا}، فيكون تعجيزا بالقرآن من حيث إن الذي جاء به رجل أمي لم يتعلم من معلم و لم يتلق شيئا من هذه المعارف الغالية العالية و البيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فيكون الآية في مساق قوله تعالى: 

  • {قُلْ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ}يونس - ١٦، و قد ورد التفسيران معا في بعض الأخبار. 

  • و اعلم: أن هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر و سورة العصر مثلا، و ما ربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلا يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنما يرميه جميعا و لا يخصص قوله ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لرده بالتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذ إلى مثل قولنا: و إن كنتم في ريب من سورة الكوثر أو الإخلاص مثلا فأتوا بسورة مثل سورة يونس و هو بين الاستهجان هذا. 

  • (الإعجاز و ماهيته) الكلام في الإعجاز و إعجاز القرآن. 

  • اعلم: أن دعوى القرآن أنها آية معجزة بهذا التحدي الذي أبدتها هذه الآية تنحل بحسب الحقيقة إلى دعويين، و هما دعوى ثبوت أصل الإعجاز و خرق العادة الجارية و دعوى أن القرآن مصداق من مصاديق الإعجاز و معلوم أن الدعوى الثانية تثبت بثبوتها الدعوى الأولى، و القرآن أيضا يكتفي بهذا النمط من البيان و يتحدى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين غير أنه يبقى الكلام على كيفية تحقق الإعجاز مع 

  •  

تفسير الميزان ج۱

59
  • اشتماله على ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة من استناد المسببات إلى أسبابها المعهودة المشخصة من غير استثناء في حكم السببية أو تخلف و اختلاف في قانون العلية، و القرآن يبين حقيقة الأمر و يزيل الشبهة فيه. 

  • فالقرآن يشدق في بيان الأمر من جهتين. 

  • الأولى: أن الإعجاز ثابت و من مصاديقه القرآن المثبت لأصل الإعجاز و لكونه منه بالتحدي. 

  • الثانية: أنه ما هو حقيقة الإعجاز و كيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها و ينقض كليتها.

  • (إعجاز القرآن)

  • لا ريب في أن القرآن يتحدى بالإعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكية و مدنية تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى: 

  • {وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى‌ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} الآية، أي من مثل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، لا أنه استدلال على النبوة مستقيما و بلا واسطة، و الدليل عليه قوله تعالى في أولها: {وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى‌ عَبْدِنَا} و لم يقل و إن كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، و الآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم و الخصوص و من أعمها تحديا قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‌ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} الإسراء - ٨٨، و الآية مكية و فيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة. 

  • فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن و جزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا و هم العرب العرباء من الجاهليين و المخضرمين قبل اختلاط اللسان و فساده، و قد قرع بالآية أسماع الإنس و الجن. 

  • و كذا غير البلاغة و الجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف 

  •  

تفسير الميزان ج۱

60
  • الحقيقية و الأخلاق الفاضلة و الأحكام التشريعية و الأخبار المغيبة و معارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات. 

  • فالقرآن آية للبليغ في بلاغته و فصاحته، و للحكيم في حكمته، و للعالم في علمه و للاجتماعي في اجتماعه، و للمقننين في تقنينهم و للسياسيين في سياستهم، و للحكام في حكومتهم، و لجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب و الاختلاف في الحكم و العلم، و البيان. 

  • و من هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازا لكل فرد من الإنس و الجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول، فإن الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة و إدراك الزيادة و النقيصة فيها، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق و النصفة، فهل يتأتى القوة البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن و تماثله في الحقيقة؟ و هل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء و الفضيلة؟ و هل يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد و كلمة التقوى في كل حكم و نتيجته، و سريان الطهارة في أصله و فرعه؟ و هل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب و الإتقان الغريب من رجل أمي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الإنسانية على مزاياها التي لا تحصى و كمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات و الغزوات و نهب الأموال و أن يئدوا البنات و يقتلوا الأولاد خشية إملاق و يفتخروا بالآباء و ينكحوا الأمهات و يتباهوا بالفجور و يذموا العلم و يتظاهروا بالجهل و هم على أنفتهم و حميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل و خطفة لكل خاطف فيوما لليمن و يوما للحبشة و يوما للروم و يوما للفرس؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

61
  • و هل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى و يستقبل و فيمن خلت من الأمم و فيمن سيقدم منهم لا بالواحد و الاثنين في أبواب مختلفة من القصص و الملاحم و المغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شي‌ء منها عن صراط الصدق؟. 

  • و هل يتمكن إنسان و هو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية؛ و الدار دار التحول و التكامل؛ أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الإنساني و يلقي إلى الدنيا معارف و علوما و قوانين و حكما و مواعظ و أمثالا و قصصا في كل ما دق و جل ثم لا يختلف حاله في شي‌ء منها في الكمال و النقص و هي متدرجة الوجود متفرقة الإلقاء و فيها ما ظهر ثم تكرر و فيها فروع متفرعة على أصولها؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل و نقصه على حال واحدة. 

  • فالإنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية و غيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية و وراء الوسائل الطبيعية المادية و إن لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيته و لم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن اختباره و يجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به. 

  • فإن قلت: ما الفائدة في توسعة التحدي إلى العامة و التعدي عن حومة الخاصة فإن العامة سريعة الانفعال للدعوة و الإجابة لكل صنيعة و قد خضعوا لأمثال الباب و البهاء و القادياني و المسيلمة على أن ما أتوا به و استدلوا عليه أشبه بالهجر و الهذيان منه بالكلام. 

  • قلت: هذا هو السبيل في عموم الإعجاز و الطريق الممكن في تمييز الكمال و التقدم في أمر يقع فيه التفاضل و السباق، فإن أفهام الناس مختلفة اختلافا ضروريا و الكمالات كذلك، و النتيجة الضرورية لهاتين المقدمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي و النظر الصائب و يرجع من هو دون ذلك فهما و نظرا إلى صاحبه، و الفطرة حاكمة و الغريزة قاضية. 

  • و لا يقبل شي‌ء مما يناله الإنسان بقواه المدركة و يبلغه فهمه العموم و الشمول لكل فرد في كل زمان و مكان بالوصول و البلوغ و البقاء إلا ما هو من سنخ العلم و المعرفة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

62
  • على الطريقة المذكورة، فإن كل ما فرض آية معجزة غير العلم و المعرفة فإنما هو موجود طبيعي أو حادث حسي محكوم بقوانين المادة محدود بالزمان و المكان فليس بمشهود إلا لبعض أفراد الإنسان دون بعض و لو فرض محالا أو كالمحال عمومه لكل فرد منه فإنما يمكن في مكان دون جميع الأمكنة، و لو فرض اتساعه لكل مكان لم يمكن اتساعه لجميع الأزمنة و الأوقات. 

  • فهذا ما تحدى به القرآن تحديا عاما لكل فرد في كل مكان في كل زمان. (

  • (تحديه بالعلم) 

  • و قد تحدى بالعلم و المعرفة خاصة بقوله تعالى: {وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ} النحل - ٨٩، و قوله: {وَ لاَ رَطْبٍ وَ لاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الأنعام - ٥٩، إلى غير ذلك من الآيات، فإن الإسلام كما يعلمه و يعرفه كل من سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن و جزئياته التي أرجعها إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بنحو قوله: {مَا آتَاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر - ٧، و قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اَللَّهُ} النساء - ١٠٤، و غير ذلك متعرض للجليل و الدقيق من المعارف الإلهية الفلسفية و الأخلاق الفاضلة و القوانين الدينية الفرعية من عبادات و معاملات و سياسات و اجتماعيات و كل ما يمسه فعل الإنسان و عمله، كل ذلك على أساس الفطرة و أصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، و يرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب. 

  • و قد بين بقاؤها جميعا و انطباقها على صلاح الإنسان بمرور الدهور و كرورها بقوله تعالى: {وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}حم سجدة - ٤٢. و قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر - ٩، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ و لا يقضي عليه قانون التحول و التكامل. 

  • فإن قلت: قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع و علماء التقنين اليوم على 

  •  

تفسير الميزان ج۱

63
  • وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع و اختلافها باختلاف الأزمنة و الأوقات و تقدم المدنية و الحضارة. 

  • قلت: سيجي‌ء البحث عن هذا الشأن و الجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } الآية: البقرة - ٢١٣. 

  • و جملة القول و ملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري و الأخلاق الفاضلة الغريزية و يدعي أن التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين و الوجود. 

  • و هؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع إلغاء المعنويات من معارف التوحيد و فضائل الأخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي المادي العادم لفضيلة الروح، و كلمة الله هي العليا.

  • (التحدي بمن أنزل عليه القرآن) 

  • و قد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه و معناه، و لم يتعلم عند معلم و لم يترب عند مرب بقوله تعالى: {قُلْ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ} يونس - ١٦، فقد كان (صلى الله عليه وآله و سلم) بينهم و هو أحدهم لا يتسامى في فضل و لا ينطق بعلم حتى لم يأت بشي‌ء من شعر أو نثر نحوا من أربعين سنة و هو ثلثا عمره لا يحوز تقدما و لا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم و كلت دونه ألسنة بلغائهم، ثم بثه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب و فطانة. 

  • و غاية ما أخذوه عليه: أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان و لم يكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب قبل بلوغه و إلا مع ميسرة مولى خديجة و سنه يومئذ خمسة و عشرون و هو مع من يلازمه في ليله و نهاره، و لو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف و العلوم؟ و من أين هذه الحكم و الحقائق؟ و ممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب و كلت دونه الألسن الفصاح؟. 

  • و ما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف 

  •  

تفسير الميزان ج۱

64
  • و يبيعها فأنزل الله سبحانه: {وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هَذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} النحل - ١٠٣. 

  • و ما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي و هو من علماء الفرس عالم بالمذاهب و الأديان مع أن سلمان إنما آمن به في المدينة، و قد نزل أكثر القرآن بمكة و فيها من جميع المعارف الكلية و القصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد، فما الذي زاده إيمان سلمان و صحابته؟. 

  • على أن من قرأ العهدين و تأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين و أممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ و القصة غير القصة، ففيهما عثرات و خطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة و تتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس و عقلائهم، و القرآن يبرئهم منها، و فيها أمور أخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية و لا فضيلة خلقية و لم يذكر القرآن منها إلا ما ينفع الناس في معارفهم و أخلاقهم و ترك الباقي و هو الأكثر. 

  • (تحدي القرآن بالإخبار عن الغيب) 

  • و قد تحدى بالإخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الأنبياء السالفين و أممهم كقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَ لاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذا} الآية: هود - ٤٩، و قوله تعالى بعد قصة يوسف: {ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ}يوسف - ١٠٢ و قوله تعالى في قصة مريم: {ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} آل عمران - ٤٤ و قوله تعالى: {ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} مريم - ٣٤ إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و منها الإخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى: {غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} الروم - ٢، ٣، و قوله تعالى في رجوع النبي إلى مكة بعد الهجرة: {إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى‌ مَعَادٍ}: القصص - 

  •  

تفسير الميزان ج۱

65
  • ٨٥، و قوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} الآية: الفتح - ٢٧، و قوله تعالى: {سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‌ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} الفتح - ١٥، و قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ} 

  • المائدة - ٧٠، و قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر - ٩، و آيات أخر كثيرة في وعد المؤمنين و وعيد كفار مكة و مشركيها. 

  • و من هذا الباب آيات أخر في الملاحم نظير قوله تعالى: {وَ حَرَامٌ عَلى‌ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَ اِقْتَرَبَ اَلْوَعْدُ اَلْحَقُّ فَإِذا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} الأنبياء - ٩٥، ٩٧، و قوله تعالى: {وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ} النور - ٥٥، و قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلى‌ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ} الأنعام - ٦٥، و من هذا الباب قوله تعالى: 

  • {وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } الحجر - ٢٢، و قوله تعالى {وَ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ مَوْزُونٍ }الحجر - ١٩، و قوله تعالى: {وَ اَلْجِبَالَ أَوْتَاداً} النبأ - ٧، مما يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة عند النزول حتى اكتشف الغطاء عن وجهها بالأبحاث العلمية التي وفق الإنسان لها في هذه الأعصار. 

  • و من هذا الباب (و هو من مختصات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق بعضها ببعض و استشهاد بعضها على بعض) ما في سورة المائدة من قوله تعالى: 

  • {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ } الآية: المائدة - ٥٤ و ما في سورة يونس من قوله تعالى: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} إلى آخر الآيات: يونس - ٤٧، و ما في سورة الروم من قوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا} الآية: الروم - ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات التي تنبئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمة الإسلامية أو الدنيا عامة بعد عهد نزول القرآن، و سنورد إن شاء الله تعالى طرفا منها في البحث عن سورة الإسراء. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

66
  • (تحدى القرآن بعدم الاختلاف فيه) 

  • و قد تحدى أيضا بعدم وجود الاختلاف فيه، قال تعالى: { أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً } النساء - ٨٢، فإن من الضروري أن النشأة نشأة المادة و القانون الحاكم فيها قانون التحول و التكامل فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلا و هو متدرج الوجود متوجه من الضعف إلى القوة و من النقص إلى الكمال في ذاته و جميع توابع ذاته و لواحقه من الأفعال و الآثار و من جملتها الإنسان الذي لا يزال يتحول و يتكامل في وجوده و أفعاله و آثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها بالفكر و الإدراك، فما من واحد منا إلا و هو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس و لا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله و عثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأول، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور. 

  • و هذا الكتاب جاء به النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) نجوما و قرأه على الناس قطعا قطعا في مدة ثلاث و عشرين سنة في أحوال مختلفة و شرائط متفاوتة في مكة و المدينة في الليل و النهار و الحضر و السفر و الحرب و السلم في يوم العسرة و في يوم الغلبة و يوم الأمن و يوم الخوف، و لإلقاء المعارف الإلهية و تعليم الأخلاق الفاضلة و تقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة، و لا يوجد فيه أدنى اختلاف في النظم المتشابه؛ كتابا متشابها مثاني، و لم يقع في المعارف التي ألقاها و الأصول التي أعطاها اختلاف يتناقض بعضها مع بعض و تنافي شي‌ء منها مع آخر، فالآية تفسر الآية و البعض يبين البعض، و الجملة تصدق الجملة كما- قال علي (علیه السلام): (ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض) نهج البلاغة. و لو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن و البهاء و القول في الشداقة و البلاغة و المعنى من حيث الفساد و الصحة و من حيث الإتقان و المتانة. 

  • فإن قلت: هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل و قد أخذ على القرآن مناقضات و إشكالات جمة ربما ألف فيه التأليفات، و هي إشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة و مناقضات معنوية تعود إلى خطئه في آرائه و أنظاره و تعليماته، و قد 

  •  

تفسير الميزان ج۱

67
  • أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة و ارتضاء الفطرة السليمة. 

  • قلت: ما أشير إليه من المناقضات و الإشكالات موجودة في كتب التفسير و غيرها مع أجوبتها و منها هذا الكتاب، فالإشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان. 

  • و لا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلا و هي مذكورة في مسفورات المفسرين مع أجوبتها فأخذوا الإشكالات و جمعوها و رتبوها و تركوا الأجوبة و أهملوها، و نعم ما قيل: لو كانت عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة. 

  • فإن قلت: فما تقول: في النسخ الواقع في القرآن و قد نص عليه القرآن نفسه في قوله: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } البقرة - ١٠٦ و قوله: {وَ إِذا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} النحل - ١٠١، و هل النسخ إلا اختلاف في النظر لو سلمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول؟. 

  • قلت: النسخ كما أنه ليس من المناقضة في القول و هو ظاهر كذلك ليس من قبيل الاختلاف في النظر و الحكم و إنما هو ناش من الاختلاف في المصداق من حيث قبوله انطباق الحكم يوما لوجود مصلحته فيه و عدم قبوله الانطباق يوما آخر لتبدل المصلحة من مصلحة أخرى توجب حكما آخر، و من أوضع الشهود على هذا أن الآيات المنسوخة الأحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظية تومئ إلى أن الحكم المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى: {وَ اَللاَّتِي يَأْتِينَ اَلْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} النساء - ١٤، (انظر إلى التلويح الذي تعطيه الجملة الأخيرة)، و كقوله تعالى: 

  • {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} إلى أن قال {فَاعْفُوا وَ اِصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ}: البقرة - ١٠٩ حيث تمم الكلام بما يشعر بأن الحكم مؤجل. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

68
  • التحدي بالبلاغة 

  • و قد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اَللَّهِ وَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} هود، ١٣، ١٤. 

  • و الآية مكية، و قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} يونس - ٣٨، ٣٩. و الآية أيضا مكية و فيها التحدي بالنظم و البلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر من شئون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغا لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم و المتأخرة عنهم و وطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان و جزالة النظم و وفاء اللفظ و رعاية المقام و سهولة المنطق. و قد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية و يوقد نار الأنفة و العصبية. و حالهم في الغرور ببضاعتهم و الاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا يرتاب فيه، و قد طالت مدة التحدي و تمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلا بالتجافي و لم يزدهم إلا العجز و لم يكن منهم إلا الاستخفاء و الفرار، كما قال تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ}هود - ٥. 

  • و قد مضى من القرون و الأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا و لم يأت بما يناظره آت و لم يعارضه أحد بشي‌ء إلا أخزى نفسه و افتضح في أمره. 

  • و قد ضبط النقل بعض هذه المعارضات و المناقشات، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله: الفيل ما الفيل و ما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل و خرطوم طويل و في كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية فنولجه فيكن إيلاجا، و نخرجه منكن إخراجا فانظر إلى هذه الهذيانات و اعتبر، و هذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى الحمد للرحمن. رب الأكوان الملك الديان. لك العبادة و بك المستعان اهدنا صراط الإيمان إلى غير ذلك من التقولات. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

69
  • فإن قلت: ما معنى كون التأليف الكلامي بالغا إلى مرتبة معجزة للإنسان و وضع الكلام مما سمحت به قريحة الإنسان؟ فكيف يمكن أن يترشح من القريحة ما لا تحيط به و الفاعل أقوى من فعله و منشأ الأثر محيط بأثره؟ و بتقريب آخر الإنسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية إلى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للإنسان، و من المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الإنسان حد قريحته فتبلغ مبلغا لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال حينئذ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة و إلا كانت غير الدلالة الوضعية الاعتبارية، مضافا إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض أن بينها تركيبا بالغا حد الإعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص و الكمال و البلاغة و غيرها، و بين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها و أبلغها لا تسعها طاقة البشر، و هو التركيب المعجز، و لازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي، مع أن القرآن كثيرا ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة و تراكيب متفرقة، و هو في القصص واضح لا ينكر، و لو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود إلا واحد لا غير. 

  • قلت: هاتان الشبهتان و ما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، و معنى الصرف أن الإتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي و ظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون، و لكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان و فائقة على القوة البشرية، مع كون التأليفات جميعا أمثالا لنوع النظم الممكن للإنسان، بل لأن الله سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها و الإتيان بمثلها بالإرادة الإلهية الحاكمة على إرادة الإنسان حفظا لآية النبوة و وقاية لحمى الرسالة. 

  • و هذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اَللَّهِ} الآية: هود - ١٣ ١٤، فإن الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلا لا كلاما تقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أن نزوله إنما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين 

  •  

تفسير الميزان ج۱

70
  • كما قال تعالى {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} الطور - ٣٤، و قوله تعالى: {وَ مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ اَلشَّيَاطِينُ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَ مَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ اَلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}الشعراء - ٢١٢، و الصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاما لله نازلا من عنده، و نظير هذه الآية الآية الأخرى، و هي قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} الآية : يونس - ٣٩، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن و ضعف قواهم و قوى كل من يعينهم على ذلك من تحمل هذا الشأن هو أن للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، و لا يحيط به علما إلا الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لو لا الصرف بإرادة من الله تعالى. 

  • و كذا قوله تعالى: {أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً} الآية: النساء - ٨٢، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظا و معنى و لا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه. 

  • و أما الإشكال باستلزام الإعجاز من حيث البلاغة المحال، بتقريب أن البلاغة من صفات الكلام الموضوع و وضع الكلام من آثار القريحة الإنسانية فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حدا لا تسعه طاقة القريحة و هو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإنسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه، و أما سرد الكلام و نضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف و هيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة و إراءة واضحة أو خفية، و كذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه و مقدماته و مقارناته و لواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فإنما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان و فن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ و نظم 

  •  

تفسير الميزان ج۱

71
  • الأدوات اللفظية و نوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية بأطرافها و لوازمها و متعلقاتها. 

  • فهاهنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي و التكلم، و ربما تمهر الإنسان في البيان و سرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف و المطالب فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه، و ربما تبحر الإنسان في سلسلة من المعارف و المعلومات و لطفت قريحته و رقت فطرته لكن لا يقدر على الإفصاح عن ما في ضميره، و عي عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى و منظره البهيج. 

  • فهذه أمور ثلاثة: أولها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الاجتماعية، و الثاني و الثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة، و من البين أن إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدرة لا نقدر على الإحاطة بتفاصيل الحوادث الخارجية و الأمور الواقعية بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطإ قط في وقت من الأوقات، و مع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضا يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذا من النقص إلى الكمال، فأي خطيب أشدق و أي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازنا لما تسمح به قريحته في أواخر أمره؟ فلو فرضنا كلاما إنسانيا أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطإ لفرض عدم اطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع و شرائطه (أولا) و لم يكن على حد كلامه السابق و لا على زنة كلامه اللاحق بل و لا أوله يساوي آخره و إن لم نشعر بذلك لدقة الأمر، لكن حكم التحول و التكامل عام (ثانيا)، و على هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه (و جد الهزل هو القول بغير علم محيط) و لا اختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريا، و هو الذي يفيده القرآن بقوله: {أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً} الآية: النساء - ٨٢، و قوله تعالى: {وَ اَلسَّمَاءِ ذاتِ اَلرَّجْعِ وَ اَلْأَرْضِ ذاتِ اَلصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ مَا هُوَ بِالْهَزْلِ} الطارق - ١٤. انظر إلى موضع القسم بالسماء و الأرض المتغيرتين و المعنى المقسم به في عدم تغيره و اتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله (و سيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل)، و قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

72
  • مَحْفُوظٍ} البروج - ٢٢، و قوله تعالى: {وَ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الزخرف - ٤. و قوله تعالى: 

  • {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَواقِعِ اَلنُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ}الواقعة - ٧٩، فهذه الآيات و نظائرها تحكي عن اتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيرة و لا متغير ما يتكي عليها. 

  • إذا عرفت ما مر علمت أن استناد وضع اللغة إلى الإنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع به، و ليس ذلك إلا كالقول بأن القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها و واضع النرد و الشطرنج يجب أن يكون أمهر من يلعب بهما و مخترع العود يجب أن يكون أقوى من يضرب بها. 

  • فقد تبين من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى و من جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي يحكيه الصورة الذهنية. 

  • أما اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقا للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز. 

  • و أما المعنى فأن يكون في صحته و صدقه معتمدا على الخارج الواقع بحيث لا يزول عما هو عليه من الحقيقة، و هذه المرتبة هي التي يتكي عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، و كم من كلام بليغ مبني على الجهالة لكنه لا يعارض و لا يسعه أن يعارض الحكمة، و الكلام الجامع بين عذوبة اللفظ و جزالة الأسلوب و بلاغة المعنى و حقيقة الواقع هو أرقى الكلام. 

  • و إذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة و منطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذب الحقائق الآخر و لم تكذبه فإن الحق مؤتلف الأجزاء و متحد الأركان، لا يبطل حق حقا، و لا يكذب صدق صدقا، و الباطل هو الذي ينافي الباطل و ينافي الحق، انظر إلى مغزى قوله سبحانه و تعالى: {فَمَا ذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ} يونس - ٣٢، فقد جعل الحق واحدا لا تفرق فيه و لا تشتت. و انظر إلى قوله تعالى: {وَ لاَ

  •  

تفسير الميزان ج۱

73
  • تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} الأنعام - ١٥٣. فقد جعل الباطل متشتتا و مشتتا و متفرقا و مفرقا. 

  • و إذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحق اختلاف بل نهاية الايتلاف، يجر بعضه إلى بعض، و ينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض و يحكي بعضه البعض. 

  • و هذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة و لا تعقم عن الإنتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثم الآية الثالثة تصدقها و تشهد بها، هذا شأنه و خاصته، و سترى في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك، على أن الطريق متروك غير مسلوك و لو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة و خزائن من أثقاله النفيسة. 

  • فقد اتضح بطلان الإشكال من الجهتين جميعا فإن أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتى يقال إن الإنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على أبلغ الكلام و أفصحه و هو واضح أو يقال إن أبلغ التركيبات المتصورة تركيب واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة السياق و الجميع فائقة قدرة البشر بالغة حد الإعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن و الخارج. 

  • (معنى الآية المعجزة في القرآن و ما يفسر به حقيقتها)

  • و لا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة و تحققها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة و نشأة المادة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل. 

  • و ما تمحله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك توفيقا بينها و بين ما يتراءى من ظواهر الأبحاث الطبيعية العلمية اليوم تكلف مردود إليه. 

  • و الذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة و إعطاء حقيقته نذكره في 

  •  

تفسير الميزان ج۱

74
  • فصول من الكلام. 

  • ١ تصديق القرآن لقانون العلية العامة 

  • إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسبابا و يصدق قانون العلية العامة كما يثبته ضرورة العقل و تعتمد عليه الأبحاث العلمية و الأنظار الاستدلالية، فإن الإنسان مفطور على أن يعتقد لكل حادث مادي علة موجبة من غير تردد و ارتياب. و كذلك العلوم الطبيعية و سائر الأبحاث العلمية تعلل الحوادث و الأمور المربوطة بما تجده من أمور أخرى صالحة للتعليل، و لا نعني بالعلة إلا أن يكون هناك أمر واحد أو مجموع أمور إذا تحققت في الطبيعة مثلا تحقق عندها أمر آخر نسميه المعلول بحكم التجارب كدلالة التجربة على أنه كلما تحقق احتراق لزم أن يتحقق هناك قبله علة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو نحو ذلك، و من هنا كانت الكلية و عدم التخلف من أحكام العلية و المعلولية و لوازمهما. 

  • و تصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه و تكلم فيه من موت و حياة و رزق و حوادث أخرى علوية سماوية أو سفلية أرضية على أظهر وجه، و إن كان يسندها جميعا بالآخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد. 

  • فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة بمعنى أن سببا من الأسباب إذا تحقق مع ما يلزمه و يكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتبا عليه بإذن الله سبحانه و إذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة. 

  • ٢ إثبات القرآن ما يخرق العادة 

  • ثم إن القرآن يقتص و يخبر عن جملة من الحوادث و الوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة و المعلول الموجود، و هذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من الأنبياء الكرام كمعجزات نوح و هود و صالح و إبراهيم و لوط و داود و سليمان و موسى و عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنها أمور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

75
  • لكن يجب أن يعلم أن هذه الأمور و الحوادث و إن أنكرتها العادة و استبعدتها إلا أنها ليست أمورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل قولنا الإيجاب و السلب يجتمعان معا و يرتفعان معا من كل جهة و قولنا الشي‌ء يمكن أن يسلب عن نفسه و قولنا: الواحد ليس نصف الاثنين و أمثال ذلك من الأمور الممتنعة بالذات كيف؟ و عقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك و ترتضيه من غير إنكار و رد و لو كانت المعجزات ممتنعة بالذات لم يقبلها عقل عاقل و لم يستدل بها على شي‌ء و لم ينسبها أحد إلى أحد. 

  • على أن أصل هذه الأمور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة بل هي مما يتعاوره نظام المادة كل حين بتبديل الحي إلى ميت و الميت إلى الحي و تحويل صورة إلى صورة و حادثة إلى حادثة و رخاء إلى بلاء و بلاء إلى رخاء، و إنما الفرق بين صنع العادة و بين المعجزة الخارقة هو أن الأسباب المادية المشهودة التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة و شرائط زمانية و مكانية خاصة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلا العصا و إن أمكن أن تصير حية تسعى و الجسد البالي و إن أمكن أن يصير إنسانا حيا لكن ذلك إنما يتحقق في العادة بعلل خاصة و شرائط زمانية و مكانية مخصوصة تنتقل بها المادة من حال إلى حال و تكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر و تحل بها الصورة الأخيرة المفروضة على ما تصدقه المشاهدة و التجربة لا مع أي شرط اتفق أو من غير علة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات و الخوارق التي يقصها القرآن. 

  • و كما أن الحس و التجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلمي الطبيعي، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلة و المعلول الطبيعيين، أعني به السطح الذي يستقر عليه التجارب العلمي اليوم و الفرضيات المعللة للحوادث المادية. 

  • إلا أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره و الستر عليه، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة و أهل الارتياض كل يوم تمتلئ به العيون و تنشره النشريات و يضبطه الصحف و المسفورات بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك و لا في تحققها ريب. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

76
  • و هذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحية من علماء العصر أن يعللوه بجريان أمواج مجهولة إلكتريسية مغناطيسية فافترضوا أن الارتياضات الشاقة تعطي للإنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قوية تملكه أو تصاحبه إرادة و شعور و بذلك يقدر على ما يأتي به من حركات و تحريكات و تصرفات عجيبة في المادة خارقة للعادة بطريق القبض و البسط و نحو ذلك. 

  • و هذه الفرضية لو تمت و أطردت من غير انتقاض لأدت إلى تحقق فرضية جديدة وسيعة تعلل جميع الحوادث المتفرقة التي كانت تعللها جميعا أو تعلل بعضها الفرضيات القديمة على محور الحركة و القوة و لساقت جميع الحوادث المادية إلى التعلل و الارتباط بعلة واحدة طبيعية. 

  • فهذا قولهم و الحق معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعي لا علة طبيعية له مع فرض كون الرابطة طبيعية محفوظة، و بعبارة أخرى إنا لا نعني بالعلة الطبيعية إلا أن تجتمع عدة موجودات طبيعية مع نسب و روابط خاصة فيتكون منها عند ذلك موجود طبيعي جديد حادث متأخر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام السابق عليه لم يحدث و لم يتحقق وجوده. 

  • و أما القرآن الكريم فإنه و إن لم يشخص هذه العلة الطبيعية الأخيرة التي تعلل جميع الحوادث المادية العادية و الخارقة للعادة (على ما نحسبه) بتشخيص اسمه و كيفية تأثيره لخروجه عن غرضه العام إلا أنه مع ذلك يثبت لكل حادث مادي سببا ماديا بإذن الله تعالى، و بعبارة أخرى يثبت لكل حادث مادي مستند في وجوده إلى الله سبحانه (و الكل مستند) مجرى ماديا و طريقا طبيعيا به يجري فيض الوجود منه تعالى إليه. 

  • قال تعالى: {وَ مَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراً} الطلاق - ٣، فإن صدر الآية يحكم بالإطلاق من غير تقييد أن كل من اتقى الله و توكل عليه و إن كانت الأسباب العادية المحسوبة عندنا أسبابا تقضي بخلافه و تحكم بعدمه فإن الله سبحانه حسبه فيه و هو كائن لا محالة، كما يدل عليه أيضا إطلاق قوله تعالى: {وَ إِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّاعِ إِذا دَعَانِ} البقرة - ١٨٦، و قوله تعالى: {اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} المؤمن - ٦٠، و قوله تعالى: {أَ لَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} الزمر - ٣٦. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

77
  • ثم الجملة التالية و هي قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق - ٣، يعلل إطلاق الصدر، و في هذا المعنى قوله: {وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يوسف - ٢١، و هذه جملة مطلقة غير مقيدة بشي‌ء البتة؛ فلله سبحانه سبيل إلى كل حادث تعلقت به مشيته و إرادته و إن كانت السبل العادية و الطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك. 

  • و هذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يتوسل تعالى إليه من غير سبب مادي و علة طبيعية بل بمجرد الإرادة وحدها، و ثانيهما أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا يحيط به الله سبحانه و يبلغ ما يريده من طريقه إلا أن الجملة التالية من الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى، {قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراً}؛ تدل على ثاني الوجهين فإنها تدل على أن كل شي‌ء من المسببات أعم مما تقتضيه الأسباب العادية أو لا تقتضيه فإن له قدرا قدره الله سبحانه عليه، و ارتباطات مع غيره من الموجودات، و اتصالات وجودية مع ما سواه، لله سبحانه أن يتوسل منها إليه و إن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلا أن هذه الاتصالات و الارتباطات ليست مملوكة للأشياء أنفسها حتى تطيع في حال و تعصي في أخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له. 

  • فالآية تدل على أنه تعالى جعل بين الأشياء جميعها ارتباطات و اتصالات له أن يبلغ إلى كل ما يريد من أي وجه شاء و ليس هذا نفيا للعلية و السببية بين الأشياء بل إثبات أنها بيد الله سبحانه يحولها كيف شاء و أراد، ففي الوجود عليه و ارتباط حقيقي بين كل موجود و ما تقدمه من الموجودات المنتظمة غير أنها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة (و لذلك نجد الفرضيات العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجودية) بل على ما يعلمه الله تعالى و ينظمه. 

  • و هذه الحقيقة هي التي تدل عليها آيات القدر كقوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر - ٢١، و قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر - ٤٩، و قوله تعالى: {وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} الفرقان - ٢ و قوله تعالى: {اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‌} الأعلى - ٣. و كذا قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

78
  • نَبْرَأَهَا} الحديد - ٢٢، و قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ} التغابن - ١١. فإن الآية الأولى و كذا بقية الآيات تدل على أن الأشياء تنزل من ساحة الإطلاق إلى مرحلة التعين و التشخص بتقدير منه تعالى و تحديد يتقدم على الشي‌ء و يصاحبه، و لا معنى لكون الشي‌ء محدودا مقدرا في وجوده إلا أن يتحدد و يتعين بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات و الموجود المادي مرتبط بمجموعة من الموجودات المادية الأخرى التي هي كالقالب الذي يقلب به الشي‌ء و يعين وجوده و يحدده و يقدره فما من موجود مادي إلا و هو متقدر مرتبط بجميع الموجودات المادية التي تتقدمه و تصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة. 

  • و يمكن أن يستدل أيضا على ما مر بقوله تعالى: {ذلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ}المؤمن - ٦٢، و قوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} هود - ٥٦. فإن الآيتين بانضمام ما مرت الإشارة إليه من أن الآيات القرآنية تصدق قانون العلية العام تنتج المطلوب. 

  • و ذلك أن الآية الأولى تعمم الخلقة لكل شي‌ء فما من شي‌ء إلا و هو مخلوق لله عز شأنه، و الآية الثانية تنطق بكون الخلقة و الإيجاد على وتيرة واحدة و نسق منتظم من غير اختلاف يؤدي إلى الهرج و الجزاف. 

  • و القرآن كما عرفت يصدق قانون العلية العام في ما بين الموجودات المادية، ينتج أن نظام الوجود في الموجودات المادية سواء كانت على جري العادة أو خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلف و وتيرة واحدة في استناد كل حادث فيه إلى العلة المتقدمة عليه الموجبة له. 

  • و من هنا يستنتج أن الأسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها و بين مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك أسباب حقيقية مطردة غير متخلفة الأحكام و الخواص كما ربما يؤيده التجارب العلمي في جراثيم الحياة و في خوارق العادة كما مر. 

  • ٣ القرآن يسند ما أسند إلى العلة المادية إلى الله تعالى‌ 

  • ثم إن القرآن كما يثبت بين الأشياء العلية و المعلولية و يصدق سببية البعض للبعض كذلك 

  •  

تفسير الميزان ج۱

79
  • يسند الأمر في الكل إلى الله سبحانه فيستنتج منه أن الأسباب الوجودية غير مستقلة في التأثير و المؤثر الحقيقي بتمام معنى الكلمة ليس إلا الله عز سلطانه. قال تعالى: 

  • {أَلاَ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ}: الأعراف - ٥٣، و قال تعالى {لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ}البقرة - ٢٨٤، و قال تعالى: {لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} الحديد - ٥، و قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ}: النساء - ٧٧. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن كل شي‌ء مملوك محض لله لا يشاركه فيه أحد، و له أن يتصرف فيها كيف شاء و أراد و ليس لأحد أن يتصرف في شي‌ء منها إلا من بعد أن يأذن الله لمن شاء و يملكه التصرف من غير استقلال في هذا التمليك أيضا، بل مجرد إذن لا يستقل به المأذون له دون أن يعتمد على إذن الإذن، قال تعالى: {قُلِ اَللَّهُمَّ مَالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} آل عمران - ٢٦، و قال تعالى: {اَلَّذِي أَعْطى‌ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‌}: طه - ٥٠، إلى غير ذلك من الآيات، و قال تعالى أيضا: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}: البقرة - ٢٥٥، و قال تعالى: {ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} يونس - ٣. 

  • فالأسباب تملكت السببية بتمليكه تعالى، و هي غير مستقلة في عين أنها مالكة. 

  • و هذا المعنى هو الذي يعبر سبحانه عنه بالشفاعة و الإذن، فمن المعلوم أن الإذن إنما يستقيم معناه إذا كان هناك مانع من تصرف المأذون فيه، و المانع أيضا إنما يتصور فيما كان هناك مقتض موجود يمنع المانع عن تأثيره و يحول بينه و بين تصرفه. 

  • فقد بان أن في كل السبب مبدأ مؤثرا مقتضيا للتأثير به يؤثر في مسببه، و الأمر مع ذلك لله سبحانه. 

  • ٤ القرآن يثبت تأثيرا في نفوس الأنبياء في الخوارق‌ 

  • ثم إنه تعالى قال: {وَ مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَإِذا جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ اَلْمُبْطِلُونَ} المؤمن - ٧٨. 

  • فأفاد إناطة إتيان أية آية من أي رسول بإذن الله سبحانه فبين أن إتيان الآيات 

  •  

تفسير الميزان ج۱

80
  • المعجزة من الأنبياء و صدورها عنهم إنما هو لمبدإ مؤثر موجود في نفوسهم الشريفة متوقف في تأثيره على الإذن كما مر في الفصل السابق. 

  • و قال تعالى: {وَ اِتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا اَلشَّيَاطِينُ عَلى‌ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَ مَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَ لَكِنَّ اَلشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ اَلنَّاسَ اَلسِّحْرَ وَ مَا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هرُوتَ وَ مَارُوتَ وَ مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} البقرة - ١٠٢. 

  • و الآية كما أنها تصدق صحة السحر في الجملة كذلك تدل على أن السحر أيضا كالمعجزة في كونه عن مبدإ نفساني في الساحر لمكان الإذن. 

  • و بالجملة جميع الأمور الخارقة للعادة سواء سميت معجزة أو سحرا أو غير ذلك ككرامات الأولياء و سائر الخصال المكتسبة بالارتياضات و المجاهدات جميعها مستندة إلى مباد نفسانية و مقتضيات إرادية على ما يشير إليه كلامه سبحانه إلا أن كلامه ينص على أن المبدأ الموجود عند الأنبياء و الرسل و المؤمنين هو الفائق الغالب على كل سبب و في كل حال، قال تعالى: {وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ اَلْغَالِبُونَ} الصافات - ١٧٣، و قال تعالى: {كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي} المجادلة - ٢١، و قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهَادُ} المؤمن - ٥١. و الآيات مطلقة غير مقيدة. 

  • و من هنا يمكن أن يستنتج أن هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة و فوق المادة. فإن الأمور المادية مقدرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدرا و حدا عند التزاحم و المغالبة، و الأمور المجردة أيضا و إن كانت كذلك إلا أنها لا تزاحم بينها و لا تمانع إلا أن تتعلق بالمادة. بعض التعلق و هذا المبدأ النفساني المجرد المنصور بإرادة الله سبحانه إذا قابل مانعا ماديا أفاض إمدادا على السبب بما لا يقاومه سبب مادي يمنعه فافهم.

