17

تفسير الميزان ج17

تفسير الميزان ج17 1878
مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة الطباطبائي

القسم القرآن والحديث والدعاء

المجموعة الميزان في تفسير القرآن


التوضيح

تعرّض العلامة الطباطبائي في هذا الجزء إلى تفسير السور التالية: فاطر، يس، الصافات، ص، الزمر، المؤمن (غافر)، حم السجدة
/٤۰۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان ج۱۷

1
  •  

تفسير الميزان ج۱۷

2
  •  

  •  

  • الميزان في تفسير القرآن 

  • الجزء السابع عشر

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تأليف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سرّه

  •  

  •  

تفسير الميزان ج۱۷

3
  •  

تفسير الميزان ج۱۷

4
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تمتاز هذه الطبعه عن غیرها بالتحقیق و التصحیح الکامل

  • واضافات و تغییرات هامه من قبل المولف

تفسير الميزان ج۱۷

5
  • (٣٥) سورة فاطر مكية و هي خمس و أربعون آية (٤٥) 

  • [سورة فاطر (٣٥): آیة ١]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ جَاعِلِ اَلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اَللَّهَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ١} 

  • (بيان) 

  • غرض السورة بيان الأصول الثلاثة: وحدانيته تعالى في ربوبيته و رسالة الرسول و المعاد إليه و تقرير الحجة لذلك و قد توسل لذلك بعد جمل من نعمه العظيمة السماوية و الأرضية و الإشارة إلى تدبيره المتقن لأمر العالم عامة و الإنسان خاصة. 

  • و قد قدم على هذا التفصيل الإشارة الإجمالية إلى انحصار فتح الرحمة و إمساكها و هو إفاضة النعمة و الكف عنها فيه تعالى بقوله: {مَا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} (الآية). 

  • و قدم على ذلك الإشارة إلى وسائط هذه الرحمة المفتوحة و النعم الموهوبة و هم الملائكة المتوسطون بينه تعالى و بين خلقه في حمل أنواع النعم من عنده تعالى و إيصالها إلى خلقه فافتتح السورة بذكرهم. 

تفسير الميزان ج۱۷

6
  •  

  • و السورة مكية كما يدل عليه سياق آياتها، و قد استثنى بعضهم آيتين و هما قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اَللَّهِ} (الآية)و قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا} (الآية) و هو غير ظاهر من سياق الآيتين. 

  • قوله تعالى: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} الفطرعلى ما ذكره الراغب هو الشق طولا فإطلاق الفاطر عليه تعالى بعناية استعارية كأنه شق العدم فأخرج من بطنها السماوات و الأرض فمحصل معناه أنه موجد السماوات و الأرض إيجادا ابتدائيا من غير مثال سابق، فيقرب معناه من معنى البديع و المبدع و الفرق بين الإبداع و الفطر أن العناية في الإبداع متعلقة بنفي المثال السابق و في الفطر بطرد العدم و إيجاد الشي‌ء من رأس لا كالصانع الذي يؤلف مواد مختلفة فيظهر به صورة جديدة لم تكن. 

  • و المراد بالسماوات و الأرض مجموع العالم المشهود فيشملهما و ما فيهما من مخلوق فيكون من قبيل إطلاق معظم الأجزاء و إرادة الكل مجازا، أو المراد نفس السماوات و الأرض اعتناء بشأنهما لكبر خلقتهما و عجيب أمرهما كما قال‌: {لَخَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ} المؤمن: ٥٧. 

  • و كيف كان فقوله: {فَاطِرِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} من أسمائه تعالى أجري صفة لله و المراد بالوصف الاستمرار دون الماضي فقط لأن الإيجاد مستمر و فيض الوجود غير منقطع و لو انقطع لانعدمت الأشياء. 

  • و الإتيان بالوصف بعد الوصف للإشعار بأسباب انحصار الحمد فيه تعالى كأنه قيل: الحمد لله على ما أوجد السماوات و الأرض و على ما جعل الملائكة رسلا أولي أجنحة فهو تعالى محمود ما أتى فيما أتى إلا الجميل. 

  • قوله تعالى: {جَاعِلِ اَلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ} الملائكة جمع ملك بفتح اللام و هم موجودات خلقهم الله و جعلهم وسائط بينه و بين العالم المشهود وكلهم بأمور العالم التكوينية و التشريعية عباد مكرمون لا يعصون الله فيما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون. 

  • فقوله تعالى: {جَاعِلِ اَلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} يشعر بل يدل على كون جميع الملائكة - و الملائكة جمع محلى باللام مفيد للعموم - رسلا وسائط بينه و بين خلقه في إجراء 

تفسير الميزان ج۱۷

7
  •  

  • أوامره التكوينية و التشريعية. 

  • و لا موجب لتخصيص الرسل في الآية بالملائكة النازلين على الأنبياء (عليهم السلام) و قد أطلق القرآن الرسل على غيرهم من الملائكة كقوله تعالى: ‌{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} الأنعام: ٦١، و قوله‌{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} يونس: ٢١، و قوله‌{وَ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرىَ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ }العنكبوت: ٣١. 

  • و الأجنحة جمع جناح و هو من الطائر بمنزلة اليد من الإنسان يتوسل به إلى الصعود إلى الجو و النزول منه و الانتقال من مكان إلى مكان بالطيران. 

  • فوجود الملك مجهز بما يفعل به نظير ما يفعله الطائر بجناحه فينتقل به من السماء إلى الأرض بأمر الله و يعرج به منها إليها و من أي موضع إلى أي موضع، و قد سماه القرآن جناحا و لا يستوجب ذلك إلا ترتب الغاية المطلوبة من الجناح عليه و أما كونه من سنخ جناح غالب الطير ذا ريش و زغب فلا يستوجبه مجرد إطلاق اللفظ كما لم يستوجبه في نظائره كألفاظ العرش و الكرسي و اللوح و القلم و غيرها. 

  • و قوله: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ} صفة للملائكة، و مثنى و ثلاث و رباع ألفاظ دالة على تكرر العدد أي اثنين اثنين و ثلاثة ثلاثة و أربعة أربعة كأنه قيل: جعل الملائكة بعضهم ذا جناحين و بعضهم ذا ثلاثة أجنحة و بعضهم ذا أربعة أجنحة. 

  • و قوله: {يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} لا يخلو من إشعار بحسب السياق بأن منهم من يزيد أجنحته على أربعة. 

  • و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ عَلىَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ} تعليل لجميع ما تقدمه أو الجملة الأخيرة و الأول أظهر. 

  • (بحث روائي) 

  • في البحار عن الإختصاص بإسناده عن المعلى بن محمد رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز و جل خلق الملائكة من نور، الخبر. 

تفسير الميزان ج۱۷

8
  •  

  • و في تفسير القمي قال الصادق (عليه السلام): خلق الله الملائكة مختلفة و قد أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) جبرئيل و له ستمائة جناح على ساقه الدر مثل القطر على البقل قد ملأ ما بين السماء و الأرض و قال إذا أمر الله عز و جل ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا صارت رجله في السماء السابعة و الأخرى في الأرض السابعة، و إن لله ملائكة أنصافهم من برد و أنصافهم من نار يقولون: يا مؤلفا بين البرد و النار ثبت قلوبنا على طاعتك. 

  • و قال: إن لله ملكا بعد ما بين شحمة أذنه إلى عينه مسيرة خمسمائة عام بخفقان الطير. 

  • و قال: إن الملائكة لا يأكلون و لا يشربون و لا ينكحون و إنما يعيشون بنسيم العرش، و إن لله عز و جل ملائكة ركعا إلى يوم القيامة و إن لله عز و جل ملائكة سجدا إلى يوم القيامة. 

  • ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما من شي‌ء مما خلق الله عز و جل أكثر من الملائكة و إنه ليهبط في كل يوم أو في كل ليلة سبعون ألف ملك، فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثم يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ثم يأتون أمير المؤمنين (عليه السلام) فيسلمون ثم يأتون الحسين (عليه السلام) فيقيمون عنده فإذا كان عند السحر وضع لهم معراج إلى السماء ثم لا يعودون أبدا. 

  • و قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الله عز و جل خلق إسرافيل و جبرائيل و ميكائيل من تسبيحة واحدة، و جعل لهم السمع و البصر و جودة العقل و سرعة الفهم. 

  • و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلقة الملائكة: و ملائكة خلقتهم و أسكنتهم سماواتك فليس فيهم فترة، و لا عندهم غفلة، و لا فيهم معصية، هم أعلم خلقك بك و أخوف خلقك منك، و أقرب خلقك منك، و أعملهم بطاعتك، لا يغشاهم نوم العيون و لا سهو العقول، و لا فترة الأبدان لم يسكنوا الأصلاب، و لم تضمهم الأرحام، و لم تخلقهم من ماء مهين أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سماواتك و أكرمتهم بجوارك، و ائتمنتهم على وحيك، و جنبتهم الآفات، و وقيتهم البليات، و طهرتهم من الذنوب، و لو لا قوتك لم يقووا، و لو لا تثبيتك لم يثبتوا، و لو لا رحمتك لم يطيعوا، و لو لا أنت لم يكونوا. 

تفسير الميزان ج۱۷

9
  •  

  • أما إنهم على مكانتهم منك و طاعتهم إياك و منزلتهم عندك و قلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا ما خفي عنهم منك لاحتقروا أعمالهم، و لآزروا على أنفسهم، و لعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك سبحانك خالقا و معبودا ما أحسن بلاءك عند خلقك. 

  • و في البحار، عن الدر المنثور، عن أبي العلاء بن سعد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال يوما لجلسائه: أطت السماء و حق لها أن تئط ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد. ثم قرأ {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ}

  • و عن الخصال، بإسناده عن محمد بن طلحة يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: الملائكة على ثلاثة أجزاء فجزء لهم جناحان و جزء لهم ثلاثة أجنحة و جزء لهم أربعة أجنحة. 

  • أقول: و رواه في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن طلحة مثله، و لعل المراد به وصف أغلب الملائكة حتى لا يعارض سياق الآية و الروايات الأخر. 

  • و عن التوحيد، بإسناده عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ليس أحد من الناس إلا و معه ملائكة حفظ يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء فإذا حان أجله خلوا بينه و بين ما يصيبه. (الخبر). 

  • و عن البصائر، عن السياري عن عبد الله بن أبي عبد الله الفارسي و غيره رفعوه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم. ثم قال: إن موسى (عليه السلام) لما أن سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا. 

  • و عن الصحيفة السجادية، و كان من دعائه على حملة العرش و كل ملك مقرب: اللهم و حملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك، و لا يسأمون من تقديسك، و لا يستحسرون عن عبادتك، و لا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك، و لا يغفلون عن الوله إليك، و إسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الإذن و حلول الأمر فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور، و ميكائيل ذو الجاه عندك و المكان الرفيع من طاعتك و جبريل الأمين على وحيك المطاع في سماواتك المكين لديك المقرب عندك، و الروح الذي هو على ملائكة الحجب و الروح الذي هو من أمرك. 

تفسير الميزان ج۱۷

10
  •  

  • اللهم فصل عليهم و على الملائكة الذين من دونهم من سكان سماواتك و أهل الأمانة على رسالاتك، و الذين لا يدخلهم سأمة من دءوب و لا إعياء من لغوب و لا فتور و لا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات و لا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات، الخشع الأبصار فلا يرومون النظر إليك، النواكس الأذقان الذين قد طالت رغبتهم فيما لديك المستهترون بذكر آلائك و المتواضعون دون عظمتك و جلال كبريائك، و الذين يقولون إذا نظروا إلى جهنم تزفر على أهل معصيتك سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. 

  • فصل عليهم و على الروحانيين من ملائكتك و أهل الزلفة عندك و حمال الغيب إلى رسلك و المؤتمنين على وحيك و قبائل الملائكة الذين اختصصتهم لنفسك و أغنيتهم عن الطعام و الشراب بتقديسك و أسكنتهم بطون أطباق سماواتك، و الذين هم على أرجائها إذا نزل الأمر بتمام وعدك. 

  • و خزان المطر و زواجر السحاب و الذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود، و إذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق، و مشيعي الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل، و القوام على خزائن الرياح، و الموكلين بالجبال فلا تزول، و الذين عرفتهم مثاقيل المياه و كيل ما يحويه لواعج الأمطار و عوالجها و رسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء و محبوب الرخاء. 

  • و السفرة الكرام البررة و الحفظة الكرام الكاتبين، و ملك الموت و أعوانه، و منكر و نكير، و مبشر و بشير، و رؤمان فتان القبور، و الطائفين بالبيت المعمور، و مالك و الخزنة، و رضوان و سدنة الجنان، و الذين لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، و الذين يقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، و الزبانية الذين إذا قيل لهم: «خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه» ابتدروه سراعا و لم ينظروه، و من ألهمنا ذكره و لم نعلم مكانه منه و بأي أمر وكلته، و سكان الهواء و الأرض و الماء، و من منهم على الخلق. 

  • فصل عليهم يوم تأتي كل نفس معها سائق و شهيد و صل عليهم صلاة تزيدهم كرامة على كرامتهم و طهارة على طهارتهم. الدعاء. 

  • و في البحار، عن الدر المنثور، عن ابن شهاب: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) سأل جبرئيل 

تفسير الميزان ج۱۷

11
  •  

  • أن يتراءى له في صورته فقال جبرئيل: إنك لن تطيق ذلك. قال: إني أحب ذلك فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبرئيل في صورته فغشي على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حين رآه ثم أفاق و جبرئيل مسنده و واضع إحدى يديه على صدره و الأخرى بين كتفيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما كنت أرى أن شيئا ممن يخلق هكذا فقال جبرئيل: فكيف لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر جناحا جناح في المشرق و جناح في المغرب و إن العرش على كاهله، و إنه ليتضأل الأحيان لعظمة الله حتى يصير مثل الوصع‌۱ حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته. 

  • و في الصافي عن التوحيد، بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال: و قوله في آخر الآيات: {مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَ مَا طَغىَ لَقَدْ رَأىَ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىَ} رأى جبرئيل في صورته مرتين هذه المرة و مرة أخرى و ذلك أن خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم و صفتهم إلا الله. 

  • و عن الخصال، بإسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه.

  • أقول: و هناك روايات أخرى في صفة الملائكة فوق حد الإحصاء واردة في باب المعاد و معراج النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أبواب متفرقة أخرى، و فيما أوردناه أنموذج كاف في ذلك. 

  • و في العيون في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة بإسناده عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، و قرأ {يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}

  • و في التوحيد، بإسناده عن زرارة عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن القضاء و القدر خلقان من خلق الله يزيد في الخلق ما يشاء. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} روى أبو هريرة عن النبي 

    1. بفتح الصاد و سكونها طائر أصفر من العصفور.

تفسير الميزان ج۱۷

12
  •  

  • (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: هو الوجه الحسن و الصوت الحسن و الشعر الحسن.

  • أقول: و الروايات الثلاث الأخيرة من قبيل الجري و الانطباق. 

  • (كلام في الملائكة) 

  • تكرر ذكر الملائكة في القرآن الكريم و لم يذكر منهم بالتسمية إلا جبريل و ميكال و ما عداهما مذكور بالوصف كملك الموت و الكرام الكاتبين و السفرة الكرام البررة و الرقيب و العتيد و غير ذلك. 

  • و الذي ذكره الله سبحانه في كلامه و تشايعه الأحاديث السابقة من صفاتهم و أعمالهم هو أولا: أنهم موجودات مكرمون هم وسائط بينه تعالى و بين العالم المشهود فما من حادثة أو واقعة صغيرة أو كبيرة إلا و للملائكة فيها شأن و عليها ملك موكل أو ملائكة موكلون بحسب ما فيها من الجهة أو الجهات و ليس لهم في ذلك شأن إلا إجراء الأمر الإلهي في مجراه أو تقريره في مستقره كما قال تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الأنبياء: ٢٧. 

  • و ثانيا: أنهم لا يعصون الله فيما أمرهم به فليست لهم نفسية مستقلة ذات إرادة مستقلة تريد شيئا غير ما أراد الله سبحانه فلا يستقلون بعمل و لا يغيرون أمرا حملهم الله إياه بتحريف أو زيادة أو نقصان قال تعالى: ‌{لاَ يَعْصُونَ اَللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم: ٦. 

  • و ثالثا: أن الملائكة على كثرتهم على مراتب مختلفة علوا و دنوا فبعضهم فوق بعض و بعضهم دون بعض فمنهم آمر مطاع و منهم مأمور مطيع لأمره، و الآمر منهم آمر بأمر الله حامل له إلى المأمور و المأمور مأمور بأمر الله مطيع له، فليس لهم من أنفسهم شي‌ء البتة قال تعالى: ‌{وَ مَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} الصافات: ١٦٤ و قال: ‌{مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} التكوير: ٢١، و قال: ‌{قَالُوا مَا ذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اَلْحَقَّ} سبأ: ٢٣. 

  • و رابعا: أنهم غير مغلوبين لأنهم إنما يعملون بأمر الله و إرادته {وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ} فاطر: ٤٤، و قد قال الله: ‌{وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلىَ 

تفسير الميزان ج۱۷

13
  •  

  • أَمْرِهِ} يوسف: ٢١، و قال: ‌{إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق: ٣. 

  • و من هنا يظهر أن الملائكة موجودات منزهة في وجودهم عن المادة الجسمانية التي هي في معرض الزوال و الفساد و التغير و من شأنها الاستكمال التدريجي الذي تتوجه به إلى غايتها، و ربما صادفت الموانع و الآفات فحرمت الغاية و بطلت دون البلوغ إليها. 

  • و من هنا يظهر أن ما ورد في الروايات من صور الملائكة و أشكالهم و هيئاتهم الجسمانية كما تقدم نبذة منها في البحث الروائي السابق إنما هو بيان تمثلاتهم و ظهوراتهم للواصفين من الأنبياء و الأئمة (عليه السلام) ، و ليس من التصور و التشكل في شي‌ء ففرق بين التمثل و التشكل فتمثل الملك إنسانا هو ظهوره لمن يشاهده في صورة الإنسان فهو في ظرف المشاهدة و الإدراك ذو صورة الإنسان و شكله و في نفسه و الخارج من ظرف الإدراك ملك ذو صورة ملكية و هذا بخلاف التشكل و التصور فإنه لو تشكل بشكل الإنسان و تصور بصورته صار إنسانا في نفسه من غير فرق بين ظرف الإدراك و الخارج عنه فهو إنسان في العين و الذهن معا؟ و قد تقدم كلام في معنى التمثل في تفسير سورة مريم. 

  • و لقد صدق الله سبحانه ما تقدم من معنى التمثل في قوله في قصة المسيح و مريم‌{ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا} مريم: ١٧ و قد تقدم تفسيره. 

  • و أما ما شاع في الألسن أن الملك جسم لطيف يتشكل بأشكال مختلفة إلا الكلب و الخنزير، و الجن جسم لطيف يتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب و الخنزير فمما لا دليل عليه من عقل و لا نقل من كتاب أو سنة معتبرة، و أما ما ادعاه بعضهم من إجماع المسلمين على ذلك فمضافا إلى منعه لا دليل على حجيته في أمثال هذه المسائل الاعتقادية. 

  •  

  • [سورة فاطر (٣٥): الآیات ٢ الی ٨]

  • {مَا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَ مَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ٢ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُذْكُرُوا 

تفسير الميزان ج۱۷

14
  •  

  • نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ٣ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ٤ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ ٥ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ اَلسَّعِيرِ ٦ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ ٧ أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ٨} 

  • (بيان) 

  • لما أشار إلى الملائكة و هم وسائط في وصول النعم إلى الخليقة أشار إلى نفس النعم إشارة كلية فذكر أن عامة النعم من الله سبحانه لا غير فهو الرازق لا يشاركه فيه أحد، ثم احتج بالرازقية على الربوبية ثم على المعاد و أن وعده تعالى بالبعث و عذاب الكافرين و مغفرة المؤمنين الصالحين حق، و في الآيات تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • قوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَ مَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} إلخ المعنى أن ما يؤتيه الله الناس من النعمة و هو الرزق فلا مانع عنه 

تفسير الميزان ج۱۷

15
  •  

  • و ما يمنع فلا مؤتي له فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما يرسل الله للناس إلخ. كما عبر في الجملة الثانية بالإرسال لكنه عدل عن الإرسال إلى الفتح لما وقع مكررا في كلامه أن لرحمته خزائن كقوله: ‌{أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ اَلْوَهَّابِ} ص: ٩ و قوله‌ { قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ اَلْإِنْفَاقِ} الإسراء: ١٠٠و التعبير بالفتح أنسب من الإرسال في الخزائن ففيه إشارة إلى أن الرحمة التي يؤتاها الناس مخزونة في خزائن محيطة بالناس لا يتوقف نيلهم منها إلا إلى فتحها من غير مئونة زائدة. 

  • و قد عبر عن الرزق الذي هو النعمة بالرحمة للدلالة على أن إفاضته تعالى لهذه النعم ناشئة من مجرد الرحمة من غير توقع لنفع يعود إليه أو كمال يستكمل به. 

  • و قوله: {وَ مَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} أي و ما يمنع من الرحمة فلا مرسل له من دونه، و في التعبير بقوله: {مِنْ بَعْدِهِ} إشارة إلى أنه تعالى أول في المنع كما أنه أول في الإعطاء. 

  • و قوله: {وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} تقرير للحكم المذكور في الآية الكريمة بالاسمين الكريمين فهو تعالى لكونه عزيزا لا يغلب إذا أعطى فليس لمانع أن يمنع عنه و إذا منع فليس لمعط أن يعطيه، و هو تعالى حكيم إذا أعطى أعطى عن حكمة و مصلحة و إذا منع منع عن حكمة و مصلحة و بالجملة لا معطي إلا الله و لا مانع إلا هو، و منعه و إعطائه عن حكمة. 

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ. لما قرر في الآية السابقة أن الإعطاء و المنع لله سبحانه لا يشاركه في ذلك أحد احتج في هذه الآية بذلك على توحده في الربوبية. 

  • و تقرير الحجة أن الإله إنما يكون إلها معبودا لربوبيته و هي ملكة تدبير أمر الناس و غيرهم، و الذي يملك تدبير الأمر بهذه النعم التي يتقلب فيها الناس و غيرهم و يرتزقون بها هو الله سبحانه دون غيره من الآلهة التي اتخذوها لأنه سبحانه هو الذي خلقها دونهم و الخلق لا ينفك عن التدبير و لا يفارقه فهو سبحانه إلهكم لا إله إلا هو لأنه ربكم الذي يدبر أمركم بهذه النعم التي تتقلبون فيها و إنما كان ربا مدبرا بهذه النعم لأنه 

تفسير الميزان ج۱۷

16
  •  

  • خالقها و خالق النظام الذي يجري عليها. 

  • و بذلك يظهر أن المراد بالناس المخاطبين الوثنيون و غيرهم ممن اتخذ لله شريكا. 

  • و قوله: {اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ} المراد بالذكر ما يقابل النسيان دون الذي الذكر اللفظي. 

  • و قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} الرزق‌ هو ما يمد به البقاء و مبدؤه السماء بواسطة الأشعة و الأمطار و غيرهما و الأرض بواسطة النبات و الحيوان و غيرهما. 

  • و بذلك يظهر أيضا أن في الآية إيجازا لطيفا فقد بدلت الرحمة في الآية السابقة نعمة في هذه الآية أولا ثم النعمة رزقا ثانيا و كان مقتضى سياق الآيتين أن يقال: هل من رازق أو هل من منعم أو هل من راحم لكن بدل ذلك من قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ} ليكون إشارة إلى برهان ثان ينقطع به الخصام، فإنهم يرون تدبير العالم لآلهتهم بإذن الله فلو قيل: هل من رازق أو منعم غير الله لم ينقطع الخصام و أمكن أن يقولوا نعم آلهتنا بتفويض التدبير من الله إليهم لكن لما قيل: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ} أشير بالوصف إلى أن الرازق و المدبر هو خالق الرزق لا غير فانقطع الخصام و لم يمكنهم إلا أن يجيبوا بنفي خالق غير الله يرزقهم من السماء و الأرض. 

  • و قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض بالتوحيد يفيد التعظيم نظير قوله: {وَ قَالُوا اِتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ}

  • أي لا معبود بالحق إلا هو لأن المستحق للعبادة هو الذي ينعم عليكم و يرزقكم و ليس إلا الله. 

  • و قوله: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} توبيخ متفرع على ما سبغ من البرهان أي فإذا كان الأمر هكذا و أنتم تقرون بذلك فإلى متى تصرفون عن الحق إلى الباطل و من التوحيد إلى الإشراك. 

  • و في إعراب الآية أعني قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اَللَّهِ} إلخ. بين القوم مشاجرات طويلة و الذي يناسب ما تقدم من تقرير البرهان أن {مِنْ} زائدة للتعميم، و قوله: 

تفسير الميزان ج۱۷

17
  •  

  • {غَيْرُ اَللَّهِ} صفة لخالق تابع لمحله، و كذا قوله: {يَرْزُقُكُمْ} إلخ. و {مِنْ خَالِقٍ} مبتدأ محذوف الخبر و هو موجود، و قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض، و قوله: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} تفريع على ما تقدمه. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أي و إن يكذبوك بعد استماع هذه البراهين الساطعة فلا تحزن فليس ذلك ببدع فقد كذبت رسل من قبلك كذبتهم أممهم و أقوامهم و إلى الله ترجع عامة الأمور فيجازيهم بما يستحقونه بتكذيبهم الحق بعد ظهوره فليسوا بمعجزين بتكذيبهم. 

  • و من هنا يظهر أن قوله: {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} من قبيل وضع السبب موضع المسبب و أن قوله: {وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} معطوف على قوله: {فَقَدْ كُذِّبَتْ} إلخ. 

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} خطاب عام للناس يذكرهم بالمعاد كما كان الخطاب العام السابق يذكرهم بتوحده تعالى في الربوبية و الألوهية. 

  • فقوله: {إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ} أي وعده أنه يبعثكم فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا و إن شرا {حَقٌّ} أي ثابت واقع، و قد صرح بهذا الوعد في قوله الآتي: {اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ}

  • و قوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا} النهي و إن كان متوجها إلى الحياة الدنيا صورة لكنه في الحقيقة متوجه إليهم، و المعنى إذا كان وعد الله حقا فلا تغتروا بالحياة الدنيا بالاشتغال بزينتها و التلهي بما ينسيكم يوم الحساب من ملاذها و ملاهيها و الاستغراق في طلبها و الإعراض عن الحق. 

  • و قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} الغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من الغرور بالضم و هو الذي يبالغ في الغرور و من عادته ذلك، و الظاهر - كما قيل - إن المراد به الشيطان و يؤيده التعليل الواقع في الآية التالية: {إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} إلخ. 

  • و معنى غروره بالله توجيهه أنظارهم إلى مظاهر حلمه و عفوه تعالى تارة و مظاهر 

تفسير الميزان ج۱۷

18
  •  

  • ابتلائه و استدراجه و كيده أخرى فيرون أن الاشتغال بالدنيا و نسيان الآخرة و الإعراض عن الحق و الحقيقة لا يستعقب عقوبة و لا يستتبع مؤاخذة، و أن أبناء الدنيا كلما أمعنوا في طلبهم و توغلوا في غفلتهم و استغرقوا في المعاصي و الذنوب زادوا في عيشهم طيبا و في حياتهم راحة و بين الناس جاها و عزة فيلقي الشيطان عند ذلك في قلوبهم أن لا كرامة إلا في التقدم في الحياة الدنيا، و لا خبر عما وراءها و ليس ما تتضمنه الدعوة الحقة من الوعد و الوعيد و تخبر به النبوة من البعث و الحساب و الجنة و النار إلا خرافة. 

  • فالمراد بغرور الشيطان الإنسان بالله اغترار الإنسان بما يعامل به الله الإنسان على غفلته و ظلمه. 

  • و ربما قيل: إن المراد بالغرور الدنيا الغارة للإنسان و أن قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} تأكيد لقوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا} بتكراره معنى. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} إلخ. تعليل للنهي المتقدم في قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} و المراد بعداوة الشيطان أنه لا شأن له إلا إغواء الإنسان و تحريمه سعادة الحياة و حسن العاقبة، و المراد باتخاذ الشيطان عدوا التجنب من اتباع دعوته إلى الباطل و عدم طاعته فيما يشير إليه في وساوسه و تسويلاته و لذلك علل عداوته بقوله: {إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ}

  • فقوله: {إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ اَلسَّعِيرِ} في مقام تعليل ما تقدمه و الحزب‌ هو العدة من الناس يجمعهم غرض واحد، و اللام في {لِيَكُونُوا} للتعليل فكونهم من أصحاب السعير علة غائية لدعوته، و السعير النار المسعرة و هو من أسماء جهنم في القرآن. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ} هذا هو الوعد الحق الذي ذكره الله سبحانه، و تنكير العذاب للدلالة على التفخيم على أن لهم دركات و مراتب مختلفة من العذاب باختلاف كفرهم و فسوقهم فالإبهام أنسب و يجري نظير الوجهين في قوله: {مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ}

  • قوله تعالى: {أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} تقرير و بيان للتقسيم الذي تتضمنه الآية السابقة أعني تقسيم الناس إلى كافر 

تفسير الميزان ج۱۷

19
  •  

  • له عذاب شديد و مؤمن عامل بالصالحات له مغفره و أجر كبير و المراد أنهما لا يستويان فلا تستوي عاقبة أمرهما. 

  • فقوله: {أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} مبتدأ خبره محذوف أي كمن ليس كذلك، و الفاء لتفريع الجملة على معنى الآية السابقة، و الاستفهام للإنكار، و المراد بمن زين له سوء عمله فرآه حسنا الكافر و يشير به إلى أنه منكوس فهمه مغلوب على عقله يرى عمله على غير ما هو عليه و المعنى أنه لا يستوي من زين له عمله السيئ فرآه حسنا و الذي ليس كذلك بل يرى السيئ سيئا. 

  • و قوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} تعليل للإنكار السابق في قوله: {أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} أي الكافر الذي شأنه ذلك و المؤمن الذي بخلافه لا يستويان لأن الله يضل أحدهما بمشيته و هو الكافر الذي يرى السيئة حسنة و يهدي الآخر بمشيته و هو المؤمن الذي يعمل الصالحات و يرى السيئة سيئة. 

  • و هذا الإضلال إضلال على سبيل المجازاة و ليس إضلالا ابتدائيا فلا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه. 

  • و بالجملة اختلاف الكافر و المؤمن في عاقبتهما بحسب الوعد الإلهي بالعذاب و الرحمة لاختلافهما بالإضلال و الهداية الإلهيين و اختلافهما بالإضلال و الهداية باختلافهما في رؤية السيئة حسنة و عدمها. 

  • و قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} الحسرات‌ جمع حسرة و هي الغم لما فأت و الندم عليه، و هي منصوبة لأنه مفعول لأجله و المراد بذهاب النفس عليهم هلاكها فيهم لأجل الحسرات الناشئة من عدم إيمانهم. 

  • و الجملة متفرعة على الفرق السابق أي إذا كانت الطائفتان مختلفتين بالإضلال و الهداية من جانب الله فلا تهلك نفسك حسرات عليهم إذ كذبوك و كفروا بك فإن الله هو الذي يضلهم جزاء لكفرهم و رؤيتهم السيئة حسنة و هو عليم بما يصنعون فلا يختلط عليه الأمر و لا يفعل بهم إلا الحق و لا يجازيهم إلا بالحق. 

  • و من هنا يظهر أن قوله: {إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} في موضع التعليل لقوله: 

تفسير الميزان ج۱۷

20
  •  

  • {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} فلا ينبغي للرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يهلك نفسه عليهم حسرات حيث ضلوا و حقت عليهم كلمة العذاب فإن الله هو الذي يضلهم لصنعهم و هو عليم بما يصنعون. 

  •  

  • [سورة فاطر (٣٥): الآیات ٩ الی ١٤]

  • {وَ اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلىَ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ اَلنُّشُورُ ٩ مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَ مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‌ وَ لاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ ١١ وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكُ وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ١٣ إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا 

تفسير الميزان ج۱۷

21
  •  

  • دُعَاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجَابُوا لَكُمْ وَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَ لاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ١٤} 

  • (بيان) 

  • احتجاجات على وحدانيته تعالى في ألوهيته بعد جملة من النعم السماوية و الأرضية التي يتنعم بها الإنسان و لا خالق لها و لا مدبر لأمرها إلا الله سبحانه، و فيها بعض الإشارة إلى البعث. 

  • قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلىَ بَلَدٍ مَيِّتٍ} إلخ العناية في المقام بتحقق وقوع الأمطار و إنبات النبات بها، و لذلك قال: {اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيَاحَ} و هذا بخلاف ما في سورة الروم من قوله‌{اَللَّهُ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} الروم: ٤٨. 

  • و قوله: {فَتُثِيرُ سَحَاباً} عطف على {أَرْسَلَ} و الضمير للرياح و الإتيان بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية و الإثارة إفعال من ثار الغبار يثور ثورانا إذا انتشر ساطعا. 

  • و قوله: {فَسُقْنَاهُ إِلى‌ بَلَدٍ مَيِّتٍ} أي إلى أرض لا نبات فيها {فَأَحْيَيْنَا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} و أنبتنا فيها نباتا بعد ما لم تكن، و نسبة الإحياء إلى الأرض و إن كانت مجازية لكن نسبته إلى النبات حقيقية و أعمال النبات من التغذية و النمو و توليد المثل و ما يتعلق بذلك أعمال حيوية تنبعث من أصل الحياة. 

  • و لذلك شبه البعث و إحياء الأموات بعد موتهم بإحياء الأرض بعد موتها أي إنبات النبات بعد توقفه عن العمل و ركوده في الشتاء فقال: {كَذَلِكَ اَلنُّشُورُ} أي البعث فالنشور بسط الأموات يوم القيامة بعد إحيائهم و إخراجهم من القبور. 

  • و في قوله: {فَسُقْنَاهُ إِلىَ بَلَدٍ مَيِّتٍ} إلخ. التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير فهو تعالى في قوله: {وَ اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ} بنعت الغيبة و في قوله: {فَسُقْنَاهُ} إلخ. بنعت التكلم مع الغير و لعل النكتة في ذلك هي أنه لما قال: {وَ اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيَاحَ} أخذ لنفسه نعت 

تفسير الميزان ج۱۷

22
  •  

  • الغيبة و يتبعه فيه الإرسال فإن فعل الغائب غائب، ثم لما قال: {فَتُثِيرُ سَحَاباً} على نحو حكاية الحال الماضية صار المخاطب كأنه يرى الفعل و يشاهد الرياح و هي تثير السحاب و تنشره في الجو فصار كأنه يرى من يرسل الرياح لأن مشاهدة الفعل كادت أن لا تنفك عن مشاهدة الفاعل فلما ظهر تعالى بنعت الحضور غير سياق كلامه من الغيبة إلى التكلم و اختار لفظ التكلم مع الغير للدلالة على العظمة. 

  • و قوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ اَلْأَرْضَ} و لم يقل: فأحييناه مع كفايته و كذا قوله: {بَعْدَ مَوْتِهَا} مع جواز الاكتفاء بما تقدمه للأخذ بصريح القول الذي لا ارتياب دونه. 

  • قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً} قال الراغب في المفردات:‌ العزة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم: أرض عزاز أي صلبة قال تعالى: {أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} انتهى. 

  • فالصلابة هو الأصل في معنى العزة ثم توسع فاستعمل العزيز فيمن يقهر و لا يقهر كقوله تعالى‌: {يَا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ مَسَّنَا} يوسف: ٨٨. و كذا العزة بمعنى الغلبة قال تعالى: ‌{وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطَابِ } (صلى الله عليه وآله و سلم)‌: ٢٣ و العزة بمعنى القلة و صعوبة المنال، قال تعالى: ‌{وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} حم السجدة: ٤١ و العزة بمعنى مطلق الصعوبة قال تعالى: ‌{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} التوبة: ١٢٨: «و العزة بمعنى الأنفة و الحمية قال تعالى: {بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ} ص: ٢ إلى غير ذلك. 

  • ثم إن العزة بمعنى كون الشي‌ء قاهرا غير مقهور أو غالبا غير مغلوب تختص بحقيقة معناها بالله عز و جل إذ غيره تعالى فقير في ذاته ذليل في نفسه لا يملك لنفسه شيئا إلا أن يرحمه الله و يؤتيه شيئا من العزة كما فعل ذلك بالمؤمنين به قال تعالى: ‌{وَ لِلَّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون: ٨. 

  • و بذلك يظهر أن قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً} ليس بمسوق لبيان اختصاص العزة بالله بحيث لا ينالها غيره و أن من أرادها فقد طلب محالا و أراد ما لا يكون بل المعنى من كان يريد العزة فليطلبها منه تعالى لأن العزة له جميعا لا توجد عند غيره بالذات. 

  • فوضع قوله: {فَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً} في جزاء الشرط من قبيل وضع السبب موضع 

تفسير الميزان ج۱۷

23
  •  

  • المسبب و هو طلبها من عنده أي اكتسابها منه بالعبودية التي لا تحصل إلا بالإيمان و العمل الصالح. 

  • قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} الكلم كما قيل اسم جنس جمعي يذكر و يؤنث، و قال في المجمع:‌ و الكلم جمع كلمة يقال؟ هذا كلم و هذه كلم فيذكر و يؤنث، و كل جمع ليس بينه و بين واحده إلا الهاء يجوز فيه التذكير و التأنيث انتهى. 

  • و المراد بالكلم على أي حال ما يفيد معنى تاما كلاميا و يشهد به توصيفه بالطيب فطيب الكلم هو ملاءمته لنفس سامعه و متكلمه بحيث تنبسط منه و تستلذه و تستكمل به و ذلك إنما يكون بإفادته معنى حقا فيه سعادة النفس و فلاحها. 

  • و بذلك يظهر أن المراد به ليس مجرد اللفظ بل بما أن له معنى طيبا فالمراد به الاعتقادات الحقة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها و بناء عمله عليها و المتيقن منها كلمة التوحيد التي يرجع إليها سائر الاعتقادات الحقة و هي المشمولة لقوله تعالى: ‌{أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي اَلسَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} إبراهيم: ٢٥ و تسمية الاعتقاد قولا و كلمة أمر شائع بينهم. 

  • و صعود الكلم الطيب إليه تعالى هو تقربه منه تعالى اعتلاء و هو العلي الأعلى رفيع الدرجات، و إذ كان اعتقادا قائما بمعتقده فتقربه منه تعالى تقرب المعتقد به منه، و قد فسروا صعود الكلم الطيب بقبوله تعالى له و هو من لوازم المعنى. 

  • ثم إن الاعتقاد و الإيمان إذا كان حق الاعتقاد صادقا إلى نفسه صدقه العمل و لم يكذبه أي يصدر عنه العمل على طبقه فالعمل من فروع العلم و آثاره التي لا تنفك عنه، و كلما تكرر العمل زاد الاعتقاد رسوخا و جلاء و قوي في تأثيره فالعمل الصالح و هو العمل الحري بالقبول الذي طبع عليه بذل العبودية و الإخلاص لوجهه الكريم يعين الاعتقاد الحق في ترتب أثره عليه و هو الصعود إليه تعالى و هو المعزى إليه بالرفع فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. 

  • فقد تبين بما مر معنى قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} و أن ضمير {إِلَيْهِ} لله سبحانه و المراد بالكلم الطيب الاعتقاد الحق كالتوحيد، و بصعوده 

تفسير الميزان ج۱۷

24
  •  

  • تقربه منه تعالى، و بالعمل الصالح ما كان على طبق الاعتقاد الحق و يلائمه و أن الفاعل في {يَرْفَعُهُ} ضمير مستكن راجع إلى العمل الصالح و ضمير المفعول راجع إلى الكلم الطيب. 

  • و لهم في الآية أقوال أخر: 

  • فقد قيل: إن المراد بصعود الكلم الطيب قبوله و الإثابة عليه كما تقدمت الإشارة إليه، و قيل: المراد صعود الملائكة بما كتب من الإيمان و الطاعات إلى الله سبحانه، و قيل: المراد صعودهم به إلى السماء فسمي الصعود إلى السماء صعودا إلى الله مجازا. 

  • و قيل: إن فاعل {يَرْفَعُهُ} ضمير عائد إلى الكلم الطيب و ضمير المفعول للعمل الصالح و المعنى أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح أي أن العمل الصالح لا ينفع إلا إذا صدر عن التوحيد، و قيل: فاعل {يَرْفَعُهُ} ضمير مستكن راجع إليه تعالى و المعنى العمل الصالح يرفعه الله. 

  • و جملة هذه الوجوه لا تخلو من بعد و الأسبق إلى الذهن ما قدمناه من المعنى. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} ذكروا أن {اَلسَّيِّئَاتِ} وصف قائم مقام موصوف محذوف و هو المكرات، و وضع اسم الإشارة موضع الضمير في {مَكْرُ أُولَئِكَ} للدلالة على أنهم متعينون لا مختلطون بغيرهم و المعنى و الذين يمكرون المكرات السيئات لهم عذاب شديد و مكر أولئك الماكرين هو يبور و يهلك فلا يستعقب أثرا حيا فيه سعادتهم و عزتهم. 

  • و قد بان أن المراد بالسيئات أنواع المكرات و الحيل التي يتخذها المشركون وسائل لكسب العزة، و الآية مطلقة، و قيل: المراد المكرات التي اتخذتها قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في دار الندوة و غيرها من إثبات أو إخراج أو قتل فرد الله كيدهم إليهم و أخرجهم إلى بدر و قتلهم و أثبتهم في القليب فجمع عليهم الإثبات و الإخراج و القتل و هذا وجه حسن لكن الآية مطلقة. 

  • و وجه اتصال ذيل الآية بصدرها أعني اتصال قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ} إلى آخر الآية بقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أن المشركين كانوا يعتزون بآلهتهم كما قال تعالى: ‌{وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} مريم: ٨١ فدعاهم الله سبحانه و هم يطلبون العز إلى نفسه بتذكيرهم أن العزة لله جميعا و بين تعالى ذلك بأن 

تفسير الميزان ج۱۷

25
  •  

  • توحيده يصعد إليه و العمل الصالح يرفعه فيكتسب الإنسان بالتقرب منه عزة من منبع العزة و أما الذين يمكرون كل مكر سيئ لاكتساب العزة فلهم عذاب شديد و ما مكروه من المكر بائر هالك لا يصعد إلى محل و لا يكسب لهم عزا. 

  • قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} إلخ. يشير تعالى إلى خلق الإنسان فابتدأ خلقه من تراب و هو المبدأ البعيد الذي تنتهي إليه الخلقة ثم من نطفة و هي مبدأ قريب تتعلق به الخلقة. 

  • و قيل المراد بخلقهم من تراب خلق أبيهم آدم من تراب فإن الشي‌ء يضاف إلى أصله و قيل: بل المراد خلق آدم نفسه و قيل: بل المراد خلقهم خلقا إجماليا من تراب في ضمن خلق آدم من تراب و الخلق التفصيلي هو من نطفة كما قال: {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}

  • و الفرق بين الوجوه الثلاثة أن في الأول نسبة الخلق من تراب إليهم على طريق المجاز العقلي، و في الثاني المراد بخلقهم خلق آدم و لا مجاز في النسبة، و في الثالث المراد خلق كل واحد من الأفراد من التراب حقيقة من غير مجاز إلا أنه خلق إجمالي لا تفصيلي و بهذا يفارق ما قدمناه من الوجه. 

  • و يمكن تأييد القول الأول بقوله تعالى: ‌‌{خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } الرحمن: ١٤، و الثاني بنحو قوله: ‌‌{وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} السجدة: ٨، و الثالث بقوله: ‌{وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ} الأعراف: ١١ و لكل وجه. 

  • و قوله: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} أي ذكورا و إناثا، و قيل: أي قدر بينكم الزوجية و زوج بعضكم من بعض، و هو كما ترى، و قيل: أي أصنافا و شعوبا. و هو كسابقه. 

  • و قوله: {وَ مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‌ وَ لاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} من زائدة لتأكيد النفي، و الباء في {بِعِلْمِهِ} للمصاحبة و هو حال من الحمل و الوضع، و المعنى ما تحمل و لا تضع أنثى إلا و علمه يصاحب حمله و وضعه، و ذكر بعضهم أنه حال من الفاعل و أن كونه حالا من الحمل و الوضع و كذا من مفعوليهما أي المحمول و الموضوع خلاف الظاهر و هو ممنوع. 

تفسير الميزان ج۱۷

26
  •  

  • و قوله: {وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي و ما يمد و يزاد في عمر أحد فيكون معمرا و لا ينقص من عمره أي عمر أحد إلا في كتاب. 

  • فقوله: {وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} من قبيل قوله‌{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} يوسف: ٢٦ فوضع معمر موضع نائب الفاعل و هو أحد بعناية أنه بعد تعلق التعمير به يصير معمرا و إلا فتعمير المعمر لا معنى له. 

  • و قوله: {وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} الضمير في {عُمُرِهِ} راجع إلى {مُعَمَّرٍ} باعتبار موصوفه المحذوف و هو أحد و المعنى و لا ينقص من عمر أحد و إلا فنقص عمر المفروض معمرا تناقض خارق للفرض. 

  • و قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} و هو اللوح المحفوظ الذي لا سبيل للتغيير إليه فقد كتب فيه أن فلانا يزاد في عمره كذا لسبب كذا و فلانا ينقص من عمره كذا لسبب كذا و أما كتاب المحو و الإثبات فهو مورد التغير و سياق الآية يفيد وصف العلم الثابت و لهم في قوله: {وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} وجوه أخر ضعيفة لا جدوى في التعرض لها. 

  • و قوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ} تعليل و تقرير لما في الآية من وصف خلق الإنسان و كيفية إحداثه و إبقائه و المعنى أن هذا التدبير الدقيق المتين المهيمن على كليات الحوادث و جزئياتها المقرر كل شي‌ء في مقره على الله يسير لأنه الله العليم القدير المحيط بكل شي‌ء بعلمه و قدرته فهو تعالى رب الإنسان كما أنه رب كل شي‌ء. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} إلى آخر الآية قيل: العذب‌ من الماء طيبه، و الفرات‌ الماء الذي يكسر العطش أو البارد كما في المجمع، و السائغ‌ هو الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته و الأجاج‌ الذي يحرق لملوحته أو المر. 

  • و قوله: {وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} اللحم الطري‌ الغض الجديد، و المراد لحم السمك أو السمك و الطير، البحري و الحلية المستخرجة من البحر اللؤلؤ و المرجان و الأصداف قال تعالى: ‌{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجَانُ} الرحمن: ٢٢. 

  • و في الآية تمثيل للمؤمن و الكافر بالبحر العذب و المالح يتبين به عدم تساوي المؤمن 

تفسير الميزان ج۱۷

27
  •  

  • و الكافر في الكمال الفطري و إن تشاركا في غالب الخواص الإنسانية و آثارها فالمؤمن باق على فطرته الأصلية ينال بها سعادة الحياة الدائمة و الكافر منحرف فيها متلبس بما لا تستطيبه الفطرة الإنسانية و سيعذب بأعماله فمثلهما مثل البحرين المختلفين عذوبة و ملوحة فهما مختلفان من حيث البقاء على فطرة الماء الأصلية و هي العذوبة و الخروج عنها بالملوحة و إن اشتركا في بعض الآثار التي ينتفع بها، فمن كل منهما تأكلون لحما طريا و هو لحم السمك و الطير المصطاد من البحر و تستخرجون حلية تلبسونها كاللؤلؤ و المرجان و الأصداف. 

  • فظاهر الآية أن الحلية المستخرجة مشتركة بين البحر العذب و البحر المالح لكن جمعا من المفسرين استشكلوا ذلك بأن اللؤلؤ و المرجان إنما يستخرجان من البحر المالح دون العذب، و قد أجابوا عنه بأجوبة مختلفة. 

  • منها أن الآية مسوقة لبيان اشتراك البحرين في مطلق الفائدة و إن اختص ببعضها كأنه قيل: و من كل تنتفعون و تستفيدون كما تأكلون منهما لحما طريا و تستخرجون من البحر المالح حلية تلبسونها و ترى الفلك فيه مواخر. 

  • و منها أنه شبه المؤمن و الكافر بالعذب و الأجاج ثم فضل الأجاج على الكافر بأن في الأجاج بعض النفع و الكافر لا نفع في وجوده فالآية على طريقة قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ثم قال‌: {وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ} البقرة: ٧٤. 

  • و منها أن قوله: {وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين و إن اشتركا في بعض المنافع تفاوتا فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما خرج به عن صفاء فطرته و المؤمن و الكافر و إن اتفقا أحيانا في بعض المكارم كالشجاعة و السخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على صفاء الفطرة الأصلية دون الآخر. 

  • و منها أنه لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة و إن لم نره فالإشكال باختصاص الحلية بالماء المالح ممنوع. 

  • و منها منع أصل الدعوى و هو كون الآية {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ} إلخ. تمثيلا 

تفسير الميزان ج۱۷

28
  •  

  • للمؤمن و الكافر بل هي واقعة في سياق تعداد النعم لإثبات الربوبية كقوله قبلا: {وَ اَللَّهُ اَلَّذِي أَرْسَلَ اَلرِّيَاحَ} و قوله بعدا: {يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ} إلخ. فالآية مسوقة لبيان نعمة البحر و اختلافه بالعذوبة و الملوحة و ما فيهما من المنافع المشتركة و المختصة. 

  • و يؤيد هذا الوجه أن نظير الآية في سورة النحل واقعة في سياق الآيات العادة لنعم الله سبحانه و هو قوله‌{وَ هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَ تَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: النحل: ١٤. 

  • و الحق أن أصل الاستشكال في غير محله و أن البحرين يشتركان في وجود الحلية فيهما كما هو مذكور في الكتب الباحثة عن هذه الشئون مشروح فيها۱ 

  • قوله تعالى: {وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ضمير {فِيهِ} للبحر، و مواخر جمع ماخرة من المخر بمعنى الشق عدت السفينة ماخرة لشقها الماء بجؤجؤتها. 

  • قيل: إنما أفرد ضمير الخطاب في قوله: {تَرَى} بخلاف الخطابات المتقدمة و المتأخرة لأن الخطاب لكل أحد يتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط. 