  • ٥ القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى‌ 

  • ثم إن الجملة الأخيرة من الآية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى: {فَإِذا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

81
  • جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ} الآية، تدل على أن تأثير هذا المقتضي يتوقف على أمر من الله تعالى يصاحب الإذن الذي كان يتوقف عليه أيضا فتأثير هذا المقتضي يتوقف على مصادفته الأمر أو اتحاده معه. و قد فسر الأمر في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس - ٨٢، بكلمة الإيجاد و قول: كن و قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اِتَّخَذَ إِلى‌ رَبِّهِ سَبِيلاً وَ مَا تَشَاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ} الدهر - ٢٩، ٣٠و قال: {إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَ مَا تَشَاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ رَبُّ اَلْعَالَمِينَ}التكوير - ٢٧، ٢٨، ٢٩، دلت الآيات على أن الأمر الذي للإنسان إن يريده و بيده زمام اختياره لا يتحقق موجودا إلا أن يشاء الله ذلك بأن يشاء أن يشاء الإنسان و يريد إرادة الإنسان فإن الآيات الشريفة في مقام أن أفعال الإنسان الإرادية و إن كانت بيد الإنسان بإرادته لكن الإرادة و المشية ليست بيد الإنسان بل هي مستندة إلى مشية الله سبحانه، و ليست في مقام بيان أن كل ما يريده الإنسان فقد أراده الله فإنه خطأ فاحش و لازمه أن يتخلف الفعل عن إرادة الله سبحانه عند تخلفه عن إرادة الإنسان، تعالى الله عن ذلك. مع أنه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى: {وَ لَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُداهَا} السجدة - ١٣. و قوله تعالى: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} يونس - ٩٩، إلى غير ذلك فإرادتنا و مشيئتنا إذا تحققت فينا فهي مرادة بإرادة الله و مشيته لها و كذا أفعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا و مشيتنا بالواسطة. و هما أعني الإرادة و الفعل جميعا متوقفان على أمر الله سبحانه و كلمة كن. 

  • فالأمور جميعا سواء كانت عادية أو خارقة للعادة و سواء كان خارق العادة في جانب الخير و السعادة كالمعجزة و الكرامة، أو في جانب الشر كالسحر و الكهانة مستندة في تحققها إلى أسباب طبيعية، و هي مع ذلك متوقفة على إرادة الله، لا توجد إلا بأمر الله سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتحد مع أمر الله سبحانه. 

  • و جميع الأشياء و إن كانت من حيث استناد وجودها إلى الأمر الإلهي على حد سواء بحيث إذا تحقق الإذن و الأمر تحققت عن أسبابها، و إذا لم يتحقق الإذن و الأمر لم تتحقق، أي لم تتم السببية إلا أن قسما منها و هو المعجزة من الأنبياء أو ما سأله عبد 

  •  

تفسير الميزان ج۱

82
  • ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى و أمر عزيمة كما يدل عليه قوله: {كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي} الآية: المجادلة - ٢١. و قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّاعِ إِذا دَعَانِ } الآية: البقرة - ١٨٦، و غير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق.

  • ٦ القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب‌ 

  • فقد تبين من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الأمور الخارقة للعادة لا تفارق الأسباب العادية في الاحتياج إلى سبب طبيعي و أن مع الجميع أسبابا باطنية و أن الفرق بينها أن الأمور العادية ملازمة لأسباب ظاهرية تصاحبها الأسباب الحقيقية الطبيعية غالبا أو مع الأغلب و مع تلك الأسباب الحقيقية إرادة الله و أمره، و الأمور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر و الكهانة مستندة إلى أسباب طبيعية مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي بالإذن و الإرادة كاستجابة الدعاء و نحو ذلك من غير تحد يبتني عليه ظهور حق الدعوة و أن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن الله و أمره إذا كان هناك تحد يبتني عليه صحة النبوة و الرسالة و الدعوة إلى الله تعالى و أن القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أن سببهما لا يصير مغلوبا مقهورا قط بخلاف سائر المسببات. 

  • فإن قلت: فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة و البلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبي أيضا و لم يبق فرق بين المعجزة و غيرها إلا بحسب النسبة و الإضافة فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، و هم المطلعون على سببها الطبيعي الحقيقي، و في عصر دون عصر، و هو عصر العلم، فلو ظفر البحث العلمي على الأسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة و لم تكشف المعجزة عن الحق. و نتيجة هذا البحث أن المعجزة لا حجية فيها إلا على الجاهل بالسبب فليست حجة في نفسها. 

  • قلت: كلا فليست المعجزة معجزة من حيث إنها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى تنسلخ عن اسمها عند ارتفاع الجهل و تسقط عن الحجية، و لا أنها معجزة من حيث استنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث إنها مستندة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

83
  • إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلة البتة، و ذلك كما أن الأمر الحادث من جهة استجابة الدعاء كرامة من حيث استنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض مع أنه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنه حينئذ أمر عادي يمكن أن يصير سببه مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه. 

  • ٧ القرآن يعد المعجزة برهانا على صحة الرسالة لا دليلا عاميا 

  • و هاهنا سؤال و هو أنه ما هي الرابطة بين المعجزة و بين حقية دعوى الرسالة مع أن العقل لا يرى تلازما بين صدق الرسول في دعوته إلى الله سبحانه و بين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أن الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدة من الأنبياء كهود و صالح و موسى و عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سئلوا عن آية تدل على حقية دعوتهم فأجابوهم فيما سئلوا و جاءوا بالآيات. 

  • و ربما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئا من ذلك كما قال تعالى في موسى (علیه السلام) و هارون: {اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيَاتِي وَ لاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي}طه - ٤٢، و قال تعالى في عيسى (علیه السلام): {وَ رَسُولاً إِلى‌ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتى‌ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران - ٤٩، و كذا إعطاء القرآن معجزة للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم). و بالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقية ما أتى به الأنبياء و الرسل من معارف المبدإ و المعاد و بين صدور أمر يخرق العادة عنهم. 

  • مضافا إلى أن قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقة يغني العالم البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز، و لذا قيل إن المعجزات لإقناع نفوس العامة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقلية و أما الخاصة فإنهم في غنى عن ذلك. 

  • و الجواب عن هذا السؤال أن الأنبياء و الرسل (علیه السلام) لم يأتوا بالآيات المعجزة لإثبات شي‌ء من معارف المبدإ و المعاد مما يناله العقل كالتوحيد و البعث و أمثالها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

84
  • و إنما اكتفوا في ذلك بحجة للعقل و المخاطبة من طريق النظر و الاستدلال كقوله تعالى: 

  • {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اَللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} إبراهيم - ١٠في الإحتجاج على التوحيد قوله تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ص - ٢٨ في الإحتجاج على البعث. و إنما سئل الرسل المعجزة و أتوا بها لإثبات رسالتهم و تحقيق دعواها. 

  • و ذلك أنهم ادعوا الرسالة من الله بالوحي و أنه بتكليم إلهي أو نزول ملك و نحو ذلك و هذا شي‌ء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة و الباطنة التي يعرفها عامة الناس و يجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفا خاصا من ما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط، مع أن الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشرية و قواها، و لذلك صادفوا إنكارا شديدا من الناس و مقاومة عنيفة في رده على أحد وجهين: 

  • فتارة حاول الناس إبطال دعواهم بالحجة كقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} إبراهيم - ١٠، استدلوا فيها على بطلان دعواهم الرسالة بأنهم مثل سائر الناس و الناس لا يجدون شيئا مما يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة، و لو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا، و لهذا أجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَمُنُّ عَلى‌ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} إبراهيم - ١٣، فردوا عليهم بتسليم المماثلة و أن الرسالة من منن الله الخاصة، و الاختصاص ببعض النعم الخاصة لا ينافي المماثلة، فللناس اختصاصات، نعم لو شاء أن يمتن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصة بالبعض و إن جاز على الكل. 

  • و نظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما حكاه الله تعالى: {أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} ص - ٨، و قولهم كما حكاه الله: {لَوْ لاَ نُزِّلَ هَذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‌ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} الزخرف - ٣١. 

  • و نظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قوله تعالى: {وَ قَالُوا مَا لِهَذَا اَلرَّسُولِ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

85
  • يَأْكُلُ اَلطَّعَامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوَاقِ لَوْ لاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى‌ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} الفرقان - ٨، و وجه الاستدلال أن دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي و غيره ليس فينا فلم يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار أو يلقى إليه كنز فلا يحتاج إلى مشي الأسواق للكسب أو تكون له جنة فيأكل منها لا مما نأكل منه من طعام، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى أن قال {وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعَامَ وَ يَمْشُونَ فِي اَلْأَسْوَاقِ وَ جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}: الفرقان - ٢٠، و رد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله: {وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ}: الأنعام - ٩. 

  • و قريب من ذلك الاحتجاج أيضا ما في قوله تعالى: {وَ قالَ اَلَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا اَلْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى‌ رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً}: الفرقان - ٢١، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرى‌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً}: الفرقان - ٢٢، فذكر أنهم و الحال حالهم لا يرون الملائكة إلا مع حال الموت كما ذكره في في موضع آخر بقوله تعالى: {وَ قَالُوا يَا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ اَلْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ }: الحجر - ٨، و يشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الاستدلال، و هو تسليم صدق النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في دعواه إلا أنه مجنون و ما يحكيه و يخبر به أمر يسوله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله: {وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ}: القمر - ٩. 

  • و بالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجة على إبطال دعوى النبوة من طريق المماثلة. 

  • و تارة أخرى أقاموا أنفسهم مقام الإنكار و سؤال الحجة و البينة على صدق ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

86
  • كلام في معنى الرسالة و ما يلحق بها

  • الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس و لا تعرفه العقول (على طريقة المنع مع السند باصطلاح فن المناظرة) و هذه البينة هي المعجزة، بيان ذلك أن دعوى النبوة و الرسالة من كل نبي و رسول على ما يقصه القرآن إنما كانت بدعوى الوحي و التكليم الإلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، و هذا أمر لا يساعد عليه الحس و لا تؤيده التجربة فيتوجه عليه الإشكال من جهتين: إحداهما من جهة عدم الدليل عليه، و الثانية من جهة الدليل على عدمه، فإن الوحي و التكليم الإلهي و ما يتلوه من التشريع و التربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم، و العادة الجارية في الأسباب و المسببات تنكره فهو أمر خارق للعادة، و قانون العلية العامة لا يجوزه، فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)ادقا في دعواه النبوة و الوحي كان لازمه أنه متصل بما وراء الطبيعة، مؤيد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة و أن الله سبحانه يريد بنبوته و الوحي إليه خرق العادة، فلو كان هذا حقا و لا فرق بين خارق و خارق كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع و أن يخرق الله العادة بأمر آخر يصدق النبوة و الوحي من غير مانع عنه فإن حكم الأمثال واحد فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة و هو طريق النبوة و الوحي فليؤيدها و ليصدقها بخارق آخر و هو المعجزة. 

  • و هذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة و الغريزة و كان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة و تصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها مما يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد و المعاد، و نظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم و معه أوامر و نواه يدعيها للسيد فإن بيانه لهذه الأحكام و إقامته البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم و هم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلا صلاح شأنهم، إنما يكفي في كون الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل، و لا تكفي البراهين و الأدلة المذكورة في صدق رسالته و أن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل يطالبونه ببينة أو علامة تدل على صدقه في دعواه ككتاب بخطه و خاتمه يقرءونه، أو علامة يعرفونها، كما قال المشركون للنبي: {حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ}: إسراء - ٩٣. 

  • فقد تبين بما ذكرناه أولا: التلازم بين صدق دعوى الرسالة و بين المعجزة و أنها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

87
  • الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصة و العامة في دلالتها و إثباتها، و ثانيا أن ما يجده الرسول و النبي من الوحي و يدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا و عقولنا النظرية الفكرية، فالوحي غير الفكر الصائب؛ و هذا المعنى في كتاب الله تعالى من الوضوح و السطوع بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم و أقل إنصاف. 

  • و قد انحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الإلهية و الحقائق الدينية على ما وصفه العلوم الطبيعية من أصالة المادة المتحولة المتكاملة فقد رأوا أن الإدراكات الإنسانية خواص مادية مترشحة من الدماغ و أن الغايات الوجودية و جميع الكمالات الحقيقية استكمالات فردية أو اجتماعية مادية. 

  • فذكروا أن النبوة نوع نبوغ فكري و صفاء ذهني يستحضر به الإنسان المسمى نبيا كمال قومه الاجتماعي و يريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية و البربرية إلى ساحة الحضارة و المدنية فيستحضر ما ورثه من العقائد و الآراء و يطبقها على مقتضيات عصره و محيط حياته، فيقنن لهم أصولا اجتماعية و كليات عملية يستصلح بها أفعالهم الحيوية ثم يتمم ذلك بأحكام و أمور عبادية ليستحفظ بها خواصهم الروحية لافتقار الجامعة الصالحة و المدنية الفاضلة إلى ذلك و يتفرع على هذا الافتراض: 

  • أولا: أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعي. 

  • و ثانيا: أن الوحي هو انتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه. 

  • و ثالثا: أن الكتاب السماوي مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزهة عن التهوسات النفسانية و الأغراض النفسانية الشخصية. 

  • و رابعا: أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبر أمور الطبيعة أو قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها، و أن روح القدس مرتبة من الروح الطبيعية المادية تترشح منها هذه الأفكار المقدسة، و أن الشيطان مرتبة من الروح تترشح منها الأفكار الردية و تدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع، و على هذا الأسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الأنبياء كاللوح و القلم و العرش و الكرسي و الكتاب و الحساب و الجنة و النار بما يلائم الأصول المذكورة. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

88
  • و خامسا: أن الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحول بتحولها. 

  • و سادسا: أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرفة لنفع الدين و حفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار أو لحفظ مواقع أئمة الدين و رؤساء المذهب عن السقوط و الاضمحلال إلى غير ذلك مما أبدعه قوم و تبعهم آخرون. 

  • هذه جمل ما ذكروه و النبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلهية، و الكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام. 

  • و الذي يمكن أن يقال فيه هاهنا أن الكتب السماوية و البيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير و لا تناسبه أدنى مناسبة، و إنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض و ركونهم إلى مباحث المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة و تفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها و تعيدها إلى المادة الجامدة. 

  • و ما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير أنهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحس كالعرش و الكرسي و اللوح و القلم و الملائكة و نحوها من غير مساعدة الحس و التجربة على شي‌ء من ذلك، ثم لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية و جرى البحث على أساس الحس و التجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحس أو البعيدة عنه و أن يفسروها بما تعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم و يستحفظ بذلك عن السقوط. 

  • فهاتان الطائفتان بين باغ و عاد، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعا أمور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا و الواقع خلافه، و أما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البينة الواضحة، و طبقوها على حقائق مادية ينالها الحس و تصدقها التجربة مع أنها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

89
  • ليست بمقصوده، و لا البيانات اللفظية تنطبق على شي‌ء منها. 

  • و البحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف و اللغة ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ثم ينظر، هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شي‌ء خارج عن المادة و حكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن الطبيعة و للأمر الخارج عنها؟ فإن العلم الباحث عن المادة و خواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة و خواصها لا إثباتا و لا نفيا. 

  • و لو فعل شيئا منه باحث من بحاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا، و لنرجع إلى بقية الآيات. 

  • و قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنَّاسُ وَ اَلْحِجَارَةُ}. سوق الآيات من أول السورة و إن كانت لبيان حال المتقين و الكافرين و المنافقين (الطوائف الثلاث) جميعا لكنه سبحانه حيث جمعهم طرا في قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، و دعاهم إلى عبادته تقسموا لا محالة إلى مؤمن و غيره فإن هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها و عدمها غير القسمين: المؤمن و الكافر و أما المنافق‌ فإنما يتحقق بضم الظاهر إلى الباطن، و اللسان إلى القلب فكان هناك من جمع بين اللسان و القلب إيمانا أو كفرا و من اختلف لسانه و قلبه و هو المنافق، فلما ذكرنا (لعله) أسقط المنافقون من الذكر، و خص بالمؤمنين و الكافرين و وضع الإيمان مكان التقوى. 

  • ثم إن الوقود ما توقد به النار و قد نصت الآية على أنه نفس الإنسان، فالإنسان وقود و موقود عليه، كما في قوله تعالى أيضا: { ثُمَّ فِي اَلنَّارِ يُسْجَرُونَ } المؤمن - ٧٢ و قوله تعالى: {نَارُ اَللَّهِ اَلْمُوقَدَةُ اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ }: اللمزة - ٧، فالإنسان معذب بنار توقده نفسه، و هذه الجملة نظيره قوله تعالى: { كُلَّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا اَلَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً } البقرة - ٢٥، ظاهرة في أنه ليس للإنسان هناك إلا ما هيأه من هاهنا، كما- عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): كما تعيشون تموتون و كما 

  •  

تفسير الميزان ج۱

90
  • تموتون تبعثون‌ الحديث. و إن كان بين الفريقين فرق من حيث إن لأهل الجنة مزيدا عند ربهم. قال تعالى: { لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق - ٣٥. 

  • و المراد بالحجارة في قوله : { وَقُودُهَا اَلنَّاسُ وَ اَلْحِجَارَةُ } الأصنام‌ التي كانوا يعبدونها، و يشهد به قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية: الأنبياء - ٩٨، و الحصب‌ هو الوقود. 

  • و قوله تعالى: { لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } قرينة الأزواج تدل على أن المراد بالطهارة هي الطهارة من أنواع الأقذار و المكاره التي تمنع من تمام الالتيام و الألفة و الأنس من الأقذار و المكاره الخلقية و الخلقية. 

  • (بحث روائي) 

  • روى الصدوق، قال: سئل الصادق (علیه السلام) عن الآية - فقال: الأزواج المطهرة اللاتي لا يحضن و لا يحدثن. أقول: و في بعض الروايات تعميم الطهارة للبراءة عن جميع العيوب و المكاره 

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٢٦ الی ٢٧] 

  • {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَا ذا أَرَادَ اَللَّهُ بِهَذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ ٢٦ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ اَلْخَاسِرُونَ ٢٧ } 

  •  

تفسير الميزان ج۱

91
  • (بيان) المجازاة و تجسم الأعمال. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ} البعوضة الحيوان المعروف و هو من أصغر الحيوانات المحسوسة و هذه الآية و التي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد { أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‌ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ. اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ وَ لاَ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثَاقَ وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ }: الرعد - ١٩، ٢٠، ٢١. و كيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال و العمى ما يلحق الإنسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال و العمى الذي له في نفسه و من نفسه حيث يقول تعالى: 

  • { وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ}  فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه هذا. 

  • ثم إن الهداية و الإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة و الخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء و الأشقياء، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حياة طيبة، و يؤيدهم بروح الإيمان، و يخرجهم من الظلمات إلى النور و يجعل لهم نورا يمشون به، و هو وليهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و هو معهم يستجيب لهم إذا دعوه و يذكرهم إذا ذكروه، و الملائكة تنزل عليهم بالبشرى و السلام إلى غير ذلك. 

  • و وصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم و يخرجهم من النور إلى الظلمات و يختم على قلوبهم، و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة، و يطمس وجوههم على أدبارهم و يجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، و يجعل من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فيغشيهم فهم لا يبصرون، و يقيض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل و يحسبون أنهم مهتدون، و يزينون لهم أعمالهم، و هم أولياؤهم، و يستدرجهم الله من حيث لا يشعرون، و يملي لهم إن كيده متين، و يمكر بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون. 

  • فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين و ظاهرها أن للإنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ذات أصول و أعراق يعيش بها فيها، و سيطلع و يقف عليها عند انقطاع الأسباب و ارتفاع الحجاب، و يظهر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

92
  • من كلامه تعالى أيضا أن للإنسان حياة أخرى سابقة على حياته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها. و بعبارة أخرى إن للإنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا و حياة بعدها، و الحياة الثالثة تتبع حكم الثانية و الثانية حكم الأولى، فالإنسان و هو في الدنيا واقع بين حياتين: سابقة و لاحقة، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن. 

  • لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم الأول من الآيات و هي الواصفة للحياة السابقة على ضرب من لسان الحال و اقتضاء الاستعداد، و القسم الثاني منها و هي الواصفة للحياة اللاحقة على ضروب المجاز و الاستعارة هذا، إلا أن ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك. أما القسم الأول و هي آيات الذر و الميثاق فستأتي في مواردها، و أما القسم الثاني فكثير من الآيات دالة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال و عينها كقوله تعالى: { لاَ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } التحريم - ٧، و قوله تعالى: { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } الآية: البقرة - ٢٨١، و قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنَّاسُ وَ اَلْحِجَارَةُ } البقرة - ٢٤، و قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ اَلزَّبَانِيَةَ} العلق - ١٨، و قوله تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ } آل عمران - ٣٠، و قوله تعالى: { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنَّارَ} البقرة - ١٧٤، و قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } النساء - ١٠، إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و لعمري لو لم يكن في كتاب الله تعالى إلا قوله: { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ} ق - ٢٢، لكان فيه كفاية إذ الغفلة لا تكون إلا عن معلوم حاضر، و كشف الغطاء لا يستقيم إلا عن مغطى موجود فلو لم يكن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجودا حاضرا من قبل لما كان يصح أن يقال للإنسان إن هذه أمور كانت مغفولة لك، مستورة عنك فهي اليوم مكشوف عنها الغطاء، مزالة منها الغفلة. 

  • و لعمري إنك لو سألت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من غير مجاز لما أجابتك إلا بنفس هذه البيانات و الأوصاف التي نزل بها القرآن الكريم. 

  • و محصل الكلام أن كلامه تعالى موضوع على وجهين: 

  •  

تفسير الميزان ج۱

93
  • أحدهما: وجه المجازاة بالثواب و العقاب، و عليه عدد جم من الآيات، تفيد: 

  • أن ما سيستقبل الإنسان من خير أو شر كجنة أو نار إنما هو جزاء لما عمله في الدنيا من العمل. 

  • و ثانيهما: وجه تجسم الأعمال و عليه عدة أخرى من الآيات، و هي تدل على أن الأعمال تهيئ بأنفسها أو باستلزامها و تأثيرها أمورا مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيرا أو شرا هي التي سيطلع عليه الإنسان يوم يكشف عن ساق. و إياك أن تتوهم أن الوجهين متنافيان فإن الحقائق إنما تقرب إلى الأفهام بالأمثال المضروبة، كما ينص على ذلك القرآن. 

  • و قوله تعالى:  {إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ} الفسق‌ كما قيل من الألفاظ التي أبدع القرآن استعمالها في معناها المعروف، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها و جلدها و لذلك فسر بعده بقوله تعالى: { اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية، و النقض إنما يكون عن إبرام، و لذلك أيضا وصف الفاسقين في آخر الآية بالخاسرين و الإنسان إنما يخسر فيما ملكه بوجه، قال تعالى: { إِنَّ اَلْخَاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ } الشورى - ٤٥، و إياك أن تتلقى هذه الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو الأشقياء مثل المقربين و المخلصين و المخبتين و الصالحين و المطهرين و غيرهم، و مثل الظالمين و الفاسقين و الخاسرين و الغاوين و الضالين و أمثالها أوصافا مبتذلة أو مأخوذة لمجرد تزيين اللفظ، فتضطرب بذلك قريحتك في فهم كلامه تعالى فتعطف الجميع على واد واحد، و تأخذها هجاء عاميا و حديثا ساذجا سوقيا بل هي أوصاف كاشفة عن حقائق روحية و مقامات معنوية في صراطي السعادة و الشقاوة، كل واحد منها في نفسه مبدأ لآثار خاصة و منشأ لأحكام مخصوصة معينة، كما أن مراتب السن و خصوصيات القوى و أوضاع الخلقة في الإنسان كل منها منشأ لأحكام و آثار مخصوصة لا يمكننا أن نطلب واحدا منها من غير منشئه و محتده، و لئن تدبرت في مواردها من كلامه تعالى و أمعنت فيها وجدت صدق ما ادعيناه. 

  • بحث الجبر و التفويض الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين. 

  • و اعلم: أن بيانه تعالى أن الإضلال إنما يتعلق بالفاسقين يشرح كيفية تأثيره 

  •  

تفسير الميزان ج۱

94
  • تعالى في أعمال العباد و نتائجها (و هو الذي يراد حله في بحث الجبر و التفويض). 

  • بيان ذلك: أنه تعالى قال: { لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ}، البقرة - ٢٨٤، و قال: { لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ } الحديد - ٥، و قال: { لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ} التغابن - ١، فأثبت فيها و في نظائرها من الآيات الملك لنفسه على العالم بمعنى أنه تعالى مالك على الإطلاق ليس بحيث يملك على بعض الوجوه و لا يملك على بعض الوجوه، كما أن الفرد من الإنسان يملك عبدا أو شيئا آخر فيما يوافق تصرفاته أنظار العقلاء، و أما التصرفات السفهية فلا يملكها، و كذا العالم مملوك لله تعالى مملوكية على الإطلاق، لا مثل مملوكية بعض أجزاء العالم لنا حيث إن ملكنا ناقص إنما يصحح بعض التصرفات لا جميعها، فإن الإنسان المالك لحمار مثلا إنما يملك منه أن يتصرف فيه بالحمل و الركوب مثلا و أما أن يقتله عطشا أو جوعا أو يحرقه بالنار من غير سبب موجب فالعقلاء لا يرون له ذلك، أي كل مالكية في هذا الاجتماع الإنساني مالكية ضعيفة إنما تصحح بعض التصرفات المتصورة في العين المملوكة لا كل تصرف ممكن، و هذا بخلاف ملكه تعالى للأشياء فإنها ليس لها من دون الله تعالى من رب يملكها و هي لا تملك لنفسها نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا فكل تصرف متصور فيها فهو له تعالى، فأي تصرف تصرف به في عباده و خلقه فله ذلك من غير أن يستتبع قبحا و لا ذما و لا لوما في ذلك، إذ التصرف من بين التصرفات إنما يستقبح و يذم عليه فيما لا يملك المتصرف ذلك لأن العقلاء لا يرون له ذلك، فملك هذا المتصرف محدود مصروف إلى التصرفات الجائزة عند العقل، و أما هو تعالى فكل تصرف تصرف به فهو تصرف من مالك و تصرف في مملوك فلا قبح و لا ذم و لا غير ذلك، و قد أيد هذه الحقيقة بمنع الغير عن أي تصرف في ملكه إلا ما يشاؤه أو يأذن فيه و هو السائل المحاسب دون المسئول المأخوذ، فقال تعالى: { مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} البقرة - ٢٥٥، و قال تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} يونس - ٣، و قال تعالى: 

  • { لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ لَهَدَى اَلنَّاسَ جَمِيعاً } الرعد - ٣٣، و قال: { يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } النحل - ٩٣، و قال تعالى: { وَ مَا تَشَاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ } الدهر - ٣٠، و قال تعالى: { لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ} الأنبياء - ٢٣، فالله هو المتصرف 

  •  

تفسير الميزان ج۱

95
  • الفاعل في ملكه و ليس لشي‌ء غيره شي‌ء من ذلك إلا بإذنه و مشيته، فهذا ما يقتضيه ربوبيته. 

  • ثم إنا نرى أنه تعالى نصب نفسه في مقام التشريع و جرى في ذلك على ما يجري عليه العقلاء في المجتمع الإنساني، من استحسان الحسن و المدح و الشكر عليه و استقباح القبيح و الذم عليه كما قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ } البقرة - ٢٧١، و قال: { بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ } الحجرات - ١١، و ذكر أن تشريعاته منظور فيها إلى مصالح الإنسان و مفاسده مرعي فيها أصلح ما يعالج به نقص الإنسان فقال تعالى: 

  • { إِذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } الأنفال - ٢٤، و قال تعالى: { ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } الصف - ١١، و قال تعالى: { إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسَانِ }(إلى أن قال) { وَ يَنْهى‌ عَنِ اَلْفَحْشَاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ} النحل - ٩٠، و قال تعالى‌{ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } الأعراف - ٢٨، و الآيات في ذلك كثيرة، و في ذلك إمضاء لطريقة العقلاء في المجتمع، بمعنى أن هذه المعاني الدائرة عند العقلاء من حسن و قبح و مصلحة و مفسدة و أمر و نهي و ثواب و عقاب أو مدح و ذم و غير ذلك و الأحكام المتعلقة بها كقولهم: 

  • الخير يجب أن يؤثر و الحسن يجب أن يفعل، و القبيح يجب أن يجتنب عنه إلى غير ذلك، كما أنها هي الأساس للأحكام العامة العقلائية كذلك الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى لعباده مرعي فيها ذلك، فمن طريقة العقلاء أن أفعالهم يلزم أن تكون معللة بأغراض و مصالح عقلائية، و من جملة أفعالهم تشريعاتهم و جعلهم للأحكام و القوانين، و منها جعل الجزاء و مجازاة الإحسان بالإحسان و الإساءة بالإساءة إن شاءوا فهذه كلها معللة بالمصالح و الأغراض الصالحة، فلو لم يكن في مورد أمر أو نهي من الأوامر العقلائية ما فيه صلاح الاجتماع بنحو ينطبق على المورد لم يقدم العقلاء على مثله، و كل المجازاة إنما تكون بالمسانخة بين الجزاء و أصل العمل في الخيرية و الشرية و بمقدار يناسب و كيف يناسب، و من أحكامهم أن الأمر و النهي و كل حكم تشريعي لا يتوجه إلا إلى المختار دون المضطر و المجبر على الفعل و أيضا إن الجزاء الحسن أو السيئ أعني الثواب و العقاب لا يتعلقان إلا بالفعل الاختياري اللهم إلا فيما كان الخروج عن الاختيار و الوقوع في الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار كمن أوقع نفسه في اضطرار المخالفة فإن العقلاء لا يرون عقابه قبيحا، و لا يبالون بقصة اضطراره. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

96
  • فلو أنه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزاء المطيع بالجنة و العاصي بالنار إلا جزافا في مورد المطيع، و ظلما في مورد العاصي، و الجزاف و الظلم قبيحان عند العقلاء و لزم الترجيح من غير مرجح و هو قبيح عندهم أيضا و لا حجة في قبيح و قد قال تعالى: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ } النساء - ١٦٥، و قال تعالى {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‌ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } الأنفال - ٤٤، فقد اتضح بالبيان السابق أمور: 

  • أحدها: أن التشريع ليس مبنيا على أساس الإجبار في الأفعال، فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم و معادهم أولا، و هي متوجهة إلى العباد من حيث إنهم مختارون في الفعل و الترك ثانيا، و المكلفون إنما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم من خير أو شر اختيارا. 

  • ثانيها: أن ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الإضلال و الخدعة و المكر و الإمداد في الطغيان و تسليط الشيطان و توليته على الإنسان و تقييض القرين و نظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه و نزاهته تعالى عن ألواث النقص و القبح و المنكر، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الإضلال و شعبه و أنواعه، و ليس كل إضلال حتى الإضلال البدوي و على سبيل الإغفال بمنسوب إليه و لا لائق بجنابه، بل الثابت له الإضلال مجازاة و خذلانا لمن يستقبل بسوء اختياره ذلك كما قال تعالى: 

  • { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ} الآية،: البقرة - ٢٦ و قال: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ} الصف - ٥، و قال تعالى: {كَذلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} المؤمن - ٣٤. 

  • ثالثها: أن القضاء غير متعلق بأفعال العباد من حيث إنها منسوبة إلى الفاعلين بالانتساب الفعلي دون الانتساب الوجودي، و سيجي‌ء لهذا القول زيادة توضيح في التذييل الآتي و في الكلام على القضاء و القدر إن شاء الله تعالى. 

  • رابعها: أن التشريع كما لا يلائم الجبر كذلك لا يلائم التفويض، إذ لا معنى للأمر و النهي المولويين فيما لا يملك المولى منه شيئا، مضافا إلى أن التفويض لا يتم إلا مع سلب إطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

97
  • (بحث روائي) الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين.

  • استفاضت الروايات‌

  •  عن أئمة أهل البيت (علیه السلام) أنهم قالوا: (لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين‌ الحديث). 

  • و في العيون، بعدة طرق: لما انصرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) من صفين قام إليه شيخ ممن شهد الواقعة معه فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا من مسيرنا هذا أ بقضاء من الله و قدر، فقال له أمير المؤمنين: (أجل يا شيخ فوالله ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله و قدر)، فقال الشيخ عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال: (مهلا يا شيخ لعلك تظن قضاء حتما و قدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر، و لسقط معنى الوعد و الوعيد، و لم تكن على مسي‌ء لائمة و لا لمحسن محمدة، و لكان المحسن أولى باللائمة من المذنب و المذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و خصماء الرحمن و قدرية هذه الأمة و مجوسها. 

  • يا شيخ إن الله كلف تخييرا و نهى تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا و لم يعص مغلوبا، و لم يطع مكروها و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار الحديث.( 

  • أقول: قوله: بقضاء من الله و قدر إلى قوله: عند الله أحتسب عنائي. ليعلم أن من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام موردا للنقض و الإبرام، و تشاغبت فيه الأنظار مسألة الكلام و مسألة القضاء و القدر و إذ صوروا معنى القضاء و القدر و استنتجوا نتيجته فإذا هي أن الإرادة الإلهية الأزلية تعلقت بكل شي‌ء من العالم فلا شي‌ء من العالم موجودا على وصف الإمكان، بل إن كان موجودا فبالضرورة، لتعلق الإرادة بها و استحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته، و إن كان معدوما فبالامتناع لعدم تعلق الإرادة بها و إلا لكانت موجودة، و إذا أطردت هذه القاعدة في الموجودات وقع الإشكال في الأفعال الاختيارية الصادرة منا فإنا نرى في بادي النظر أن نسبة هذه الأفعال وجودا و عدما إلينا متساوية، و إنما يتعين واحد من الجانبين بتعلق الإرادة به 

  •  

تفسير الميزان ج۱

98
  • بعد اختيار ذلك الجانب فأفعالنا اختيارية، و الإرادة مؤثرة في تحققه سبب في إيجاده، و لكن، فرض تعلق الإرادة الإلهية الأزلية المستحيلة التخلف بالفعل يبطل اختيارية الفعل أولا، و تأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانيا و حينئذ لم يكن معنى للقدرة قبل الفعل على الفعل، و لا معنى للتكليف لعدم القدرة قبل الفعل و خاصة في صورة الخلاف و التمرد فيكون تكليفا بما لا يطاق، و لا معنى لإثابة المطيع بالجبر لأنه جزاف قبيح، و لا معنى لعقاب العاصي بالجبر لأنه ظلم قبيح إلى غير ذلك من اللوازم، و قد التزم الجميع هؤلاء الباحثون فقالوا القدرة غير موجودة قبل الفعل، و الحسن و القبح أمران غير واقعيين لا يلزم تقيد أفعاله تعالى بهما بل كل ما يفعله فهو حسن و لا يتصف فعله تعالى بالقبح، فلا مانع هناك من الترجيح بلا مرجح، و لا من الإرادة الجزافية، و لا من التكليف بما لا يطاق، و لا من عقاب العاصي و إن لم يكن النقصان من قبله إلى غير ذلك من التوالي تعالى عن ذلك. 

  • و بالجملة كان القول بالقضاء و القدر في الصدر الأول مساوقا لارتفاع الحسن و القبح و الجزاء بالاستحقاق و لذلك لما سمع الشيخ منه (علیه السلام) كون المسير بقضاء و قدر قال و هو في مقام التأثر و اليأس: عند الله أحتسب عنائي أي إن مسيري و إرادتي فاقدة الجدوى من حيث تعلق الإرادة الإلهية بها فلم يبق لي إلا العناء و التعب من الفعل فأحتسبه عند ربي فهو الذي أتعبني بذلك فأجاب عنه الإمام (علیه السلام) بقوله: لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب إلخ، و هو أخذ بالأصول العقلائية التي أساس التشريع مبني عليها و استدل في آخر كلامه (علیه السلام) بقوله: و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا إلخ، و ذلك لأن صحة الإرادة الجزافية التي هي من لوازم ارتفاع الاختيار يوجب إمكان تحقق الفعل من غير غاية و غرض و هو يوجب إمكان ارتفاع الغاية عن الخلقة و الإيجاد، و هذا الإمكان يساوق الوجوب، فلا غاية على هذا التقدير للخلقة و الإيجاد، و ذلك خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، و فيه بطلان المعاد و فيه كل محذور، و قوله و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكروها كان المراد لم يعص و الحال أن عاصية مغلوب بالجبر و لم يطع و الحال أن طوعه مكروه للمطيع. 

  • و في التوحيد، و العيون، عن الرضا (علیه السلام) قال: ذكر عنده الجبر و التفويض - فقال: 

  •  

تفسير الميزان ج۱

99
  •  أ لا أعلمكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه - و لا يخاصمكم عليه أحد إلا كسرتموه؟ قلنا إن رأيت ذلك، فقال إن الله عز و جل لم يطع بإكراه، و لم يعص بغلبة، و لم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، و القادر على ما أقدرهم عليه فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله منها صادا، و لا منها مانعا و إن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، و إن لم يحل فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال (علیه السلام) من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.

  • أقول: قد عرفت أن الذي ألزم المجبرة أن قالوا بما قالوا هو البحث في القضاء و القدر و استنتاج الحتم و اللزوم فيهما و هذا البحث صحيح و كذلك النتيجة أيضا نتيجة صحيحة غير أنهم أخطئوا في تطبيقها، و اشتبه عليهم أمر الحقائق و الاعتباريات، و اختلط عليهم الوجوب و الإمكان، توضيح ذلك أن القضاء و القدر على تقدير ثبوتهما ينتجان أن الأشياء في نظام الإيجاد و الخلقة على صفة الوجوب و اللزوم فكل موجود من الموجودات و كل حال من أحوال الموجود مقدرة محدودة عند الله سبحانه، معين له جميع ما هو معه من الوجود و أطواره و أحواله لا يتخلف عنه و لا يختلف، و من الواضح أن الضرورة و الوجوب من شئون العلة فإن العلة التامة هي التي إذا قيس إليها الشي‌ء صار متصفا بصفة الوجوب و إذا قيس إلى غيرها أي شي‌ء كان لم يصر إلا متصفا بالإمكان، فانبساط القدر و القضاء في العالم هو سريان العلية التامة و المعلولية في العالم بتمامه و جميعه، و ذلك لا ينافي سريان حكم القوة و الإمكان في العام من جهة أخرى و بنظر آخر، فالفعل الاختياري الصادر عن الإنسان بإرادته إذا فرض منسوبا إلى جميع ما يحتاج إليه في وجوده من علم و إرادة و أدوات صحيحة و مادة يتعلق بها الفعل و سائر الشرائط الزمانية و المكانية كان ضروري الوجود، و هو الذي تعلقت به الإرادة الإلهية الأزلية لكن كون الفعل ضروريا بالقياس إلى جميع أجزاء علته التامة و من جهتها لا يوجب كونه ضروريا إذا قيس إلى بعض أجزاء علته التامة، كما إذا قيس الفعل إلى الفاعل دون بقية أجزاء علته التامة فإنه لا يتجاوز حد الإمكان، و لا يبلغ البتة حد الوجوب فلا معنى لما زعموه أن عموم القضاء و تعلق الإرادة الإلهية بالفعل يوجب زوال القدرة و ارتفاع الاختيار، بل الإرادة الإلهية إنما تعلقت بالفعل بجميع شئونه و خصوصياته الوجودية و منها ارتباطاته بعلله و شرائط وجوده، و بعبارة أخرى تعلقت الإرادة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

100
  • الإلهية بالفعل الصادر من زيد مثلا لا مطلقا بل من حيث إنه فعل اختياري صادر من فاعل كذا في زمان كذا و مكان كذا فإذن تأثير الإرادة الإلهية في الفعل يوجب كون الفعل اختياريا و إلا تخلف متعلق الإرادة الإلهية عنها فإذن تأثير الإرادة الإلهية في صيرورة الفعل ضروريا يوجب كون الفعل اختياريا أي كون الفعل ضروريا بالنسبة إلى الإرادة الإلهية ممكنا اختياريا بالنسبة إلى الإرادة الإنسانية الفاعلية، فالإرادة في طول الإرادة و ليست في عرضها حتى تتزاحما، و يلزم من تأثير الإرادة الإلهية بطلان تأثير الإرادة الإنسانية فظهر أن ملاك خطإ المجبرة فيما أخطئوا فيه عدم تمييزهم كيفية تعلق الإرادة الإلهية بالفعل، و عدم فرقهم بين الإرادتين الطوليتين و بين الإرادتين العرضيتين و حكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلق إرادة الله تعالى به. 

  • و المعتزلة و إن خالفت المجبرة في اختيارية أفعال العبد و سائر اللوازم إلا أنهم سلكوا في إثباته مسلكا لا يقصر من قول المجبرة فسادا، و هو أنهم سلموا للمجبرة أن تعلق إرادة الله بالفعل يوجب بطلان الاختيار، و من جهة أخرى أصروا على اختيارية الأفعال الاختيارية فنفوا بالآخرة تعلق الإرادة الإلهية بالأفعال فلزمهم إثبات خالق آخر للأفعال و هو الإنسان، كما أن خالق غيرها هو الله سبحانه فلزمهم محذور الثنوية، ثم وقعوا في محاذير أخرى أشد مما وقعت فيه المجبرة كما

  •  قال (علیه السلام): مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من قدرته و سلطانه‌ الحديث. 