  • و قوله: {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي مخر الفلك البحر بتسخيره لتطلبوا من عطائه و هو الرزق و رجاء أن تشكروا الله سبحانه، و قد تقدم أن الترجي الذي تفيده «لعل» في كلامه تعالى قائم بالمقام دون المتكلم. 

  • و قد قيل في هذه الآية: {وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} و في سورة النحل: {وَ تَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} فاختلفت الآيتان في تقديم {فِيهِ} على {مَوَاخِرَ} و تأخيره منه و عطف {لِتَبْتَغُوا} و عدمه. 

  • و لعل النكتة في ذلك أن آية النحل مصدرة بكلمة التسخير فهي مسوقة لبيان كيفية التسخير و الأنسب لذلك تأخير {فِيهِ} ليتعلق بمواخر و يشير إلى مخر البحر 

    1. و قد ذكر وجود الحلية في الماء العذب في مادة صدف من دائرة المعارف للبستاني و ذكر أيضا في أمريكا{L Eneylopodia L} و بريطانيا{L Enylopoedia L} وجودها فيه و سميت عدة من الأنهار العذبة في أمريكا و أوربا و آسيا يستخرج منها اللؤلؤ.

تفسير الميزان ج۱۷

29
  •  

  • فيصرح بالتسخير بخلاف ما هاهنا ثم التسخير له غايات كثيرة منها ابتغاء الفضل و الأنسب لذلك عطف {لِتَبْتَغُوا} على محذوف ليدل على عدم انحصار الغاية في ابتغاء الفضل بخلاف ما هاهنا فإن الغرض بيان أنه الرازق المدبر ليرتدع المكذبون و قد تقدم ذكر تكذيبهم عن تكذيبهم و يكفي في ذلك بيان ابتغائهم الفضل غاية من غير حاجة إلى العطف و الله أعلم. 

  • و قال في روح المعاني في المقام: و الذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذلك سوابقها و لواحقها و تعقيب الآيات بقوله سبحانه: {وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة و هو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطرادا أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفا فقدم فيه {فِيهِ} إيذانا بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، و كان الاهتمام بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية: {وَ لِتَبْتَغُوا} بالواو و مخالفة ما هنا لذلك اقتضت ترك الواو في قوله: {لِتَبْتَغُوا} انتهى. 

  • قوله تعالى: {يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} إلخ. إيلاج الليل في النهار قصر النهار بطول الليل و إيلاج النهار في الليل قصر الليل بطول النهار، و المراد بالجملتين الإشارة إلى اختلاف الليل و النهار في الطول و القصر المستمر في أيام السنة بتغير الأيام و لذا عبر بقوله: {يُولِجُ} الدال على استمرار التغيير بخلاف جريان الشمس و القمر فإنه ثابت على حاله و لذا عبر فيه بقوله: {وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} و العناية صورية مسامحية. 

  • و قوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ} بمنزلة النتيجة لما تقدم أي إذا كان أمر خلقكم و تدبيركم برا و بحرا و أرضا و سماء منتسبا إليه مدبرا بتدبيره فذلكم الله ربكم الذي يملككم و يدبر أمركم. 

  • و قوله: {لَهُ اَلْمُلْكُ} مستنتج مما قبله و توطئة و تمهيد لما بعده من قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}. 

  • و قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} القطمير على ما قاله الراغب الأثر على رأس النواة و ذلك مثل للشي‌ء الطفيف، و في المجمع، القطمير لفافة النواة. 

  • و قيل: الحبة في بطن النواة انتهى و الكلام على أي حال مبالغة في نفي أصل الملك 

تفسير الميزان ج۱۷

30
  •  

  • و المراد بالذين تدعون من دون الله آلهتهم الذين كانوا يدعونها من الأصنام و أربابها. 

  • قوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجَابُوا لَكُمْ} إلخ بيان و تقرير لما تقدم من قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} أي تصديق كونهم لا يملكون شيئا أنكم إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأن الأصنام جمادات لا شعور لها و لا حس و أرباب الأصنام كالملائكة و القديسين من البشر في شغل شاغل من ذلك على أنهم لا يملكون سمعا من عند أنفسهم فلا يسمعون إلا بإسماعه. 

  • و قوله: {وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجَابُوا لَكُمْ} إذ لا قدرة لهم على الاستجابة قولا و لا فعلا أما الأصنام فظاهر و أما أرباب الأصنام فقدرتهم من الله سبحانه و لن يأذن الله لأحد أن يستجيب أحدا يدعوه بالربوبية قال تعالى: ‌{لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لاَ اَلْمَلاَئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً }النساء: ١٧٢. 

  • و قوله: {وَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} أي يردون عبادتكم إليكم و يتبرءون منكم بدلا من أن يكونوا شفعاء لكم {‌إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا} البقرة: ١٦٦. 

  • فالآية في نفي الاستجابة و كفر الشركاء يوم القيامة في معنى قوله‌{وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى‌ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَ إِذَا حُشِرَ اَلنَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَ كَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} الأحقاف: ٦. 

  • و قوله: {وَ لاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي لا يخبرك عن حقيقة الأمر مخبر مثل مخبر خبير و هو خطاب خاص بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بعد الإعراض عن خطابهم لعدم تفقههم بالبيان الحق أو خطاب عام في صورة الخطاب الخاص خوطب به السامع أي من كان كقوله: {وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} (الآية) السابقة، و قوله‌{وَ تَرَى اَلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ} (الآية) الكهف: ١٧، و قوله‌{وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ} الكهف: ١٨. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي‌ في قوله تعالى‌: {كَذَلِكَ اَلنُّشُورُ} حدثني أبي عن ابن أبي عمير 

تفسير الميزان ج۱۷

31
  •  

  • عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال و نبتت اللحوم.

  • أقول: و في هذا المعنى عدة روايات أخر. 

  • و في الدر المنثور، أخرج الطيالسي و أحمد و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: أ ما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قال: بلى. قال: كذلك يحيي الله الموتى و كذلك النشور.

  • و في تفسير القمي‌ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن لكل قول مصداقا من عمل يصدقه أو يكذبه فإذا قال ابن آدم و صدق قوله بعمله رفع قوله بعمله إلى الله، و إذا قال و خالف عمله قوله رد قوله على عمله الخبيث و هوى به في النار.

  • و في التوحيد، بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه (عليه السلام) في حديث قال: و إن لله تبارك و تعالى بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه. أ لا تسمع الله عز و جل يقول: {تَعْرُجُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ} و يقول في قصة عيسى بن مريم (عليهما السلام) {بَلْ رَفَعَهُ اَللَّهُ} و يقول عز و جل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}

  • أقول: و عن الفقيه، مثله. 

  • و في نهج البلاغة:‌ و لو لا إقرارهن‌۱ له بالربوبية و إذعانهن له بالطواعية٢ لما جعلهن موضعا لعرشه و لا مسكنا لملائكته و لا مصعدا للكلم الطيب و العمل الصالح من خلقه. و في تفسير القمي‌ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} الأجاج المر.

  • و فيه في قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} قال: الجلدة الرقيقة التي على ظهر النوى. 

    1. الضمير للسماوات.
    2. الطاعة

تفسير الميزان ج۱۷

32
  •  

  • [سورة فاطر (٣٥): الآیات ١٥ الی ٢٦]

  • {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرَاءُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ ١٥ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ١٦ وَ مَا ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ بِعَزِيزٍ ١٧ وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‌ وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‌ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‌ءٌ وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبى‌ إِنَّمَا تُنْذِرُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وَ مَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَ إِلَى اَللَّهِ اَلْمَصِيرُ ١٨ وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‌ وَ اَلْبَصِيرُ ١٩ وَ لاَ اَلظُّلُمَاتُ وَ لاَ اَلنُّورُ ٢٠وَ لاَ اَلظِّلُّ وَ لاَ اَلْحَرُورُ ٢١ وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَحْيَاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوَاتُ إِنَّ اَللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ ٢٢ إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ٢٣ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ٢٤ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتَابِ اَلْمُنِيرِ ٢٥ ثُمَّ أَخَذْتُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦} 

  • (بيان) 

  • لما بين لهم أن الخلق و التدبير إليه تعالى فهو ربهم له الملك دون الذين يدعون من دونه فهم لا يملكون شيئا حتى يقوموا بتدبيره، أخذ يبين ذلك ببيان آخر مشوب 

تفسير الميزان ج۱۷

33
  •  

  • بالوعيد و التهديد و هو أنه تعالى غني عنهم و هم فقراء إليه فله أن يذهبهم و يأت بخلق جديد إن شاء جزاء بما كسبوا. 

  • ثم وجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بما حاصله أن هذه المؤاخذة و الإهلاك لا يشمل إلا هؤلاء المكذبين دون المؤمنين الذين يؤثر فيهم إنذار النبي (عليه السلام) فبينهما فرق ظاهر و هو (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ نذير كالنذر الماضين و حاله كحال من قبله من المنذرين و إن يكذبوه فقد كذبت الأنبياء الماضين مكذبو أممهم فأخذهم الله أخذا شديدا و سيأخذ المكذبين من هذه الأمة. 

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرَاءُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ} لا ريب أن في الآية نوع تمهيد بالنسبة إلى الآيتين التاليتين يتبين بها مضمونهما و هي مع ذلك مستقلة في مفادها. 

  • بيان ذلك: أن السياق يشعر بأن أعمال هؤلاء المكذبين كانت تكشف عن أنهم كانوا يتوهمون أن لهم أن يستغنوا عن الله سبحانه بعبادة آلهتهم و أن لله إليهم حاجة و لذلك يدعوهم إلى نفسه بالدعوة الإلهية التي يقوم بها رسله فهناك غنى و فقر و لهم نصيب من الغنى و لله نصيب من الفقر تعالى عن ذلك. 

  • فرد الله سبحانه زعمهم ذلك بقوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرَاءُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ} فقصر الفقر فيهم و قصر الغنى فيه سبحانه فكل الفقر فيهم و كل الغنى فيه سبحانه، و إذ كان الغنى و الفقر و هما الوجدان و الفقدان متقابلين لا يرتفعان عن موضوعهما كان لازم القصر السابق قصر آخر و هو قصرهم في الفقر و قصره تعالى في الغنى فليس لهم إلا الفقر و ليس له تعالى إلا الغنى. 

  • فالله سبحانه غني بالذات له أن يذهبهم و يستغني عنهم و هم فقراء بالذات ليس لهم أن يستغنوا عنه بغيره. 

  • و الملاك في غناه تعالى عنهم و فقرهم أنه تعالى خالقهم و مدبر أمرهم و إليه الإشارة بأخذ لفظ الجلالة في بيان فقرهم و بيان غناه، و الإشارة إلى الخلق و التدبير في قوله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} و كذا توصيفه تعالى بالحميد و هو المحمود في فعله 

تفسير الميزان ج۱۷

34
  •  

  • الذي هو خلقه و تدبيره. 

  • فيعود معنى الكلام إلى نحو من قولنا: يا أيها الناس أنتم بما أنكم مخلوقون مدبرون لله الفقراء إلى الله فيكم كل الفقر و الحاجة و الله بما أنه الخالق المدبر، الغني لا غنى سواه. 

  • و على هذا لا ضير في قصر الفقر في الناس سواء أريد به المكذبون خاصة أو عامة الناس مع كون غيرهم من المخلوقات فقراء إلى الله كمثلهم و ذلك أن عموم علة الحكم يعمم الحكم فكأنه قيل: أنتم معاشر الخليقة الفقراء إلى خالقكم المدبر لأمركم و هو الغني الحميد. 

  • و قد أجيب عن إشكال قصر الفقر في الناس مع عمومه لغيرهم بوجوه من الجواب: 

  • منها أن في قصر الفقر في الناس مبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم و شدة احتياجهم هم الفقراء فحسب و أن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم بمنزلة العدم و لذلك قال تعالى: {خُلِقَ اَلْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} و لا يرد الجن لأنهم لا يحتاجون في المطعم و الملبس و غيرهما كما يحتاج الإنسان. 

  • و منها أن المراد الناس و غيرهم و هو على طريقة تغليب الحاضر على الغائب و أولي العلم على غيرهم. 

  • و منها أن الوجه حمل اللام في الناس على العهد و في الفقراء على الجنس لأن المخاطبين في الآية هم الذين خوطبوا في قوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكُ} (الآية) أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه و أنتم أشد الخلائق احتياجا إليه. 

  • و منها أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا حقيقي. 

  • و غير خفي عليك أن مفاد الآية و سياقها لا يلائم شيئا من هذه الأجوبة نعم يمكن توجيه الجواب الأخير بما يرجع إلى ما قدمناه من الوجه. 

  • و تذييل الآية بصفة الحميد للإشارة إلى أنه غني محمود الأفعال إن أعطى و إن منع لأنه إذا أعطى لم يعطه لبدل لغناه عن الجزاء و الشكر و كل بدل مفروض و إن منع لم يتوجه إليه لائمة إذ لا حق لأحد عليه و لا يملك منه شي‌ء. 

  • قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ مَا ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي 

تفسير الميزان ج۱۷

35
  •  

  • إن يرد إذهابكم يذهبكم أيها الناس لأنه غني عنكم لا يستضر بذهابكم و يأت بخلق جديد يحمدونه و يثنون عليه لا لحاجة منه إليهم بل لأنه حميد و مقتضاه أن يجود فيحمد و ليس ذلك على الله بصعب لقدرته المطلقة لأنه الله عز اسمه. 

  • فقد بان أن مضمون الآية متفرع على مضمون الآية السابقة فقوله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} متفرع على كونه تعالى غنيا، و قوله: {وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} متفرع على كونه تعالى حميدا، و قد فرع مضمون الجملتين في موضع آخر على غناه و رحمته قال تعالى: ‌{ وَ رَبُّكَ اَلْغَنِيُّ ذُو اَلرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} الأنعام: ١٣٣. 

  • قوله تعالى: {وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىَ} إلخ. قال الراغب: الوزر بفتحتين الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} و الوزر بالكسر فالسكون الثقل تشبيها بوزر الجبل، و يعبر به عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً} (الآية) كقوله: {لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَ أَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}. انتهى فالمعنى لا تحمل نفس حاملة للإثم إثم نفس أخرى و لازم ذلك أن لا تؤاخذ نفس إلا بما حملت من إثم نفسها و اكتسبته من الوزر. 

  • و الآية كأنه دفع دخل يشعر به آخرها كأنه لما قال: إن يشأ يذهبكم و يأت بآخرين، فهددهم بالإهلاك و الإفناء، قيل: هؤلاء المكذبون أخذوا بوزرهم فما حال المؤمنين؟ أ يؤخذون بوزر غيرهم؟. 

  • فأجيب أن لا تزر وازرة وزر أخرى و لا تحمل نفس حمل غيرها الذي أثقلها و إن كانت ذات قربى. 

  • فهؤلاء المكذبون هم المعنيون بالتهديد و لا تنفع فيهم دعوتك و إنذارك لأنهم مطبوع على قلوبهم، و إنما ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب و يقيمون الصلاة و الفريقان لا يستويان لأن مثلهم مثل الأعمى و البصير، و الظلمات و النور، و الظل و الحرور، و الأحياء و الأموات. 

  • فقوله: {وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىَ} أي لا تحمل نفس حاملة للوزر و الإثم إثم نفس أخرى حاملة. 

  • و قوله: {وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلىَ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‌ءٌ وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبىَ} أي 

تفسير الميزان ج۱۷

36
  •  

  • و إن تدع نفس مثقلة أثقلها حملها من الإثم غيرها إلى ما حملته من الإثم ليحمله عنها لا يستجاب لها و لا يحمل من حملها شي‌ء و لو كان المدعو ذا قربى للداعي كالأب و الأم و الأخ و الأخت. 

  • و قوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ} أي هؤلاء المكذبون لا ينتفعون بالإنذار و لا تتحقق معهم حقيقة الإنذار لأنهم مطبوع على قلوبهم إنما تنذر و ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب و يقيمون الصلاة التي هي أفضل العبادات و أهمها و بالجملة يؤمنون بالله و يعبدونه أي الذين يخشون ربهم بالغيب و يقيمون الصلاة إثر إنذارك لا أنهم يخشون ربهم و يصلون ثم ينذرون بعد ذلك حتى يلزم تحصيل الحاصل فالآية كقوله: ‌{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} يوسف: ٣٦. 

  • و قوله: {وَ مَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} بدل الخشية و إقامة الصلاة من التزكي للإشارة إلى أن المطلوب بالدعوة و الإنذار هو التزكي و تزكية النفس تلبسها بالخشية من الله على الغيب و إقامة الصلاة. 

  • و فيه تقرير و تأكيد لما تقدم من كونه تعالى غنيا حميدا فهو تعالى لا ينتفع بما يدعو إليه من التزكي بل الذي تزكى فإنما يتزكى لنفع نفسه. 

  • و قد ختم الآية بقوله: {وَ إِلَى اَللَّهِ اَلْمَصِيرُ} للدلالة على أن تزكية من تزكى لا تذهب سدى، فإن كلا من الفريقين صائرون إلى ربهم لا محالة و هو يحاسبهم و يجازيهم فيجازي هؤلاء المتزكين أحسن الجزاء. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَعْمىَ وَ اَلْبَصِيرُ} الظاهر أنه عطف على قوله: {وَ إِلَى اَللَّهِ اَلْمَصِيرُ} تعليل في صورة التمثيل لعدم مساواة هؤلاء المتزكين لأولئك المكذبين، و قيل: عطف على قوله السابق: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ}

  • قوله تعالى: {وَ لاَ اَلظُّلُمَاتُ وَ لاَ اَلنُّورُ} تكرار حروف النفي مرة بعد مرة في الآية و ما يليها لتأكيد النفي. 

  • قوله تعالى: {وَ لاَ اَلظِّلُّ وَ لاَ اَلْحَرُورُ} الحرور شدة حر الشمس - على ما قيل - و قيل: هو السموم و قيل: السموم يهب نهارا و الحرور يهب ليلا و نهارا. 

تفسير الميزان ج۱۷

37
  •  

  •  قوله تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَحْيَاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوَاتُ} إلى آخر الآية عطف على قوله: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‌ وَ اَلْبَصِيرُ} و إنما كرر قوله: {مَا يَسْتَوِي} و لم يعطف {اَلْأَحْيَاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوَاتُ} على قوله: {اَلْأَعْمىَ وَ اَلْبَصِيرُ} كرابعته لطول الفصل فأعيد {مَا يَسْتَوِي} لئلا يغيب المعنى عن ذهن السامع فهو كقوله: ‌{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اَللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ } إلى أن قال: {كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} الخ. التوبة: ٨. 

  • و الجمل المتوالية المترتبة أعني قوله: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَعْمىَ وَ اَلْبَصِيرُ } - إلى قوله - {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْأَحْيَاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوَاتُ} تمثيلات للمؤمن و الكافر و تبعات أعمالهما. 

  • و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} و هو المؤمن كان ميتا فأحياه الله فأسمعه لما في نفسه من الاستعداد لذلك قال تعالى: ‌{أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً } الأنعام: ١٢٢، و أما النبي (عليه السلام) فإنما هو وسيلة و الهدى هدى الله. 

  • و قوله: {وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ} أي الأموات و المراد بهم الكفار المطبوع على قلوبهم. 

  • قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} قصر إضافي أي ليس لك إلا إنذارهم و أما هداية من اهتدى منهم و إضلال من ضل و لم يهتد جزاء له بسيئ عمله فإنما ذلك لله سبحانه. و لم يذكر البشير مع النذير مع كونه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ متلبسا بالوصفين معا لأن المقام مقام الإنذار فالمناسب هو التعرض لوصف الإنذار مع أنه مذكور في الآية التالية. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} المفاد على ما يقتضيه السياق إنا أرسلناك بالتبشير و الإنذار و ليس ببدع مستغرب فما من أمة من الأمم إلا و قد خلا و مضى فيها نذير فذلك من سنن الله الجارية في خلقه. 

  • و ظاهر السياق أن المراد بالنذير الرسول المبعوث من عند الله و فسر بعضهم النذير بمطلق من يقوم بالعظة و الإنذار من نبي أو عالم غير نبي و هو خلاف ظاهر الآية. 

  • نعم ليس من الواجب أن يكون نذير كل أمة من أفرادها فقد قال تعالى: {خَلاَ فِيهَا} و لم يقل: «خلا منها». 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ 

تفسير الميزان ج۱۷

38
  •  

  •  وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتَابِ اَلْمُنِيرِ} البينات‌ هي الآيات المعجزة التي تشهد على حقية الرسل، و الزبر جمع زبور و لعل المراد بها بقرينة مقابلتها للكتاب الصحائف و الكتب التي فيها ذكر الله تعالى من غير أن تتضمن الأحكام و الشرائع، و الكتاب المنير الكتاب المنزل من السماء المتضمن للشرائع ككتاب نوح و إبراهيم و توراة موسى و إنجيل عيسى (عليهم السلام) ، و معنى الآية ظاهر. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ أَخَذْتُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} الأخذ كناية عن التعذيب، و النكير الإنكار، و الباقي ظاهر. 

  • (كلام في معنى عموم الإنذار) 

  • قد تقدم في أبحاث النبوة في الجزء الثاني و في قصص نوح (عليه السلام) في الجزء العاشر من الكتاب ما يدل من طريق العقل على عموم النبوة و يؤيده الكتاب. 

  • فلا تخلو أمة من الأمم الإنسانية عن ظهور ما للدعوة الحقة النبوية فيها و أما كون نبي كل أمة من نفس تلك الأمة فلا دليل عليه، و قد عرفت أن قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} (الآية) مفاده ذلك. 

  • و أما فعلية الإنذار بحيث يبلغ كل فرد فرد من الأمة مضافا إلى أصل الاقتضاء و اطراد الدعوة في كل واحد واحد فحكومة العلل و الأسباب المتزاحمة في هذه النشأة المادية لا توافقه كما لا توافق سائر المقتضيات العامة التي قدرها الصنع كما أن في بنية كل مولود إنساني أن يعمر عمرا طبيعيا و الحوادث تحول بين أكثر الأفراد و بين ذلك، و كل مولود إنساني مجهز بجهاز التناسل للاستيلاد و الإيلاد و كثير من الأفراد يموت قبل بلوغه فلا يبلغ ذلك إلى غير ذلك من النظائر. 

  • فالنبوة و الإنذار عام لكل أمة و لا يستلزم استلزاما ضروريا أن تبلغ الدعوة كل شخص من أشخاصها بل من الجائز أن تبلغ بلا واسطة أو معها بعض الأمة و تتخلف عن بعض لحيلولة علل و أسباب مزاحمة بينه و بين البلوغ فمن توجهت منهم إليه الدعوة و بلغته تمت عليه الحجة و من توجهت إليه و لم تبلغه لم تتم عليه الحجة و كان من المستضعفين 

تفسير الميزان ج۱۷

39
  •  

  • و كان أمره إلى الله قال تعالى: ‌{إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجَالِ وَ اَلنِّسَاءِ وَ اَلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} النساء: ٩٨. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور في قوله تعالى: {وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‌} أخرج أحمد و الترمذي و صححه و النسائي و ابن ماجة عن عمرو بن الأحوص: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال في حجة الوداع: ألا لا يجني جان إلا على نفسه لا يجني والد على ولده و لا مولود على والده. 

  • و في تفسير القمي‌ في قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ} قال: هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع أهل القبور. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو سهل السري بن سهل الجند يسابوري الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىَ} {وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ} قال كان النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يقف على القتلى يوم بدر و يقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا يا فلان بن فلان أ لم تكفر بربك؟ أ لم تكذب نبيك؟ أ لم تقطع رحمك؟ فقالوا: يا رسول الله أ يسمعون ما تقول؟ قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول فأنزل الله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىَ}{وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ} مثل ضربه الله للكفار أنهم لا يسمعون لقوله. 

  • أقول: و في الرواية ما لا يخفى من لوائح الوضع فساحة النبي (عليه السلام) أجل من أن يقول ما ليس له به علم من ربه حتى ينزل الله عليه آية تكذبه فيما يدعيه و يخبر به. 

  • على أن ما نقله من الآية لا يطابق المصحف فصدره مأخوذ من سورة النمل الآية ٨٠و ذيله مأخوذ من سورة فاطر الآية ٢٢. 

  • على أن سياق الآية مكي في سياق آيات سابقة و لاحقة مكية. 

  • و في الإحتجاج، في احتجاج الصادق (عليه السلام): قال السائل فأخبرني عن المجوس أ فبعث إليهم نبيا؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة و مواعظ بليغة و أمثالا شافية، و يقرون 

تفسير الميزان ج۱۷

40
  •  

  • بالثواب و العقاب، و لهم شرائع يعملون بها. قال: ما من أمة إلا خلا فيها نذير، و قد بعث إليهم نبي بكتاب من عند الله فأنكروه و جحدوا كتابه. 

  •  

  • [سورة فاطر (٣٥): الآیات ٢٧ الی ٣٨]

  • {أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَ مِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَ غَرَابِيبُ سُودٌ ٢٧ وَ مِنَ اَلنَّاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَاءُ إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨ إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اَللَّهِ وَ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ٢٩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ٣٠وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتَابِ هُوَ اَلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اَللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٣١ ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ ٣٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ٣٣ وَ قَالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤ اَلَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ 

تفسير الميزان ج۱۷

41
  •  

  • اَلْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ٣٥ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضىَ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَ لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ٣٦ وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جَاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ٣٧ إِنَّ اَللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ ٣٨} 

  • (بيان) 

  • رجوع إلى ذكر آيات أخر من آيات التوحيد و فيها انتقال إلى حديث الكتاب و أنه حق نازل من عند الله تعالى و قد انجر الكلام في الفصل السابق من الآيات إلى ذكر النبوة و الكتاب حيث قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً} و قال: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتَابِ اَلْمُنِيرِ} فكان من الحري أن يتعرض لصفة الكتاب و ما تستتبعه من الآثار. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} إلخ. حجة أخرى على التوحيد و هو أن الله سبحانه ينزل الماء من السماء بالأمطار و هو أقوى العوامل المعينة لخروج الثمرات، و لو كان خروجها عن مقتضى طباع هذا العامل و هو واحد لكان جميعها ذا لون واحد فاختلاف الألوان يدل على وقوع التدبير الإلهي. 

  • و القول بأن اختلافها منوط باختلاف العوامل المؤثرة فيها و منها اختلاف العناصر الموجودة فيها نوعا و قدرا و خصوصية التأليف. 

  • مدفوع بأن الكلام منقول حينئذ إلى اختلاف نفس العناصر و هي منتهية إلى 

تفسير الميزان ج۱۷

42
  •  

  • المادة المشتركة التي لا اختلاف فيها فاختلاف العناصر المكونة منها يدل على عامل آخر وراء المادة يدبر أمرها و يسوقها إلى غايات مختلفة. 

  • و الظاهر أن المراد باختلاف ألوان الثمرات اختلاف نفس ألوانها و يلزمه اختلافات أخر من حيث الطعم و الرائحة و الخواص، و قيل المراد باختلاف الألوان اختلاف الأنواع فكثيرا ما يطلق اللون في الفواكه و الأطعمة على النوع كما يقال: قدم فلان ألوانا من الطعام و الفاكهة فهو من الكناية، و قوله بعد: {وَ مِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ} لا يخلو من تأييد للوجه الأول. 

  • و في قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} إلخ. التفات من الغيبة إلى التكلم. قيل: إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة و الحكمة. 

  • و نظير الوجه يجري في قوله السابق: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً} و أما ما في الآية السابقة من قوله: {ثُمَّ أَخَذْتُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} فلعل الوجه فيه أن أمرهم إلى الله لا يتخلل بينه و بينهم أحد حتى يشفع لهم أو ينصرهم فينجوا من العذاب. 

  • و قوله: {وَ مِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَ غَرَابِيبُ سُودٌ} الجدد بالضم فالفتح جمع جدة بضم الجيم و هي الطريقة و الجادة، و البيض‌ و الحمر جمع أبيض و أحمر، و الظاهر أن قوله: {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} صفة لجدد و {أَلْوَانُهَا} فاعل {مُخْتَلِفٌ} و لو كانت الجملة مبتدأ و خبرا لقيل: مختلفة ألوانها كما قيل، و الغرابيب‌ جمع غربيب و هو الأسود الشديد السواد و منه الغراب و {سُودٌ} بدل أو عطف بيان لغرابيب. 

  • و المعنى: أ لم تر أن من الجبال طرائق بيض و حمر و سود مختلف ألوانها، و المراد إما الطرق المسلوكة في الجبال و لها ألوان مختلفة، و إما نفس الجبال التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض و حمر و سود مختلف ألوانها. 

  • قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} أي و من الناس و الدواب التي تدب في الأرض و الأنعام كالإبل و الغنم و البقر بعض مختلف ألوانه بالبياض و الحمرة و السواد كاختلاف الثمرات و الجبال في ألوانها. 

تفسير الميزان ج۱۷

43
  •  

  • و قيل: قوله: {كَذَلِكَ} خبر لمبتدإ محذوف، و التقدير الأمر كذلك فهو تقرير إجمالي للتفصيل المتقدم من اختلاف الثمرات و الجبال و الناس و الدواب و الأنعام. 

  • و قيل: {كَذَلِكَ} متعلق بقوله: {يَخْشَى} في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَاءُ} و الإشارة إلى ما تقدم من الاعتبار بالثمرات و الجبال و غيرهما و المعنى إنما يخشى الله كذلك الاعتبار بالآيات من عباده العلماء، و هو بعيد لفظا و معنى. 

  • قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَاءُ} استئناف يوضح أن الاعتبار بهذه الآيات إنما يؤثر أثره و يورث الإيمان بالله حقيقة و الخشية منه بتمام معنى الكلمة في العلماء دون الجهال، و قد مر أن الإنذار إنما ينجح فيهم حيث قال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ} فهذه الآية كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية إنما توجد في العلماء. 

  • و المراد بالعلماء العلماء بالله و هم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه و صفاته و أفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم و تزيل وصمة الشك و القلق عن نفوسهم و تظهر آثارها في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم، و المراد بالخشية حينئذ حق الخشية و يتبعها خشوع في باطنهم و خضوع في ظاهرهم. هذا ما يستدعيه السياق في معنى الآية. 

  • و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} يفيد معنى التعليل فلعزته تعالى و كونه قاهرا غير مقهور و غالبا غير مغلوب من كل جهة يخشاه العارفون، و لكونه غفورا كثير المغفرة للآثام و الخطيئات يؤمنون به و يتقربون إليه و يشتاقون إلى لقائه. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اَللَّهِ وَ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} تلاوة الكتاب قراءة القرآن و قد أثنى عليها الله سبحانه، و إقامة الصلاة إدامة إتيانها و حفظها من أن تترك، و الإنفاق من الرزق سرا و علانية بذل المال سرا تحذرا من الرياء و زوال الإخلاص في الإنفاق المسنون، و بذل المال علانية ليشيع بين الناس كما في الإنفاق الواجب. 

  • و قوله: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} أي لن تهلك بالخسران، و ذكر بعضهم أن قوله: {يَرْجُونَ} إلخ. خبر إن في صدر الآية و عند بعضهم الخبر مقدر يتعلق به قوله: {لِيُوَفِّيَهُمْ} إلخ «أي فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم» إلخ. 

تفسير الميزان ج۱۷

44
  •  

  •  قوله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} متعلق بقوله: {يَتْلُونَ} و ما عطف عليه في الآية السابقة أي إنهم عملوا ما عملوا لأن يوفيهم و يؤتيهم إيتاء تاما كاملا أجورهم و ثوابات أعمالهم. 

  • و قوله: {وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} يمكن أن يراد بهذه الزيادة تضعيف الثواب أضعافا كما في قوله{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: ١٦٠و قوله: ‌{مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} البقرة: ٢٦١، و يمكن أن يراد بها زيادة ليست من سنخ ثواب الأعمال كما في قوله: ‌{لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق: ٣٥. 

  • و قوله: {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} تعليل لمضمون الآية و زيادة فهو تعالى لكونه غفورا يغفر زلاتهم و لكونه شكورا يثيبهم و يزيد من فضله. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتَابِ هُوَ اَلْحَقُّ} ضمير الفصل و اللام في قوله: {هُوَ اَلْحَقُّ} للتأكيد لا للقصر أي هو حق لا يشوبه باطل. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} إلى آخر الآية. يقال: أورثه‌ مالا كذا أي تركه فيهم يقومون بأمره بعده و قد كان هو القائم بأمره المتصرف فيه، و كذا إيراث العلم و الجاه و نحوهما تركه عند الغير يقوم بأمره بعد ما كان عند غيره ينتفع به فإيراث القوم الكتاب تركه عندهم يتناولونه خلفا عن سلف و ينتفعون به. 

  • و تصح هذه النسبة و إن كان القائم به بعض القوم دون كلهم، قال تعالى: ‌{وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْهُدى‌ وَ أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ هُدىً وَ ذِكْرى‌ لِأُولِي اَلْأَلْبَابِ } المؤمن: ٥٤، و قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَ اَلرَّبَّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبَارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اَللَّهِ} المائدة: ٤٤، و قال:‌{ وَ إِنَّ اَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} الشورى: ١٤. فبنو إسرائيل أورثوا الكتاب و إن كان المؤدون حقه القائمون بأمره بعضهم لا جميعهم. 

  • و المراد بالكتاب في الآية على ما يعطيه السياق هو القرآن الكريم كيف؟ و قوله في الآية السابقة: {وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتَابِ} نص فيه، فاللام في الكتاب 

تفسير الميزان ج۱۷

45
  •  

  • للعهد دون الجنس فلا يعبأ بقول من يقول: إن اللام للجنس و المراد بالكتاب مطلق الكتاب السماوي المنزل على الأنبياء. 

  • و الاصطفاء أخذ صفوة الشي‌ء و يقرب من معنى الاختيار و الفرق أن الاختيار أخذ الشي‌ء من بين الأشياء بما أنه خيرها و الاصطفاء أخذه من بينها بما أنه صفوتها و خالصها. 

  • و قوله: {مِنْ عِبَادِنَا} يحتمل أن يكون {مِنْ} للتبيين أو للابتداء أو للتبعيض الأقرب إلى الذهن أن يكون بيانية و قد قال تعالى: ‌{وَ سَلاَمٌ عَلى‌ عِبَادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‌ }النمل: ٥٩. 

  • و اختلفوا في هؤلاء المصطفين من عباده من هم؟ فقيل: هم الأنبياء، و قيل: هم بنو إسرائيل الداخلون في قوله: ‌{إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفى‌ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ} آل عمران: ٣٣، و قيل: هم أمة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) فقد أورثوا القرآن من نبيهم إليه يرجعون و به ينتفعون علماؤهم بلا واسطة و غيرهم بواسطتهم، و قيل: هم العلماء من الأمة المحمدية. 

  • و قيل - و هو المأثور عن الصادقين (عليهما السلام) في روايات كثيرة مستفيضة - إن المراد بهم ذرية النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من أولاد فاطمة (عليها السلام) و هم الداخلون في آل إبراهيم في قوله‌: {إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفى‌ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ} آل عمران: ٣٣، و قد نص النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على علمهم بالقرآن و إصابة نظرهم فيه و ملازمتهم إياه بقوله‌ في الحديث المتواتر المتفق عليه: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض‌». 

  • و على هذا فالمعنى بعد ما أوحينا إليك القرآن ثم للتراخي الرتبي أورثنا ذريتك إياه و هم الذين اصطفينا من عبادنا إذا اصطفينا آل إبراهيم و إضافة العباد إلى نون العظمة للتشريف. 

  • و قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} يحتمل أن يكون ضمير {فَمِنْهُمْ} راجعا إلى {اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا} فيكون الطوائف الثلاث الظالم لنفسه و المقتصد و السابق بالخيرات شركاء في الوراثة و إن كان الوارث الحقيقي العالم بالكتاب و الحافظ له هو السابق بالخيرات.

تفسير الميزان ج۱۷

46
  •  

  • و يحتمل أن يكون راجعا إلى {عِبَادِنَا } من غير إفادة الإضافة للتشريف فيكون قوله: {فَمِنْهُمْ} مفيدا للتعليل و المعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا و هم المصطفون لا جميع العباد لأن من عبادنا من هو ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق و لا يصلح الكل للوراثة. 

  • و يمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى‌{وَ أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ} المؤمن: ٥٤. 

  • و ما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه و المقتصد و السابق بالخيرات يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شي‌ء من السيئات و هو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى و وارثا، و المراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل و سواء الطريق و المراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم و المقتصد إلى درجات القرب فهو إمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى: ‌{وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ }الواقعة: ١١. 

  • و قوله تعالى: {ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ} أي ما تقدم من الإيراث هو الفضل الكبير من الله لا دخل للكسب فيه. 

  • هذا ما يعطيه السياق و تفيده الأخبار من معنى الآية و فيها للقوم اختلاف عجيب فقد اختلف في {ثُمَّ} فقيل: هي للتراخي بحسب الأخبار، و قيل: للتراخي الرتبي، و قيل: للتراخي الزماني. ثم العطف على {أَوْحَيْنَا} أو على {اَلَّذِي أَوْحَيْنَا}

  • و اختلف في {أَوْرَثْنَا} فقيل: هو على ظاهره، و قيل: معناه حكمنا بإيراثه و قدرناه، و اختلف في {اَلْكِتَابَ} فقيل: المراد به القرآن، و قيل: جنس الكتب السماوية، و اختلف في {اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا} فقيل: المراد بهم الأنبياء، و قيل: بنو إسرائيل، و قيل: أمة محمد، و قيل: العلماء منهم، و قيل: ذرية النبي من ولد فاطمة (عليها السلام). 

  • و اختلف في {مِنْ عِبَادِنَا} فقيل: من للتبعيض أو للابتداء أو للتبيين و يختلف المراد من العباد بحسب اختلاف معنى {مِنْ} و كذا إضافة {عِبَادِنَا} للتشريف على بعض الوجوه و لغيره على بعضها. 

تفسير الميزان ج۱۷

47
  •  

  • و اختلف في {فَمِنْهُمْ} فقيل: مرجع الضمير {اَلَّذِينَ} و قيل: {عِبَادِنَا} و اختلف في الظالم لنفسه و المقتصد و السابق فقيل الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه و المقتصد من استوى ظاهره و باطنه و السابق من كان باطنه خيرا من ظاهره، و قيل: السابق هم السابقون الماضون في عهد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من أصحابه و المقتصد من تبع أثرهم و لحق بهم من الصحابة و الظالم لنفسه غيرهم، و قيل: الظالم من غلبت عليه السيئة و المقتصد المتوسط حالا و السابق هو المقرب إلى الله السابق في الدرجات. 

  • و هناك أقوال متفرقة أخر تركنا إيرادها و لو ضربت الاحتمالات بعضها في بعض جاوز الألف. 

  • قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} التحلية هي التزيين و الأساور جمع أسورة و هي جمع سوار بكسر السين قال الراغب: سوار المرأة معرب و أصله دستواره. انتهى. 

  • و قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} إلخ. ظاهره أنه بيان للفضل الكبير قال في المجمع: هذا تفسير للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات و يجوز أن يكون بدلا من الفضل كأنه قال: ذلك دخول جنات. انتهى. و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} قيل: المراد بالحزن الذي يحمدون الله على إذهابه بإدخالهم الجنة الحزن الذي كان يتوجه إليهم في الحياة الدنيا و ما يحف بها من الشدائد و النوائب. 

  • و قيل: المراد به الحزن الذي كان قد أحاط بهم بعد الارتحال من الدنيا، و قيل الدخول في جنة الآخرة إشفاقا مما اكتسبوه من السيئات. 

  • و على هذا فالقول قول الظالم لنفسه منهم أو قوله و قول المقتصد و أما السابق بالخيرات منهم فلا سيئة في صحيفة أعماله حتى يعذب بها. و هذا الوجه أنسب لقولهم في آخر حمدهم: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}

  • قوله تعالى: {اَلَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ اَلْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} المقامة الإقامة، و دار المقامة المنزل الذي لا خروج منه و لا تحول. 

تفسير الميزان ج۱۷

48
  •  

  • و النصب‌ بفتحتين التعب و المشقة، و اللغوب‌ بضم اللام: العي و التعب في طلب المعاش و غيره. 

  • و المعنى: الذي جعلنا حالين في دار الخلود من فضله من غير استحقاق منا عليه لا يمسنا في هذه الدار و هي الجنة مشقة و تعب و لا يمسنا فيها عي و لا كلال في طلب ما نريد أي إن لنا فيها ما نشاء. 

  • و في قوله: {مِنْ فَضْلِهِ} مناسبة خاصة مع قوله السابق: {ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ}

  • قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} إلى آخر الآية اللام في {لَهُمْ} للاختصاص و يفيد كون النار جزاء لهم لا ينفك عنهم، و قوله: {لاَ يُقْضى‌ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} أي لا يحكم عليهم بالموت حتى يموتوا فهم أحياء على ما هم فيه من شدة العذاب و لا يخفف عنهم من عذاب النار كذلك نجزي كل كفور شديد الكفران أو كثيره. 

  • قوله تعالى: {وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا} إلى آخر الآية في المجمع:‌ الاصطراخ‌ الصياح و النداء بالاستغاثة افتعال من الصراخ انتهى. 

  • و قوله: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا} إلخ. بيان لاصطراخهم، و قوله: {أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} إلخ. جواب اصطراخهم و قوله: {فَذُوقُوا} و قوله: {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} كل منهما متفرع على ما قبله. 

  • و المعنى: و هؤلاء الذين في النار من الكفار يصطرخون و يصيحون بالاستغاثة فيها قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل صالحا غير سيئ غير الذي كنا نعمل فيقال لهم ردا عليهم: - كلا - أ و لم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير فأنذركم هذا العذاب فلم تتذكروا و لم تؤمنوا؟ فذوقوا العذاب فما للظالمين من نصير ينصرهم ليتخلصوا من العذاب. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ} فيعاملكم بما في باطنكم من الاعتقاد و آثار الأعمال و يحاسبكم عليه سواء وافق ظاهركم باطنكم أو خالف قال تعالى: ‌{إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ} البقرة: ٢٨٤، و قال: ‌{يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَائِرُ} الطارق: ٩. 

تفسير الميزان ج۱۷

49
  •  

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَاءُ} (الآية) روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. و في الحديث: أعلمكم بالله أخوفكم لله.

  •  أقول: و في روضة الكافي، بإسناده عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) ما في معناه. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة و الترمذي و الحاكم عن الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، و علم على اللسان فذاك حجة الله على خلقه. 

  • و في المجمع، روى ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال في قوله: {وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه معروفا في الدنيا.

  • و في الكافي، بإسناده عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} (الآية) قال: فقال: ولد فاطمة (عليها السلام) ، و السابق بالخيرات الإمام و المقتصد العارف بالإمام و الظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام.

  • و عن كتاب سعد السعود، لابن طاووس في حديث لأبي إسحاق السبيعي عن الباقر (عليه السلام) في الآية قال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و الشهيد منا، و أما المقتصد فصائم بالنهار و قائم بالليل، و أما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس و هو مغفور له.

  • أقول: المراد بالشهيد بقرينة الروايات الأخر الإمام. 

  • و في معاني الأخبار، مسندا عن الصادق (عليه السلام) في الآية قال: الظالم يحوم حوم نفسه و المقتصد يحوم حوم قلبه و السابق بالخيرات يحوم حوم ربه. 

تفسير الميزان ج۱۷

50
  •  

  • أقول: الحوم و الحومان‌ الدوران، و دوران الظالم لنفسه حوم نفسه اتباعه أهواءها و سعيه في تحصيل ما يرضيها، و دوران المقتصد حوم قلبه اشتغاله بما يزكي قلبه و يطهره بالزهد و التعبد، و دوران السابق بالخيرات حوم ربه إخلاصه له تعالى فيذكره و ينسى غيره فلا يرجو إلا إياه و لا يقصد إلا إياه. 

  • و اعلم أن الروايات من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) في كون الآية خاصة بولد فاطمة (عليها السلام) كثيرة جدا. 

  • و في الدر المنثور، أخرج الفاريابي و أحمد و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و الحاكم و ابن مردويه و البيهقي عن أبي الدرداء سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ} فأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، و أما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا، و أما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يلقاهم الله برحمة فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب. 

  • أقول: و رواه في المجمع، عن أبي الدرداء عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ و في معناه أحاديث أخر، و هناك ما يخالفها و لا يعبأ به كما فيه، عن ابن مردويه عن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} قال: الكافر. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} قال: النصب العناء و اللغوب الكسل و الضجر. 

  • و في نهج البلاغة، و قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. 

  • أقول: و رواه عنه (عليه السلام) في المجمع، و رواه في الدر المنثور، عن ابن جرير عنه (عليه السلام).

  • و في الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول و البيهقي في سننه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين و هو المعمر 

تفسير الميزان ج۱۷

51
  •  

  • الذي قال الله: {أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ}

  • أقول: و روي ذلك بطرق أخرى عن سهل بن سعد و أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌. 

  • و في المجمع:‌ و قيل هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة و روي ذلك عن الباقر (عليه السلام). 

  • أقول: و رواه في الفقيه، عنه (عليه السلام) مضمرا. 

  •  

  • [سورة فاطر (٣٥): الآیات ٣٩ الی ٤٥]

  • {هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ لاَ يَزِيدُ اَلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَ لاَ يَزِيدُ اَلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً ٣٩ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلى‌ بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ اَلظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ٤٠إِنَّ اَللَّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَ لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ٤١ وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‌ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ٤٢ اِسْتِكْبَاراً فِي اَلْأَرْضِ وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً ٤٣ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا 

تفسير الميزان ج۱۷

52
  •  

  • كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ٤٤ وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ اَلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى‌ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‌ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ٤٥} 

  • (بيان) 

  • احتجاج على توحيد الربوبية كقوله: {هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ} (الآية)، و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ} (الآية)، و على نفي ربوبية شركائهم {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} (الآية)و توبيخ و تهديد لهم على نقضهم ما أبرموه باليمين و مكرهم السيئ. 

  • ثم تسجيل أن الله لا يعجزه شي‌ء و إنما يمهل من أمهله من هؤلاء الظالمين إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم جازاهم ما يستحقونه و بذلك تختتم السورة. 

  • قوله تعالى: {هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ} إلخ. الخلائف‌ جمع خليفة، و كون الناس خلائف في الأرض هو قيام كل لاحق منهم مقام سابقه و سلطته على التصرف و الانتفاع منها كما كان السابق مسلطا عليه و هم إنما نالوا هذه الخلافة من جهة نوع الخلقة و هو الخلقة من طريق النسل و الولادة فإن هذا النوع من الخلقة يقسم المخلوق إلى سلف و خلف. 

  • فجعل الخلافة الأرضية نوع من التدبير مشوب بالخلق غير منفك عنه و لذلك استدل به على توحده تعالى في ربوبيته لأنه مختص به تعالى لا مجال لدعواه لغيره. 

  • فقوله: {هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ} حجة على توحده تعالى في ربوبيته 

تفسير الميزان ج۱۷

53
  •  

  • و انتفائها عن شركائهم: تقريره أن الذي جعل الخلافة الأرضية في العالم الإنساني هو ربهم المدبر لأمرهم، و جعل الخلافة لا ينفك عن نوع الخلقة فخالق الإنسان هو رب الإنسان لكن الخالق هو الله سبحانه حتى عند الخصم فالله هو رب الإنسان. 

  • و قوله: {فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي فالله سبحانه هو رب الإنسان فمن كفر و ستر هذه الحقيقة و نسب الربوبية إلى غيره تعالى فعلى ضرره كفره. 

  • و قوله: {وَ لاَ يَزِيدُ اَلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَ لاَ يَزِيدُ اَلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} بيان لكون كفرهم عليهم و هو أن كفرهم يورث لهم مقتا عند ربهم و المقت شدة البغض لأن فيه إعراضا عن عبوديته و استهانة بساحته، و يورث لهم خسارا في أنفسهم لأنهم بدلوا السعادة الإنسانية شقاء و وبالا سيصيبهم في مسيرهم و منقلبهم إلى دار الجزاء. 

  • و إنما عبر عن أثر الكفر بالزيادة لأن الفطرة الإنسانية بسيطة ساذجة واقعة في معرض الاستكمال و الازدياد فإن أسلم الإنسان زاده ذلك كمالا و قربا من الله و إن كفر زاده ذلك مقتا عند الله و خسارا. 

  • و إنما قيد المقت بقوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} دون الخسار لأن الخسار من تبعات تبديل الإيمان كفرا و السعادة شقاء و هو أمر عند أنفسهم و أما المقت و شدة البغض فمن عند الله سبحانه. 

  • و الحب و البغض المنسوبان إلى الله سبحانه من صفات الأفعال و هي معان خارجة عن الذات غير قائمة بها، و معنى حبه تعالى لأحد انبساط رحمته عليه و انجذابها إليه و بغضه تعالى لأحد انقباض رحمته منه و ابتعادها عنه. 

  • قوله تعالى: {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} إلى آخر الآية إضافة الشركاء إليهم بعناية أنهم يدعون أنهم شركاء لله فهي إضافة لامية مجازية. 

  • و في الآية تلقين النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) الحجة على نفي ربوبية آلهتهم الذين كانوا يعبدونهم و تقرير الحجة أنهم لو كانوا أربابا آلهة من دون الله لكان لهم شي‌ء من تدبير العالم فكانوا خالقين لما يدبرونه لأن الخلق و التدبير لا ينفك أحدهما عن الآخر و لو كانوا خالقين لدل 

تفسير الميزان ج۱۷

54
  •  

  • عليه دليل و الدليل إما من العالم أو من قبل الله سبحانه أما العالم فلا شي‌ء منه يدل على كونه مخلوقا لهم و لو بنحو الشركة و هو قوله: {أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ}

  • و أما من قبله تعالى فلو كان لكان كتابا سماويا نازلا من عنده سبحانه يعترف بربوبيتهم و يجوز للناس أن يعبدوهم و يتخذوهم آلهة، و لم ينزل كتاب على هذه الصفة و هم معترفون بذلك و هو قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ مِنْهُ}

  • و إنما عبر عن نفي خالقيتهم في الأرض بقوله: {أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ} و لم يقل: أنبئوني أ لهم شرك في الأرض؟ و عبر في السماوات بقوله: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ} و لم يقل: أم ما ذا خلقوا من السماوات. 

  • لأن المراد بالأرض - على ما يدل عليه سياق الاحتجاج - العالم الأرضي و هو الأرض بما فيها و ما عليها و المراد بالسماوات العالم السماوي المشتمل على السماوات و ما فيها و ما عليها فقوله: {مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ} في معنى أ لهم شرك في الأرض و لا يكون إلا بخلق شي‌ء منها، و قوله: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ} في معنى أم ما ذا خلقوا من السماوات، و قد اكتفى بذكر الخلق في جانب الأرض إشارة إلى أن الشرك في الربوبية لا يكون إلا بخلق. 

  • و قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ مِنْهُ} أي بل آتيناهم كتابا فهم على بينة منه أي على حجة ظاهرة من الكتاب أن لشركائهم شركة معنا و ذلك بدلالته على أنهم شركاء لله. 

  • و قد قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} و لم يقل: أم لهم كتاب و نحو ذلك ليتأكد النفي و الإنكار فإن قولنا: أم لهم كتاب و نحو ذلك إنكار لوجود الكتاب لكن قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} إنكار لوجود الكتاب ممن ينزل الكتاب لو نزل. 

  • و قد تبين بما تقدم أن ضمير الجمع في {آتَيْنَاهُمْ} و في {فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ} للمشركين فلا يعبأ بما قيل: إن الضميرين للشركاء. 

  • و قوله: {بَلْ إِنْ يَعِدُ اَلظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} إضراب عما تقدم من الاحتجاج بأن الذي حملهم على الشرك ليس هو حجة تحملهم عليه و يعتمدون عليها بل 

تفسير الميزان ج۱۷

55
  •  

  • غرور بعضهم بعضا بوعد الشفاعة و الزلفى فأسلافهم يغرون أخلافهم و رؤساؤهم و أئمتهم يغرون مرءوسيهم و تابعيهم و يعدونهم شفاعة الشركاء عند الله سبحانه و لا حقيقة لها. 

  • و حجة الآية عامة على المشركين عبدة الأصنام و هم الذين يعبدون الملائكة و الجن و قديسي البشر و يتخذون لهم أصناما يتوجهون إليها، و على الذين يعبدون روحاني الكواكب و يتوجهون إلى الكواكب ثم يتخذون للكواكب أصناما، و على الذين يعبدون الملائكة و العناصر من غير أن يتخذوا لها أصناما كما ينقل عن الفرس القدماء، و على الذين يعبدون بعض البشر كالنصارى للمسيح (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَ لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} إلخ. قيل: إن الآية استئناف مقرر لغاية قبح الشرك و هوله أي إن الله تعالى يحفظ السماوات و الأرض كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا و تضمحلا لأن الممكن كما يحتاج إلى الواجب حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه. انتهى. 

  • و الظاهر أنه تعالى لما استدل على توحده في الربوبية يجعل الخلافة في النوع الإنساني بقوله: {هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي اَلْأَرْضِ} (الآية) ثم نفى الشركة مطلقا بالحجة عمم الحجة بحيث تشمل الخلق كله أعني السماوات و الأرض فاحتج على توحده بإبقاء الخلق بعد إحداثه فإن من البين الذي لا يرتاب فيه أن حدوث الشي‌ء و أصل تلبسه بالوجود بعد العدم غير بقائه و تلبسه بالوجود بعد الوجود على نحو الاستمرار فبقاء الشي‌ء بعد حدوثه يحتاج إلى إيجاد بعد إيجاد على نحو الاتصال و الاستمرار. 

  • و إبقاء الشي‌ء بعد إحداثه كما أنه إيجاد بعد الإيجاد كذلك هو تدبير لأمره فإنك إن دققت النظر وجدت أن النظام الجاري في الكون إنما يجري بالإحداث و الإبقاء فقط. و الموجد و الخالق هو الله سبحانه حتى عند الخصم فالله سبحانه هو الخالق المدبر للسماوات و الأرض وحده لا شريك له. 

  • فقوله: {إِنَّ اَللَّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ} الإمساك بمعناه المعروف و قوله: {أَنْ تَزُولاَ} - و تقديره كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا - متعلق به، و قيل: الإمساك بمعنى المنع أو بمعنى الحفظ و على أي حال فالإمساك كناية عن الإبقاء و هو الإيجاد بعد الإيجاد على سبيل الاتصال و الاستمرار، و الزوال هو الاضمحلال و البطلان. 

تفسير الميزان ج۱۷

56
  •  

  • و نقل عن بعضهم أنه فسر الزوال بالانتقال المكاني، و المعنى أن الله يمنع السماوات و الأرض من أن ينتقل شي‌ء منهما عن مكانه الذي استقر فيه فيرتفع أو ينخفض انتهى و الشأن في تصور مراده تصورا صحيحا. 

  • و قوله: {وَ لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} السياق يعطي أن المراد بالزوال هاهنا الإشراف على الزوال إذ نفس الزوال لا يجتمع معه الإمساك و المعنى و أقسم لئن أشرفتا على الزوال لم يمسكهما أحد من بعد الله سبحانه إذ لا مفيض للوجود غيره و يمكن أن يكون المراد بالزوال معناه الحقيقي و المراد بالإمساك القدرة على الإمساك و قد تبين أن {مِنْ} الأولى زائدة للتأكيد و الثانية للابتداء، و ضمير {مِنْ بَعْدِهِ} راجع إليه تعالى، و قيل: راجع إلى الزوال. 

  • و قوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} فهو لحلمه لا يعجل إلى أمر و لمغفرة يستر جهات العدم في الأشياء، و مقتضى الاسمين أن يمسك السماوات و الأرض أن تزولا إلى أجل مسمى. 

  • و قال في إرشاد العقل السليم:‌ إنه كان حليما غفورا غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما و كانتا جديرتين بأن تهدا هدا حسبما قال تعالى: {تَكَادُ اَلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ} انتهى. 

  • قوله تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‌ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} قال الراغب: الجهد - بفتح الجيم - و الجهد – بضمها - الطاقة و المشقة - إلى أن قال - و قال تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي حلفوا و اجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. انتهى. و قال: النفر الانزعاج عن الشي‌ء و إلى الشي‌ء كالفزع إلى الشي‌ء و عن الشي‌ء يقال: نفر عن الشي‌ء نفورا قال تعالى: {مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} انتهى. 

  • قيل‌۱ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود و النصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم انتهى، و سياق الآية يصدق هذا النقل و يؤيده. 

  •  

    1. رواه في الدر المنثور عن أبي هلال و عن ابن جريح.

تفسير الميزان ج۱۷

57
  •  

  • فقوله: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الضمير لقريش و قد حلفوا هذا الحلف قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بدليل قوله بعد: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ}، و المقسم به قوله: {لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ} إلخ. 

  • و قوله: {لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‌ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ} أي إحدى الأمم التي جاءهم نذير كاليهود و النصارى و إنما قال: {لَيَكُونُنَّ أَهْدى‌ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ} و لم يقل: أهدى منهم لأن المعنى أنهم كانوا أمة ما جاءهم نذير ثم لو جاءهم نذير كانوا أمة ذات نذير كإحدى تلك الأمم المنذرة ثم بتصديق النذير يصيرون أهدى من التي ماثلوها و هو قوله: {أَهْدى‌ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ} فافهمه. 

  • و قيل: إن مقتضى المقام العموم، و قوله: {إِحْدَى اَلْأُمَمِ} عام و إن كان نكرة في سياق الإثبات و اللام في {اَلْأُمَمِ} للعهد، و المعنى ليكونن أهدى من كل واحدة من تلك الأمم التي كذبوا رسلهم من اليهود و النصارى و غيرهم. 

  • و قيل: المعنى ليكونن أهدى من أمة يقال فيها: إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها من الأمم كما يقال: هو واحد القوم و واحد عصره. انتهى. 

  • و لا يخلو الوجه الأخير عن تكلف و بعد. 

  • و قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} المراد بالنذير النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و النفور التباعد و الهرب. 

  • قوله تعالى: {اِسْتِكْبَاراً فِي اَلْأَرْضِ وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، و ذلك ضربان: مكر محمود و ذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل و على ذلك قال تعالى: {وَ اَللَّهُ خَيْرُ اَلْمَاكِرِينَ} و مذموم و هو أن يتحرى به فعل قبيح قال تعالى: {لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} انتهى. 

  • و قال أيضا: قال عز و جل: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي لا ينزل و لا يصيب. قيل: و أصله حق فقلب نحو زل و زال و قد قرئ فأزلهما الشيطان و أزالهما و على هذا ذمه و ذامه. انتهى. 

  • و قوله: {اِسْتِكْبَاراً فِي اَلْأَرْضِ} مفعول لأجله لقوله: {نُفُوراً} أي نفروا عنه 

تفسير الميزان ج۱۷

58
  •  

  • و تباعدوا للاستكبار في الأرض و قوله: {وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ} معطوف على {اِسْتِكْبَاراً} و مفعول لأجله مثله، و قيل: معطوف على {نُفُوراً} و الإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل قوله ثانيا: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ} إلخ. 

  • و قوله: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي لا يصيب و لا ينزل المكر السيئ إلا بأهله و لا يستقر إلا فيه، فإن المكر السيئ و إن كان ربما أصاب به مكروه للممكور به، لكنه سيزول و لا يدوم إلا أن أثره السيئ بما أنه المكر سيئ يبقى في نفس الماكر و سيظهر فيه و يجزى به إما في الدنيا و إما في الآخرة البتة، و لهذا فسر الآية في مجمع البيان، بقوله: و المعنى لا ينزل جزاء المكر السيئ إلا بمن فعله. 

  • و الكلام مرسل إرسال المثل كقوله تعالى: ‌{إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلى‌ أَنْفُسِكُمْ} يونس: ٢٣ {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلى‌ نَفْسِهِ} الفتح: ١٠. 

  • و قوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ} النظر و الانتظار بمعنى التوقع و الفاء للتفريع و الجملة استنتاج مما تقدمها و الاستفهام للإنكار و المعنى و إذ مكروا المكر السيئ و المكر السيئ يحيق بأهله فهم لا ينتظرون إلا السنة الجارية في الأمم الماضين و هي العذاب الإلهي النازل بهم إثر مكرهم و تكذيبهم بآيات الله. 

  • و قوله: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً} تبديل السنة أن توضع العافية و النعمة موضع العذاب، و تحويلها أن ينقل العذاب من قوم يستحقونه إلى غيرهم، و سنة الله لا تقبل تبديلا و لا تحويلا لأنه تعالى على صراط مستقيم لا يقبل حكمه تبعيضا و لا استثناء. 

  • و قد أخذ الله بالعذاب هؤلاء المشركين الماكرين يوم بدر فقتل عامتهم. و الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو لكل سامع. 

  • قوله تعالى: {أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} استشهاد على سنته الجارية في الأمم الماضية و قد كانوا أشد قوة من مشركي مكة فأخذهم الله بالعذاب لما مكروا و كذبوا. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً 

تفسير الميزان ج۱۷

59
  •  

  •  قَدِيراً} تتميم لسابق البيان لمزيد إنذارهم و تخويفهم، و المحصل ليتقوا الله و ليؤمنوا به و لا يمكروا به و لا يكذبوا فإن سنة الله في ذلك هي العذاب كما يشهد به ما جرى في الأمم السابقة من الإهلاك و التعذيب و قد كانوا أشد قوة منهم و الله سبحانه لا يعجزه شي‌ء في السماوات و الأرض بقوة أو مكر فإنه عليم على الإطلاق لا يغفل و لا يجهل حتى ينخدع بمكر أو حيلة قدير على الإطلاق لا يقاومه شي‌ء. 

  • قوله تعالى: {وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ اَلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى‌ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} إلخ المراد بالمؤاخذة المؤاخذة الدنيوية كما يدل عليه قوله الآتي: {وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‌ أَجَلٍ مُسَمًّى} إلخ. و المراد بالناس جميعهم فإن الآية مسبوقة بذكر مؤاخذة بعضهم و هم الماكرون المكذبون بآيات الله، و المراد بما كسبوا المعاصي التي اكتسبوها بقرينة المؤاخذة التي هي العذاب و قد قال في نظيره الآية من سورة النحل‌{وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ اَلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} النحل: ٦١. 

  • و المراد بظهرها ظهر الأرض لأن الناس يعيشون عليه على أن الأرض تقدم ذكرها في الآية السابقة. 

  • و المراد بالدابة كل ما يدب في الأرض من إنسان ذكر أو أنثى أو كبير أو صغير و احتمل أن يكون المراد كل ما يدب في الأرض من حيوان و إهلاك غير الإنسان من أنواع الحيوان إنما هو لكونها مخلوقة للإنسان كما قال تعالى: ‌{خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة: ٢٩. 

  • و قول بعضهم: ذلك لشؤم المعاصي و قد قال تعالى: {وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} مدفوع بأن شؤم المعصية لا يتعدى العاصي إلى غيره و قد قال تعالى: ‌{وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‌} فاطر: ١٨، و أما الآية أعني قوله{وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الأنفال: ٢٥ فمدلولها على ما تقدم من تفسيرها اختصاص الفتنة بالذين ظلموا منهم خاصة لا عمومها لهم و لغيرهم فراجع. 

  • و قوله: {وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‌ أَجَلٍ مُسَمًّى} و هو الموت أو القيامة و قوله: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} أي فيجازي كلا بما عمل فإنه بصير بهم عليم بأعمالهم لأنهم عباده و كيف يمكن أن يجهل الخالق خلقه و الرب عمل عبده؟. 

تفسير الميزان ج۱۷

60
  •  

  • و قد بان بما تقدم أن قوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} من وضع السبب موضع المسبب الذي هو الجزاء. 

  • و الآية أعني قوله تعالى: {وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ اَلنَّاسَ} إلخ. واقعة موقع الجواب عن سؤال مقدر ناش عن الآية السابقة فإنه تعالى لما أنذر أهل المكر و التكذيب من المشركين بالمؤاخذة و استشهد بما جرى في الأمم السابقة و ذكر أنه لا يعجزه شي‌ء في السماوات و الأرض كأنه قيل: فإذا لم يعجزه شي‌ء في السماوات و الأرض فكيف يترك سائر الناس على ما هم عليه من المعاصي؟ و ما ذا يمنعه أن يؤاخذهم بما كسبوا؟ فأجاب أنه لو يؤاخذ جميع الناس بما كسبوا من المعاصي كما يؤاخذ هؤلاء الماكرين المكذبين ما ترك على ظهر الأرض أحدا منهم يدب و يتحرك، و قد قضى سبحانه أن يعيشوا في الأرض و يعمروها إذ قال‌: { وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ} البقرة: ٣٦ فلا يؤاخذهم و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى و هو الموت أو البعث فإذا جاء أجلهم عاملهم بما عملوا إنه كان بعباده بصيرا. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إياكم و المكر السيئ فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله و لهم من الله طالب.

  • و في تفسير القمي‌ حدثني أبي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): سبق العلم، و جف القلم، و مضى القضاء و تم القدر بتحقيق الكتاب، و تصديق الرسل، و بالسعادة من الله لمن آمن و اتقى و بالشقاء لمن كذب و كفر، و بالولاية من الله عز و جل للمؤمنين، و بالبراءة منه المشركين. 

  • ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن الله عز و جل يقول: يا ابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، و بفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، و بقوتي و عصمتي و عافيتي أديت إلي فرائضي و أنا أولى بحسناتك منك و أنت أولى بذنبك مني، الخير مني إليك واصل بما أوليتك به و الشر منك إليك بما جنيت جزاء 

تفسير الميزان ج۱۷

61
  •  

  • و بكثير من تسلطي لك انطويت على طاعتي، و بسوء ظنك بي قنطت من رحمتي. 

  • فلي الحمد و الحجة عليك بالبيان، و لي السبيل عليك بالعصيان، و لك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، لم أدع تحذيرك، و لم آخذك عند غرتك و هو قوله عز و جل: {وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ اَلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى‌ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ}، لم أكلفك فوق طاقتك، و لم أحملك من الأمانة إلا ما أقررت بها على نفسك، و رضيت لنفسي منك بما رضيت به لنفسك مني ثم قال عز و جل: {وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‌ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}.

  •  

  • (٣٦) سورة يس مكية و هي ثلاث و ثمانون آية (٨٣) 

  • [سورة يس (٣٦): الآیات ١ الی ١٢]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ يس ١ وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ٣ عَلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤ تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ ٥ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ٦ لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‌ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ٧ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ٨ وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ٩ وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ١٠إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ ١١ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‌ وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ١٢} 

تفسير الميزان ج۱۷

62
  •  

  • (بيان) 

  • غرض السورة بيان الأصول الثلاثة للدين فهي تبتدئ بالنبوة و تصف حال الناس في قبول الدعوة و ردها و أن غاية الدعوة الحقة إحياء قوم بركوبهم صراط السعادة و تحقيق القول على آخرين و بعبارة أخرى تكميل الناس في طريقي السعادة و الشقاء. 

  • ثم تنتقل السورة إلى التوحيد فتعد جملة من آيات الوحدانية ثم تنتقل إلى ذكر المعاد فتذكر بعث الناس للجزاء و امتياز المجرمين يومئذ من المتقين و تصف ما تئول إليه حال كل من الفريقين. 

  • ثم ترجع إلى ما بدأت فتلخص القول في الأصول الثلاثة و تستدل عليها و عند ذلك تختتم السورة. 

  • و من غرر الآيات فيها قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فالسورة عظيمة الشأن تجمع أصول الحقائق و أعراقها و قد ورد من طرق العامة و الخاصة: أن لكل شي‌ء قلبا و قلب القرآن يس۱ و السورة مكية بشهادة سياق آياتها. 

  • قوله تعالى: {يس وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ } - إلى قوله - {فَهُمْ غَافِلُونَ} إقسام منه تعالى بالقرآن الحكيم على كون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من المرسلين، و قد وصف القرآن بالحكيم لكونه مستقرا فيه الحكمة و هي حقائق المعارف و ما يتفرع عليها من الشرائع و العبر و المواعظ. 

  • و قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ} مقسم عليه كما تقدم. 

  • و قوله: {عَلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر لقوله: {إِنَّكَ}، و تنكير الصراط - كما قيل - للدلالة على التفخيم و توصيفه بالمستقيم للتوضيح فإن الصراط هو الطريق 

    1. رواه الصدوق في ثواب الأعمال عن أبي عبد الله ع و السيوطي في الدر المنثور عن أنس و أبي هريرة و معقل بن يسار عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم).

تفسير الميزان ج۱۷

63
  •  

  • الواضح المستقيم، و المراد به الطريق الذي يوصل عابريه إلى الله تعالى أي إلى السعادة الإنسانية التي فيها كمال العبودية لله و القرب، و قد تقدم في تفسير الفاتحة بعض ما ينفع في هذا المقام من الكلام. 

  • و قوله: {تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ} وصف للقرآن مقطوع عن الوصفية منصوب على المدح، و المصدر بمعنى المفعول و محصل المعنى أعني بالقرآن ذاك المنزل الذي أنزله الله العزيز الرحيم الذي استقر فيه العزة و الرحمة. 

  • و التذييل بالوصفين للإشارة إلى أنه قاهر غير مقهور و غالب غير مغلوب فلا يعجزه إعراض المعرضين عن عبوديته و لا يستذله جحود الجاحدين و تكذيب المكذبين، و أنه ذو رحمة واسعة لمن يتبع الذكر و يخشاه بالغيب لا لينتفع بإيمانهم بل ليهديهم إلى ما فيه سعادتهم و كمالهم فهو بعزته و رحمته أرسل الرسول و أنزل عليه القرآن الحكيم لينذر الناس فيحق كلمة العذاب على بعضهم و يشمل الرحمة منهم آخرين. 

  • و قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} تعليل للإرسال و التنزيل و {قَوْماً} نافية و الجملة صفة لقوله: {قَوْماً} و المعنى إنما أرسلك و أنزل عليك القرآن لتنذر و تخوف قوما لم ينذر آباؤهم فهم غافلون. 

  • و المراد بالقوم إن كان هو قريش و من يلحق بهم فالمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون فإن الأبعدين من آبائهم كان فيهم النبي إسماعيل ذبيح الله، و قد أرسل إلى العرب رسل آخرون كهود و صالح و شعيب (عليهم السلام)، و إن كان المراد جميع الناس المعاصرين نظرا إلى عموم الرسالة فكذلك أيضا فآخر رسول معروف بالرسالة قبله (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ هو عيسى (عليه السلام) و بينهما زمان الفترة. 

  • و اعلم أن ما ذكرناه في تركيب الآيات هو الذي يسبق منها إلى الفهم و قد أوردوا في ذلك وجوها أخر بعيدة عن الفهم تركناها من أرادها فليراجع المطولات. 

  • قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلىَ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} اللام للقسم أي أقسم لقد ثبت و وجب القول على أكثرهم، و المراد بثبوت القول عليهم صيرورتهم مصاديق يصدق عليهم القول. 

  • و المراد بالقول الذي حق عليهم كلمة العذاب التي تكلم بها الله سبحانه في بدء 

تفسير الميزان ج۱۷

64
  •  

  • الخلقة مخاطبا بها إبليس‌{فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } ص: ٨٥ و المراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة و التسويل بحيث تثبت الغواية و ترسخ في النفس كما يشير إليه قوله تعالى خطابا لإبليس‌{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: ٤٣. 

  • و لازمه الطغيان و الاستكبار على الحق كما يشير إليه ما يحكيه الله من تساؤل المتبوعين و التابعين في النار{ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} الصافات: ٣٢، و قوله‌ {وَ لَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذَابِ عَلَى اَلْكَافِرِينَ قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ} الزمر: ٧٢. 

  • و لازمه الانكباب على الدنيا و الإعراض عن الآخرة بالمرة و رسوخ ذلك في نفوسهم قال تعالى: ‌{وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا عَلَى اَلْآخِرَةِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكَافِرِينَ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلى‌ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْغَافِلُونَ} النحل: ١٠٨ فيطبع الله على قلوبهم و من آثاره أن لا سبيل لهم إلى الإيمان قال تعالى: ‌{إِنَّ اَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يونس: ٩٦. 

  • و بما تقدم ظهر أن الفاء في قوله: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} للتفريع لا للتعليل كما احتمله بعضهم. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} الأعناق‌ جمع عنق بضمتين و هو الجيد، و الأغلال‌ جمع غل بالكسر و هي على ما قيل ما تشد به اليد إلى العنق للتعذيب و التشديد، و مقمحون‌ اسم مفعول من الإقماح و هو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رءوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين أيديهم من الطريق فيعرفوها و يميزوها من غيرها. 

  • و تنكير قوله: {أَغْلاَلاً} للتفخيم و التهويل. 

  • و الآية في مقام التعليل لقوله السابق: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}

تفسير الميزان ج۱۷

65
  •  

  • قوله تعالى: {وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} السد الحاجز بين الشيئين، و قوله: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ }{وَ مِنْ خَلْفِهِمْ} كناية عن جميع الجهات، و الغشي و الغشيان‌ التغطية يقال: غشيه كذا أي غطاه و أغشى الأمر فلانا أي جعل الأمر يغطيه، و الآية متممة للتعليل السابق و قوله: {جَعَلْنَا} معطوف على {جَعَلْنَا} المتقدم. 

  • و عن الرازي في تفسيره في معنى التشبيه في الآيتين أن المانع عن النظر في الآيات قسمان: قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحا لا يرى نفسه و لا يقع بصره على بدنه، و قسم يمنع عن النظر في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكلية. 

  • و معنى الآيتين أنهم لا يؤمنون لأنا جعلنا في أعناقهم أغلالا نشد بها أيديهم على أعناقهم فهي إلى الأذقان فهم مرفوعة رءوسهم باقون على تلك الحال و جعلنا من جميع جهاتهم سدا فجعلناه يغطيهم فهم لا يبصرون فلا يهتدون. 

  • ففي الآيتين تمثيل لحالهم في حرمانهم من الاهتداء إلى الإيمان و تحريمه تعالى عليهم ذلك جزاء لكفرهم و غوايتهم و طغيانهم في ذلك. 

  • و قد تقدم في قوله تعالى‌{إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً} البقرة: ٢٦ في الجزء الأول من الكتاب أن ما وقع في القرآن من هذه الأوصاف و نظائرها التي وصف بها المؤمنون و الكفار يكشف عن حياة أخرى للإنسان في باطن هذه الحياة الدنيوية مستورة عن الحس المادي ستظهر له إذا انكشفت الحقائق بالموت أو البعث، و عليه فالكلام في أمثال هذه الآيات جار في مجرى الحقيقة دون المجاز كما عليه القوم. 

  • قوله تعالى: {وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} عطف تفسير و تقرير لما تتضمنه الآيات الثلاث المتقدمة و تلخيص للمراد و تمهيد لما يتلوه من قوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ} (الآية). 

  • و احتمل أن يكون عطفا على قوله: {لاَ يُبْصِرُونَ} و المعنى فهم لا يبصرون 

تفسير الميزان ج۱۷

66
  •  

  • و يستوي عليهم إنذارك و عدم إنذارك لا يؤمنون و الوجه الأول أقرب إلى الفهم. 

  • قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ} القصر للإفراد، و المراد بالإنذار الإنذار النافع الذي له أثر، و بالذكر القرآن الكريم، و باتباعه تصديقه و الميل إليه إذا تليت آياته، و التعبير بالماضي للإشارة إلى تحقق الوقوع، و المراد بخشية الرحمن بالغيب خشيته تعالى من وراء الحجاب و قبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث، و قيل: أي حال غيبته من الناس بخلاف المنافق و هو بعيد. 

  • و قد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء للإشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء و هو الذي يقر العبد في مقام العبودية فلا يأمن و لا يقنط. 

  • و تنكير {مَغْفِرَةٍ} و {أَجْرٍ كَرِيمٍ} للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من الله و أجر كريم لا يقدر قدره و هو الجنة، و الدليل على جميع ما تقدم هو السياق. 

  • و المعنى: إنما تنذر الإنذار النافع الذي له أثر، من اتبع القرآن إذا تليت عليه آياته و مال إليه و خشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة و أجر كريم لا يقدر قدره. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‌ وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء. 

  • و المراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم، و المراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها، أو شر يعمل به كوضع سنة مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى الله فيها. 

  • و ربما قيل: إن المراد بما قدموا النيات و بآثارهم الأعمال المترتبة المتفرعة عليها و هو بعيد من السياق. 

  • و المراد بكتابة ما قدموا و آثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم و ضبطها فيها بواسطة كتبة الأعمال من الملائكة و هذه الكتابة غير كتابة الأعمال و إحصائها في الإمام المبين 

تفسير الميزان ج۱۷

67
  •  

  • الذي هو اللوح المحفوظ و إن توهم بعضهم أن المراد بكتابة ما قدموا و آثارهم هو إحصاؤها في الكتاب المبين و ذلك أنه تعالى يثبت في كلامه كتابا يحصي كل شي‌ء ثم لكل أمة كتابا يحصي أعمالهم ثم لكل إنسان كتابا يحصي أعماله كما قال‌: {وَ لاَ رَطْبٍ وَ لاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الأنعام: ٥٩، و قال: ‌{كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‌ إِلى‌ كِتَابِهَا} الجاثية: ٢٨، و قال: ‌{وَ كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} الإسراء: ١٣، و ظاهر الآية أيضا يقضي بنوع من البينونة بين كتاب الأعمال و الإمام المبين حيث فرق بينهما بالخصوص و العموم و اختلاف التعبير بالكتابة و الإحصاء. 

  • و قوله: {وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} هو اللوح المحفوظ من التغيير الذي يشتمل على تفصيل قضائه سبحانه في خلقه فيحصي كل شي‌ء و قد ذكر في كلامه تعالى بأسماء مختلفة كاللوح المحفوظ و أم الكتاب و الكتاب المبين و الإمام المبين كل منها بعناية خاصة. 

  • و لعل العناية في تسميته إماما مبينا أنه لاشتماله على القضاء المحتوم متبوع للخلق مقتدى لهم و كتب الأعمال كما سيأتي في تفسير سورة الجاثية مستنسخة منه قال تعالى: ‌{ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية: ٢٩. 

  • و قيل: المراد بالإمام المبين صحف الأعمال و ليس بشي‌ء، و قيل: علمه تعالى و هو كسابقه نعم لو أريد به العلم الفعلي كان له وجه. 

  • و من عجيب القول في هذا المقام ما ذكره بعضهم أن الذي كتب في اللوح المحفوظ هو ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة لا حوادث العالم إلى أبد الآبدين و ذلك أن اللوح عند المسلمين جسم و كل جسم متناهي الأبعاد كما يشهد به الأدلة و بيان كل شي‌ء فيه على الوجه المعروف عندنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفا لغير المتناهي و هو محال بالبديهة فالوجه تخصيص عموم كل شي‌ء و القول بأن المراد به الحوادث إلى يوم القيامة هذا. و هو تحكم و سنتعرض له تفصيلا. 

  • و الآية في معنى التعليل بالنسبة إلى ما تقدمها كأنه تعالى يقول: ما أخبرنا به و وصفناه من حال أولئك الذين حق عليهم القول و هؤلاء الذين يتبعون الذكر و يخشون 

تفسير الميزان ج۱۷

68
  •  

  • ربهم بالغيب هو كذلك لأن أمر حياة الكل إلينا و أعمالهم و آثارهم محفوظة عندنا فنحن على علم و خبرة بما تئول إليه حال كل من الفريقين. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {فَهُمْ مُقْمَحُونَ} قال: قد رفعوا رءوسهم. 

  • و فيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} الهدى، أخذ الله سمعهم و أبصارهم و قلوبهم و أعمالهم عن الهدى. 

  • نزلت في أبي جهل بن هشام و نفر من أهل بيته و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قام يصلي و قد حلف أبو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغه ۱فجاءه و معه حجر و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه أثبت الله عز و جل يده إلى عنقه و لا يدور الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده. 

  • ثم قام رجل آخر و هو رهطه أيضا فقال أنا أقتله فلما دنا منه فجعل يسمع قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فأرعب فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني و بينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت أن أتقدم. 

  • و قوله تعالى: {وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فلم يؤمن من أولئك الرهط من بني مخزوم أحد. 

  • أقول:و روي نحو منه في الدر المنثور، عن البيهقي في الدلائل عن ابن عباس و فيه: أن ناسا من بني مخزوم تواطئوا بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليقتلوه منهم أبو جهل و الوليد بن المغيرة فبينا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قائم يصلي يسمعون قراءته فأرسلوا إليه الوليد ليقتله فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته و لا يراه فانطلق إليهم فأعلمهم ذلك فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضا من 

    1. دمغه أي شجه حتى بلغت الشجة دماغه.

تفسير الميزان ج۱۷

69
  •  

  • خلفهم فانصرفوا فلم يجدوا إليه سبيلا. فذلك قوله: {وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} (الآية).

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه و إذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم و إذا هم لا يبصرون فجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقالوا: ننشدك الله و الرحم يا محمد و لم يكن بطن من بطون قريش إلا و للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيهم قرابة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت: {يس وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ } - إلى قوله - {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد.

  •  أقول: و قد رووا القصة بأشكال مختلفة في بعضها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قرأ الآيات فاحتجب منهم فلم يروه و دفع الله عنه شرهم و كيدهم، و في بعضها أن الآيات - من أول السورة إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} - نزلت في القصة فقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا} إلى آخر الآيتين يقص صنع الله بهم في ستر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن أبصارهم و قوله: {وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} إلخ يخبر عن عدم إيمان ذاك النفر. 

  • و أنت خبير بأن سياق الآيات يأبى الانطباق على هذه الروايات بما فيها من القصة فهو سياق متناسق منسجم يصف حال طائفتين من الناس و هم الذين حق عليهم القول فهم لا يؤمنون و الذين يتبعون الذكر و يخشون ربهم بالغيب. 

  • و أين ذلك من حمل قوله: {لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلىَ أَكْثَرِهِمْ} على الناس المنذرين و حمل قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ} و {جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} الآيتين على قصة أبي جهل و رهطه، و حمل قوله: {وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} على رهطه و أضف إلى ذلك حمل قوله: {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ} على قصة قوم من الأنصار بالمدينة و سيوافيك خبره فيختل بذلك السياق و تنثلم وحدة النظم. 

  • فالحق أن الآيات نازلة دفعة ذات سياق واحد تصف حال الناس و تفرقهم عند بلوغ الدعوة و وقوع الإنذار على فرقتين، و لا مانع من وقوع القصة و احتجاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من أعدائه بالآيات. 

  • و فيه، أخرج عبد الرزاق و الترمذي و حسنه و البزار و ابن جرير و ابن المنذر 

تفسير الميزان ج۱۷

70
  •  

  • و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‌ وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ} فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال: إنه يكتب آثاركم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا.

  • و فيه، أخرج الفاريابي و أحمد في الزهد و عبد بن حميد و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريبا من المسجد فنزلت {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ} فقالوا: بل نمكث مكاننا.

  •  أقول: و الكلام في الروايتين كالكلام فيما تقدمهما. 

  • و فيه، أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شي‌ء. و من سن سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شي‌ء. ثم تلا هذه الآية: {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ}.

  • و في تفسير القمي‌ في قوله تعالى‌: {وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} أي في كتاب مبين و هو محكم، و ذكر ابن عباس عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا و الله الإمام المبين أبين الحق من الباطل ورثته من رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في معاني الأخبار، بإسناده إلى أبي الجارود عن أبي جعفر عن أبيه عن جده (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في حديث: أنه قال في علي (عليه السلام) إنه الإمام الذي أحصى الله تبارك و تعالى فيه علم كل شي‌ء. 

  • أقول: الحديثان لو صحا لم يكونا من التفسير في شي‌ء بل مضمونهما من بطن القرآن و إشاراته، و لا مانع من أن يرزق الله عبدا وحده و أخلص العبودية له العلم بما في الكتاب المبين و هو (عليه السلام) سيد الموحدين بعد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

تفسير الميزان ج۱۷

71
  •  

  • [سورة يس (٣٦): الآیات ١٣ الی ٣٢]

  • {وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ ١٣ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ١٤ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَ مَا أَنْزَلَ اَلرَّحْمَنُ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ١٥ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ١٦ وَ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ اَلْبَلاَغُ اَلْمُبِينُ ١٧ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٨ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ١٩ وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‌ قَالَ يَا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ ٢٠اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ ٢١ وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاَ يُنْقِذُونِ ٢٣ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ٢٤ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ٢٥ قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ ٢٧ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلى‌ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ مَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ٢٨ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ٢٩ يَا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ٣٠أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ 

تفسير الميزان ج۱۷

72
  •  

  • أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ٣١ وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٣٢} 

  • (بيان) 

  • مثل مشتمل على الإنذار و التبشير ضربه الله سبحانه لعامة القوم يشير فيه إلى الرسالة الإلهية و ما تستتبعه الدعوة الحقة من المغفرة و الأجر الكريم لمن آمن بها و اتبع الذكر و خشي الرحمن بالغيب، و من العذاب الأليم لمن كفر و كذب بها فحق عليه القول، و فيه إشارة إلى وحدانيته تعالى و معاد الناس إليه جميعا. 

  • و لا منافاة بين إخباره بأنهم لا يؤمنون سواء أنذروا أم لم ينذروا و بين إنذارهم لأن في البلاغ إتماما للحجة و تكميلا للسعادة أو الشقاوة قال تعالى: ‌{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىَ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} الأنفال: ٤٢، و قال: ‌{وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ يَزِيدُ اَلظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً} الإسراء: ٨٢. 

  • قوله تعالى: {وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ} المثل‌ كلام أو قصة يمثل به مقصد من المقاصد فيتضح للمخاطب، و لما كانت قصتهم توضح ما تقدم من الوعد و الوعيد أمر نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يضربها مثلا لهم. 

  • و الظاهر أن {مَثَلاً} مفعول ثان لقوله: {اِضْرِبْ} و مفعوله الأول قوله: {أَصْحَابَ اَلْقَرْيَةِ} و المعنى و اضرب لهم أصحاب القرية و حالهم هذه الحال مثلا و قد قدم المفعول الثاني تحرزا عن الفصل المخل. 

  • قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} التعزيز من العزة بمعنى القوة و المنعة، و قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} بيان تفصيلي لقوله: {إِذْ جَاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ}

  • و المعنى: و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية و هم في زمان أرسلنا إليهم رسولين اثنين من رسلنا فكذبوهما أي الرسولين فقويناهما برسول ثالث فقالت الرسل إنا إليكم 

تفسير الميزان ج۱۷

73
  •  

  • مرسلون من جانب الله. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَ مَا أَنْزَلَ اَلرَّحْمَنُ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} كانوا يرون أن البشر لا ينال النبوة و الوحي، و يستدلون على ذلك بأنفسهم حيث لا يجدون من أنفسهم شيئا من ذاك القبيل فيسرون الحكم إلى نفوس الأنبياء مستندين إلى أن حكم الأمثال واحد. 

  • و على هذا التقرير يكون معنى قوله: {وَ مَا أَنْزَلَ اَلرَّحْمَنُ مِنْ شَيْ‌ءٍ} لم ينزل الله وحيا و لو نزل شيئا على بشر لنلناه من نفوسنا كما تدعون أنتم ذلك، و تعبيرهم عن الله سبحانه بالرحمن إنما هو لكونهم كسائر الوثنيين معترفين بالله سبحانه و اتصافه بكرائم الصفات‌۱ كالخلق و الرحمة و الملك غير أنهم يرون أنه فوض أمر التدبير إلى مقربي خلقه كالملائكة الكرام فهم الأرباب المدبرون و الآلهة المعبودون، و أما الله عز اسمه فهو رب الأرباب و إله الآلهة. 

  • و من الممكن أن يكون ذكر اسم الرحمن في الحكاية دون المحكي فيكون التعبير به لحلمه و رحمته تعالى قبل إنكارهم و تكذيبهم للحق الصريح. 

  • و قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} بمنزلة النتيجة لصدر الآية، و محصل قولهم إنكم بشر مثلنا و لا نجد نحن على بشريتنا في نفوسنا شيئا من الوحي النازل الذي تدعونه و أنتم مثلنا فما أنزل الرحمن شيئا من الوحي فدعواكم كاذبة و إذ ليس لكم إلا هذه الدعوى فإن أنتم إلا تكذبون. 

  • و يظهر بما تقدم نكتة الحصر في قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} و كذا الوجه في نفي الفعل و لم يقل: إن أنتم إلا كاذبون لأن المراد نفي الفعل في الحال دون الاستمرار و الاستقبال. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ اَلْبَلاَغُ اَلْمُبِينُ} لم يحك الله سبحانه عن هؤلاء الرسل جوابا عن حجة قومهم {مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} إلخ. 

  •  

    1. لكنهم مختلفون في تفسيرها و الصابئون يفسرونها بالنفي فمعنى العالم و القادر عندهم من ليس بجاهل و عاجز.

تفسير الميزان ج۱۷

74
  •  

  • كما نقل عن الرسل المبعوثين إلى الأمم الدارجة لما احتجت أممهم بمثل هذه الحجة {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} فردتها رسلهم بقولهم‌{إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَمُنُّ عَلى‌ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} إبراهيم: ١١ و قد مر تقريره. 

  • بل حكى عنهم أنهم ذكروا للقوم أنهم مرسلون إليهم مأمورون بتبليغ الرسالة ليس عليهم إلا ذلك و أنهم في غنى عن تصديقهم لهم و إيمانهم بهم و يكفيهم فيه أن يعلم ربهم بأنهم مرسلون لا حاجة لهم إلى أزيد من ذلك. 

  • فقوله: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} إخبار عن رسالتهم و قد أكد الكلام بأن المشددة المكسورة و اللام، و الاستشهاد بعلم ربهم بذلك، و قوله: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} معترض بمنزلة القسم، و المعنى إنا مرسلون إليكم صادقون في دعوى الرسالة و يكفينا في ذلكم علم ربنا الذي أرسلنا بها و لا حاجة لنا فيه إلى تصديقكم لنا و لا نفع لنا فيه من أجر و نحوه و لا يهمنا تحصيله منكم بل الذي يهمنا هو تبليغ الرسالة و إتمام الحجة. 

  • و قوله: {وَ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ اَلْبَلاَغُ اَلْمُبِينُ} البلاغ‌ هو التبليغ و المراد به تبليغ الرسالة أي لم يؤمر و لم نكلف إلا بتبليغ الرسالة و إتمام الحجة. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} القائلون أصحاب القرية و المخاطبون هم الرسل، و التطير هو التشؤم و قولهم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا} إلخ. تهديد منهم للرسل. 

  • و المعنى: قالت أصحاب القرية لرسلهم، إنا تشأمنا بكم و نقسم لئن لم تنتهوا عن التبليغ و لم تكفوا عن الدعوة لنرجمنكم بالحجارة و ليصلن إليكم و ليقعن بكم منا عذاب أليم. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} القائلون هم الرسل يخاطبون به أصحاب القرية. 

  • و قوله: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} الطائر في الأصل هو الطير و كان يتشاءم به ثم توسع و استعمل في كل ما يتشاءم به، و ربما يستعمل فيما يستقبل الإنسان من الحوادث، و ربما يستعمل في البخت الشقي الذي هو أمر موهوم يرونه مبدأ لشقاء الإنسان و حرمانه من كل خير. 

تفسير الميزان ج۱۷

75
  •  

  • و كيف كان فقوله: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشأموا به هو معكم و هو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد و إقبالكم إلى الباطل الذي هو الشرك. 

  • و قيل: المعنى طائركم أي حظكم و نصيبكم من الخير و الشر معكم من أفعالكم إن خيرا فخير و إن شرا فشر، هذا و هو أخذ الطائر بالمعنى الثاني لكن قوله بعد: {أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أنسب بالنسبة إلى المعنى الأول. 

  • و قوله: {أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ} استفهام توبيخي و المراد بالتذكير تذكيرهم بالحق من وحدانيته تعالى و رجوع الكل إليه و نحوهما و جزاء الشرط محذوف في الكلام تلويحا إلى أنه مما لا ينبغي أن يذكر أو يتفوه به و التقدير أ إن ذكرتم بالحق قابلتموه بمثل هذا الجحود الشنيع و الصنيع الفظيع من التطير و التوعد. 

  • و قوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي مجاوزون للحد في المعصية و هو إضراب عما تقدم و المعنى بل السبب الأصلي في جحودكم و تكذيبكم للحق أنكم قوم تستمرون على الإسراف و مجاوزة الحد. 

  • قوله تعالى: {وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‌ قَالَ يَا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ} أقصى المدينة أبعد مواضعها بالنسبة إلى مبدإ مفروض، و قد بدلت القرية في أول الكلام مدينة هنا للدلالة على عظمها و السعي‌ هو الإسراع في المشي. 

  • و وقع نظير هذا التعبير في قصة موسى و القبطي و فيها {وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ يَسْعى‌} فقدم «رجل» هناك و أخر هاهنا و لعل النكتة في ذلك أن الاهتمام هناك بمجي‌ء الرجل و إخباره موسى بائتمار الملإ لقتله فقدم الرجل ثم أشير إلى اهتمام الرجل نفسه بإيصال الخبر و إبلاغه فجي‌ء بقوله: {يَسْعى‌} حالا مؤخرا بخلاف ما هاهنا فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليعلم أن لا تواطؤ بينه و بين الرسل في أمر الدعوة فقدم {مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ} و أخر الرجل و سعيه. 

  • و قد اشتد الخلاف بينهم في اسم الرجل و اسم أبيه و حرفته و شغله و لا يهمنا الاشتغال بذلك في فهم المراد و لو توقف عليه الفهم بعض التوقف لأشار سبحانه في كلامه إليه و لم يهمله. 

تفسير الميزان ج۱۷

76
  •  

  • و إنما المهم هو التدبر في حظه من الإيمان في هذا الموقف الذي انتهض فيه لتأييد الرسل (عليهم السلام) و نصرتهم فقد كان على ما يعطيه التدبر في المنقول من كلامه رجلا نور الله سبحانه قلبه بنور الإيمان يؤمن بالله إيمان إخلاص يعبده لا طمعا في جنة أو خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة و لذلك كان من المكرمين و لم يصف الله سبحانه في كلامه بهذا الوصف إلا ملائكته المقربين و عباده المخلصين، و قد خاصم القوم فخصمهم و أبطل ما تعلق به القوم من الحجة على عدم جواز عبادة الله سبحانه و وجوب عبادة آلهتهم و أثبت وجوب عبادته وحده و صدق الرسل في دعواهم الرسالة ثم آمن بهم. 

  • قوله تعالى: {اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ} بيان لقوله: {اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ} و في وضع قوله: {مَنْ لاَ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ} في هذه الآية موضع قوله: {اَلْمُرْسَلِينَ} في الآية السابقة إشعار بالعلية و بيانها أن عدم جواز اتباع قائل في قوله إنما يكون لأحد أمرين: إما لكون قوله ضلالا و القائل به ضالا و لا يجوز اتباع الضال في ضلاله، و إما لأن القول و إن كان حقا و الحق واجب الاتباع لكن لقائله غرض فاسد يريد أن يتوسل إليه بكلمة الحق كاقتناء المال و اكتساب الجاه و المقام و نحو ذلك، و أما إذا كان القول حقا و كان القائل بريئا من الغرض الفاسد منزها من الكيد و المكر و الخيانة كان من الواجب اتباعه في قوله، و هؤلاء الرسل مهتدون في قولهم: لا تعبدوا إلا الله، و هم لا يريدون منكم أجرا من مال أو جاه فمن الواجب عليكم أن تتبعوهم في قولهم. 

  • أما أنهم مهتدون فلقيام الحجة على صدق ما يدعون إليه من التوحيد و كونه حقا، و الحجة هي قوله: {وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ} إلى تمام الآيتين. 

  • و أما أنهم لا يريدون منكم أجرا فلما دل عليه قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} و قد تقدم تقريره. 

  • و بهذا البيان يتأيد ما قدمناه من كون قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} مسوقا لنفي إرادتهم من القوم أجرا أو غير ذلك. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} - إلى قوله - {وَ لاَ يُنْقِذُونِ} شرع في استفراغ الحجة على التوحيد و نفي الآلهة في آيتين 

تفسير الميزان ج۱۷

77
  •  

  • و اختار لذلك سياق التكلم وحده إلا في جملة اعترض بها في خلال الكلام و هي قوله: {وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} و ذلك بإجراء الحكم في نفسه بما أنه إنسان أوجده الله و فطره حتى يجري في كل إنسان هو مثله و الأفراد أمثال فقوله: {وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ} إلخ. في معنى و ما للإنسان لا يعبد إلخ. أ يتخذ الإنسان من دونه آلهة إلخ. 

  • و قد عبر عنه تعالى بقوله: {اَلَّذِي فَطَرَنِي} للإشعار بالعلية فإن فطره تعالى للإنسان و إيجاده له بعد العدم لازمه رجوع كل ما للإنسان من ذات و صفات و أفعال إليه تعالى و قيامه به و ملكه له فليس للإنسان إلا العبودية محضة فعلى الإنسان أن ينصب نفسه في مقام العبودية و يظهرها بالنسبة إليه تعالى و هذا هو العبادة فعليه أن يعبده تعالى لأنه أهل لها. 

  • و هذا هو الذي أشرنا إليه آنفا أن الرجل كان يعبد الله بالإخلاص له لا طمعا في جنة و لا خوفا من نار بل لأنه أهل للعبادة. 

  • و إذ كان الإيمان به تعالى و عبادته هكذا أمرا لا يناله عامة الناس فإن الأكثرين منهم إنما يعبدون خوفا أو طمعا أو لكليهما التفت الرجل بعد بيان حال نفسه إلى القوم فقال: {وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يريد به إنذارهم بيوم الرجوع و أنه تعالى سيحاسبهم على ما عملوا فيجازيهم بمساوئ أعمالهم فقوله: {وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كالمعترضة الخارجة عن السياق أو هي هي. 

  • ثم إن الآيتين حجتان قائمتان على إبطال ما احتج به الوثنية و بنوا على ذلك عبادة الأصنام و أربابها. 

  • توضيح ذلك أنهم قالوا: إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو خيال أو عقل لا يناله شي‌ء من القوى الإدراكية فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فسبيل العبادة أن نتوجه إلى مقربي حضرته و الأقوياء من خلقه كالملائكة الكرام و الجن و القديسين من البشر حتى يكونوا شفعاء لنا عند الله في إيصال الخيرات و دفع الشرور و المكاره. 

  • و الجواب عن أولى الحجتين بما حاصله أن الإنسان و إن كان لا يحيط علما بالذات المتعالية لكنه يعرفه تعالى بصفاته الخاصة به مثل كونه فاطرا له موجدا إياه فله أن يتوجه إليه من طريق هذه الصفات و إنكار إمكانه مكابرة، و هذا الجواب هو الذي 

تفسير الميزان ج۱۷

78
  •  

  • أشار إليه بقوله: {وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي}

  • و عن الثانية أن هؤلاء الآلهة إن كانت لهم شفاعة كانت مما أفاضه الله عليهم و الله سبحانه لا يعطيهم ذلك إلا فيما لا تتعلق به منه إرادة حاتمة و لازمه أن شفاعتهم فيما أذن الله لهم فيه كما قال‌: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} يونس ٣ أما إذا أراد الله شيئا إرادة حتم فلا تنفع شفاعتهم شيئا في المنع عن نفوذها فاتخاذهم آلهة و عدمه سواء في عدم التأثير لجلب خير أو دفع شر، و إلى ذلك أشار بقوله: {أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاَ يُنْقِذُونِ}

  • و تعبيره عنه تعالى بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته و كثرتها و أن النعم كلها من عنده و تدبير الخير و الشر إليه و يتحصل من هنا برهان آخر على وحدانيته تعالى في الربوبية، إذ لما كان جميع النعم و كذا النظام الجاري فيها، من رحمته و قائمة به من غير استقلال في شي‌ء منها كان المستقل بالتدبير هو تعالى حتى أن تدبير الملائكة لو فرض تدبيرهم لشي‌ء من رحمته و تدبيره تعالى و كانت الربوبية له تعالى وحده و كذا الألوهية. 

  • قوله تعالى: {إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} تسجيل للضلال على اتخاذ الآلهة. 

  • قوله تعالى: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} من كلام الرجل خطابا للرسل و قوله: {فَاسْمَعُونِ} كناية عن الشهادة بالتحمل، و قوله: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} إلخ. تجديد الشهادة بالحق و تأكيد للإيمان فإن ظاهر السياق أنه إنما قال: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} بعد محاجته خطابا للرسل ليستشهدهم على إيمانه و ليؤيدهم بإيمانهم بمرأى من القوم و مسمع. 