  • فمثل هذا مثل المولى من الموالي العرفية يختار عبدا من عبيده و يزوجه إحدى فتياته ثم يقطع له قطيعة و يخصه بدار و أثاث و غير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان في حياته إلى حين محدود و أجل مسمى، فإن قلنا إن المولى و إن أعطى لعبده ما أعطى و ملكه ما ملك فإنه لا يملك و أين العبد من الملك كان ذلك قول المجبرة، و إن قلنا إن للمولى بإعطائه المال لعبده و تمليكه جعله مالكا و انعزل هو عن المالكية و كان المالك هو العبد كان ذلك قول المعتزلة، و لو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين و قلنا: 

  • إن المولى مقامه في المولوية و للعبد مقامه في الرقية و إن العبد إنما يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في عين أن العبد مالك فهنا ملك على ملك كان ذلك القول الحق الذي رآه أئمة أهل البيت (علیه السلام)، و قام عليه البرهان هذا. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

101
  • و في الإحتجاج،: فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي - عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) في معنى الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية بن ربعي فقال له قل يا عباية، قال: و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: 

  • تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك فإن ملككها كان ذلك من عطائه و إن سلبكها كان ذلك من بلائه و هو المالك لما ملكك و القادر على ما عليه أقدرك‌ الحديث. 

  • أقول: و معنى الرواية واضح مما بيناه آنفا. 

  • و في شرح العقائد، للمفيد قال: و قد روي عن أبي الحسن الثالث (علیه السلام) أنه سئل عن أفعال العباد أ هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال (علیه السلام): لو كان خالقا لها لما تبرأ منها و قد قال سبحانه: {أَنَّ اَللَّهَ بَرِي‌ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ } و لم يرد البراءة من خلق ذواتهم و إنما تبرأ من شركهم و قبائحهم.

  •  أقول للأفعال جهتان: جهة ثبوت و وجود، و جهة الانتساب إلى الفاعل، و هذه الجهة الثانية هي التي تتصف بها الأفعال بأنها طاعة أو معصية أو حسنة أو سيئة، فإن النكاح و الزنا لا فرق بينهما من جهة الثبوت و التحقق، و إنما الفرق الفارق هو أن النكاح موافق لأمر الله تعالى، و الزنا فاقد للموافقة المذكورة، و كذا قتل النفس بالنفس و قتل النفس بغير نفس، و ضرب اليتيم تأديبا و ضربه ظلما، فالمعاصي فاقدة لجهة من جهات الصلاح أو لموافقة الأمر أو الغاية الاجتماعية بخلاف غيرها، و قد قال تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ} الزمر - ٦٢، و الفعل شي‌ء بثبوته و وجوده، و قد قال (علیه السلام): كل ما وقع عليه اسم شي‌ء فهو مخلوق ما خلا الله‌ الحديث ثم قال تعالى: { اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ} السجدة ٧، فتبين أن كل شي‌ء كما أنه مخلوق فهو في أنه مخلوق، حسن فالخلقة و الحسن متلازمان متصاحبان لا ينفك أحدهما عن الآخر أصلا، ثم إنه تعالى سمى بعض الأفعال سيئة فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزى‌ إِلاَّ مِثْلَهَا} الأنعام - ١٦٠، و هي المعاصي التي يفعلها الإنسان بدليل المجازاة، و علمنا بذلك أنها من حيث إنها معاص عدمية غير مخلوقة و إلا كانت حسنة، و قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الحديد - ٢٢، و قال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

102
  • إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} التغابن - ١١، و قال: {مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} الشورى - ٣٠، و قال: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللَّهِ وَ مَا أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} النساء - ٧٩، و قال: { وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } النساء - ٧٨، علمنا بذلك أن هذه المصائب إنما هي سيئات نسبية بمعنى أن الإنسان المنعم بنعمة من نعم الله كالأمن و السلامة و الصحة و الغنى يعد واجدا فإذا فقدها لنزول نازلة و إصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة إليه سيئة لأنها مقارنة لفقد ما و عدم ما، فكل نازلة فهي من الله و ليست من هذه الجهة سيئة و إنما هي سيئة نسبية بالنسبة إلى الإنسان و هو واجد، فكل سيئة فهي أمر عدمي غير منسوب من هذه الجهة إلى الله سبحانه البتة و إن كانت من جهة أخرى منسوبة إليه تعالى بالإذن فيه و نحو ذلك. 

  • و في قرب الإسناد، عن البزنطي، قال: قلت: للرضا (علیه السلام) إن أصحابنا بعضهم يقول: بالجبر، و بعضهم بالاستطاعة فقال لي: (اكتب، قال الله تبارك و تعالى يا بن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء و بقوتي أديت إلي فرائضي و بنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعا بصيرا قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك، و ذلك أني أولى بحسناتك منك و أنت أولى بسيئاتك مني، و ذلك أني لا أسأل عما أفعل و هم يسألون، فقد نظمت لك كل شي‌ء تريد الحديث) و هو أو ما يقربه مروي بطرق عامية و خاصية أخرى و بالجملة فالذي لا تنسب إلى الله سبحانه من الأفعال هي المعاصي من جهة أنها معاص خاصة، و بذلك يعلم معنى قوله (علیه السلام) في الرواية السابقة؛ لو كان خالقا لها لما تبرأ منها إلى قوله و إنما تبرأ من شركهم و قبائحهم الحديث. 

  • و في التوحيد؛، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (علیه السلام) قالا: إن الله عز و جل أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، و الله أعز من أن يريد أمرا فلا يكون قال: فسئلا (علیه السلام) هل بين الجبر و القدر منزلة ثالثة؟ قالا نعم أوسع مما بين السماء و الأرض. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

103
  • و في التوحيد، عن محمد بن عجلان، قال * قلت: لأبي عبد الله (علیه السلام) فوض الله الأمر إلى العباد؟ قال: الله أكرم من أن يفوض إليهم قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم فقال: الله أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ثم يعذبه عليه‌. 

  • و في التوحيد، أيضا عن مهزم، قال قال أبو عبد الله (علیه السلام): أخبرني عما اختلف فيه من خلفك من موالينا، قال: قلت: في الجبر و التفويض؟ قال: فاسألني قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: الله أقهر لهم من ذلك قلت: ففوض إليهم؟ قال: الله أقدر عليهم من ذلك، قال قلت فأي شي‌ء هذا، أصلحك الله؟ قال: فقلب يده مرتين أو ثلاثا ثم قال: لو أجبتك فيه لكفرت‌. 

  • أقول: قوله (علیه السلام): الله أقهر لهم من ذلك، معناه أن الجبر إنما هو لقهر من المجبر يبطل به مقاومة القوة الفاعلة، و أقهر منه و أقوى أن يريد المريد وقوع الفعل الاختياري من فاعله من مجرى اختياره فيأتي به من غير أن يبطل إرادته و اختياره أو ينازع إرادة الفاعل إرادة الآمر. 

  • و في التوحيد، أيضا عن الصادق (علیه السلام) قال: قال: رسول الله: من زعم أن الله يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب على الله و من زعم أن الخير و الشر بغير مشية الله فقد أخرج الله من سلطانه‌. 

  • و في الطرائف،: روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري و إلى عمرو بن عبيد و إلى واصل بن عطاء و إلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم و ما وصل إليهم في القضاء و القدر، فكتب إليه الحسن البصري إن أحسن ما انتهى إلي ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أنه قال: أ تظن أن الذي نهاك دهاك؟ و إنما دهاك أسفلك و أعلاك، و الله بري‌ء من ذاك. و كتب إليه عمرو بن عبيد أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) لو كان الزور في الأصل محتوما لكان المزور في القصاص مظلوما. و كتب إليه واصل بن عطاء أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) أ يدلك على الطريق و يأخذ عليك المضيق؟ و كتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء و القدر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

104
  • قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) كلما استغفرت الله منه فهو منك، و كلما حمدت الله عليه فهو منه فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج و وقف عليها قال لقد أخذوها من عين صافية و في الطرائف، أيضا روي: أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) عن القضاء و القدر فقال: ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، و ما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله يقول الله للعبد: لم عصيت، لم فسقت، لم شربت الخمر، لم زنيت؟ فهذا فعل العبد، و لا يقول له لم مرضت، لم قصرت، لم ابيضضت، لم اسوددت؟ لأنه من فعل الله تعالى. و في النهج،: سئل (علیه السلام) عن التوحيد و العدل فقال: التوحيد أن لا تتوهمه، و العدل أن لا تتهمه‌. 

  • أقول: و الأخبار فيما مر متكاثرة جدا غير أن الذي نقلناه حاو لمعاني ما تركناه و لئن تدبرت فيما تقدم من الأخبار وجدتها مشتملة على طرق خاصة عديدة من الاستدلال. 

  • منها: الاستدلال بنفس الأمر و النهي و العقاب و الثواب و أمثالها على تحقق الاختيار من غير جبر و لا تفويض، كما في الخبر المنقول عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) فيما أجاب به الشيخ، و هو قريب المأخذ مما استفدناه من كلامه تعالى. 

  • و منها: الاستدلال بوقوع أمور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض، كقوله تعالى: { لِلَّهِ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}، و قوله: { وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}، و قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} الآية، و يمكن أن يناقش فيه بأن الفعل إنما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا و أما إذا نسب إليه تعالى فلا يسمى فاحشة و لا ظلما فلا يقع منه تعالى فاحشة و لا ظلم، و لكن صدر الآية بمدلولها الخاص يدفعها فإنه تعالى يقول: {وَ إِذا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} الآية، فالإشارة بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللاحق متوجها إليه سواء سمي فحشاء أو لم يسم. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

105
  • و منها: الاستدلال من جهة الصفات و هو أن الله تسمى بأسماء حسني و اتصف بصفات عليا لا تصدق و لا تصح ثبوتها على تقدير جبر أو تفويض فإنه تعالى قهار قادر كريم رحيم، و هذه صفات لا تستقر معانيها إلا عند ما يكون وجود كل شي‌ء منه تعالى و نقص كل شي‌ء و فساده غير راجع إلى ساحة قدسه كما في الروايات التي نقلناها عن التوحيد. 

  • و منها: الاستدلال بمثل الاستغفار و عروض اللوم فإن الذنب لو لم يكن من العبد لم يكن معنى لاستغفاره و لو كان الفعل كله من الله لم يكن فرق بين فعل و فعل في عروض اللوم على بعضها و عدم عروضه على بعض آخر. 

  • و هاهنا روايات أخر مروية فيما ينسب إليه سبحانه من معنى الإضلال و الطبع و الإغواء و غير ذلك. 

  • ففي العيون، عن الرضا (علیه السلام): في قوله تعالى: {وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} قال (علیه السلام) إن الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه لكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر و الضلال منعهم المعاونة و اللطف و خلى بينهم و بين اختيارهم‌. 

  • و في العيون، أيضا عنه (علیه السلام): في قوله تعالى: {خَتَمَ اَللَّهُ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ}، قال: الختم‌ هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال الله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} و في المجمع، عن الصادق (علیه السلام): في قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي} الآية، هذا القول من الله رد على من زعم أن الله تبارك و تعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ضلالتهم‌ الحديث، أقول: قد مر بيان معناها. 

  • (بحث فلسفي) الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين. 

  • لا ريب أن الأمور التي نسميها أنواعا في الخارج هي التي تفعل الأفاعيل النوعية، و هي موضوعاتها، فإنا إنما أثبتنا وجود هذه الأنواع و نوعيتها الممتازة عن غيرها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

106
  • من طريق الآثار و الأفاعيل، بأن شاهدنا من طرق الحواس أفاعيل متنوعة و آثارا مختلفة من غير أن تنال الحواس في إحساسها أمرا وراء الآثار العرضية، ثم أثبتنا من طريق القياس و البرهان علة فاعلة لها و موضوعا يقومها ثم حكمنا باختلاف هذه الموضوعات أعني الأنواع لاختلاف الآثار و الأفاعيل المشهودة لنا، فالاختلاف المشهود في آثار الإنسان و سائر الأنواع الحيوانية مثلا هو الموجب للحكم بأن هناك أنواعا مختلفة تسمى بكذا و كذا و لها آثار و أفاعيل كذا و كذا، و كذا الاختلافات بين الأعراض و الأفاعيل إنما نثبتها و نحكم بها من ناحية موضوعاتها أو خواصها. 

  • و كيف كان فالأفاعيل بالنسبة إلى موضوعاتها تنقسم بانقسام أولي إلى قسمين: 

  • الأول: الفعل الصادر عن الطبيعة من غير دخل للعلم في صدوره كأفعال النشوء و النمو و التغذي للنبات و الحركات للأجسام، و من هذا القبيل الصحة و المرض و أمثال ذلك فإنها و إن كانت معلومة لنا و قائمة بنا إلا أن تعلق العلم بها لا يؤثر في وجودها و صدورها شيئا و إنما هي مستندة تمام الاستناد إلى فاعلها الطبيعي، و الثاني: الفعل الصادر عن الفاعل من حيث إنه معلوم تعلق به العلم كما في الأفعال الإرادية للإنسان و سائر ذوات الشعور من الحيوان، فهذا القسم من الفعل إنما يفعله فاعله من حيث تعلق العلم به و تشخيصه و تمييزه، فالعلم فيه إنما يفيد تعيينه و تمييزه من غيره و هذا التمييز و التعيين إنما يتحقق من جهة انطباق مفهوم يكون كمالا للفاعل انطباقا بواسطة العلم، فإن الفاعل أي فاعل كان إنما يفعل من الفعل ما يكون مقتضى كماله و تمام وجوده فالفعل الصادر عن العلم إنما يحتاج إلى العلم من جهة أن يتميز عند الفاعل ما هو كمال له عن ما ليس بكمال له. 

  • و من هنا ما نرى أن الأفعال الصادرة عن الملكات كصدور أصوات الحروف منظمة عن الإنسان المتكلم، و كذا الأفعال الصادرة عنها مع اقتضاء ما و مداخلة من الطبيعة كصدور التنفس عن الإنسان، و كذا الأفعال الصادرة عن الإنسان بغلبة الحزن أو الخوف أو غير ذلك كل ذلك لا يحتاج إلى ترو من الفاعل، إذ ليس هناك إلا صورة علمية واحدة منطبقة على الفعل و الفاعل لا حالة منتظرة لفعله، فيفعل البتة، و أما الأفعال التي لها صور علمية متعددة تكون هي من جهة بعضها مصداق 

  •  

تفسير الميزان ج۱

107
  • كمال الإنسان حقيقة أو تخيلا، و من جهة بعضها غير مصداق لكماله الحقيقي أو التخيلي كما أن الخبز بالنسبة إلى زيد الجائع كذلك فإنه مشبع رافع لجوعه و يمكن أن يكون مال الغير و يمكن أن يكون مسموما و يمكن أن يكون قذرا يتنفر عنه الطبع، و هكذا و الإنسان إنما يتروى فيما يتروى لترجيح أحد هذه العناوين في انطباقه على الخبز مثلا، فإذا تعين أحد العناوين و سقطت بقيتها و صار مصداقا لكمال الفاعل لم يلبث الفاعل في فعله أصلا، و القسم الأول: نسميه فعلا اضطراريا كالتأثيرات الطبيعية. و القسم الثاني: نسميه فعلا إراديا كالمشي و التكلم. 

  • و الفعل الإرادي: الصادر عن علم و إرادة ينقسم ثانيا إلى قسمين: فإن ترجيح أحد جانبي الفعل و الترك إما مستند إلى نفس الفاعل من غير أن يتأثر عن آخر كالجائع الذي يتروى في أكل خبز موجود عنده حتى رجح أن يبقيه و لا يأكله لأنه كان مال الغير من غير إذن منه في التصرف فانتخب الحفظ و اختاره أو رجح الأكل فأكله اختيارا، و إما أن يكون الترجيح و التعيين مستندا إلى تأثير الغير كمن يجبره جبار على فعل بتهديده بقتل أو نحوه ففعله إجبارا من غير أن يكون متعينا بانتخابه و اختياره و القسم الأول. 

  • يسمى فعلا اختياريا، و الثاني فعلا إجباريا هذا، و أنت تجد بجودة التأمل أن الفعل الإجباري و إن أسندناه إلى إجبار المجبر و أنه هو الذي يجعل أحد الطرفين محالا و ممتنعا بواسطة الإجبار فلا يبقى للفاعل إلا طرف واحد، لكن الفعل الإجباري أيضا كالاختياري لا يقع إلا بعد ترجيح الفاعل المجبور جانب الفعل على الترك و إن كان الذي يجبره هو المتسبب إلى الفعل بوجه، لكن الفعل ما لم يترجح بنظر الفاعل و إن كان نظره مستندا بوجه إلى إجبار المجبر و تهديده لم يقع، و الوجدان الصحيح شاهد على ذلك، و من هنا يظهر أن تقسيم الأفعال الإرادية إلى اختيارية و جبرية ليس تقسيما حقيقيا ينوع المقسم إلى نوعين مختلفين بحسب الذات و الآثار، فإن الفعل الإرادي إنما يحتاج إلى تعيين و ترجيح علمي يعين للفاعل مجرى فعله، و هو في الفعل الاختياري و الجبري على حد سواء، و أما أن ترجيح الفاعل في أحدهما مستند إلى رسله و في آخر إلى آخر فلا يوجب اختلافا نوعيا يؤدي إلى اختلاف الآثار. أ لا ترى أن المستظل تحت حائط إذا شاهد أن الحائط يريد أن ينقض، فخرج خائفا عد فعله هذا اختياريا؟ و أما إذا هدده جبار بأنه لو لم يقم لهدم الحائط عليه، فخرج خائفا عد فعله هذا إجباريا من غير فرق 

  •  

تفسير الميزان ج۱

108
  • بين الفعلين و الترجيحين أصلا غير أن أحد الترجيحين مستند إلى إرادة الجبار. 

  • فإن قلت: كفى فرقا بين الفعلين أن الفعل الاختياري يوافق في صدوره مصلحة عند الفاعل و هو فعل يترتب عليه المدح و الذم و يتبعه الثواب و العقاب إلى غير ذلك من الآثار، و هذا بخلاف الفعل الإجباري فإنه لا يترتب عليه شي‌ء من ذلك. 

  • قلت: الأمر على ما ذكر، غير أن هذه الآثار إنما هي بحسب اعتبار العقلاء على ما يوافق الكمال الأخير الاجتماعي، فهي آثار اعتبارية غير حقيقية، فليس البحث عن الجبر و الاختيار بحثا فلسفيا لأن البحث الفلسفي إنما ينال الموجودات الخارجية و آثارها العينية، و أما الأمور المنتهية إلى أنحاء الاعتبارات العقلائية، فلا ينالها بحث فلسفي و لا يشملها برهان البتة، و إن كانت معتبرة في بابها، مؤثرة أثرها، فالواجب أن نرد البحث المزبور من طريق آخر، فنقول: لا شك أن كل ممكن حادث مفتقر إلى علة، و الحكم ثابت من طريق البرهان، و لا شك أيضا أن الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد إذ الشي‌ء ما لم يتعين طرف وجوده بمعين كان نسبته إلى الوجود و العدم بالسوية، و لو وجد الشي‌ء و هو كذلك لم يكن مفتقرا إلى علة و هذا خلف، فإذا فرض وجود الشي‌ء كان متصفا بالضرورة ما دام موجودا، و هذه الضرورة إنما اكتسبها من ناحية العلة، فإذا أخذنا دار الوجود بأجمعها كانت كسلسلة مؤلفة من حلقات مترتبة متوالية كلها واجبة الوجود، و لا موقع لأمر ممكن الوجود في هذه السلسلة. 

  • ثم نقول: هذه النسبة الوجوبية إنما تنشأ عن نسبة المعلول إلى علتها التامة البسيطة أو المركبة من أمور كثيرة كالعلل الأربع و الشرائط و المعدات و أما إذا نسب المعلول المذكور إلى بعض أجزاء العلة أو إلى شي‌ء آخر لو فرض كانت النسبة نسبة الإمكان بالضرورة، بداهة أنه لو كانت بالضرورة كانت العلة التامة وجودها مستغنى عنه و هي علة تامة هذا خلف، ففي عالمنا الطبيعي نظامان: نظام الضرورة و نظام الإمكان، فنظام الضرورة منبسط على العلل التامة و معلولاتها و لا يوجد بين أجزاء هذا النظام أمر إمكاني البتة لا ذات و لا فعل ذات، و نظام الإمكان منبسط على المادة و الصور التي في قوة المادة التلبس بها و الآثار التي يمكنها أن تقبلها، فإذا فرضت فعلا من أفعال الإنسان الاختيارية و نسبتها إلى تمام علتها، و هي الإنسان و العلم و الإرادة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

109
  • و وجود المادة القابلة و تحقق الشرائط المكانية و الزمانية و ارتفاع الموانع، و بالجملة كل ما يحتاج إليه الفعل في وجوده كان الفعل واجبا ضروريا، و إذا نسب إلى الإنسان فقط، و من المعلوم أنه جزء من أجزاء العلة التامة كانت النسبة بالإمكان. 

  • ثم نقول: سبب الاحتياج و الفقر إلى العلة كما بين في محلة كون الوجود (و هو مناط الجعل) وجودا إمكانيا، أي رابطا بحسب الحقيقة غير مستقل بنفسه، فما لم ينته سلسلة الربط إلى مستقل بالذات لم ينقطع سلسلة الفقر و الفاقة. 

  • و من هنا يستنتج أولا: أن المعلول لا ينقطع بواسطة استناده إلى علته عن الاحتياج إلى العلة الواجبة التي إليها تنتهي سلسلة الإمكان. 

  • و ثانيا: أن هذا الاحتياج حيث كان من حيث الوجود كان الاحتياج في الوجود مع حفظ جميع خصوصياته الوجودية و ارتباطاته بعلله و شرائطه الزمانية و المكانية إلى غير ذلك. 

  • فقد تبين بهذا أمران: الأول: أن الإنسان كما أنه مستند الوجود إلى الإرادة الإلهية على حد سائر الذوات الطبيعية و أفعالها الطبيعية فكذلك أفعال الإنسان مستندة الوجود إلى الإرادة الإلهية، فما ذكره المعتزلة من كون الأفعال الإنسانية غير مرتبطة الوجود بالله سبحانه و إنكار القدر ساقط من أصله، و هذا الاستناد حيث إنه استناد وجودي فالخصوصيات الوجودية الموجودة في المعلول دخيلة فيه، فكل معلول مستند إلى علته بحده الوجودي الذي له، فكما أن الفرد من الإنسان إنما يستند إلى العلة الأولى بجميع حدوده الوجودية من أب و أم و زمان و مكان و شكل و كم و كيف و عوامل أخر مادية، فكذلك فعل الإنسان إنما يستند إلى العلة الأولى مأخوذا بجميع خصوصياته الوجودية، فهذا الفعل إذا انتسب إلى العلة الأولى و الإرادة الواجبة مثلا لا يخرجه ذلك عما هو عليه و لا يوجب بطلان الإرادة الإنسانية مثلا في التأثير، فإن الإرادة الواجبية إنما تعلقت بالفعل الصادر من الإنسان عن إرادة و اختيار، فلو كان هذا الفعل حين التحقق غير إرادي و غير اختياري لزم تخلف إرادته تعالى عن مراده و هو محال، فما ذهب إليه المجبرة من الأشاعرة من أن تعلق الإرادة الإلهية بالأفعال الإرادية يوجب بطلان تأثير الإرادة و الاختيار فاسد جدا، فالحق الحقيق بالتصديق 

  •  

تفسير الميزان ج۱

110
  • أن الأفعال الإنسانية لها نسبة إلى الفاعل و نسبة إلى الواجب و إحدى النسبتين لا توجب بطلان الأخرى لكونهما طوليتين لا عرضيتين. 

  • الثاني: أن الأفعال كما أن لها استنادا إلى عللها التامة (و قد عرفت أن هذه النسبة ضرورية وجوبية كسائر الموجودات المنسوبة إلى عللها التامة بالوجوب) كذلك لها استنادا إلى بعض أجزاء عللها التامة كالإنسان مثلا، و قد عرفت أن هذه النسبة بالإمكان فكون فعل من الأفعال ضروري الوجود بملاحظة علته التامة الضرورية لا يوجب عدم كون هذا الفعل ممكنا بنظر آخر، إذ النسبتان ثابتتان و هما غير متنافيتين كما مر فما ذكره جمع من الماديين من فلاسفة العصر الحاضر من شمول الجبر لنظام الطبيعة و إنكار الاختيار باطل جدا بل الحق أن الحوادث بالنسبة إلى عللها التامة واجبة الوجود بالنسبة إلى موادها و أجزاء عللها ممكنة الوجود، و هذا هو الملاك في أعمال الإنسان و أفعاله فبناؤه في جميع مواقف عمله على أساس الرجاء و التربية و التعليم و نحو ذلك، و لا معنى لابتناء الواجبات و الضروريات على التربية و التعليم، و لا الركون إلى الرجاء فيها و هو ظاهر

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٢٨ الی ٢٩] 

  • } كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى‌ إِلَى اَلسَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ ٢٩ 

  •  بيان

  • رجوع ثان إلى ما في بدء الكلام فإنه تعالى بعد ما بين في أول السورة ما بين أوضحه بنحو التلخيص بقوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ} إلى بضع آيات، ثم رجع 

  •  

تفسير الميزان ج۱

111
  • إليه ثانيا و أوضحه بنحو البسط و التفصيل بقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} إلى اثنتي عشرة آية، ببيان حقيقة الإنسان و ما أودعه الله تعالى فيه من ذخائر الكمال و ما تسعه دائرة وجوده و ما يقطعه هذا الموجود في مسير وجوده من منازل موت و حياة ثم موت ثم حياة ثم رجوع إلى الله سبحانه و إن إلى ربك المنتهى و فيه ذكر جمل ما خص الله تعالى به الإنسان من مواهب التكوين و التشريع، أنه كان ميتا فأحياه، ثم لا يزال يميته و يحييه حتى يرجعه إليه، و قد خلق له ما في الأرض و سخر له السماوات و جعله خليفته في الأرض و أسجد له ملائكته و أسكن أباه الجنة و فتح له باب التوبة و أكرمه بعبادته و هدايته، و هذا هو المناسب لسياق قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} إلخ، فإن السياق سياق العتبى و الامتنان. 

  • قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً}. الآية قريبة السياق من قوله تعالى: { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلى‌ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} المؤمن - ١١، و هذه من الآيات التي يستدل بها على وجود البرزخ بين الدنيا و الآخرة، فإنها تشتمل على إماتتين، فلو كان إحداهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بد في تصوير الإماتة الثانية من فرض حياة بين الموتين و هو البرزخ، و هو استدلال تام اعتنى به في بعض الروايات أيضا، و ربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين أعني قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} الآية، و قوله: {قَالُوا رَبَّنَا} الآية، متحدتا السياق، و قد اشتملتا على موتين و حياتين، فمدلولهما واحد، و الآية الأولى ظاهرة في أن الموت الأول هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحياة الدنيا، فالموت و الحياة الأوليان هما الموت قبل الحياة الدنيا و الحياة الدنيا، و الموت و الحياة الثانيتان هما الموت عن الدنيا و الحياة يوم البعث، و المراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الأولى، فلا معنى لدلالتها على البرزخ، و هو خطأ فإن الآيتين مختلفتان سياقا إذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد و إماتة واحدة و إحيائان، و في الآية الثانية إماتتان و إحيائان، و من المعلوم أن الإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حياة بخلاف الموت، فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثانية، فلا محالة في قوله تعالى، {أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ}، الإماتة الأولى هي التي بعد الدنيا و الإحياء الأول بعدها للبرزخ و الإماتة و الإحياء الثانيتان للآخرة يوم البعث، و في قوله تعالى. {وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}

  •  

تفسير الميزان ج۱

112
  • إنما يريد الموت قبل الحياة و هو موت و ليس بإماتة و الحياة هي الحياة الدنيا، و في قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} حيث فصل بين الإحياء و الرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا. 

  • قوله تعالى: {وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحول متكامل يسير في مسير وجوده المتبدل المتغير تدريجا و يقطعه مرحلة مرحلة، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدنيا ميتا ثم حيي بإحياء الله ثم يتحول بإماتة و إحياء و هكذا و قد قال سبحانه: {وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} السجدة - ٩، و قال تعالى: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ اَلْخَالِقِينَ } المؤمنون - ١٤، و قال تعالى، {وَ قَالُوا أَ إِذا ضَلَلْنَا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } السجدة - ١١، و قال تعالى. {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى‌} طه - ٥٥. و الآيات كما ترى (و سنزيدها توضيحا في محالها) تدل على أن الإنسان جزء من الأرض غير مفارقها و لا مباين معها، انفصل منها ثم شرع في التطور بأطواره حتى بلغ مرحلة أنشئ فيها خلقا آخر، فهو المتحول خلقا آخر و المتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثم يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه ثم يرجع إلى الله سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان. 

  • ثم إن الإنسان صاغه التقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضية و السماوية من بسائط العناصر و قواها المنبجسة منها و مركباتها من حيوان و نبات و معدن و غير ذلك من ماء أو هواء و ما يشاكلها، و كل موجود من الموجودات الطبيعية كذلك، أي إنه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل و ينفعل و يستبقي به موهبة وجوده غير أن نطاق عمل الإنسان و مجال سعيه أوسع؛ كيف؟ و هذا الموجود الأعزل على أنه يخالط الموجودات الآخر الطبيعية بالقرب و البعد و الاجتماع و الافتراق بالتصرفات البسيطة لغاية مقاصده البسيطة في حياته، فهو من جهة تجهيزه بالإدراك و الفكر يختص بتصرفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتفصيل و التركيب و الإفساد و الإصلاح، فما من موجود إلا و هو في تصرف الإنسان، فزمانا يحاكي ـ

  •  

تفسير الميزان ج۱

113
  • الطبيعة بالصناعة فيما لا يناله من الطبيعة و زمانا يقاوم الطبيعة بالطبيعة، و بالجملة فهو مستفيد لكل غرض من كل شي‌ء، و لا يزال مرور الدهور على هذا النوع العجيب يؤيده في تكثير تصرفاته و تعميق أنظاره ليحق الله الحق بكلماته، و ليصدق قوله: 

  • {سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} الجاثية - ١٣، و قوله: {ثُمَّ اِسْتَوى‌ إِلَى اَلسَّمَاءِ } البقرة -٢٩. و كون الكلام واقعا موقع بيان النعم لتمام الامتنان يعطي أن يكون الاستواء إلى السماء لأجل الإنسان فيكون تسويتها سبعا أيضا لأجله، و عليك بزيادة التدبر فيه. 

  • فذاك الذي ذكرناه من صراط الإنسان في مسير وجوده، و هذا الذي ذكرناه من شعاع عمله في تصرفاته في عالم الكون هو الذي يذكره سبحانه من العالم الإنساني و من أين يبتدي و إلى أين ينتهي. 

  • غير أن القرآن كما يعد مبدأ حياته الدنيوية آخذة في الشروع من الطبيعة الكونية و مرتبطة بها (أحيانا) كذلك يربطها بالرب تعالى و تقدس، فقال تعالى: 

  • {وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً} مريم - ٨، و قال تعالى: { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ } البروج - ١٣، فالإنسان‌ و هو مخلوق مربى في مهد التكوين مرتضع من ثدي الصنع و الإيجاد متطور بأطوار الوجود يرتبط سلوكه بالطبيعة الميتة، كما أنه من جهة الفطر و الإبداع مرتبط متعلق بأمر الله و ملكوته، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس - ٨٢، و قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْ‌ءٍ إِذا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: النحل - ٤٠، فهذا من جهة البدء و أما من جهة العود و الرجوع فيعد صراط الإنسان متشعبا إلى طريقين طريق السعادة و طريق الشقاوة، فأما طريق السعادة فهو أقرب الطرق يأخذ في الانتهاء إلى الرفيع الأعلى و لا يزال يصعد الإنسان و يرفعه حتى ينتهي به إلى ربه، و أما طريق الشقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الانتهاء إلى أسفل السافلين حتى ينتهي إلى رب العالمين، و الله من ورائهم محيط، و قد مر بيان ذلك في ذيل قوله تعالى: {اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ} من سورة الفاتحة. 

  • فهذا إجمال القول في صراط الإنسان، و أما تفصيل القول في حياته قبل الدنيا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

114
  • و فيها و بعد الدنيا فسيأتي كل في محله، غير أن كلامه تعالى إنما يتعرض لذلك من جهة ارتباطه بالهداية و الضلال و السعادة و الشقاء، و يطوي البحث عما دون ذلك إلا بمقدار يماس غرض القرآن المذكور. 

  • و قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، سيأتي الكلام في السماء في سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى

  • ‌ [سورة البقرة (٢): الآیات ٣٠الی ٣٣]

  • }وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٣٠وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٣١ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣ 

  • (بيان) 

  • الآيات تنبئ عن غرض إنزال الإنسان إلى الدنيا و حقيقة جعل الخلافة في الأرض و ما هو آثارها و خواصها، و هي على خلاف سائر قصصه لم يقع في القرآن إلا في محل واحد و هو هذا المحل. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

115
  • قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ} إلخ، سيأتي الكلام في معنى القول منه تعالى و كذا القول من الملائكة و الشيطان إن شاء الله. 

  • قوله تعالى: { قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ} إلى قوله‌{ وَ نُقَدِّسُ لَكَ } .

  • مشعر بأنهم إنما فهموا وقوع الإفساد و سفك الدماء من قوله سبحانه‌ { إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} حيث إن الموجود الأرضي بما أنه مادي مركب من القوى الغضبية و الشهوية، و الدار دار التزاحم، محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، مركباتها في معرض الانحلال، و انتظاماتها و إصلاحاتها في مظنة الفساد و مصب البطلان، لا تتم الحياة فيها إلا بالحياة النوعية، و لا يكمل البقاء فيها إلا بالاجتماع و التعاون، فلا تخلو من الفساد و سفك الدماء، ففهموا من هناك أن الخلافة المرادة لا تقع في الأرض إلا بكثرة من الأفراد و نظام اجتماعي بينهم يفضي بالآخرة إلى الفساد و السفك، و - الخلافة - و هي قيام شي‌ء مقام آخر لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شئونه الوجودية و آثاره و أحكامه و تدابيره بما هو مستخلف، و الله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال و الجلال، منزه في نفسه عن النقص و مقدس في فعله عن الشر و الفساد جلت عظمته، و الخليفة الأرضي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف و لا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص و شين الوجود الإلهي المقدس المنزه عن جميع النقائص و كل الأعدام، فأين التراب و رب الأرباب، و هذا الكلام من الملائكة في مقام تعرف ما جهلوه و استيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة، و ليس من الاعتراض و الخصومة في شي‌ء، و الدليل على ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: {إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ} حيث صدر الجملة بإن التعليلية المشعرة بتسلم مدخولها فافهم، فملخص قولهم يعود إلى أن جعل الخلافة إنما هو لأجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده و تقديسه له بوجوده، و الأرضية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد و الشر، و الغاية من هذا الجعل و هي التسبيح و التقديس بالمعنى الذي مر من الحكاية حاصلة بتسبيحنا بحمدك و تقديسنا لك، فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، فما فائدة جعل هذه الخلافة الأرضية لك؟ فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} .

  • معنى جعل الخلافة و تعليم الأسماء لآدم. 

  • و هذا السياق: يشعر أولا: بأن الخلافة المذكورة إنما كانت خلافة الله تعالى، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

116
  • لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان و انقرضوا ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما احتمله بعض المفسرين، و ذلك لأن الجواب الذي أجاب سبحانه به عنهم و هو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك، و على هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم (علیه السلام) بل بنوه يشاركونه فيها من غير اختصاص، و يكون معنى تعليم الأسماء إيداع هذا العلم في الإنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجا دائما و لو اهتدى إلى السبيل أمكنه أن يخرجه من القوة إلى الفعل، و يؤيد عموم الخلافة قوله تعالى { إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} الأعراف - ٦٩، و و قوله تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ} يونس - ١٤، و قوله تعالى { وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ} النمل - ٦٢. 

  • و ثانيا: إنه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد و سفك الدماء، و لا كذب الملائكة في دعواهم التسبيح و التقديس، و قررهم على ما ادعوا، بل إنما أبدى شيئا آخر و هو أن هناك أمرا لا يقدر الملائكة على حمله و لا تتحمله و يتحمله هذا الخليفة الأرضي فإنه يحكي عن الله سبحانه أمرا و يتحمل منه سرا ليس في وسع الملائكة، و لا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد و سفك الدماء، و قد بدل سبحانه قوله: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ثانيا بقوله: {أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} و المراد بهذا الغيب هو الأسماء لا علم آدم بها فإن الملائكة ما كانت تعلم أن هناك أسماء لا يعلمونها، لا أنهم كانوا يعلمون وجود أسماء كذلك و يجهلون من آدم أنه يعلمها، و إلا لما كان لسؤاله تعالى إياهم عن الأسماء وجه و هو ظاهر بل كان حق المقام أن يقتصر بقوله: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم حتى يتبين لهم أن آدم يعلمها لا أن يسأل الملائكة عن ذلك، فإن هذا السياق يعطي أنهم ادعوا الخلافة و أذعنوا انتفاءها عن آدم و كان اللازم أن يعلم الخليفة بالأسماء فسألهم عن الأسماء فجهلوها و علمها آدم، فثبت بذلك لياقته لها و انتفاؤها عنهم، و قد ذيل سبحانه السؤال بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} و هو مشعر بأنهم كانوا ادعوا شيئا كان لازمه العلم بالأسماء. 

  • و قوله تعالى: {وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ}، مشعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب و أن العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، و إلا كانت الملائكة بإنباء آدم إياهم بها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

117
  • عالمين و صائرين مثل آدم مساوين معه، و لم يكن في ذلك إكرام لآدم و لا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء و لم يعلمهم، و لو علمهم إياها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، و لم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم، و أي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلا علم اللغة ثم يباهي به و يتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي و قابل لكرامتي دونكم؟ و يقول تعالى أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم للإفهام و التفهيم إن كنتم صادقين في دعويكم أو مسألتكم خلافتي، على أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب و الملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلم، و إنما تتلقى المقاصد من غير واسطة، فلهم كمال فوق كمال التكلم، و بالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الأمرين كان ممكنا في حق الملائكة و في مقدرتهم دون الآخر، و آدم إنما استحق الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء دون إنبائها إذ الملائكة إنما قالوا في مقام الجواب: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} فنفوا العلم. 

  • فقد ظهر مما مر أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم و أعيان وجوداتهم، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية، و وجودات عينيه و هي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات و الأرض، و العلم بها على ما هي عليها كان أولا ميسورا ممكنا لموجود أرضي لا ملك سماوي و ثانيا دخيلا في الخلافة الإلهية. 

  • و {اَلْأَسْمَاءَ} في قوله تعالى: {وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، جمع محلى باللام و هو يفيد العموم على ما صرحوا به، مضافا إلى أنه مؤكد بقوله: {كُلَّهَا}، فالمراد بها كل اسم يقع لمسمى و لا تقييد و لا عهد، ثم قوله: {عَرَضَهُمْ} دال على كون كل اسم أي مسماه ذا حياة و علم و هو مع ذلك تحت حجاب الغيب، {غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}. و إضافة الغيب إلى السماوات و الأرض و إن أمكن أن يكون في بعض الموارد إضافة من، فيفيد التبعيض لكن المورد و هو مقام إظهار تمام قدرته تعالى و إحاطته و عجز الملائكة و نقصهم يوجب كون إضافة الغيب إلى السماوات و الأرض إضافة اللام، فيفيد أن الأسماء أمور غائبة عن العالم السماوي و الأرضي، خارج محيط الكون، و إذا تأملت هذه الجهات 

  •  

تفسير الميزان ج۱

118
  • أعني عموم الأسماء و كون مسمياتها أولي حياة و علم و كونها غيب السماوات و الأرض قضيت بانطباقها بالضرورة على ما أشير إليه في قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}، الحجر - ٢١، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما، يقع عليه اسم شي‌ء فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة، و لا مقدرة بقدر، و لا محدودة بحد، و أن القدر و الحد في مرتبة الإنزال و الخلق، و أن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير و التحديد بل تعدد المراتب و الدرجات، و سيجي‌ء بعض الكلام فيها في سورة الحجر إن شاء الله تعالى. 

  • فتحصل أن هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها و بركتها و اشتق كل ما في السماوات و الأرض من نورها و بهائها، و أنهم على كثرتهم و تعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، و لا يتفاوتون تفاوت الأشخاص، و إنما يدور الأمر هناك مدار المراتب و الدرجات و نزول الاسم من عند هؤلاء إنما هو بهذا القسم من النزول. 