  • و قيل: إنه خطاب للقوم تأييدا للرسل، و المعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك أو المعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني و آمنوا به أو أنه أراد به أن يغضبهم و يشغلهم عن الرسل بنفسه حيث إنه رأى أنهم بصدد الإيقاع بهم. هذا. 

  • و فيه أنه لا يلائمه التعبير عن الله سبحانه بقوله: {بِرَبِّكُمْ} فإن القوم ما كانوا يتخذونه تعالى ربا لهم و إنما كانوا يعبدون الأرباب من دون الله سبحانه. 

  • و رد بأن المعنى إني آمنت بربكم الذي قامت الحجة على ربوبيته لكم و هو الله سبحانه. و فيه أنه تقييد من غير مقيد. 

تفسير الميزان ج۱۷

79
  •  

  •  قوله تعالى: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ} الخطاب للرجل و هو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد: {وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلى‌ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ} إلخ فوضع قوله: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} موضع الإخبار عن قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم و بين أمره بدخول الجنة أي فصل و انفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة. 

  • و المراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة، و قول بعضهم: إن المراد بها جنة الآخرة و المعنى سيقال له: ادخل الجنة يوم القيامة و التعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إن الله رفعه إلى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة، و هو تحكم كسابقه. 

  • و قيل: إن القائل: {اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء و فيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} إلخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء {اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} و لم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك. 

  • و قوله: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ} استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد تأييده للرسل؟ فقيل: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} ثم قيل: فما ذا كان بعد؟ فقيل: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} إلخ و هو نصح منه لقوله ميتا كما كان ينصحهم حيا. 

  • و {مَا} في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي} إلخ مصدرية، و قوله: {وَ جَعَلَنِي} عطف على {غَفَرَ} و المعنى بمغفرة ربي لي و جعله إياي من المكرمين. 

  • و موهبة الإكرام و إن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في قوله: ‌{ فَأَمَّا اَلْإِنْسَانُ إِذَا مَا اِبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، الفجر: ١٥ و قوله:‌ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: ١٣ فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الإطلاق إلا طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله: ‌{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} 

تفسير الميزان ج۱۷

80
  •  

  • الأنبياء: ٢٧، و الكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله‌{أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} المعارج: ٣٥، أو من المخلصين بفتح اللام كما في قوله‌ {إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ } إلى أن قال {وَ هُمْ مُكْرَمُونَ} الصافات: ٤٢. 

  • و الآية من أدلة وجود البرزخ. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلى‌ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ مَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} الضميران للرجل، و {مِنْ بَعْدِهِ} أي من بعد قتله، و {مِنْ} الأولى و الثالثة لابتداء الغاية، و الثانية مزيدة لتأكيد النفي. 

  • و الآية توطئة للآية التالية، و هي مسوقة لبيان هوان أمر القوم و الانتقام منهم بإهلاكهم على الله سبحانه و أنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى عدة و عدة حتى ينزل من السماء جندا من الملائكة يقاتلونهم فيهلكونهم فلم يفعل ذلك فيهم و لا فعل ذلك في إهلاك من أهلك من الأمم الماضين و إنما أهلكهم بصيحة واحدة تقضي عليهم. 

  • قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي ما كان الأمر الذي كان سبب إهلاكهم بمشيتنا إلا صيحة واحدة، و تأنيث الفعل لتأنيث الخبر و تنكير {صَيْحَةً} و توصيفها بالوحدة للاستحقار، و الخمود السكون و استئناف الجملة لكونها كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان سبب إهلاكهم؟ فقيل: إن كانت إلا صيحة واحدة. 

  • و المعنى: كان سبب هلاكهم أيسر أمر و هي صيحة واحدة ففاجأهم السكون فصاروا ساكنين لا يسمع لهم حس و هم عن آخرهم موتى لا يتحركون. 

  • قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} أي يا ندامة العباد و نداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم، و سبب الحسرة ما يتضمنه قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ} إلخ. 

  • و من هذا السياق يستفاد أن المراد بالعباد عامة الناس و تتأكد الحسرة بكونهم عبادا فإن رد العبد دعوة مولاه و تمرده عنه أشنع من رد غيره نصيحة الناصح. 

  • و بذلك يظهر سخافة قول من قال: إن المراد بالعباد الرسل أو الملائكة أو هما 

تفسير الميزان ج۱۷

81
  •  

  • جميعا. و كذا قول من قال: إن المراد بالعباد الناس لكن المتحسر هو الرجل. 

  • و ظهر أيضا أن قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبَادِ} إلخ من قول الله تعالى لا من تمام قول الرجل. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} توبيخ لأولئك الذين نودي عليهم بالحسرة، و {مِنَ اَلْقُرُونِ} بيان لكم، و القرون‌ جمع قرن و هو أهل عصر واحد. 

  • و قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} بيان لقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ} ضمير الجمع الأول للقرون و الثاني و الثالث للعباد. 

  • و المعنى: أ لم يعتبروا بكثرة المهلكين بأمر الله من القرون الماضية و أنهم مأخوذون بأخذ إلهي لا يتمكنون من الرجوع إلى ما كانوا يترفون فيه؟ 

  • و للقوم في مراجع الضمائر و في معنى الآية أقوال أخر بعيدة عن الفهم تركنا إيرادها. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} لفظة {إِنْ} حرف نفي و {كُلٌّ} مبتدأ تنوينه عوض عن المضاف إليه، و {لَمَّا} بمعنى إلا، و جميع‌ بمعنى مجموع، و لدينا ظرف متعلق به، و محضرون خبر بعد خبر و هو جميع، و احتمل بعضهم أن يكون صفة لجميع. 

  • و المعنى: و ما كلهم إلا مجموعون لدينا محضرون للحساب و الجزاء يوم القيامة فالآية في معنى قوله: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} هود - ١٠٣. 

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع، قالوا: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له و هو حبيب صاحب يس فسلما عليه فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أ معكما آية؟ قالا نعم نحن نشفي المريض و نبرئ الأكمه و الأبرص بإذن الله تعالى فقال 

تفسير الميزان ج۱۷

82
  •  

  • الشيخ: إن لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين قالا: فانطلق بنا إلى منزل نتطلع حاله فذهب بهما فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة و شفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى. 

  • و كان لهم ملك يعبد الأصنام فأنهي الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع و لا يبصر إلى عبادة من يسمع و يبصر. قال الملك: و لنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك و آلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما فأخذهما الناس في السوق و ضربوهما. 

  • قال وهب بن منبه: بعث عيسى هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها و لم يصلا إلى ملكها و طالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا و ذكرا الله فغضب الملك و أمر بحبسهما و جلد كل واحد منهما مائة جلدة. 

  • فلما كذب الرسولان و ضربا، بعث عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على أمرهما لينصرهما فدخل شمعون البلد متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه و رضي عشرته و أنس به و أكرمه. ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن و ضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل سمعت قولهما؟ قال الملك: حال الغضب بيني و بين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما. 

  • فدعاهما الملك فقال لها شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شي‌ء لا شريك له. قال: و ما آتاكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين و موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك ثم قال شمعون للملك: أ رأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا؟ فيكون لك و لأهلك شرفا. فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يضر و لا ينفع. 

  • ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به و بكما. قالا: إلهنا قادر على كل شي‌ء فقال، الملك إن هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه و كان غائبا فجاءوا بالميت و قد تغير و أروح فجعلا يدعوان ربهما علانية و جعل 

تفسير الميزان ج۱۷

83
  •  

  • شمعون يدعو ربه سرا فقام الميت و قال لهم: إني قد مت منذ سبعة أيام و أدخلت في سبعة أودية من النار و أنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك دعاه إلى الله فآمن و آمن من أهل مملكته قوم و كفر آخرون. 

  • قال: و قد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي و غيره عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) إلا أن في بعض الروايات: بعث الله الرسولين إلى أهل أنطاكية ثم بعث الثالث و في بعضها أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما، و أن الميت الذي أحياه الله بدعائهما كان ابن الملك و أنه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه فقال له: يا بني ما حالك؟ قال: كنت ميتا فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني. قال: يا بني فتعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم فأخرج الناس إلى الصحراء فكان يمر عليه رجل بعد رجل فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال: هذا أحدهما. ثم مر الآخر فعرفهما و أشار بيده إليهما فآمن الملك و أهل مملكته.

  • و قال ابن إسحاق: بل كفر الملك و أجمع هو و قومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا و هو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم و يدعوهم إلى طاعة الرسل. 

  • أقول: سياق آيات القصة لا يلائم بعض هذه الروايات. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو داود و أبو نعيم و ابن عساكر و الديلمي عن أبي ليلى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): الصديقين ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل ياسين الذي قال: {يَا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ}، و حزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: {أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللَّهُ}، و علي بن أبي طالب و هو أفضلهم.

  • أقول: و رواه أيضا عن البخاري في تأريخه عن ابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ و لفظه: الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون و حبيب النجار صاحب آل ياسين و علي بن أبي طالب.

  • في المجمع، عن تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب و صاحب يس و مؤمن آل فرعون فهم الصديقون و علي أفضلهم. 

  • أقول: و روي هذا المعنى في الدر المنثور، عن الطبراني و ابن مردويه و ضعفه عن 

تفسير الميزان ج۱۷

84
  •  

  • ابن عباس عنه (عليه السلام) و لفظه: السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون و السابق إلى عيسى صاحب يس و السابق إلى محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) علي بن أبي طالب. 

  •  

  • [سورة يس (٣٦): الآیات ٣٣ الی ٤٧]

  • {وَ آيَةٌ لَهُمُ اَلْأَرْضُ اَلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَ أَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ٣٣ وَ جَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنَابٍ وَ فَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ اَلْعُيُونِ ٣٤ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ ٣٥ سُبْحَانَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ٣٦ وَ آيَةٌ لَهُمُ اَللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اَلنَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ٣٧ وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ ٣٨ وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ ٣٩ لاَ اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَ لاَ اَللَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ ٤١ وَ خَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ٤٢ وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَ لاَ هُمْ يُنْقَذُونَ ٤٣ إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتَاعاً إِلى‌ حِينٍ ٤٤ وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا 

تفسير الميزان ج۱۷

85
  •  

  • خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٥ وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤٦ وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ٤٧} 

  • (بيان) 

  • بعد ما قص عليهم قصة أصحاب القرية و ما آل إليه أمرهم في الشرك و تكذيب الرسل و وبخهم على الاستهانة بأمر الرسالة، و أنذرهم بنزول العذاب عليهم كما نزل على المكذبين من القرون الأولى، و بأنهم جميعا محضرون للحساب و الجزاء. 

  • أورد آيات من الخلق و التدبير تدل على ربوبيته و ألوهيته تعالى وحده لا شريك له ثم وبخهم على ترك النظر في آيات الوحدانية و المعاد و الإعراض عنها و الاستهزاء بالحق و الإمساك عن الإنفاق للفقراء و المساكين. 

  • قوله تعالى: {وَ آيَةٌ لَهُمُ اَلْأَرْضُ اَلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَ أَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} يذكر سبحانه في الآية و اللتين بعدها آية من آيات الربوبية و هي تدبير أمر أرزاق الناس و تغذيتهم من أثمار النبات من الحبوب و التمر و العنب و غيرها. 

  • فقوله: {وَ آيَةٌ لَهُمُ اَلْأَرْضُ اَلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} و إن كان ظاهره أن الآية هي الأرض إلا أن الجملتين توطئتان لقوله: {وَ أَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} إلخ و مسوقتان للإشارة إلى أن هذه الأغذية النباتية من آثار نفخ الحياة في الأرض الميتة و تبديلها حبا و ثمرا يأكلون من ذلك فالآية بنظر هي الأرض الميتة من حيث ظهور هذه الخواص فيها و تمام تدبير أرزاق الناس بها. 

  • و قوله: {وَ أَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} أي و أخرجنا من الأرض بإنبات النبات حبا كالحنطة و الشعير و الأرز و سائر البقولات. 

تفسير الميزان ج۱۷

86
  •  

  • و قوله: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} تفريع على إخراج الحب و بالأكل يتم التدبير، و ضمير {فَمِنْهُ} للحب. 

  • قوله تعالى: {وَ جَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنَابٍ وَ فَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ اَلْعُيُونِ} قال الراغب: الجنة كل بستان ذي شجر تستر بأشجاره الأرض انتهى. و النخيل‌ جمع نخل و هو معروف، و الأعناب‌ جمع عنب يطلق على الشجرة و هي الكرم و على الثمرة. 

  • و قال الراغب: العين‌ الجارحة - إلى أن قال - و يستعار العين لمعان هي موجودة في الجارحة بنظرات مختلفة - إلى أن قال - و يقال لمنبع الماء عين تشبيها بها لما فيها من الماء انتهى، و التفجير في الأرض شقها لإخراج المياه، و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ} اللام لتعليل ما ذكر في الآية السابقة أي جعلنا فيها جنات و فجرنا فيها العيون بشقها ليأكل الناس من ثمره. 

  • و قوله: {مِنْ ثَمَرِهِ} قيل: الضمير للمجعول من الجنات و لذا أفرد و ذكر و لم يقل: من ثمرها أي من ثمر الجنات، أو من ثمرهما أي من ثمر النخيل و الأعناب. 

  • و قيل: الضمير للمذكور و قد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة كما في قول رؤبة: 

  • فيها خطوط من سواد و بلق***كأنه في الجلد توليع البهق‌
  • فقد روي أن أبا عبيدة سأله عن قوله «كأنه» فقال كان ذاك. 

  • و في مرجع ضمير {مِنْ ثَمَرِهِ} أقوال أخر رديئة كقول بعضهم إن الضمير للنخيل فقط، و قول آخر: إنه للماء لدلالة العيون عليه أو بحذف مضاف و التقدير ماء العيون و قول آخر: إن الضمير للتفجير المفهوم من {فَجَّرْنَا} و المراد بالثمر على هذين الوجهين الفائدة، و قول آخر: إن الضمير له تعالى و إضافته إليه لأنه خلقه و ملكه. 

  • و قوله: {وَ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} العمل‌ هو الفعل و الفرق بينهما على ما ذكره الراغب أن أكثر ما يستعمل العمل في الفعل المقارن للقصد و الإرادة، و لذلك يشذ استعماله في الحيوان و الجماد، و لذلك أيضا يتصف العمل بالصلاح و خلافه فيقال. عمل صالح و عمل طالح و لا يتصف بهما مطلق الفعل. 

  • و {مَا} في {وَ مَا عَمِلَتْهُ} نافية و المعنى و لم يعمل الثمر بأيديهم حتى يشاركونا في تدبير 

تفسير الميزان ج۱۷

87
  •  

  • الأرزاق بل هو مما اختصصنا بخلقه و تتميم التدبير به من دون أن نستعين بهم فما بالهم لا يشكرون. 

  • و يؤيد هذا المعنى قوله في أواخر السورة و هو يمتن عليهم بخلق الأنعام لتدبير أمر رزقهم و حياتهم: {أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً } إلى أن قال {وَ مِنْهَا يَأْكُلُونَ وَ لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَ مَشَارِبُ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ}

  • و احتمل بعضهم كون {مَا} في {وَ مَا عَمِلَتْهُ} موصولة معطوفة على {ثَمَرِهِ} و المعنى ليأكلوا من ثمره و من الذي عملته أيديهم من ثمره كالخل و الدبس المأخوذين من التمر و العنب و غير ذلك. 

  • و هذا الوجه و إن عده بعضهم أوجه من سابقه ليس بذاك فإن المقام مقام بيان آيات دالة على ربوبيته تعالى بذكر أمور من التدبير يخصه تعالى و لا يناسبه ذكر شي‌ء من تدبير الغير معه و تتميم الحجة بذلك، و لو كان المراد ذكر عملهم بما أنه منته إلى خلقه تعالى و جزء من التدبير العام كان الأنسب أن يقال: و ما هديناهم إلى عمله أو ما يؤدي معناه لينتفي به توهم الشركة في التدبير. 

  • و احتمل بعضهم كون {مَا} نكرة موصوفة معطوفة على {ثَمَرِهِ} و المعنى ليأكلوا من ثمره و من شي‌ء عملته أيديهم. هذا و يرد عليه ما يرد على سابقه. 

  • و قوله: {أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ} توبيخ و استقباح لعدم شكره و شكره تعالى منهم على هذا التدبير إظهارهم جميل نعمه بذكره قولا و فعلا أي إظهارهم أنهم عباد له مدبرون بتدبيره و هو العبادة فشكره تعالى هو الاعتراف بربوبيته و اتخاذه إلها معبودا. 

  • قوله تعالى: {سُبْحَانَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} إنشاء لتنزيهه تعالى، لما ذكر عدم شكرهم له على ما خلق لهم من أنواع النبات و رزقهم من الحبوب و الأثمار، و إنما عمل ذلك بتزويج بعض النبات بعضا كما قال‌: { وَ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} ق: ٧ أشار إلى ما هو أعظم و أوسع من خلق أزواج النبات و هو خلق الأزواج كلها و تنظيم العالم المشهود باستيلاد كل شي‌ء من فاعل و منفعل قبله هما أبواه كالذكر و الأنثى من الإنسان و الحيوان و النبات، و كل فاعل و منفعل يتلاقيان فينتجان بتلاقيهما أمرا ثالثا، أشار تعالى إلى ذلك فنزه نفسه بقوله: {سُبْحَانَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} إلخ. فقوله: {سُبْحَانَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} إنشاء 

تفسير الميزان ج۱۷

88
  •  

  • تسبيح على ما يعطيه السياق لا إخبار. 

  • و قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ} هو و ما بعده بيان للأزواج و الذي تنبت الأرض هو النبات و لا يبعد شموله الحيوان و قد قال تعالى في الإنسان و هو من أنواع الحيوان: {وَ اَللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبَاتاً} نوح: ١٧ و يؤيد ذلك أن ظاهر سياق البيان استيعابه للمبين مع عدم ذكر الحيوان في عدد الأزواج. 

  • و قوله: {وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي الناس، و قوله: {وَ مِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} و هو الذي يجهله الإنسان من الخليقة أو يجهل كيفية ظهوره أو ظهور الكثرة فيه. 

  • و ربما قيل في الآية: إن المراد بالأزواج الأنواع و الأصناف، و لا يساعد عليه الآيات التي تذكر خلق الأزواج كقوله تعالى{وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الذاريات: ٤٩ و المقارنة و نوع من التألف و التركب من لوازم مفهوم الزوجية. 

  • قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر و الأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج‌، و لكل قرينين فيها و في غيرها: زوج كالخف و النعل، و لكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج، قال: و قوله: {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} فبين أن كل ما في العالم زوج من حيث إن له ضدا ما أو مثلا ما أو تركيبا ما بل لا ينفك بوجه من تركيب. انتهى. 

  • فزوجية الزوج هي كونه مفتقرا في تحققه إلى تألف و تركب و لذلك يقال لكل واحد من القرينين من حيث هما قرينان: زوج لافتقاره إلى قرينه، و كذا يقال لمجموع القرينين: زوج لافتقاره في تحققه زوجا إلى التألف و التركب فكون الأشياء أزواجا مقارنة بعضها بعضا لإنتاج ثالث أو كونه مولدا من تألف اثنين. 

  • قوله تعالى: {وَ آيَةٌ لَهُمُ اَللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اَلنَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} آية أخرى من آيات الربوبية الدالة على وقوع التدبير العام السماوي للعالم الإنساني مذكورة في أربع آيات. 

  • و لا شك أن الآية تشير إلى مفاجأة الليل عقيب ذهاب النهار، و السلخ‌ في الآية بمعنى الإخراج و لذلك عدي بمن و لو كان بمعنى النزع كما في قولنا: سلخت الإهاب عن الشاة تعين تعديه بعن دون من. 

تفسير الميزان ج۱۷

89
  •  

  • و يؤيد ذلك أنه تعالى عبر في مواضع من كلامه عن ورود كل من الليل و النهار عقيب الآخر بإيلاجه فيه فقال في مواضع من كلامه‌{يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ} الحج: ٦١ فإذا كان ورود النهار بعد الليل إيلاجا للنهار في الليل اعتبارا كان مفاجأة الليل بعد النهار إخراجا للنهار من الليل اعتبارا. 

  • كأن الليل أطبق عليهم و أحاطت بهم ظلمته ثم ولج فيه النهار فوسعهم نوره و ضياؤه ثم خرج منه ففاجأهم الليل ثانيا بانطباق الظلام و إحاطته بما أضاءه النهار ففي الكلام نوع من الاستعارة بالكناية. 

  • و لعل فيما ذكرناه من الوجه كفاية عما أطنبوا فيه من البحث في معنى سلخ النهار من الليل ثم مفاجأة الليل. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ} جريها حركتها و قوله {لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} اللام بمعنى إلى أو للغاية، و المستقر مصدر ميمي أو اسم زمان أو مكان، و المعنى أنها تتحرك نحو مستقرها أو حتى تنتهي إلى مستقرها أي استقرارها و سكونها بانقضاء أجلها أو زمن استقرارها أو محله. 

  • و أما جريها و هو حركتها فظاهر النظر الحسي يثبت لها حركة دورية حول الأرض لكن الأبحاث العلمية تقضي بالعكس و تكشف أن لها مع سياراتها حركة انتقالية نحو النسر الواقع. 

  • و كيف كان فمحصل المعنى أن الشمس لا تزال تجري ما دام النظام الدنيوي على حاله حتى تستقر و تسكن بانقضاء أجلها فتخرب الدنيا و يبطل هذا النظام، و هذا المعنى يرجع بالمال إلى معنى القراءة المنسوبة إلى أهل البيت و غيرهم: «و الشمس تجري لا مستقر لها» كما قيل. 

  • و أما حمل جريها على حركتها الوضعية حول مركزها فهو خلاف ظاهر الجري الدال على الانتقال من مكان إلى مكان. 

  • و قوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ} أي الجري المذكور تقدير و تدبير ممن لا يغلبه غالب في إرادته و لا يجهل جهات الصلاح في أفعاله. 

تفسير الميزان ج۱۷

90
  •  

  •  قوله تعالى: {وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ} المنازل‌ جمع منزل اسم مكان من النزول و الظاهر أن المراد به المنازل الثمانية و العشرون التي يقطعها القمر في كل ثمانية و عشرين يوما و ليلة تقريبا. 

  • و العرجون‌ عود عذق النخلة من بين الشمراخ إلى منبته و هو عود أصفر مقوس يشبه الهلال، و القديم‌ العتيق. 

  • و قد اختلفت الأنظار في معنى الآية للاختلاف في تركيبها، و أقرب التقديرات من الفهم قول من قال: إن التقدير و القمر قدرناه ذا منازل أو قدرنا له منازل حتى عاد هلالا يشبه العرجون العتيق المصفر لونه. 

  • تشير الآية إلى اختلاف مناظر القمر بالنسبة إلى أهل الأرض فإن نوره مكتسب من الشمس يستنير بها نصف كرته تقريبا و ما يقرب من النصف الآخر غير المسامت للشمس مظلم ثم يتغير موضع الاستنارة و لا يزال كذلك حتى يعود إلى الوضع الأول و يعرض ذلك أن يظهر لأهل الأرض في صورة هلال ثم لا يزال ينبسط عليه النور حتى يتبدر ثم لا يزال ينقص حتى يعود إلى ما كان عليه أوله. 

  • و لاختلاف صوره آثار بارزة في البر و البحر و حياة الناس على ما بين في الأبحاث المربوطة. 

  • فالآية الكريمة تذكر من آية القمر أحواله الطارئة له بالنسبة إلى الأرض و أهلها دون حاله في نفسه و دون حاله بالنسبة إلى الشمس فقط. 

  • و من هنا لا يبعد أن يقال في قوله تعالى: {وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} إن المراد بقوله: {تَجْرِي} الإشارة إلى ما يعطيه ظاهر الحس من حركتها اليومية و الفصلية و السنوية و هي حالها بالنسبة إلينا، و بقوله: {لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} حالها في نفسها و هي سكونها بالنسبة إلى سياراتها المتحركة حولها كأنه قيل: و آية لهم أن الشمس على استقرارها تجري عليهم و قد دبر العزيز العليم بذلك كينونة العالم الأرضي و حياة أهله و الله أعلم. 

  • قوله تعالى: {لاَ اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَ لاَ اَللَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} لفظة ينبغي تدل على الترجح و نفي ترجح الإدراك من الشمس نفي وقوعه منها، و المراد به أن التدبير ليس مما يجري يوما و يقف آخر بل هو تدبير دائم غير مختل و لا منقوض حتى ينقضي الأجل المضروب منه تعالى لذلك. 

تفسير الميزان ج۱۷

91
  •  

  • فالمعنى أن الشمس و القمر ملازمان لما خط لهما من المسير فلا تدرك الشمس القمر حتى يختل بذلك التدبير المعمول بهما و لا الليل سابق النهار و هما متعاقبان في التدبير فيتقدم الليل و النهار فيجتمع ليلتان ثم نهاران بل يتعاقبان. 

  • و لم يتعرض لنفي إدراك القمر للشمس و لا لنفي سبق النهار الليل لأن المقام مقام بيان انحفاظ النظم الإلهي عن الاختلال و الفساد فنفى إدراك ما هو أعظم و أقوى و هو الشمس لما هو أصغر و أضعف و هو القمر، و يعلم منه حال العكس و نفى سبق الليل الذي هو افتقاده للنهار الذي هو ليله و الليل مضاف إليه متأخر طبعا منه و يعلم به حال العكس. 

  • و قوله: {وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي كل من الشمس و القمر و غيرهما من النجوم و الكواكب يجرون في مجرى خاص به كما تسبح السمكة في الماء فالفلك هو المدار الفضائي الذي يتحرك فيه الجرم العلوي، و لا يبعد حينئذ أن يكون المراد بالكل كل من الشمس و القمر و الليل و النهار و إن كان لا يوجد في كلامه تعالى ما يشهد على ذلك. 

  • و الإتيان بضمير الجمع الخاص بالعقلاء في قوله {يَسْبَحُونَ} لعله للإشارة إلى كونها مطاوعة لمشيته مطيعة لأمره تعالى كالعقلاء كما في قوله‌{ثُمَّ اِسْتَوى‌ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَ هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} حم السجدة: ١١. 

  • و للمفسرين في جمل الآية آراء أخر مضطربة أضربنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع المفصلات. 

  • قوله تعالى: {وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ} قال الراغب: الذرية أصلها الصغار من الأولاد، و تقع في التعارف على الصغار و الكبار معا، و يستعمل للواحد و الجمع و أصله للجمع. انتهى، و الفلك‌ السفينة، و المشحون‌ المملوء. 

  • آية أخرى من آيات ربوبيته تعالى و هو جريان تدبيره في البحر حيث يحمل ذريتهم في الفلك المشحون بهم و بأمتعتهم يجوزون به من جانب إلى جانب للتجارة و غيرها، و لا حامل لهم فيه و لا حافظ لهم عن الغرق إلا هو تعالى و الخواص التي يستفيدون منها في ركوب البحر أمور مسخرة له تعالى منتهية إلى خلقه على أن هذه الأسباب لو لم تنته إليه تعالى لم تغن طائلا. 

تفسير الميزان ج۱۷

92
  •  

  • و إنما نسبت الحمل إلى الذرية دونهم أنفسهم فلم يقل: أنا حملناهم لإثارة الشفقة و الرحمة. 

  • قوله تعالى: {وَ خَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} المراد به على ما فسروه الأنعام قال تعالى: ‌{وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْفُلْكِ وَ اَلْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} الزخرف: ١٢ و قال: ‌{ وَ عَلَيْهَا وَ عَلَى اَلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} المؤمن - ٨٠. 

  • و فسر بعضهم الفلك المذكور في الآية السابقة بسفينة نوح (عليه السلام) و ما في هذه الآية بالسفن و الزوارق المعمولة بعدها و هو تفسير ردي‌ء و مثله تفسير ما في هذه الآية بالإبل خاصة. 

  • و ربما فسر ما في هذه الآية بالطيارات و السفن الجوية المعمولة في هذه الأعصار و التعميم أولى. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَ لاَ هُمْ يُنْقَذُونَ} الصريخ‌ هو الذي يجيب الصراخ و يغيث، الاستغاثة و الإنقاذ هو الإنجاء من الغرق. 

  • و الآية متصلة بقوله السابق: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ} أي إن الأمر إلى مشيتنا فإن نشأ نغرقهم فلا يغيثهم مغيث و لا ينقذهم منقذ. 

  • قوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتَاعاً إِلى‌ حِينٍ} استثناء مفرغ و التقدير لا ينجون بسبب من الأسباب و أمر من الأمور إلا لرحمة منا تنالهم و لتمتع إلى حين الأجل المسمى الذي قدرناه لهم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لما ذكر الآيات الدالة على الربوبية ذمهم على عدم رعايتهم حقها و عدم إقبالهم عليها و عدم ترتيبهم عليها آثارها فإذا قيل لهم هذه الآيات البينات ناطقة أن ربكم الله فاتقوا معصيته في حالكم الحاضرة و ما قدمتم من المعاصي، أو عذاب الشرك و المعاصي التي أنتم مبتلون بها و ما خلفتم وراءكم، أو اتقوا ما بين أيديكم من الشرك و المعاصي في الحياة الدنيا و ما خلفكم من العذاب في الآخرة، أعرضوا عنه و لم يستجيبوا له على ما هو دأبهم في جميع الآيات التي ذكروا بها. 

  • و من هنا يظهر أولا أن المراد بما بين أيديهم و ما خلفهم الشرك و المعاصي التي هم مبتلون بها في حالهم الحاضرة و ما كانوا مبتلين به قبل، أو العذاب الذي استوجبوه ـ 

تفسير الميزان ج۱۷

93
  •  

  • بذلك و المآل واحد، أو الشرك و المعاصي في الدنيا و العذاب في الآخرة و هو أوجه الوجوه. 

  • و ثانيا: أن حذف جواب إذا للدلالة على أن حالهم بلغت من الجرأة على الله و الاستهانة بالحق مبلغا لا يستطاع معها ذكر ما يجيبون به داعي الحق إذا دعاهم إلى التقوى فيجب أن يترك أسفا و لا يذكر، و قد دل عليه بقوله: {وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}

  • قوله تعالى: {وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} المراد بإتيان الآيات موافاتها لهم بالمشاهدة أو بالتلاوة و الذكر، و أيضا هي أعم من أن تكون آية آفاقية أو أنفسية، أو تكون آية معجزة كالقرآن فهم معرضون عنها جميعا. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} إلى آخر الآية كان قوله: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا خَلْفَكُمْ} متعرضا لجوابهم إذا دعوا إلى عبادة الله و هي أحد ركني الدين الحق، و هذه الآية تعرضت لجوابهم إذا دعوا إلى الشفقة على خلق الله و هو الركن الآخر و معلوم أن جوابهم الرد دون القبول. 

  • فقوله: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} يتضمن دعوتهم إلى الإنفاق على الفقراء و المساكين من أموالهم و في التعبير عن الأموال بما رزقهم الله إشعار بأن المالك لها حقيقة هو الله الذي رزقهم بها و سلطهم عليها، و هو الذي خلق الفقراء و المساكين و أقام حاجتهم إلى ما عند هؤلاء من فضل المؤن الذي لا يفتقرون إليه فلينفقوا عليهم و ليحسنوا و ليجملوا و الله يحب الإحسان و جميل الفعل. 

  • و قوله: {قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ أَطْعَمَهُ} جوابهم للدعوة إلى الإنفاق، و إنما أظهر القائل الذين كفروا و مقتضى المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق و إعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الإعراض عما تدعو إليه الفطرة من الشفقة على خلق الله و إصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الإظهار في قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} للإشارة إلى أن قائل {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} هم الذين آمنوا. 

  • و في قولهم: {أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ أَطْعَمَهُ} إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم: 

تفسير الميزان ج۱۷

94
  •  

  • {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} بعنوان أنه مما يشاؤه الله و يريده حكما دينيا فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع في رزقهم و جعلهم أغنياء. 

  • و هذه مغالطة منهم خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء و الامتحان و هداية العباد إلى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم و آخرتهم و من الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان، و بين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد و من المعلوم أن مشيئة الله و إرادته المتعلقة بإطعام الفقراء و الإنفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا و تمردهم عما أمروا به لا على عدم تعلق الإرادة به و كذب مدعيه. 

  • و هذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية و قد حكى الله سبحانه ذلك عنهم في قوله‌{وَ قَالَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ نَحْنُ وَ لاَ آبَاؤُنَا وَ لاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ} النحل: ٣٥، و قوله‌{سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اَللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاَ آبَاؤُنَا وَ لاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْ‌ءٍ} الأنعام: ١٤٨، و قوله‌{ وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ اَلرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} الزخرف: ٢٠. 

  • و قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} من تمام قول الذين كفروا يخاطبون به المؤمنين أي إنكم في ضلال مبين في دعواكم أن الله أمرنا بالإنفاق و شاء منا ذلك. 

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع: روي عن علي بن الحسين زين العابدين و أبي جعفر الباقر و جعفر الصادق (عليهم السلام): «لا مستقر لها» بنصب الراء.

  • و في الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور و أحمد البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي عن أبي ذر قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عن قوله تعالى: {وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قال: مستقرها تحت العرش. 

  • أقول: و قد روي هذا المعنى عن أبي ذر عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ من طرق الخاصة و العامة 

تفسير الميزان ج۱۷

95
  •  

  • مختصرة و مطولة، و في بعضها أنها بعد الغروب تصعد سماء سماء حتى تصل إلى ما دون العرش فتسجد و تستأذن في الطلوع و تبقى على ذلك حتى تكسى نورا و يؤذن لها في الطلوع. 

  • و الرواية إن صحت فهي مؤولة. 

  • و في روضة الكافي، بإسناده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز و جل خلق الشمس قبل القمر و خلق النور قبل الظلمة. 

  • و في المجمع، روى العياشي في تفسيره بالإسناد عن الأشعث بن حاتم قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا و الفضل بن سهل و المأمون في الإيوان بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا (عليه السلام): إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل؟ فما عندكم؟ قال: و أداروا الكلام فلم يكن عندهم في ذلك شي‌ء. 

  • فقال الفضل للرضا: أخبرنا بها أصلحك الله. قال: نعم من القرآن أم من الحساب قال له الفضل من جهة الحساب فقال: قد علمت يا فضل إن طالع الدنيا السرطان و الكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان و المشتري في السرطان و المريخ في الجدي و الشمس في الحمل و الزهرة في الحوت و عطارد في السنبلة و القمر في الثور فتكون الشمس في العاشر وسط السماء فالنهار قبل الليل، و من القرآن قوله تعالى: {وَ لاَ اَللَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ} أي الليل قد سبقه النهار. 

  • أقول: نقل الآلوسي في روح المعاني، هذا الحديث ثم قال: و في الاستدلال بالآية بحث ظاهر، و أما بالحساب فله وجه في الجملة و رأى المنجمون أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار و له موافقة لما ذكر و الذي يغلب على الظن عدم صحة الخبر من مبتدئه فالرضا أجل من أن يستدل بالآية على ما سمعت من دعواه انتهى. 

  • و قد اختلط عليه الأمر في تحصيل حقيقة معنى الليل و النهار. 

  • توضيحه: أن الليل و النهار متقابلان تقابل العدم و الملكة كالعمى و البصر فكما أن العمى ليس مطلق عدم البصر حتى يكون الجدار مثلا أعمى لعدم البصر فيه بل هو عدم البصر مما من شأنه أن يتصف بالبصر كالإنسان كذلك الليل ليس هو مطلق عدم النور بل هو زمان عدم استضاءة ناحية من نواحي الأرض بنور الشمس و من المعلوم أن 

تفسير الميزان ج۱۷

96
  •  

  • عدم الملكة يتوقف في تحققه على تحقق الملكة المقابلة له قبله حتى يتعين بالإضافة إليه فلو لا البصر لم يتحقق عمى و لو لا النهار لم يتحقق الليل. 

  • فمطلق الليل بمعناه الذي هو به ليل مسبوق الوجود بالنهار و قوله: {وَ لاَ اَللَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ} و إن كان ناظرا إلى الترتيب المفروض بين النهر و الليالي و أن هناك نهارا و ليلا و نهارا و ليلا و أن واحدا من هذه الليالي لا يسبق النهار الذي بجنبه. 

  • لكنه تعالى أخذ في قوله: {وَ لاَ اَللَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ} مطلق الليل و نفى تقدمه على مطلق النهار و لم يقل: إن واحدا من الليالي الواقعة في هذا الترتيب لا يسبق النهار الواقع في الترتيب قبله. 

  • فالحكم في الآية مبني على ما يقتضيه طبيعة الليل و النهار بحسب التقابل الذي أودعه الله بينهما و قد استفيد منه الحكم بانحفاظ الترتيب في تعاقب الليل و النهار فإن كل ليل هو افتقاد النهار الذي هو يتلوه فلا يتقدم عليه و إلى هذا يشير (عليه السلام) بعد ذكر الآية بقوله: «أي الليل قد سبقه النهار» يعني أن سبق النهار الليل هو خلقه قبله و ليس كما يتوهم أن هناك نهر أو ليالي موجودة ثم يتعين لكل منها محله. 

  • و قول المعترض: «و أما بالحساب فله وجه في الجملة» لا يدرى وجه قوله: في الجملة و هو وجه تام مبني على تسليم أصول التنجيم صحيح بالجملة على ذلك التقدير لا في الجملة. 

  • و كذا قوله: «و رأى المنجمون أن ابتداء الدورة دائرة نصف النهار و له موافقة لما ذكر» لا محصل له لأن دائرة نصف النهار و هي الدائرة المارة على القطبين و نقطة ثالثة بينهما غير متناهية في العدد لا تتعين لها نقطة معينة في السماء دون نقطة أخرى فيكون كون الشمس في إحداهما نهارا للأرض دون أخرى. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا خَلْفَكُمْ} روى الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: معناه اتقوا ما بين أيديكم من الذنوب و ما خلفكم من العقوبة.

  •  

  • [سورة يس (٣٦): الآیات ٤٨ الی ٦٥]

  •  {وَ يَقُولُونَ مَتىَ هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٤٨ مَا يَنْظُرُونَ 

تفسير الميزان ج۱۷

97
  •  

  • إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاَ إِلىَ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ٥٠وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ إِلى‌ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ٥١ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ ٥٢ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٥٣ فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٤ إِنَّ أَصْحَابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ٥٥ هُمْ وَ أَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى اَلْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُنَ ٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ٥٧ سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ٥٨ وَ اِمْتَازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ ٥٩ أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ٦٠وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٦١ وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ٦٢ هَذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٦٣ اِصْلَوْهَا اَلْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ٦٤ اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‌ أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ٦٥} 

تفسير الميزان ج۱۷

98
  •  

  • (بيان) 

  • لما فرغ من تفصيل آيات التوحيد المشار إليه إجمالا في أول الكلام شرع في تفصيل خبر المعاد و ذكر كيفية قيام الساعة و إحضارهم للحساب و الجزاء و ما يجزى به أصحاب الجنة و ما يجازى به المجرمون كل ذلك تبيينا لما تقدم من إجمال خبر المعاد. 

  • قوله تعالى: {وَ يَقُولُونَ مَتىَ هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} كلام منهم وارد مورد الاستهزاء مبني على الإنكار، و لعله لذلك جي‌ء باسم الإشارة الموضوعة للقريبة و لأن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين كثيرا ما كانوا يسمعونهم حديث يوم القيامة و ينذرونهم به، و الوعد يستعمل في الخير و الشر إذا ذكر وحده و إذا قابل الوعيد تعين الوعد للخير و الوعيد للشر. 

  • قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ} النظر بمعنى الانتظار، و المراد بالصيحة نفخة الصور الأولى بإعانة السياق، و توصيف الصيحة بالوحدة للإشارة إلى هوان أمرهم على الله جلت عظمته فلا حاجة إلى مئونة زائدة، و {يَخِصِّمُونَ} أصله يختصمون من الاختصام بمعنى المجادلة و المخاصمة. 

  • و الآية جواب لقولهم: {مَتى‌ هَذَا اَلْوَعْدُ} مسوقة سوق الاستهزاء بهم و الاستهانة بأمرهم كما كان قولهم كذلك، و المعنى ما ينتظر هؤلاء القائلون: متى هذا الوعد في سؤالهم عن وقت الوعد المنبئ عن الانتظار إلا صيحة واحدة يسيرة علينا بلا مئونة و لا تكلف تأخذهم فلا يسعهم أن يفروا و ينجوا منها و الحال أنهم غافلون عنها يختصمون فيما بينهم. 

  • قوله تعالى: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاَ إِلى‌ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي يتفرع على هذه الصيحة بما أنها تفاجئهم و لا تمهلهم أن يموتوا من فورهم فلا يستطيعوا توصية على أن الموت يعمهم جميعا دفعة فلا يترك منهم أحدا يوصى إليه و لا أن يرجعوا إلى أهلهم إذا كانوا في الخارج من بيوتهم مثلا. 

  • قوله تعالى: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ إِلى‌ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} هذه هي نفخة الصور الثانية التي بها الإحياء و البعث، و الأجداث‌ جمع جدث و هو القبر و النسل‌ الإسراع في المشي و في التعبير عنه بقوله: {إِلى‌ رَبِّهِمْ} تقريع لهم لأنهم كانوا ينكرون 

تفسير الميزان ج۱۷

99
  •  

  • ربوبيته و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ} البعث‌ الإقامة، و المرقد محل الرقاد و المراد به القبر، و تعبيرهم عنه تعالى بالرحمن نوع استرحام و قد كانوا يقولون في الدنيا{ وَ مَا اَلرَّحْمَنُ} الفرقان: ٦٠، و قوله: {وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ} عطف على قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} و الجملة الفعلية قد تعطف على الاسمية. 

  • و قولهم: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} مبني على إنكارهم البعث و هم في الدنيا و رسوخ أثر الإنكار و الغفلة عن يوم الجزاء في نفوسهم و هم لا يزالون مستغرقين في الأهواء فإذا قاموا من قبورهم مسرعين إلى المحشر فاجأهم الورود في عالم لا يستقبلهم فيه إلا توقع الشر فأخذهم الفزع الأكبر و الدهشة التي لا تقوم لها الجبال و لذا يتبادرون أولا إلى دعوة الويل و الهلاك كما كان ذلك دأبهم في الدنيا عند الوقوع في المخاطر ثم سألوا عمن بعثهم من مرقدهم لأن الذي أحاط بهم من الدهشة أذهلهم من كل شي‌ء. 

  • ثم ذكروا ما كانت الرسل (عليهم السلام) يذكرونهم به من الوعد الحق بالبعث و الجزاء فشهدوا بحقية الوعد و استعصموا بالرحمة فقالوا: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} على ما هو دأبهم في الدنيا حيث يكيدون عدوهم إذا ظهر عليهم بالتملق و إظهار الذلة و الاعتراف بالظلم و التقصير ثم صدقوا الرسل بقولهم: {وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ}

  • و بما تقدم ظهر أولا وجه دعوتهم بالويل إذا بعثوا. 

  • و ثانيا وجه سؤالهم عمن بعثهم من مرقدهم الظاهر في أنهم جاهلون به أولا ثم إقرارهم بأنه الذي وعده الرحمن و تصديقهم المرسلين فيما بلغوا عنه تعالى. 

  • و يظهر أيضا أن قوله: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} إلخ و قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} إلخ. من قولهم. 

  • و قيل: قوله: {وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ} عطف على مدخول {مَا} و {مَا} موصولة أو مصدرية و {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} إلخ جواب من الله أو من الملائكة أو من المؤمنين لقولهم: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}؟. 

تفسير الميزان ج۱۷

100
  •  

  • و غير خفي أنه خلاف الظاهر و خاصة على تقدير كون {مَا} مصدرية و لو كان قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} إلخ. جوابا من الله أو الملائكة لقولهم: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} لأجيب بالفاعل دون الفعل لأنهم سألوا عن فاعل البعث! و ما قيل: إن العدول إليه لتذكير كفرهم و تقريعهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل هذا. لا يغني طائلا. 

  • و ظهر أيضا أن قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ} مبتدأ و خبر، و قيل {هَذَا} صفة لمرقدنا بتأويل اسم الإشارة إلى المشتق و {مَا} مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق و هو بعيد عن الفهم. 

  • قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} اسم كان محذوف و التقدير إن كانت الفعلة أو النفخة إلا نفخة واحدة تفاجئهم أنهم مجموع محضرون لدينا من غير تأخير و مهلة. 

  • و التعبير بقوله: {لَدَيْنَا} لأن اليوم يوم الحضور لفصل القضاء عند الله سبحانه. 

  • قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي في هذا اليوم يقضي بينهم قضاء عدلا و يحكم حكما حقا فلا تظلم نفس شيئا. 

  • و قوله: {وَ لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} عطف تفسير لقوله: {فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} و هو في الحقيقة بيان برهاني لانتفاء الظلم يومئذ لدلالته على أن جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم، و لا يتصور مع ذلك ظلم لأن الظلم‌ وضع الشي‌ء في غير موضعه و تحميل العامل عمله وضع الشي‌ء في موضعه ضرورة. 

  • و خطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة و إحضاره و إحضار من فيه بحسب العناية الكلامية، و ليس - كما توهم - حكاية عما سيقال لهم أو يخاطبون به من جانب الله سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة فلا موجب له من جهة السياق. 

  • و المخاطب بقوله: {وَ لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} السعداء و الأشقياء جميعا. 

  • و ما قيل عليه أن الحصر يأبى التعميم فإنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم و يزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة مدفوع بأن الحصر في الآية نازل إلى جزاء العمل و أجره و ما 

تفسير الميزان ج۱۷

101
  •  

  • يدل من الآيات على المزيد كقوله: ‌{لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق: ٣٥ أمر وراء الجزاء و الأجر خارج عن طور العمل. 

  • و ربما أجيب عنه بأن معنى الآية أن الصالح لا ينقص ثوابه و الطالح لا يزاد عقابه فإن الحكمة تنافيه أما زيادة الثواب و نقض العقاب فلا مانع منه أو أن المراد بقوله: {لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرا فخير و إن شرا فشر. 

  • و فيه أن مدلول الآية لو كان ما ذكر اندفع الإشكال لكن الشأن في دلالتها على ذلك. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} الشغل‌ الشأن الذي يشغل الإنسان و يصرفه عما عداه، و الفاكه‌ من الفكاهة و هي التحدث بما يسر أو التمتع و التلذذ و لا فعل له من الثلاثي المجرد على ما قيل. 

  • و قيل: {فَاكِهُونَ} معناه ذوو فاكهة نحو لابن و تامر و يبعده أن الفاكهة مذكورة في السياق و لا موجب لتكرارها. 

  • و المعنى أن أصحاب الجنة في هذا اليوم في شأن يشغلهم عن كل شي‌ء دونه و هو التنعم في الجنة متمتعون فيها. 

  • قوله تعالى: {هُمْ وَ أَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى اَلْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُنَ} الظلال‌ جمع ظل و قيل جمع ظلة بالضم و هي السترة من الشمس من سقف أو شجر أو غير ذلك، و الأريكة كل ما يتكأ عليه من وسادة أو غيرها. 

  • و المعنى: هم أي أصحاب الجنة و أزواجهم من حلائلهم المؤمنات في الدنيا أو من الحور العين في ظلال أو أستار من الشمس و غيرها متكئون على الأرائك اتكاء الأعزة. 

  • قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} الفاكهة ما يتفكه به من الثمرات كالتفاح و الأترج و نحوهما، و قوله: {يَدَّعُونَ} من الادعاء بمعنى التمني أي لهم في الجنة فاكهة و لهم فيها ما يتمنونه و يطلبونه. 

  • قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} سلام مبتدأ محذوف الخبر و التنكير للتفخيم و التقدير سلام عليهم أو لهم سلام، و {قَوْلاً} مفعول مطلق لفعل محذوف و التقدير 

تفسير الميزان ج۱۷

102
  •  

  • أقوله قولا من رب رحيم. 

  • و الظاهر أن السلام منه تعالى و هو غير سلام الملائكة المذكور في قوله‌{وَ اَلْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدَّارِ} الرعد: ٢٤. 

  • قوله تعالى: {وَ اِمْتَازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ} أي و نقول اليوم للمجرمين امتازوا من أصحاب الجنة و هو تمييزهم منهم يوم القيامة و إنجاز لما في قوله في موضع آخر: { أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } ص: ٢٨، و قوله: {أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَ مَمَاتُهُمْ} الجاثية: ٢١. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} العهد الوصية، و المراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس و يأمر به إذ لا طاعة إلا لله أو من أمر بطاعته، و قد علل النهي عن طاعته بكونه عدوا مبينا لأن العدو لا يريد بعدوه خيرا. 

  • و قيل: المراد بعبادته عبادة الآلهة من دون الله و إنما نسبت إلى الشيطان لكونها بتسويله و تزيينه، و هو تكلف من غير موجب. 

  • و إنما وجه الخطاب إلى المجرمين بعنوان أنهم بنو آدم لأن عداوة الشيطان إنما نشبت أول ما نشبت بآدم حيث أمر أن يسجد له فأبى و استكبر فرجم ثم عاد ذريته بعداوته و أوعدهم كما حكاه الله تعالى إذ قال: ‌{أَ رَأَيْتَكَ هَذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىَ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} الإسراء: ٦٢. 

  • و أما عهده تعالى و وصيته إلى بني آدم أن لا يطيعوه فهو الذي وصاهم به بلسان رسله و أنبيائه و حذرهم عن اتباعه كقوله تعالى: ‌{يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ} الأعراف: ٢٧: و قوله{وَ لاَ يَصُدَّنَّكُمُ اَلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} الزخرف: ٦٢. 

  • و قيل: المراد بالعهد عهده تعالى إليهم في عالم الذر حيث قال: {أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى‌}. و قد عرفت مما قدمناه في تفسير آية الذر أن العهد الذي هناك هو بوجه عين العهد الذي وجه إليهم في الدنيا. 

تفسير الميزان ج۱۷

103
  •  

  •  قوله تعالى: {وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} عطف تفسير لما سبقه، و قد تقدم كلام في معنى الصراط المستقيم في تفسير قوله: {اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ} من سورة الفاتحة. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} الجبل‌ الجماعة و قيل: الجماعة الكثيرة و الكلام مبني على التوبيخ و العتاب. 

  • قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} أي كان يستمر عليكم الإيعاد بها مرة بعد مرة بلسان الأنبياء و الرسل (عليه السلام) و أول ما أوعد الله سبحانه بها حين قال لإبليس‌{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: ٤٣ و في لفظ الآية إشارة إلى إحضار جهنم يومئذ. 

  • قوله تعالى: {اِصْلَوْهَا اَلْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} الصلا. اللزوم و الاتباع، و قيل: مقاساة الحرارة و يظهر بقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أن الخطاب للكفار و هم المراد بالمجرمين. 

  • قوله تعالى: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‌ أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي يشهد كل منها بما كانوا يكسبونه بواسطته فالأيدي بالمعاصي التي كسبوها بها و الأرجل بالمعاصي الخاصة بها على ما يعطيه السياق. 

  • و من هنا يظهر أن كل عضو ينطق بما يخصه من العمل و أن ذكر الأيدي و الأرجل من باب الأنموذج و لذا ذكر في موضع آخر السمع و البصر و الفؤاد كما في سورة الإسراء الآية ٣٦. و في موضع آخر الجلود كما في سورة حم السجدة الآية ٢٠، و سيأتي بعض ما يتعلق به من الكلام في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} (الآية) قال: ذلك في آخر الزمان يصاح فيهم صيحة و هم في أسواقهم يتخاصمون فيموتون كلهم في مكانهم لا يرجع أحد منهم إلى منزله و لا يوصي بوصية، و ذلك قوله عز و جل: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاَ إِلىَ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}

  •  

تفسير الميزان ج۱۷

104
  •  

  • و في المجمع، في الحديث: تقوم الساعة و الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة، و الرجل يرفع أكلته إلى فيه حتى تقوم الساعة، و الرجل يليط۱ حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم. 

  • أقول: و روي هذا المعنى في الدر المنثور عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و كذا عن قتادة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ مرسلا.

  • و في تفسير القمي و قوله عز و جل: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ إِلى‌ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} قال: من القبور.

  • و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فإن القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياما و قالوا: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}قالت الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ اَلرَّحْمَنُ وَ صَدَقَ اَلْمُرْسَلُونَ}

  • و في الكافي، بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أبو ذر رحمه الله يقول في خطبته: و ما بين الموت و البعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها.

  • و في تفسير القمي‌ في قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال: يفاكهون النساء و يلاعبونهن. 

  • و فيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله عز و جل: {فِي ظِلاَلٍ عَلَى اَلْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُنَ} الأرائك السرر عليها الحجال.

  • و فيه في قوله عز و جل: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} قال: السلام منه هو الأمان. و قوله: {وَ اِمْتَازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ} قال: إذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياما على أقدامهم حتى يلجمهم العرق فينادون: يا رب حاسبنا و لو إلى النار قال: فيبعث الله رياحا فتضرب بينهم و ينادي مناد: {وَ اِمْتَازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ} فيميز بينهم فصار المجرمون في النار، و من كان في قلبه الإيمان صار إلى الجنة. 

  • أقول: و قد ورد في بعض الروايات أن الله سبحانه يتجلى لهم فيشتغلون به عن كل من سواه ما دام التجلي و المراد به ارتفاع كل حجاب بينهم و بين ربهم دون الرؤية 

    1. لاطه أي ملأه.

تفسير الميزان ج۱۷

105
  •  

  • البصرية التي لا تتحقق إلا بمقارنة الجهات و الأبعاد فإنها مستحيلة في حقه تعالى. 

  • و في اعتقادات الصدوق، قال (عليه السلام): من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، و إن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس.

  • و في الكافي، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: و ليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز و جل {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتَابَهُمْ وَ لاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الإسراء: ٧١. 

  • و في تفسير العياشي، عن مسعد بن صدقة عن جعفر بن محمد عن جده قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة يصف هول يوم القيامة: ختم الله على الأفواه فلا تكلم و تكلمت الأيدي و شهدت الأرجل و نطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا.

  •  أقول: و في هذا المعنى روايات أخر يأتي بعضها في ذيل تفسير قوله تعالى‌{ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ} (الآية) حم السجدة: ٢٠، و تقدم بعضها في الكلام على قوله‌{إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً }الإسراء: ٣٦. 

  •  

  • [سورة يس (٣٦): الآیات ٦٦ الی ٨٣]

  • {وَ لَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلىَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ٦٦ وَ لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلىَ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لاَ يَرْجِعُونَ ٦٧ وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ أَ فَلاَ يَعْقِلُونَ ٦٨ وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ ٦٩ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ 

تفسير الميزان ج۱۷

106
  •  

  • عَلَى اَلْكَافِرِينَ ٧٠أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ٧١ وَ ذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَ مِنْهَا يَأْكُلُونَ ٧٢ وَ لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَ مَشَارِبُ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ ٧٣ وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ٧٤ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ٧٥ فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ ٧٦ أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ٧٧ وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ٨٠أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلى‌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‌ وَ هُوَ اَلْخَلاَّقُ اَلْعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٨٢ فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٣} 

تفسير الميزان ج۱۷

107
  •  

  • (بيان) 

  • بيان تلخيصي للمعاني السابقة في سياق آخر ففيه تهديد لهم بالعذاب، و الإشارة إلى أنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ رسول و أن كتابه ذكر و قرآن و ليس بشاعر و لا كتابه بشعر، و الإشارة إلى خلق الأنعام آية للتوحيد، و الاحتجاج على الميعاد. 

  • قوله تعالى: {وَ لَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلىَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} قال في مجمع البيان:‌ الطمس‌ محو الشي‌ء حتى يذهب أثره فالطمس على العين كالطمس على الكتاب و مثله الطمس على المال و هو إذهابه حتى لا يقع عليه إدراك، و أعمى مطموس و طميس‌ و هو أن يذهب الشق الذي بين الجفنين، انتهى. 

  • فقوله: {وَ لَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلىَ أَعْيُنِهِمْ} أي لو أردنا لأذهبنا أعينهم فصارت ممسوحة لا أثر منها فذهبت به أبصارهم و بطل أبصارهم. 

  • و قوله: {فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرَاطَ} أي أرادوا السبق إلى الطريق الواضح الذي لا يخطئ قاصده و لا يظل سالكه فلم يبصروه و لن يبصروه فالاستبعاد المفهوم من قوله: {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} كناية عن الامتناع. 

  • و قول بعضهم: إن المراد باستباق الصراط مبادرتهم إلى سلوك طريق الحق و عدم اهتدائهم إليها، لا يخلو من بعد. 

  • قوله تعالى: {وَ لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلىَ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لاَ يَرْجِعُونَ} قال في المجمع:‌ و المسخ‌ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوم قردة و خنازير و قال: و المكانة و المكان واحد. انتهى. و المراد بمسخهم على مكانتهم تشوية خلقهم و هم قعود في مكانهم الذي هم فيه من غير أن يغيرهم عن حالهم بعلاج و تكلف بل بمجرد المشية فهو كناية عن كونه هينا سهلا عليه تعالى من غير أي صعوبة. 

  • و قوله: {فَمَا اِسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لاَ يَرْجِعُونَ} أي مضيا في العذاب و لا يرجعون إلى حالهم قبل العذاب و المسخ فالمضي و الرجوع كنايتان عن الرجوع إلى حال السلامة و البقاء على حال العذاب و المسخ. 

تفسير الميزان ج۱۷

108
  •  

  • و قيل: المراد مضيهم نحو مقاصدهم و رجوعهم إلى منازلهم و أهليهم و لا يخلو من بعد. 

  • قوله تعالى: {وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ أَ فَلاَ يَعْقِلُونَ} التعمير التطويل في العمر، و التنكيس‌ تقليب الشي‌ء بحيث يعود أعلاه أسفله و يتبدل قوته ضعفا و زيادته نقصا و الإنسان في عهد الهرم منكس الخلق يتبدل قوته ضعفا و علمه جهلا و ذكره نسيانا. 

  • و الآية في مقام الاستشهاد بتنكيس الخلق على إمكان مضمون الآيتين السابقتين و المراد أن الذي ينكس خلق الإنسان إذا عمره قادر على أن يطمس على أعينهم و على أن يمسخهم على مكانتهم. 

  • و في قوله: {أَ فَلاَ يَعْقِلُونَ} توبيخهم على عدم التعقل و حثهم على التدبر في هذه الأمور و الاعتبار بها. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ} عطف و رجوع إلى ما تقدم في صدر السورة من تصديق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و كون كتابه تنزيلا من عنده تعالى. 

  • فقوله: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ} نفى أن يكون علمه الشعر و لازمه أن يكون بحيث لا يحسن قول الشعر لا أن يحسنه و يمتنع من قوله للنهي من الله متوجه إليه، و لا أن النازل من القرآن ليس بشعر و إن أمكنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ أن يقوله. 

  • و به يظهر أن قوله: {وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ} في مقام الامتنان عليه بأنه نزهه عن أن يقول شعرا فالجملة في مقام دفع الدخل و المحصل أن عدم تعليمنا إياه الشعر ليس يوجب نقصا فيه و لا أنه تعجيز له بل لرفع درجته و تنزيه ساحته عما يتعاوره العارف بصناعة الشعر فيقع في معرض تزيين المعاني بالتخيلات الشعرية الكاذبة التي كلما أمعن فيها كان الكلام أوقع في النفس، و تنظيم الكلام بأوزان موسيقية ليكون أوقع في السمع، فلا ينبغي له (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ أن يقول الشعر و هو رسول من الله و آية رسالته و متن دعوته القرآن المعجز في بيانه الذي هو ذكر و قرآن مبين. 

  • و قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ} تفسير و توضيح لقوله: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ} بما أن لازم معناه أن القرآن ليس بشعر فالحصر المستفاد من 

تفسير الميزان ج۱۷

109
  •  

  • قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} إلخ من قصر القلب و المعنى ليس هو بشعر ما هو إلا ذكر و قرآن مبين. 

  • و معنى كونه ذكرا و قرآنا أنه ذكر مقروء من الله ظاهر ذلك. 

  • قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكَافِرِينَ} تعليل متعلق بقوله: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ} و المعنى و لم نعلمه الشعر لينذر بالقرآن المنزه من أن يكون شعرا من كان حيا «إلخ» أو متعلق بقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} إلخ و المعنى ليس ما يتلوه على الناس إلا ذكرا و قرآنا مبينا نزلناه إليه {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} إلخ و مآل الوجهين واحد. 

  • و الآية - كما ترى - تعد غاية إرسال الرسول و إنزال القرآن إنذار من كان حيا - و هو كناية عن كونه يعقل الحق و يسمعه - و حقيقة القول و وجوبه على الكافرين فمحاذاة الآية لما في صدر السورة من الآيات في هذا المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} ذكر آية من آيات التوحيد تدل على ربوبيته تعالى و تدبيره للعالم الإنساني و هي نظيرة ما تقدم في ضمن آيات التوحيد السابقة من إحياء الأرض الميتة بإخراج الحب و الثمرات و تفجير العيون. 

  • و المراد بكون الأنعام مما عملته أيديه تعالى عدم إشراكهم في خلقها و اختصاصه به تعالى فعمل الأيدي كناية عن الاختصاص. 

  • و قوله: {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} تفريع على قوله: {خَلَقْنَا لَهُمْ} فإن المعنى خلقنا لأجلهم فهي مخلوقة لأجل الإنسان و لازمه اختصاصها به و ينتهي الاختصاص إلى الملك فإن الملك الاعتباري الذي في المجتمع من شعب الاختصاص. 

  • و بذلك يظهر ما في قول بعضهم: إن في تفرع قوله: {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} على قوله: {خَلَقْنَا لَهُمْ} خفاء، و الظاهر تفرعها على مقدر و التقدير خلقناها لهم فهم لها مالكون، و أنت خبير بعدم خفاء تفرعها على {خَلَقْنَا لَهُمْ} و عدم الحاجة إلى تقدير. 

  • و قيل: الملك بمعنى القدرة و القهر، و فيه أنه مفهوم من قوله بعد: {وَ ذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} و التأسيس خير من التأكيد. 

تفسير الميزان ج۱۷

110
  •  

  • قوله تعالى: {وَ ذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَ مِنْهَا يَأْكُلُونَ} تذليل الأنعام جعلها منقادة لهم غير عاصية و هو تسخيرها لهم، و الركوب‌ بفتح الراء الحمولة كالإبل و البقر، و قوله: {وَ مِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي من لحمها يأكلون. 

  • قوله تعالى: {وَ لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَ مَشَارِبُ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ} المراد بالمنافع ما ينتفعون به من شعرها و وبرها و جلودها و غير ذلك، و المشارب‌ جمع مشرب - مصدر ميمي بمعنى المفعول - و المراد بها الألبان، و الكلام في معنى الشكر كالكلام فيما تقدم في قوله: {وَ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلاَ يَشْكُرُونَ}

  • و معنى الآيات الثلاث: أ و لم يعلموا أنا خلقنا لأجلهم و لتدبير أمر حياتهم الدنيا أنعاما من الإبل و البقر و الغنم فتفرع على ذلك أنهم مالكون لها ملكا يصحح لهم أنواع تصرفاتهم فيها من غير معارض، و ذللناها لهم بجعلها مسخرة لهم منقادة غير عاصية فمنها ركوبهم الذي يركبونه، و منها أي من لحومها يأكلون، و لهم فيها منافع ينتفعون بأشعارها و أوبارها و جلودها و مشروبات من ألبانها يشربونها أ فلا يشكرون الله على هذا التدبير الكامل الذي يكشف عن ربوبيته لهم؟ أ و لا يعبدونه شكرا لأنعمه؟. 

  • قوله تعالى: {وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} ضمائر الجمع للمشركين، و المراد بالآلهة الأصنام أو الشياطين و فراعنة البشر دون الملائكة المقربين و الأولياء من الإنسان لعدم ملاءمة ذيل الكلام: {وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} لذلك. 

  • و إنما اتخذوهم آلهة رجاء أن ينصروا من ناحيتهم لأن عامتهم تتخذ إلها زعما منهم أن تدبير أمره مفوض إلى من اتخذه إلها من خير أو شر فيعبده العابد منهم ليرضيه بعبادته فلا يسخط فيقطع النعمة أو يرسل النقمة. 

  • قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} أي لا يستطيع هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم آلهة نصر هؤلاء المشركين لأنهم لا يملكون شيئا من خير أو شر. 

  • و قوله: {وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} الظاهر أن أول الضميرين للمشركين و ثانيهما للآلهة من دون الله و المراد أن المشركين جند للآلهة و ذلك أن من لوازم معنى الجندية التبعية و الملازمة و المشركون هم المعدودون أتباعا لآلهتهم مطيعين لهم دون العكس. 

تفسير الميزان ج۱۷

111
  •  

  • و المراد بالإحضار في قوله: {مُحْضَرُونَ} الإحضار للجزاء يوم القيامة قال تعالى: ‌{وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ اَلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} الصافات: ١٥٨ و قال: ‌{وَ لَوْ لاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ} الصافات: ٥٧. و محصل المعنى لا يستطيع الآلهة المتخذون نصر المشركين و هم أي المشركون لهم أي لآلهتهم أتباع مطيعون محضرون معهم يوم القيامة. 

  • و أما قول القائل: إن المعنى أن المشركين جند لآلهتهم معدون للذب عنهم في الدنيا، أو إن المعنى و هم أي الآلهة لهم أي للمشركين جند محضرون لعذاب المشركين يوم القيامة لأنهم وقود النار التي يعذب بها المشركون، أو محضرون لعذابهم إظهارا لعجزهم عن النصر أو لإقناط المشركين عن شفاعتهم فهي معان رديئة. 

  • قوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ} الفاء لتفريع النهي عن الحزن على حقيقة اتخاذهم الآلهة من دون الله رجاء للنصر أي إذا كان هذا حقيقة حالهم أن الذين استنصروهم لا يستطيعون نصرهم أبدا و أنهم سيحضرون معهم للعذاب فلا يحزنك قولهم ما قالوا به من الشرك فإنا لسنا بغافلين عنهم حتى يعجزونا أو يفسدوا علينا بعض الأمر بل نعلم ما يسرون من أقوالهم و ما يعلنون، و في تركيب الآية بعض أقوال رديئة أضربنا عنه. 

  • قوله تعالى: {أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} رجوع إلى ما تقدم من حديث البعث و الاحتجاج عليه إثر إنكارهم، و لا يبعد أن يكون بيانا تفصيليا لقولهم المشار إليه في قوله تعالى: {فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} إلخ و المراد بالرؤية العلم القطعي أي أ و لم يعلم الإنسان علما قاطعا أنا خلقناه من نطفة، و تنكير نطفة للتحقير و الخصيم المصر على خصومته و جداله. 

  • و الاستفهام للتعجب و المعنى من العجيب أن الإنسان يعلم أنا خلقناه من نطفة مهينة فيفاجئه أنه خصيم مجادل مبين. 

  • قوله تعالى: {وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ} الرميم‌ البالي من العظام، و {نَسِيَ خَلْقَهُ} حال من فاعل ضرب، و قوله: {قَالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ} بيان للمثل الذي ضربه الإنسان، و لذلك جي‌ء به مفصولا 

تفسير الميزان ج۱۷

112
  •  

  • من غير عطف لأن الكلام في معنى أن يقال: فما ذا ضرب مثلا؟ فقيل قال من يحيي العظام و هي رميم. 

  • و المعنى و ضرب الإنسان لنا مثلا و قد نسي خلقه من نطفة لأول مرة، و لو كان ذاكره لم يضرب المثل الذي ضربه و هو قوله: «من يحيي العظام و هي بالية؟» لأنه كان يرد على نفسه و يجيب عن المثل الذي ضربه بخلقه الأول كما لقنه الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ جوابا عنه. 

  • قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تلقين الجواب للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • الإنشاء هو الإيجاد الابتدائي و تقييده بقوله {أَوَّلَ مَرَّةٍ} للتأكيد، و قوله: {وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} إشارة إلى أنه تعالى لا ينسى و لا يجهل شيئا من خلقه فإذا كان هو خالق هذه العظام لأول مرة و هو لا يجهل شيئا مما كانت عليه قبل الموت و بعده فإحياؤه ثانيا بمكان من الإمكان لثبوت القدرة و انتفاء الجهل و النسيان. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} بيان لقوله: {اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} و الإيقاد إشعال النار. 

  • و الآية مسوقة لرفع استبعاد جعل الشي‌ء الموات شيئا ذا حياة و الحياة و الموت متنافيان و الجواب أنه لا استبعاد فيه فإنه هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر الذي يقطر ماء نارا فإذا أنتم منه توقدون و تشعلون النار، و المراد به على المشهور بين المفسرين شجر۱ 

  • المرخ و العفار كانوا يأخذون منهما على خضرتهما فيجعل العفار زندا أسفل و يجعل المرخ زندا أعلى فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله فحصول الحي من الميت ليس بأعجب من انقداح النار من الشجرة الخضراء و هما متضادان. 

  • قوله تعالى: {أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلى‌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‌ وَ هُوَ اَلْخَلاَّقُ اَلْعَلِيمُ} الاستفهام للإنكار و الآية بيان للحجة السابقة المذكورة 

    1. المرخ بالفتح فالسكون و الخاء المعجمة، و العفار بعين مفتوحة ثم الفاء ثم الراء المهملة شجرتان تشتعلان بسحق أحدهما على الآخر.

تفسير الميزان ج۱۷

113
  •  

  • في قوله: {قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} إلخ. ببيان أقرب إلى الذهن و ذلك بتبديل إنشائهم أول مرة من خلق السماوات و الأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان كما قال تعالى: ‌{لَخَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ} المؤمن: ٥٧. 

  • فالآية في معنى قولنا: و كيف يمكن أن يقال: إن الله الذي خلق عوالم السماوات و الأرض بما فيها من سعة الخلقة البديعة و عجيب النظام العام المتضمن لما لا يحصى من الأنظمة الجزئية المدهشة للعقول المحيرة للألباب و العالم الإنساني جزء يسير منها، لا يقدر أن يخلق مثل هؤلاء الناس، بلى و إنه خلاق عليم. 

  • و المراد بمثلهم قيل: هم و أمثالهم و فيه أنه مغاير لمعنى مثل على ما يعرف من اللغة و العرف. 

  • و قيل: المراد بمثلهم هم أنفسهم بنحو الكناية على حد قولهم: مثلك غني عن كذا أي أنت غني عنه، و فيه أنه لو كان كناية لصح التصريح به لكن لا وجه لقولنا: أ و ليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلقهم فإن الكلام في بعثهم لا في خلقهم و المشركون معترفون بأن خالقهم هو الله سبحانه. 

  • و قيل: ضمير {مِثْلَهُمْ} للسماوات و الأرض فإنهما تشملان ما فيهما من العقلاء فأعيد إليهما ضمير العقلاء تغليبا فالمراد أن الله الخالق للعالم قادر على خلق مثله. 

  • و فيه أن المقام مقام إثبات بعث الإنسان لا بعث السماوات و الأرض. على أن الكلام في الإعادة و خلق مثل الشي‌ء ليس إعادة لعينه بل بالضرورة. 

  • فالحق أن يقال: إن المراد بخلق مثلهم إعادتهم للجزاء بعد الموت كما يستفاد من كلام الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان. 

  • بيانه أن الإنسان مركب من نفس و بدن، و البدن في هذه النشأة في معرض التحلل و التبدل دائما فهو لا يزال يتغير أجزاؤه و المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه فهو في كل آن غيره في الآن السابق بشخصه و شخصية الإنسان محفوظة بنفسه – روحه - المجردة المنزهة عن المادة و التغيرات الطارئة من قبلها المأمونة من الموت و الفساد. 

  • و المتحصل من كلامه تعالى أن النفس لا تموت بموت البدن و أنها محفوظة حتى ترجع 

تفسير الميزان ج۱۷

114
  •  

  • إلى الله سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى‌{وَ قَالُوا أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‌ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} الم السجدة: ١١. 

  • فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق كان عينه لا مثله لأن الشخصية بالنفس و هي واحدة بعينها. 

  • و لما كان استبعاد المشركين في قولهم: {مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ} راجعا إلى خلق البدن الجديد دون النفس أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق مثلهم و أما عودهم بأعيانهم فهو إنما يتم بتعلق النفوس و الأرواح المحفوظة عند الله بالأبدان المخلوقة جديدا، فيكون الأشخاص الموجودين في الدنيا من الناس بأعيانهم كما قال تعالى: ‌{أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللَّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلى‌ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‌} الأحقاف - ٣٣ فعلق الإحياء على الموتى بأعيانهم فقال: {عَلى‌ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‌} و لم يقل: على أن يحيي أمثال الموتى. 

  • قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (الآية) من غرر الآيات القرآنية تصف كلمة الإيجاد و تبين أنه تعالى لا يحتاج في إيجاد شي‌ء مما أراده إلى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في إيجاده أو يدفع عنه مانعا يمنعه. 

  • و قد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه فقال‌: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْ‌ءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} النحل: ٤٠، و قال: ‌{وَ إِذَا قَضى‌ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} البقرة: ١١٧. 

  • فقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ} الظاهر أن المراد بالأمر الشأن، و قوله في آية النحل المنقولة آنفا: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْ‌ءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} إن كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول و هو الأمر اللفظي بلفظة كن إلا أن التدبر في الآيات يعطي أن الغرض فيها وصف الشأن الإلهي عند إرادة خلق شي‌ء من الأشياء لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شي‌ء من الأشياء هذا القول دون غيره، فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن بمعنى أنه جي‌ء به لكونه 

تفسير الميزان ج۱۷

115
  •  

  • مصداقا للشأن لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي. 

  • و قوله: {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} أي إذا أراد إيجاد شي‌ء كما يعطيه سياق الآية و قد ورد في عدة من الآيات القضاء مكان الإرادة كقوله: {إِذَا قَضى‌ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}۱ و لا ضير فالقضاء هو الحكم و القضاء و الحكم و الإرادة من الله شي‌ء واحد و هو كون‌٢ الشي‌ء الموجود بحيث ليس له من الله سبحانه إلا أن يوجد فمعنى إذا أردناه إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة. 

  • و قوله: {أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} خبر إنما أمره أي يخاطبه بكلمة كن و من المعلوم أن ليس هناك لفظ يتلفظ به و إلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر و هلم جرا فيتسلسل و لا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به لأدائه إلى الخلف فالكلام تمثيل لإفاضته تعالى وجود الشي‌ء من غير حاجة إلى شي‌ء آخر وراء ذاته المتعالية و من غير تخلف و لا مهل. 

  • و به يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال: الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ كن و إليه ذهب معظم السلف و شئون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع عنك الكلام و الخصام. انتهى. 

  • و ذلك أن ما ذكره من كون شئونه تعالى وراء طور الأفهام لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها فصحة الكتاب مثلا بما يفيده من المعارف الحقيقية إنما تثبت بالحجة العقلية فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب أو سنة أو شي‌ء آخر مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلا لنفسه أولا فلا تزل قدم بعد ثبوتها. 

  • و من المعلوم أن ليس هناك إلا الله عز اسمه و الشي‌ء الذي يوجد لا ثالث بينهما و إسناد العلية و السببية إلى إرادته دونه تعالى - و الإرادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل كما تقدم - يستلزم انقطاع حاجة الأشياء إليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى و تقدس. 

  •  

    1. البقرة: ١٧، آل عمران: ٤٧، مريم: ٣٥، المؤمن: ٦٨.
    2. فإن هذه الإرادة صفة فعلية خارجة عن الذات منتزعة عن مقام الفعل. 

تفسير الميزان ج۱۷

116
  •  

  • و من المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى إيجادا و وجودا ثم يتصل بالشي‌ء فيصير به موجودا و هو ظاهر فليس بعده تعالى إلا وجود الشي‌ء فحسب. 

  • و من هنا يظهر أن كلمة الإيجاد و هي كلمة كن هي وجود الشي‌ء الذي أوجده لكن بما أنه منتسب إليه قائم به و أما من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا إيجاد و مخلوق لا خلق. 

  • و يظهر أيضا أن الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة و لا نظرة و لا يتحمل تبدلا و لا تغيرا، و لا يتلبس بتدريج و ما يتراءى في الخلق من هذه الأمور إنما يتأتى في الأشياء في ناحية نفسها لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه و هذا باب ينفتح منه ألف باب. 

  • و في الآيات للتلويح إلى هذه الحقائق إشارات لطيفة كقوله تعالى: ‌{كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} آل عمران: ٥٩، و قوله تعالى‌{وَ مَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} القمر: ٥٠، و قوله تعالى: ‌{وَ كَانَ أَمْرُ اَللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} الأحزاب: ٣٨ إلى غير ذلك. 

  • و قوله في آخر الآية: {فَيَكُونُ} بيان لطاعة الشي‌ء المراد له تعالى و امتثاله لأمر {كُنْ} و لبسه الوجود. 

  • قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الملكوت‌ مبالغة في معنى الملك كالرحموت و الرهبوت في معنى الرحمة و الرهبة. 

  • و انضمام الآية إلى ما قبلها يعطي أن المراد بالملكوت الجهة التالية له تعالى من وجهي وجود الأشياء، و بالملك الجهة التالية للخلق أو الأعم الشامل للوجهين. و عليه يحمل قوله تعالى: ‌{وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ} الأنعام: ٧٥. و قوله‌{أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ }الأعراف: ١٨٥: و قوله: ‌{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ} المؤمنون: ٨٨. 

  • و جعل الملكوت بيده تعالى للدلالة على أنه متسلط عليها لا نصيب فيها لغيره. 

  • و مآل المعنى قوله: {فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ} تنزيهه تعالى عما استبعدوا منكرين للمعاد لغفلتهم عن أن ملكوت كل شي‌ء بيده و في قبضته. 

تفسير الميزان ج۱۷

117
  •  

  • و قوله: {وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} خطاب لعامة الناس من مؤمن و مشرك، و بيان لنتيجة البيان السابق بعد التنزيه. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ} (الآية) قال: كانت قريش تقول: إن هذا الذي يقوله محمد شعر فرد الله عليهم فقال: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ} و لم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) شعرا قط. 

  • و في المجمع، روي عن الحسن: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يتمثل بهذا البيت: كفى الإسلام و الشيب للمرء ناهيا. فقال له أبو بكر: يا رسول الله إنما قال: كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا و أشهد أنك رسول الله و ما علمك الله الشعر و ما ينبغي لك. 

  • و فيه، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يتمثل ببيت أخي بني قيس: 

  • ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا***و يأتيك بالأخبار من لم تزود 
  • فجعل يقول: و يأتيك من لم تزود بالأخبار فيقول أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فيقول: إني لست بشاعر و لا ينبغي لي. 

  • أقول: و روي في الدر المنثور، الخبرين عن الحسن و عائشة كما رواه و روي في الدر المنثور غير ذلك مما تمثل به (صلى الله عليه وآله و سلم)‌. 

  • و قال في المجمع: فأما قوله:

  • أنا النبي لا كذب***أنا ابن عبد المطلب‌
  • فقد قال قوم: إن هذا ليس بشعر، و قال آخرون: إنما هو اتفاق منه و ليس يقصد إلى شعر انتهى. و البيت منقول عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ و قد أكثروا من البحث فيه و طرح الرواية أهون من نفي كونه شعرا أو شعرا مقصودا إليه. 

  • و فيه‌ في قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} (الآية) و يجوز أن يكون المراد بمن كان حيا عاقلا. و روي ذلك عن علي (عليه السلام).

  • و في تفسير القمي‌ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: 

تفسير الميزان ج۱۷

118
  •  

  • {وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ } - إلى قوله - {مُحْضَرُونَ} يقول: لا تستطيع الآلهة لهم نصرا و هم للآلهة جند محضرون.

  • و عن تفسير العياشي، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء أبي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته ثم قال: إذا كنا عظاما و رفاتا أ إنا لمبعوثون خلقا؟ فأنزل الله: {قَالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}

  • أقول: و روي مثله في الدر المنثور، بطرق كثيرة عن ابن عباس و عروة بن الزبير و عن قتادة و السدي و عكرمة و روي أيضا عن ابن عباس: أن القائل هو العاص بن وائل و بطريق آخر عنه أن القائل هو عبد الله بن أبي. 

  • و في الإحتجاج:‌ في احتجاج أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): قال السائل: أ فيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال (عليه السلام)‌: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء و تنفى فلا حس و لا محسوس ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها و ذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق و ذلك بين النفختين. 

  • قال: و أنى له بالبعث و البدن قد بلي و الأعضاء قد تفرقت فعضو ببلدة تأكله سباعها و عضو بأخرى تمزقه هوامها و عضو قد صار ترابا يبنى به مع الطين في حائط. 

  • قال (عليه السلام)‌: إن الذي أنشأه من غير شي‌ء و صوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. 

  • قال: أوضح لي ذلك. قال (عليه السلام)‌: إن الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء و فسحة، و روح المسي‌ء في ضيق و ظلمة و البدن يصير ترابا كما منه خلق و ما تقذف به السباع و الهوام من أجوافها فما أكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض و يعلم عدد الأشياء و وزنها و إن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب. 

  • فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء و الزبد من اللبن إذا مخض 

تفسير الميزان ج۱۷

119
  •  

  • فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها و يلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. 

  • و في نهج البلاغة:‌ يقول لما أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع و لا نداء يسمع و إنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثله لم يكن من قبل ذلك كائنا و لو كان قديما لكان إلها ثانيا. 

  • و فيه يقول: و لا يلفظ و يريد و لا يضمر. 

  • و في الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الإرادة من الله و من الخلق قال: فقال: الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أما من الله فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي و لا يهم و لا يتفكر، و هذه الصفات منفية عنه و هي صفات الخلق. 

  • فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له: كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكر و لا كيف لذلك كما أنه لا كيف له.

  • أقول: و الروايات عنهم (عليهم السلام) في كون إرادته من صفات الفعل مستفيضة.

  •  

  • (٣٧) سورة الصافات مكية و هي مائة و اثنان و ثمانون آية (١٨٢) 

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ١ الی ١١]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ وَ اَلصَّافَّاتِ صَفًّا ١ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً ٢ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ٣ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ٤ رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ رَبُّ اَلْمَشَارِقِ ٥ إِنَّا زَيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيَا بِزِينَةٍ اَلْكَوَاكِبِ ٦ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ٧ لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‌ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ 

تفسير الميزان ج۱۷

120
  •  

  • جَانِبٍ ٨ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ٩ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ١٠فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ ١١} 

  • (بيان) 

  • في السورة احتجاج على التوحيد، و إنذار للمشركين و تبشير للمخلصين من المؤمنين، و بيان ما يئول إليه حال كل من الفريقين ثم ذكر عدة من عباده المؤمنين ممن من الله عليهم و قضى أن ينصرهم على عدوهم، و في خاتمة السورة ما هو بمنزلة محصل الغرض منها و هو تنزيهه و السلام على عباده المرسلين و تحميده تعالى فيما فعل و السورة مكية بشهادة سياقها. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} الصافات - على ما قيل - جمع صافة و هي جمع صاف، و المراد بها على أي حال الجماعة التي تصطف أفرادها و الزاجرات‌ من الزجر و هو الصرف عن الشي‌ء بالتخويف بذم أو عقاب و التاليات‌ من التلاوة بمعنى القراءة. 

  • و قد أقسم الله تعالى بهذه الطوائف الثلاث: الصافات و الزاجرات و التاليات و قد اختلفت كلماتهم في المراد بها: 

  • فأما الصافات فقيل: إن المراد بها الملائكة تصف أنفسها في السماء صفوفا كصفوف المؤمنين في الصلاة، و قيل: إنها الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض واقفة في انتظار أمر الله تعالى، و قيل: إنها الجماعة من المؤمنين يقومون في الصلاة أو في الجهاد مصطفين. 

  • و أما الزاجرات فقيل: إنها الملائكة تزجر العباد عن المعاصي فيوصله الله إلى قلوب الناس في صورة الخطرات كما يوصل وساوس الشياطين، و قيل: إنها الملائكة الموكلة بالسحاب تزجرها و تسوقها إلى حيث أراد الله سبحانه، و قيل: هي زواجر 

تفسير الميزان ج۱۷

121
  •  

  • القرآن و هي آياته الناهية عن القبائح، و قيل: هم المؤمنون يرفعون أصواتهم بالقرآن عند قراءته فيزجرون الناس عن المنهيات. 

  • و أما التاليات فقيل: هم الملائكة يتلون الوحي على النبي الموحى إليه، و قيل: هي الملائكة تتلو الكتاب الذي كتبه الله و فيها ذكر الحوادث، و قيل: جماعة قراء القرآن يتلونه في الصلاة. 

  • و يحتمل - و الله العالم - أن يكون المراد بالطوائف الثلاث المذكورة في الآيات طوائف الملائكة النازلين بالوحي المأمورين بتأمين الطريق و دفع الشياطين عن المداخلة فيه و إيصاله إلى النبي مطلقا أو خصوص محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) كما يستفاد من قوله تعالى: ‌{عَالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلى‌ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ اِرْتَضى‌ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} الجن: ٢٨. 

  • و عليه فالمعنى أقسم بالملائكة الذين يصفون في طريق الوحي صفا فبالذين يزجرون الشياطين و يمنعونهم عن المداخلة في الوحي فبالذين يتلون على النبي الذكر و هو مطلق الوحي أو خصوص القرآن كما يؤيده التعبير عنه بتلاوة الذكر. 

  • و يؤيد ما ذكرنا وقوع حديث رمي الشياطين بالشهب بعد هذه الآيات، و كذا قوله بعد: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} (الآية) كما سنشير إليه. 

  • و لا ينافي ذلك إسناد النزول بالقرآن إلى جبرئيل وحده في قوله: ‌{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‌ قَلْبِكَ} البقرة: ٩٧ و قوله‌{نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلى‌ قَلْبِكَ} الشعراء: ١٩٤ لأن الملائكة المذكورين أعوان جبرئيل فنزولهم به نزوله به و قد قال تعالى: ‌{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} عبس: ١٦، و قال حكاية عنهم: ‌{وَ مَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} مريم: ٦٤، و قال: ‌{وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ} الصافات: ١٦٦ و هذا كنسبة التوفي إلى الرسل من الملائكة في قوله‌: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} الأنعام: ٦١ و إلى ملك الموت و هو رئيسهم في قوله: ‌{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }السجدة: ١١. 

  • و لا ضير في التعبير عن الملائكة بلفظ الإناث: الصافات و الزاجرات و التاليات ـ 

تفسير الميزان ج۱۷

122
  •  

  • لأن موصوفها الجماعة، و التأنيث لفظي. 

  • و هذه أول سورة في القرآن صدرت بالقسم و قد أقسم الله سبحانه في كلامه بكثير من خلقه كالسماء و الأرض و الشمس و القمر و النجم و الليل و النهار و الملائكة و الناس و البلاد و الأثمار، و ليس ذلك إلا لما فيها من الشرف باستناد خلقها إليه تعالى و هو قيومها المنبع لكل شرف و بهاء. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} الخطاب لعامة الناس و هو مقسم به، و هو كلام مسوق بدليل كما سيأتي. 

  • قوله تعالى: {رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ رَبُّ اَلْمَشَارِقِ} خبر بعد خبر لأن، أو خبر لمبتدإ محذوف و التقدير هو رب السماوات إلخ، أو بدل من واحد. 

  • و في سوق الأوصاف إشعار بعلة كون الإله واحدا كما أن خصوصية القسم مشعر بعلة كونه رب السماوات و الأرض و ما بينهما. 

  • كأنه قيل إن إلهكم لواحد لأن الملاك في ألوهية الإله و هي كونه معبودا بالحق أن يكون ربا يدبر الأمر على ما تعترفون و هو سبحانه رب السماوات و الأرض و ما بينهما الذي يدبر أمرها و يتصرف في جميعها. 

  • و كيف لا؟ و هو تعالى يوحي إلى نبيه فيتصرف في السماء و سكانها بإرسال ملائكة يصطفون بينها و بين الأرض و هناك مجال الشياطين فيزجرونهم و هو تصرف منه فيما بين السماء و الأرض و في الشياطين ثم يتلون الذكر على نبيه و فيه تكميل للناس و تربية لهم سواء صدقوا أم كذبوا ففي الوحي تصرف منه في السماوات و الأرض و ما بينهما فهو على وحدانيته رب الجميع المدبر لأمرها و الإله الواحد. 

  • و قوله: {وَ رَبُّ اَلْمَشَارِقِ} أي مشارق الشمس باختلاف الفصول أو المراد مشارق مطلق النجوم أو مطلق المشارق، و في تخصيص المشارق بالذكر مناسبة لطلوع الوحي بملائكته من السماء و قد قال تعالى: ‌{وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ} التكوير - ٢٣، و قال: ‌{وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلى‌} النجم: ٧. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيَا بِزِينَةٍ اَلْكَوَاكِبِ} المراد بالزينة ما يزين به، 

تفسير الميزان ج۱۷

123
  •  

  • و الكواكب بيان أو بدل من الزينة و قد تكرر حديث تزيين السماء الدنيا بزينة الكواكب في كلامه كقوله: ‌{وَ زَيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} حم السجدة: ١٢ و قوله: ‌{وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} الملك: ٥، و قوله: ‌{أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اَلسَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَ زَيَّنَّاهَا} ق: ٦. 

  • و لا يخلو من ظهور في كون السماء الدنيا من السماوات السبع التي يذكرها القرآن هو عالم الكواكب فوق الأرض و إن وجهه بعضهم بما يوافق مقتضى الهيئة القديمة أو الجديدة. 

  • قوله تعالى: {وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} حفظا مفعول مطلق لفعل محذوف و التقدير و حفظناها حفظا من كل شيطان مارد، و المراد بالشيطان الشرير من الجن و المارد الخبيث العاري من الخير. 

  • قوله تعالى: {لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‌ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} أصل {لاَ يَسَّمَّعُونَ} لا يتسمعون و التسمع‌ الإصغاء، و هو كناية عن كونهم ممنوعين مدحورين و بهذه العناية صار وصفا لكل شيطان و لو كان بمعنى الإصغاء صريحا أفاد لغوا من الفعل إذ لو كانوا لا يصغون لم يكن وجه لقذفهم. 

  • و الملأ من الناس الأشراف منهم الذين يملئون العيون، و الملأ الأعلى هم الذين يريد الشياطين التسمع إليهم و هم الملائكة الكرام الذين هم سكنة السماوات العلى على ما يدل عليه كلامه تعالى كقوله: ‌{لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً} الإسراء: ٩٥. 

  • و قصدهم من التسمع إلى الملإ الأعلى الاطلاع على أخبار الغيب المستوردة عن هذا العالم الأرضي كالحوادث المستقبلة و الأسرار المكنونة كما يشير إليه قوله تعالى: ‌{وَ مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ اَلشَّيَاطِينُ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَ مَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ اَلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} الشعراء: ٢١٢، و قوله حكاية عن الجن: ‌{وَ أَنَّا لَمَسْنَا اَلسَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} الجن: ٩. 

  • و قوله: {وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} القذف‌ الرمي و الجانب‌ الجهة. 

  • قوله تعالى: {دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} الدحور الطرد و الدفع، و هو مصدر بمعنى المفعول منصوب حالا أي مدحورين أو مفعول له أو مفعول مطلق، و الواصب‌ الواجب اللازم. 

تفسير الميزان ج۱۷

124
  •  

  •  قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} الخطفة الاختلاس و الاستلاب، و الشهاب‌ ما يرى في الجو كالكوكب المنقض، و الثقوب‌ الركوز و سمي الشهاب ثاقبا لأنه لا يخطئ هدفه و غرضه. 

  • و المراد بالخطفة اختلاس السمع و قد عبر عنه في موضع آخر باستراق السمع قال تعالى: ‌{إِلاَّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} الحجر: ١٨، و الاستثناء من ضمير الفاعل في قوله: {لاَ يَسَّمَّعُونَ} و جوز بعضهم كون الاستثناء منقطعا. 

  • و معنى الآيات الخمس: أنا زينا السماء التي هي أقرب السماوات منكم أو السماء السفلى بزينة و هي الكواكب، و حفظناها حفظا من كل شيطان خبيث عار من الخير ممنوعين من الإصغاء إلى الملإ الأعلى - للاطلاع إلى ما يلقون بين أنفسهم من أخبار الغيب - و يرمون من كل جهة حال كونهم مطرودين و لهم عذاب لازم لا يفارقهم إلا من اختلس من أخبارهم الاختلاسة فأتبعه شهاب ثاقب لا يخطئ غرضه. 

  • (كلام في معنى الشهب) 

  • أورد المفسرون أنواعا من التوجيه لتصوير استراق السمع من الشياطين و رميهم بالشهب و هي مبنية على ما يسبق إلى الذهن من ظاهر الآيات و الأخبار أن هناك أفلاكا محيطة بالأرض تسكنها جماعات الملائكة و لها أبواب لا يلج فيها شي‌ء إلا منها و أن في السماء الأولى جمعا من الملائكة بأيديهم الشهب يرصدون المسترقين للسمع من الشياطين فيقذفونهم بالشهب. 

  • و قد اتضح اليوم اتضاح عيان بطلان هذه الآراء و يتفرع على ذلك بطلان الوجوه التي أوردوها في تفسير الشهب و هي وجوه كثيرة أودعوها في المطولات كالتفسير الكبير، للرازي و روح المعاني، للآلوسي و غيرهما. 

  • و يحتمل - و الله العالم - أن هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من الحس و هو القائل عز و جل: ‌{وَ تِلْكَ اَلْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ اَلْعَالِمُونَ} العنكبوت: ٤٣. 

تفسير الميزان ج۱۷

125
  •  

  • و هو كثير في كلامه تعالى و منه العرش و الكرسي و اللوح و الكتاب و قد تقدمت الإشارة إليها و سيجي‌ء بعض منها. 

  • و على هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا أفق أعلى نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة بأجرامها إلى الأرض، و المراد باقتراب الشياطين من السماء و استراقهم السمع و قذفهم بالشهب اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على أسرار الخلقة و الحوادث المستقبلة و رميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت، أو كرتهم على الحق لتلبيسه و رمي الملائكة إياهم بالحق الذي يبطل أباطيلهم. 

  • و إيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع و رميهم بالشهب عقيب الإقسام بملائكة الوحي و حفظهم إياه عن مداخلة الشياطين لا يخلو من تأييد لما ذكرناه و الله أعلم. 

  • [بيان] 

  • قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ} اللازب‌ الملتزق بعضه ببعض بحيث يلزمه ما جاوره، و قال في مجمع البيان:‌ اللازب و اللازم بمعنى. انتهى. 

  • و المراد بقوله: {مَنْ خَلَقْنَا} إما الملائكة المشار إليهم في الآيات السابقة و هم حفظة الوحي و رماة الشهب، و إما غير الناس من الخلق العظيم كالسماوات و الأرض و الملائكة، و التعبير بلفظ أولي العقل للتغليب. 

  • و المعنى: فإذا كان الله هو رب السماوات و الأرض و ما بينهما و الملائكة فاسألهم أن يفتوا أ هم أشد خلقا أم غيرهم ممن خلقنا فهم أضعف خلقا لأنا خلقناهم من طين ملتزق فليسوا بمعجزين لنا. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ اَلصَّافَّاتِ صَفًّا} قال: الملائكة و الأنبياء. 

  • و فيه، عن أبيه و يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض. (الحديث). 

  • و فيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: {عَذَابٌ وَاصِبٌ} 

تفسير الميزان ج۱۷

126
  •  

  • أي دائم موجع قد وصل إلى قلوبهم. 

  • و فيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في حديث المعراج: قال: فصعد جبرئيل و صعدت معه إلى سماء الدنيا و عليها ملك يقال له: إسماعيل و هو صاحب الخطفة التي قال الله عز و جل: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} و تحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك. (الحديث). 

  • أقول: و الروايات في هذا الباب كثيرة أوردنا بعضا منها في تفسير قوله تعالى: ‌{ إِلاَّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} الحجر: ١٨ و سيأتي بعضها في تفسير سورتي الملك و الجن إن شاء الله تعالى. 

  • و في نهج البلاغة:‌ ثم جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت و لاطها بالبلة حتى لزبت.

  •  

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ١٢ الی ٧٠]

  • {بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ ١٢ وَ إِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ ١٣ وَ إِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ١٤ وَ قَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ١٥ أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ١٦ أَ وَ آبَاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ ١٧ قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ دَاخِرُونَ ١٨ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ١٩ وَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ اَلدِّينِ ٢٠هَذَا يَوْمُ اَلْفَصْلِ اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٢١ اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوَاجَهُمْ وَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ٢٢ مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‌ صِرَاطِ اَلْجَحِيمِ ٢٣ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ 

تفسير الميزان ج۱۷

127
  •  

  • مَسْؤُلُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ٢٥ بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ٢٦ وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ٢٧ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اَلْيَمِينِ ٢٨ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ٢٩ وَ مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ ٣٠فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ٣١ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٣ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ٣٥ وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ٣٦ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ ٣٧ إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا اَلْعَذَابِ اَلْأَلِيمِ ٣٨ وَ مَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٩ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ ٤٠أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ٤١ فَوَاكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ ٤٢ فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ ٤٣ عَلى‌ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ٤٥ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ٤٦ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ٤٧ وَ عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ 

تفسير الميزان ج۱۷

128
  •  

  • عِينٌ ٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ٤٩ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ٥٠قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ٥١ يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ ٥٢ أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ٥٤ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ اَلْجَحِيمِ ٥٥ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ٥٦ وَ لَوْ لاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ ٥٧ أَ فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلاَّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‌ وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ٦٠لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُونَ ٦١ أَ ذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ ٦٢ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ ٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيَاطِينِ ٦٥ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى اَلْجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ٦٩ فَهُمْ عَلى‌ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ٧٠} 

تفسير الميزان ج۱۷

129
  •  

  • (بيان) 

  • حكاية استهزائهم بآيات الله و بعض أقاويلهم المبنية على الكفر و إنكار المعاد و الرد عليهم بتقرير أمر البعث و ما يجري عليهم فيه من الشدة و ألوان العذاب و ما يكرم الله به عباده المخلصين من النعمة و الكرامة. 

  • و فيها ذكر تخاصم أهل النار يوم القيامة، و ذكر محادثة بين أهل الجنة و أخرى بين بعضهم و بعض أهل النار. 

  • قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ وَ إِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ} أي بل عجبت يا محمد من تكذيبهم إياك مع دعوتك إياهم إلى كلمة الحق، و هم يسخرون و يهزءون من تعجبك منهم أو من دعائك إياهم إلى الحق، و إذا ذكروا بآيات الله الدالة على التوحيد و دين الحق لا يذكرون و لا يتنبهون. 

  • قوله تعالى: {وَ إِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} في مجمع البيان:‌ سخر و استسخر بمعنى واحد. انتهى. 

  • و المعنى: و إذا رأوا هؤلاء المشركون أية معجزة من آيات الله المعجزة كالقرآن و شق القمر يستهزءون بها. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} في إشارتهم إلى الآية بلفظة هذا إشعار منهم أنهم لا يفقهون منها إلا أنها شي‌ء ما من غير زيادة و هو من أقوى الإهانة و الاستسخار. 

  • قوله تعالى: {أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَ آبَاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ} إنكار منهم للبعث مبني على الاستبعاد فمن المستبعد عند الوهم أن يموت الإنسان فيتلاشى بدنه و يعود ترابا و عظاما ثم يعود إلى صورته الأولى. 

  • و من الدليل على أن الكلام مسوق لإفادة الاستبعاد تكرارهم الاستفهام الإنكاري 

تفسير الميزان ج۱۷

130
  •  

  • بالنسبة إلى آبائهم الأولين فإن استبعاد الوهم لبعثهم و قد انمحت رسومهم و لم يبق منهم إلا أحاديث أشد و أقوى من استبعاده بعثهم أنفسهم. 

  • و لو كان إنكارهم البعث مبنيا على أنهم ينعدمون بالموت فتستحيل إعادتهم كان الحكم فيهم و في آبائهم على نهج واحد و لم يحتج إلى تجديد استفهام بالنسبة إلى آبائهم. 

  • قوله تعالى: {قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيبهم بأنهم مبعوثون. 