  • و قوله تعالى: {وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} و كان هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات و الأرض، و لذلك قوبل به قوله: {أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضي و السماوي و غير الخارج عنه. 

  • و قوله تعالى: {كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تقييد الكتمان بقوله: {كُنْتُمْ} مشعر بأن هناك أمرا مكتوما في خصوص آدم و جعل خلافته، و يمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى‌ وَ اِسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ}

  • فيظهر أن إبليس كان كافرا قبل ذلك الحين، و أن إباءه عن السجدة كان مرتبطا بذلك فقد كان أضمره هذا. 

  • و يظهر بذلك أن سجدة الملائكة و إباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى: 

  • {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} و بين قوله: {أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ، و يظهر السر أيضا في تبديل قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، ثانيا بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

119
  • (بحث روائي)

  • في تفسير العياشي، عن الصادق (علیه السلام)، قال: ما علم الملائكة بقولهم: أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء، لو لا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها و يسفك الدماء أقول: يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الأخبار و لا ينافي ذلك ما مر أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى: 

  • {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً}، بل لا يتم الخبر بدون ذلك، و إلا كان هذا القول قياسا من الملائكة مذموما كقياس إبليس. 

  • و في تفسير العياشي، أيضا عنه (علیه السلام) قال زرارة: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فقال: أي شي‌ء عندك من أحاديث الشيعة فقلت: إن عندي منها شيئا كثيرا فقد هممت أن أوقد لها نارا فأحرقها - فقال (علیه السلام): وارها تنس ما أنكرت منها - فخطر على بالي الآدميون فقال: ما كان علم الملائكة حيث قالوا: {أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ} قال و كان يقول أبو عبد الله (علیه السلام): إذا حدث بهذا الحديث هو كسر على القدرية، ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): إن آدم (علیه السلام) كان له في السماء خليل من الملائكة، فلما هبط آدم من السماء إلى الأرض استوحش الملك و شكى إلى الله تعالى و سأله أن يأذن له، فأذن له فهبط عليه فوجده قاعدا في قفرة من الأرض، فلما رآه آدم وضع يده على رأسه و صاح صيحة، قال أبو عبد الله (علیه السلام): يروون أنه أسمع عامة الخلق فقال له الملك: يا آدم ما أراك إلا و قد عصيت ربك- و حملت على نفسك ما لا تطيق، أ تدري ما قال لنا الله فيك فرددنا عليه؟ قال: لا، قال: قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً}، قلنا {أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ} فهو خلقك أن تكون في الأرض أ يستقيم أن تكون في السماء؟ قال أبو عبد الله (علیه السلام) و الله عزى بها آدم ثلاثا.

  • أقول: و يستفاد من الرواية أن جنة آدم كانت في السماء و سيجي‌ء فيه روايات أخر أيضا. 

  • و في تفسير العياشي، أيضا عن أبي العباس عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال: سألته 

  •  

تفسير الميزان ج۱

120
  • عن قول الله: {وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، ما ذا علمه؟ قال الأرضين و الجبال و الشعاب و الأودية، ثم نظر إلى بساط تحته، فقال: و هذا البساط مما علمه. و في التفسير، أيضا عن الفضيل بن العباس عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال * سألته عن قول الله: {وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ما هي؟ قال: أسماء الأودية و النبات و الشجر و الجبال من الأرض. و في التفسير، أيضا عن داود بن سرحان العطار، قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فدعا بالخوان فتغذينا ثم دعا بالطست و الدست سنانه - فقلت: جعلت فداك، قوله: {وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} الطست و الدست سنانه منه فقال: (علیه السلام) الفجاج و الأودية و أهوى بيده كذا و كذا. و في المعاني، عن الصادق (علیه السلام): إن الله عز و جل علم آدم أسماء حججه كلها - ثم عرضهم و هم أرواح على الملائكة فقال: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم فقالو: { سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا - إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ }- قال الله تبارك و تعالى { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ }- فلما أنبئهم بأسمائهم - وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عز ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه - و حججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم و استعبدهم بولايتهم و محبتهم، و قال لهم: { أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ - وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.

  • أقول: و بالرجوع إلى ما مر من البيان تعرف معنى هذه الروايات و أن لا منافاة بين هذه و ما تقدمها، إذ قد تقدم أن قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} تعطي أنه ما من شي‌ء إلا و له في خزائن الغيب وجود، و إن هذه الأشياء التي قبلنا إنما وجدت بالنزول من هناك، و كل اسم وضع بحيال مسمى من هذه المسميات فهي اسم لما في خزائن الغيب، فسواء قيل: إن الله علم آدم ما في خزائن غيبه من الأشياء و هي غيب السماوات و الأرض، أو قيل: إنه علم آدم أسماء كل شي‌ء و هي غيب السماوات و الأرض كان المؤدى و النتيجة واحدا و هو ظاهر. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

121
  • و يناسب المقام عدة من أخبار الطينة كما- رواه في البحار، عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أول شي‌ء خلق الله ما هو؟ فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله - ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله، ثم جعله أقساما، فخلق العرش من قسم، و الكرسي من قسم، و حملة العرش و سكنة الكرسي من قسم، و أقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله، ثم جعله أقساما، فخلق القلم من قسم، و اللوح من قسم، و الجنة من قسم، و أقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله، ثم جعله أجزاء فخلق الملائكة من جزء، و الشمس من جزء و القمر من جزء، و أقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله، ثم جعله أجزاء، فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزء، و العصمة و التوفيق من جزء، و أقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور - و قطرت منه مائة ألف و أربعة و عشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي و رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء - فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء و الشهداء و الصالحين. أقول: و الأخبار في هذه المعاني كثيرة، متظافرة، و أنت إذا أجلت نظرة التأمل و الإمعان فيها وجدتها شواهد على ما قدمناه، و سيجي‌ء شطر من الكلام في بعضها. و إياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم و منابع الحكمة بأنها من اختلاقات المتصوفة و أوهامهم فللخلقة أسرار، و هو ذا العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهدا في البحث عن أسرار الطبيعة، منذ أخذ البشر في الانتشار، و كلما لاح لهم معلوم واحد بأن لهم مجاهيل كثيرة، و هي عالم الطبيعة أضيق العوالم و أخسها فما ظنك بما وراءها، و هي عوالم النور و السعة

  • [سورة البقرة (٢): آیة ٣٤] 

  • {وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى‌ وَ اِسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ ٣٤

  •  

تفسير الميزان ج۱

122
  • (بيان) 

  • قد عرفت أن قوله تعالى: {وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فيه دلالة على وقوع أمر مكتوم ظاهر بعد أن كان مكتوما، و لا يخلو ذلك عن مناسبة مع قوله: {أَبى‌ وَ اِسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ} حيث لم يعبر أبى و استكبر و كفر، و عرفت أيضا أن قصة السجدة كالواقعة أو هي واقعة بين قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، و قوله: {وَ أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فقوله تعالى: {وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ}، كالجملة المستخرجة من بين الجمل ليتخلص بها إلى قصة الجنة، فإن هذه الآيات كما عرفت إنما سيقت لبيان كيفية خلافة الإنسان و موقعه و كيفية نزوله إلى الدنيا و ما يئول إليه أمره من سعادة و شقاء، فلا يهم من قصة السجدة هاهنا إلا إجمالها المؤدي إلى قصة الجنة و هبوط آدم هذا، فهذا هو الوجه في الإضراب عن الإطناب إلى الإيجاز، و لعل هذا هو السر أيضا في الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله تعالى: {وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا}، بعد قوله: {وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ}. و على ما مر فنسبة الكتمان إلى الملائكة و هو فعل إبليس بناء على الجري على الدأب الكلامي من نسبة فعل الواحد إلى الجماعة إذا اختلط بهم و لم يتميز منهم، و يمكن أن يكون له وجه آخر، و هو أن يكون ظاهر قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً}، إطلاق الخلافة حتى على الملائكة كما يؤيده أيضا أمرهم ثانيا بالسجود، و يوجب ذلك خطورا في قلوب الملائكة، حيث إنها ما كانت تظن أن موجودا أرضيا يمكن أن يسود على كل شي‌ء حتى عليهم، و يدل على هذا المعنى بعض الروايات كما سيأتي. 

  • و قوله تعالى: {اُسْجُدُوا لِآدَمَ}، يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة إذا كان تحية و تكرمة للغير و فيه خضوع لله تعالى بموافقة أمره، و نظيره قوله تعالى في قصة يوسف (علیه السلام) {وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ: يَا أَبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}: يوسف - ١٠٠، و ملخص القول في ذلك أنك قد عرفت في سورة الفاتحة أن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام العبودية و إتيان ما يثبت و يستثبت به ذلك فالفعل العبادي يجب أن يكون فيه صلاحية إظهار مولوية المولى أو، عبدية العبد كالسجود و الركوع و القيام أمامه حينما يقعد، و المشي خلفه حينما يمشي 

  •  

تفسير الميزان ج۱

123
  • و غير ذلك، و كلما زادت الصلاحية المزبورة ازدادت العبادة تعينا للعبودية، و أوضح الأفعال في الدلالة على عز المولوية و ذل العبودية السجدة، لما فيها من الخرور على الأرض، و وضع الجبهة عليها، و أما ما ربما ظنه بعض: من أن السجدة عبادة ذاتية، فليس بشي‌ء، فإن الذاتي لا يختلف. و لا يتخلف و هذا الفعل يمكن أن يصدر بعينه من فاعله بداع غير داع التعظيم و العبادة كالسخرية و الاستهزاء فلا يكون عبادة مع اشتماله على جميع ما يشتمل عليه و هو عبادة نعم معنى العبادة أوضح في السجدة من غيرها، و إذا لم يكن عبادة ذاتية لم يكن لذاته مختصا بالله سبحانه، بناء على أن المعبود منحصر فيه تعالى، فلو كان هناك مانع لكان من جهة النهي الشرعي أو العقلي و الممنوع شرعا أو عقلا ليس إلا إعطاء الربوبية لغيره تعالى، و أما تحية الغير أو تكرمته من غير إعطاء الربوبية، بل لمجرد التعارف و التحية فحسب، فلا دليل على المنع من ذلك، لكن الذوق الديني المتخذ من الاستيناس بظواهره يقضي باختصاص هذا الفعل به تعالى، و المنع عن استعماله في غير مورده تعالى، و إن لم يقصد به إلا التحية و التكرمة فقط، و أما المنع عن كل ما فيه إظهار الإخلاص لله، بإبراز المحبة لصالحي عباده أو لقبور أوليائه أو آثارهم فمما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي أصلا، و سنعود إلى البحث عن هذا الموضوع في محل يناسبه إن شاء الله تعالى

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير العياشي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لما أن خلق الله آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له - فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنا نظن أن الله خلق خلقا أكرم عليه منا - فنحن جيرانه و نحن أقرب الخلق إليه. فقال الله{ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فيما أبدوا من أمر بني الجان و كتموا ما في أنفسهم، فلاذت الملائكة الذين قالوا ما قالوا بالعرش.

  • و في التفسير، أيضا عن علي بن الحسين (علیه السلام): ما في معناه و فيه: فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش، و أنها كانت عصابة من الملائكة - و هم الذين كانوا حول العرش، لم يكن جميع الملائكة إلى أن قال: فهم يلوذون حول العرش إلى يوم القيامة. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

124
  • أقول: يمكن أن يستفاد مضمون الروايتين من قوله حكاية عن الملائكة: {وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ} إلى قوله: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ}. 

  • و سيجي‌ء أن العرش هو العلم، و بذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت (علیه السلام) فافهم ذلك، و على هذا كان المراد من قوله تعالى: {وَ كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ} قوم إبليس من الجان المخلوقين قبل الإنسان. قال تعالى: {وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ اَلسَّمُومِ} الحجر - ٢٧، و على هذه الرواية فنسبة الكتمان إلى جميع الملائكة لا تحتاج إلى عناية زائدة، بل هي على حقيقته، فإن المعنى المكتوم خطر على قلوب جميع الملائكة، و لا منافاة بين هذه الرواية و ما تفيد أن المكتوم هو ما كان يكتمه إبليس من الإباء عن الخضوع لآدم، و الاستكبار لو دعي إلى السجود، لجواز استفادة الجميع كما هو كذلك. 

  • و في قصص الأنبياء، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): سجدت الملائكة و وضعوا أجباههم على الأرض؟ قال: نعم تكرمة من الله تعالى. - و في تحف العقول، قال: إن السجود من الملائكة لآدم - إنما كان ذلك طاعة لله و محبة منهم لآدم. - و في الاحتجاج، عن موسى بن جعفر عن آبائه: أن يهوديا سأل أمير المؤمنين (علیه السلام) - عن معجزات النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في مقابلة معجزات الأنبياء، فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا من هذا؟ فقال علي: لقد كان ذلك، و لكن أسجد الله لآدم ملائكته، فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة - أنهم عبدوا آدم من دون الله عز و جل، و لكن اعترافا لآدم بالفضيلة و رحمة من الله له و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله جل و علا صلى عليه في جبروته و الملائكة بأجمعها، و تعبد المؤمنون بالصلاة عليه فهذه زيادة له يا يهودي. - و في تفسير القمي، ":خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصورا، و كان يمر به إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت؟ فقال: العالم فقال إبليس: لئن أمرني الله 

  •  

تفسير الميزان ج۱

125
  • بالسجود لهذا لعصيته إلى أن قال: ثم قال الله تعالى للملائكة: {اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا } فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد. 

  • و في البحار، عن قصص الأنبياء، عن الصادق (علیه السلام) قال: أمر إبليس بالسجود لآدم - فقال: يا رب و عزتك إن أعفيتني من السجود لآدم - لأعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها، قال الله جل جلاله: إني أحب أن أطاع من حيث أريد - و قال: إن إبليس رن أربع رنات: أولهن يوم لعن، و يوم أهبط إلى الأرض، و يوم بعث محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) على فترة من الرسل، و حين أنزلت أم الكتاب، و نخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، و حين أهبط من الجنة، و قال في قوله تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} و كانت سوآتهما لا ترى فصارت ترى بارزة، و قال الشجرة التي نهي عنها آدم هي السنبلة.

  • أقول: و في الروايات، و هي كثيرة - تأييد ما ذكرناه في السجدة

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٣٥ الی ٣٩]

  • {وَ قُلْنَا يَا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ ٣٥ فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ ٣٦ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ ٣٧ قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٨ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٩ }

  •  

تفسير الميزان ج۱

126
  • (بيان)

  • قوله تعالى: {قُلْنَا يَا آدَمُ اُسْكُنْ}، على أن قصة سجود الملائكة لآدم تكررت في عدة مواضع من القرآن الكريم. لم يقع قصة الجنة إلا في ثلاث مواضع: 

  • أحدها: هاهنا من سورة البقرة. 

  • الثاني: في سورة الأعراف. قال الله تعالى: {وَ يَا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَلظّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَ قَالَ: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ. وَ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اَلنَّاصِحِينَ. فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمَا إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالاَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ. قَالَ: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ. قَالَ: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَ فِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ}: الآيات ١٩، ٢٥. 

  • و الثالث: في سورة طه. قال الله تعالى: {وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلى‌ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى‌. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‌. إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَ لاَ تَعْرى‌ وَ أَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَ لاَ تَضْحى‌. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ اَلشَّيْطَانُ قَالَ: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‌ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاَ يَبْلى‌. فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُمَا وَ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌. ثُمَّ اِجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‌. قَالَ: اِهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلاَ يَضِلُّ وَ لاَ يَشْقى‌. وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى‌. 

  • قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‌ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ: كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَ كَذلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسى‌}. الآيات. و سياق الآيات و خاصة قوله تعالى في صدر القصة: 

  • جنة آدم عليه السلام

  • {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} يعطي أن آدم (علیه السلام) إنما خلق ليحيا في الأرض و يموت 

  •  

تفسير الميزان ج۱

127
  • فيها و إنما أسكنهما الله الجنة لاختبارهما و لتبدو لهما سوآتهما حتى يهبطا إلى الأرض، و كذا سياق قوله تعالى في سورة طه: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ}، و في سورة الأعراف: {وَ يَا آدَمُ اُسْكُنْ} حيث سبك قصة الجنة مع قصة إسجاد الملائكة كلتيهما كقصة واحدة متواصلة، و بالجملة فهو (علیه السلام) كان مخلوقا ليسكن الأرض، و كان الطريق إلى الاستقرار في الأرض هذا الطريق، و هو تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثم أمرهم بالسجدة، ثم إسكان الجنة. و النهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها فيبدو لهما سوآتهما فيهبطا إلى الأرض، فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، و انتخاب الحياة الدنيوية ظهور السوأة، و هي العورة بقرينة قوله تعالى: {وَ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ} فهو التمايل الحيواني و يستلزم التغذي و النمو أيضا فما كان لإبليس هم إلا إبداء سوآتهما، و آدم و زوجته و إن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية بشرية ثم أدخلهما الجنة لم يمكثا بعد التسوية، و لم يمهلا كثيرا، ليتم في الدنيا إدراكهما لسوآتهما و لا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا و احتياجاتها حتى أدخلهما الله الجنة، و أنه إنما أدخلهما الله الجنة حين أدخلهما و لما ينفصلا و لما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح و الملائكة، و الدليل على ذلك قوله تعالى: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا} و لم يقل ما كان ووري عنهما، و هو مشعر بأن مواراة السوآة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة و إنما تمشت دفعة ما و استعقب ذلك إسكان الجنة فظهور السوآة كان مقضيا محتوما في الحياة الأرضية و مع أكل الشجرة، و لذلك قال تعالى: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‌}، و قال تعالى: 

  • {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} و أيضا هو تعالى غفر خطيئتهما بعد ما تابا و لم يرجعهما إلى الجنة بل أهبطهما إلى الدنيا ليحييا فيها و لو لم تكن الحياة الأرضية مع أكل الشجرة و ظهور السوآة حتما مقضيا، و الرجوع إلى الجنة مع ذلك محالا، لرجعا إليها بعد حط الخطيئة، فالعامل في خروجهما من الجنة و هبوطهما هو الأكل من الشجرة و ظهور السوآة، و كان ذلك بوسوسة الشيطان اللعين، و قد قال تعالى في سورة طه في صدر القصة: {وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلى‌ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. ثم ساق تعالى القصة. فهل هذا العهد هو قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ} أو أنه قوله تعالى: {إِنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ} أو أنه العهد بمعنى الميثاق العمومي المأخوذ من جميع الإنسان، و من الأنبياء خاصة بوجه آكد و أغلظ. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

128
  • و الاحتمال الأول غير صحيح لقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَ قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ. وَ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اَلنَّاصِحِينَ}الآيتان فهما قد كانا حين اقتراف الخطيئة و اقتراب الشجرة على ذكر من النهي، و قد قال تعالى: {فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }فالعهد المذكور ليس هو النهي عن قرب الشجرة و أما الاحتمال الثاني (و هو أن يكون العهد المذكور هو التحذير عن اتباع إبليس) فهو و إن لم يكن بالبعيد، كل البعيد، لكن ظواهر الآيات لا تساعد عليه فإن العهد مخصوص بآدم (علیه السلام) كما هو ظاهر الآية. 

  • مع أن التحذير عن إبليس كان لهما معا، و أيضا ذيل الآيات و هو على طبق صدرها في سورة طه يناسب العهد بمعنى الميثاق الكلي، لا العهد بمعنى التحذير عن إبليس، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلاَ يَضِلُّ وَ لاَ يَشْقى‌ وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى‌} الآيات فبحسب التطبيق ينطبق قوله تعالى: {وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} على نسيان العهد و هو كما ترى مع العهد بمعنى الميثاق على الربوبية و العبودية أنسب منه مع التحذير من إبليس، إذ لا كثير مناسبة بحسب المفهوم بين الإعراض عن الذكر و اتباع إبليس، و أما الميثاق على الربوبية فهو له أنسب، فإن الميثاق على الربوبية هو أن لا ينسى الإنسان كونه تعالى ربا له أي مالكا مدبرا أي لا ينسى الإنسان أبدا و لا في حال أنه مملوك طلق لا يملك لنفسه شيئا لا نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، أي لا ذاتا و لا وصفا و لا فعلا. 

  • و الخطيئة التي تقابله هو إعراض الإنسان عن ذكر مقام ربه و الغفلة عنه بالالتفات إلى نفسه أو ما يعود و يرجع إلى نفسه من زخارف الحياة الدنيا الفانية البالية هذا. 

  • لكنك إذا أمعنت النظر في الحياة الدنيا على اختلاف جهاتها و تشتت أطرافها و أنحائها و وحدتها و اشتراكها بين المؤمن و الكافر وجدتها بحسب الحقيقة و الباطن مختلفة في الموردين بحسب ذوق العلم بالله تعالى و الجهل به فالعارف بمقام ربه إذا نظر إلى نفسه و كذلك إلى الحياة الدنيا الجامعة لأقسام الكدورات و أنواع الآلام و ضروب المكاره من موت و حياة، و صحة و سقم، و سعة و إقتار، و راحة و تعب، و وجدان و فقدان. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

129
  • على أن الجميع (أعم مما في نفس الإنسان أو في غيره) مملوكة لربه، لا استقلال لشي‌ء منها و فيها، بل الكل ممن ليس عنده إلا الحسن و البهاء و الجمال و الخير على ما يليق بعزته و جلاله، و لا يترشح من لدنه إلا الجميل و الخير، فإذا نظر إليها و هي هكذا لم ير مكروها يكرهه و لا مخوفا يخافه، و لا مهيبا يهابه، و لا محذورا يحذره، بل يرى كل ما يراه حسنا محبوبا إلا ما يأمره ربه أن يكرهه و يبغضه، و هو مع ذلك يكرهه لأمره، و يحب ما يحب و يلتذ و يبتهج بأمره، لا شغل له إلا بربه، كل ذلك لما يرى الجميع ملكا طلقا لربه لا نصيب و لا حظ لشي‌ء غيره في شي‌ء منها، فما له و لمالك الأمر و ما يتصرف به في ملكه؟ من إحياء و إماتة، و نفع و ضر و غيرها، فهذه هي الحياة الطيبة التي لا شقاء فيها البتة و هي نور لا ظلمة معه، و سرور لا غم معه، و وجدان لا فقد معه، و غنى لا فقر معه كل ذلك بالله سبحانه، و في مقابل هذه الحياة حياة الجاهل بمقام ربه، إذ هذا المسكين بانقطاعه عن ربه لا يقع بصره على موجود من نفسه و غيره إلا رآه مستقلا بنفسه ضارا أو نافعا خيرا أو شرا فهو يتقلب في حياته بين الخوف عما يخاف فوته، و الحذر عما يحذر وقوعه، و الحزن لما يفوته، و الحسرة لما يضيع عنه من جاه أو مال أو بنين أو أعوان و سائر ما يحبه و يتكل و يعتمد عليه و يؤثره. 

  • كلما نضج جلده بالاعتياد بمكروه و السكون إلى مرارة بدل جلدا غيره، ليذوق العذاب بفؤاد مضطرب قلق، و حشى ذائب محترق، و صدر ضيق حرج، كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. 

  • إذا عرفت هذا علمت: أن مرجع الأمرين أعني نسيان الميثاق و شقاء الحياة الدنيا واحد، و أن الشقاء الدنيوي من فروع نسيان الميثاق. 

  • و هذا هو الذي يشعر به كلامه سبحانه حيث أتى بالتكليف الجامع لأهل الدنيا في سورة طه فقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلاَ يَضِلُّ وَ لاَ يَشْقى‌. وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى‌}. 

  • و بدل ذلك في هذه السورة من قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .

  •  

تفسير الميزان ج۱

130
  • و من هنا تحدس إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في اقترابها تعب الحياة الدنيا و شقاؤها، و هو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسيا لربه، غافلا عن مقامه، و أن آدم (علیه السلام) كأنه أراد أن يجمع بينها و بين الميثاق المأخوذ عليه، فلم يتمكن فنسي الميثاق و وقع في تعب الحياة الدنيا، ثم تدورك له ذلك بالتوبة. 

  • قوله تعالى: {وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً}الرغد الهناء و طيب العيش و أرغد القوم مواشيهم تركوها ترعى كيف شاءت، و قوم رغد، و نساء رغد، أي ذوو عيش رغيد. 

  • و قوله تعالى: {وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ}و كأن النهي إنما كان عن أكل الثمرة و إنما تعلق بالقرب من الشجرة إيذانا بشدة النهي و مبالغة في التأكيد و يشهد بذلك قوله تعالى {فَلَمَّا ذاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}: الأعراف - ٢٢. 

  • و قوله تعالى: { فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}: طه - ١٢١، فكانت المخالفة بالأكل فهو المنهي عنه بقوله: {وَ لاَ تَقْرَبَا{ 

  • قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ}، من الظلم لا من الظلمة على ما احتمله بعضهم و قد اعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا}

  • إلا أنه تعالى بدل في سورة طه هذه الكلمة أعني قوله: {فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ} من قوله {فَتَشْقى‌} و الشقاء هو التعب ثم فسر التعب و فصله، فقال: { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَ لاَ تَعْرى‌ وَ أَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَ لاَ تَضْحى‌} الآيات. 

  • و من هنا يظهر أن وبال هذا الظلم إنما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الدنيا من جوع و عطش و عراء و عناء و على هذا فالظلم منهما إنما هو ظلمهما لأنفسهما، لا بمعنى المعصية المصطلحة و الظلم على الله سبحانه. و من هنا يظهر أيضا أن هذا النهي أعني قوله: 

  • {وَ لاَ تَقْرَبَا}، إنما كان نهيا تنزيهيا إرشاديا يرشد به إلى ما فيه خير المكلف و صلاحه في مقام النصح لا نهيا مولويا. 

  • فهما إنما ظلما أنفسهما في ترك الجنة على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي 

  •  

تفسير الميزان ج۱

131
  • يتبدل بالتوبة إذا قبلت و لم يتبدل في موردهما، فإنهما تابا و قبلت توبتهما و لم يرجعا إلى ما كانا فيه من الجنة و لو لا أن التكليف إرشادي ليس له إلا التبعة التكوينية دون التشريعية لاستلزام قبول التوبة رجوعهما إلى ما كانا فيه من مقام القرب و سيأتي لهذا الكلام بقية فيما سيأتي إن شاء الله. 

  • قوله سبحانه: {فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطَانُ}، الظاهر من هذه الجملة كنظائرها و إن لم يكن أزيد من وسوسة الشيطان لهما مثل ما يوسوس لنا (بني آدم) على نحو إلقاء الوسوسة في القلب من غير رؤية الشخص. 

  • لكن الظاهر من أمثال قوله تعالى في سورة طه: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ}يدل على أنه تعالى أراهما الشيطان و عرفهما إياه بالشخص و العين دون الوصف و كذا قوله تعالى حكاية عن الشيطان: { يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‌ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ} الآية حيث أتى بالكلام في صورة حكاية الخطاب، و يدل ذلك على متكلم مشعور به. 

  • و كذا قوله تعالى في سورة الأعراف: { وَ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اَلنَّاصِحِينَ} و القسم إنما يكون من مقاسم مشعور به. 

  • و كذا قوله تعالى: { وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمَا إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}كل ذلك يدل على أنه كان يتراءى لهما و كانا يشاهدانه. 

  • و لو كان حالهما (علیه السلام) مثل حالنا من عدم المشاهدة حين الوسوسة لجاز لهما أن يقولا: ربنا إننا لم نشعر و خلنا أن هذه الوساوس هي من أفكارنا من غير استشعار بحضوره، و لا قصد لمخالفة ما وصيتنا به من التحذير من وسوسته. 

  • و بالجملة فهما كانا يشاهدانه و يعرفانه، و الأنبياء و هم المعصومون بعصمة الله كذلك يعرفونه و يشاهدونه حين تعرضه بهم لو تعرض على ما وردت به الروايات في نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و يحيى و أيوب و إسماعيل و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) هذا. 

  • و كذا ظاهر هذه الآيات كظاهر قوله تعالى: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ} 

  •  

تفسير الميزان ج۱

132
  • حيث ينبئ عن كونهما معه لعنه الله بحيال الشجرة في الجنة، فقد كان دخل الجنة، و صاحبهما و غرهما بوسوسته، و لا محذور فيه إذ لم تكن الجنة جنة الخلد حتى لا يدخلها الشيطان، و الدليل على ذلك خروجهم جميعا من هذه الجنة. 

  • و أما قوله تعالى خطابا لإبليس: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ}: الأعراف - ١٣، فيمكن أن يكون المراد به الخروج من الملائكة، أو الخروج من السماء من جهة كونها مقام قرب و تشريف. 

  • قوله تعالى: {وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الآية ظاهر السياق أنه خطاب لآدم و زوجته و إبليس و قد خص إبليس وحده بالخطاب في سورة الأعراف حيث قال: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} الآية فقوله تعالى: 

  • {اِهْبِطُوا} كالجمع بين الخطابين و حكاية عن قضاء قضى الله به العداوة بين إبليس لعنه الله و بين آدم و زوجته و ذريتهما، و كذلك قضى به حياتهم في الأرض و موتهم فيها و بعثهم منها. 

  • و ذرية آدم مع آدم في الحكم كما ربما يستشعر من ظاهر قوله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَ فِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ} الآية و كما سيأتي في قوله تعالى: { وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ }الآية من سورة الأعراف. 

  • إن إسجاد الملائكة لآدم (علیه السلام) إنما كان من جهة أنه خليفة أرضي، فكان المسجود له آدم و حكم السجدة لجميع البشر، فكان أقامه آدم (علیه السلام) مقام المسجود له معنونا بعنوان الأنموذج و النائب. 

  • و بالجملة يشبه أن تكون هذه القصة التي قصها الله تعالى من إسكان آدم و زوجته الجنة، ثم إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة و الكرامة بسكونه حظيرة القدس، و منزل الرفعة و القرب، و دار نعمة و سرور، و أنس و نور، و رفقاء طاهرين، و أخلاء روحانيين، و جوار رب العالمين. 

  • ثم إنه يختار مكانه كل تعب و عناء و مكروه و ألم بالميل إلى حياة فانية، و جيفة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

133
  • منتنة دانية، ثم إنه لو رجع بعد ذلك إلى ربه لأعاده إلى دار كرامته و سعادته و لو لم يرجع إليه و أخلد إلى الأرض و اتبع هواه فقد بدل نعمة الله كفرا و أحل بنفسه دار البوار، جهنم يصلاها و بئس القرار. 

  • قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}، التلقي‌ هو التلقن، و هو أخذ الكلام مع فهم و فقه و هذا التلقي كان هو الطريق المسهل لآدم (علیه السلام) توبته. 

  • و من ذلك يظهر أن التوبة توبتان: توبة من الله تعالى و هي الرجوع إلى العبد بالرحمة، و توبة من العبد و هي الرجوع إلى الله بالاستغفار و الانقلاع من المعصية. 

  • و توبة العبد، محفوفة بتوبتين من الله تعالى، فإن العبد لا يستغني عن ربه في حال من الأحوال، فرجوعه عن المعصية إليه يحتاج إلى توفيقه تعالى و إعانته و رحمته حتى يتحقق منه التوبة، ثم تمس الحاجة إلى قبوله تعالى و عنايته و رحمته، فتوبة العبد إذا قبلت كانت بين توبتين من الله كما يدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا }: التوبة - ١١٩. 

  • و قراءة نصب آدم و رفع كلمات تناسب هذه النكتة، و إن كانت القراءة الأخرى (و هي قراءة رفع آدم و نصب كلمات) لا تنافيه أيضا. 

  • و أما أن هذه الكلمات ما هي؟ فربما يحتمل أنها هي ما يحكيه الله تعالى عنهما في سورة الأعراف بقوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ}: الأعراف - ٢٣، إلا أن وقوع هذه الكلمات أعني قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا}الآية قبل قوله: {قُلْنَا اِهْبِطُوا}في سورة الأعراف و وقوع قوله {فَتَلَقَّى آدَمُ}الآية بعد قوله: {قُلْنَا اِهْبِطُوا}، في هذه السورة لا يساعد عليه. 

  • لكن هاهنا شي‌ء: و هو أنك عرفت في صدر القصة أن الله تعالى حيث قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً}، قالت الملائكة: {أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ} الآية و هو تعالى لم يرد عليهم دعواهم على الخليفة الأرضي بما رموه به و لم يجب عنه بشي‌ء إلا أنه علم آدم الأسماء كلها. 

  • و لو لا أنه كان فيما صنعه تعالى من تعليم الأسماء ما يسد باب اعتراضهم ذلك لم 

  •  

تفسير الميزان ج۱

134
  • ينقطع كلامهم و لا تمت الحجة عليهم قطعا. ففي جملة ما علمه الله تعالى آدم من الأسماء أمر ينفع العاصي إذا عصى و المذنب إذا أذنب، فلعل تلقيه من ربه كان متعلقا بشي‌ء من تلك الأسماء فافهم ذلك. 

  • و اعلم أن آدم (علیه السلام) و إن ظلم نفسه في إلقائها إلى شفا جرف الهلكة و منشعب طريقي السعادة و الشقاوة أعني الدنيا، فلو وقف في مهبطه فقد هلك، و لو رجع إلى سعادته الأولى فقد أتعب نفسه و ظلمها، فهو (علیه السلام) ظالم لنفسه على كل تقدير، إلا أنه (علیه السلام) هيأ لنفسه بنزوله درجة من السعادة و منزلة من الكمال ما كان ينالها لو لم ينزل و كذلك ما كان ينالها لو نزل من غير خطيئة. 

  • فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر و المذلة و المسكنة و الحاجة و القصور و له في كل ما يصيبه من التعب و العناء و الكد روح و راحة في حظيرة القدس و جوار رب العالمين، فلله تعالى صفات من عفو و مغفرة و توبة و ستر و فضل و رأفة و رحمة لا ينالها إلا المذنبون، و له في أيام الدهر نفحات لا يرتاح بها إلا المتعرضون. 

  • فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه و تنظيف المنزل الذي يرجى سكونه، فوراءها تشريع الدين و تقويم الملة. 

  • و يدل على ذلك ما تراه أن الله تعالى يكرر في كلامه تقدم التوبة على الإيمان. 

  • قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ}: هود - ١١٢، و قال: {وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَ آمَنَ}: طه - ٨٢، إلى غير ذلك من الآيات. 

  • قوله تعالى: {قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً}. و هذا أول ما شرع من الدين لآدم (علیه السلام) و ذريته، أوجز الدين كله في جملتين لا يزاد عليه شي‌ء إلى يوم القيامة. 

  • و أنت إذا تدبرت هذه القصة (قصة الجنة) و خاصة ما وقع في سورة طه وجدت أن المستفاد منها أن جريان القصة أوجب قضاءين منه تعالى في آدم و ذريته، فأكل الشجرة أوجب حكمه تعالى و قضاءه بالهبوط و الاستقرار في الأرض و الحياة ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

135
  • فيها تلك الحياة الشقية التي حذرا منها حين نهيا عن اقتراب الشجرة هذا. 

  • و أن التوبة ثانيا: تعقب قضاء و حكما ثانيا منه تعالى بإكرام آدم و ذريته بالهداية إلى العبودية فالمقضي أولا كان نفس الحياة الأرضية، ثم بالتوبة طيب الله تلك الحياة بأن ركب عليها الهداية إلى العبودية، فتألفت الحياة من حياة أرضية، و حياة سماوية. 

  • و هذا هو المستفاد من تكرار الأمر بالهبوط في هذه السورة حيث قال تعالى: 

  • {وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ} الآية و قال تعالى: {قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً} الآية. 

  • و توسيط التوبة بين الأمرين بالهبوط مشعر بأن التوبة وقعت و لما ينفصلا من الجنة و إن لم يكونا أيضا فيها كاستقرارهما فيها قبل ذلك. 

  • يشعر بذلك أيضا قوله تعالى: {وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ} الآية بعد ما قال لهما: لا تقربا هذه الشجرة فأتى بلفظة تلكما و هي إشارة إلى البعيد بعد ما أتى بلفظة هذه و هي إشارة إلى القريب و عبر بلفظة نادى و هي للبعيد بعد ما أتى بلفظة قال و هي للقريب فافهم. 

  • و اعلم أن ظاهر قوله تعالى: {وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ}الآية و قوله تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَ فِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ}الآية أن نحوة هذه الحياة بعد الهبوط تغاير نحوها في الجنة قبل الهبوط، و أن هذه حياة ممتزجة حقيقتها بحقيقة الأرض ذات عناء و شقاء يلزمها أن يتكون الإنسان في الأرض ثم يعاد بالموت إليها ثم يخرج بالبعث منها. 

  • فالحياة الأرضية تغاير حياة الجنة فحياتها حياة سماوية غير أرضية. 

  • و من هنا يمكن أن يجزم أن جنة آدم كانت في السماء، و إن لم تكن جنة الآخرة جنة الخلد التي لا يخرج منها من دخل فيها. 

  • نعم: يبقى الكلام في معنى السماء و لعلنا سنوفق لاستيفاء البحث منه، إن شاء الله تعالى. 

  • بقي هنا شي‌ء و هو القول في خطيئة آدم فنقول ظاهر الآيات في بادي النظر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

136
  • و إن كان تحقق المعصية و الخطيئة منه (علیه السلام) كما قال تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ}، و قال تعالى: {وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌} الآية، و كما اعترف به فيما حكاه الله عنهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ} الآية. 

  • لكن التدبر في آيات القصة و الدقة في النهي الوارد عن أكل الشجرة يوجب القطع بأن النهي المذكور لم يكن نهيا مولويا و إنما هو نهي إرشادي يراد به الإرشاد و الهداية إلى ما في مورد التكليف من الصلاح و الخير لا البعث و الإرادة المولوية. 

  • و يدل على ذلك أولا: أنه تعالى فرع على النهي في هذه السورة و في سورة الأعراف أنه ظلم حيث قال: {لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ}ثم بدله في سورة طه من قوله: {فَتَشْقى‌} مفرعا إياه على ترك الجنة. و معنى الشقاء التعب ثم ذكر بعده كالتفسير له: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَ لاَ تَعْرى‌ وَ أَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَ لاَ تَضْحى‌}الآيات. 

  • فأوضح أن المراد بالشقاء هو التعب الدنيوي، الذي تستتبعه هذه الحياة الأرضية من جوع و عطش و عراء و غير ذلك. 

  • فالتوقي من هذه الأمور هو الموجب للنهي الكذائي لا جهة أخرى مولوية فالنهي إرشادي، و مخالفة النهي الإرشادي لا توجب معصية مولوية، و تعديا عن طور العبودية و على هذا فالمراد بالظلم أيضا في ما ورد من الآيات ظلمهما على أنفسهما في إلقائها في التعب و التهلكة دون الظلم المذموم في باب الربوبية و العبودية و هو ظاهر. 

  • و ثانيا: أن التوبة، و هي الرجوع من العبد إذا استتبع القبول من جانب المولى أوجب كون الذنب كلا ذنب، و المعصية كأنها لم تصدر، فيعامل مع العاصي التائب معاملة المطيع المنقاد، و في مورد فعله معاملة الامتثال و الانقياد. 

  • و لو كان النهي عن أكل الشجرة مولويا و كانت التوبة توبة عن ذنب عبودي و رجوعا عن مخالفة نهي مولوي كان اللازم رجوعهما إلى الجنة مع أنهما لم يرجعا. 

  • و من هنا يعلم أن استتباع الأكل المنهي للخروج من الجنة كان استتباعا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

137
  • ضروريا تكوينيا، نظير استتباع السم للقتل و النار للإحراق، كما في موارد التكاليف الإرشادية لا استتباعا من قبيل المجازاة المولوية في التكاليف المولوية، كدخول النار لتارك الصلاة، و استحقاق الذم و استيجاب البعد في المخالفات العمومية الاجتماعية المولوية. 

  • و ثالثا: أن قوله تعالى: {قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَوَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، الآيات. 

  • و هو كلمة جامعة لجميع التشريعات التفصيلية التي أنزلها الله تعالى في هذه الدنيا من طرق ملائكته و كتبه و رسله، يحكي عن أول تشريع شرع للإنسان في هذه الدنيا التي هي دنيا آدم و ذريته، و قد وقع على ما يحكي الله تعالى بعد الأمر الثاني بالهبوط و من الواضح أن الأمر بالهبوط أمر تكويني متأخر عن الكون في الجنة و اقتراف الخطيئة، فلم يكن حين مخالفة النهي و اقتراب الشجرة لا دين مشروع و لا تكليف مولوي فلم يتحقق عند ذلك ذنب عبودي، و لا معصية مولوية. 

  • و لا ينافي ذلك كون خطاب اسجدوا للملائكة و لإبليس و هو قبل خطاب لا تقربا، خطابا مولويا لأن المكلف غير المكلف. 

  • فإن قلت: إذا كان النهي نهيا إرشاديا لا نهيا مولويا فما معنى عده تعالى فعلهما ظلما و عصيانا و غواية؟. 

  • قلت: أما الظلم فقد مر أن المراد به ظلمهما لأنفسهما في جنب الله تعالى، و أما العصيان‌ فهو لغة عدم الانفعال أو الانفعال بصعوبة كما يقال: كسرته فانكسر و كسرته فعصى، و العصيان و هو عدم الانفعال عن الأمر أو النهي كما يتحقق في مورد التكاليف المولوية كذلك يتحقق في مورد الخطابات الإرشادية. 

  • و أما تعين معنى المعصية في هذه الأزمنة عندنا جماعة المسلمين في مخالفة مثل صل، أم صم، أو حج، أو لا تشرب الخمر، أو لا تزن و نحو ذلك فهو تعين بنحو الحقيقة الشرعية أو المتشرعة لا يضر بعموم المعنى بحسب اللغة و العرف العام هذا. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

138
  • و أما الغواية فهو عدم اقتدار الإنسان مثلا على حفظ المقصد و تدبير نفسه في معيشته بحيث يناسب المقصد و يلائمه. 

  • و واضح أنه يختلف باختلاف الموارد من إرشاد و مولوية. 

  • فإن قلت: فما معنى التوبة حينئذ و قولهما: {وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ}؟. 

  • قلت: التوبة كما مر هي الرجوع و الرجوع، يختلف بحسب اختلاف موارده. 

  • فكما يجوز للعبد المتمرد عن أمر سيده و إرادته أن يتوب إليه، فيرد إليه مقامه الزائل من القرب عنده كذلك يجوز للمريض الذي نهاه الطبيب نهيا إرشاديا عن أكل شي‌ء معين من الفواكه و المأكولات، و إنما كان ذلك منه مراعاة لجانب سلامته و عافيته فلم ينته المريض عن نهيه فاقترفه فتضرر فأشرف على الهلاك. 

  • يجوز أن يتوب إلى الطبيب ليشير إليه بدواء يعيده إلى سابق حاله و عافيته، فيذكر له أن ذلك محتاج إلى تحمل التعب و المشقة و العناء و الرياضة خلال مدة حتى يعود إلى سلامة المزاج الأولية بل إلى أشرف منها و أحسن، هذا. 

  • و أما المغفرة و الرحمة و الخسران فالكلام فيها نظير الكلام في نظائرها في اختلافها بحسب اختلاف مواردها، هذا.

  • بحث روائي جنة آدم عليه السلام. 

  • في تفسير القمي، عن أبيه رفعه قال: سئل الصادق (علیه السلام) عن جنة آدم - أ من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال (علیه السلام): كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس و القمر، و لو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا، قال (علیه السلام): فلما أسكنه الله الجنة و أباحها له إلا الشجرة، لأنه خلق خلقة لا يبقى إلا بالأمر و النهي و الغذاء و اللباس و الاكتنان و النكاح، و لا يدرك ما ينفعه مما يضره إلا بالتوفيق، فجاءه إبليس فقال له - إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة - التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين، و بقيتما في الجنة أبدا، و إن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنة، و حلف 

  •  

تفسير الميزان ج۱

139
  •  لهما أنه لهما ناصح - كما قال الله عز و جل حكاية عنه: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ وَ قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ اَلنَّاصِحِينَ } فقبل آدم قوله فأكلا من الشجرة فكانا كما حكى الله، فبدت لهما سوآتهما، و سقط عنهما ما ألبسهما الله من الجنة و أقبلا يستتران من ورق الجنة، {وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا: أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمَا إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}، فقالا كما حكى الله عنهما {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ} فقال الله لهما: {اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ}، قال: أي يوم القيامة، قال: فهبط آدم على الصفا، و إنما سميت الصفا لأن صفي الله أنزل عليها، و نزلت حواء على المروة - و إنما سميت المروة لأن المرأة أنزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة، فنزل عليه جبرئيل، فقال أ ليس خلقك الله بيده - و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته؟ قال: بلى، و أمرك أن لا تأكل من الشجرة فعصيته؟ قال آدم: إن إبليس حلف لي بالله كاذبا. 

  • أقول: و في كون جنة آدم من جنان الدنيا روايات أخر من طريق أهل البيت و إن اتحد بعضها مع هذه الرواية في إبراهيم بن هاشم. 

  • و المراد بكونها من جنان الدنيا كونها برزخية في مقابل جنان الخلد، كما يشير إليه بعض فقرات الرواية كقوله: فهبط آدم على الصفا، و كقوله: و نزلت حواء على المروة، و كقوله: إن المراد بحين يوم القيامة فيكون المكث في البرزخ بعد الموت مكثا في الأرض طبقا لما في آيات البعث من القرآن من عد المكث البرزخي مكثا في الأرض كما يشير إليه قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ اَلْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} المؤمنون - ١١٤، و قوله تعالى: {وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسَّاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَ قَالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَ اَلْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اَللَّهِ إِلى‌ يَوْمِ اَلْبَعْثِ فَهَذا يَوْمُ اَلْبَعْثِ وَ لَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الروم - ٥٦، على أن عدة من الروايات المنقولة عن أهل البيت تدل على أن الجنة كانت في السماء، و أنهما نزلا من السماء، على أن المستأنس بلسان الروايات لا يستوحش من كون الجنة المذكورة في السماء 

  •  

تفسير الميزان ج۱

140
  • و الهبوط منها إلى الأرض مع كونهما خلقا في الأرض و عاشا فيها كما ورد في كون الجنة في السماء و وقوع سؤال القبر فيه و كونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار و غير ذلك و أرجو أن يرتفع هذا الإشكال و ما يشاكله من الإشكالات فيما سيأتي من البحث في السماء إن شاء الله العزيز. 

  • و أما كيفية مجي‌ء إبليس إليهما، و ما اتخذه فيه من الوسيلة فالصحاح و المعتبرة من الروايات خالية عن بيانها. 

  • و في بعض الأخبار ذكر الحية و الطاووس عونين لإبليس في إغوائه إياهما لكنها غير معتبرة، أضربنا عن ذكرها و كأنها من الأخبار الدخيلة، و القصة مأخوذة من التوراة و هاك لفظ التوراة في القصة بعينه: 

  • - قال في الفصل الثاني من السفر الأول و هو سفر الخليقة ":و إن الله خلق آدم ترابا من الأرض، و نفخ في أنفه الحياة، فصار آدم نفسا ناطقا، و غرس الله جنانا في عدن شرقيا، و صير هناك آدم الذي خلقه، و أنبت الله من الأرض كل شجرة، حسن منظرها و طيب مأكلها، و شجرة الحياة في وسط الجنان، و شجرة معرفة الخير و الشر، و جعل نهرا يخرج من عدن ليسقي الجنان، و من ثم يفترق فيصير أربعة أرؤس، اسم أحدها النيل، و هو المحيط بجميع بلد ذويلة الذي فيه الذهب، و ذهب ذلك البلد جيد، ثم اللؤلؤ و حجارة البلور، و اسم النهر الثاني جيحون، و هو المحيط بجميع بلد الحبشة، و اسم النهر الثالث دجلة، و هو يسير في شرقي الموصل، و اسم النهر الرابع هو الفرات، فأخذ الله آدم و أنزله في جنان عدن ليفلحه و ليحفظه - و أمر الله آدم قائلا: من جميع شجر الجنان جائز لك أن تأكل، و من شجرة معرفة الخير و الشر لا تأكل، فإنك في يوم أكلك منها تستحق أن تموت، و قال الله لا خير في بقاء آدم وحده، اصنع له عونا حذاه، فحشر الله من الأرض جميع وحش الصحراء و طير السماء - و أتى بها إلى آدم ليريه ما يسميها، فكل ما سمى آدم من نفس حية باسم هو اسمه إلى الآن. 

  • فأسمى آدم أسماء لجميع البهائم و طير السماء و جميع وحش الصحراء - و لم يجد آدم 

  •  

تفسير الميزان ج۱

141
  • عونا حذاه، فأوقع سباتا على آدم لئلا يحس فنام، فاستل إحدى أضلاعه و سد مكانها اللحم، و بنى الله الضلع التي أخذ امرأة، فأتى بها إلى آدم، و قال آدم هذه المرة شاهدت عظما من عظامي، و لحما من لحمي، و ينبغي أن تسمى امرأة لأنها من أمري أخذت، و لذلك يترك الرجل أباه و أمه و يلزم زوجته، فيصيران كجسد واحد. 

  • و كانا جميعا عريانين آدم و زوجته و لا يحتشمان من ذلك. - الفصل الثالث: و الثعبان صار حكيما - من جميع حيوان الصحراء الذي خلقه الله - فقال للمرأة أ يقينا - قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنان؟ قالت المرأة للثعبان من ثمر شجر الجنان نأكل، لكن من ثمر الشجرة التي في وسطه قال الله لا تأكلا منه، و لا تدنوا به كيلا تموتا، قال لهما لستما تموتان، إن الله عالم أنكما في يوم أكلكما منه - تنفتح عيونكما و تصيران كالملائكة - عارفي الخير و الشر بزيادة، فلما رأت المرأة أن الشجرة طيبة المأكل - شهية المنظر، مني للعقل، أخذت من ثمرها فأكلت، و أعطت بعلها فأكل معها، فانفتحت عيونهما فعلما أنهما عريانان - فخيطا من ورق التين ما صنعا منه مآزر، فسمعا صوت الله مارا في الجنان برفق في حركة النهار، فاستخبأ آدم و زوجته من قبل صوت الله خباء فيما بين شجر الجنان، فنادى الله آدم، و قال له مقررا: أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك في الجنان - فاتقيت إذ أنا عريان فاستخبأت، قال: 

  • من أخبرك أنك عريان؟ أ من الشجرة التي نهيتك عن الأكل منها أكلت؟ قال آدم المرأة التي جعلتها معي - أعطتني من الشجرة فأكلت، قال الله للمرأة: ما ذا صنعت؟ قالت: الثعبان أغراني فأكلت - قال الله للثعبان: إذ صنعت هذا بعلم - فأنت ملعون من جميع البهائم و جميع وحش الصحراء - و على صدرك تسلك و ترابا تأكل طول أيام حياتك، و أجعل عداوة بينك و بين المرأة، و بين نسلك و نسلها، و هو يشدخ منك الرأس و أنت تلذعه في العقب، و قال للمرأة: لأكثرن مشقتك و حملك، و بمشقة تلدين الأولاد، و إلى بعلك يكون قيادك، و هو يتسلط عليك. 

  • و قال لآدم: إذ قبلت قول زوجتك فأكلت من الشجرة - التي نهيتك قائلا لا تأكل منها - ملعونة الأرض بسببك بمشقة تأكل منها طول حياتك، و شوكا و دردرا تنبت لك، و تأكل عشب الصحراء، بعرق وجهك تأكل الطعام إلى حين رجوعك ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

142
  • إلى الأرض - التي أخذت منها لأنك تراب و إلى التراب ترجع، و سمى آدم زوجته حواء - لأنها كانت أم كل حي ناطق، و صنع الله لآدم و زوجته ثياب بدن و ألبسهما، ثم قال الله، هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف معرفة الخير و الشر، و الآن فيجب أن يخرج من الجنان لئلا يمد يده - فيأخذ من شجرة الحياة أيضا و يأكل فيحيا إلى الدهر، فطرده الله من جنان عدن ليفلح الأرض التي أخذ منها، و لما طرد آدم أسكن من شرقي جنان عدن الملائكة، و لمع سيف متقلب ليحفظوا طريق شجرة الحياة. 

  • انتهى الفصل من (التوراة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ ميلادية، و أنت بتطبيق القصة من الطريقين أعني طريقي القرآن و التوراة ثم التأمل في الروايات الواردة من طريقي العامة و الخاصة تعثر بحقائق من الحال غير أنا أضربنا عن الغور في بيانها و البحث عنها لأن الكتاب غير موضوع لذلك. 

  • و أما دخول إبليس الجنة و إغواؤه فيها و هي (أولا) مقام القرب و النزاهة و الطهارة و قد قال تعالى: {لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ}: الطور - ٢٣، و هي (ثانيا) في السماء و قد قال تعالى خطابا لإبليس حين إبائه عن السجدة لآدم: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}: الحجر - ٣٤، و قال تعالى: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا}: الأعراف - ١٢. 

  • فالجواب عن الأول كما ربما يقال إن القرآن إنما نفى ما نفى من وقوع اللغو و التأثيم في الجنة عن جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون في الآخرة و جنة البرزخ التي يدخلونها بعد الموت و الارتحال عن دار التكليف، و أما الجنة التي أدخل فيها آدم و زوجته و ذلك قبل استقرار الإنسان في دار التكليف و توجه الأمر و النهي فالقرآن لم ينطق فيه بشي‌ء من ذلك، بل الأمر بالعكس و ناهيك في ذلك ما ذكر من وقوع عصيان آدم فيه على أن اللغو و التأثيم من الأمور النسبية التي لا تتحقق إلا بعد حلول الإنسان الدنيا و توجه الأمر و النهي إليه و تلبسه بالتكليف. 

  • و الجواب عن الثاني أولا: أن رجوع الضمير في قوله: {فَاخْرُجْ مِنْهَا}، و قوله: 

  • {فَاهْبِطْ مِنْهَا} إلى السماء غير ظاهر من الآية لعدم ذكر السماء في الكلام سابقا و عدم العهد بها، فمن الجائز أن يكون المراد الخروج من الملائكة و الهبوط منها ببعض العنايات، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

143
  • أو الخروج و الهبوط من المنزلة و الكرامة. 

  • و ثانيا: أنه يجوز أن يكون الأمر بالهبوط و الخروج كناية عن النهي عن المقام هناك بين الملائكة، لا عن أصل الكون فيها بالعروج و المرور من غير مقام و استقرار كالملائكة، و يلوح إليه بل يشهد به ما ربما يظهر من الآيات من استراق السمع، و قد روي: أن الشياطين كانوا يعرجون قبل عيسى إلى السماء السابعة - فلما ولد عيسى منعوا من السماء الرابعة فما فوقها، ثم لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) منعوا من جميع السماوات - و خطفوا بالخطفة. و ثالثا: أن كلامه تعالى خال عن دخول إبليس الجنة فلا مورد للاستشكال، و إنما ورد ما ورد من حديث الدخول في الروايات و هي آحاد غير متواترة مع احتمال النقل بالمعنى من الراوي. 

  • و أقصى ما يدل من كلامه تعالى على دخوله الجنة قوله تعالى حكاية عن إبليس {وَ قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ}: الأعراف - ١٩ حيث أتي بلفظة هذه و هي للإشارة من قريب، لكنها لو دلت هاهنا على القرب المكاني لدل في قوله تعالى: {وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ}: الأعراف - ١٨، على مثله فيه تعالى. 

  • و في العيون، عن عبد السلام الهروي قال: قلت للرضا (علیه السلام): يا بن رسول الله - أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم و حواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها - فمنهم من يروي أنها الحنطة، و منهم من يروي أنها شجرة الحسد، فقال كل ذلك حق، قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال: يا بن الصلت إن شجرة الجنة تحمل أنواعا، و كانت شجرة الحنطة و فيها عنب و ليست كشجرة الدنيا، و إن آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، و بإدخاله الجنة، قال: هل خلق الله بشرا أفضل مني؟ فعلم الله عز و جل ما وقع في نفسه - فناداه ارفع رأسك يا آدم و انظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش - فوجد عليه مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله - علي بن أبي طالب أمير المؤمنين - و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين - و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال عز و جل يا آدم هؤلاء ذريتك. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

144
  •  و هم خير منك و من جميع خلقي، و لو لا هم ما خلقتك و لا الجنة و لا النار و لا السماء و لا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد و تمنى منزلتهم فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، و تسلط على حواء فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم - فأخرجهما الله تعالى من جنته و أهبطهما من جواره إلى الأرض.

  • أقول: و قد ورد هذا المعنى في عدة روايات بعضها أبسط من هذه الرواية و أطنب و بعضها أجمل و أوجز. 

  • و هذه الرواية كما ترى سلم ع فيها أن الشجرة كانت شجرة الحنطة و شجرة الحسد و أنهما أكلا من شجرة الحنطة ثمرتها و حسدا و تمنيا منزلة محمد و آله، (صلى الله عليه وآله و سلم)، و مقتضى المعنى الأول أن الشجرة كانت أخفض شأنا من أن يميل إليها و يشتهيها أهل الجنة، و مقتضى الثاني أنها كانت أرفع شأنا من أن ينالها آدم و زوجته كما في رواية أخرى أنها كانت شجرة علم محمد و آله. 

  • و بالجملة لهما معنيان مختلفان، لكنك بالرجوع إلى ما مر من أمر الميثاق تعرف أن المعنى واحد و أن آدم (علیه السلام) أراد أن يجمع بين التمتع بالجنة و هو مقام القرب من الله و فيها الميثاق أن لا يتوجه إلى غيره تعالى و بين الشجرة المنهية التي فيها تعب التعلق بالدنيا فلم يتيسر له الجمع بينهما فهبط إلى الأرض و نسي الميثاق فلم يجتمع له الأمران و هو منزلة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، ثم هداه الله بالاجتباء و نزعه بالتوبة من الدنيا، و ألحقه بما كان نسيه من الميثاق فافهم. 

  • و قوله (علیه السلام): فنظر إليهم بعين الحسد و تمنى منزلتهم فيه بيان أن المراد بالحسد تمني منزلتهم دون الحسد الذي هو أحد الأخلاق الرذيلة. 

  • و بالبيان السابق يرتفع التنافي الذي يتراءى بين 

  • و ما رواه في كمال الدين، عن الثمالي عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: إن الله عز و جل عهد إلى آدم أن لا يقرب الشجرة فلما بلغ الوقت الذي في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها و ذلك قول الله عز و جل: 

  • {وَ لَقَدْ عَهِدْنَا إِلى‌ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}، الحديث. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

145
  • و بين ما 

  • رواه العياشي، في تفسيره عن أحدهما: و قد سئل كيف أخذ الله آدم بالنسيان؟ فقال: إنه لم ينس و كيف ينسى و هو يذكر و يقول له إبليس: ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين‌ الحديث. و الوجه فيه واضح. 

  • و في أمالي الصدوق، عن أبي الصلت الهروي، قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا (علیه السلام): أهل المقالات من أهل الإسلام و الديانات من اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين و سائر أهل المقالات فلم يقم أحد حتى ألزم حجته كأنه ألقم حجرا فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا بن رسول الله أ تقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل بقول الله عز و جل: {وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌}؟ إلى أن قال: فقال مولانا الرضا (علیه السلام): ويحك يا علي اتق الله و لا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش و لا تتأول كتاب الله عز و جل برأيك فإن الله عز و جل يقول: {وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللَّهُ وَ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ}. أما قوله عز و جل في آدم: {وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌}فإن الله عز و جل خلق آدم حجة في أرضه و خليفة في بلاده لم يخلقه للجنة، و كانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز و جل فلما أهبط إلى الأرض و جعل حجة و خليفة عصم بقوله عز و جل: {إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفى‌ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ} الحديث. 

  • أقول: قوله: و كانت المعصية في الجنة إلخ إشارة إلى ما قدمناه أن التكليف الديني المولوي لم يكن مجعولا في الجنة بعد، و إنما موطنه الحياة الأرضية المقدرة لآدم (علیه السلام) بعد الهبوط إلى الأرض، فالمعصية إنما كانت معصية لأمر إرشادي غير مولوي فلا وجه لتعسف التأويل في الحديث على ما ارتكبه بعض. 

  • و في العيون، عن علي بن محمد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون و عنده علي بن موسى فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أ ليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ فقال بلى، قال فما معنى قول الله تعالى: {وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌}؟ قال: إن الله تعالى قال لآدم: {اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

146
  •  اَلشَّجَرَةَ } و أشار لهما إلى شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين، و لم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة و لا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة و لم يأكلا منها و إنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما و قال: ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة و إنما نهاكما أن تقربا غيرها و لم ينهكما أن تأكلا منها إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين و لم يكن آدم و حواء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا فدلاهما بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، و كان ذلك من آدم قبل النبوة و لم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، و إنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم، فلما اجتباه الله و جعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة، قال الله عز و جل: {وَ عَصى‌ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اِجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‌}، و قال عز و جل: {إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفى‌ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ} الحديث. 

  • أقول: قال الصدوق رحمه الله بعد نقل الحديث على طوله: و الحديث عجيب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه و بغضه و عداوته لأهل البيت (علیه السلام) انتهى. 

  • و ما أعجبه منه إلا ما شاهده من اشتماله على تنزيه الأنبياء من غير أن يمعن النظر في الأصول المأخوذة فيه، فما نقله من جوابه (علیه السلام) في آدم لا يوافق مذهب أئمة أهل البيت المستفيض عنهم من عصمة الأنبياء من الصغائر و الكبائر قبل النبوة و بعدها. 

  • على أن الجواب مشتمل على تقدير في قوله تعالى: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا}، إلى مثل قولنا: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة و إنما نهاكما عن غيرها و ما نهاكما عن غيرها إلا أن تكونا إلخ. على أن قوله تعالى {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ}، و قوله تعالى {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‌ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاَ يَبْلى‌} الآية، يدل على أن إبليس إنما كان يحرضهما على الأكل من شخص الشجرة المنهية تطميعا في الخلود و الملك الذي حجب عنه بالنهي، على أن الرجل أعني علي بن محمد بن الجهم قد أخذ الجواب الصحيح التام بنفسه في مجلس المأمون كما رويناه في الحديث السابق، فالرواية لا تخلو عن شي‌ء و إن كان بعض 

  •  

تفسير الميزان ج۱

147
  • هذه الوجوه ممكن الاندفاع هذا. 

  • و روى الصدوق، عن الباقر (علیه السلام) عن آبائه عن علي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، قال: إنما كان لبث آدم و حواء في الجنة - حتى أخرجا منها سبع ساعات من أيام الدنيا حتى أهبطهما الله في يومهما.

  • و في تفسير العياشي، عن عبد الله بن سنان، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) و أنا حاضر: كم لبث آدم و زوجته في الجنة حتى أخرجهما منها خطيئة؟ فقال: إن الله تبارك و تعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة - ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه ثم أسجد له ملائكته و أسكنه جنته من يومه ذلك، فوالله ما استقر فيها إلا ست ساعات من يومه ذلك، حتى عصى الله تعالى، فأخرجهما الله منها بعد غروب الشمس و صيرا بفناء الجنة حتى أصبحا فبدت لهما سوآتهما و ناداهما ربهما: {أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ} فاستحيا آدم فخضع و قال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} و اعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا، قال الله لهما اهبطا من سماواتي إلى الأرض، فإنه لا يجاورني في جنتي عاص و لا في سماواتي.

  • أقول: و يمكن أن يستفاد ما يشتمل عليه الرواية من كيفية خروجهما و أنه كان أولا من الجنة إلى فنائها و من فنائها إلى الأرض من تكرر الأمر بالهبوط في الآية مع كونه أمرا تكوينيا غير قابل التخلف، و كذا من تغيير السياق في قوله تعالى: 

  • {وَ قُلْنَا يَا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ}إلى أن قال: {وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ} الآية، و قوله تعالى: {وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ} الآية، حيث عبر في الأول بالقول و بالإشارة القريبة و في الثاني بالنداء و الإشارة البعيدة، غير أن الرواية مشتملة على خلق حواء من أسفل أضلاع آدم كما اشتملت عليه التوراة، و الروايات عن أئمة أهل البيت تكذبه كما سيجي‌ء في البحث عن خلقة آدم، و إن أمكن أن يحمل خلقها من فاضل طينة آدم مما يلي أضلاعه هذا، و أما ساعات مكثه في الجنة، و أنها ستة أو سبعة فالأمر فيها هين فإنما هو تقريب. 

  • و في الكافي،: عن أحدهما (علیه السلام): في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} قال: 

  • لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم و بحمدك، عملت سوءا و ظلمت نفسي فاغفر لي 

  •  

تفسير الميزان ج۱

148
  • و أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم و بحمدك، عملت سوءا و ظلمت نفسي فارحمني و أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم و بحمدك عملت سوءا و ظلمت نفسي فارحمني و أنت خير الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم و بحمدك عملت سوءا و ظلمت نفسي فاغفر لي و تب علي إنك أنت التواب الرحيم.

  • أقول: و روى هذا المعنى الصدوق و العياشي و القمي و غيرهم، و عن طرق أهل السنة و الجماعة أيضا ما يقرب من ذلك، و ربما استفيد ذلك من ظاهر آيات القصة. 

  • و قال الكليني في الكافي : و في رواية أخرى: في قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ }قال: سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين.

  • أقول: و روى هذا المعنى أيضا الصدوق و العياشي و القمي و غيرهم، و روي ما يقرب من ذلك من طرق أهل السنة و الجماعة أيضا كما.

  • رواه في الدر المنثور، عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، قال: لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي فأوحى الله إليه، و من محمد؟ قال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد عندك أعظم قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله إليه يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك و لولاه ما خلقتك. 

  • أقول: و هذا المعنى و إن كان بعيدا عن ظاهر الآيات في بادي النظر لكن إشباع النظر و التدبر فيها ربما قرب ذلك تقريبا، إذ قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ}، يشتمل على معنى الأخذ مع الاستقبال، ففيه دلالة على أخذ آدم هذه الكلمات من ربه، ففيه علم سابق على التوبة، و قد كان (علیه السلام) تعلم من ربه الأسماء كلها إذ قال تعالى للملائكة: 

  • {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فهذا العلم كان من شأنه إزاحة كل ظلم و معصية لا محالة و دواء كل داء و إلا لم يتم الجواب عما أورده الملائكة و لا قامت الحجة عليهم لأنه سبحانه لم يذكر قبال قولهم: يفسد فيها و يسفك الدماء شيئا و لم يقابلهم بشي‌ء دون أن علم آدم الأسماء كلها ففيه إصلاح كل فاسد، و قد عرفت ما حقيقة هذه الأسماء، و أنها موجودات عالية مغيبة في غيب 

  •  

تفسير الميزان ج۱

149
  • السماوات و الأرض، و وسائط فيوضاته تعالى لما دونها، لا يتم كمال لمستكمل إلا ببركاتها و قد ورد في بعض الأخبار أنه رأى أشباح أهل البيت و أنوارهم حين علم الأسماء، و ورد أنه رآها حين أخرج الله ذريته من ظهره، و ورد أيضا أنه رآها و هو في الجنة فراجع و الله الهادي. و قد أبهم الله أمر هذه الكلمات في قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} الآية حيث نكرها، و ورد في القرآن: إطلاق الكلمة على الموجود العيني صريحا في قوله: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ}: آل عمران - ٤٠. 

  • و أما ما ذكره بعض المفسرين: أن الكلمات التي حكاها الله عنهما في سورة الأعراف بقوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ} الآية، ففيه: أن التوبة كما يدل عليه الآيات في هذه السورة أعني سورة البقرة وقعت بعد الهبوط إلى الأرض، قال تعالى: {وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} إلى أن قال: 

  • {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} الآيات و هذه الكلمات تكلم بها آدم و زوجته قبل الهبوط و هما في الجنة كما في سورة الأعراف، قال تعالى: {وَ نَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَ لَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ} إلى أن قال: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} إلى أن قال: {قَالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الآيات، بل الظاهر أن قولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا}، تذلل منهما و خضوع قبال ندائه تعالى و إيذان بأن الأمر إلى الله سبحانه كيف يشاء بعد الاعتراف بأن له الربوبية و أنهما ظالمان مشرفان على خطر الخسران. 

  • و في تفسير القمي، عن الصادق (علیه السلام) قال: إن موسى سأل ربه أن يجمع بينه و بين آدم، فجمع فقال له موسى: يا أبت أ لم يخلقك الله بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك الملائكة و أمرك أن لا تأكل من الشجرة؟ فلم عصيته؟ قال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التورية؟ قال: بثلاثين ألف سنة؛ قال: فقال: 

  • هو ذاك، قال الصادق (علیه السلام) فحجج آدم موسى.

  • أقول: و روى ما يقرب من هذا المعنى العلامة السيوطي في الدر المنثور بعدة طرق عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في العلل، عن الباقر (علیه السلام): و الله لقد خلق الله آدم للدنيا، و أسكنه الجنة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

150
  • ليعصيه فيرده إلى ما خلقه له.

  •  أقول: و قد مر رواية العياشي عن الصادق (علیه السلام): في خليل كان لآدم من الملائكة الحديث في هذا المعنى. 

  • و في الاحتجاج،: في احتجاج علي مع الشامي حين سأله: عن أكرم واد على وجه الأرض، فقال (علیه السلام): واد يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء.

  • أقول: و تقابلها روايات مستفيضة تدل على سقوطه في أرض مكة و قد مر بعضها و يمكن التوفيق بينها بإمكان نزوله أولا بسرانديب ثم هبوطه إلى أرض مكة و ليس بنزولين عرضيين هذا. 

  • و في الدر المنثور، عن الطبراني و أبي الشيخ في العظمة و ابن مردويه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أ رأيت آدم أ نبيا كان؟ قال: نعم كان نبيا رسولا، كلمه الله قبلا، قال له: يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة. أقول: و روى أهل السنة و الجماعة قريبا من هذا المعنى بعدة طرق‌

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٤٠الی ٤٤]

  •  {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٤٠وَ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَ لاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَ لاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ ٤١ وَ لاَ تَلْبِسُوا اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَكْتُمُوا اَلْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٢ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وَ آتُوا اَلزَّكَاةَ وَ اِرْكَعُوا مَعَ اَلرَّاكِعِينَ ٤٣ أَ تَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتَابَ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ ٤٤} 

  •  

تفسير الميزان ج۱

151
  • (بيان)

  • أخذ سبحانه في معاتبة اليهود و ذلك في طي نيف و مائة آية يذكر فيها نعمة التي أفاضها عليهم، و كراماته التي حباهم بها، و ما قابلوها من الكفر و العصيان و نقض الميثاق و التمرد و الجحود، يذكرهم بالإشارة إلى اثنتي عشرة قصة من قصصهم، كنجاتهم من آل فرعون بفرق البحر، و غرق فرعون و جنوده، و مواعدة الطور، و اتخاذهم العجل من بعده و أمر موسى إياهم بقتل أنفسهم، و اقتراحهم من موسى أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله تعالى، إلى آخر ما أشير إليه من قصصهم التي كلها مشحونة بألطاف إلهية و عنايات ربانية، و يذكرهم أيضا المواثيق التي أخذ منهم ثم نقضوها و نبذوها وراء ظهورهم، و يذكرهم أيضا معاصي ارتكبوها و جرائم اكتسبوها و آثاما كسبتها قلوبهم على نهي من كتابهم، و ردع صريح من عقولهم، لقساوة قلوبهم، و شقاوة نفوسهم، و ضلال سعيهم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي}، أصل العهد الحفاظ، و منه اشتقت معانيه كالعهد بمعنى الميثاق و اليمين و الوصية و اللقاء و المنزل و نحو ذلك. 

  • قوله تعالى: {فَارْهَبُونِ}، الرهبة الخوف، و تقابل الرغبة. 

  • قوله تعالى: {وَ لاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}، أي من بين أهل الكتاب، أو من بين قومكم ممن مضى و سيأتي، فإن كفار مكة كانوا قد سبقوهم إلى الكفر به 

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٤٥ الی ٤٦]

  • { وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى اَلْخَاشِعِينَ ٤٥ اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ٤٦ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

152
  • (بيان) 

  • قوله تعالى: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ}، الاستعانة و هي طلب العون إنما يتم فيما لا يقوى الإنسان عليه وحده من المهمات و النوازل، و إذ لا معين في الحقيقة إلا الله سبحانه فالعون على المهمات مقاومة الإنسان لها بالثبات و الاستقامة و الاتصال به تعالى بالانصراف إليه، و الإقبال عليه بنفسه، و هذا هو الصبر و الصلاة، و هما أحسن سبب على ذلك، فالصبر يصغر كل عظيمة نازلة، و بالإقبال على الله و الالتجاء إليه تستيقظ روح الإيمان، و تتنبه: أن الإنسان متك على ركن لا ينهدم، و سبب لا ينفصم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى اَلْخَاشِعِينَ}، الضمير راجع إلى الصلاة، و أما إرجاعه إلى الاستعانة لتضمن قوله: {اِسْتَعِينُوا} ذلك فينافيه ظاهرا قوله: {إِلاَّ عَلَى اَلْخَاشِعِينَ}، فإن الخشوع لا يلائم الصبر كثير ملائمة، و الفرق بين الخشوع و الخضوع مع أن في كليهما معنى التذلل و الانكسار أن الخضوع مختص بالجوارح و الخشوع بالقلب. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ}. هذا المورد، أعني مورد الاعتقاد بالآخرة على أنه مورد اليقين لا يفيد فيه الظن و الحسبان الذي لا يمنع النقيض، قال تعالى: {وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} البقرة - ٤، و يمكن أن يكون الوجه فيه الأخذ بتحقق الخشوع فإن العلوم التدريجية الحصول من أسباب تدريجية تتدرج فيها النفس المدركة من تنبه و شك ثم ترجح أحد طرفي النقيض ثم انعدام الاحتمالات المخالفة شيئا فشيئا حتى يتم الإدراك الجازم و هو العلم، و هذا النوع من العلم إذا تعلق بأمر هائل موجب لاضطراب النفس و قلقها و خشوعها إنما تبتدي الخشوع الذي معه من حين شروع الرجحان قبل حصول الإدراك العلمي و تمامه، ففي وضع الظن موضع العلم إشارة إلى أن الإنسان لا يتوقف على زيادة مئونة على العلم إن تنبه بأن له ربا يمكن أن يلاقيه و يرجع إليه و ذلك كقول الشاعر: 

  • فقلت لهم ظنوا بألفي مذحج***سراتهم في الفارسي المسرد 
  •  

تفسير الميزان ج۱

153
  • و إنما يخوف العدو باليقين لا بالشك و لكنه أمرهم بالظن لأن الظن يكفيهم في الانقلاع عن المخالفة، بلا حاجة إلى اليقين حتى يتكلف المهدد إلى إيجاد اليقين فيهم بالتفهيم من غير اعتناء منه بشأنهم، و على هذا فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى: 

  • {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}: الكهف - ١١٠، و هذا كله لو كان المراد باللقاء في قوله تعالى: {مُلاَقُوا رَبِّهِمْ}، يوم البعث و لو كان المراد به ما سيأتي تصويره في سورة الأعراف إن شاء الله فلا محذور فيه أصلا . 

  • بحث روائي‌ 

  • في الكافي: عن الصادق (علیه السلام) قال: كان علي إذا أهاله أمر فزع قام إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ}. و في الكافي، أيضا: عنه (علیه السلام): في الآية، قال: الصبر الصيام، و قال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم. إن الله عز و جل يقول: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} يعني الصيام.

  • أقول: و روى مضمون الحديثين العياشي في تفسيره. و تفسير الصبر بالصيام من باب المصداق و الجري. 

  • و في تفسير العياشي،: عن أبي الحسن (علیه السلام): في الآية قال: الصبر الصوم، إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة فليصم، إن الله يقول: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ وَ إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى اَلْخَاشِعِينَ}. و الخاشع‌ الذليل في صلاته المقبل عليها، يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أمير المؤمنين (علیه السلام). 

  • أقول: قد استفاد (علیه السلام) استحباب الصوم و الصلاة عند نزول الملمات و الشدائد، و كذا التوسل بالنبي و الولي عندها، و هو تأويل الصوم و الصلاة برسول الله و أمير المؤمنين. 

  • و في تفسير العياشي، أيضا: عن علي (علیه السلام): في قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ} الآية يقول: يوقنون أنهم مبعوثون، و الظن منهم يقين. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

154
  •  أقول: و رواه الصدوق أيضا.

  • و روى ابن شهر آشوب عن الباقر (علیه السلام): أن الآية نازلة في علي و عثمان بن مظعون و عمار بن ياسر و أصحاب لهم.  

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٤٧ الی ٤٨]

  •  {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعَالَمِينَ ٤٧ وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ٤٨ 

  • (بيان)

  • قوله تعالى: {وَ اِتَّقوا يَوْماً لاَ تَجْزِي}. الملك و السلطان الدنيوي بأنواعه و أقسامه و بجميع شئونه، و قواه المقننة الحاكمة و المجرية مبتنية على حوائج الحياة، و غايتها رفع الحاجة حسب ما يساعد عليه العوامل الزمانية و المكانية، فربما بدل متاع من متاع أو نفع من نفع أو حكم من حكم من غير ميزان كلي يضبط الحكم و يجري ذلك في باب المجازاة أيضا فإن الجرم و الجناية عندهم يستتبع العقاب، و ربما بدل الحاكم العقاب لغرض يستدعي منه ذلك كأن يلح المحكوم الذي يرجى عقابه على القاضي و يسترحمه أو يرتشيه فينحرف في قضائه فيجزي أي يقضي فيه بخلاف الحق، أو يبعث المجرم شفيعا يتوسط بينه و بين الحاكم أو مجري الحكم أو يعطي عدلا و بدلا إذا كانت حاجة الحاكم المريد للعقاب إليه أزيد و أكثر من الحاجة إلى عقاب ذلك المجرم، أو يستنصر قومه فينصروه فيتخلص بذلك عن تبعة العقاب و نحو ذلك. تلك سنة جارية و عادة دائرة بينهم، و كانت الملل القديمة من الوثنيين و غيرهم تعتقد أن الحياة الآخرة نوع حياة دنيوية يطرد فيها قانون الأسباب و يحكم فيها ناموس التأثير و التأثر المادي 

  •  

تفسير الميزان ج۱

155
  • الطبيعي، فيقدمون إلى آلهتهم أنواع القرابين و الهدايا للصفح عن جرائمهم أو الإمداد في حوائجهم، أو يستشفعون بها، أو يفدون بشي‌ء عن جريمة أو يستنصرون بنفس أو سلاح حتى إنهم كانوا يدفنون مع الأموات أنواع الزخرف و الزينة، ليكون معهم ما يتمتعون به في آخرتهم، و من أنواع السلاح ما يدافعون به عن أنفسهم، و ربما ألحدوا معه من الجواري من يستأنس بها، و من الأبطال من يستنصر به الميت، و توجد اليوم في المتاحف بين الآثار الأرضية عتائق كثيرة من هذا القبيل، و يوجد عقائد متنوعة شبيهة بتلك العقائد بين الملل الإسلامية على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم، بقيت بينهم بالتوارث، ربما تلونت لونا بعد لون، جيلا بعد جيل، و قد أبطل القرآن جميع هذه الآراء الواهية، و الأقاويل الكاذبة، فقد قال عز من قائل: {وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}: الانفطار - ١٩، و قال‌{وَ رَأَوُا اَلْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبَابُ}: البقرة - ١٦٦، و قال {وَ لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادى‌ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ مَا نَرى‌ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} الأنعام - ٩٤ و قال: {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاَهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: يونس - ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات التي بين فيها: أن الموطن خال عن الأسباب الدنيوية، و بمعزل عن الارتباطات الطبيعية، و هذا أصل يتفرع عليه بطلان كل واحد من تلك الأقاويل و الأوهام على طريق الإجمال، ثم فصل القول في نفي واحد واحد منها و إبطاله فقال: {وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}: البقرة - ٤٨، و قال: {يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاَ خُلَّةٌ وَ لاَ شَفَاعَةٌ}: البقرة - ٢٥٤، و قال: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً} الدخان - ٤١، و قال: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}: المؤمن - ٣٣، و قال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}: الصافات - ٢٦، و قال: {وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اَللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اَللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالى‌ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: يونس - ١٨، و قال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}: المؤمن - ١٨، و قال: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَ لاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}: الشعراء - ١٠١، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة النافية لوقوع الشفاعة و تأثير الوسائط 

  •  

تفسير الميزان ج۱

156
  • و الأسباب يوم القيامة هذا. 