  • و قوله: {وَ أَنْتُمْ دَاخِرُونَ} أي صاغرون مهانون أذلاء، و هذا في الحقيقة احتجاج بعموم القدرة و نفوذ الإرادة من غير مهلة، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و لذا عقبه بقوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} و قد قال تعالى: ‌{ وَ لِلَّهِ غَيْبُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا أَمْرُ اَلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اَللَّهَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ} النحل - ٧٧. 

  • و قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} إلخ الفاء لإفادة التعليل و الجملة تعليل لقوله: {وَ أَنْتُمْ دَاخِرُونَ} و في التعبير بزجرة إشعار باستذلالهم. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ اَلدِّينِ هَذَا يَوْمُ اَلْفَصْلِ اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} معطوف على قوله: {يَنْظُرُونَ} المشعر بأنهم مبهوتون مدهوشون متفكرون ثم يتنبهون بكونه يوم البعث فيه الدين و الجزاء و هم يحذرون منه بما كفروا و كذبوا و لذا قالوا: يوم الدين، و لم يقولوا يوم البعث، و التعبير بالماضي لتحقق الوقوع. 

  • و قوله: {هَذَا يَوْمُ اَلْفَصْلِ اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} قيل هو كلام بعضهم لبعض و قيل: كلام الملائكة أو كلامه تعالى لهم، و يؤيده الآية التالية، و الفصل هو التمييز بين الشيئين و سمي يوم الفصل لكونه يوم التمييز بين الحق و الباطل بقضائه و حكمه تعالى أو التمييز بين المجرمين و المتقين قال تعالى: ‌{وَ اِمْتَازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ} يس: ٥٩. 

  • قوله تعالى: {اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوَاجَهُمْ وَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‌ صِرَاطِ اَلْجَحِيمِ} من كلامه تعالى للملائكة و المعنى و قلنا للملائكة: احشروهم و قيل: هو من كلام الملائكة بعضهم لبعض. 

تفسير الميزان ج۱۷

131
  •  

  • و الحشر - على ما ذكره الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم و إزعاجهم عنه إلى الحرب و نحوها. 

  • و المراد بالذين ظلموا على ما يؤيده آخر الآية المشركون و لا كل المشركين بل المعاندون للحق الصادون عنه منهم قال تعالى: ‌{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: ٤٤ ٤٥، و التعبير بالماضي في المقام يفيد فائدة الوصف فليس المراد بالذين ظلموا من تحقق منه ظلم ما و لو مرة واحدة بل تعريف لهم بحاصل ما اكتسبوا في حياتهم الدنيا كما لو قيل: ما ذا فعل فلان في حياته فيقال ظلم، فالفعل يفيد فائدة الوصف، و في كلامه تعالى من ذلك شي‌ء كثير كقوله تعالى: ‌{وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً} الزمر: ٧٣: «و قوله: {وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‌ جَهَنَّمَ زُمَراً} الزمر: ٧١ و قوله: ‌{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‌ وَ زِيَادَةٌ} يونس - ٢٦. 

  • و قوله: {وَ أَزْوَاجَهُمْ} الظاهر أن المراد به قرناؤهم من الشياطين قال تعالى: ‌{ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } إلى أن قال {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ} الزخرف: ٣٨. 

  • و قيل: المراد بالأزواج الأشباه و النظائر فأصحاب الزنا يحشرون مع أصحاب الزنا و أصحاب الخمر مع أصحاب الخمر و هكذا. 

  • و فيه أن لازمه أن يراد بالذين ظلموا طائفة خاصة من أصحاب كل معصية و اللفظ لا يساعد عليه على أن ذيل الآية لا يناسبه. 

  • و قيل: المراد بالأزواج نساؤهم الكافرات و هو ضعيف كسابقه. 

  • و قوله: {وَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} الظاهر أن المراد به الأصنام التي يعبدونها نظرا إلى ظاهر لفظة {مَا} فالآية نظيرة قوله: ‌{إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} الأنبياء: ٩٨. 

  • و يمكن أن يكون المراد بلفظة {مَا} ما يعم أولي العقل من المعبودين كالفراعنة و النماردة، و أما الملائكة المعبودون و المسيح (عليه السلام) فيخرجهم من العموم قوله 

تفسير الميزان ج۱۷

132
  •  

  • تعالى: ‌{إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنى‌ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} الأنبياء: ١٠١. 

  • و قوله: {فَاهْدُوهُمْ إِلى‌ صِرَاطِ اَلْجَحِيمِ} الجحيم‌ من أسماء جهنم في القرآن و هو من الجحمة بمعنى شدة تأجج النار على ما ذكره الراغب. 

  • و المراد بهدايتهم إلى صراطها إيصالهم إليه و إيقاعهم فيه بالسوق، و قيل: تسمية ذلك بالهداية من الاستهزاء، و قال في مجمع البيان:‌ إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} من حيث إن هذه البشارة وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم. انتهى. 

  • قوله تعالى: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} قال في المجمع: يقال: وقفت أنا و وقفت غيري - أي يعدّي و لا يعدي - و بعض بني تميم يقول: أوقفت الدابة و الدار. انتهى. 

  • فقوله: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ} أي احبسوهم لأنهم مسئولون أي حتى يسأل عنهم. و السياق يعطي أن هذا الأمر بالوقوف و السؤال إنما يقع في صراط الجحيم. 

  • و اختلفت كلماتهم فيما هو السؤال عنه فقيل: يسألون عن قول لا إله إلا الله، و قيل: عن شرب الماء البارد استهزاء بهم، و قيل: عن ولاية علي (عليه السلام). 

  • و هذه الوجوه لو صحت فإنما تشير إلى مصاديق ما يسأل عنه و السياق يشهد أن السؤال هو ما يشتمل عليه قوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} أي لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تفعلونه في الدنيا فتستعينون به على حوائجكم و مقاصدكم، و ما يتلوه من قوله: {بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي مسلمون لا يستكبرون يدل على أن المراد بقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} السؤال عن استكبارهم عن طاعة الحق كما كانوا يستكبرون في الدنيا. 

  • فالسؤال عن عدم تناصرهم سؤال عن سبب الاستكبار الذي كانوا عليه في الدنيا فقد تبين به أن المسئول عنه هو كل حق أعرضوا عنه في الدنيا من اعتقاد حق أو عمل صالح استكبارا على الحق تظاهرا بالتناصر. 

  • قوله تعالى: {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } - إلى قوله - {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} تخاصم واقع بين الأتباع و المتبوعين يوم القيامة، و التعبير عنه بالتساؤل لأنه في معنى 

تفسير الميزان ج۱۷

133
  •  

  • سؤال بعضهم بعضا تلاوما و تعاتبا يقول التابعون لمتبوعيهم: لم أضللتمونا؟ فيقول المتبوعون: لم قبلتم منا و لا سلطان لنا عليكم؟. 

  • فقوله: {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} البعض الأول هم المعترضون و البعض الثاني المعترض عليهم كما يعطيه سياق التساؤل و تساؤلهم تخاصمهم. 

  • و قوله: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اَلْيَمِينِ} أي من جهة الخير و السعادة فاستعمال اليمين فيها شائع كثير كقوله: ‌{وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ }الواقعة: ٢٧ و المعنى أنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير و السعادة فتقطعون الطريق و تحولون بيننا و بين الخير و السعادة و تضلوننا. 

  • و قيل: المراد باليمين الدين و هو قريب من الوجه السابق، و قيل: المراد باليمين القهر و القوة كما في قوله تعالى: ‌{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} الصافات: ٩٣ و لا يخلو من وجه نظرا إلى جواب المتبوعين. 

  • و قوله: {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَ مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } - إلى قوله - {غَاوِينَ} جواب المتبوعين بتبرئة أنفسهم من إشقاء التابعين و أن جرمهم مستند إلى سوء اختيار أنفسهم. 

  • فقالوا: بل لم تكونوا مؤمنين أي لم نكن نحن السبب الموجب لإجرامكم و هلاككم بخلوكم عن الإيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا أنا جردناكم من الإيمان. 

  • ثم قالوا: {وَ مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} و هو في معنى الجواب على فرض التسليم كأنه قيل: و لو فرض أنه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان حتى نسلبه منكم و نجردكم منه. على أن سلطان المتبوعين إنما هو بالتابعين فهم الذين يعطونهم السلطة و القوة فيتسلطون عليهم أنفسهم. 

  • ثم قالوا: {بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} و الطغيان‌ هو التجاوز عن الحد و هو إضراب عن قوله: {لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} كأنه قيل: و لم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من الإيمان بل كنتم قوما طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعا على ترك سبيل الرشد و اتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله سبحانه قال تعالى: 

تفسير الميزان ج۱۷

134
  •  

  • {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً} النبأ: ٢٢ و قال: ‌{فَأَمَّا مَنْ طَغى‌ وَ آثَرَ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‌} النازعات: ٣٩. 

  • و لهذا المعنى عقب قوله: {بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} بقوله: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ} أي لذائقون العذاب. 

  • ثم قالوا: {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} و هو متفرع على ثبوت كلمة العذاب و آخر الأسباب لهلاكهم فإن الطغيان يستتبع الغواية ثم نار جهنم، قال تعالى لإبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: ٤٣. 

  • فكأنه قيل: فلما تلبستم بالطغيان حل بكم الغواية بأيدينا من غير سلطان لنا عليكم إلا اتباعكم لنا و اتصالكم بنا فسرى إليكم ما فينا من الصفة و هي الغواية فالغاوي لا يتأتى منه إلا الغواية و الإناء لا يترشح منه إلا ما فيه، و بالجملة إنكم لم تجبروا و لم تسلبوا الاختيار منذ بدأتم في سلوك سبيل الهلاك إلى أن وقعتم في ورطته و هي الغواية فحق عليكم القول. 

  • قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } - إلى قوله - {يَسْتَكْبِرُونَ} ضمير {فَإِنَّهُمْ} للتابعين و المتبوعين فهم مشتركون في العذاب لاشتراكهم في الظلم و تعاونهم على الجرم من غير مزية لبعضهم على بعض. 

  • و استظهر بعضهم أن المغوين أشد عذابا و ذلك في مقابلة أوزارهم و أوزار أمثال أوزارهم فالشركة لا تقتضي المساواة و الحق أن الآيات مسوقة لبيان اشتراكهم في الظلم و الجرم و العذاب اللاحق بهم من قبله، و يمكن مع ذلك أن يلحق بكل من المتبوعين و التابعين ألوان من العذاب ناشئة عن خصوص شأنهم قال تعالى: ‌{وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَ أَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} العنكبوت: ١٣، و قال: ‌{رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ اَلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ} الأعراف: ٣٨. 

  • و قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} تأكيد لتحقيق العذاب، و المراد بالمجرمين المشركون بدليل قوله بعد: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي إذا 

تفسير الميزان ج۱۷

135
  •  

  • عرض عليهم التوحيد أن يؤمنوا به أو كلمة الإخلاص أن يقولوها استمروا على استكبارهم و لم يقبلوا. 

  • قوله تعالى: {وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ} قولهم هذا إنكار منهم للرسالة بعد استكبارهم عن التوحيد و إنكارهم له. 

  • و قوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ اَلْمُرْسَلِينَ} رد لقولهم: {لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} حيث رموه (عليه السلام) بالشعر و الجنون و فيه رمي لكتاب الله بكونه شعرا و من هفوات الجنون فرد عليهم بأن ما جاء به حق و فيه تصديق الرسل السابقين فليس بباطل من القول كالشعر و هفوة الجنون و ليس ببدع غير مسبوق في معناه. 

  • قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا اَلْعَذَابِ اَلْأَلِيمِ} تهديد لهم بالعذاب لاستكبارهم و رميهم الحق بالباطل. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي لا ظلم فيه لأنه نفس عملكم يرد إليكم. 

  • قوله تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ } - إلى قوله - {بَيْضٌ مَكْنُونٌ} استثناء منقطع من ضمير {لَذَائِقُوا} أو من ضمير {مَا تُجْزَوْنَ} و لكل وجه و المعنى على الأول لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم و ليسوا بذائقي العذاب الأليم و المعنى على الثاني لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وراء جزاء عملهم و سيجي‌ء الإشارة إلى معناه. 

  • و احتمال كون الاستثناء متصلا ضعيف لا يخلو من تكلف. 

  • و قد سماهم الله سبحانه عباد الله المخلصين فأثبت لهم عبودية نفسه و العبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة و لا عمل فهؤلاء لا يريدون إلا ما أراده الله و لا يعملون إلا له. 

  • ثم أثبت لهم أنهم مخلصون بفتح اللام أي إن الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا يشاركه فيهم أحد فلا تعلق لهم بشي‌ء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا و لا من نعم العقبى و ليس في قلوبهم إلا الله سبحانه. 

تفسير الميزان ج۱۷

136
  •  

  • و من المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه و تنعمه غير ما يلتذ و يتنعم غيره و ارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه و إن شاركهم في ضروريات المأكل و المشرب و من هنا يتأيد أن المراد بقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} الإشارة إلى أن رزقهم في الجنة - و هم عباد مخلصون - رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم و لا يختلط بما يتمتع به من دونهم و إن اشتركا في الاسم. 

  • فقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} أي رزق خاص متعين ممتاز من رزق غيرهم فكونه معلوما كناية عن امتيازه كما في قوله‌{وَ مَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} الصافات: ١٦٤ و الإشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم. 

  • و أما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوما كونه معلوم الخصائص مثل كونه غير مقطوع و لا ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة، و كذا ما ذكره آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت لقوله‌{وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا }مريم: ٦٢ و كذا قول القائل: إن المراد به الجنة فهي وجوه غير سديدة. 

  • و من هنا يظهر أن أخذ قوله: {إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} استثناء من ضمير {وَ مَا تُجْزَوْنَ} لا يخلو من وجه كما تقدمت الإشارة إليه. 

  • و قوله: {فَوَاكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ} الفواكه‌ جمع فاكهة و هي ما يتفكه به من الأثمار بيان لرزقهم المعلوم غير أنه تعالى شفعه بقوله: {وَ هُمْ مُكْرَمُونَ} للدلالة على امتياز هذا الرزق أعني الفاكهة مما عند غيرهم بأنها مقارنة لإكرام خاص يخصهم قبال اختصاصهم بالله سبحانه و كونه لهم لا يشاركهم فيه شي‌ء. 

  • و في إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ذلك فقد تقدم في قوله‌{فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ} (الآية) النساء: ٦٩، و قوله‌{وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} المائدة: ٣ و غيرهما أن حقيقة النعمة هي الولاية و هي كونه تعالى هو القائم بأمر عبده. 

  • و قوله: {عَلى‌ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} السرر جمع سرير و هو معروف و كونهم متقابلين معناه استئناس بعضهم ببعض و استمتاعهم بنظر بعضهم في وجه بعض من غير أن يرى بعضهم قفا بعض. 

تفسير الميزان ج۱۷

137
  •  

  • و قوله: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} الكأس‌ إناء الشراب و نقل عن كثير من اللغويين أن إناء الشراب لا يسمى كأسا إلا و فيه الشراب فإن خلا منه فهو قدح و المعين‌ من الشراب الظاهر منه من عان الماء إذا ظهر و جرى على وجه الأرض، و المراد بكون الكأس من معين صفاء الشراب فيها و لذا عقبه بقوله: {بَيْضَاءَ}

  • و قوله: {بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي صافية في بياضها لذيذة للشاربين فاللذة مصدر أريد به الوصف مبالغة أو هي مؤنث لذ بمعنى لذيذ كما قيل. 

  • و قوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَ لاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} الغول‌ الإضرار و الإفساد، قال الراغب: الغول إهلاك الشي‌ء من حيث لا يحس به انتهى. فنفي الغول عن الخمر نفي مضارها و الإنزاف‌ فسر بالسكر المذهب للعقل و أصله إذهاب الشي‌ء تدريجا. 

  • و محصل المعنى: أنه ليس فيها مضار الخمر التي في الدنيا و لا إسكارها بإذهاب العقل. 

  • و قوله: {وَ عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ عِينٌ} وصف للحور التي يرزقونها و قصور طرفهن كناية عن نظرهن نظرة الغنج و الدلال و يؤيده ذكر العين‌ بعده و هو جمع عيناء مؤنث أعين و هي الواسعة العين في جمال. 

  • و قيل: المراد بقاصرات الطرف أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم لحبهن لهم، و بالعين أن أعينهن شديدة في سوادها شديدة في بياضها. 

  • و قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} البيض معروف و هو اسم جنس واحدته بيضة و المكنون‌ هو المستور بالادخار قيل: المراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو غيره في غيره فلم تمسه الأيدي و لم يصبه الغبار، و قيل: المراد تشبيههن ببطن البيض قبل أن يقشر و قبل أن تمسه الأيدي. 

  • قوله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } - إلى قوله - {فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُونَ} حكاية محادثة تقع بين أهل الجنة فيسأل بعضهم عن أحوال بعض و يحدث بعضهم بما جرى عليه في الدنيا و تنتهي المحادثة إلى تكليمهم بعض أهل النار و هو في سواء الجحيم. 

  • فقوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} ضمير الجمع لأهل الجنة من عباد الله 

تفسير الميزان ج۱۷

138
  •  

  • المخلصين و تساؤلهم - كما تقدم - سؤال بعضهم عن بعض و ما جرى عليه. 

  • و قوله: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي قال قائل من أهل الجنة المتسائلين إني كان لي في الدنيا مصاحب يختص بي من الناس. كذا يعطي السياق. 

  • و قيل: المراد بالقرين القرين من الشياطين و فيه أن القرآن إنما يثبت قرناء الشياطين في المعرضين عن ذكر الله و المخلصون في عصمة إلهية من قرين الشياطين و كذا من تأثير الشيطان فيهم كما حكى عن إبليس استثناءهم من الإغواء{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ} ص: ٨٣ نعم ربما أمكن أن يتعرض لهم الشيطان من غير تأثير فيهم لكنه غير أثر القرين. 

  • و قوله: {يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ} ضمير {يَقُولُ} للقرين، و مفعول {اَلْمُصَدِّقِينَ} البعث للجزاء و قد قام مقامه قوله: {أَ إِذَا مِتْنَا} إلخ و المدينون‌ المجزيون. 

  • و المعنى: كأن يقول لي قريني مستبعدا منكرا أ إنك لمن المصدقين للبعث للجزاء أ إذا متنا و كنا ترابا و عظاما فتلاشت أبداننا و تغيرت صورها أ إنا لمجزيون بالإحياء و الإعادة؟ فهذا مما لا ينبغي أن يصدق. 

  • و قوله: {قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ} ضمير {قَالَ} للقائل المذكور قبلا، و الاطلاع‌ الإشراف و المعنى ثم قال القائل المذكور مخاطبا لمحادثيه من أهل الجنة: هل أنتم مشرفون على النار حتى تروا قريني و الحال التي هو فيها؟. 

  • و قوله: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ اَلْجَحِيمِ} السواء الوسط و منه سواء الطريق أي وسطه و المعنى فأشرف القائل المذكور على النار فرآه أي قرينه في وسط الجحيم. 

  • و قوله: {قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} {إِنْ} مخففة من الثقيلة، و الإرداء السقوط من مكان عال كالشاهق و يكنى به عن الهلاك و المعنى أقسم بالله إنك قربت أن تهلكني و تسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم. 

  • و قوله: {وَ لَوْ لاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ} المراد بالنعمة التوفيق و الهداية 

تفسير الميزان ج۱۷

139
  •  

  • الإلهية، و الإحضار الإشخاص للعذاب قال في مجمع البيان:‌ و لا يستعمل «أحضر» مطلقا إلا في الشر. 

  • و المعنى و لو لا توفيق ربي و هدايته لكنت من المحضرين للعذاب مثلك. 

  • و قوله: {أَ فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‌ وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} الاستفهام للتقرير و التعجيب، و المراد بالموتة الأولى هي الموتة عن الحياة الدنيا و أما الموتة عن البرزخ المدلول عليها بقوله‌{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ} المؤمن: ١١ فلم يعبأ بها لأن الموت الذي يزعم الزاعم فيه الفناء و البطلان هو الموت الدنيوي. 

  • و المعنى - على ما في الكلام من الحذف و الإيجاز - ثم يرجع القائل المذكور إلى نفسه و أصحابه فيقول متعجبا أ نحن خالدون منعمون فما نحن بميتين إلا الموتة الأولى و ما نحن بمعذبين؟. 

  • قال في مجمع البيان:‌ و يريدون به التحقيق لا الشك و إنما قالوا هذا القول لأن لهم في ذلك سرورا مجددا و فرحا مضاعفا و إن كان قد عرفوا أنهم سيخلدون في الجنة و هذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير فيقول مستعجبا: كل هذا المال لي؟ و هو يعلم أن ذلك له و هذا كقوله: 

  • أ بطحاء مكة هذا الذي***أراه عيانا و هذا أنا؟
  • قال: و لهذا عقبه بقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ} انتهى. 

  • و قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ} هو من تمام قول القائل المذكور و فيه إعظام لموهبة الخلود و ارتفاع العذاب و شكر للنعمة. 

  • و قوله: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُونَ} ظاهر السياق أنه من قول القائل المذكور و الإشارة بهذا إلى الفوز أو الثواب أي لمثل هذا الفوز أو الثواب فليعمل العاملون في دار التكليف، و قيل: هو من قول الله سبحانه و قيل: من قول أهل الجنة. 

  • و اعلم أن لهم أقوالا مختلفة في نسبة أكثر الجمل السابقة إلى قول الله تعالى أو قول الملائكة أو قول أهل الجنة غير القائل المذكور و الذي أوردناه هو الذي يساعد عليه السياق. 

تفسير الميزان ج۱۷

140
  •  

  •  قوله تعالى: {أَ ذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ } - إلى قوله - {يُهْرَعُونَ} مقايسة بين ما هيأه الله نزلا لأهل الجنة مما وصفه من الرزق الكريم و بين ما أعده نزلا لأهل النار من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين و شراب من حميم. 

  • فقوله: {أَ ذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ} الإشارة بذلك إلى الرزق الكريم المذكورة سابقا المعد لورود أهل الجنة و النزل‌ بضمتين ما يهيأ لورود الضيف فيقدم إليه إذا ورد من الفواكه و نحوها. 

  • و الزقوم - على ما قيل - اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم تكون في تهامة و البلاد المجدبة المجاورة للصحراء سميت به الشجرة الموصوفة بما في الآية من الأوصاف، و قيل: إن قريشا ما كانت تعرفه و سيأتي ذلك في البحث الروائي. 

  • و لفظة خير في الآية بمعنى الوصف دون التفضيل إذ لا خيرية في الزقوم أصلا فهو كقوله: ‌{مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ} الجمعة: ١١ و الآية على ما يعطيه السياق من كلامه تعالى. 

  • و قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ} الضمير لشجرة الزقوم، و الفتنة المحنة و العذاب. 

  • و قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ} وصف لشجرة الزقوم، و أصل الجحيم قعرها، و لا عجب في نبات شجرة في النار و بقائها فيها فحياة الإنسان و بقاؤه خالدا فيها أعجب و الله يفعل ما يشاء. 

  • و قوله: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيَاطِينِ} الطلع‌ حمل النخلة أو مطلق الشجرة أول ما يبدو، و تشبيه ثمرة الزقوم برءوس الشياطين بعناية أن الأوهام العامية تصور الشيطان في أقبح صورة كما تصور الملك في أحسن صورة و أجملها قال تعالى: ‌{مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} يوسف: ٣١، و بذلك يندفع ما قيل: إن الشي‌ء إنما يشبه بما يعرف و لا معرفة لأحد برءوس الشياطين. 

  • و قوله: {فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ} الفاء للتعليل يبين به كونها نزلا للظالمين يأكلون منها، و في قوله: {فَمَالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ} إشارة إلى تسلط جوع 

تفسير الميزان ج۱۷

141
  •  

  • شديد عليهم يحرصون به على الأكل كيفما كان. 

  • و قوله: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} الشوب‌ المزيج و الخليط، و الحميم‌ الماء الحار البالغ في حرارته، و المعنى ثم إن لأولئك الظالمين - زيادة عليها - لخليطا مزيجا من ماء حار بالغ الحرارة يشربونه فيختلط به ما ملئوا منه البطون من الزقوم. 

  • و قوله: {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى اَلْجَحِيمِ} أي إنهم بعد شرب الحميم يرجعون إلى الجحيم فيستقرون فيها و يعذبون، و في الآية تلويح إلى أن الحميم خارج الجحيم. 

  • و قوله: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلى‌ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} ألفيت‌ كذا أي وجدته و صادفته، و الإهراع‌ الإسراع و المعنى أن سبب أكلهم و شربهم ثم رجوعهم إلى الجحيم أنهم صادفوا آباءهم ضالين و هم مقلدون و أتباع لهم و هم أصلهم و مرجعهم فهم يسرعون على آثارهم فجوزوا بنزل كذلك و الرجوع إلى الجحيم جزاء وفاقا. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن ابن جريح: في قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ} قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): عجبت بالقرآن حين أنزل و يسخر منه ضلال بني آدم.

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} قال: الذين ظلموا آل محمد (عليه السلام) حقهم {وَ أَزْوَاجَهُمْ} قال: أشباههم. 

  • أقول: صدر الرواية من الجري. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ} قيل: عن ولاية علي (عليه السلام) عن أبي سعيد الخدري. 

  • أقول: و رواه الشيخ في الأمالي، بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و في العيون، عن علي و عن الرضا (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌، و في تفسير القمي‌ عن الإمام (عليه السلام).

  • و في الخصال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): لا تزول قدم 

تفسير الميزان ج۱۷

142
  •  

  •  عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، و شبابه فيما أبلاه، و عن ماله من أين كسبه و فيما أنفقه، و عن حبنا أهل البيت. 

  • أقول: و روي في العلل عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ مثله. 

  • و في نهج البلاغة:‌ اتقوا الله في عباده و بلاده فإنكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم. 

  • و في الدر المنثور، أخرج البخاري في تأريخه و الترمذي و الدارمي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما من داع دعا إلى شي‌ء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به لا يفارقه و إن دعا رجل رجلا ثم قرأ {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ}

  • و في روضة الكافي، بإسناده عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في حديث: و أما قوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} قال: يعلمه‌۱ الخدام فيأتون به إلى أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه. أما قوله: {فَوَاكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ} قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به.

  • و في تفسير القمي‌ و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ اَلْجَحِيمِ} يقول: في وسط الجحيم. 

  • و فيه‌ في قوله تعالى: {أَ فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} إلخ بإسناده عن أبيه عن علي بن مهزيار و الحسن بن محبوب عن النضر بن سويد عن درست عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النارجي‌ء بالموت و يذبح كالكبش بين الجنة و النار ثم يقال: خلود فلا موت أبدا فيقول أهل الجنة: {أَ فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‌ وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُونَ}

  • أقول: و حديث ذبح الموت في صورة كبش يوم القيامة من المشهورات رواه الشيعة و أهل السنة، و هو تمثل الخلود يومئذ. 

  • و في المجمع، في قوله تعالى: {شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ} روي أن قريشا لما سمعت هذه 

    1. يعني: خ.

تفسير الميزان ج۱۷

143
  •  

  • الآية قالت: ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعري: الزقوم بكلام البربر التمر و الزبد و في رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته: يا جارية زقمينا فأتته الجارية بتمر و زبد فقال لأصحابه: تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد فيزعم أن النار تنبت الشجر و النار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ}.

  •  أقول: و هذا المعنى مروي بطرق عديدة.

  •  

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ٧١ الی ١١٣]

  • {وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ اَلْأَوَّلِينَ ٧١ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ٧٢ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلْمُنْذَرِينَ ٧٣ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ ٧٤ وَ لَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ اَلْمُجِيبُونَ ٧٥ وَ نَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ ٧٦ وَ جَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبَاقِينَ ٧٧ وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ ٧٨ سَلاَمٌ عَلى‌ نُوحٍ فِي اَلْعَالَمِينَ ٧٩ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ٨٠إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ ٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا اَلْآخَرِينَ ٨٢ وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ٨٣ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا ذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ اَلْعَالَمِينَ ٨٧ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ٨٩ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠فَرَاغَ إِلى‌ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَ لاَ تَأْكُلُونَ ٩١ 

تفسير الميزان ج۱۷

144
  •  

  • مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ٩٣ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ٩٤ قَالَ أَ تَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ٩٥ وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ ٩٦ قَالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي اَلْجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ اَلْأَسْفَلِينَ ٩٨ وَ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى‌ رَبِّي سَيَهْدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصَّالِحِينَ ١٠٠فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‌ فِي اَلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرى‌ قَالَ يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ مِنَ اَلصَّابِرِينَ ١٠٢ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَ نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْبَلاَءُ اَلْمُبِينُ ١٠٦ وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ١٠٧ وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ ١٠٨ سَلاَمٌ عَلى‌ إِبْرَاهِيمَ ١٠٩ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ١١٠إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ ١١١ وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصَّالِحِينَ ١١٢ وَ بَارَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلى‌ إِسْحَاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ١١٣} 

تفسير الميزان ج۱۷

145
  •  

  • (بيان) 

  • تعقيب لغرض السياق السابق المتعرض لشركهم و تكذيبهم بآيات الله و تهديدهم بأليم العذاب يقول: إن أكثر الأولين ضلوا كضلالهم و كذبوا الرسل المنذرين كتكذيبهم و يستشهد بقصص نوح و إبراهيم و موسى و هارون و إلياس و لوط و يونس (عليهم السلام) و ما في الآيات المنقولة إشارة إلى قصة نوح و خلاصة قصص إبراهيم (عليهما السلام). 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ اَلْأَوَّلِينَ } - إلى قوله - {اَلْمُخْلَصِينَ} كلام مسوق لإنذار مشركي هذه الأمة بتنظيرهم للأمم الهالكين من قبلهم فقد ضل أكثرهم كما ضل هؤلاء و أرسل إليهم رسل منذرون كما أرسل منذر إلى هؤلاء فكذبوا فكان عاقبة أمرهم الهلاك إلا المخلصين منهم. 

  • و اللام في {لَقَدْ ضَلَّ} للقسم و كذا في {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} و المنذرين الأول بكسر الذال المعجمة و هم الرسل و الثاني بفتح الذال المعجمة و هم الأمم الأولون، و {إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ} إن كان المراد بهم من في الأمم من المخلصين كان استثناء متصلا و إن عم الأنبياء كان منقطعا إلا بتغليبه غير الأنبياء عليهم و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ اَلْمُجِيبُونَ} اللامان للقسم و هو يدل على كمال العناية بنداء نوح و إجابته تعالى، و قد مدح تعالى نفسه في إجابته فإن التقدير فلنعم المجيبون نحن، و جمع المجيب لإفادة التعظيم و قد كان نداء نوح على ما يفيده السياق دعاءه على قومه و استغاثته بربه المنقولين في قوله تعالى‌{وَ قَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} نوح: ٢٦، و في قوله تعالى‌{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} القمر: ١٠. 

  • قوله تعالى: {وَ نَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ} الكرب - على ما ذكره الراغب - الغم الشديد و المراد به الطوفان أو أذى قومه، و المراد بأهله أهل بيته و المؤمنون به من قومه و قد قال تعالى في سورة هود: {قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ 

تفسير الميزان ج۱۷

146
  •  

  •  اِثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ} هود: ٤٠و الأهل كما يطلق على زوج الرجل و بنيه يطلق على كل من هو من خاصته. 

  • قوله تعالى: {وَ جَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبَاقِينَ} أي الباقين من الناس بعد قرنهم و قد بحثنا في هذا المعنى في قصة نوح من سورة هود. 

  • قوله تعالى: {وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ} المراد بالترك الإبقاء و بالآخرين الأمم الغابرة غير الأولين، و قد ذكرت هذه الجملة بعد ذكر إبراهيم (عليه السلام) أيضا في هذه السورة و قد بدلت في القصة بعينها من سورة الشعراء من قوله‌{وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ} الشعراء: ٨٤ و استفدنا منه هناك أن المراد بلسان صدق كذلك أن يبعث الله بعده من يقوم بدعوته و يدعو إلى ملته و هي دين التوحيد. 

  • فيتأيد بذلك أن المراد بالإبقاء في الآخرين هو إحياؤه تعالى دعوة نوح (عليه السلام) إلى التوحيد و مجاهدته في سبيل الله عصرا بعد عصر و جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة. 

  • قوله تعالى: {سَلاَمٌ عَلى‌ نُوحٍ فِي اَلْعَالَمِينَ} المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلى باللام مفيدا للعموم، و الظاهر أن المراد به عالمو البشر و أممهم و جماعاتهم إلى يوم القيامة فإنه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدى إليه من قبل الأمم الإنسانية ما جرى فيها شي‌ء من الخيرات اعتقادا أو عملا فإنه (عليه السلام) أول من انتهض لدعوة التوحيد و دحض الشرك و ما يتبعه من العمل و قاسى في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله نصيب من كل خير واقع بينهم إلى يوم القيامة، و لا يوجد في كلامه تعالى سلام على هذه السعة على أحد ممن دونه. 

  • و قيل: المراد بالعالمين عوالم الملائكة و الثقلين من الجن و الإنس. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} تعليل لما امتن عليه من الكرامة كإجابة ندائه و تنجيته و أهله من الكرب العظيم و إبقاء ذريته و تركه عليه في الآخرين و السلام عليه في العالمين، و تشبيه جزائه بجزاء عموم المحسنين من حيث أصل الجزاء الحسن لا في خصوصياته فلا يوجب ذلك اشتراك الجميع فيما اختص به (عليه السلام) و هو ظاهر. 

تفسير الميزان ج۱۷

147
  •  

  • قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ} تعليل لإحسانه المدلول عليه بالجملة السابقة و ذلك لأنه (عليه السلام) لكونه عبدا لله بحقيقة معنى الكلمة كان لا يريد و لا يفعل إلا ما يريده الله، و لكونه من المؤمنين حقا كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق و سرى ذلك إلى جميع أركان وجوده و من كان كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا اَلْآخَرِينَ} ثم للتراخي الكلامي دون الزماني و المراد بالآخرين قومه المشركون. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم و بالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر قال تعالى:‌ {وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} سبأ: ٥٤. 

  • و ظاهر السياق أن ضمير {شِيعَتِهِ} لنوح أي إن إبراهيم كان ممن يوافقه في دينه و هو دين التوحيد، و قيل: الضمير لمحمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و لا دليل عليه من جهة اللفظ. 

  • قيل: و من حسن الإرداف في نظم الآيات تعقيب قصة نوح (عليه السلام) و هو آدم الثاني أبو البشر بقصة إبراهيم (عليه السلام) و هو أبو الأنبياء إليه تنتهي أنساب جل الأنبياء بعده و على دينه تعتمد أديان التوحيد الحية اليوم كدين موسى و عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و أيضا نوح (عليه السلام) نجاه الله من الغرق و إبراهيم (عليه السلام) نجاه الله من الحرق. 

  • قوله تعالى: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} مجيئه ربه كناية عن تصديقه له و إيمانه به، و يؤيد ذلك أن المراد بسلامة القلب عروه عن كل ما يضر التصديق و الإيمان بالله سبحانه من الشرك الجلي و الخفي و مساوئ الأخلاق و آثار المعاصي و أي تعلق بغيره ينجذب إليه الإنسان و يختل به صفاء توجهه إليه سبحانه. 

  • و بذلك يظهر أن المراد بالقلب السليم ما لا تعلق له بغيره تعالى كما في الحديث و سيجي‌ء إن شاء الله في البحث الروائي الآتي. 

  • و قيل: المراد به السالم من الشرك، و يمكن أن يوجه بما يرجع إلى الأول و قيل: المراد به القلب الحزين، و هو كما ترى. 

  • و الظرف في الآية متعلق بقوله سابقا {مِنْ شِيعَتِهِ} و الظروف يغتفر فيها ما لا 

تفسير الميزان ج۱۷

148
  •  

  • يغتفر في غيرها، و قيل متعلق باذكر المقدر. 

  • قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا ذَا تَعْبُدُونَ} أي أيّ شي‌ء تعبدون؟ و إنما سألهم عن معبودهم و هو يرى أنهم يعبدون الأصنام تعجبا و استغرابا. 

  • قوله تعالى: {أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللَّهِ تُرِيدُونَ} أي تقصدون آلهة دون الله إفكا و افتراء، إنما قدم الإفك و الآلهة لتعلق عنايته بذلك. 

  • قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} لا شك أن ظاهر الآيتين أن إخباره (عليه السلام) بأنه سقيم مرتبط بنظرته في النجوم و مبني عليه و نظرته في النجوم إما لتشخيص الساعة و خصوص الوقت كمن به حمى ذات نوبة يعين وقتها بطلوع كوكب أو غروبها أو وضع خاص من النجوم و إما للوقوف على الحوادث المستقبلة التي كان المنجمون يرون أن الأوضاع الفلكية تدل عليها، و قد كان الصابئون مبالغين فيها و كان في عهده (عليه السلام) منهم جم غفير. 

  • فعلى الوجه الأول لما أراد أهل المدينة أن يخرجوا كافة إلى عيد لهم نظر إلى النجوم و أخبرهم أنه سقيم ستعتريه العلة فلا يقدر على الخروج معهم. 

  • و على الوجه الثاني نظر (عليه السلام) حينذاك إلى النجوم نظرة المنجمين فأخبرهم أنها تدل على أنه سيسقم فليس في وسعه الخروج معهم. 

  • و أول الوجهين أنسب لحاله (عليه السلام) و هو في إخلاص التوحيد بحيث لا يرى لغيره تعالى تأثيرا، و لا دليل لنا قويا يدل على أنه (عليه السلام) لم يكن به في تلك الأيام سقم أصلا، و قد أخبر القرآن بإخباره بأنه سقيم و ذكر سبحانه قبيل ذلك أنه جاء ربه بقلب سليم فلا يجوز عليه كذب و لا لغو من القول. 

  • و لهم في الآيتين وجوه أخر أوجهها أن نظرته في النجوم و إخباره بالسقم من المعاريض في الكلام و المعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره و يفهم منه غير ما يقصده فلعله نظر (عليه السلام) في النجوم نظر الموحد في صنعه تعالى يستدل به عليه تعالى و على وحدانيته و هم يحسبون أنه ينظر إليها نظر المنجم فيها ليستدل بها على الحوادث ثم قال: إني سقيم يريد أنه سيعتريه سقم فإن الإنسان لا يخلو في حياته من سقم ما و مرض ما 

تفسير الميزان ج۱۷

149
  •  

  • كما قال‌: {وَ إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء: ٨٠و هم يحسبون أنه يخبر عن سقمه يوم يخرجون فيه لعيد لهم، و المرجح عنده لجميع ذلك ما كان يهتم به من الرواغ إلى أصنامهم و كسرها. 

  • لكن هذا الوجه مبني على أنه كان صحيحا غير سقيم يومئذ، و قد سمعت أن لا دليل يدل عليه. 

  • على أن المعاريض غير جائزة على الأنبياء لارتفاع الوثوق بذلك عن قولهم. 

  • قوله تعالى: {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ} ضمير الجمع للقوم و ضمير الإفراد لإبراهيم (عليه السلام) أي خرجوا من المدينة و خلفوه. 

  • قوله تعالى: {فَرَاغَ إِلى‌ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَ لاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ} الروغ و الرواغ و الروغان‌ الحياد و الميل، و قيل أصله الميل في جانب ليخدع من يريده. 

  • و في قوله: {أَ لاَ تَأْكُلُونَ}؟ تأييد لما ذكروا أن المشركين كانوا يضعون أيام أعيادهم طعاما عند آلهتهم. 

  • و قوله: {أَ لاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ}؟ تكليم منه لآلهتهم و هي جماد و هو يعلم أنها جماد لا تأكل و لا تنطق لكن الوجد و شدة الغيظ حمله على أن يمثل موقفها موقف العقلاء ثم يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين. 

  • فنظر إليها و هي ذوات أبدان كهيئة من يتغذى و يأكل و عندها شي‌ء من الطعام فامتلأ غيظا و جاش وجدا فقال: {أَ لاَ تَأْكُلُونَ}؟ فلم يسمع منها جوابا فقال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ}؟ و أنتم آلهة يزعم عبادكم أنكم عقلاء قادرون مدبرون لأمورهم فلما لم يسمع لها حسا راغ عليها ضربا باليمين. 

  • قوله تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} أي تفرع على ذاك الخطاب أن مال على آلهتهم يضربهم ضربا باليد اليمنى أو بقوة بناء على كون المراد باليمين القوة. 

  • و قول بعضهم: إن المراد باليمين القسم و المعنى مال عليهم ضربا بسبب القسم الذي سبق منه و هو قوله‌{تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} الأنبياء: ٥٧ بعيد. 

  • قوله تعالى: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} الزف و الزفيف‌ الإسراع في المشي أي فجاءوا 

تفسير الميزان ج۱۷

150
  •  

  • إلى إبراهيم و الحال أنهم يسرعون اهتماما بالحادثة التي يظنون أنه الذي أحدثها. 

  • و في الكلام إيجاز و حذف من خبر رجوعهم إلى المدينة و وقوفهم على ما فعل بالأصنام و تحقيقهم الأمر و ظنهم به (عليه السلام) مذكور في سورة الأنبياء. 

  • قوله تعالى: {قَالَ أَ تَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ} فيه إيجاز و حذف من حديث القبض عليه و الإتيان به على أعين الناس و مسألته و غيرها. 

  • و الاستفهام للتوبيخ و فيه مع ذلك احتجاج على بطلان طريقتهم فهو يقول: لا يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون ربا للإنسان معبودا له و الله سبحانه خلق الإنسان و ما يعمله و الخلق لا ينفك عن التدبير فهو رب الإنسان و من السفه أن يترك هذا و يعبد ذاك. 

  • و قد بان بذلك أن الأظهر كون ما في قوله: {مَا تَنْحِتُونَ} موصولة و التقدير ما تنحتونه، و كذا في قوله: {وَ مَا تَعْمَلُونَ} و جوز بعضهم كون {مَا} فيها مصدرية و هو في أولهما بعيد جدا. 

  • و لا ضير في نسبة الخلق إلى ما عمله الإنسان أو إلى عمله لأن ما يريده الإنسان و يعمله من طريق اختياره مراد الله سبحانه من طريق إرادة الإنسان و اختياره و لا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير إرادة الإنسان و خروج الفعل عن الاختيار و صيرورته مجبرا عليه، و هو ظاهر. 

  • و لو كان المراد نسبة خلق أعمالهم إلى الله سبحانه بلا واسطة لا من طريق إرادتهم بل بتعلق إرادته بنفس عملهم و أفاد الجبر لكان القول أقرب إلى أن يكون عذرا لهم من أن يكون توبيخا و تقبيحا، و كانت الحجة لهم لا عليهم. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي اَلْجَحِيمِ} البنيان‌ مصدر بنى يبني و المراد به المبني، و الجحيم‌ النار في شدة تأججها. 

  • قوله تعالى: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ اَلْأَسْفَلِينَ} الكيد الحيلة و المراد احتيالهم إلى إهلاكه و إحراقه بالنار. 

  • و قوله: {فَجَعَلْنَاهُمُ اَلْأَسْفَلِينَ} كناية عن جعل إبراهيم فوقهم لا يؤثر فيه كيدهم 

تفسير الميزان ج۱۷

151
  •  

  • شيئا إذ قال سبحانه{يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاَماً عَلى‌ إِبْرَاهِيمَ} الأنبياء: ٦٩. 

  • و قد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم (عليه السلام) و هو انتهاضه أولا على عبادة الأوثان و اختصامه لعبادها و انتهاء أمره إلى إلقائه النار و إبطاله تعالى كيدهم. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى‌ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فصل آخر من قصصه (عليه السلام) يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه و استيهابه من الله ولدا صالحا و إجابته إلى ذلك و قصة ذبحه و نزول الفداء. 

  • فقوله: {وَ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى‌ رَبِّي} إلخ كالإنجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر{ وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‌ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا }مريم: ٤٨ و منه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه لعبادته تعالى و دعائه و هو الأرض المقدسة. 

  • و قول بعضهم: إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه. 

  • و كذا قول بعضهم: إن المراد أني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار فأموت و ألقى ربي سيهديني إلى الجنة. 

  • و فيه - كما قيل - إن ذيل الآية لا يناسبه و هو قوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصَّالِحِينَ} و كذا قوله بعده: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ}

  • قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصَّالِحِينَ} حكاية دعاء إبراهيم (عليه السلام) و مسألته الولد أي قال: {رَبِّ هَبْ لِي }«إلخ» و قد قيده بكونه من الصالحين. 

  • قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما و فيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا و يبلغ حد الغلمان، و أخذ الغلومة في وصفه مع أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله و صفاء ذاته و هو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال: {يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ مِنَ اَلصَّابِرِينَ}

  • و لم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه الآية و أبوه في قوله تعالى: ‌{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} هود: ٧٥. 

تفسير الميزان ج۱۷

152
  •  

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‌ فِي اَلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرى‌} إلخ الفاء في أول الآية فصيحة تدل على محذوف و التقدير فلما ولد له و نشأ و بلغ معه السعي، و المراد ببلوغ السعي بلوغه من العمر مبلغا يسعى فيه لحوائج الحياة عادة و هو سن الرهاق، و المعنى فلما راهق الغلام قال له يا بني إلخ. 

  • و قوله: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‌ فِي اَلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} هي رؤيا إبراهيم ذبح ابنه، و قوله: {إِنِّي أَرى‌} يدل على تكرر هذه الرؤيا له كما في قوله‌{وَ قَالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى‌} الخ: يوسف: ٣٣. 

  • و قوله: {فَانْظُرْ مَا ذَا تَرى‌} هو من الرأي بمعنى الاعتقاد أي فتفكر فيما قلت و عين ما هو رأيك فيه، و هذه الجملة دليل على أن إبراهيم (عليه السلام) فهم من منامه أنه أمر له بالذبح مثل له في مثال نتيجة الأمر و لذا طلب من ابنه الرأي فيه و هو يختبره بما ذا يجيبه؟. 

  • و قوله: {قَالَ يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ مِنَ اَلصَّابِرِينَ} جواب ابنه، و قوله: {يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} إظهار رضا بالذبح في صورة الأمر و قد قال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} و لم يقل اذبحني إشارة إلى أن أباه مأمور بأمر ليس له إلا ائتماره و طاعته. 

  • و قوله: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ مِنَ اَلصَّابِرِينَ} تطييب منه لنفس أبيه أنه لا يجزع منه و لا يأتي بما يهيج وجد الوالد عن ولده المزمل بدمائه، و قد زاد في كلامه صفاء على صفاء إذ قيد وعده بالصبر بقوله: {إِنْ شَاءَ اَللَّهُ} فأشار إلى أن اتصافه بهذه الصفة الكريمة أعني الصبر ليس له من نفسه و لا أن زمامه بيده بل هو من مواهب الله و مننه إن يشأ تلبس به و له أن لا يشاء فينزعه منه. 

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ} الإسلام‌ الرضا و الاستسلام: و التل‌ الصرع و الجبين‌ أحد جانبي الجبهة و اللام في {لِلْجَبِينِ} لبيان ما وقع عليه الصراع كقوله: ‌{يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً} الإسراء: ١٠٧، و المعنى فلما استسلما إبراهيم و ابنه لأمر الله و رضيا به و صرعة إبراهيم على جبينه. 

  • و جواب لما محذوف إيماء إلى شدة المصيبة و مرارة الواقعة. 

  • قوله تعالى: {وَ نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا} معطوف على جواب 

تفسير الميزان ج۱۷

153
  •  

  • لما المحذوف، و قوله: {قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا} أي أوردتها مورد الصدق و جعلتها صادقة و امتثلت الأمر الذي أمرناك فيها أي إن الأمر فيها كان امتحانيا يكفي في امتثاله تهيؤ المأمور للفعل و إشرافه عليه فحسب. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْبَلاَءُ اَلْمُبِينُ} الإشارة بكذلك إلى قصة الذبح بما أنها محنة شاقة و ابتلاء شديد و الإشارة بهذا إليها أيضا و هو تعليل لشدة الأمر. 

  • و المعنى: إنا على هذه الوتيرة نجزي المحسنين فنمتحنهم امتحانات شاقة صورة هينة معنى فإذا أتموا الابتلاء جزيناهم أحسن الجزاء في الدنيا و الآخرة، و ذلك لأن الذي ابتلينا به إبراهيم لهو البلاء المبين. 

  • قوله تعالى: {وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي و فدينا ابنه بذبح عظيم و كان كبشا أتى به جبرئيل من عند الله سبحانه فداء على ما في الأخبار، و المراد بعظمة الذبح عظمة شأنه بكونه من عند الله سبحانه و هو الذي فدى به الذبيح. 

  • قوله تعالى: {وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ} تقدم الكلام فيه. 

  • قوله تعالى: {سَلاَمٌ عَلى‌ إِبْرَاهِيمَ} تحية منه تعالى عليه، و في تنكير سلام تفخيم له. 

  • قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ} تقدم تفسير الآيتين. 

  • قوله تعالى: {وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصَّالِحِينَ} الضمير لإبراهيم (عليه السلام). 

  • و اعلم أن هذه الآية المتضمنة للبشرى بإسحاق بوقوعها بعد البشرى السابقة بقوله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} المتعقبة بقوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ} إلى آخر القصة ظاهرة كالصريحة أو هي صريحة في أن الذبيح غير إسحاق و هو إسماعيل (عليه السلام) و قد فصلنا القول في ذلك في قصص إبراهيم (عليه السلام) من سورة الأنعام. 

  • قوله تعالى: {وَ بَارَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلى‌ إِسْحَاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ 

تفسير الميزان ج۱۷

154
  •  

  •  مُبِينٌ} المباركة على شي‌ء جعل الخير و النماء و الثبات فيه أي و جعلنا فيما أعطينا إبراهيم و إسحاق الخير الثابت و النماء. 

  • و يمكن أن يكون قوله: {وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا} إلخ قرينة على أن المراد بقوله: {بَارَكْنَا} إعطاء البركة و الكثرة في أولاده و أولاد إسحاق، و الباقي ظاهر. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: القلب السليم الذي يلقى الله عز و جل و ليس فيه أحد سواه. 

  • و فيه، قال: القلب السليم من الشك. 

  • و في روضة الكافي، بإسناده عن حجر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): عاب آلهتهم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم. قال أبو جعفر (عليه السلام): و الله ما كان سقيما و ما كذب. 

  • أقول: و في معناه روايات أخر و في بعضها:ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب إنما عنى سقيما في دينه مرتادا.