  • ثم إن القرآن مع ذلك لا ينفي الشفاعة من أصلها، بل يثبتها بعض الإثبات، قال تعالى: {اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ شَفِيعٍ أَ فَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}: السجدة - ٣، و قال تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لاَ شَفِيعٌ}: الأنعام - ٥١، و قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ اَلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}: الزمر - ٤٤، و قال تعالى: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ}: البقرة - ٢٥٥، و قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}: يونس - ٣، و قال تعالى: {وَ قَالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}: الأنبياء - ٢٨، و قال: 

  • {وَ لاَ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}: الزخرف - ٨٦، و قال: {لاَ يَمْلِكُونَ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمَنِ عَهْداً}: مريم - ٨٧، و قال تعالى: { يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}: طه - ١١٠، و قال تعالى: { وَ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}: السبا - ٢٣، و قال تعالى: {وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى‌}: النجم - ٢٦، فهذه الآيات كما ترى بين ما يحكم باختصاص الشفاعة بالله عز اسمه كالآيات الثلاثة الأولى و بين ما يعممها لغيره تعالى بإذنه و ارتضائه و نحو ذلك، و كيف كان فهي تثبت الشفاعة بلا ريب، غير أن بعضها تثبتها بنحو الأصالة لله وحده من غير شريك، و بعضها تثبتها لغيره بإذنه و ارتضائه، و قد عرفت أن هناك آيات تنفيها فتكون النسبة بين هذه الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن غيره، و إثباته له تعالى بالاختصاص و لغيره بارتضائه، قال تعالى: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ}: النمل - ٦٥، و قال تعالى: {وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ اَلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}: الأنعام - ٥٩ و قال تعالى: 

  • {عَالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلى‌ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ اِرْتَضى‌ مِنْ رَسُولٍ}: الجن - ٢٧، و كذلك الآيات الناطقة في التوفي و الخلق و الرزق و التأثير و الحكم و الملك و غير ذلك فإنها 

  •  

تفسير الميزان ج۱

157
  • شائعة في أسلوب القرآن، حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى، ثم يثبته لنفسه، ثم يثبته لغيره بإذنه و مشيته، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها و استقلالها، و إنما تملكها بتمليك الله لها إياها، حتى أن القرآن تثبت نوعا من المشية في ما حكم فيه و قضى عليه بقضاء، حتم كقوله تعالى: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}: هود - ١٠٨، فقد علق الخلود بالمشية و خاصة في خلود الجنة مع حكمه بأن العطاء غير مجذوذ، إشعارا بأن قضاءه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده و لا يبطل سلطانه و ملكه عز سلطانه كما يدل عليه قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}: هود - ١٠٧، و بالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده و يوجب له الفقر، و لا منع يضطره إلى حفظ ما منعه و إبطال سلطانه تعالى.

  • أبحاث الشفاعة 

  • و من هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، و الآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة، و لغيره تعالى بإذنه و تمليكه، فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ما ذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة و متعلقها؟ و فيمن تجري؟ و ممن تصح؟ و متى تتحقق؟ و ما نسبتها إلى العفو و المغفرة منه تعالى؟ و نحو ذلك في أمور. 

  • ١ ما هي الشفاعة؟ 

  • الشفاعة على ما نعرف من معناها إجمالا بالقريحة المكتسبة من الاجتماع و التعاون (و هي من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فيصير به زوجا بعد ما كان فردا فيقوى على نيل ما يريده، لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته و ضعفها و قصورها) من الأمور التي نستعملها لإنجاح المقاصد، و نستعين بها على حوائج الحياة، و جل الموارد التي نستعملها فيها إما مورد يقصد فيها جلب المنفعة و الخير، و إما مورد يطلب فيها دفع المضرة و الشر، لكن لا كل نفع و ضرر، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

158
  • فإنا لا نستشفع فيما يتضمنه الأسباب الطبيعية و الحوادث الكونية من الخير و الشر، و النفع و الضر، كالجوع، و العطش، و الحر، و البرد، و الصحة، و المرض، بل نتسبب فيها بالأسباب الطبيعية، و نتوسل إليها بوسائلها المناسبة لها كالأكل، و الشرب، و اللبس و الاكتنان و المداواة، و إنما نستشفع في الخيرات و الشرور و المنافع و المضار التي تستدعيها أو تستتبعها أوضاع القوانين و الأحكام التي وضعتها و اعتبرتها و قررتها و أجرتها حكومة الاجتماع بنحو الخصوص أو العموم، ففي دائرة المولوية و العبودية، و عند كل حاكم و محكوم، و أحكام من الأمر و النهي إذا عمل بها و امتثلها المكلف بها استتبع ذلك تبعة الثواب من مدح أو نفع، من جاه أو مال، و إذا خالفها و تمرد منها استتبع ذلك تبعة العقاب من ذم أو ضرر مادي، أو معنوي، فإذا أمر المولى أو نهى عبده، أو كل من هو تحت سيادته و حكومته بأمر أو نهي مثلا فامتثله كان له بذلك أجر كريم، و إن خالف كان له عقاب أو عذاب فهناك نوعان من الوضع و الاعتبار، وضع الحكم و وضع تبعة الحكم، يتعين به تبعة الموافقة و المخالفة. 

  • و على هذا الأصل تدور جميع الحكومات العامة بين الملل و الخاصة بين كل إنسان و من دونه. 

  • فإذا أراد الإنسان أن ينال كمالا و خيرا ماديا أو معنويا و ليس عنده ما يستوجب ذلك بحسب ما يعينه الاجتماع، و يعرف به لياقته، أو أراد أن يدفع عن نفسه شرا متوجها إليه من عقاب المخالفة و ليس عنده ما يدفعه، أعني الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف، و بعبارة واضحة إذا أراد نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه، أو التخلص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجه إليه فذلك مورد الشفاعة، و عنده تؤثر لكن لا مطلقا فإن من لا لياقة له بالنسبة إلى التلبس بكمال، أو لا رابطة له تربطها إلى المشفوع عنده أصلا، كالعامي الأمي الذي يريد تقلد مقام علمي، أو الجاحد الطاغي الذي لا يخضع لسيده أصلا لا تنفع عنده الشفاعة، فإنما الشفاعة متممة للسبب لا مستقلة في التأثير. 

  • ثم إن تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيرا جزافيا من غير سبب يوجب ذلك بل لا بد أن يوسط أمرا يؤثر في الحاكم، و يوجب نيل الثواب، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

159
  • أو التخلص من العقاب، فالشفيع لا يطلب من المولى مثلا أن يبطل مولوية نفسه و عبودية عبده فلا يعاقبه، و لا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه و تكليفه المجعول، أو ينسخه عموما أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه، و لا يطلب منه أن يبطل قانون المجازاة عموما أو خصوصا فلا يعاقب لذلك رأسا، أو في خصوص الواقعة، فلا نفوذ و لا تأثير للشفيع في مولوية و عبودية، و لا في حكم و لا في جزاء حكم، بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنما يتمسك: إما بصفات في المولى الحاكم توجب العفو و الصفح كسؤدده، و كرمه، و سخائه، و شرافة محتده، و إما بصفات في العبد تستدعي الرأفة و الحنان و تثير عوامل المغفرة كمذلته و مسكنته و حقارته و سوء حاله، و إما بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى و كرامته و علو منزلته عنده فيقول: ما أسألك إبطال مولويتك و عبوديته، و لا أن تبطل حكمك و لا أن تبطل الجزاء، بل أسألك الصفح عنه بأن لك سؤددا و رأفة و كرما لا تنتفع بعقابه و لا يضرك الصفح عن ذنبه أو بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه و لا يهتم بأمره أو بأن لي عندك من المنزلة و الكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه و العفو عنه. 

  • و من هنا يظهر للمتأمل أن الشفيع إنما يحكم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثرة في رفع العقاب مثلا من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم و ترتب العقاب على مخالفته، و نعني بالحكومة أن يخرج مورد الحكم عن كونه موردا بإدخاله في مورد حكم آخر، فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادة كإبطال الأسباب المتضادة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة و الغلبة في التأثير، فحقيقة الشفاعة التوسط في إيصال نفع أو دفع شر بنحو الحكومة دون المضادة. 

  • و من هنا يظهر أيضا أن الشفاعة من مصاديق السببية فهي توسيط السبب المتوسط القريب بين السبب الأول البعيد و مسببه، هذا ما يتحصل من تحليل معنى الشفاعة التي عندنا. 

  • ثم إن الله سبحانه يمكن أن يقع مورد النظر في السببية من جهتين: 

  •  

تفسير الميزان ج۱

160
  • إحداهما: أنه يبتدي منه التأثير، و ينتهي إليه السببية، فهو المالك للخلق و الإيجاد على الإطلاق، و جميع العلل و الأسباب أمور متخللة متوسطة بينه و بين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد و نعمته التي لا تحصى إلى خلقه و صنعه. 

  • و الثانية: أنه تعالى تفضل علينا بالدنو في حين علوه فشرع الدين و وضع فيه أحكاما من أوامر و نواهي و غير ذلك و تبعات من الثواب و العقاب في الدار الآخرة و أرسل رسلا مبشرين و منذرين فبلغوه أحسن تبليغ و قامت بذلك الحجة و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته. 

  • أما من الجهة الأولى: و هي النظر إليه من جهة التكوين فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب و العلل الوجودية المتوسطة واضح لا يخفى، فإنها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة و الخلق و الإحياء و الرزق و غير ذلك إيصال أنواع النعم و الفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه، و كلامه تعالى أيضا يحتمل ذلك كقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}: البقرة - ٢٥٥، و قوله {إِنَّ رَبَّكُمُ اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}: يونس - ٣، فإن الشفاعة في مورد التكوين ليست إلا توسط العلل و الأسباب بينه و بين مسبباتها في تدبير أمرها و تنظيم وجودها و بقائها فهذه شفاعة تكوينية. 

  • و أما من الجهة الثانية و هي النظر إليه من جهة التشريع فالذي ينبغي أن يقال: 

  • أن مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصح صدقه في مورده و لا محذور في ذلك و عليه ينطبق قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً}: طه - ١٠٩، و قوله: {لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}: السبا - ٢٣، و قوله {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى‌}،: النجم - ٢٦ و قوله: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌}: الأنبياء - ٢٨، و قوله: {وَ لاَ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}: الزخرف - ٨٦، فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية لعدة من عباده من الملائكة و الناس من بعد الإذن و الارتضاء، فهو تمليك و لله الملك و له الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته و عفوه 

  •  

تفسير الميزان ج۱

161
  • و مغفرته و ما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبدا من عباده سائت حاله بالمعصية، و شملته بلية العقوبة، فيخرج عن كونه مصداقا للحكم الشامل، و الجرم العامل على ما عرفت أن تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد و هو القائل عز من قائل: 

  • {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}: الفرقان - ٧٠، فله تعالى أن يبدل عملا من عمل كما أن له أن يجعل الموجود من العمل معدوما، قال تعالى: {وَ قَدِمْنَا إِلى‌ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}: الفرقان - ٢٣، و قال تعالى: {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}،: محمد - ١٠و قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}: النساء - ٣١، و قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}: النساء - ٤٨، و الآية في غير مورد الإيمان و التوبة قطعا فإن الإيمان و التوبة يغفر بهما الشرك أيضا كسائر الذنوب و له تكثير القليل من العمل، قال تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ}: القصص - ٦٥، و قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}: الأنعام - ١٦٠، و له سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجودا، قال تعالى: {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}: الطور - ٢١، و هذا هو اللحوق و الإلحاق و بالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد. 

  • نعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية، و علة متوسطة و لتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه و أوليائه و المقربين من عباده من غير جزاف و لا ظلم. 

  • و من هنا ظهر أن معنى الشفاعة بمعنى الشافعية، صادق بحسب الحقيقة في حقه تعالى فإن كلا من صفاته متوسطة بينه و بين خلقه في إفاضة الجود و بذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الإطلاق. قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ اَلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}: الزمر - ٤٤ و قال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ شَفِيعٍ}: السجدة - ٤، و قال تعالى: 

  • {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لاَ شَفِيعٌ}: الأنعام - ٥١. و غيره تعالى لو كان شفيعا فإنما هو بإذنه و تمليكه. فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذورا لا يليق بساحة كبريائه تعالى. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

162
  • ٢ إشكالات الشفاعة 

  • قد عرفت: أن الشفاعة ثابتة في الجملة لا بالجملة، و ستعرف أن الكتاب و كذلك السنة لا يثبتان أزيد من ذلك، بل التأمل في معناها وحده يقضي بذلك، فإن الشفاعة كما مر يرجع بحسب المعنى إلى التوسط في السببية و التأثير، و لا معنى للإطلاق في السببية و التأثير فلا السبب يكون سببا لكل مسبب من غير شرط و لا مسبب واحد يكون مسببا لكل سبب على الإطلاق فإن ذلك يؤدي إلى بطلان السببية و هو باطل بالضرورة. و من هنا اشتبه الأمر على النافين للشفاعة حيث توهموها مطلقة من غير شرط فاستشكلوا فيها بأمور و بنوا عليها بطلان هذه الحقيقة القرآنية من غير تدبر فيما يعطيه كلامه تعالى و هاك شطرا منها: 

  • الإشكال الأول: أن رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعد ما أثبته الله تعالى بالوعيد إما أن يكون عدلا أو ظلما. فإن كان عدلا كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلما لا يليق بساحته تعالى و تقدس، و إن كان ظلما كان شفاعة الأنبياء مثلا سؤالا للظلم منه و هو جهل لا يجوز نسبته إليهم صلوات الله عليهم. 

  • و الجواب عنه أولا: بالنقض فإنه منقوض بالأوامر الامتحانية فرفع الحكم الامتحاني ثانيا و إثباته أولا كلاهما من العدل، و الحكمة فيها اختبار سريرة المكلف أو إظهار باطن أمره أو إخراج ما في قوته إلى الفعل، فيقال في مورد الشفاعة أيضا يمكن أن تكون النجاة مكتوبة لجميع المؤمنين، ثم يوضع الأحكام و ما لمخالفتها من أنواع العقاب ليهلك الكافرون بكفرهم، و أما المؤمنون فيرتفع بالطاعة درجات المحسنين منهم و يبقى المسيئون فينالون بالشفاعة النجاة المكتوبة لهم و لو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب أو أفراده مع مقاساة البعض الآخر كأحوال البرزخ و أهوال يوم القيامة، فيكون بذلك أصل وضع الحكم و عقابه أولا عدلا و رفع عقابه ثانيا عدلا. 

  • و ثانيا: بالحل، فإن رفع العقاب أولا بواسطة الشفاعة إنما يغاير الحكم الأول فيما ذكر من العدل و الظلم لو كان رفع العقاب بالشفاعة نقضا للحكم الأول أو نقضا للحكم باستتباع العقوبة و قد عرفت أنه ليس كذلك بل أثر الشفاعة بالحكومة لا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

163
  • بالمضادة فيها إخراج المجرم عن كونه مصداقا لشمول العقاب بجعله مصداقا لشمول الرحمة من صفات أخرى له تعالى من رحمة و عفو و مغفرة، و منها إفضاله للشافع بالإكرام و الإعظام. 

  • الإشكال الثاني: أن سنة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلف و الاختلاف، فما قضى و حكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء، و على هذا جرت سنة الأسباب، قال تعالى: {هَذا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}: الحجر - ٤٣، و قال تعالى: {وَ أَنَّ هَذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ}: الأنعام - ١٥٣، و قال تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً}: الفاطر - ٤٢، و تحقق الشفاعة موجب للاختلاف في الفعل فإن رفع العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض المحال، و لعب ينافي الحكمة قطعا، و رفعه عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم و ذنوبهم اختلاف في فعله تعالى و تغير و تبدل في سنته الجارية و طريقته الدائمة، إذ لا فرق بين المجرمين في أن كل واحد منهم مجرم و لا بين الذنوب في أن كلا منها ذنب و خروج عن زي العبودية فتخصيص بعضهم أو بعض من أعمالهم بالصفح و الإغماض دون بعض بواسطة الشفاعة محال، و إنما تجري الشفاعة و ما يشبهها في سنة هذه الحياة من ابتناء الأعمال و الأفعال على الأهواء و الأوهام التي ربما تقضي في الحق و الباطل على السواء، و تجري عن الحكمة و عن الجهالة على نسق واحد. 

  • و الجواب أنه لا ريب في أن صراطه تعالى مستقيم و سنته واحدة لكن هذه السنة الواحدة الغير المختلفة ليست قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته تعالى كصفة التشريع و الحكم مثلا حتى لا يتخلف حكم عن مورده و لا جزاء حكم عن محله قط بل هي قائمة على ما يستوجبه جميع صفاته المربوط علت صفاته. 

  • توضيح ذلك: أن الله سبحانه هو الواهب المفيض لكل ما في الوجود من حياة أو موت أو رزق أو نعمة أو غير ذلك. و هي أمور مختلفة لا ترتبط به سبحانه على السواء و لا لرابطة واحدة كيف كانت، فإن فيه بطلان الارتباط و السببية، فهو تعالى لا يشفي مريضا من غير سبب موجب و مصلحة مقتضية و لا يشفيه لأنه الله المميت ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

164
  • المنتقم شديد البطش بل لأنه الله الرءوف الرحيم المنعم الشافي المعافي مثلا و لا يهلك جبارا مستكبرا من غير سبب، لأنه رءوف رحيم به، بل لأنه الله المنتقم الشديد البطش القهار مثلا و هكذا. و القرآن بذلك ناطق فكل حادث من الحوادث بما يشتمل عليه من جهات الوجود يسند إليه من جهة صفة أو أكثر من صفاته العليا تتسبب إليه بالتلاؤم و الايتلاف الواقع بينها و الاقتضاء المستنتج من ذلك، و إن شئت قلت: كل أمر من الأمور يرتبط به تعالى من جهة ما يتضمنه من المصالح و الخيرات. إذا عرفت هذا علمت: أن استقامة صراطه و عدم تبدل سنته و عدم اختلاف فعله إنما هي بالنسبة إلى ما يفعله بجميع صفاته المربوطة لا بالنسبة إلى مقتضى صفة قاصرة و إن شئت قلت: بالنسبة إلى ما يتحصل من الفعل و الانفعال و الكسر و الانكسار الواقع بين الحكم و المصالح المرتبطة بالمورد لا بالنسبة إلى مقتضى مصلحة واحدة. فلو كان هناك سبب الحكم المجعول فقط لم يتغير و لم يختلف في بر و لا فاجر و لا مؤمن و لا كافر. لكن الأسباب كثيرة ربما استدعى توافق عدة منها غير ما يقتضيه بعضها فافهم ذلك. 

  • فوقوع الشفاعة و ارتفاع العقاب و ذلك إثر عدة من الأسباب كالرحمة و المغفرة و الحكم و القضاء و إعطاء كل ذي حق حقه و الفصل في القضاء - لا يوجب اختلافا في السنة الجارية و ضلالا في الصراط المستقيم. 

  • الإشكال الثالث: أن الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك أراد غيره حكم به أو لا فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة و نسخها لأجل الشفيع فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن أخطأ ثم عرف الصواب و رأى أن المصلحة أو العمل في خلاف ما كان يريده أو حكم به. و أما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشي‌ء و هو عالم بأنه ظلم و أن العدل في خلافه و لكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب عنده على العدالة، و كل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته على حسب علمه و علمه أزلي لا يتغير. 

  • و الجواب أن ذلك منه تعالى ليس من تغير الإرادة و العلم في شي‌ء و إنما التغير في المراد و المعلوم، فهو سبحانه يعلم أن الإنسان الفلاني سيتحول عليه الحالات فيكون 

  •  

تفسير الميزان ج۱

165
  • في حين كذا على حال كذا لاقتران أسباب و شرائط خاصة فيريد فيه بإرادة، ثم يكون في حين آخر على حال آخر جديد يخالف الأول لاقتران أسباب و شرائط أخر فيريد فيه بإرادة أخرى و كل يوم هو في شأن، و قد قال تعالى: {يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتَابِ}: الرعد - ٣٩، و قال: {بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}: المائدة - ٦٧، مثال ذلك: أنا نعلم أن الهواء ستغشاه الظلمة فلا يعمل أبصارنا و الحاجة إليه قائمة ثم تنجلي الظلمة بإنارة الشمس فتتعلق إرادتنا عند إقبال الليل بالاستضاءة بالسراج و عند انقضائه بإطفائه و العلم و الإرادة غير متغيرتين و إنما تغير المعلوم و المراد، فخرجا عن كونهما منطبقا عليه للعلم و الإرادة، و ليس كل علم ينطبق على كل معلوم، و لا كل إرادة تتعلق بكل مراد، نعم تغير العلم و الإرادة المستحيل عليه تعالى هو بطلان انطباق العلم على المعلوم و الإرادة على المراد مع بقاء المعلوم و المراد على حالهما و هو الخطأ و الفسخ، مثل أن ترى شبحا فتحكم بكونه إنسانا ثم يتبين أنه فرس فيتبدل العلم، أو تريد أمرا لمصلحة ما ثم يظهر لك أن المصلحة في خلافه فتنفسخ إرادتك، و هذان غير جائزين في مورده تعالى، و الشفاعة و رفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت. 

  • الإشكال الرابع: أن وعد الشفاعة منه تعالى أو تبليغها من الأنبياء (علیه السلام) مستلزم لتجري الناس على المعصية و إغراء لهم على هتك محارم الله تعالى و هو مناف للغرض الوحيد من الدين من سوق الناس إلى العبودية و الطلاعة فلا بد من تأويل ما يدل عليه من الكتاب و السنة بما لا يزاحم هذا الأصل البديهي. 

  • و الجواب عنه، أولا: بالنقض بالآيات الدالة على شمول المغفرة و سعة الرحمة كقوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}: النساء - ٥١، و الآية - كما - مر في غير مورد التوبة بدليل استثنائه الشرك المغفور بالتوبة. 

  • و ثانيا: بالحل: فإن وعد الشفاعة أو تبليغها إنما يستلزم تجري الناس على المعصية و إغراءهم على التمرد و المخالفة بشرطين: 

  • أحدهما: تعيين المجرم بنفسه و نعته أو تعيين الذنب الذي تقع فيه الشفاعة تعيينا لا يقع فيه لبس بنحو الإنجاز من غير تعليق بشرط جائز. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

166
  • و ثانيهما: تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب و أوقاته بأن تقلعه من أصله قلعا. 

  • فلو قيل: إن الطائفة الفلانية من الناس أو كل الناس لا يعاقبون على ما أجرموا و لا يؤاخذون فيما أذنبوا أبدا، أو قيل إن الذنب الفلاني لا عذاب عليه قط كان ذلك باطلا من القول و لعبا بالأحكام و التكاليف المتوجهة إلى المكلفين، و أما إذا أبهم الأمر من حيث الشرطين فلم يعين أن الشفاعة في أي الذنوب و في حق أي المذنبين أو أن العقاب المرفوع هو جميع العقوبات و في جميع الأوقات و الأحوال، فلا تعلم نفس هل تنال الشفاعة الموعودة أو لا فلا تتجرى على هتك محارم الله تعالى، غير أن ذلك توقظ قريحة رجائها فلا يوجب مشاهدة ما يشاهدها من ذنوبها و آثامها قنوطا من رحمة الله، و يأسا من روح الله، مضافا إلى قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}: النساء - ٣١، فإن الآية تدل على رفع عقاب السيئات و المعاصي الصغيرة على تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة فإذا جاز أن يقول الله سبحانه: 

  • إن اتقيتم الكبائر عفونا عن صغائركم، فليجز أن يقال: إن تحفظتم على إيمانكم حتى أتيتموني في يوم اللقاء بإيمان سليم قبلت فيكم شفاعة الشافعين، فإنما الشأن كل الشأن في حفظ الإيمان و المعاصي تضعف الإيمان و تقسي القلب و تجلب الشرك، و قد قال تعالى: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخَاسِرُونَ}: الأعراف - ٩٨، و قال: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: المطففين - ١٤، و قال: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسَاؤُا اَلسُّواى‌ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اَللَّهِ}: الروم - ١٠، و ربما أوجب ذلك انقلاعه عن المعاصي، و ركوبه على صراط التقوى، و صيرورته من المحسنين، و استغناءه عن الشفاعة بهذا المعنى، و هذا من أعظم الفوائد، و كذا إذا عين المجرم المشفوع له أو الجرم المشفوع فيه لكن صرح بشموله على بعض جهات العذاب أو بعض أوقاته فلا يوجب تجري المجرمين قطعا. 

  • و القرآن لم ينطق في خصوص المجرمين و في خصوص الذنب بالتعيين و لم ينطق في رفع العقاب إلا بالبعض كما سيجي‌ء فلا إشكال أصلا. 

  • الإشكال الخامس: أن العقل لو دل فإنما يدل على إمكان وقوع الشفاعة لا على 

  •  

تفسير الميزان ج۱

167
  • فعلية وقوعها على أن أصل دلالته ممنوع، و أما النقل فما يتضمنه القرآن لا دلالة فيه على وقوعها فإن فيها آيات دالة على نفي الشفاعة مطلقا كقوله، {لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاَ خُلَّةٌ وَ لاَ شَفَاعَةٌ}: البقرة - ٢٥٤، و أخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ اَلشَّافِعِينَ}: المدثر - ٤٨ و أخرى تفيد النفي بمثل قوله تعالى: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ}: البقرة - ٢٥٥ و قوله: {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}: يونس - ٣، و قوله تعالى: {إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌}: الأنبياء - ٢٨، و مثل هذا الاستثناء أي الاستثناء بالإذن و المشية معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه و مشيته سبحانه كقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسى‌ إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ}: الأعلى - ٦، و قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}: هود - ١٠٧، فليس في القرآن نص قطعي على وقوع الشفاعة و أما السنة فما دلت عليه الروايات من الخصوصيات لا تعويل عليه، و أما المتيقن منها فلا يزيد على ما في الكتاب دلالة. 

  • و الجواب: أما عن الآيات النافية للشفاعة فقد عرفت أنها لا تنفي مطلق الشفاعة بل الشفاعة بغير إذن الله و ارتضائه، و أما عن الآيات النافية لمنفعة الشفاعة على زعم المستشكل فإنها تثبت الشفاعة و لا تنفيه فإن الآيات واقعة في سورة المدثر و إنما تنفي الانتفاع عن طائفة خاصة من المجرمين لا عن جميعهم، و مع ذلك فالشفاعة مضافة لا مجردة مقطوعة عن الإضافة، ففرق بين أن يقول القائل: فلا تنفعهم الشفاعة و بين أن يقول: فلا تنفعهم شفاعة الشافعين فإن المصدر المضاف يشعر بوقوع الفعل في الخارج بخلاف المقطوع عن الإضافة، نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز فقوله: شفاعة الشافعين يدل على أن شفاعة ما ستقع غير أن هؤلاء لا ينتفعون بها على أن الإتيان بصيغة الجمع في الشافعين يدل على ذلك أيضا كقوله: {كَانَتْ مِنَ اَلْغَابِرِينَ} و قوله: {وَ كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ}و قوله: {فَكَانَ مِنَ اَلْغَاوِينَ}و قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ}و أمثال ذلك، و لو لا ذلك لكان الإتيان بصيغة الجمع و له مدلول زائد على مدلول المفرد لغوا زائدا في الكلام فقوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين من الآيات المثبتة للشفاعة دون النافية. 

  • و أما عن الآيات المشتملة على استثناء الإذن و الارتضاء فدلالة قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} 

  •  

تفسير الميزان ج۱

168
  • و قوله: {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}على الوقوع و هو مصدر مضاف مما لا ينبغي أن ينكره عارف بأساليب الكلام و كذا القول: بكون قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ}و قوله: {إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌}، بمعنى واحد و هو المشية مما لا ينبغي الإصغاء إليه، على أن الاستثناء واقع في مورد الشفاعة بوجوه مختلفة كقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}و قوله {إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌}، و قوله: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}إلى غير ذلك، فهب: أن الإذن و الارتضاء واحد و هو المشية فهل يمكن التفوه بذلك في قوله: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}. فهل المراد بهذا الاستثناء استثناء المشية أيضا؟ هذا و أمثاله من المساهلة في البيان مما لا يصح نسبته إلى كلام سوقي فكيف بالكلام البليغ! و كيف بأبلغ الكلام! و أما السنة فسيأتي الكلام في دلالتها على ما يحاذي دلالة الكتاب. 

  • الإشكال السادس: أن الآيات غير صريحة في رفع العقاب الثابت على المجرمين يوم القيامة بعد ثبوت الجرم و لزوم العقاب بل المراد بها شفاعة الأنبياء بمعنى توسطهم بما هم أنبياء بين الناس و بين ربهم بأخذ الأحكام بالوحي و تبليغها الناس و هدايتهم و هذا المقدار كالبذر ينمو و ينشأ منه ما يستقبله من الأقدار و الأوصاف و الأحوال فهم (علیه السلام) شفعاء المؤمنين في الدنيا و شفعاؤهم في الآخرة. 

  • و الجواب: أنه لا كلام في أن ذلك من مصاديق الشفاعة إلا أن الشفاعة غير مقصورة فيه كما مر بيانه، و من الدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}: النساء - ٤٨، و قد مر بيان أن الآية في غير مورد الإيمان و التوبة، و الشفاعة التي قررها المستشكل في الأنبياء إنما هي بطريق الدعوة إلى الإيمان و التوبة. 

  • الإشكال السابع: أن طريق العقل لا يوصل إلى تحقق الشفاعة، و ما نطق به القرآن آيات متشابهة تنفيها تارة و تثبتها أخرى، و ربما قيدتها و ربما أطلقتها، و الأدب الديني الإيمان بها، و إرجاع علمها إلى الله تعالى. 

  • و الجواب عنه: أن المتشابهة من الآيات تصير بإرجاعها إلى المحكمات محكمات مثلها، و هو أمر ميسور لنا غير مضروب دونه الستر، كما سيجي‌ء بيانه عند قوله 

  •  

تفسير الميزان ج۱

169
  • تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}: آل عمران - ٧ 

  • ٣ فيمن تجري الشفاعة؟ 

  • قد عرفت أن تعيين المشفوع لهم يوم القيامة لا يلائم التربية الدينية كل الملاءمة إلا أن يعرفوا بما لا يخلو عن شوب إبهام و على ذلك جرى بيان القرآن، قال تعالى: 

  • {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اَلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخَائِضِينَ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ حَتَّى أَتَانَا اَلْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ اَلشَّافِعِينَ}: المدثر - ٤٨، بين سبحانه فيها أن كل نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا إلا أصحاب اليمين فقد فكوا من الرهن و أطلقوا و استقروا في الجنان، ثم ذكر أنهم غير محجوبين عن المجرمين الذين هم مرهونون بأعمالهم، مأخوذ عليهم في سقر، يتساءلون عنهم سلوكهم في النار، و هم يجيبون بالإشارة إلى عدة صفات ساقتهم إلى النار، فرع على هذه الصفات بأنه لم ينفعهم لذلك شفاعة الشافعين. 

  • و مقتضى هذا البيان كون أصحاب اليمين غير متصفين بهذه الصفات التي يدل الكلام على كونها هي المانعة عن شمول الشفاعة، و إذا كانوا غير متصفين بهذه الصفات المانعة عن شمول الشفاعة و قد فك الله تعالى نفوسهم عن رهانة الذنوب و الآثام دون المجرمين المحرومين عن الشفاعة، المسلوكين في سقر، فهذا الفك و الإخراج إنما هو بالشفاعة فأصحاب اليمين هم المشفعون بالشفاعة، و في الآيات تعريف أصحاب اليمين بانتفاء الأوصاف المذكورة عنهم، بيان ذلك: أن الآيات واقعة في سورة المدثر و هي من السور النازلة بمكة في بدء البعثة كما ترشد إليه مضامين الآيات الواقعة فيها، و لم يشرع يومئذ الصلاة و الزكاة بالكيفية الموجودة اليوم، فالمراد بالصلاة في قوله لم نك من المصلين التوجه إلى الله تعالى بالخضوع العبودي، و بإطعام المسكين مطلق الإنفاق على المحتاج في سبيل الله، دون الصلاة و الزكاة المعهودتين في الشريعة الإسلامية و الخوض‌ هو الغور في ملاهي الحياة و زخارف الدنيا الصارفة للإنسان عن الإقبال على 

  •  

تفسير الميزان ج۱

170
  • الآخرة و ذكر الحساب يوم الدين، أو التعمق في الطعن في آيات الله المذكرة ليوم الحساب المبشرة المنذرة، و بالتلبس بهذه الصفات الأربعة، و هي ترك الصلاة لله و ترك الإنفاق في سبيل الله و الخوض و تكذيب يوم الدين ينهدم أركان الدين، و بالتلبس بها تقوم قاعدته على ساق فإن الدين هو الاقتداء بالهداة الطاهرين بالإعراض عن الإخلاد إلى الأرض و الإقبال إلى يوم لقاء الله، و هذان هما ترك الخوض و تصديق يوم الدين و لازم هذين عملا التوجه إلى الله بالعبودية، و السعي في رفع حوائج جامعة الحياة و هذان هما الصلاة و الإنفاق في سبيل الله، فالدين يتقوم بحسب جهتي العلم و العمل بهذه الخصال الأربع، و تستلزم بقية الأركان كالتوحيد و النبوة استلزاما هذا، فأصحاب اليمين هم الفائزون بالشفاعة، و هم المرضيون دينا و اعتقادا سواء كانت أعمالهم مرضية غير محتاجة إلى شفاعة يوم القيامة أو لم تكن، و هم المعنيون بالشفاعة، فالشفاعة للمذنبين من أصحاب اليمين، و قد قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}: النساء - ٣١، فمن كان له ذنب باق إلى يوم القيامة فهو لا محالة من أهل الكبائر، إذ لو كان الذنب من الصغائر فقط لكان مكفرا عنه، فقد بان أن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، 

  • و قد قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي - فأما المحسنون فما عليهم من سبيل‌، الحديث. 

  • و من جهة أخرى إنما سمي هؤلاء بأصحاب اليمين في مقابل أصحاب الشمال و ربما سموا أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشأمة، و هو من الألفاظ التي اصطلح عليه القرآن مأخوذ من إيتاء الإنسان يوم القيامة كتابه بيمينه أو بشماله، قال تعالى: 

  • {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتَابَهُمْ وَ لاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمى‌ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‌ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً}: إسراء - ٧٢، و سنبين في الآية إن شاء الله تعالى أن المراد من إيتاء الكتاب باليمين اتباع الإمام الحق، و من إيتائه بالشمال اتباع إمام الضلال كما قال تعالى في فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ اَلنَّارَ}: هود - ٩٨، و بالجملة مرجع التسمية بأصحاب اليمين أيضا إلى ارتضاء الدين كما أن إليه مرجع التوصيف بالصفات الأربعة المذكورة هذا. 

  • ثم إنه تعالى قال في موضع آخر من كلامه: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌

  •  

تفسير الميزان ج۱

171
  •  } الأنبياء - ٢٨، فأثبت الشفاعة على من ارتضى، و قد أطلق الارتضاء من غير تقييد بعمل و نحوه، كما فعله في قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً}: طه - ١٠٩، ففهمنا أن المراد به ارتضاء أنفسهم أي ارتضاء دينهم لا ارتضاء عملهم، فهذه الآية أيضا ترجع من حيث الإفادة إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة ثم إنه تعالى قال {يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمَنِ وَفْداً وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلى‌ جَهَنَّمَ وِرْداً لاَ يَمْلِكُونَ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمَنِ عَهْداً}فهو يملك الشفاعة (أي المصدر المبني للمفعول) و ليس كل مجرم بكافر محتوم له النار، بدليل قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَ لاَ يَحْيى‌ وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ اَلصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ اَلدَّرَجَاتُ اَلْعُلى‌}: طه - ٧٥، فمن لم يكن مؤمنا قد عمل صالحا فهو مجرم سواء كان لم يؤمن، أو كان قد آمن و لم يعمل صالحا، فمن المجرمين من كان على دين الحق لكنه لم يعمل صالحا و هو الذي قد اتخذ عند الله عهدا لقوله تعالى: {أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}: يس - ٦١ فقوله تعالى: {وَ أَنِ اُعْبُدُونِي}عهد بمعنى الأمر و قوله تعالى: {هَذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، عهد بمعنى الالتزام لاشتمال الصراط المستقيم على الهداية إلى السعادة و النجاة، فهؤلاء قوم من أهل الإيمان يدخلون النار لسوء أعمالهم، ثم ينجون منها بالشفاعة، و إلى هذا المعنى يلوح قوله تعالى {قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللَّهِ عَهْداً}: البقرة - ٨٠، فهذه الآيات أيضا ترجع إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة، و الجميع تدل على أن مورد الشفاعة أعني المشفوع لهم يوم القيمة هم الدائنون بدين الحق من أصحاب الكبائر، و هم الذين ارتضى الله دينهم. 

  • ٤ من تقع منه الشفاعة؟ 

  • قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية، و منها تشريعية، فأما الشفاعة التكوينية فجملة الأسباب الكونية شفعاء عند الله بما هم وسائط بينه و بين الأشياء. و أما الشفاعة التشريعية، و هي الواقعة في عالم التكليف و المجازات، فمنها ما يستدعي في الدنيا مغفرة من الله سبحانه أو قربا و زلفى، فهو شفيع متوسط بينه و بين عبده. و منه 

  •  

تفسير الميزان ج۱

172
  • التوبة كما قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى‌ رَبِّكُمْ}: الزمر - ٥٤، و يعم شموله لجميع المعاصي حتى الشرك. و منه الإيمان قال تعالى: {آمِنُوا بِرَسُولِهِ}، إلى قوله: {وَ يَغْفِرْ لَكُمْ}: الحديد - ٢٨. و منه كل عمل صالح. قال تعالى: {وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: المائدة - ٩، و قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ}: المائدة - ٣٥ و الآيات فيه كثيرة، و منه القرآن لقوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: المائدة - ١٦. 

  • و منه كل ما له ارتباط بعمل صالح، و المساجد و الأمكنة المتبركة و الأيام الشريفة، و منه الأنبياء و الرسل باستغفارهم لأممهم. قال تعالى: {وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللَّهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}: النساء - ٦٤. و منه الملائكة في استغفارهم للمؤمنين، قال تعالى: {اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}: المؤمن - ٧، و قال تعالى: {وَ اَلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ}: الشورى - ٥، و منه المؤمنون باستغفارهم لأنفسهم و لإخوانهم المؤمنين. 

  • قال تعالى حكاية عنهم {وَ اُعْفُ عَنَّا وَ اِغْفِرْ لَنَا وَ اِرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا}: البقرة - ٢٧٦. 

  • و منها الشفيع يوم القيمة بالمعنى الذي عرفت فمنهم الأنبياء. قال تعالى: {وَ قَالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} إلى أن قال: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌}: الأنبياء - ٢٩، فإن منهم عيسى بن مريم و هو نبي، و قال تعالى: {وَ لاَ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف - ٨٦، و الآيتان تدلان على جواز الشفاعة من الملائكة أيضا لأنهم قالوا إنهم بنات الله سبحانه. و منهم الملائكة. 

  • قال تعالى: {وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى‌}: النجم - ٢٦، و قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ}: طه - ١١٠، و منهم الشهداء 

  •  

تفسير الميزان ج۱

173
  • لدلالة قوله تعالى: {وَ لا يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}: الزخرف - ٨٦، على تملكهم للشفاعة لشهادتهم بالحق، فكل شهيد فهو شفيع يملك الشهادة غير أن هذه الشهادة كما مر في سورة الفاتحة و سيأتي في قوله تعالى {وَ كَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى اَلنَّاسِ}: البقرة - ١٤٣ شهادة الأعمال دون الشهادة بمعنى القتل في معركة القتال، و من هنا يظهر أن المؤمنين أيضا من الشفعاء فإن الله عز و جل أخبر بلحوقهم بالشهداء يوم القيامة، قال تعالى: 

  • {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: الحديد - ١٩، كما سيجي‌ء بيانه

  • ٥ بما ذا تتعلق الشفاعة؟ 

  • قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية تتعلق بكل سبب تكويني في عالم الأسباب و منها شفاعة تشريعية متعلقة بالثواب و العقاب فمنها ما يتعلق بعقاب كل ذنب، الشرك فما دونه كشفاعة التوبة و الإيمان قبل يوم القيامة و منها ما يتعلق بتبعات بعض الذنوب كبعض الأعمال الصالحة، و أما الشفاعة المتنازع فيها و هي شفاعة الأنبياء و غيرهم يوم القيامة لرفع العقاب ممن استحقه بالحساب، فقد عرفت في الأمر الثالث أن متعلقها أهل المعاصي الكبيرة ممن يدين دين الحق و قد ارتضى الله دينه. 

  • ٦ متى تنفع الشفاعة؟ 

  • و نعني بها أيضا الشفاعة الرافعة للعقاب، و الذي يدل عليه قوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اَلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}: المدثر - ٤٢، فالآيات كما مر دالة على توصيف من تناله الشفاعة و من يحرم منها غير أنها تدل على أن الشفاعة إنما تنفع في الفك عن هذه الرهانة و الإقامة و الخلود في سجن النار، و أما ما يتقدم عليه من أهوال يوم القيامة و عظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدل الآية على انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار. 

  • و اعلم أنه يمكن أن يستفاد من هذه الآيات وقوع هذا التساؤل بعد استقرار 

  •  

تفسير الميزان ج۱

174
  • أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار و تعلق الشفاعة بجمع من المجرمين بإخراجهم من النار، و ذلك لمكان قوله: {فِي جَنَّاتٍ}، الدال على الاستقرار و قوله: {مَا سَلَكَكُمْ} فإن السلوك‌ هو الإدخال لكن لا كل إدخال بل إدخال على سبيل النضد و الجمع و النظم ففيه معنى الاستقرار و كذا قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ}، فإن ما لنفي الحال، فافهم ذلك. 