  • و قد تقدم الروايات في قصة حجاج إبراهيم (عليه السلام) قومه و كسره الأصنام و إلقائه في النار في تفسير سور الأنعام و مريم و الأنبياء و الشعراء. 

  • و في التوحيد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث و قد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات قال: و قد أعلمتك أن رب شي‌ء من كتاب الله عز و جل تأويله غير تنزيله و لا يشبه كلام البشر و سأنبئك بطرف منه فتكتفي إن شاء الله. 

  • من ذلك قول إبراهيم (عليه السلام): {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلىَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة و اجتهادا و قربة إلى الله عز و جل أ لا ترى أن تأويله غير تنزيله؟. 

  • و فيه، بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: يا فتح إن لله إرادتين و مشيئتين: إرادة حتم، و إرادة عزم ينهى و هو يشاء ذلك و يأمر و هو 

تفسير الميزان ج۱۷

155
  •  

  • لا يشاء أ و ما رأيت أنه نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة و هو يشاء ذلك؟ و لو لم يشأ لم يأكلا، و لو أكلا لغلبت شهوتهما مشيئة الله تعالى، و أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) و شاء أن لا يذبحه و لو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عز و جل. قلت: فرجت عني فرج الله عنك. 

  • و عن أمالي الشيخ، بإسناده إلى سليمان بن يزيد قال: حدثنا علي بن موسى قال: حدثني أبي عن أبيه عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: الذبيح إسماعيل (عليه السلام).

  • أقول: و روي مثله في المجمع، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) ، و بهذا المضمون روايات كثيرة أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، و قد وقع في بعض رواياتهم أنه إسحاق و هو مطروح لمخالفة الكتاب. 

  • و عن الفقيه‌ سئل الصادق (عليه السلام) عن الذبيح من كان؟ فقال: إسماعيل لأن الله تعالى ذكر قصته في كتابه ثم قال: {وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصَّالِحِينَ}.

  • أقول: هذا ما تقدم في بيان الآية أن الآية بسياقها ظاهرة بل صريحة في ذلك. 

  • و في المجمع، عن ابن إسحاق: أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل و هاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة و يروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي رأى في المنام أن‌۱ يذبحه فقال له: يا بني خذ الحبل و المدية٢ ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب. 

  • فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه فقال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب و اكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شيئا فتراه أمي و اشحذ شفرتك و أسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. 

  • ثم ساق القصة و فيها ثم انحنى إليه بالمدية و قلب جبرئيل المدية على قفاها و اجتر 

    1. أنه ظ
    2. المدية: السكين.

تفسير الميزان ج۱۷

156
  •  

  • الكبش من قبل ثبير و اجتر الغلام من تحته و وضع الكبش مكان الغلام، و نودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. 

  • أقول: و الروايات في القصة كثيرة و لا تخلو من اختلاف. 

  • و فيه‌ روى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل و بين بشارته بإسحاق (عليه السلام) ؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين قال الله سبحانه: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} يعني إسماعيل و هي أول بشارة بشر الله به إبراهيم (عليه السلام) في الولد. 

  •  

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ١١٤ الی ١٣٢]

  • {وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلىَ مُوسىَ وَ هَارُونَ ١١٤ وَ نَجَّيْنَاهُمَا وَ قَوْمَهُمَا مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ ١١٥ وَ نَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ اَلْغَالِبِينَ ١١٦ وَ آتَيْنَاهُمَا اَلْكِتَابَ اَلْمُسْتَبِينَ ١١٧ وَ هَدَيْنَاهُمَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ ١١٨ وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْآخِرِينَ ١١٩ سَلاَمٌ عَلى مُوسى‌ وَ هَارُونَ ١٢٠إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ ١٢٢ وَ إِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَ لاَ تَتَّقُونَ ١٢٤ أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ ١٢٥ اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ ١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٢٧ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ ١٢٨ وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ ١٢٩ سَلاَمٌ عَلى‌ إِلْيَاسِينَ ١٣٠إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ ١٣٢} 

تفسير الميزان ج۱۷

157
  •  

  • (بيان) 

  • ملخص قصة موسى و هارون و إشارة إلى قصة إلياس (عليه السلام). و بيان ما أنعم الله عليهم و عذاب مكذبيهم و جانب الرحمة يربو فيها على جانب العذاب و التبشير يزيد على الإنذار. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلىَ مُوسىَ وَ هَارُونَ} المن‌ الإنعام و من المحتمل أن يكون المراد به ما سيعده مما أنعم عليهما و على قومهما من التنجية و النصر و إيتاء الكتاب و الهداية و غيرها فيكون قوله: {وَ نَجَّيْنَاهُمَا} إلخ من عطف التفسير. 

  • قوله تعالى: {وَ نَجَّيْنَاهُمَا وَ قَوْمَهُمَا مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ} و هو الغم الشديد من استضعاف فرعون لهم يسومهم سوء العذاب و يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم. 

  • قوله تعالى: {وَ نَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ اَلْغَالِبِينَ} و هو الذي أدى إلى خروجهم من مصر و جوازهم البحر و هلاك فرعون و جنوده. 

  • و بذلك يندفع ما توهم أن مقتضى الظاهر أن يذكر النصر قبل التنجية لتوقفها عليه، و ذلك أن النصر إنما يكون فيما إذا كان للمنصور قوة ما لكنها لا تكفي لدفع الشر فتتم بالنصر و كان لبني إسرائيل عند الخروج من مصر بعض القوة فناسب إطلاق النصر على إعانتهم على ذلك بخلاف أصل تخليصهم من يد فرعون فإنهم كانوا أسراء مستعبدين لا قوة لهم فلا يناسب هذا الاعتبار إلا ذكر التنجية دون النصر. 

  • قوله تعالى: {وَ آتَيْنَاهُمَا اَلْكِتَابَ اَلْمُسْتَبِينَ} أي يستبين المجهولات الخفية فيبينها و هي التي يحتاج إليها الناس في دنياهم و آخرتهم. 

  • قوله تعالى: {وَ هَدَيْنَاهُمَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ} المراد بها الهداية بتمام معنى الكلمة، و لذا خصها بهما و لم يشرك فيها معهما قومهما، و لقد تقدم كلام في معنى الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة. 

  • قوله تعالى: {وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْآخِرِينَ} - إلى قوله - {اَلْمُؤْمِنِينَ} تقدم تفسيرها. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ} قيل: إنه (عليه السلام) من آل هارون كان 

تفسير الميزان ج۱۷

158
  •  

  • مبعوثا إلى بعلبك‌۱ و لم يذكر في كلامه ما يستشهد به عليه. 

  • قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَ لاَ تَتَّقُونَ أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ} - إلى قوله - {اَلْأَوَّلِينَ} شطر من دعوته (عليه السلام) يدعو قومه فيها إلى التوحيد و يوبخهم على عبادة بعل صنم كان لهم و ترك عبادة الله سبحانه. 

  • و كلامه (عليه السلام) على ما فيه من التوبيخ و اللوم يتضمن حجة تامة على توحيده تعالى فإن قوله: {وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ} يوبخهم أولا على ترك عبادة أحسن الخالقين، و الخلق و الإيجاد كما يتعلق بذوات الأشياء يتعلق بالنظام الجاري فيها الذي يسمى تدبيرا فكما أن الخلق إليه تعالى فالتدبير أيضا إليه فهو المدبر كما أنه الخالق، و أشار إلى ذلك بقوله: {اَللَّهَ رَبَّكُمْ} بعد وصفه تعالى بأحسن الخالقين. 

  • ثم أشار إلى أن ربوبيته تعالى لا تختص بقوم دون قوم كالأصنام التي يتخذ كل قوم بعضا منها دون بعض فيكون صنم ربا لقوم دون آخرين بل هو تعالى رب لهم و لآبائهم الأولين لا يختص ببعض دون بعض لعموم خلقه و تدبيره، و إليه أشار بقوله: {اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ}

  • قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي مبعوثون ليحضروا العذاب، و قد تقدم أن الإحضار إذا أطلق أفاد معنى الشر. 

  • قوله تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} دليل على أنه كان في قومه جمع منهم. 

  • قوله تعالى: {وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرِينَ} - إلى قوله - {اَلْمُؤْمِنِينَ} تقدم الكلام في نظائرها. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {أَ تَدْعُونَ بَعْلاً} قال: كان لهم صنم يسمونه بعلا. 

  • و في المعاني، بإسناده إلى قادح عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي 

    1. و لعلهم أخذوه من بعل فقد قيل: أن بعلبك سمي به لأن بعلا كان منصوبا في معبد فيه. 

تفسير الميزان ج۱۷

159
  •  

  • (عليه السلام) في قول الله عز و جل: «سلام على آل يس» قال: يس محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و نحن آل يس. 

  • أقول: و عن العيون، عن الرضا (عليه السلام) مثله، و هو مبني على قراءة آل يس كما قرأه نافع و ابن عامر و يعقوب و زيد. 

  • (كلام في قصة إلياس (عليه السلام) ) 

  • ١ - قصته في القرآن

  • لم يذكر اسمه (عليه السلام) في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع و في سورة الأنعام عند ذكر هداية الأنبياء حيث قال‌: {وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‌ وَ عِيسى‌ وَ إِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ اَلصَّالِحِينَ} الأنعام: ٨٥. 

  • و لم يذكر تعالى من قصته في هذه السورة إلا أنه كان يدعو إلى عبادة الله سبحانه قوما كانوا يعبدون بعلا فآمن به و أخلص الإيمان قوم منهم و كذبه آخرون و هم جل القوم و إنهم لمحضرون. 

  • و قد أثنى الله سبحانه عليه في سورة الأنعام بما أثنى به على الأنبياء عامة و أثنى عليه في هذه السورة بأنه من عباده المؤمنين المحسنين و حياه بالسلام بناء على القراءة المشهورة: {سَلاَمٌ عَلىَ إِلْيَاسِينَ}.

  • ٢ - الأحاديث فيه

  • ورد فيه (عليه السلام) أخبار مختلفة متهافتة كغالب الأخبار الواردة في قصص الأنبياء، الحاكية للعجائب كالذي‌ روي عن ابن مسعود: أن إلياس هو إدريس و ما عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أن الخضر هو إلياس‌، و ما عن وهب و كعب الأحبار و غيرهما: أن إلياس حي لا يموت إلى النفخة الأولى، و ما عن وهب: أن إلياس سأل الله أن يريحه من قومه فأرسل الله إليه دابة كهيئة الفرس في لون النار فوثب إليه فانطلق به فكساه الله الريش و النور و قطع عنه لذة المطعم و المشرب فصار في الملائكة، و ما عن كعب الأحبار: أن إلياس صاحب الجبال و البر و أنه الذي سماه الله بذي النون، و ما عن الحسن: أن إلياس موكل بالفيافي و الخضر موكل بالجبال، و ما عن أنس: أن 

تفسير الميزان ج۱۷

160
  •  

  • إلياس لاقى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في بعض أسفاره فقعدا يتحدثان ثم نزل عليهما مائدة من السماء فأكلا و أطعماني ثم ودعه و ودعني ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء إلى غير ذلك‌.۱ 

  • و في بعض أخبار الشيعة أنه (عليه السلام) حي مخلد٢ لكنها ضعاف و ظاهر آيات القصة لا يساعد عليه. 

  • و في البحار، في قصة إلياس (عليه السلام) عن قصص الأنبياء، بالإسناد عن الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه، و رواه الثعلبي في العرائس، عن ابن إسحاق و علماء الأخبار أبسط منه - و الحديث طويل جدا، و ملخصه -:أنه بعد انشعاب ملك بني إسرائيل و تقسمه بينهم سار سبط منهم إلى بعلبك و كان لهم ملك منهم يعبد صنما اسمه بعل و يحمل الناس على عبادته. 

  • و كانت له مرأة فاجرة قد تزوجت قبله بسبعة من الملوك و ولدت تسعين ولدا سوى أبناء الأبناء، و كان الملك يستخلفها إذ غاب فتقضي بين الناس، و كان له كاتب مؤمن حكيم قد خلص من يدها ثلاثمائة مؤمن تريد قتلهم، و كان في جوار قصر الملك رجل مؤمن له بستان و كان الملك يحترم جواره و يكرمه. 

  • ففي بعض ما غاب الملك قتلت المرأة الجار المؤمن و غصبت بستانه فلما رجع و علم به عاتبها فاعتذرت إليه و أرضته فآلى الله تعالى على نفسه أن ينتقم منهما إن لم يتوبا فأرسل إليهم إلياس (عليه السلام) يدعوهم إلى عبادة الله و أخبرهما بما آلى الله فاشتد غضبهم عليه و هموا بتعذيبه و قتله فهرب منهم إلى أصعب جبل هناك فلبث فيه سبع سنين يعيش بنبات الأرض و ثمار الشجر. 

  • فأمرض الله ابنا للملك يحبه حبا شديدا فاستشفع ببعل فلم ينفعه فقيل له: إنه غضبان عليك إن لم تقتل إلياس فأرسل إليه فئة من قومه ليخدعوه و يقبضوا عليه فأرسل الله إليهم نارا فأحرقتهم ثم أرسل إليه فئة أخرى من ذوي البأس مع كاتبه 

    1. رواه في الدر المنثور في تفسير آيات القصة.
    2. رواه في البحار عن قصص الأنبياء.

تفسير الميزان ج۱۷

161
  •  

  • المؤمن فذهب معه إلياس صونا له من غضب الملك لكن الله سبحانه أمات ابنه فشغله حزنه عن إلياس فرجع سالما. 

  • ثم لما طال الأمر نزل إلياس من الجبل و استخفى عند أم يونس بن متى في بيتهاو يونس طفل رضيع ثم خرج بعد ستة أشهر إلى الجبل ثانيا و اتفق أن مات بعده يونس ثم أحياه الله بدعاء إلياس بعد ما خرجت أمه في طلبه فوجدته فتضرعت إليه. 

  • ثم إنه سأل الله أن ينتقم له من بني إسرائيل و يمسك عنهم الأمطار فأجيب و سلط الله عليهم القحط فأجهدوا سنين فندموا فجاءوه فتابوا و أسلموا فدعا الله فأرسل عليهم المطر فسقاهم و أحيا بلادهم. 

  • فشكوا إليه هدم الجدران و عدم البذر من الحبوب فأوحى إليه أن يأمرهم أن يبذروا الملح فأنبت لهم الحمص و أن يبذروا الرمل فأنبت لهم منه الدخن. 

  • ثم لما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد و عادوا إلى أخبث ما كانوا عليه فأمل ذلك إلياس فدعا الله أن يريحه منهم فأرسل الله إليه فرسا من نار فوثب عليه إلياس فرفعه الله إلى السماء و كساه الريش و النور فكان مع الملائكة. 

  • ثم سلط الله على الملك و امرأته عدوا فقصدهما و ظهر عليهما فقتلهما و ألقى جيفتهما في بستان ذلك الرجل المؤمن الذي قتلاه و غصبوا بستانه. و أنت بالتأمل فيما تقصه الرواية لا ترتاب في ضعفها. 

  •  

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ١٣٣ الی ١٤٨]

  • {وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلاَّ عَجُوزاً فِي اَلْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا اَلْآخَرِينَ ١٣٦ وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ١٣٧ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ ١٣٨ 

تفسير الميزان ج۱۷

162
  •  

  • وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ ١٤٠فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ ١٤١ فَالْتَقَمَهُ اَلْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ ١٤٢ فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‌ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤٤ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ ١٤٥ وَ أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ١٤٦ وَ أَرْسَلْنَاهُ إِلى‌ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلى‌ حِينٍ ١٤٨} 

  • (بيان) 

  • خلاصة قصة لوط (عليه السلام) ثم قصة يونس (عليه السلام) و ابتلاء الله تعالى له بالحوت مأخوذا بما أعرض عن قومه عند ارتفاع العذاب عنهم بعد نزوله و إشرافه عليهم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} و إنما نجاه و أهله من العذاب النازل على قومه و هو الخسف و أمطار حجارة من سجيل على ما ذكره الله تعالى في سائر كلامه. 

  • قوله تعالى: {إِلاَّ عَجُوزاً فِي اَلْغَابِرِينَ} أي في الباقين في العذاب المهلكين به و هي امرأة لوط. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ دَمَّرْنَا اَلْآخَرِينَ} التدمير الإهلاك، و الآخرين قومه الذين أرسل إليهم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ} فإنهم على طريق الحجاز إلى الشام، و المراد بالمرور عليهم المرور على ديارهم الخربة و هي اليوم مستورة بالماء على ما قيل. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ} أي السفينة 

تفسير الميزان ج۱۷

163
  •  

  • المملوءة من الناس و الإباق‌ هرب العبد من مولاه. 

  • و المراد بإباقه إلى الفلك خروجه من قومه معرضا عنهم و هو (عليه السلام) و إن لم يعص في خروجه ذلك ربه و لا كان هناك نهي من ربه عن الخروج لكن خروجه إذ ذاك كان ممثلا لإباق العبد من خدمة مولاه فأخذه الله بذلك، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: ‌{وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء: ٨٧. 

  • قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ} المساهمة المقارعة و الإدحاض‌ الغلبة أي فقارع من في السفينة فكان من المغلوبين، و قد كان عرض لسفينتهم الحوت فاضطروا إلى أن يلقوا واحدا منهم في البحر ليبتلعه و يخلي السفينة فقارعوا فأصابت يونس (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ اَلْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ} الالتقام‌ الابتلاع، و مليم‌ من ألام أي دخل في اللوم كأحرم إذا دخل في الحرم أو بمعنى صار ذا ملامة. 

  • قوله تعالى: {فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‌ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} عده من المسبحين و هم الذين تكرر منهم التسبيح و تمكن منهم حتى صار وصفا لهم يدل على دوام تلبسه زمانا بالتسبيح. قيل: أي من المسبحين قبل التقام الحوت إياه، و قيل: بل في بطن الحوت، و قيل: أي كان من المسبحين قبل التقام الحوت و في بطنه. 

  • و الذي حكي من تسبيحه في كلامه تعالى قوله في سورة الأنبياء: {فَنَادى‌ فِي اَلظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} الأنبياء: ٨٧ و لازم ذلك أن يكون من المسبحين في بطن الحوت خاصة أو فيه و فيما قبله فاحتمال كون المراد تسبيحه قبل التقام الحوت مرجوح لا ينبغي أن يصار إليه. 

  • على أن تسبيحه مع اعترافه بالظلم في قوله: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} - على ما سيجي‌ء - تسبيح له تعالى عما كان يشعر به‌۱ فعله من ترك قومه و ذهابه على وجهه، و قوله: {فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ} إلخ يدل على أن تسبيحه كان هو السبب المستدعي لنجاته، و لازم ذلك أن يكون إنما ابتلي بما ابتلي به لينزهه تعالى فينجو بذلك من الغم الذي ساقه إليه فعله إلى ساحة العافية. 

    1. و هو أن الله لا يقدر عليه كما قال تعالى: «و ظن أن لن نقدر عليه».

تفسير الميزان ج۱۷

164
  •  

  • و بذلك يظهر أن العناية في الكلام إنما هي بتسبيحه في بطن الحوت خاصة فخير الأقوال الثلاثة أوسطها. 

  • فالظاهر أن المراد بتسبيحه نداؤه في الظلمات بقوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} و قد قدم التهليل ليكون كالعلة المبينة لتسبيحه كأنه يقول: لا معبود بالحق يتوجه إليه غيرك فأنت منزه مما كان يشعر به فعلى أني آبق منك معرض عن عبوديتك متوجه إلى سواك إني كنت ظالما لنفسي في فعلي فها أنا متوجه إليك متبرئ مما كان يشعر به فعلى من التوجه عنك إلى غيرك. 

  • فهذا معنى تسبيحه و لو لا ذلك منه لم ينج أبدا إذ كان سبب نجاته منحصرا في التسبيح و التنزيه بالمعنى الذي ذكر. 

  • و بذلك يظهر أن المراد بقوله: {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‌ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تأبيد مكثه في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان و يلبث فيه حتى يبعث فيخرج منه قال تعالى: ‌{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى‌} طه: ٥٥. 

  • و لا دلالة في الآية على كونه (عليه السلام) على تقدير اللبث حيا في بطن الحوت إلى يوم يبعثون أو ميتا و بطنه قبره مع بقاء بدنه و بقاء جسد الحوت على حالهما أو بنحو آخر فلا مساغ لاختلافهم في كونه (عليه السلام) حيا على هذا التقدير أو ميتا و بطنه قبره، و أن المراد بيوم يبعثون النفخة الأولى التي فيها يموت الخلائق أو النفخة الثانية أو التأجيل بيوم القيامة كناية عن طول اللبث. 

  • قوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ} النبذ طرح الشي‌ء و الرمي به، و العراء المكان الذي لا سترة فيه يستظل بها من سقف أو خباء أو شجر. 

  • و المعنى على ما يعطيه السياق أنه صار من المسبحين فأخرجناه من بطن الحوت و طرحناه خارج الماء في أرض لا ظل فيها يستظل به و هو سقيم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} اليقطين‌ من نوع القرع و يكون ورقه عريضا مستديرا و قد أنبتها الله عليه ليستظل بورقها. 

  • قوله تعالى: {وَ أَرْسَلْنَاهُ إِلى‌ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} أو في مورد الترقي و تفيد معنى بل، و المراد بهذه الجماعة أهل نينوى. 

تفسير الميزان ج۱۷

165
  •  

  • قوله تعالى: {فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلى‌ حِينٍ} أي آمنوا به فلم نعذبهم و لم نهلكهم بما أشرف عليهم من العذاب فمتعناهم بالحياة و البقاء إلى أجلهم المقدر لهم. 

  • و الآية في إشعارها برفع العذاب عنهم و تمتيعهم تشير إلى قوله تعالى‌{فَلَوْ لاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلى‌ حِينٍ} يونس: ٩٨. 

  • و لا يخلو السياق من إشعار - بل دلالة - على أن المراد من إرساله في قوله: {وَ أَرْسَلْنَاهُ} أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم، و بإيمانهم في قوله: {فَآمَنُوا} إلخ إيمانهم بتصديقه و اتباعه بعد ما آمنوا و تابوا حين رأوا العذاب. 

  • و من هنا يظهر ضعف ما استدل بعضهم بالآيتين أن إرساله إلى القوم كان بعد خروجه من بطن الحوت و أنه أمر أولا بالذهاب إلى أهل نينوى و دعوتهم إلى الله و كانوا يعبدون الأصنام فاستعظم الأمر و خرج من بيته يسير في الأرض لعل الله يصرف عنه هذا التكليف و ركب البحر فابتلاه الله بالحوت ثم لما نبذ بالعراء كلف ثانيا فأجاب و أطاع و دعاهم فاستجابوا فدفع الله عذابا كان يهددهم إن لم يؤمنوا. 

  • و ذلك أن السياق كما سمعت يدل على كون إرساله بأمر ثان و أن إيمانهم كان إيمانا ثانيا بعد الإيمان و التوبة و أن تمتيعهم إلى حين كان مترتبا على إيمانهم به لا على كشف العذاب عنهم فلم يكن الله سبحانه ليتركهم لو لم يؤمنوا برسوله ثانيا كما آمنوا به و تابوا إليه أولا في غيبته فافهم ذلك. 

  • على أن قوله تعالى‌{وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً} الأنبياء: ٨٧ و قوله‌{وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نَادى‌ وَ هُوَ مَكْظُومٌ} ن: ٤٨ لا يلائم ما ذكروه، و كذا قوله‌{إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} يونس: ٩٨ إذ لا يطلق الكشف إلا في عذاب واقع حال أو مشرف. 

  • (كلام في قصة يونس (عليه السلام) في فصول) 

  • ١ - قصته في القرآن 

  • لم يتعرض القرآن الكريم إلا لطرف من قصته و قصة قومه فقد تعرض في سورة الصافات لإرساله ثم إباقه و ركوبه الفلك و التقام الحوت له ثم نجاته و إرساله إلى 

تفسير الميزان ج۱۷

166
  •  

  • القوم و إيمانهم قال تعالى: {وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ اَلْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ. وَ أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.وَ أَرْسَلْنَاهُ إِلى‌ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلىَ حِينٍ}. 

  • و في سورة الأنبياء: لتسبيحه في بطن الحوت و تنجيته قال تعالى: ‌{وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادى‌ فِي اَلظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ نَجَّيْنَاهُ مِنَ اَلْغَمِّ وَ كَذَلِكَ نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ} الأنبياء: ٨٧ - ٨٨. 

  • و في سورة ن: لندائه مكظوما و خروجه من بطنه و اجتبائه قال تعالى: ‌{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نَادى‌ وَ هُوَ مَكْظُومٌ. لَوْ لاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ. فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ اَلصَّالِحِينَ} ن: ٥٠. 

  • و في سورة يونس: لإيمان قومه و كشف العذاب عنهم قال تعالى: ‌{فَلَوْ لاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلى‌ حِينٍ} يونس: ٩٨. 

  • و خلاصة ما يستفاد من الآيات بضم بعضها إلى بعض و اعتبار القرائن الحافة بها أن يونس (عليه السلام) كان من الرسل أرسله الله تعالى إلى قومه و هم جمع كثير يزيدون على مائة ألف فدعاهم فلم يجيبوه إلا بالتكذيب و الرد حتى جاءهم عذاب أوعدهم به يونس ثم خرج من بينهم. 

  • فلما أشرف عليهم العذاب و شاهدوه مشاهدة عيان أجمعوا على الإيمان و التوبة إلى الله سبحانه فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. 

  • ثم إن يونس (عليه السلام) استخبر عن حالهم فوجد العذاب انكشف عنهم و كأنه لم يعلم بإيمانهم و توبتهم فلم يعد إليهم و ذهب لوجهه على ما به من الغضب و السخط عليهم فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه ظانا أن لا يقدر عليه و ركب البحر في فلك مشحون. 

  • فعرض لهم حوت عظيم لم يجدوا بدا من أن يلقوا إليه واحدا منهم يبتلعه 

تفسير الميزان ج۱۷

167
  •  

  • و ينجو الفلك بذلك فساهموا و قارعوا فيما بينهم فأصابت يونس (عليه السلام) فألقوه في البحر فابتلعه الحوت و نجت السفينة. 

  • ثم إن الله سبحانه حفظه حيا سويا في بطنه أياما و ليالي و يونس (عليه السلام) يعلم أنها بلية ابتلاه الله بها مؤاخذة بما فعل و هو ينادي في بطنه: {أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} الأنبياء ٨٧. 

  • فاستجاب الله له فأمر الحوت أن يلفظه فنبذه بالعراء و هو سقيم فأنبت الله سبحانه عليه شجرة من يقطين يستظل بأوراقها ثم لما استقامت حاله أرسله إلى قومه فلبوا دعوته و آمنوا به فمتعهم الله إلى حين. 

  • و الأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على كثرتها و بعض الأخبار من طرق أهل السنة مشتركة المتون في قصة يونس (عليه السلام) على النحو الذي يستفاد من الآيات و إن اختلفت في بعض الخصوصيات الخارجة عن ذلك‌۱ 

  • ٢ - قصته عند أهل الكتاب 

  • هو (عليه السلام) مذكور باسم يوناه بن إمتاي في مواضع من العهد القديم و كذا في مواضع من العهد الجديد أشير في بعضها إلى قصة لبثه في بطن الحوت لكن لم تذكر قصته الكاملة في شي‌ء منهما. 

  • و نقل الآلوسي في روح المعاني، في قصته عند أهل الكتاب و يؤيده ما في بعض كتبهم من إجمال‌٢ القصة: 

  • أن الله أمره بالذهاب إلى دعوة أهل نينوى٣ و كانت إذ ذاك عظيمة جدا لا يقطع إلا في نحو ثلاثة أيام و كانوا قد عظم شرهم و كثر فسادهم، فاستعظم الأمر و هرب إلى ترسيس‌٤ فجاء يافا٥ فوجد سفينة يريد أهلها الذهاب بها إلى ترسيس فاستأجر و أعطى 

    1. و لذلك نوردها لأنها في نفسها آحاد لا حجية لها في مثل المقام و لا يمكن تصحيح خصوصياتها بالآيات و هو ظاهر لمن راجعها.
    2. قاموس الكتاب المقدس.
    3. كانت مدينة عظيمة من مدائن آشور على ساحل دجلة.
    4. اسم مدينة.
    5. مدينة في الأرض المقدسة.

تفسير الميزان ج۱۷

168
  •  

  • الأجرة و ركب السفينة فهاجت ريح عظيمة و كثرت الأمواج و أشرفت السفينة على الغرق. 

  • ففزع الملاحون و رموا في البحر بعض الأمتعة لتخف السفينة و عند ذلك نزل يونس إلى بطن السفينة و نام حتى علا نفسه فتقدم إليه الرئيس فقال له: ما بالك نائما؟ قم و ادع إلهك لعله يخلصنا مما نحن فيه و لا يهلكنا. 

  • و قال بعضهم لبعض: تعالوا نتقارع لنعرف من أصابنا هذا الشر بسببه فتقارعوا فوقعت القرعة على يونس فقالوا له: أخبرنا ما ذا عملت: و من أين جئت؟ و إلى أين تمضي؟ و من أي كورة أنت؟ و من أي شعب أنت؟ فقال لهم: أنا عبد الرب إله السماء خالق البر و البحر و أخبرهم خبره فخافوا خوفا عظيما و قالوا له: لم صنعت ما صنعت؟ يلومونه على ذلك. 

  • ثم قالوا له: ما نصنع الآن بك؟ ليسكن البحر عنا؟ فقال: ألقوني في البحر يسكن فإنه من أجلي صار هذا الموج العظيم فجهد الرجال أن يردوه إلى البر فلم يستطيعوا فأخذوا يونس و ألقوه في البحر لنجاة جميع من في السفينة فسكن البحر و أمر الله حوتا عظيما فابتلعه فبقي في بطنه ثلاثة أيام و ثلاث ليال و صلى في بطنه إلى ربه و استغاث به فأمر سبحانه الحوت فألقاه إلى اليبس ثم قال له: قم و امض إلى نينوى و ناد في أهلها كما أمرتك من قبل. 

  • فمضى (عليه السلام) و نادى و قال: يخسف نينوى بعد ثلاثة أيام فآمنت رجال نينوى بالله و نادوا بالصيام و لبسوا المسوح جميعا و وصل الخبر إلى الملك فقام عن كرسيه و نزع حلته و لبس مسحا و جلس على الرماد و نودي أن لا يذق أحد من الناس و البهائم طعاما و لا شرابا و جاروا إلى الله تعالى و رجعوا عن الشر و الظلم فرحمهم الله و لم ينزل بهم العذاب. 

  • فحزن يونس و قال: إلهي من هذا هربت، فإني علمت أنك الرحيم الرءوف الصبور التواب. يا رب خذ نفسي فالموت خير لي من الحياة فقال: يا يونس حزنت من هذا جدا؟ فقال: نعم يا رب. 

  • و خرج يونس و جلس مقابل المدينة و صنع له هناك مظلة و جلس تحتها إلى أن يرى ما يكون في المدينة؟ فأمر الله يقطينا فصعد على رأسه ليكون ظلا له من كربه ففرح باليقطين فرحا عظيما و أمر الله تعالى دودة فضربت اليقطين فجف ثم هبت ريح 

تفسير الميزان ج۱۷

169
  •  

  • سموم و أشرقت الشمس على رأس يونس فعظم الأمر عليه و استطاب الموت. 

  • فقال الرب: يا يونس أ حزنت جدا على اليقطين؟ فقال: نعم يا رب حزنت جدا فقال تعالى: حزنت عليه و أنت لم تتعب فيه و لم تربه بل صار من ليلته و هلك من ليلته فأنا لا أشفق على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس قوم لا يعلمون يمينهم و لا شمالهم و بهائمهم كثيرة انتهى. و جهات اختلاف القصة مع ما يستفاد من القرآن الكريم ظاهرة كالفرار من الرسالة و عدم رضاه برفع العذاب عنهم مع علمه بإيمانهم و توبتهم. 

  • فإن قلت: نظير ذلك وارد في القرآن الكريم كنسبة الإباق إليه في سورة الصافات و كذا مغاضبته و ظنه أن الله لن يقدر عليه على ما في سورة الأنبياء. 

  • قلت: بين النسبتين فرق فكتبهم المقدسة أعني العهدين لا تأبى عن نسبة المعاصي حتى الكبائر الموبقة إلى الأنبياء (عليهم السلام) فلا موجب لتوجيه ما نسب من المعاصي إليه بما يخرج به عن كونه معصية بخلاف القرآن الكريم فإنه ينزه ساحتهم عن لوث المعاصي حتى الصغائر فما ورد فيه مما يوهم ذلك يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة و لذا حملنا قوله: {إِذْ أَبَقَ} و قوله: {مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ} على حكاية الحال و إيهام فعله. 

  • ٣ - ثناؤه تعالى عليه

  • أثنى الله سبحانه عليه بأنه من المؤمنين «سورة الأنبياء ٨٨» و أنه اجتباه و قد عرفت أن اجتباءه إخلاصه العبد لنفسه خاصة، و أنه جعله من الصالحين «سورة ن: ٥٠» و عده في سورة الأنعام فيمن عده من الأنبياء و ذكر أنه فضلهم على العالمين و أنه هداهم إلى صراط مستقيم «سورة الأنعام: ٨٧». 

  • (بحث روائي) 

  • في الفقيه، و قال الصادق (عليه السلام): ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز و جل إلا خرج سهم الحق، و قال: أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله. أ ليس الله عز و جل يقول: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ}

تفسير الميزان ج۱۷

170
  •  

  • و في البحار، عن البصائر بإسناده عن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات و على أهل الأرض أقر بها من أقر و أنكرها من أنكر أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها.

  • أقول: و في معناه روايات أخر، و المراد الولاية الكلية الإلهية التي هو (عليه السلام) أول من فتح بابها من هذه الأمة و هي قيامه تعالى مقام عبده في تدبير أمره فلا يتوجه العبد إلا إليه و لا يريد إلا ما أراده و ذلك بسلوك طريق العبودية التي تنتهي بالعبد إلى أن يخلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره. 

  • و كان ظاهر ما أتى به يونس (عليه السلام) مما لا يرتضيه الله تعالى فلم يكن قابلا للانتساب إلى إرادته فابتلاه الله بما ابتلاه ليعترف بظلمه على نفسه و أنه تعالى منزه عن إرادة مثله فالبلايا و المحن التي يبتلى بها الأولياء من التربية الإلهية التي يربيهم بها و يكملهم و يرفع درجاتهم بسببها و إن كان بعضها من جهة أخرى مؤاخذة ذات عتاب، و قد قيل البلاء للولاء. 

  • و يؤيد ذلك‌ ما عن العلل، بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأي علة صرف الله العذاب عن قوم يونس و قد أظلهم و لم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم؟ فقال: لأنه كان في علم الله أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم و إنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه و كرامته. 

  •  

  • [سورة الصافات (٣٧): الآیات ١٤٩ الی ١٨٢]

  • {فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنَاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ ١٤٩ أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَ هُمْ شَاهِدُونَ ١٥٠أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ اَللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ١٥٢ أَصْطَفَى اَلْبَنَاتِ عَلَى اَلْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ١٥٤ أَ فَلاَ تَذَكَّرُونَ ١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ١٥٦ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٥٧ 

تفسير الميزان ج۱۷

171
  •  

  • وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ اَلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٥٨ سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ ١٦٠فَإِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ ١٦١ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ١٦٢ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ اَلْجَحِيمِ ١٦٣ وَ مَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ١٦٤ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ ١٦٥ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ ١٦٦ وَ إِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ١٦٧ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً مِنَ اَلْأَوَّلِينَ ١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ ١٦٩ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٧٠وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ ١٧٢ وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ اَلْغَالِبُونَ ١٧٣ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ١٧٤ وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٥ أَ فَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ اَلْمُنْذَرِينَ ١٧٧ وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ١٧٨ وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٩ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ اَلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠وَ سَلاَمٌ عَلَى اَلْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ ١٨٢} 

تفسير الميزان ج۱۷

172
  •  

  • (بيان) 

  • قدم سبحانه ما بين به أنه رب معبود، عبده عباد مخلصون كالأنبياء المكرمين و كفر به آخرون فنجى عباده و أخذ الكافرين بأليم العذاب. ثم تعرض في هذه الآيات لما يعتقدونه في آلهتهم و هم الملائكة و الجن و أن الملائكة بنات الله و بينه و بين الجنة نسبا. 

  • و الوثنية البرهمية و البوذية و الصابئة ما كانوا يقولون بأنوثة جميع الملائكة و إن قالوا بها في بعضهم لكن المنقول عن بعض قبائل العرب الوثنيين كجهينة و سليم و خزاعة و بني مليح القول بأنوثة الملائكة جميعا، و أما الجن فالقول بانتهاء نسبهم إليه في الجملة منقول عن الجميع. 

  • و بالجملة يشير تعالى في الآيات إلى فساد قولهم ثم يبشر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالنصر و يهددهم بالعذاب، و يختم السورة بتنزيهه تعالى و التسليم على المرسلين و الحمد لله رب العالمين. 

  • قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنَاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ} حلل سبحانه قولهم: إن الملائكة بنات الله إلى ما يستلزمه من اللوازم و هي أن الملائكة أولاده، و أنهم بنات، و أنه تعالى خص نفسه بالبنات و هم مخصوصون بالبنين ثم رد هذه اللوازم واحدا بعد واحد فرد قولهم: إن له البنات و لهم البنين بقوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنَاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ} و هو استفهام إنكاري لقولهم بما يلزمه من تفضيلهم على الله لما أنهم يفضلون البنين على البنات و يتنزهون منهن و يئدونهن. 

  • قوله تعالى: {أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَ هُمْ شَاهِدُونَ} أم منقطعة أي بل أ خلقنا الملائكة إناثا و هم شاهدون يشهدون خلقهم و لم يكونوا شاهدين خلقهم و لا لهم أن يدعوا ذلك، و الذكورة و الأنوثة مما لا يثبت إلا بنوع من الحس، و هذا رد لقولهم بأنوثة الملائكة. 

  • قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اَللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} رد لقولهم بالولادة بأنه من الإفك أي صرف القول عن وجهه إلى غير وجهه أي من الحق إلى الباطل فيوجهون خلقهم بما يعدونه ولادة و يعبرون عنه بها فهم آفكون كاذبون. 

  • قوله تعالى: {أَصْطَفَى اَلْبَنَاتِ عَلَى اَلْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَ فَلاَ تَذَكَّرُونَ} 

تفسير الميزان ج۱۷

173
  •  

  • كرر الإنكار على اصطفاء البنات من بين لوازم قولهم لشدة شناعته. 

  • ثم وبخهم بقوله: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} لكون قولهم حكما من غير دليل ثم عقبه بقوله: {أَ فَلاَ تَذَكَّرُونَ} توبيخا و إشارة إلى أن قولهم ذلك - فضلا عن كونه مما لا دليل عليه - الدليل على خلافه و لو تذكروا لانكشف لهم فقد تنزهت ساحته تعالى عن أن يتجزأ فيلد أو يحتاج فيتخذ ولدا، و قد احتج عليهم بذلك في مواضع من كلامه. 

  • و الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على اشتداد السخط الموجب لتوبيخهم شفاها. 

  • قوله تعالى: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أم منقطعة و المراد بالسلطان و هو البرهان كتاب نازل من عند الله سبحانه يخبر فيه أن الملائكة بناته على ما يعطيه السياق إذ لما لم يثبت بعقل أو حس بقي أن يثبت بكتاب من عند الله نازل بالوحي فلو كانت دعواهم حقة و هم صادقون فيها كان لهم أن يأتوا بالكتاب. 

  • و إضافة الكتاب إليهم بعناية فرضه دالا على دعواهم. 

  • قوله تعالى: {وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ اَلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} جعل النسب بينه و بين الجنة قولهم: إن الجنة أولاده و قد تقدم تفصيل قولهم في تفسير سورة هود في الكلام على عبادة الأصنام. 

  • و قوله: {وَ لَقَدْ عَلِمَتِ اَلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي للحساب أو للنار على ما يفيده إطلاق {لَمُحْضَرُونَ} و كيف كان فهم يعلمون أنهم مربوبون لله سيحاسبهم و يجازيهم بما عملوا فبينهم و بين الله سبحانه نسبة الربوبية و العبودية لا نسب الولادة و من كان كذلك لا يستحق العبادة. 

  • و من الغريب قول بعضهم: إن المراد بالجنة طائفة من الملائكة يسمون بها و لازمه إرجاع ضمير {إِنَّهُمْ} إلى الكفار دون الجنة. و هو مما لا شاهد له من كلامه تعالى مضافا إلى بعده من السياق. 

  • قوله تعالى: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} ضمير {يَصِفُونَ} - نظرا إلى اتصال الآية بما قبلها - راجع إلى الكفار المذكورين قبل، و الاستثناء منه 

تفسير الميزان ج۱۷

174
  •  

  • منقطع و المعنى هو منزه عن وصفهم أو عما يصفه الكفار به من الأوصاف كالولادة و النسب و الشركة و نحوها لكن عباد الله المخلصين يصفونه تعالى وصفا يليق به - أو بما يليق به من الأوصاف -.

  • و قيل: إنه استثناء منقطع من ضمير {لَمُحْضَرُونَ}، و قيل: من فاعل {جَعَلُوا} و ما بينهما من الجمل المتخللة اعتراض، و هما وجهان بعيدان. 

  • و للآيتين باستقلالهما معنى أوسع من ذلك و أدق و هو رجوع ضمير {يَصِفُونَ} إلى الناس، و الوصف مطلق يشمل كل ما يصفه به واصف، و الاستثناء متصل و المعنى هو منزه عن كل ما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلصين. 

  • و ذلك أنهم إنما يصفونه بمفاهيم محدودة عندهم و هو سبحانه غير محدود لا يحيط به حد و لا يدركه نعت فكل ما وصف به فهو أجل منه و كل ما توهم أنه هو فهو غيره لكن له سبحانه عباد أخلصهم لنفسه و خصهم بنفسه لا يشاركه فيهم أحد غيره فعرفهم نفسه و أنساهم غيره يعرفونه و يعرفون غيره به فإذا وصفوه في نفوسهم وصفوه بما يليق بساحة كبريائه و إذا وصفوه بألسنتهم و الألفاظ قاصرة و المعاني محدودة اعترفوا بقصور البيان و أقروا بكلال اللسان‌ 

  • كما قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو سيد المخلصين: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك‌۱ فافهم ذلك. 

  • قوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ اَلْجَحِيمِ} تفريع على حكم المستثنى و المستثنى منه أو المستثنى خاصة، و المعنى لما كان ما وصفتموه ضلالا - و عباد الله المخلصون لا يضلون في وصفهم - فلستم بمضلين به إلا سالكي سبيل النار. 

  • و الظاهر من السياق أن {مَا} في {مَا تَعْبُدُونَ} موصولة و المراد بها الأصنام فحسب أو الأصنام و آلهة الضلال كشياطين الجن، و ما في {مَا أَنْتُمْ} نافية، و ضمير {عَلَيْهِ} لله سبحانه و الظرف متعلق بفاتنين، و فاتنين اسم فاعل من الفتنة بمعنى الإضلال و {صَالِ} من الصلو بمعنى الاتباع فصالي الجحيم هو المتبع للجحيم السالك سبيل النار، و الاستثناء مفرغ تقديره ما أنتم بفاتنين أحدا إلا من هو صال الجحيم. 

    1. فقد أثنى على الله و تمم نقصه بأنه يريد ما يريده الله من الثناء على نفسه.

تفسير الميزان ج۱۷

175
  •  

  • و المعنى فإنكم و آلهة الضلال التي تعبدونها لستم جميعا بمضلين أحدا على الله إلا من هو متبع الجحيم. 

  • و قيل: إن {مَا} الأولى مصدرية أو موصولة و جملة {فَإِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ} كلام» تام مستقل من قبيل قولهم: أنت و شأنك و المعنى فإنكم و ما تعبدون متقارنان ثم استونف و قيل: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} و {بِفَاتِنِينَ} مضمن معنى الحمل و ضمير {عَلَيْهِ} راجع إلى {مَا تَعْبُدُونَ} إن كانت ما مصدرية و إلى {مَا} بتقدير مضاف إن كانت موصولة و المعنى ما أنتم بحاملين على عبادتكم أو على عبادة ما تعبدونه إلا من هو صال الجيم. 

  • قيل: و يمكن أن يكون «على» بمعنى الباء و الضمير لما تعبدون أو لما أن كانت موصولة و {بِفَاتِنِينَ} على ظاهر معناه من غير تضمين، و المعنى ما أنتم بمضلين أحدا بعبادتكم أو بعبادة ما تعبدونه إلا «إلخ». 

  • و هذه كلها تكلفات من غير موجب و الكلام فيما في الآية من الالتفات كالكلام فيما سبق منه. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ} الآيات الثلاث - على ما يعطيه السياق - اعتراض من كلام جبرئيل أو هو و أعوانه من ملائكة الوحي نظير قوله تعالى في سورة مريم‌{وَ مَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَ مَا خَلْفَنَا وَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ} الخ: مريم: ٦٤. 

  • و قيل: هي من كلام الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) يصف نفسه و المؤمنين به للكافرين تبكيتا لهم و تقريعا و هو متصل بقوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ} و التقدير فاستفتهم و قل: ما منا معشر المسلمين إلا له مقام معلوم على قدر أعماله يوم القيامة و إنا لنحن الصافون في الصلاة و إنا لنحن المسبحون. و هو تكلف لا يلائمه السياق. 

  • و الآيات الثلاث مسوقة لرد قولهم بألوهية الملائكة بإيراد نفس اعترافهم بما ينتفي به قول الكفار و هم لا ينفون العبودية عن الملائكة بل يرون أنهم مربوبون لله سبحانه أرباب و آلهة لمن دونهم يستقلون بالتصرف فيما فوض إليهم من أمر العالم من غير أن يرتبط شي‌ء من هذا التدبير إلى الله سبحانه و هذا هو الذي ينفيه الملائكة عن أنفسهم لا كونهم أسبابا متوسطة بينه تعالى و بين خلقه كما قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 

تفسير الميزان ج۱۷

176
  •  

  • لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الأنبياء: ٢٧. 

  • فقوله: {وَ مَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} أي معين مشخص أقيم فيه ليس له أن يتعداه بأن يفوض إليه أمر فيستقل فيه بل مجبول على طاعة الله فيما يأمر به و عبادته. 

  • و قوله: {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ} أي نصف عند الله في انتظار أوامره في تدبير العالم لنجريها على ما يريد. كما قال تعالى: {لاَ يَعْصُونَ اَللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} هذا ما يفيده السياق، و ربما قيل: إن المراد إنا نصف للصلاة عند الله و هو بعيد من الفهم لا شاهد عليه. 

  • و قوله: {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ} أي المنزهون له تعالى عما لا يليق بساحة كبريائه كما قال تعالى: ‌{يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} الأنبياء: ٢٠. 

  • فالآيات الثلاث تصف موقف الملائكة في الخلقة و عملهم المناسب لخلقتهم و هو الاصطفاف لتلقي أمره تعالى و التنزيه لساحة كبريائه عن الشريك و كل ما لا يليق بكمال ذاته المتعالية. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً مِنَ اَلْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} رجوع إلى السياق السابق. 

  • و الضمير في قوله: {وَ إِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ} لقريش و من يتلوهم، و {إِنْ} مخففة من الثقيلة، و المراد بذكر من الأولين كتاب سماوي من جنس الكتب النازلة على الأولين. 

  • و المعنى لو أن عندنا كتابا سماويا من جنس الكتب النازلة قبلنا على الأولين لاهتدينا و كنا عباد الله المخلصين يريدون أنهم معذورون لو كفروا لعدم قيام الحجة عليهم من قبل الله سبحانه. 

  • و هذا في الحقيقة هفوة منهم فإن مذهب الوثنية يحيل النبوة و الرسالة و نزول الكتاب السماوي. 

  • قوله تعالى: {فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} الفاء فصيحة، و المعنى فأنزلنا عليهم الذكر و هو القرآن الكريم فكفروا به و لم يفوا بما قالوا فسوف يعلمون وبال كفرهم 

تفسير الميزان ج۱۷

177
  •  

  • و هذا تهديد منه تعالى لهم. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ} كلمته تعالى لهم قوله الذي قاله فيهم و هو حكمه و قضاؤه في حقهم و سبق الكلمة تقدمها عهدا أو تقدمها بالنفوذ و الغلبة و اللام تفيد معنى النفع أي إنا قضينا قضاء محتوما فيهم إنهم لهم المنصورون و قد أكد الكلام بوجوه من التأكيد.

  • و قد أطلق النصر من غير تقييده بدنيا أو آخرة أو بنحو آخر بل القرينة على خلافه قال تعالى: ‌{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهَادُ }المؤمن: ٥١. 

  • فالرسل (عليهم السلام) منصورون في الحجة لأنهم على الحق و الحق غير مغلوب. 

  • و هم منصورون على أعدائهم إما بإظهارهم عليهم و إما بالانتقام منهم قال تعالى: ‌{ وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‌ } إلى أن قال {حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَ لاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ} يوسف: ١١٠. 

  • و هم منصورون في الآخرة كما قال تعالى: ‌{يَوْمَ لاَ يُخْزِي اَللَّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم: ٨، و قد تقدم آنفا آية في سورة المؤمن في هذا المعنى. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ اَلْغَالِبُونَ} الجند هو المجتمع الغليظ و لذا يقال للعسكر جند فهو قريب المعنى من الحزب‌۱ و قد قال تعالى في موضع آخر من كلامه:‌ { وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْغَالِبُونَ} المائدة: ٥٦. 

  • و المراد بقوله: {جُنْدَنَا} هو المجتمع المؤتمر بأمره المجاهد في سبيله و هم المؤمنون خاصة أو الأنبياء و من تبعهم من المؤمنين و في الكلام على التقدير الثاني تعميم بعد التخصيص، و كيف كان فالمؤمنون منصورون كمتبوعيهم من الأنبياء قال تعالى: {وَ لاَ

    1. قال تعالى: «إذ جاءتكم جنود» الأحزاب: ٩ و قال فيهم بعينهم: «و لما رأى المؤمنون الأحزاب» الأحزاب: ٢٢.

تفسير الميزان ج۱۷

178
  •  

  • تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران: ١٣٩ و قد مر بعض الآيات الدالة عليه آنفا. 