  • و أما نشأة البرزخ و ما يدل على حضور النبي (علیه السلام) و الأئمة (علیه السلام) عند الموت و عند مساءلة القبر و إعانتهم إياه على الشدائد كما سيأتي في قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}: النساء - ١٥٨، فليس من الشفاعة عند الله في شي‌ء و إنما هو من سبيل التصرفات و الحكومة الموهوبة لهم بإذن الله سبحانه، قال تعالى: 

  • {وَ عَلَى اَلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَ نَادَوْا أَصْحَابَ اَلْجَنَّةِ أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ}، إلى أن قال: {وَ نَادى‌ أَصْحَابُ اَلْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنى‌ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اَللَّهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}: الأعراف - ٤٦، ٤٨، ٤٩، و من هذا القبيل من وجه قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}: إسراء - ٧١، فوساطة الإمام في الدعوة، و إيتاء الكتاب من قبيل الحكومة الموهوبة فافهم. 

  • فتحصل أن المتحصل من أمر الشفاعة وقوعها في آخر موقف من مواقف يوم القيامة باستيهاب المغفرة بالمنع عن دخول النار، أو إخراج بعض من كان داخلا فيها، باتساع الرحمة أو ظهور الكرامة. 

  • (بحث روائي) بحث آخر في الشفاعة. 

  • في أمالي الصدوق، عن الحسين بن خالد عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي - و من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي - ثم قال (صلى الله عليه وآله و سلم) إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل، قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا (علیه السلام) يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز و جل: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌} قال (علیه السلام) 

  •  

تفسير الميزان ج۱

175
  •  لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه.

  • أقول: قوله (صلى الله عليه وآله و سلم): إنما شفاعتي، هذا المعنى رواه الفريقان بطرق متعددة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و قد مر استفادة معناه من الآيات. 

  • و في تفسير العياشي، عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم (علیه السلام): في قول الله: {عَسى‌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}، قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاما و يؤمر الشمس، فيركب على رءوس العباد، و يلجمهم العرق، و يؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئا - فيأتون آدم فيستشفعون منه فيدلهم على نوح، و يدلهم نوح على إبراهيم، و يدلهم إبراهيم على موسى، و يدلهم موسى على عيسى، و يدلهم عيسى فيقول: 

  • عليكم بمحمد خاتم البشر فيقول محمد (صلى الله عليه وآله و سلم): أنا لها فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق فيقال له: من هذا؟ و الله أعلم فيقول: محمد، فيقال: افتحوا له فإذا فتح الباب استقبل ربه فخر ساجدا فلا رفع رأسه حتى يقال له: تكلم و سل تعط و اشفع تشفع فيرفع رأسه و يستقبل ربه فيخر ساجدا - فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى إنه ليشفع من قد أحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو قول الله تعالى: {عَسى‌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}

  • أقول: و هذا المعنى مستفيض مروي بالاختصار و التفصيل بطرق متعددة من العامة و الخاصة، و فيها دلالة على كون المقام المحمود في الآية هو مقام الشفاعة، و لا ينافي ذلك كون غيره (صلى الله عليه وآله و سلم) من الأنبياء، و غيرهم جائز الشفاعة لإمكان كون شفاعتهم فرعا لشفاعته فافتتاحها بيده (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في تفسير العياشي، أيضا: عن أحدهما (علیه السلام): في قوله تعالى: {عَسى‌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}، قال: هي الشفاعة. و في تفسير العياشي، أيضا: عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) يومئذ؟ قال: نعم إن للمؤمنين خطايا و ذنوبا و ما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ. قال: و سأله رجل عن قول رسول الله: أنا سيد ولد آدم و لا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

176
  •  فخر. قال نعم. قال: يأخذ حلقة باب الجنة فيفتحها فيخر ساجدا - فيقول الله: 

  • ارفع رأسك اشفع تشفع اطلب تعط - فيرفع رأسه ثم يخر ساجدا - فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفع و اطلب تعط ثم يرفع رأسه فيشفع فيشفع و يطلب فيعطى. و في تفسير الفرات،: عن محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن بشر بن شريح البصري قال: قلت لمحمد بن علي (علیه السلام)، أية آية في كتاب الله أرجى؟ قال: فما يقول فيها قومك؟ قلت: يقولون: {يَا عِبَادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ}

  • قال: لكنا أهل بيت لا نقول ذلك. قال: قلت: فأي شي‌ء تقولون فيها؟ قال: 

  • نقول: {وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‌}؛ الشفاعة و الله الشفاعة و الله الشفاعة. أقول: أما كون قوله تعالى: {عَسى‌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}؛ الآية مقام الشفاعة فربما ساعد عليه لفظ الآية أيضا مضافا إلى ما استفاض عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه مقام الشفاعة فإن قوله تعالى: {أَنْ يَبْعَثَكَ}يدل على أنه مقام سيناله يوم القيامة. و قوله {مَحْمُوداً} مطلق فهو حمد غير مقيد يدل على وقوعه من جميع الناس من الأولين و الآخرين، و الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري ففيه دلالة على وقوع فعل منه (صلى الله عليه وآله و سلم) ينتفع به و يستفيد منه الكل فيحمده عليه، و لذلك‌- قال (علیه السلام) في رواية عبيد بن زرارة السابقة: و ما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ الحديث. و سيجي‌ء بيان هذا المعنى بوجه آخر وجيه. 

  • و أما كون قوله تعالى: {وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‌}، أرجى آية في كتاب الله دون قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا} الآية، فإن النهي عن القنوط و إن تكرر ذكره في القرآن الشريف إلا أن قوله (صلى الله عليه وآله و سلم) حكاية عن إبراهيم (علیه السلام): قال: {وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضَّالُّونَ}: حجر ٥٦، و قوله تعالى حكاية عن يعقوب (علیه السلام): {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكَافِرُونَ}: يوسف - ٨٧، ناظرتان إلى اليأس و القنوط من الرحمة التكوينية بشهادة المورد. 

  • و أما قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

177
  • اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى‌ رَبِّكُمْ} الزمر - ٥٤، إلى آخر الآيات فهو و إن كان نهيا عن القنوط من الرحمة التشريعية بقرينة قوله تعالى {أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ} الظاهر في كون القنوط في الآية قنوطا من جهة المعصية، و قد عمم سبحانه المغفرة للذنوب جميعا من غير استثناء، و لكنه تعالى ذيله بالأمر بالتوبة و الإسلام و العمل بالاتباع فدلت الآية على أن العبد المسرف على نفسه لا ينبغي له أن يقنط من روح الله ما دام يمكنه اختبار التوبة و الإسلام و العمل الصالح. 

  • و بالجملة فهذه رحمة مقيدة أمر الله تعالى عباده بالتعلق بها، و ليس رجاء الرحمة المقيدة كرجاء الرحمة العامة و الإعطاء، و الإرضاء المطلقين الذين وعدهما الله لرسوله الذي جعله رحمة للعالمين. ذلك الوعد يطيب نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بقوله تعالى: 

  • {وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‌} الآية. 

  • توضيح ذلك: أن الآية في مقام الامتنان و فيها وعد يختص به رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) لم يعد الله سبحانه بمثله أحدا من خلقه قط، و لم يقيد الإعطاء بشي‌ء فهو إعطاء مطلق و قد وعد الله ما يشابه ذلك فريقا من عباده في الجنة فقال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الشورى - ٢٢، و قال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق - ٣٥، فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيتهم، و المشية تتعلق بكل ما يخطر ببال الإنسان من السعادة و الخير، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} السجدة - ١٧، فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله على عباده الذين آمنوا و عملوا الصالحات و هو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك فما يعطيه لرسوله (صلى الله عليه وآله و سلم) في مقام الامتنان أوسع من ذلك و أعظم فافهم. 

  • فهذا شأن إعطائه تعالى، و أما شأن رضى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله، الذي هو زميل لأمر الله. فإن الله هو المالك الغني على الإطلاق و ليس للعبد إلا الفقر و الحاجة فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربه و كثيره و ينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقه، سره ذلك أو ساءه، فإذا كان هذا هكذا فرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أعلم و أعمل، لا يريد إلا ما يريده الله في حقه، لكن هذا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

178
  • الرضا حيث وضع في مقابل الإعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده، و إرضاء الجائع بإشباعه فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد، و هذا أيضا مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده. قال عز من قائل: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} البينة - ٨، و هذا أيضا لموقع الامتنان و الاختصاص يجب أن يكون أمرا فوق ما للمؤمنين و أوسع من ذلك، و قد قال تعالى: في حق رسوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} التوبة - ١٢٨، فصدق رأفته و كيف يرضى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و يطيب نفسه أن يتنعم بنعيم الجنة و يرتاض في رياضه و فريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير، مسجونون تحت أطباق النار و هم معترفون لله بالربوبية، و لرسوله بالرسالة، و لما جاء به بالصدق، و إنما غلبت عليهم الجهالة، و لعب بهم الشيطان، فاقترفوا معاصي من غير عناد و استكبار. و الواحد منا إذا راجع ما أسلفه من عمره و نظر إلى ما قصر به في الاستكمال و الارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه و طلبه ثم يلتفت إلى جهالة الشباب و نقص التجارب فربما خمدت نار غضبه و انكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها الله فطرته، فما ظنك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلا جهالة إنسان ضعيف و كرامة النبي الرءوف الرحيم و رحمة أرحم الراحمين. و قد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنية إلى آخر مواقف يوم القيامة. 

  • و في تفسير القمي،: في قوله تعالى: {وَ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} الآية، عن أبي العباس المكبر قال: دخل مولى لامرأة علي بن الحسين يقال له: أبو أيمن فقال: 

  • يا أبا جعفر تغرون الناس و تقولون: شفاعة محمد، شفاعة محمد؛ فغضب أبو جعفر حتى تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن أ غرك أن عف بطنك و فرجك؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيمة لقد احتجت إلى شفاعة محمد، ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؟ قال: ما من أحد من الأولين و الآخرين إلا و هو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) يوم القيامة، ثم قال أبو جعفر: إن لرسول الله الشفاعة في أمته، و لنا شفاعة في شيعتنا، و لشيعتنا شفاعة في أهاليهم، ثم قال: و إن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة و مضر، و إن المؤمن ليشفع لخادمه و يقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر و البرد. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

179
  • أقول: قوله (علیه السلام): ما من أحد من الأولين و الآخرين إلا و هو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ظاهرة أن هذه الشفاعة العامة غير التي ذكرها بقوله: ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؛ و قد مر نظير هذا المعنى في رواية العياشي عن عبيد بن زرارة عن الصادق (علیه السلام). و في هذا المعنى روايات أخر روتها العامة و الخاصة، و يدل عليه قوله تعالى: {وَ لاَ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف - ٨٦، حيث يفيد أن الملاك في الشفاعة هو الشهادة، فالشهداء هم الشفعاء المالكون للشفاعة، و سيأتي إن شاء الله في قوله تعالى: {وَ كَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى اَلنَّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة - ١٤٣، أن الأنبياء شهداء و أن محمدا (صلى الله عليه وآله و سلم) شهيد عليهم، فهو (صلى الله عليه وآله و سلم) شهيد الشهداء فهو شفيع الشفعاء و لو لا شهادة الشهداء لما قام للقيامة أساس. 

  • و في تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: {وَ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}

  • قال (علیه السلام): لا يشفع أحد من أنبياء الله و رسله حتى يأذن الله له إلا رسول الله فإن الله أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، و الشفاعة له و للأئمة من ولده ثم من بعد ذلك للأنبياء. و في الخصال،: عن علي (علیه السلام) قال قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ثلاثة يشفعون إلى الله عز و جل فيشفعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء.

  •  أقول: الظاهر أن المراد بالشهداء، شهداء معركة القتال كما هو المعروف في لسان الأئمة في الأخبار لا شهداء الأعمال كما هو مصطلح القرآن. 

  • و في الخصال، في حديث الأربعمائة: و قال (علیه السلام): لنا شفاعة و لأهل مودتنا شفاعة.

  • أقول: و هناك روايات كثيرة في شفاعة سيدة النساء فاطمة (علیه السلام) و شفاعة ذريتها غير الأئمة و شفاعة المؤمنين حتى السقط منهم.

  • ففي الحديث المعروف عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة و لو بالسقط يقوم محبنطئا على باب الجنة فيقال له: ادخل فيقول: لا حتى يدخل أبواي‌ الحديث. 

  • و في الخصال، عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (علیه السلام) قال: إن للجنة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

180
  • ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون و الصديقون، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون، و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبونا، فلا أزال واقفا على الصراط أدعو و أقول: رب سلم شيعتي و محبي و أنصاري و من تولاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش، قد أجيبت دعوتك، و شفعت في شيعتك، و يشفع كل رجل من شيعتي و من تولاني و نصرني و حارب من عاداني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه و أقربائه، و باب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله و لم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت. و في الكافي،: عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رسالته إلى أصحابه قال (علیه السلام): و اعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا من دون ذلك من سره أن ينفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه. و في تفسير الفرات: بإسناده عن الصادق (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: قال جابر لأبي جعفر (علیه السلام): جعلت فداك يا بن رسول الله حدثني بحديث في جدتك فاطمة و ساق الحديث يذكر فيه شفاعة فاطمة يوم القيامة - إلى أن قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): فوالله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَ لاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين، قال أبو جعفر (علیه السلام): هيهات هيهات منعوا ما طلبوا و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و إنهم لكاذبون.

  • أقول: تمسكه (علیه السلام) بقوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} يدل على استشعار دلالة الآيات على وقوع الشفاعة و قد تمسك بها النافون للشفاعة على نفيها و قد اتضح مما قدمناه في قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ اَلشَّافِعِينَ} وجه دلالتها عليها في الجملة، فلو كان المراد مجرد النفي لكان حق الكلام أن يقال: فما لنا من شفيع و لا صديق حميم، فالإتيان في حيز النفي بصيغة الجمع يدل على وقوع شفاعة من جماعة و عدم نفعها في حقهم، مضافا إلى أن قوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ} بعد قوله: 

  • {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَ لاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} المسوق للتحسر تمن واقع في حيز التحسر و من المعلوم أن التمني في حيز التحسر إنما يكون بما يتضمن ما فقده و يشتمل على ما تحسر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

181
  • عليه فيكون معنى قولهم: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً }معناه يا ليتنا نرد فنكون من المؤمنين حتى ننال الشفاعة من الشافعين كما نالها المؤمنون، فالآية من الآيات الدالة على وقوع الشفاعة. 

  •  و في التوحيد،: عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل، قيل: يا بن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر، و الله تعالى يقول: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌} و من ارتكب الكبيرة لا يكون مرتضى؟ فقال (علیه السلام): ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا ساءه ذلك و ندم عليه، و قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): كفى بالندم توبة، و قال (صلى الله عليه وآله و سلم) من سرته حسنة و ساءته سيئة فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم تجب له الشفاعة و كان ظالما و الله تعالى ذكره يقول: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}، فقيل له: يا بن رسول الله و كيف لا يكون مؤمنا من لا يندم على ذنب يرتكبه فقال: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أن سيعاقب عليه إلا ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة، و متى لم يندم عليها كان مصرا و المصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم و قد قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، و أما قول الله عز و جل: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى‌ } فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه، و الدين الإقرار بالجزاء على الحسنات و السيئات، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة.

  • أقول: قوله (علیه السلام) و كان ظالما، فيه تعريف الظالم يوم القيامة و إشارة إلى ما عرفه به القرآن حيث يقول: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}: الأعراف - ٤٤ و ٤٥، و هو الذي لا يعتقد بيوم المجازاة فلا يتأسف على فوت أوامر الله تعالى و لا يسوؤه اقتحام محارمه إما بجحد جميع المعارف الحقة و التعاليم الدينية و إما بالاستهانة لأمرها و عدم الاعتناء بالجزاء و الدين يوم الجزاء و الدين فيكون قوله به استهزاء بأمره و تكذيبا له، و قوله (علیه السلام): فتكون تائبا مستحقا للشفاعة، أي راجعا إلى الله ذا دين 

  •  

تفسير الميزان ج۱

182
  • مرضي مستحقا للشفاعة، و أما التوبة المصطلحة فهي بنفسها شفيعة منجية، و قوله (علیه السلام): و قد قال النبي لا كبيرة مع الاستغفار، إلخ تمسكه (علیه السلام) به من جهة أن الإصرار و هو عدم الانقباض بالذنب و الندم عليه يخرج الذنب عن شأنه الذي له إلى شأن آخر و هو تكذيب المعاد و الظلم بآيات الله فلا يغفر لأن الذنب إنما يغفر إما بتوبة أو بشفاعة متوقفة على دين مرضي و لا توبة هناك و لا دين مرضيا. 

  • و نظير هذا المعنى واقع‌

  • في رواية العلل، عن أبي إسحاق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام): يا بن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة و كمل هل يزني؟ قال: اللهم لا، قلت: فيلوط قال اللهم لا، قلت فيسرق؟ قال لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال لا، قلت فيذنب ذنبا؟ قال: نعم و هو مؤمن مذنب مسلم، قلت: ما معنى مسلم؟ قال: المسلم لا يلزمه و لا يصر عليه.

  • الحديث. 

  • و في الخصال: بأسانيد عن الرضا عن آبائه (علیه السلام) قال قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إذا كان يوم القيامة تجلى الله عز و جل لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر الله له لا يطلع الله له ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا و يستر عليه أن يقف عليه أحد، ثم يقول لسيئاته: كوني حسنات. 

  • و عن صحيح مسلم، مرفوعا إلى أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه و نحوا عنه كبارها - فيقال: عملت يوم كذا و كذا و كذا و هو مقر لا ينكر و هو مشفق من الكبائر فيقال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، قال: و لقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه. 

  • و في الأمالي،: عن الصادق (علیه السلام): إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك و تعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته. 

  • أقول: و الروايات الثلاث الأخيرة من المطلقات و الأخبار الدالة على وقوع 

  •  

تفسير الميزان ج۱

183
  • شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يوم القيامة من طرق أئمة أهل البيت و كذا من طرق أهل السنة و الجماعة بالغة حد التواتر، و هي من حيث المجموع إنما تدل على معنى واحد و هو الشفاعة على المذنبين من أهل الإيمان إما بالتخليص من دخول النار و إما بالإخراج منها بعد الدخول فيها، و المتيقن منها عدم خلود المذنبين من أهل الإيمان في النار و قد عرفت أن القرآن أيضا لا يدل على أزيد من ذلك

  • (بحث فلسفي) بحث آخر في الشفاعة. 

  • البراهين العقلية و إن قصرت عن إعطاء التفاصيل الواردة كتابا و سنة في المعاد لعدم نيلها المقدمات المتوسطة في الاستنتاج على ما ذكره الشيخ ابن سينا لكنها تنال ما يستقبله الإنسان من كمالاته العقلية و المثالية في صراطي السعادة و الشقاوة بعد مفارقة نفسه بدنه من جهة التجرد العقلي و المثالي الناهض عليهما البرهان. 

  • فالإنسان في بادئ أمره يحصل له من كل فعل يفعله هيئة نفسانية و حال من أحوال السعادة و الشقاوة، و نعني بالسعادة ما هو خير له من حيث إنه إنسان، و بالشقاوة ما يقابل ذلك، ثم تصير تلك الأحوال بتكررها ملكة راسخة، ثم يتحصل منها صورة سعيدة أو شقية للنفس تكون مبدأ لهيئات و صور نفسانية، فإن كانت سعيدة فآثارها وجودية ملائمة للصورة الجديدة، و للنفس التي هي بمنزلة المادة القابلة لها، و إن كانت شقية فآثارها أمور عدمية ترجع بالتحليل إلى الفقدان و الشر، فالنفس السعيدة تلتذ بآثارها بما هي إنسان، و تلتذ بها بما هي إنسان سعيد بالفعل، و النفس الشقية و إن كانت آثارها مستأنسة لها و ملائمة بما أنها مبدأ لها لكنها تتألم بها بما أنها إنسان، هذا بالنسبة إلى النفوس الكاملة في جانب السعادة و الشقاوة، أعني الإنسان السعيد ذاتا و الصالح عملا و الإنسان الشقي ذاتا و الطالح عملا، و أما الناقصة في سعادتها و شقاوتها فالإنسان السعيد ذاتا الشقي فعلا بمعنى أن يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحق الثابت غير أن في نفسه هيئات شقية ردية من الذنوب و الآثام اكتسبتها حين تعلقها بالبدن الدنيوي و ارتضاعها من ثدي الاختيار، فهي أمور قسرية غير ملائمة لذاته، و قد أقيم البرهان على أن القسر لا يدوم، فهذه النفس سترزق التطهر منها في برزخ أو 

  •  

تفسير الميزان ج۱

184
  • قيمة على حسب قوة رسوخها في النفس، و كذلك الأمر فيما للنفس الشقية من الهيئات العارضة السعيدة فإنها ستسلب عنها و تزول سريعا أو بطيئا، و أما النفس التي لم تتم لها فعلية السعادة و الشقاوة في الحياة الدنيا حتى فارقت البدن مستضعفة ناقصة فهي من المرجئين لأمر الله عز و جل، فهذا ما يقتضيه البراهين في المجازاة بالثواب و العقاب المقتضية لكونها من لوازم الأعمال و نتائجها، لوجوب رجوع الروابط الوضعية الاعتبارية بالآخرة إلى روابط حقيقية وجودية هذا. 

  • ثم إن البراهين قائمة على أن الكمال الوجودي مختلف بحسب مراتب الكمال و النقص و الشدة و الضعف و هو التشكيك خاصة في النور المجرد فلهذه النفوس مراتب مختلفة في القرب و البعد من مبدإ الكمال و منتهاه في سيرها الارتقائي و عودها إلى ما بدأت منها و هي بعضها فوق بعض، و هذه شأن العلل الفاعلية (بمعنى ما به) و وسائط الفيض، فلبعض النفوس و هي النفوس التامة الكاملة كنفوس الأنبياء (علیه السلام) و خاصة من هو في أرقى درجات الكمال و الفعلية وساطة في زوال الهيئات الشقية الردية القسرية من نفوس الضعفاء، و من دونهم من السعداء إذا لزمتها قسرا، و هذه هي الشفاعة الخاصة بأصحاب الذنوب.

  • (بحث اجتماعي) بحث آخر في الشفاعة 

  • الذي تعطيه أصول الاجتماع أن المجتمع الإنساني لا يقدر على حفظ حياته و إدامة وجوده إلا بقوانين موضوعة معتبرة بينهم، لها النظارة في حاله، و الحكومة في أعمال الأفراد و شئونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع و غريزة الأفراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة، فتسير بهدايتها جميع طبقات الاجتماع كل على حسب ما يلائم شأنه و يناسب موقعه فيسير المجتمع بذلك سيرا حثيثا و يتولد بتألف أطرافه و تفاعل متفرقاته العدل الاجتماعي و هي موضوعة على مصالح و منافع مادية يحتاج إليها ارتقاء الاجتماع المادي، و على كمالات معنوية كالأخلاق الحسنة الفاضلة التي يدعو إليها صلاح الاجتماع كالصدق في القول و الوفاء بالعهد و النصح و غير ذلك، و حيث كانت القوانين و الأحكام وضعية غير حقيقية احتاجت إلى تتميم تأثيرها، بوضع أحكام مقررة أخرى في المجازاة لتكون ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

185
  • هي الحافظة لحماها عن تعدي الأفراد المتهوسين و تساهل آخرين، و لذلك كلما قويت حكومة (أي حكومة كانت) على إجراء مقررات الجزاء لم يتوقف المجتمع في سيره و لا ضل سائره عن طريقه و مقصده، و كلما ضعفت اشتد الهرج و المرج في داخله و انحرف عن مسيره فمن التعاليم اللازمة تثبيتها في الاجتماع تلقين أمر الجزاء، و إيجاد الإيمان به في نفوس الأفراد، و من الواجب الاحتراز من أن يدخل في نفوسهم رجاء التخلص عن حكم الجزاء، و تبعة المخالفة و العصيان، بشفاعة أو رشوة أو بشي‌ء من الحيل و الدسائس المهلكة، و لذلك نقموا على الديانة المسيحية ما وقع فيها أن المسيح فدى الناس في معاصيهم بصلبه، فالناس يتكلون عليه في تخليصهم من يد القضاء يوم القيامة و يكون الدين إذ ذاك هادما للإنسانية، مؤخرا للمدنية، راجعا بالإنسان القهقرى كما قيل. و أن الإحصاء يدل من أن المتدينين أكثر كذبا و أبعد من العدل من غيرهم و ليس ذلك إلا أنهم يتكلون بحقية دينهم، و ادخار الشفاعة في حقهم ليوم القيامة، فلا يبالون ما يعملون بخلاف غيرهم، فإنهم خلوا و غرائزهم و فطرهم و لم يبطل حكمها بما بطل به في المتدينين فحكمت بقبح التخلف عما يخالف حكم الإنسانية و المدنية الفاضلة. 

  • و بذلك عول جمع من الباحثين في تأويل ما ورد في خصوص الشفاعة في الإسلام و قد نطق به الكتاب و تواترت عليه السنة. 

  • و لعمري لا الإسلام تثبت الشفاعة بالمعنى الذي فسروها به، و لا الشفاعة التي تثبتها تؤثر الأثر الذي زعموه لها، فمن الواجب أن يحصل الباحث في المعارف الدينية و تطبيق ما شرعه الإسلام على هيكل الاجتماع الصالح و المدنية الفاضلة تمام ما رامه الإسلام من الأصول و القوانين المنطبقة على الاجتماع كيفية ذلك التطبيق، ثم يحصل ما هي الشفاعة الموعودة و ما هو محلها و موقعها بين المعارف التي جاء بها. 

  • فيعلم أولا: أن الذي يثبته القرآن من الشفاعة هو أن المؤمنين لا يخلدون في النار يوم القيامة بشرط أن يلاقوا ربهم بالإيمان المرضي و الدين الحق فهو وعد وعده القرآن مشروطا ثم نطق بأن الإيمان من حيث بقائه على خطر عظيم من جهة الذنوب و لا سيما الكبائر و لا سيما الإدمان منها و الإمرار فيها، فهو شفا جرف الهلاك الدائم، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

186
  • و بذلك يتحصل رجاء النجاة و خوف الهلاك، و يسلك نفس المؤمن بين الخوف و الرجاء فيعبد ربه رغبة و رهبة، و يسير في حياته سيرا معتدلا غير منحرف لا إلى خمود القنوط و لا إلى كسل الوثوق. 

  • و ثانيا: أن الإسلام قد وضع من القوانين الاجتماعية من مادياتها و معنوياتها ما يستوعب جميع الحركات و السكنات الفردية و الاجتماعية، ثم اعتبر لكل مادة من موادها ما هو المناسب له من التبعة و الجزاء من دية و حد و تعزير إلى أن ينتهي إلى تحريم مزايا الاجتماع و اللوم و الذم و التقبيح، ثم تحفظ على ذلك بعد تحكيم حكومة أولياء الأمر، بتسليط الكل على الكل بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ثم أحيا ذلك بنفخ روح الدعوة الدينية المضمنة بالإنذار و التبشير بالعقاب و الثواب في الآخرة، و بنى أساس تربيته بتلقين معارف المبدإ و المعاد على هذا الترتيب. 

  • فهذا ما يرومه الإسلام بتعليمه، جاء به النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و صدقه التجارب الواقع في عهده و عهد من يليه حتى أثبت به أيدي الولاة في السلطنة الأموية و من شايعهم في استبدادهم و لعبهم بأحكام الدين و إبطالهم الحدود و السياسات الدينية حتى آل الأمر إلى ما آل إليه اليوم و ارتفعت أعلام الحرية و ظهرت المدنية الغربية و لم يبق من الدين بين المسلمين إلا كصبابة في إناء فهذا الضعف البين في سياسة الدين و ارتجاع المسلمين القهقرى هو الموجب لتنزلهم في الفضائل و الفواضل و انحطاطهم في الأخلاق و الآداب الشريفة و انغمارهم في الملاهي و الشهوات و خوضهم في الفواحش و المنكرات، هو الذي أجرأهم على انتهاك كل حرمة و اقتراف كل ما يستشنعه حتى غير المنتحل بالدين لا ما يتخيله المعترض من استناد الفساد إلى بعض المعارف الدينية التي لا غاية لها و فيها إلا سعادة الإنسان في آجله و عاجله و الله المعين، و الإحصاء الذي ذكروها إنما وقع على جمعية المتدينين و ليس عليهم قيم و لا حافظ قوي و على جمعية غير المنتحلين، و التعليم و التربية الاجتماعيان قيمان عليهم حافظان لصلاحهم الاجتماعي فلا يفيد فيما أراده شيئا 

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٤٩ الی ٦١] 

  • {وَ إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذابِ 

تفسير الميزان ج۱

187
  • يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٤٩ وَ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَ أَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٠وَ إِذْ وَاعَدْنَا مُوسى‌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظَالِمُونَ ٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٢ وَ إِذْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ وَ اَلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ٥٣ وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‌ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ ٥٤ وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى‌ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٥ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٦ وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْغَمَامَ وَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‌ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٥٧ وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ اُدْخُلُوا اَلْبَابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ ٥٨ فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّماءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ٥٩ وَ إِذِ اِسْتَسْقى‌ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا}

  •  

تفسير الميزان ج۱

188
  • }اِضْرِبْ بِعَصَاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اَللَّهِ وَ لاَ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٦٠وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى‌ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‌ طَعَامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَ قِثَّائِهَا وَ فُومِهَا وَ عَدَسِهَا وَ بَصَلِهَا قَالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنى‌ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بَاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اَللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ ٦١

  • (بيان)

  • قوله تعالى: { وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}، أي يتركونهن أحياء للخدمة من غير أن يقتلوهن كالأبناء فالاستحياء طلب الحياة و يمكن أن يكون المعنى و يفعلون ما يوجب زوال حيائهن من المنكرات، و معنى يسومونكم يولونكم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ }الفرق‌ مقابل الجمع كالفصل و الوصل، و الفرق في البحر الشق و الباء للسببية أو الملابسة أي فرقنا لإنجائكم البحر أو لملابستكم دخول البحر. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذْ وَاعَدْنَا مُوسى‌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} و قص تعالى القصة في سورة الأعراف بقوله: {وَ وَاعَدْنَا مُوسى‌ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}: الأعراف - ١٤٢، فعد المواعدة فيها أربعين ليلة إما للتغليب أو لأنه كانت العشرة الأخيرة بمواعدة أخرى فالأربعون مجموع المواعدتين كما وردت به الرواية. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

189
  • قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلى‌ بَارِئِكُمْ }البارئ‌ من الأسماء الحسنى كما قال تعالى: 

  • {هُوَ اَللَّهُ اَلْخَالِقُ اَلْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى‌}: الحشر - ٢٤، وقع في ثلاث مواضع من كلامه تعالى: اثنان منها في هذه الآية و لعله خص بالذكر هاهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد لأنه قريب المعنى من الخالق و الموجد، من برأ يبرأ براء إذا فصل لأنه يفصل الخلق من العدم أو الإنسان من الأرض، فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة و قتلكم أنفسكم و إن كان أشق ما يكون من الأوامر لكن الله الذي أمركم بهذا الفناء و الزوال بالقتل هو الذي برأكم فالذي أحب وجودكم و هو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم و كيف لا يحب خيركم و قد برأكم، فاختيار لفظ البارئ بإضافته إليهم في قوله: {إِلى‌ بَارِئِكُمْ}، و قوله {عِنْدَ بَارِئِكُمْ} للإشعار بالاختصاص لإثارة المحبة. 

  • قوله تعالى: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} ظاهر الآية و ما تقدمها أن هذه الخطابات و ما وقع فيها من عد أنواع تعدياتهم و معاصيهم إنما نسبت إلى الكل مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض، و ينسب فعل بعضهم إلى آخرين. لمكان الوحدة الموجودة فيهم، فما كل بني إسرائيل عبدوا العجل، و لا كلهم قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم و على هذا فقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}، إنما يعني به قتل البعض و هم الذين عبدوا العجل كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ اَلْعِجْلَ}و قوله تعالى: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} تتمة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر، و قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يدل على نزول التوبة و قبولها، و قد وردت الرواية أن التوبة نزلت و لما يقتل جميع المجرمين منهم. 

  • و من هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم (علیه السلام) و ذبح إسماعيل {يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا}: الصافات - ١٠٥، فقد ذكر موسى (علیه السلام) {فَتُوبُوا إِلى‌ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}، و أمضى الله سبحانه قوله (علیه السلام) و جعل قتل البعض قتلا للكل و أنزل التوبة بقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} 

  •  

تفسير الميزان ج۱

190
  • قوله تعالى: {رِجْزاً مِنَ اَلسَّمَاءِ}، الرجز العذاب. 

  • قوله تعالى: {وَ لاَ تَعْثَوْا }العيث و العثي‌ أشد الفساد. 

  • قوله تعالى: {وَ قِثَّائِهَا وَ فُومِهَا}، القثاء الخيار و الفوم‌ الثوم أو الحنطة. 

  • قوله تعالى: {وَ بَاؤُ بِغَضَبٍ}، أي رجعوا. 

  • قوله تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ}، تعليل لما تقدمه. 

  • قوله تعالى: {ذلِكَ بِمَا عَصَوْا}، تعليل للتعليل فعصيانهم و مداومتهم للاعتداء هو الموجب لكفرهم بالآيات و قتلهم الأنبياء كما قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسَاؤُا اَلسُّواى‌ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اَللَّهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُنَ}: الروم - ١٠، و في التعليل بالمعصية وجه سيأتي في البحث الآتي. 

  • (بحث روائي) الصابئين. 

  • في تفسير العياشي،: في قوله تعالى: {وَ إِذْ وَاعَدْنَا مُوسى‌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: كان في العلم و التقدير ثلاثين ليلة ثم بدا منه فزاد عشرا فتم ميقات ربه الأول و الآخر أربعين ليلة. أقول: و الرواية تؤيد ما مر أن الأربعين مجموع المواعدتين. 

  • و في الدر المنثور: عن علي (علیه السلام): في قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية، قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه و أباه و ابنه و الله لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم و قد غفر لمن قتل و تيب على من بقي. و في تفسير القمي: قال (علیه السلام): إن موسى لما خرج إلى الميقات و رجع إلى قومه و قد عبدوا العجل قال لهم موسى: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‌ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } فقالوا له: كيف نقتل 

  •  

تفسير الميزان ج۱

191
  • أنفسنا فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس - و معه سكين أو حديدة أو سيف - فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل - فكونوا أنتم ملتثمين لا يعرف أحد صاحبه - فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمعوا سبعين ألف رجل - ممن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدس - فلما صلى بهم موسى و صعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا - حتى نزل جبرائيل فقال: قل لهم: يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب الله لكم، فقتل منهم عشرة آلاف و أنزل الله: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ - فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ}.

  • أقول: و الرواية كما ترى تدل على كون قوله تعالى: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} مقولا لموسى و مقولا له سبحانه فيكون إمضاء لكلمة قالها موسى و كشفا عن كونها تامة على خلاف ما يلوح من الظاهر من كونها ناقصة فإن الظاهر يعطي أن موسى جعل قتل الجميع خيرا لهم عند بارئهم، و قد قتل منهم البعض دون الجميع فجعل سبحانه ما وقع من القتل هو الخير الذي ذكره موسى (علیه السلام) كما مر. 

  • و في تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: {وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْغَمَامَ} الآية - أن بني إسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة - فقالوا: يا موسى أهلكتنا و قتلتنا - و أخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل، و لا شجر، و لا ماء. و كانت تجي‌ء بالنهار غمامة تظلهم من الشمس - و ينزل عليهم بالليل المن - فيقع على النبات و الشجر و الحجر - فيأكلونه و بالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم - فإذا أكلوا و شربوا طار و مر - و كان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر - ثم يضربه بعصاه فتنفجر منها اثنتا عشرة عينا - كما حكى الله فيذهب إلى كل سبط في رحله - و كانوا اثني عشر سبطا. - و في الكافي،: في قوله تعالى: {وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، عن أبي الحسن الماضي (علیه السلام) قال: إن الله أعز و أمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى الظلم - و لكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه و ولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآنا على نبيه فقال: {وَ مَا ظَلَمُونَا وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. قال الراوي: قلت: هذا تنزيل، قال: نعم. 

  • أقول: و روي ما يقرب منه أيضا عن الباقر (علیه السلام) و قوله (علیه السلام): أمنع من 

  •  

تفسير الميزان ج۱

192
  • أن يظلم بالبناء للمفعول تفسير لقوله تعالى: {وَ مَا ظَلَمُونَا}، و قوله: أو ينسب نفسه إلى الظلم بالبناء للفاعل، و قوله: و لكنه خلطنا بنفسه أي خلطنا معاشر الأنبياء و الأوصياء و الأئمة بنفسه، و قوله: قلت: هذا تنزيل قال: نعم وجهه أن النفي في هذه الموارد و أمثالها إنما يصح فيما يصح فيه الإثبات أو يتوهم صحته، فلا يقال للجدار، أنه لا يبصر أو لا يظلم إلا لنكتة و هو سبحانه أجل من أن يسلم في كلامه توهم الظلم عليه، أو جاز وقوعه عليه فالنكتة في هذا النفي الخلط المذكور لأن العظماء يتكلمون عن خدمهم و أعوانهم. 

  • و في تفسير العياشي،: في قوله تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اَللَّهِ} الآية عن الصادق (علیه السلام) أنه قرأ هذه الآية: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اَللَّهِ - وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ } فقال: و الله ما ضربوهم بأيديهم و لا قتلوهم بأسيافهم - و لكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها - فقتلوا فكان قتلا و اعتداء و مصيبة: 

  • أقول: و في الكافي، عنه (علیه السلام) مثله‌ و كأنه (علیه السلام) استفاد ذلك من قوله تعالى: 

  • {ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ} فإن القتل و خاصة قتل الأنبياء و الكفر بآيات الله لا يعلل بالعصيان بل الأمر بالعكس على ما يوجبه الشدة و الأهمية لكن العصيان بمعنى عدم الكتمان و التحفظ مما يصح التعليل المذكور به. 

  • [سورة البقرة (٢): آیة ٦٢] 

  • {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هَادُوا وَ اَلنَّصَارى‌ وَ اَلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ عَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ }

  •  بیان 

  • تكرار الإيمان ثانيا و هو الاتصاف بحقيقته كما يعطيه السياق يفيد أن المراد 

  •  

تفسير الميزان ج۱

193
  • بالذين آمنوا في صدر الآية هم المتصفون بالإيمان ظاهرا المتسمون بهذا الاسم فيكون محصل المعنى أن الأسماء و التسمي بها مثل المؤمنين و اليهود و النصارى و الصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجرا و لا أمنا من العذاب كقولهم: لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، و إنما ملاك الأمر و سبب الكرامة و السعادة حقيقة الإيمان بالله و اليوم الآخر و العمل الصالح، و لذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون تقريرا للفائدة في التسمي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى و هذا مما تكررت فيه آيات القرآن أن السعادة و الكرامة تدور مدار العبودية، فلا اسم من هذه الأسماء ينفع لمتسميه شيئا، و لا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه و ينجيه إلا مع لزوم العبودية، الأنبياء و من دونهم فيه سواء، فقد قال تعالى في أنبيائه بعد ما وصفهم بكل وصف جميل: {وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الأنعام - ٨٨، و قال تعالى في أصحاب نبيه و من آمن معه مع ما ذكر من عظم شأنهم و علو قدرهم: {وَعَدَ اَللّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً}: الفتح - ٢٩، فأتى بكلمة منهم و قال في غيرهم ممن أوتي آيات الله تعالى: {وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوَاهُ}: الأعراف - ١٧٦، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الكرامة بالحقيقة دون الظاهر. (

  • بحث روائي 

  • في الدر المنثور،: عن سلمان الفارسي قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم و عبادتهم فنزلت: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هَادُوا}الآية: 

  • أقول: و روي أيضا نزول الآية في أصحاب سلمان بعدة طرق أخرى. و في المعاني، عن ابن فضال قال: قلت للرضا (علیه السلام) لم سمي النصارى نصارى قال: لأنهم كانوا من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم و عيسى بعد رجوعهما من مصر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

194
  • أقول و في الرواية بحث سنتعرض له في قصص عيسى (علیه السلام) من سورة آل عمران إن شاء الله. 

  • و في الرواية ":أن اليهود سموا باليهود لأنهم من ولد يهودا بن يعقوب. 

  • و في تفسير القمي،: قال: قال (علیه السلام): الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى و لا مسلمون - و هم يعبدون النجوم و الكواكب.

  • أقول: و هي الوثنية، غير أن عبادة الأصنام غير مقصورة عليهم بل الذي يخصهم عبادة أصنام الكواكب.

  • (بحث تاريخي) بحث آخر في الشفاعة أيضا. 

  • ذكر أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية، ما لفظه: و أول المذكورين منهم يعني المتنبئين يوذاسف و قد ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند و أتى بالكتابة الفارسية، و دعا إلى ملة الصابئين فاتبعه خلق كثير، و كانت الملوك البيشدادية و بعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين و الكواكب و كليات العناصر و يقدسونها إلى وقت ظهور زرادشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسف، و بقايا أولئك الصابئين بحران ينسبون إلى موضعهم، فيقال لهم: الحرانية و قد قيل: إنها نسبة إلى هادان بن ترخ أخي إبراهيم (علیه السلام) و إنه كان من بين رؤسائهم أوغلهم في الدين و أشدهم تمسكا به، و حكى عنه ابن سنكلا النصراني في كتابه الذي قصد فيه نقض نحلتهم، فحشاه بالكذب و الأباطيل، أنهم يقولون إن إبراهيم (علیه السلام) إنما خرج عن جملتهم لأنه خرج في قلفته برص و إن من كان به ذلك فهو نجس لا يخالطونه فقطع قلفته بذلك السبب يعني اختتن، و دخل إلى بيت من بيوت الأصنام فسمع صوتا من صنم يقول له: يا إبراهيم خرجت من عندنا بعيب واحد، و جئتنا بعيبين، اخرج و لا تعاود المجي‌ء إلينا فحمله الغيظ على أن جعلها جذاذا، و خرج من جملتهم ثم إنه ندم بعد ما فعله، و أراد ذبح ابنه لكوكب المشتري على عادتهم في ذبح أولادهم، زعم فلما علم كوكب المشتري صدق توبته فداه بكبش. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

195
  • و حكى عبد المسيح بن إسحاق الكندي عنهم في جوابه عن كتاب عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، أنهم يعرفون بذبح الناس و لكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا و نحن لا نعلم منهم إلا أنهم أناس يوحدون الله، و ينزهونه عن القبائح، و يصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم: لا يحد، و لا يرى، و لا يظلم، و لا يجور و يسمونه بالأسماء الحسنى مجازا، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة، و ينسبون التدبير إلى الفلك و أجرامه، و يقولون بحياتها و نطقها و سمعها و بصرها، و يعظمون الأنوار، و من آثارهم القبة التي فوق محراب عند المقصورة من جامع دمشق، و كان مصلاهم، كان اليونانيون و الروم على دينهم، ثم صارت في أيدي اليهود، فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى، فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام و أهله فاتخذوها مسجدا و كانت لهم هياكل و أصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات، مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، و قران فإنها منسوبة إلى القمر، و بناؤها على صورته كالطيلسان؛ و بقربها قرية تسمى سلمسين، و اسمها القديم صنم سين، أي صنم القمر، و قرية أخرى تسمى ترع‌عوز أي باب الزهرة و يذكرون أن الكعبة و أصنامها كانت لهم، و عبدتها كانوا من جملتهم، و أن اللات كان باسم زحل، و العزى باسم الزهرة و لهم أنبياء كثيرة أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصري و أغاذيمون و واليس و فيثاغورث و باباسوار جد أفلاطون من جهة أمه و أمثالهم، و منهم من حرم عليه السمك خوفا أن يكون رغاوة و الفرخ لأنه أبدا محموم، و الثوم لأنه مصدع محرق للدم أو المني الذي منه قوام العالم، و الباقلاء لأنه يغلظ الذهن و يفسده، و أنه في أول الأمر إنما نبت في جمجمة إنسان، و لهم ثلاث صلوات مكتوبات. 

  • أولها: عند طلوع الشمس ثماني ركعات. 

  • و الثانية: عند زوال الشمس عن وسط السماء خمس ركعات، و في كل ركعة من صلاتهم ثلاث سجدات، و يتنفلون بصلاة في الساعة الثانية من النهار، و أخرى في التاسعة من النهار. 

  • و الثالثة: في الساعة الثالثة من الليل، و يصلون على طهر و وضوء، و يغتسلون من الجنابة و لا يختتنون إذ لم يؤمروا بذلك زعموا و أكثر أحكامهم في المناكح و الحدود مثل أحكام المسلمين، و في التنجس عند مس الموتى، و أمثال ذلك شبيهة بالتوراة، و لهم ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

196
  • قرابين متعلقة بالكواكب و أصنامها و هياكلها و ذبائح يتولاها كهنتهم و فاتنوهم، و يستخرجون من ذلك علم ما عسى يكون المقرب و جواب ما يسأل عنه، و قد يسمى هرمس بإدريس الذي ذكر في التوراة أخنوخ، و بعضهم زعم أن يوذاسف هو هرمس. 

  • و قد قيل: إن هؤلاء الحرانية ليسوا هم الصابئة بالحقيقة، بل هم المسمون في الكتب بالحنفاء و الوثنية، فإن الصابئة هم الذين تخلفوا ببابل من جملة الأسباط الناهضة في أيام كورش و أيام أرطحشست إلى بيت المقدس، و مالوا إلى شرائع المجوس فصبوا إلى دين بخت نصر، فذهبوا مذهبا ممتزجا من المجوسية و اليهودية، كالسامرة بالشام، و قد توجد أكثرهم بواسط و سواد العراق بناحية جعفر و الجامدة و نهري الصلة منتمين إلى أنوش بن شيث، و مخالفين للحرانية، عائبين مذاهبهم، لا يوافقونهم إلا في أشياء قليلة، حتى أنهم يتوجهون في الصلاة إلى جهة القطب الشمالي و الحرانية إلى الجنوبي، و زعم بعض أهل الكتاب أنه كان لمتوشلخ ابن غير ملك يسمى صابي، و أن الصابئة سموا به، و كان الناس قبل ظهور الشرائع و خروج يوذاسف شمينين سكان الجانب الشرقي من الأرض و كانوا عبدة أوثان، و بقاياهم الآن بالهند و الصين و التغزغز و يسميهم أهل خراسان شمنان، و آثارهم و بهاراتهم و أصنامهم و فرخاراتهم ظاهرة في ثغور خراسان المتصلة بالهند، و يقولون: بقدم الدهر، و تناسخ الأرواح، و هوي الفلك في خلإ غير متناه، و لذلك يتحرك على استدارة فإن الشي‌ء المستدير إذا أزيل ينزل مع دوران، زعموا و منهم من أقر بحدوث العالم، و زعم أن مدته ألف ألف سنة انتهى موضع الحاجة. 

  • أقول: و ما نسبه إلى بعض من تفسير الصائبة بالمذهب الممتزج من المجوسية و اليهودية مع أشياء من الحرانية هو الأوفق بما في الآية فإن ظاهر السياق أن التعداد لأهل الملة 

  • [سورة البقرة (٢): الآیات ٦٣ الی ٧٤] 

  • {وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اُذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ

تفسير الميزان ج۱

197
  • مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ ٦٤ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ٦٥ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَ مَا خَلْفَهَا وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ٦٦ وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَ تَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ ٦٧ قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَ لاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ٦٨ قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ اَلنَّاظِرِينَ ٦٩ قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ٧٠قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَ لاَ تَسْقِي اَلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ٧١ وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا وَ اَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٧٢ فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِ اَللَّهُ اَلْمَوْتى‌ وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٧٣ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا } 

  •  

تفسير الميزان ج۱

198
  • {يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ وَ مَا اَللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٧٤ }

  •  (بيان) 

  • قوله تعالى: {وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ}، الطور هو الجبل كما بدله منه في قوله تعالى: {وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}: الأعراف - ١٧١، و النتق‌ هو الجذب و الاقتلاع، و سياق الآية حيث ذكر أخذ الميثاق أولا و الأمر بأخذ ما أوتوا و ذكر ما فيه أخيرا و وضع رفع الطور فوقهم بين الأمرين مع السكوت عن سبب الرفع و غايتها يدل على أنه كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لإجبارهم و إكراههم على العمل بما أوتوه و إلا لم يكن لأخذ الميثاق وجه، فما ربما يقال: إن رفع الجبل فوقهم لو كان على ظاهره كان آية معجزة و أوجب إجبارهم و إكراههم على العمل. 

  • و قد قال سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ}: البقرة - ٢٥٦، و قال تعالى: {أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}: يونس - ٩٩، غير وجيه فإن الآية كما مر لا تدل على أزيد من الإخافة و الإرهاب و لو كان مجرد رفع الجبل فوق بني إسرائيل إكراها لهم على الإيمان أو العمل، لكان أغلب معجزات موسى موجبة للإكراه، نعم هذا التأويل و صرف الآية عن ظاهرها، و القول بأن بني إسرائيل كانوا في أصل الجبل فزلزل و زعزع حتى أظل رأسه عليهم، فظنوا أنه واقع بهم فعبر عنها برفعه فوقهم أو نتقه فوقهم، مبني على أصل إنكار المعجزات و خوارق العادات، و قد مر الكلام فيها و لو جاز أمثال هذه التأويلات لم يبق للكلام ظهور، و لا لبلاغة الكلام و فصاحته أصل تتكي عليه و تقوم به. 

  • قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. لعل‌ كلمة ترج و اللازم في الترجي صحته في الكلام سواء كان قائما بنفس المتكلم أو المخاطب أو بالمقام، كأن يكون المقام مقام رجاء و إن لم يكن للمتكلم و المخاطب رجاء فيه و هو لا يخلو عن شوب جهل بعاقبة الأمر فالرجاء في كلامه تعالى إما بملاحظة المخاطب أو بملاحظة المقام. و أما هو تعالى فيستحيل نسبة الرجاء إليه لعلمه بعواقب الأمور، كما نبه عليه الراغب في مفرداته. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

199
  • قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أي صاغرين. 

  • قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} أي عبرة يعتبر بها، و النكال‌ هو ما يفعل من الإذلال و الإهانة بواحد ليعتبر به آخرون. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} إلخ، هذه قصة بقرة بني إسرائيل، و بها سميت السورة سورة البقرة. و الأمر في بيان القرآن لهذه القصة عجيب فإن القصة فصل بعضها عن بعض حيث قال تعالى: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ} إلى آخره ثم قال: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا}ثم إنه أخرج فصلا منها من وسطها و قدم أولا و وضع صدر القصة و ذيلها ثانيا، ثم إن الكلام كان مع بني إسرائيل في الآيات السابقة بنحو الخطاب فانتقل بالالتفات إلى الغيبة حيث قال: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ} ثم التفت إلى الخطاب ثانيا بقوله: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا }.

  • أما الالتفات في قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ: إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}، ففيه صرف الخطاب عن بني إسرائيل، و توجيهه إلى النبي في شطر من القصة و هو أمر ذبح البقرة و توصيفها ليكون كالمقدمة الموضحة للخطاب الذي سيخاطب به بنو إسرائيل بقوله: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا وَ اَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِ اَللَّهُ اَلْمَوْتى‌ وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، الآيتان في سلك الخطابات السابقة فهذه الآيات الخمس من قوله: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌} إلى قوله: {وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}، كالمعترضة في الكلام تبين معنى الخطاب التالي مع ما فيها من الدلالة على سوء أدبهم و إيذائهم لرسولهم، برميه بفضول القول و لغو الكلام، مع ما فيه من تعنتهم و تشديدهم و إصرارهم في الاستيضاح و الاستفهام المستلزم لنسبة الإبهام إلى الأوامر الإلهية و بيانات الأنبياء مع ما في كلامهم من شوب الإهانة و الاستخفاف الظاهر بمقام الربوبية فانظر إلى قول موسى (علیه السلام) لهم:‌ { إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}، و قولهم : { اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}، و قولهم ثانيا: {اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا}، و قولهم ثالثا: {اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}، فأتوا في الجميع بلفظ ربك من غير أن يقولوا ربنا ثم كرروا قولهم: {مَا هِيَ} و قالوا {إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} فادعوا التشابه بعد البيان، و لم يقولوا: إن البقرة تشابهت علينا بل قالوا: {إِنَّ اَلْبَقَرَ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

200
  • تَشَابَهَ عَلَيْنَا} كأنهم يدعون أن جنس البقر متشابه و لا يؤثر هذا الأثر إلا بعض أفراد هذا النوع و هذا المقدار من البيان لا يجزي في تعيين الفرد المطلوب و تشخيصه، مع أن التأثير لله عز اسمه لا للبقرة، و قد أمرهم أن يذبحوا بقرة فأطلق القول و لم يقيده بقيد، و كان لهم أن يأخذوا بإطلاقه، ثم انظر إلى قولهم لنبيهم: {أَ تَتَّخِذُنَا هُزُواً}، المتضمن لرميه (علیه السلام) بالجهالة و اللغو حتى نفاه عن نفسه بقوله: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ}، و قولهم أخيرا بعد تمام البيان الإلهي: {اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}، الدال على نفي الحق عن البيانات السابقة المستلزم لنسبة الباطل إلى طرز البيان الإلهي و التبليغ النبوي. 

  • و بالجملة فتقديم هذا الشطر من القصة لإبانة الأمر في الخطاب التالي كما ذكر مضافا إلى نكتة أخرى، و هي أن قصة البقرة غير مذكورة في التوراة الموجودة عند اليهود اليوم فكان من الحري أن لا يخاطبوا بهذه القصة أصلا أو يخاطبوا به بعد بيان ما لعبت به أيديهم من التحريف، فأعرض عن خطابهم أولا بتوجيه الخطاب إلى النبي ثم بعد تثبيت الأصل، عاد إلى ما جرى عليه الكلام من خطابهم المتسلسل، نعم في هذا المورد من التوراة حكم لا يخلو عن دلالة ما على وقوع القصة و هاك عبارة التوراة. 

  • قال في الفصل الحادي و العشرين من سفر تثنية الاشتراع ":إذا وجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يعلم من قتله يخرج شيوخك و قضاتك و يقيسون إلى المدن التي حول القتيل فالمدينة القريبة من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تجر بالغير و ينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه و لم يزرع و يكسرون عنق العجلة في الوادي ثم يتقدم الكهنة بني لاوي لأنه إياهم اختار الرب إلهك ليخدموه و يباركوا باسم الرب و حسب قولهم تكون كل خصومة و كل ضربة و يغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي و يصرخون و يقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم و أعيننا لم تبصر اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب و لا تجعل دم بري‌ء في وسط شعبك إسرائيل فيغفر لهم الدم انتهى. إذا عرفت هذا على طوله علمت أن بيان هذه القصة على هذا النحو ليس من قبيل 

  •  

تفسير الميزان ج۱

201
  • فصل القصة، بل القصة مبينة على نحو الإجمال في الخطاب الذي في قوله: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} إلخ و شطر من القصة مأتية بها ببيان تفصيلي في صورة قصة أخرى لنكتة دعت إليه. 

  • فقوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ} خطاب للنبي ص و هو كلام في صورة قصة و إنما هي مقدمة توضيحية للخطاب التالي لم يذكر معها السبب الباعث على هذا الأمر و الغاية المقصودة منها بل أطلقت إطلاقا ليتنبه بذلك نفس السامع و تقف موقف التجسس، و تنتشط إذا سمعت أصل القصة، و نالت الارتباط بين الكلامين، و لذلك لما سمعت بنو إسرائيل قوله: {إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} تعجبوا من ذلك و لم يحملوه إلا على أن نبي الله موسى يستهزئ بهم لعدم وجود رابطة عندهم بين ذبح البقرة و ما يسألونه من فصل الخصومة و الحصول على القاتل قالوا أ تتخذنا هزوا و سخرية. 

  • و إنما قالوا ذلك لفقدهم روح الإطاعة و السمع و استقرار ملكة الاستكبار و العتو فيهم، و قولهم: إنا لا نحوم حول التقليد المذموم، و إنما نؤمن بما نشاهده و نراه كما قالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً} و إنما وقعوا فيما وقعوا من جهة استقلالهم في الحكم و القضاء فيما لهم ذلك، و فيما ليس لهم ذلك فحكموا بالمحسوس على المعقول فطالبوا معاينة الرب بالحس الباصر و قالوا: {يَا مُوسَى اِجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}: الأعراف - ١٣٨، و زعموا أن نبيهم موسى مثلهم يتهوس كتهوسهم، و يلعب كلعبهم، فرموه بالاستهزاء و السفه و الجهالة حتى رد عليهم، و قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، و إنما استعاذ بالله و لم يخبر عن نفسه بأنه ليس يجاهل لأن ذلك منه (علیه السلام) أخذ بالعصمة الإلهية التي لا تتخلف لا الحكمة الخلقية التي ربما تتخلف. 

  • و زعموا أن ليس للإنسان أن يقبل قولا إلا عن دليل، و هذا حق، لكنهم غلطوا في زعمهم أن كل حكم يجب العثور على دليله تفصيلا و لا يكفي في ذلك الإجمال و من أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة لحكمهم أن نوع البقر ليس فيه خاصة الإحياء، فإن كان و لا بد فهو في فرد خاص منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة البيان و لذلك {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}، و هذا تشديد منهم على أنفسهم من غير جهة فشدد الله عليهم، و قال موسى {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ}، أي ليست بمسنة انقطعت 

  •  

تفسير الميزان ج۱

202
  • ولادتها {وَ لاَ بِكْرٌ} أي لم تلد {عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ}، و

  • العوان‌ 

  • من النساء و البهائم ما هو في منتصف السن أي واقعة في السن بين ما ذكر من الفارض و البكر، ثم ترحم عليهم ربهم فوعظهم أن لا يلحوا في السؤال، و لا يشددوا على أنفسهم و يقنعوا بما بين لهم فقال: 

  • {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}، لكنهم لم يرتدعوا بذلك بل {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ} شديد الصفرة في صفاء {لَوْنُهَا تَسُرُّ اَلنَّاظِرِينَ} و تم بذلك وصف البقرة بيانا، و اتضح أنها ما هي و ما لونها و هم مع ذلك لم يرضوا به، و أعادوا كلامهم الأول، من غير تحجب و انقباض و {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}، فأجابهم ثانيا بتوضيح في ماهيتها و لونها و قال {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ} أي غير مذللة بالحرث و السقي {تُثِيرُ اَلْأَرْضَ} بالشيار {وَ لاَ تَسْقِي اَلْحَرْثَ} فلما تم عليهم البيان و لم يجدوا ما يسألونه {قَالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} قول من يعترف بالحقيقة بالإلزام و الحجة من غير أن يجد إلى الرد سبيلا، فيعترف بالحق اضطرارا، و يعتذر عن المبادرة إلى الإنكار بأن القول لم يكن مبينا من قبل، و لا بينا تاما. و الدليل على ذلك قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} 

  • قوله تعالى: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا}، شروع في أصل القصة و

  • التدارؤ 

  • هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا - نفسا - و كل طائفة منهم يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها - و أراد الله سبحانه إظهار ما كتموه. 

  • قوله تعالى: {فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}، أول الضميرين راجع إلى النفس باعتبار أنه قتيل، و ثانيهما إلى البقرة، و قد قيل: إن المراد بالقصة بيان أصل تشريع الحكم حتى ينطبق على الحكم المذكور في التوراة الذي نقلناه، و المراد بإحياء الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول، نظير ما ذكره تعالى بقوله: {وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}: البقرة - ١٧٩، من دون أن يكون هناك إحياء بنحو الإعجاز هذا، و أنت خبير بأن سياق الكلام و خاصة قوله تعالى: {فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِ اَللَّهُ اَلْمَوْتى‌}، يأبى ذلك. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }

  • القسوة 

  • في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر و كلمة أو بمعنى بل، و المراد بكونها بمعنى بل انطباق معناه على موردها، 

  •  

تفسير الميزان ج۱

203
  • و قد بين شدة قسوة قلوبهم بقوله: {وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهَارُ}، و قوبل فيه بين الحجارة و الماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجر منها الأنهار على لين مائها و تشقق فيخرج منها الماء على لينه و صلابتها، و لا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحق، و لا قول حق يلائم الكمال الواقع. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ}، و هبوط الحجارة ما نشاهد من انشقاق الصخور على قلل الجبال، و هبوط قطعات منها بواسطة الزلازل، و صيرورة الجمد الذي يتخللها في فصل الشتاء ماء في فصل الربيع إلى غير ذلك، و عد هذا الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعية هبوطا من خشية الله تعالى لأن جميع الأسباب منتهية إلى الله سبحانه فانفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاص بها انفعال عن أمر الله سبحانه إياها بالهبوط، و هي شاعرة لأمر ربها شعورا تكوينيا، كما قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} إسراء - ٤٤، و قال تعالى: 

  • {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}: البقرة - ١١٦، و الانفعال الشعوري هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى، فالآية جارية مجرى قوله تعالى: {وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ اَلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} الرعد - ١٣: و قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصَالِ} الرعد - ١٥، حيث عد صوت الرعد تسبيحا بالحمد و عد الظلال ساجدة لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات التي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى. 

  • و بالجملة فقوله: {وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ}، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة فإن الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيته، و قلوبهم لا تخشى الله تعالى و لا تهابه.

  • (بحث روائي) 

  • - في المحاسن: عن الصادق (علیه السلام): في قول الله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، أ قوة 

  •  

تفسير الميزان ج۱

204
  • الأبدان أو قوة القلب؟ قال (علیه السلام): فيهما جميعا. 

  • أقول: و رواه العياشي أيضا في تفسيره. - و في تفسير العياشي، عن الحلبي: في قوله تعالى: {وَ اُذْكُرُوا مَا فِيهِ}، قال: قال اذكروا ما فيه - و اذكروا ما في تركه من العقوبة.

  • أقول: و قد استفيد ذلك من المقام من قوله تعالى: {وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا}

  • و في الدر المنثور،: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): لو لا أن بني إسرائيل قالوا - و إنا إن شاء الله لمتهدون ما أعطوا أبدا - و لو أنهم اعترضوا بقرة من البقر - فذبحوها لأجزأت عنهم - و لكنهم شددوا فشدد الله عليهم. 

  • و في تفسير القمي،: عن ابن فضال قال: سمعت أبا الحسن (علیه السلام) يقول: إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة - و إنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم. 

  • و في المعاني، و تفسير العياشي،: عن البزنطي قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول:

  • إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له - ثم أخذه و طرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل - ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى إن سبط آل فلان قتلوا فلانا - فأخبر من قتله قال: ائتوني ببقرة {قَالُوا أَ تَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ }- و لو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم - و لكن شددوا فشدد الله عليهم، {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَ لاَ بِكْرٌ }- يعني لا صغيرة و لا كبيرة عوان بين ذلك - و لو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم - و لكن شددوا فشدد الله عليهم - {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا - قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ - فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ اَلنَّاظِرِينَ} و لو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم - و لكن شددوا فشدد الله عليهم {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا - وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. 

  • قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ - وَ لاَ تَسْقِي اَلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا. 

  • قَالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل - فقال لا أبيعها إلا 

  •  

تفسير الميزان ج۱

205
  • بمل‌ء مسك ذهبا، فجاءوا إلى موسى و قالوا له ذلك - قال اشتروها فاشتروها و جاءوا بها فأمر بذبحها - ثم أمر أن يضربوا الميت بذنبها - فلما فعلوا ذلك حيي المقتول - و قال يا رسول الله إن ابن عمي قتلني، دون من أدعي عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله - فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه - إن هذه البقرة لها نبأ فقال و ما هو؟ قال إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه - و أنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه و الأقاليد تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع - فاستيقظ أبوه فأخبره فقال أحسنت، هذه البقرة فهي لك عوضا مما فاتك - فقال له رسول الله موسى انظر إلى البر ما بلغ بأهله. أقول: و الروايات كما ترى منطبقة على إجمال ما استفدناه من الآيات الشريفة. 

  • (بحث فلسفي) إحياء الأموات و المسخ 

  • السورة كما ترى مشتملة على عدة من الآيات المعجزة، في قصص بني إسرائيل و غيرهم، كفرق البحر و إغراق آل فرعون في قوله تعالى: {وَ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَ أَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} الآية، و أخذ الصاعقة بني إسرائيل و إحيائهم بعد الموت في قوله تعالى: {وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى‌ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} الآية، و تظليل الغمام و إنزال المن و السلوى عليهم في قوله تعالى: {وَ ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْغَمَامَ} الآية، و انفجار العيون من الحجر في قوله تعالى: {وَ إِذِ اِسْتَسْقى‌ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ} الآية، و رفع الطور فوقهم في قوله تعالى: {وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ} الآية، و مسخ قوم منهم في قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً} الآية، و إحياء القتيل ببعض البقرة المذبوحة في قوله: {فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} الآية، و كإحياء قوم آخرين في قوله {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} الآية، و كإحياء الذي مر على قرية خربة في قوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‌ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خَاوِيَةٌ عَلى‌ عُرُوشِهَا} الآية، و كإحياء الطير بيد إبراهيم في قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‌} الآية، فهذه اثنتا عشرة آية معجزة خارقة للعادة جرت أكثرها في بني إسرائيل ذكرها القرآن - و قد بينا فيما مر إمكان وقوع المعجزة و أن خوارق العادات جائزة الوقوع في الوجود و هي مع ذلك ليست ناقضة لقانون العلية و المعلولية الكلي، و تبين به أن 

  •  

تفسير الميزان ج۱

206
  • لا دليل على تأويل الآيات الظاهرة في وقوع الإعجاز، و صرفها عن ظواهرها ما دامت الحادثة ممكنة، بخلاف المحالات كانقسام الثلاثة بمتساويين و تولد مولود يكون أبا لنفسه، فإنه لا سبيل إلى جوازها. 

  • نعم تختص بعض المعجزات كإحياء الموتى و المسخ ببحث آخر، فقد قيل: إنه قد ثبت في محله أن الموجود الذي له قوة الكمال و الفعلية إذا خرج من القوة إلى الفعل فإنه يستحيل بعد ذلك رجوعه إلى القوة ثانيا، و كذلك كل ما هو أكمل وجودا فإنه لا يرجع في سيره الاستكمالي إلى ما هو أنقص وجودا منه من حيث هو كذلك. 

  • و الإنسان بموته يتجرد بنفسه عن المادة فيعود موجودا مجردا مثاليا أو عقليا، و هاتان الرتبتان فوق مرتبة المادة، و الوجود فيهما أقوى من الوجود المادي، فمن المحال أن تتعلق النفس بعد موتها بالمادة ثانيا، و إلا لزم رجوع الشي‌ء إلى القوة بعد خروجه إلى الفعل، و هو محال، و أيضا الإنسان أقوى وجودا من سائر أنواع الحيوان، فمن المحال أن يعود الإنسان شيئا من سائر أنواع الحيوان بالمسخ. 

  • أقول: ما ذكره من استحالة رجوع ما بالقوة بعد خروجه إلى الفعل إلى القوة ثانيا حق لا ريب فيه، لكن عود الميت إلى حياته الدنيا ثانيا في الجملة و كذا المسخ ليسا من مصاديقه. بيان ذلك: أن المحصل من الحس و البرهان أن الجوهر النباتي المادي إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيواني فإنه يتحرك إلى الحيوانية، فيتصور بالصورة الحيوانية و هي صورة مجردة بالتجرد البرزخي، و حقيقتها إدراك الشي‌ء نفسه بإدراك جزئي خيالي و هذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي و فعلية لهذه القوة تلبس بها بالحركة الجوهرية و من المحال أن ترجع يوما إلى الجوهر المادي فتصير إياه إلا أن تفارق مادتها فتبقى المادة مع صورة مادية كالحيوان تموت فيصير جسدا لا حراك به، ثم إن الصورة الحيوانية مبدأ لأفعال إدراكية تصدر عنها، و أحوال علمية تترتب عليها، تنتقش النفس بكل واحد من تلك الأحوال بصدورها منها، و لا يزال نقش عن نقش، و إذا تراكمت من هذه النقوش ما هي متشاكلة متشابهة تحصل نقش واحد و صار صورة ثابتة غير قابلة للزوال، و ملكة راسخة، و هذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوع بها نفس حيواني فتصير حيوانا خاصا ذا صورة خاصة منوعة كصورة المكر و الحقد و الشهوة و الوفاء و الافتراس و غير ذلك و إذا لم تحصل ملكة بقي النفس 

  •  

تفسير الميزان ج۱

207
  • على مرتبتها الساذجة السابقة، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتا و لم يخرج إلى الفعلية الحيوانية، و لو أن النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها و أفعالها بحصول الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أول وجودها لكنها تتكامل بواسطة أفعالها الإدراكية المتعلقة بالمادة شيئا فشيئا حتى تصير حيوانا خاصا إن عمر العمر الطبيعي أو قدرا معتدا به، و إن حال بينه و بين استتمام العمر الطبيعي أو القدر المعتد به مانع كالموت الاخترامي بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانية، ثم إن الحيوان إذا وقعت في صراط الإنسانية و هي الوجود الذي يعقل ذاته تعقلا كليا مجردا عن المادة و لوازمها من المقادير و الألوان و غيرهما خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية التجرد العقلي، و تحققت له صورة الإنسان بالفعل، و من المحال أن تعود هذه الفعلية إلى قوتها التي هي التجرد المثالي على حد ما ذكر في الحيوان. 

  • ثم إن لهذه الصورة أيضا أفعالا و أحوالا تحصل بتراكمها التدريجي صورة خاصة جديدة توجب تنوع النوعية الإنسانية على حد ما ذكر نظيره في النوعية الحيوانية. 

  • إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنا لو فرضنا إنسانا رجع بعد موته إلى الدنيا و تجدد لنفسه التعلق بالمادة و خاصة المادة التي كانت متعلقة نفسه من قبل لم يبطل بذلك أصل تجرد نفسه فقد كانت مجردة قبل انقطاع العلقة و معها أيضا و هي مع التعلق ثانيا حافظة لتجردها، و الذي كان لها بالموت أن الأداة التي كانت رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادي كالصانع إذا فقد آلات صنعته و الأدوات اللازمة لها؛ فإذا عادت النفس إلى تعلقها الفعلي بالمادة أخذت في استعمال قواها و أدواتها البدنية و وضعت ما اكتسبتها من الأحوال و الملكات بواسطة الأفعال فوق ما كانت حاضرة و حاصلة لها من قبل و استكملت بها استكمالا جديدا من غير أن يكون ذلك منه رجوعا قهقرى و سيرا نزوليا من الكمال إلى النقص، و من الفعل إلى القوة. 

  • فإن قلت: هذا يوجب القول: بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه، فإن النفس المجردة المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة الأفعال المادية بالتعلق بالمادة ثانيا كان بقاؤها على الحرمان من الكمال إلى الأبد حرمانا عما تستدعيه بطباعها، فما كل نفس براجعة إلى الدنيا بإعجاز أو خرق عادة، و الحرمان المستمر 

  •  

تفسير الميزان ج۱

208
  • قسر دائم. 

  • قلت: هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا و اتصلت إلى حد و ماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائما بل يستقر على فعليتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك و تبقى على ذلك، و تزول الإمكان المذكور بعد ذلك فالإنسان الذي مات و له نفس ساذجة غير أنه فعل أفعالا و خلط عملا صالحا و آخر سيئا لو عاش حينا أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورة سعيدة أو شقية و كذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا و عاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصة جديدة و إذا لم يعد فهو في البرزخ مثاب أو معذب بما كسبته من الأفعال حتى يتصور بصورة عقلية مناسبة لصورته السابقة المثالية و عند ذلك يبطل الإمكان المذكور و يبقى إمكانات الاستكمالات العقلية فإن عاد إلى الدنيا كالأنبياء و الأولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقلية من ناحية المادة و الأفعال المتعلقة بها و لو لم يعد فليس له إلا ما كسب من الكمال و الصعود في مدارجه، و السير في صراطه، هذا. 

  • و من المعلوم أن هذا ليس قسرا دائما و لو كان مجرد حرمان موجود عن كماله الممكن له بواسطة عمل عوامل و تأثير علل مؤثرة قسرا دائما لكان أكثر حوادث هذا العالم الذي هو دار التزاحم، و موطن التضاد أو جميعها قسرا دائما، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرة في الجميع، و إنما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من الأنواع اقتضاء كمال من الكمالات أو استعداد ثم لا يظهر أثر ذلك دائما إما لأمر في داخل ذاته أو لأمر من خارج ذاته متوجه إلى إبطاله بحسب الغريزة، فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزا باطلا و تجبيلا هباء لغوا فافهم ذلك، و كذا لو فرضنا إنسانا تغيرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد و الخنزير فإنما هي صورة على صورة، فهو إنسان خنزير أو إنسان قردة، لا إنسان بطلت إنسانيته، و خلت الصورة الخنزيرية أو القردية محلها، فالإنسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصورت نفسه بها و لا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت، و قد مر أن النفس ـ 

  •  

تفسير الميزان ج۱

209
  • الإنسانية في أول حدوثها على السذاجة يمكن أن تتنوع بصورة خاصة تخصصها بعد الإبهام و تقيدها بعد الإطلاق و القبول فالممسوخ من الإنسان إنسان ممسوخ لا أنه ممسوخ فاقد للإنسانية هذا، و نحن نقرأ في المنشورات اليومية من أخبار المجامع العلمية بأوربا و أمريكا ما يؤخذ جواز الحياة بعد الموت، و تبدل صورة الإنسان بصورة المسخ، و إن لم نتكل في هذه المباحث على أمثال هذه الأخبار، لكن من الواجب على الباحثين من المحصلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالأمس. 

  • فإن قلت: فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ. 

  • قلت: كلا فإن التناسخ و هو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال، فإن هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق نفسين ببدن واحد، و هو وحدة الكثير، و كثرة الواحد، و إن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة، كرجوع الشيخ إلى الصبا، و كذلك يستحيل تعلق نفس إنساني مستكملة مفارقة ببدن نباتي أو حيواني بما مر من البيان..

  • (بحث علمي و أخلاقي) معنى التقليد 

  • أكثر الأمم الماضية قصة في القرآن أمة بني إسرائيل، و أكثر الأنبياء ذكرا فيه موسى بن عمران (علیه السلام)، فقد ذكر اسمه في القرآن، في مائة و ستة و ثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم (علیه السلام) الذي هو أكثر الأنبياء ذكرا بعد موسى، فقد ذكر في تسعة و ستين موضعا على ما قيل فيهما، و الوجه الظاهر فيه أن الإسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه إبراهيم (علیه السلام) و أتمه الله سبحانه و أكمله لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} الحج - ٧٨، و بنو إسرائيل أكثر الأمم لجاجا و خصاما، و أبعدهم من الانقياد للحق، كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلي بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: البقرة - ٦. 

  •  

تفسير الميزان ج۱

210
  • و لا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم و جفوتهم مما ذكره القرآن إلا و هو موجود فيهم، و كيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، و أمعنت فيها، و ما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الأمة لا تؤمن بما وراء الحس، و لا تنقاد إلا إلى اللذة و الكمال المادي، و هم اليوم كذلك. و هذا الشأن هو الذي صير عقلهم و إرادتهم تحت انقياد الحس و المادة، لا يعقلون إلا ما يجوزانه، و لا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، و إن كان حقا و انقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة، و زخرف الحياة و إن لم يكن حقا، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا و فعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد و إن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، و يمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحياة، و إن كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، و قد ساعدهم على ذلك و أعانهم عليه مكثهم الممتد و قطونهم الطويل بمصر تحت استذلال المصريين، و استرقاقهم، و تعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب و يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم و في ذلك بلاء من ربهم عظيم. 

  • و بالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبياؤهم، و الربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم و معادهم (تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى و غيره) و سريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون و المستكبرون منهم. 

  • و قد ابتليت الحقيقة و الحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنية القاعدة على الحس و المادة، فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس و لا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها، و ارتحال المعارف العالية و الأخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، و جامعة البشر بأشد الفساد و ليعلمن نبأه بعد حين. 

  • و استيفاء البحث في الأخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كل دليل بمطلوب، و ما كل تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الإنساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله 

  •  

تفسير الميزان ج۱

211
  • الحيوي بأفعاله الإرادية المتوقفة على الفكر و الإرادة منه مستحيلة التحقق إلا عن فكر، فالفكر هو الأساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروري فلا بد للإنسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة، و هي القضايا التي نعلل بها أفعالنا الفردية أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثم نحصلها في الخارج بأفعالنا، هذا. 

  • ثم إن في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة، و لا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو، و هذا شأن الإنسان لا يتخطاه البتة، و لو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل و الإمعان تنحل الشبهة، و يظهر البحث عن العلة، و الركون و الطمأنينة إليها فطري، و الفطرة لا تختلف و لا يتخلف فعلها، و هذا يؤدي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري و الفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد إلى رفعه معتمدا على نفسه و متكئا إلى قوة طبيعته الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع و هو المدينة و الحضارة و وزعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع، و وكل بكل باب من أبوابها طائفة كأعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها و عائدتها في نفسه، و لا تزال الحوائج الإنسانية تزداد كمية و اتساعا و تنشعب الفنون و الصناعات و العلوم، و يتربى عند ذلك الأخصائيون من العلماء و الصناع، فكثير من العلوم و الصناعات كانت علما أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، و اليوم نرى كل باب من أبوابه علما أو علوما أو صنعة أو صنائع، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع الطبيعيات و هو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الأخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها. 

  • و هذا يدعو الإنسان بالإلهام الفطري، أن يستقل بما يخصه من الشغل الإنساني في البحث عن علته و يتبع في غيره من يعتمد على خبرته و مهارته. 

  • فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة و حقيقة هذا الاتباع، و التقليد المصطلح و الركون إلى الدليل الإجمالي فيما ليس في وسع الإنسان 

  •  

تفسير الميزان ج۱

212
  • أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيلي فيما يسعه أن ينال تفصيل علته و دليله، و ملاك الأمر كله أن الإنسان لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، و هو الاستقلال في البحث عن العلة فيما يسعه ذلك و التقليد و هو الاتباع و رجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك، و لما استحال أن يوجد فرد من هذا النوع الإنساني مستقلا بنفسه قائما بجميع شئون الأصل الذي يتكي عليه الحياة استحال أن يوجد فرد من الإنسان من غير اتباع و تقليد، و من ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه أنه غير مقلد في حياته فقد سفه نفسه. 

  • نعم: التقليد فيما للإنسان أن ينال علته و سببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه و النيل منه، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع، و مفنيات المدينة الفاضلة و لا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لأنه السبب الذي إليه تنتهي الأسبابز

  •  [سورة البقرة (٢): الآیات ٧٥ الی ٨٢]

  • {أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ وَ إِذا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلى‌ بَعْضٍ قَالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ ٧٦ أَ وَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ ٧٧ وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ اَلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ٧٨ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ٧٩ وَ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً}

  •  

تفسير الميزان ج۱

213
  • {مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٨٠بَلى‌ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٨١ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٨٢ }

  • بيان‌ 

  • السياق و خاصة ما في ذيل الآيات يفيد أن اليهود عند الكفار، و خاصة كفار المدينة: لقرب دارهم منهم كانوا يعرفون قبل البعثة ظهيرا لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و عندهم علم الدين و الكتاب، و لذلك كان الرجاء في إيمانهم أكثر من غيرهم، و كان المتوقع أن يؤمنوا به أفواجا فيتأيد بذلك و يظهر نوره، و ينتشر دعوته، و لما هاجر النبي إلى المدينة و كان من أمرهم ما كان تبدل الرجاء قنوطا، و الطمع يأسا، و لذلك يقول سبحانه: {أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} إلخ، يعني أن كتمان الحقائق و تحريف الكلام من شيمهم، فلا ينبغي أن يستبعد نكولهم عما قالوا و نقضهم ما أبرموا. 

  • قوله تعالى: {أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}، فيه التفات من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب النبي و الذين آمنوا و وضعهم موضع الغيبة و كان الوجه فيه أنه لما قص قصة البقرة و عدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم لمكان التحريف الواقع فيها بحذفها من التوراة كما مر، أريد إتمام البيان بنحو الغيبة بالإشارة إلى تحريفهم كتاب الله تعالى فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلاَ} إلخ، لا تقابل بين الشرطين و هما مدخولا إذا في الموضعين كما في قوله تعالى: {وَ إِذا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‌ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ}: البقرة - ١٤، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم و جهالتهم.

  •  

تفسير الميزان ج۱

214
  • أحدهما: أنهم ينافقون فيتظاهرون بالإيمان صونا لأنفسهم من الإيذاء و الطعن و القتل. 

  • و ثانيهما: أنهم يريدون تعمية الأمر و إبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم و علانيتهم و ذلك أن العامة منهم، و