  • و الحكم أعني النصر و الغلبة حكم اجتماعي منوط على العنوان لا غير أي إن الرسل و هم عباد أرسلهم الله و المؤمنون و هم جند لله يعملون بأمره و يجاهدون في سبيله ما داموا على هذا النعت منصورون غالبون، و أما إذا لم يبق من الإيمان إلا اسمه و من الانتساب إلا حديثه فلا ينبغي أن يرجى نصر و لا غلبة. 

  • قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} تفريع على حديث النصر و الغلبة ففيه وعد للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالنصر و الغلبة و إيعاد للمشركين و لقريش خاصة. 

  • و الأمر بالإعراض عنهم ثم جعله مغيا بقوله: {حَتَّى حِينٍ} يلوح إلى أن الأمد غير بعيد و كان كذلك فهاجر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بعد قليل و أباد الله صناديد قريش في غزوة بدر و غيرها. 

  • قوله تعالى: {وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} الأمر بالإبصار و الإخبار بإبصارهم عاجلا و عطف الكلام على الأمر بالتولي معجلا يفيد بحسب القياس أن المعنى أنظرهم و أبصر ما هم عليه من الجحود و العناد قبال إنذارك و تخويفك فسوف يبصرون وبال جحودهم و استكبارهم. 

  • قوله تعالى: {أَ فَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ اَلْمُنْذَرِينَ} توبيخ لهم لاستعجالهم و قولهم: متى هذا الوعد؟ متى هذا الفتح؟ و إيذان بأن هذا العذاب مما لا ينبغي أن يستعجل لأنه يعقب يوما بئيسا و صباحا مشئوما. 

  • و نزول العذاب بساحتهم كناية عن نزوله بهم على نحو الشمول و الإحاطة، و قوله: {فَسَاءَ صَبَاحُ اَلْمُنْذَرِينَ} أي بئس صباحهم صباحا، و المنذرون هم المشركون من قريش. 

  • قوله تعالى: {وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} تأكيد لما مر بتكرار الآيتين على ما قيل، و احتمل بعضهم أن يكون المراد بما تقدم التهديد بعذاب الدنيا و بهذا، التهديد بعذاب الآخرة. و لا يخلو من وجه فإن الواقع في الآية {وَ أَبْصِرْ} 

تفسير الميزان ج۱۷

179
  •  

  • من غير مفعول كما في الآية السابقة من قوله: {وَ أَبْصِرْهُمْ} و الحذف يشعر بالعموم و أن المراد إبصار ما عليه عامة الناس من الكفر و الفسوق و يناسبه التهديد بعذاب يوم القيامة. 

  • قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ اَلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزيه له تعالى عما يصفه به الكفار المخالفون لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مما تقدم ذكره في السورة. 

  • و الدليل عليه إضافة التنزيه إلى قوله: {رَبِّكَ} أي الرب الذي تعبده و تدعو إليه، و إضافة الرب ثانيا إلى العزة المفيد لاختصاصه تعالى بالعزة فهو منيع الجانب على الإطلاق فلا يذله مذل و لا يغلبه غالب و لا يفوته هارب فالمشركون أعداء الحق المهددون بالعذاب ليسوا له بمعجزين. 

  • قوله تعالى: {وَ سَلاَمٌ عَلَى اَلْمُرْسَلِينَ} تسليم على عامة المرسلين و صون لهم من أن يصيبهم من قبله تعالى ما يسوؤهم و يكرهونه. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ} تقدم الكلام فيه في تفسير سورة الفاتحة. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج محمد بن نضر و ابن عساكر عن العلاء بن سعيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال يوما لجلسائه: أطت السماء و حق لها أن تئط، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد. ثم قرأ {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ}.

  •  أقول: و روي هذا المعنى عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ بغير هذا الطريق. 

  • و فيه، أخرج ابن مردويه عن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان إذا قام إلى الصلاة قال: استووا تقدم يا فلان تأخر يا فلان أقيموا صفوفكم يريد الله بكم هدى الملائكة ثم يتلو: {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ}

  • و في نهج البلاغة:‌ قال (عليه السلام) في وصف الملائكة: و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون. 

تفسير الميزان ج۱۷

180
  •  

  • (٣٨) سورة ص مكية و هي ثمان و ثمانون آية (٨٨) 

  • [سورة ص (٣٨): الآیات ١ الی ١٦]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ ١ بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ ٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ٣ وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قَالَ اَلْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ٤ أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْ‌ءٌ عُجَابٌ ٥ وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‌ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْ‌ءٌ يُرَادُ ٦ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي اَلْمِلَّةِ اَلْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اِخْتِلاَقٌ ٧ أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ٨ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ اَلْوَهَّابِ ٩ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي اَلْأَسْبَابِ ١٠جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزَابِ ١١ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عَادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو اَلْأَوْتَادِ ١٢ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحَابُ اَلْأَيْكَةِ أُولَئِكَ اَلْأَحْزَابُ ١٣ إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ اَلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤ وَ مَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ١٥ وَ قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ اَلْحِسَابِ ١٦} 

تفسير الميزان ج۱۷

181
  •  

  • (بيان) 

  • يدور الكلام في السورة حول كون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) منذرا بالذكر النازل عليه من عند الله سبحانه الداعي إلى التوحيد و إخلاص العبودية له تعالى. 

  • فتبدأ بذكر اعتزاز الكفار و شقاقهم و بالجملة استكبارهم عن اتباعه و الإيمان به و صد الناس عنه و تفوههم بباطل القول في ذلك و رده في فصل. 

  • ثم تأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالصبر و ذكر قصص عباده الأولين في فصل ثم يذكر مآل حال المتقين و الطاغين في فصل. ثم تأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بإبلاغ نذارته و دعوته إلى توحيد الله و أن مآل أتباع الشيطان إلى النار على ما قضى به الله يوم أمر الملائكة بالسجدة لآدم فأبى إبليس فرجمه و قضى عليه و على من تبعه النار في فصل. 

  • و السورة مكية بشهادة سياق آياتها. 

  • قوله تعالى: {ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ} المراد بالذكر ذكر الله تعالى بتوحيده و ما يتفرع عليه من المعارف الحقة من المعاد و النبوة و غيرهما، و العزة الامتناع، و الشقاق‌ المخالفة، قال في مجمع البيان:‌ و أصله أن يصير كل من الفريقين في شق أي في جانب و منه يقال: شق فلان العصا إذا خالف انتهى. 

  • و المستفاد من سياق الآيات أن قوله: {وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ} قسم نظير ما في قوله: {يس وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ} {ق وَ اَلْقُرْآنِ اَلْمَجِيدِ} {ن وَ اَلْقَلَمِ} لا عطف على ما تقدمه، و أما المقسم عليه فالذي يدل عليه الإضراب في قوله: {بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ} أنه أمر يمتنع عن قبوله القوم و يكفرون به عزة و شقاقا و قد هلك فيه قرون كثيرة ثم ذكر إنذار النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و ما قاله الكفار عليه و ما أمرهم به ملؤهم حول إنذاره (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ أنه أعني المقسم عليه نحو من قولنا: إنك لمن المنذرين، و يشهد على ذلك أيضا التعرض في السورة بإنذاره (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ بالذكر مرة بعد أخرى. 

  • و قد قيل في قوله: {ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ} من حيث الإعراب و المعنى وجوه كثيرة لا محصل لأكثرها تركنا إيرادها لعدم الجدوى. 

تفسير الميزان ج۱۷

182
  •  

  • و المعنى - و الله أعلم - أقسم بالقرآن المتضمن للذكر إنك لمن المنذرين بل الذين كفروا في امتناع عن قبوله و اتباعه و مخالفة له. 

  • قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} القرن‌ أهل عصر واحد، و المناص‌ بالنون مصدر ناص ينوص أي تأخر كما أنه بالباء الموحدة بمعنى التقدم على ما في المجمع، و قيل: هو بمعنى الفرار. 

  • و المعنى: كثيرا ما أهلكنا من قبل هؤلاء الكفار من قرن و أمة بتكذيبهم الرسل المنذرين فنادوا عند نزول العذاب بالويل كقولهم: يا ويلنا إنا كنا ظالمين أو بالاستغاثة بالله سبحانه و ليس الحين حين تأخر الأخذ و العذاب أو ليس الحين حين فرار. 

  • قوله تعالى: {وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قَالَ اَلْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} أي تعجبوا من مجي‌ء منذر من نوعهم بأن كان بشرا فإن الوثنية تنكر رسالة البشر. 

  • و قوله: {وَ قَالَ اَلْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} يشيرون بهذا إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يرمونه بالسحر لكونهم عاجزين عن الإتيان بمثل ما أتى به و هو القرآن، و بالكذب لزعمهم أنه يفتري على الله بنسبة القرآن و ما فيه من المعارف الحقة إليه تعالى. 

  • قوله تعالى: {أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْ‌ءٌ عُجَابٌ} العجاب‌ بتخفيف الجيم اسم مبالغة من العجب و هو بتشديد الجيم أبلغ. 

  • و هو من تتمة قول الكافرين و الاستفهام للتعجيب و الجعل بمعنى التصيير و هو كما قيل تصيير بحسب القول و الاعتقاد و الدعوى لا بحسب الواقع كما في قوله تعالى‌{ وَ جَعَلُوا اَلْمَلاَئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ اَلرَّحْمَنِ إِنَاثاً} الزخرف: ١٩ فمعنى جعله (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ الآلهة إلها واحدا هو إبطاله ألوهية الآلهة من دون الله و حكمه بأن الإله هو الله لا إله إلا هو. 

  • قوله تعالى: {وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‌ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْ‌ءٌ يُرَادُ} نسبة الانطلاق إلى ملإهم و أشرافهم و قولهم ما قالوا يلوح إلى أن أشراف قريش اجتمعوا على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليحلوا مشكلة دعوته إلى التوحيد و رفض الآلهة بنوع من الاستمالة و كلموه في ذلك فما وافقهم في شي‌ء منه ثم انطلقوا و قال بعضهم لبعض أو قالوا 

تفسير الميزان ج۱۷

183
  •  

  • لأتباعهم أن امشوا و اصبروا «إلخ» و هذا يؤيد ما ورد في أسباب النزول مما سيجي‌ء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. 

  • و قوله: {أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‌ آلِهَتِكُمْ} بتقدير القول أي قائلين أن امشوا و اصبروا على آلهتكم و لا تتركوا عبادتها و إن عابها و قدح فيها، و ظاهر السياق أن القول قول بعضهم لبعض، و يمكن أن يكون قولهم لتبعتهم. 

  • و قوله: {إِنَّ هَذَا لَشَيْ‌ءٌ يُرَادُ} ظاهره أنه إشارة إلى ما يدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و يطلبه و أن مطلوبه شي‌ء يراد بالطبع و هو السيادة و الرئاسة و إنما جعل الدعوة ذريعة إليه فهو نظير قول الملإ من قوم نوح لعامتهم: ‌{مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} المؤمنون: ٢٤. 

  • و قيل: المعنى إن هذا الذي شاهدناه من إسراره (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ على ما يطلبه و تصلبه في دينه لشي‌ء عظيم يراد من قبله. 

  • و قيل: المعنى إن هذا الأمر لشي‌ء من نوائب الدهر يراد بنا فلا حيلة إلا أن تمشوا و تصبروا. 

  • و قيل: المعنى إن الصبر خلق محمود يراد منا في مثل هذه الموارد، و قيل غير ذلك و هي وجوه ضعيفة لا يلائمها السياق. 

  • قوله تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي اَلْمِلَّةِ اَلْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اِخْتِلاَقٌ} أرادوا بالملة الآخرة المذهب الذي تداوله الآخرون من الأمم المعاصرين لهم أو المقارنين لعصرهم قبال الملل الأولى التي تداولها الأولون كأنهم يقولون: ليس هذا من الملة الآخرة التي يرتضيها أهل الدنيا اليوم بل من أساطير الأولين. 

  • و قيل: المراد بالملة الآخرة النصرانية لأنها آخر الملل و هم لا يقولون بالتوحيد بل بالتثليث. و ضعفه ظاهر إذ لم يكن للنصرانية وقع عندهم كالإسلام. 

  • و قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ اِخْتِلاَقٌ} أي كذب و افتعال. 

  • قوله تعالى: {أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} استفهام إنكاري بداعي التكذيب أي لا مرجح عند محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) يترجح به علينا فينزل عليه الذكر دوننا فهو في إنكار 

تفسير الميزان ج۱۷

184
  •  

  • الاختصاص بنزول الذكر نظير قولهم: ما أنت إلا بشر مثلنا في نفي الاختصاص بالرسالة. 

  • قوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} إضراب عن جميع ما قالوه أي إنهم لم يقولوا عن إيمان و اعتقاد به بل هم في شك من ذكري و هو القرآن. 

  • و ليس شكهم فيه من جهة خفاء دلالة آية النبوة و قصورها عن إفادة اليقين بل تعلق قلوبهم بما عندهم من الباطل و لزومهم التقليد يصرفهم عن النظر في دلالة الآية الإلهية المعجزة فشكوا في الذكر و الحال أنه آية معجزة. 

  • و قوله: {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} إضراب عن الإضراب أي ليس إنكارهم و عدم إيمانهم به عن شك منهم فيه بل لأنهم لعتوهم و استكبارهم لا يعترفون بحقيته و لو لم يكن شك، حتى يذوقوا عذابي فيضطروا إلى الاعتراف كما فعل غيرهم. 

  • و في قوله: {لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} أي لم يذوقوا بعد عذابي، تهديد بعذاب واقع. 

  • قوله تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ اَلْوَهَّابِ} الكلام في موقع الإضراب و {أَمْ} منقطعة و الكلام ناظر إلى قولهم: {أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} أي بل أ عندهم خزائن رحمة ربك التي ينفق منها على من يشاء حتى يمنعوك منها بل هي له تعالى و هو أعلم حيث يجعل رسالته و يخص برحمته من يشاء. 

  • و تذييل الكلام بقوله: {اَلْعَزِيزِ اَلْوَهَّابِ} لتأييد محصل الجملة أي ليس عندهم شي‌ء من خزائن رحمته لأنه عزيز منيع جانبه لا يداخل في أمره أحد، و لا لهم أن يصرفوا رحمته عن أحد لأنه وهاب كثير الهبات. 

  • قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي اَلْأَسْبَابِ} {أَمْ} منقطعة، و الأمر في قوله: {فَلْيَرْتَقُوا} للتعجيز و الارتقاء الصعود، و الأسباب‌ المعارج و المناهج‌ التي يتوسل بها إلى الصعود إلى السماوات و يمكن أن يراد بارتقاء الأسباب التسبيب بالعلل و الحيل الذي يحصل به لهم المنع و الصرف. 

  • و المعنى: بل لهم ملك السماوات و الأرض فيكون لهم أن يتصرفوا فيها فيمنعوا 

تفسير الميزان ج۱۷

185
  •  

  • نزول الوحي السماوي إلى بشر أرضي فإن كان كذلك فليصعدوا معارج السماوات أو فليتسببوا الأسباب و ليمنعوا من نزول الوحي عليك. 

  • قوله تعالى: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزَابِ} الهزيمة الخذلان و {مِنَ اَلْأَحْزَابِ} بيان لقوله: {جُنْدٌ مَا} و {مَا} للتقليل و التحقير، و الكلام مسوق لتحقير أمرهم رغما لما يشعر به ظاهر كلامهم من التعزز و الإعجاب بأنفسهم. 

  • يدل على ذلك تنكير {جُنْدٌ} و تتميمه بلفظة {مَا} و الإشارة إلى مكانتهم بهنالك الدال على البعيد و عدهم من الأحزاب المتحزبين على الرسل الذين قطع الله دابر الماضين منهم كما سيذكر و لذلك عد هذا الجند مهزوما قبل انهزامهم. 

  • و المعنى: هم جند ما أقلاء أذلاء منهزمون هنالك من أولئك الأحزاب المتحزبين على الرسل الذين كذبوهم فحق عليهم عقابي. 

  • قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عَادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو اَلْأَوْتَادِ} - إلى قوله - {فَحَقَّ عِقَابِ} ذو الأوتاد وصف فرعون و الأوتاد جمع وتد و هو معروف. قيل: سمي بذي الأوتاد لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها، و قيل: لأنه كان يعذب من غضب عليه من المجرمين بالأوتاد يوتد يديه و رجليه و رأسه على الأرض فيعذبه و قيل: معناه ذو الجنود أوتاد الملك، و قيل: غير ذلك من الوجوه، و لا دليل على شي‌ء منها يعول عليه. 

  • و أصحاب الأيكة قوم شعيب و قد تقدم في سورة الحجر و الشعراء، و قوله: {فَحَقَّ عِقَابِ} أي ثبت في حقهم و استقر فيهم عقابي فأهلكتهم. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} النظر الانتظار و الفواق‌ الرجوع و المهلة اليسيرة، و المعنى و ما ينتظر هؤلاء المكذبون من أمتك إلا صيحة واحدة تقضي عليهم و تهلكهم ما لها من رجوع أو مهلة و هي عذاب الاستئصال. 

  • قالوا: و المراد من الصيحة صيحة يوم القيامة لأن أمة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) مؤخر عنهم العذاب إلى قيام الساعة، و قد عرفت في تفسير سورة يونس أن ظاهر آيات الكتاب يعطي خلاف ذلك فراجع. 

تفسير الميزان ج۱۷

186
  •  

  •  قوله تعالى: {وَ قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ اَلْحِسَابِ} القط النصيب و الحظ، و هذه الكلمة استعجال منهم للعذاب قبل يوم القيامة استهزاء بحديث يوم الحساب و الوعيد بالعذاب فيه. 

  • (بحث روائي) 

  • في الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أقبل أبو جهل بن هشام و معه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا و آذى آلهتنا فادعه و مره فليكف عن آلهتنا و نكف عن إلهه. 

  • قال: فبعث أبو طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فدعاه فلما دخل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لم ير في البيت إلا مشركا فقال: السلام على من اتبع الهدى ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاءوا به فقال: أ و هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب و يطئون أعناقهم؟ فقال أبو جهل: نعم و ما هذه الكلمة؟ قال: تقولون: لا إله إلا الله. 

  • قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم و خرجوا و هم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق فأنزل الله في قولهم: {ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ} - إلى قوله - {إِلاَّ اِخْتِلاَقٌ}.

  • و في تفسير القمي‌ في قوله تعالى: {وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} قال: لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الدعوة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا و سب آلهتنا و أفسد شبابنا و فرق جماعتنا فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش و نملكه علينا. 

  • فأخبر أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك فقال: و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري ما أردته و لكن يعطونني كلمة يملكون بها العرب و يدين لهم بها العجم و يكونون ملوكا في الجنة فقال لهم أبو طالب ذلك فقالوا: نعم و عشر كلمات فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) تشهدون أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فقالوا: ندع ثلاثمائة و ستين إلها و نعبد إلها واحدا؟. 

تفسير الميزان ج۱۷

187
  •  

  • فأنزل الله سبحانه: {وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قَالَ اَلْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} - إلى قوله - {إِلاَّ اِخْتِلاَقٌ} أي تخليط {أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي} - إلى قوله - {مِنَ اَلْأَحْزَابِ} يعني الذين تحزبوا عليه يوم الأحزاب. 

  • أقول: و القصة مروية من طريق أهل السنة أيضا و في بعض رواياتهم أنه (صلى الله عليه وآله و سلم)‌ لما عرض عليهم كلمة التوحيد قالوا له: سلنا غير هذه قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فغضبوا و قالوا و الكلمة كناية عن تمليكهم إياه زمام نظام العالم الأرضي فإن الشمس و القمر من أعظم المؤثرات فيه، و قد أخذ على ما يظهر أن للحسن من القدر ليصح ما أريد من التمثيل. 

  • و في العلل، بإسناده إلى إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) كيف صارت الصلاة ركعة و سجدتين؟ و كيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟ فقال: إذا سألت عن شي‌ء ففرغ قلبك لتفهم. إن أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك و تعالى قدام عرشه. 

  • و ذلك أنه لما أسري به و صار عند عرشه قال يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك و طهرها و صل لربك فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى حيث أمره الله تبارك و تعالى فتوضأ و أسبغ وضوءه. 

  • قلت: جعلت فداك و ما صاد الذي أمر أن يغتسل منه؟ فقال: عين تنفجر من ركن من أركان العرش يقال لها ماء الحيوان و هو ما قال الله عز و جل: {ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ} (الحديث). 

  • أقول: و روي هذا المعنى أعني أن (ص) نهر يخرج من ساق العرش في المعاني، عن سفيان الثوري عن الصادق (عليه السلام) ‌ و روي ذلك في مجمع البيان، عن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى قال: و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام).

  • و في المعاني، بإسناده إلى الأصبغ عن علي (عليه السلام) في قول الله عز و جل: {وَ قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ اَلْحِسَابِ} قال: نصيبهم من العذاب. 

تفسير الميزان ج۱۷

188
  •  

  • [سورة ص (٣٨): الآیات ١٧ الی ٢٩]

  • {اِصْبِرْ عَلىَ مَا يَقُولُونَ وَ اُذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ١٧ إِنَّا سَخَّرْنَا اَلْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرَاقِ ١٨ وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ١٩ وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَ آتَيْنَاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطَابِ ٢٠وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرَابَ ٢١ إِذْ دَخَلُوا عَلى‌ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغى‌ بَعْضُنَا عَلى‌ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لاَ تُشْطِطْ وَ اِهْدِنَا إِلى‌ سَوَاءِ اَلصِّرَاطِ ٢٢ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطَابِ ٢٣ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى‌ نِعَاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رَاكِعاً وَ أَنَابَ ٢٤ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى‌ وَ حُسْنَ مَآبٍ ٢٥ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‌ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسَابِ ٢٦ 

تفسير الميزان ج۱۷

189
  •  

  • وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ ٢٧ أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ٢٨ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ ٢٩} 

  • (بيان) 

  • لما حكى سبحانه عن المشركين رميهم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و دعوته الحقة باختلاق و أنها ذريعة إلى التقدم و الرئاسة و أنه لا مرجح له عليهم حتى يختص بالرسالة و الإنذار. ثم استهزائهم بيوم الحساب و عذابه الذي ينذرون به، أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالصبر و أن لا يزلزله هفواتهم و لا يوهن عزمه و أن يذكر عدة من عباده الأوابين له الراجعين إليه فيما دهمهم من الحوادث. 

  • و هؤلاء تسعة من الأنبياء الكرام ذكرهم الله سبحانه: داود و سليمان و أيوب و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و إسماعيل و اليسع و ذو الكفل (عليهم السلام) ، و بدأ بداود (عليه السلام) و ذكر بعض قصصه. 

  • قوله تعالى: {اِصْبِرْ عَلىَ مَا يَقُولُونَ وَ اُذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} الأيد القوة و كان (عليه السلام) ذا قوة في تسبيحه تعالى يسبح و يسبح معه الجبال و الطير و ذا قوة في ملكه و ذا قوة في علمه و ذا قوة و بطش في الحروب و قد قتل جالوت الملك كما قصه الله في سورة البقرة. 

  • و الأواب‌ اسم مبالغة من الأوب بمعنى الرجوع و المراد به كثرة رجوعه إلى ربه. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا اَلْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرَاقِ} الظاهر أن {مَعَهُ} متعلق بقوله: {يُسَبِّحْنَ} و جملة {مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} بيان لمعنى التسخير و قدم الظرف لتعلق العناية بتبعيتها لداود و اقتدائها في التسبيح لكن قوله تعالى في موضع 

تفسير الميزان ج۱۷

190
  •  

  • آخر: {وَ سَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ اَلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ} الأنبياء: ٧٩ يؤيد تعلق الظرف بسخرنا، و قد وقع في موضع آخر من كلامه تعالى: ‌{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ } سبأ: ١٠. و العشي‌ و الإشراق‌ الرواح و الصباح. 

  • و قوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا} إلخ «إن» فيه للتعليل و الآية و ما عطف عليها من الآيات بيان لكونه (عليه السلام) ذا أيد في تسبيحه و ملكه و علمه و كونه أوابا إلى ربه. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} المحشورة من الحشر بمعنى الجمع بإزعاج أي و سخرنا معه الطير مجموعة له تسبح معه. 

  • و قوله: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} استئناف يقرر ما تقدمه من تسبيح الجبال و الطير أي كل من الجبال و الطير أواب أي كثير الرجوع إلينا بالتسبيح فإن التسبيح من مصاديق الرجوع إليه تعالى. و يحتمل رجوع ضمير {لَهُ} إلى داود على بعد. 

  • و لم يكن تأييد داود (عليه السلام) في أصل جعله تعالى للجبال و الطير تسبيحا فإن كل شي‌ء مسبح لله سبحانه قال تعالى: ‌{وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الإسراء: ٤٤ بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه و قرع تسبيحها أسماع الناس و قد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (الآية) و أنه بلسان القال دون لسان الحال. 

  • قوله تعالى: {وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَ آتَيْنَاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطَابِ} قال الراغب: الشد العقد القوي يقال شددت الشي‌ء قويت عقده. انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية و المراد به تقوية الملك و تحكيم أساسه بالهيبة و الجنود و الخزائن و حسن التدبير و سائر ما يتقوى به الملك. 

  • و الحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم و المراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الإنسان و تكمله، و قيل: المراد النبوة، و قيل الزبور و علم الشرائع، و قيل غير ذلك و هي وجوه ردية. 

  • و فصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره و تمييز حقه من باطله و ينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم. 

تفسير الميزان ج۱۷

191
  •  

  • و قيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلا و لا بإطنابه مملا، و قيل: فصل الخطاب قول أما بعد فهو (عليه السلام) أول من قال: أما بعد، و الآية التالية {وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ} إلخ تؤيد ما قدمناه. 

  • قوله تعالى: {وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرَابَ} الخصم مصدر كالخصومة أريد به القوم الذي استقر فيهم الخصومة، و التسور الارتقاء إلى أعلى السور و هو الحائط الرفيع كالتسنم‌ بمعنى الارتقاء إلى سنام البعير و التذري‌ بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبل، و قد فسر المحراب بالغرفة و العلية، و الاستفهام للتعجيب و التشويق إلى استماع الخبر. 

  • و المعنى هل أتاك يا محمد خبر القوم المتخاصمين إذ علوا سور المحراب محراب داود (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلى‌ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} إلى آخر الآية لفظة {إِذْ} هذه ظرف لقوله: {تَسَوَّرُوا} كما أن {إِذْ} الأولى ظرف لقوله: {نَبَأُ اَلْخَصْمِ} و محصل المعنى أنهم دخلوا على داود و هو في محرابه لا من الطريق العادي بل بتسوره بالارتقاء إلى سوره و الورود عليه منه و لذا فزع منهم لما رآهم دخلوا عليه من غير الطريق العادي و بغير إذن. 

  • و قوله: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} قال الراغب: الفزع‌ انقباض و نفار يعتري الإنسان من الشي‌ء المخيف و هو من جنس الجزع و لا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه. انتهى. 

  • و قد تقدم أن الخشية تأثير القلب بحيث يستتبع الاضطراب و القلق و هي رذيلة مذمومة إلا الخشية من الله سبحانه و لذا كان الأنبياء (عليهم السلام) لا يخشون غيره قال تعالى: ‌{وَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللَّهَ} الأحزاب: ٣٩. 

  • و أن الخوف هو التأثير عن المكروه في مقام العمل بتهيئة ما يتحرز به من الشر و يدفع به المكروه لا في مقام الإدراك فليس برذيلة مذمومة لذاته بل هو حسن فيما يحسن الاتقاء قال تعالى خطابا لرسوله‌: {وَ إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} الأنفال: ٥٨. 

  • و إذا كان الفزع هو الانقباض و النفار الحاصل من الشي‌ء المخوف كان أمرا راجعا 

تفسير الميزان ج۱۷

192
  •  

  • إلى مقام العمل دون الإدراك فلم يكن رذيلة بذاته بل كان فضيلة عند تحقق مكروه ينبغي التحرز منه فلا ضير في نسبته إلى داود (عليه السلام) في قوله: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} و هو من الأنبياء الذين لا يخشون إلا الله. 

  • و قوله: {قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغىَ بَعْضُنَا عَلىَ بَعْضٍ} لما رأوا ما عليه داود (عليه السلام) من الفزع أرادوا تطييب نفسه و إسكان روعه فقالوا: {لاَ تَخَفْ} و هو نهي عن الفزع بالنهي عن سببه الذي هو الخوف {خَصْمَانِ بَغىَ} إلخ أي نحن خصمان أي فريقان متخاصمان تجاوز بعضنا ظلما على بعض. 

  • و قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لاَ تُشْطِطْ} إلخ الشطط الجور أي فاحكم بيننا حكما مصاحبا للحق و لا تجر في حكمك و دلنا على وسط العدل من الطريق. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي} إلى آخر الآية بيان لخصومتهم و قوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي} كلام لواحد من أحد الفريقين يشير إلى آخر من الفريق الآخر بأن هذا أخ له إلخ. 

  • و بهذا يظهر فساد ما استدل بعضهم بالآية على أن أقل الجمع اثنان لظهور قوله: {إِذْ تَسَوَّرُوا} {إِذْ دَخَلُوا} في كونهم جمعا و دلالة قوله: {خَصْمَانِ} {هَذَا أَخِي} على الاثنينية. 

  • و ذلك لجواز أن يكون في كل واحد من جانبي التثنية أكثر من فرد واحد قال تعالى: ‌{هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا} الخ: الحج: ١٩ و جواز أن يكون أصل الخصومة بين فردين ثم يلحق بكل منهما غيره لإعانته في دعواه. 

  • و قوله: {لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطَابِ} النعجة الأنثى من الضأن، و {أَكْفِلْنِيهَا} أي اجعلها في كفالتي و تحت سلطتي و {عَزَّنِي فِي اَلْخِطَابِ} أي غلبني فيه و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلىَ نِعَاجِهِ } - إلى قوله - {وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ} جواب داود (عليه السلام) ، و لعله قضاء تقديري قبل استماع كلام المتخاصم الآخر فإن من الجائز أن يكون عنده من القول ما يكشف عن كونه محقا فيما يطلبه و يقترحه على 

تفسير الميزان ج۱۷

193
  •  

  • صاحبه لكن صاحب النعجة الواحدة ألقى كلامه بوجه هيج الرحمة و العطوفة منه (عليه السلام) فبادر إلى هذا التصديق التقديري فقال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى‌ نِعَاجِهِ}

  • فاللام للقسم، و السؤال - على ما قيل - مضمن معنى الإضافة و لذا عدي إلى المفعول الثاني بإلى، و المعنى أقسم لقد ظلمك بسؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه. 

  • و قوله: {وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ} من تمام كلام داود (عليه السلام) يقرر به كلامه الأول و الخلطاء الشركاء المخالطون. 

  • قوله تعالى: {وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رَاكِعاً وَ أَنَابَ} أي علم داود أنما فتناه بهذه الواقعة أي أنها إنما كانت فتنة فتناه بها و الفتنة الامتحان، و قيل: ظن بمعناه المعروف الذي هو خلاف اليقين و ذكر استغفاره و توبته مطلقين يؤيد ما قدمناه و لو كان الظن بمعناه المعروف كان الاستغفار و التوبة على تقدير كونها فتنة واقعا و إطلاق اللفظة يدفعه، و الخر - على ما ذكره الراغب - سقوط يسمع منه خرير و الخرير يقال لصوت الماء و الريح و غير ذلك مما يسقط من علو، و الركوع - على ما ذكره - مطلق الانحناء. 

  • و الإنابة إلى الله - على ما ذكره الراغب - الرجوع إليه بالتوبة و إخلاص العمل و هي من النوب بمعنى رجوع الشي‌ء مرة بعد أخرى. 

  • و المعنى: و علم داود أن هذه الواقعة إنما كانت امتحانا امتحناه و أنه أخطأ فاستغفر ربه - مما وقع منه - و خر منحنيا و تاب إليه. 

  • و أكثر المفسرين تبعا للروايات على أن هؤلاء الخصم الداخلين على داود (عليه السلام) كانوا ملائكة أرسلهم الله سبحانه إليه ليمتحنه و ستعرف حال الروايات. 

  • لكن خصوصيات القصة كتسورهم المحراب و دخولهم عليه دخولا غير عادي بحيث أفزعوه، و كذا تنبهه بأنه إنما كان فتنة من الله له لا واقعة عادية، و قوله تعالى بعد: {فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‌} الظاهر في أن الله ابتلاه بما ابتلى 

تفسير الميزان ج۱۷

194
  •  

  • لينبهه و يسدده في خلافته و حكمه بين الناس، كل ذلك يؤيد كونهم من الملائكة و قد تمثلوا له في صورة رجال من الإنس. 

  • و على هذا فالواقعة تمثل، تمثل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة واحدة يسألها آخر له تسع و تسعون نعجة و سألوه القضاء فقال لصاحب النعجة الواحدة: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} إلخ و كان قوله (عليه السلام) - لو كان قضاء منجزا - حكما منه في ظرف التمثل كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال و حكم فيهم بما حكم و من المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثل كما لا تكليف في عالم الرؤيا و إنما التكليف في عالمنا المشهود و هو عالم المادة و لم تقع الواقعة فيه و لا كان هناك متخاصمان و لا نعجة و لا نعاج إلا في ظرف التمثل فكانت خطيئة داود (عليه السلام) في هذا الظرف من التمثل و لا تكليف هناك كخطيئة آدم (عليه السلام) في الجنة من أكل الشجرة قبل الهبوط إلى الأرض و تشريع الشرائع و جعل التكاليف، و استغفاره و توبته مما صدر منه كاستغفار آدم و توبته مما صدر منه و قد صرح الله بخلافته في كلامه كما صرح بخلافة آدم (عليه السلام) في كلامه و قد مر توضيح ذلك في قصة آدم (عليه السلام) من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب. 

  • و أما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشرا و القصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} إلخ قضاء تقديريا أي إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة، و إنما ذلك لحفظ على ما قامت عليه الحجة من طريقي العقل و النقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من الله لا يجوز عليهم كبيرة و لا صغيرة. 

  • على أن الله سبحانه صرح قبلا بأنه آتاه الحكمة و فصل الخطاب و لا يلائم ذلك خطأه في القضاء. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى‌ وَ حُسْنَ مَآبٍ} الزلفة و الزلفى‌ المنزلة و الحظوة، و المآب‌ المرجع، و تنكير {لَزُلْفى‌} و {مَآبٍ} للتفخيم، و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ} إلى آخر الآية الظاهر أن الكلام بتقدير القول و التقدير فغفرنا له ذلك و قلنا يا داود إلخ. 

  • و ظاهر الخلافة أنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى‌{وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: ٣٠و من شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة 

تفسير الميزان ج۱۷

195
  •  

  • من استخلفه في صفاته و أعماله فعلى خليفة الله في الأرض أن يتخلق بأخلاق الله و يريد و يفعل ما يريده الله و يحكم و يقضي بما يقضي به الله و الله يقضي بالحق و يسلك سبيل الله و لا يتعداها. 

  • و لذلك فرع على جعل خلافته قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ} و هذا يؤيد أن المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد الخلافة الشأنية لأن الله أكمله في صفاته و آتاه الملك يحكم بين الناس. 

  • و قول بعضهم: إن المراد بخلافته المجعولة خلافته ممن قبله من الأنبياء و تفريع قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ} لأن الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل أو أن المترتب هو مطلق الحكم بين الناس الذي هو من آثار الخلافة و تقييده بالحق لأن سداده به، تصرف في اللفظ من غير شاهد. 

  • و قوله: {وَ لاَ تَتَّبِعِ اَلْهَوىَ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ} العطف و المقابلة بينه و بين ما قبله يعطيان أن المعنى و لا تتبع في قضائك الهوى هوى النفس فيضلك عن الحق الذي هو سبيل الله فتفيد الآية أن سبيل الله هو الحق. 

  • قال بعضهم: إن في أمره (عليه السلام) بالحكم بالحق و نهيه عن اتباع الهوى تنبيها لغيره ممن يلي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق و لا يتبع الباطل و إلا فهو (عليه السلام) من حيث إنه معصوم لا يحكم إلا بالحق و لا يتبع الباطل. 

  • و فيه أن أمر تنبيه غيره بما وجه إليه من التكليف في محله لكن عصمة المعصوم و عدم حكمه إلا بالحق لا يمنع توجه التكليف بالأمر و النهي إليه فإن العصمة لا توجب سلب اختياره و ما دام اختياره باقيا جاز بل وجب توجه التكليف إليه كما يتوجه إلى غيره من الناس، و لو لا توجه التكليف إلى المعصوم لم يتحقق بالنسبة إليه واجب و محرم و لم تتميز طاعة من معصية فلغا معنى العصمة التي هي المصونية عن المعصية. 

  • و قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسَابِ} تعليل للنهي عن اتباع الهوى بأنه يلازم نسيان يوم الحساب و في نسيانه عذاب شديد و المراد بنسيانه عدم الاعتناء بأمره. 

  • و في الآية دلالة على أن كل ضلال عن سبيل الله سبحانه بمعصية من المعاصي لا 

تفسير الميزان ج۱۷

196
  •  

  • ينفك عن نسيان يوم الحساب. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} إلى آخر الآية، لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه بحجتين إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ} إلخ و هو احتجاج من طريق الغايات إذ لو لم يكن خلق السماء و الأرض و ما بينهما و هي أمور مخلوقة مؤجلة توجد و تفنى مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا و الباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقق في الأعيان. على أنه مستحيل من الحكيم و لا ريب في حكمته تعالى. 

  • و ربما أطلق الباطل و أريد به اللعب و لو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى قوله‌{وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} الدخان: ٣٩. 

  • و قيل: الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: و لا تتبع الهوى لأنه يكون سببا لضلالك و لأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتباع الهوى و هو الباطل بل خلقه للتوحيد و متابعة الشرع. 

  • و فيه أن الآية التالية: {أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ} إلخ لا تلائم هذا المعنى. 

  • و قوله: {ذَلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ} أي خلق العالم باطلا لا غاية له و انتفاء يوم الحساب الذي يظهر فيه ما ينتجه حساب الأمور ظن الذين كفروا بالمعاد فويل لهم من عذاب النار. 

  • قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} هذه هي الحجة الثانية على المعاد و تقريرها أن للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة و كمال الإنسان هو خروجه في جانبي العلم و العمل من القوة إلى الفعل بأن يعتقد الاعتقادات الحقة و يعمل الأعمال الصالحة اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة و هما الإيمان بالحق و العمل الصالح اللذين بهما يصلح المجتمع الإنساني الذي في الأرض. 

  • فالذين آمنوا و عملوا الصالحات و هم المتقون هم الكاملون من الإنسان و المفسدون 

تفسير الميزان ج۱۷

197
  •  

  • في الأرض بفساد اعتقادهم و عملهم و هم الفجار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيتهم حقيقة، و مقتضى هذا الكمال و النقص أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة و عيش طيب و بإزاء خلافه خلاف ذلك. 

  • و من المعلوم أن هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب و العوامل المادية و نسبتها إلى الكامل و الناقص و المؤمن و الكافر على السواء فمن أجاد العمل و وافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش و من كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء و ضنك المعيشة. 

  • فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى الفريقين على السواء و لم تكن هناك حياة تختص بكل منهما و تناسب حاله كان ذلك منافيا للعناية الإلهية بإيصال كل ذي حق حقه و إعطاء المقتضيات ما تقتضيه. 

  • و إن شئت فقل: تسوية۱ بين الفريقين و إلغاء ما يقتضيه صلاح هذا و فساد ذلك خلاف عدله تعالى. 

  • و الآية - كما ترى - لا تنفي استواء حال المؤمن و الكافر و إنما قررت المقابلة بين من آمن و عمل صالحا و بين من لم يكن كذلك سواء كان غير مؤمن أو مؤمنا غير صالح و لذا أتت بالمقابلة ثانيا بين المتقين و الفجار. 

  • قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ} أي هذا كتاب من وصفه كذا و كذا، و توصيفه بالإنزال المشعر بالدفعة دون التنزيل الدال على التدريج لأن ما ذكر من التدبر و التذكر يناسب اعتباره مجموعا لا نجوما مفرقة. 

  • و المقابلة بين {لِيَدَّبَّرُوا} و {لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ} تفيد أن المراد بضمير الجمع الناس عامة. 

  • و المعنى: هذا كتاب أنزلناه إليك كثير الخيرات و البركات للعامة و الخاصة ليتدبره الناس فيهتدوا به أو تتم لهم الحجة و ليتذكر به أولو الألباب فيهتدوا إلى الحق باستحضار حجته و تلقيها من بيانه. 

    1. الحجة الأولى برهانية و الثانية جدلية. 

تفسير الميزان ج۱۷

198
  •  

  • (بحث روائي) 

  • روي في الدر المنثور، بطريق عن أنس و عن مجاهد و السدي و بعدة طرق عن ابن عباس قصة دخول الخصم على داود (عليه السلام) على اختلاف ما في الروايات و روى مثلها القمي في تفسيره، و رواها في العرائس، و غيره و قد لخصها في مجمع البيان، كما يأتي: 

  • أن داود كان كثير الصلاة فقال: يا رب فضلت علي إبراهيم فاتخذته خليلا و فضلت علي موسى فكلمته تكليما فقال: يا داود إنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك فقال: نعم يا رب فابتلني. 

  • فبينا هو في محرابه ذات يوم إذ وقعت حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فاطلع من الكوة فإذا امرأة «أوريا بن حيان» تغتسل فهواها و هم بتزويجها فبعث بأوريا إلى بعض سراياه و أمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة ففعل ذلك و قتل. 

  • فلما انقضت عدتها تزوجها و بنى بها فولد له منها سليمان فبينا هو ذات يوم في محرابه إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما فقالا: لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض - إلى قوله - و قليل ما هم، فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب و بكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه. 

  • ثم قال في المجمع - و نعم ما قال -: إنه مما لا شبهة في فساده فإن ذلك مما يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه و سفراؤه بينه و بين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته و على حالة تنفر عن الاستماع إليه و القبول منه. 

  • أقول: و القصة مأخوذة من التوراة غير أن التي فيها أشنع و أفظع فعدلت بعض التعديل على ما سيلوح لك. 

  • ففي التوراة ما ملخصه: و كان في وقت المساء أن داود قام عن سريره و تمشي على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم و كانت المرأة جميلة المنظر جدا. 

  • فأرسل داود و سأل عن المرأة فقيل: إنها «بتشبع» امرأة «أوريا الحتي» فأرسل 

تفسير الميزان ج۱۷

199
  •  

  • داود رسلا و أخذها فدخلت عليه فاضطجع معها و هي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها و حبلت المرأة فأرسلت و أخبرت داود أنها حبلى. 

  • و كان أوريا في جيش لداود يحاربون بني عمون فكتب داود إلى يوآب أمير جيشه يأمره بإرسال أوريا إليه و لما أتاه و أقام عنده أياما كتب مكتوبا إلى يوآب‌۱ و أرسله بيد أوريا، و كتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة و ارجعوا من ورائه فيضرب و يموت ففعل به ذلك فقتل و أخبر داود بذلك. 

  • فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات ندبت بعلها و لما مضت المناحة أرسل داود و ضمها إلى بيته و صارت له امرأة و ولدت له ابنا و أما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب. 

  • فأرسل الرب ناثان النبي إلى داود فجاء إليه و قال له كان رجلان في مدينة واحدة واحد منهما غني و الآخر فقير، و كان للغني غنم و بقر كثيرة جدا و أما الفقير فلم يكن له شي‌ء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها و رباها فجاء ضيف إلى الرجل الغني فعفا أن يأخذ من غنمه و من بقره ليهيئ للضيف الذي جاء إليه فأخذ نعجة الرجل الفقير و هيأ لضيفه، فحمي غضب داود على الرجل جدا و قال لناثان: حي هو الرب إنه يقتل الرجل الفاعل ذلك و ترد النعجة أربعة أضعاف لأنه فعل هذا الأمر و لأنه لم يشفق. 

  • فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل يعاتبك الرب و يقول: سأقيم عليك الشر من بيتك و آخذ نساءك أمام عينيك و أعطيهن لقريبك فيضطجع معهن قدام جميع إسرائيل و قدام الشمس جزاء لما فعلت بأوريا و امرأته. 

  • فقال داود لناثان: قد أخطأت إلى الرب فقال ناثان لداود: الرب أيضا قد نقل عنك خطيئتك. لا تموت غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمرأعداء الرب يشمتون فالابن المولود لك من المرأة يموت، فأمرض الله الصبي سبعة أيام ثم قبضه ثم ولدت مرأة أوريا بعده لداود ابنه سليمان. 

  • و في العيون في باب مجلس الرضا عند المأمون مع أصحاب الملل و المقالات: قال 

    1. ملخص من الإصحاح الحادي عشر و الثاني عشر من صموئيل الثاني.

تفسير الميزان ج۱۷

200
  •  

  • الرضا (عليه السلام) لابن جهم: و أما داود فما يقول من قبلكم فيه؟ قال: يقولون: إن داود كان يصلي في محرابه إذ تصور له إبليس على صورة طيرأحسن ما يكون من الطيو فقطع داود صلاته و قام يأخذ الطير إلى الدار فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حيان. 

  • فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها و كان قد أخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام التابوت فقدم فظفر أوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوريا و تزوج داود بامرأته. 

  • قال: فضرب الرضا (عليه السلام) يده على جبهته و قال: إنا لله و إنا إليه راجعون لقد نسبتم نبيا من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل. 

  • فقال: يا ابن رسول الله ما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك إن داود (عليه السلام) إنما ظن أنه ما خلق الله خلقا هو أعلم منه فبعث الله عز و جل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال أكفلنيها و عزني في الخطاب فعجل داود على المدعى عليه فقال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه و لم يسأل المدعي البينة على ذلك، و لم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه أ لا تسمع الله عز و جل يقول: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ} إلى آخر الآية. 

  • فقال: يا ابن رسول الله ما قصته مع أوريا؟ قال الرضا (عليه السلام): إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا فأول من أباح الله عز و جل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود (عليه السلام) فتزوج بامرأة أوريا لما قتل و انقضت عدتها فذلك الذي شق على الناس من قتل أوريا.

  • و في أمالي الصدوق، بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال لعلقمة: إن رضا الناس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط أ لم ينسبوا داود (عليه السلام) إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها، و أنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها. (الحديث). 

تفسير الميزان ج۱۷

201
  •  

  • (كلام في قصص داود (عليه السلام) في فصول) 

  • ١ - قصته في القرآن 

  • لم يقع من قصته في القرآن إلا إشارات فقد ذكر سبحانه أنه كان في جيش طالوت الملك حين حارب جالوت فقتل داود فأتاه الله الملك بعد طالوت و الحكمة و علمه مما يشاء «البقرة: ٢٥١» و جعله خليفة له يحكم بين الناس و آتاه فصل الخطاب «ص‌: ٢٠و ٢٦» و قد أيد الله ملكه و سخر معه الجبال و الطير يسبحن معه «الأنبياء: ٧٩، ص ١٩» و ألان له الحديد يعمل و ينسج منه الدروع «الأنبياء: ٨٠سبأ: ١١».

  • ٢ - جميل الثناء عليه في القرآن 

  • عده سبحانه من الأنبياء و أثنى عليه بما أثنى عليهم و خصه بقوله: ‌{وَ آتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً }«النساء: ١٦٣» و آتاه فضلا و علما «سبأ: ١٠النمل: ١٥» و آتاه الحكمة و فصل الخطاب و جعله خليفة في الأرض «ص: ٢٠و ٢٦» و وصفه بأنه أواب و إن له عنده لزلفى و حسن مآب «ص: ١٩ و ٢٥». 

  • ٣ - حول قصة المتخاصمين 

  • التدبر في آيات الكتاب المتعرضة لقصة دخول المتخاصمين على داود (عليه السلام) لا يعطي أزيد من كونه امتحانا منه تعالى له (عليه السلام) في ظرف التمثل ليربيه تربية إلهية و يعلمه رسم القضاء العدل فلا يجور في الحكم و لا يعدل عن العدل. 

  • و أما ما تضمنته غالب الروايات من قصة أوريا و امرأته فهو مما يجل عنه الأنبياء و يتنزه عنه ساحتهم و قد تقدم في بيان الآيات و البحث الروائي محصل الكلام في ذلك. 

  •  

  • [سورة ص (٣٨): الآیات ٣٠الی ٤٠]

  • {وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ٣٠إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ اَلصَّافِنَاتُ اَلْجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ 

تفسير الميزان ج۱۷

202
  • مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنَاقِ ٣٣ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَ أَلْقَيْنَا عَلى‌ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ٣٤ قَالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهَّابُ ٣٥ فَسَخَّرْنَا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ٣٦ وَ اَلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ ٣٧ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفَادِ ٣٨ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٩ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى‌ وَ حُسْنَ مَآبٍ ٤٠} 

  • (بيان) 

  • القصة الثانية من قصص العباد الأوابين التي أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يصبر و يذكرها. 

  • قوله تعالى:{وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي وهبناه له ولدا و الباقي ظاهر مما تقدم. 

  • قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ اَلصَّافِنَاتُ اَلْجِيَادُ} العشي‌ مقابل الغداة و هو آخر النهار بعد الزوال، و الصافنات‌ على ما في المجمع، جمع الصافنة من الخيل و هي التي تقوم على ثلاث قوائم و ترفع إحدى يديها حتى تكون على طرف الحافر. قال: و الجياد جمع جواد و الياء هاهنا منقلبة عن واو و الأصل جواد و هي السراع من الخيل كأنها تجود بالركض. انتهى. 

  • قوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} الضمير لسليمان، و المراد بالخير: الخيل - على ما قيل - فإن العرب تسمي الخيل خيرا و عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة. 

تفسير الميزان ج۱۷

203
  •  

  • و قيل: المراد بالخير المال الكثير و قد استعمل بهذا المعنى في مواضع من كلامه تعالى كقوله: ‌{إِنْ تَرَكَ خَيْراً} البقرة: ١٨٠. 

  • و قوله: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} قالوا: إن {أَحْبَبْتُ} مضمن معنى الإيثار و {عَنْ} بمعنى على، و المراد إني آثرت حب الخيل على ذكر ربي و هو الصلاة محبا إياه أو أحببت الخيل حبا مؤثرا إياه على ذكر ربي فاشتغلت بما عرض علي من الخيل عن الصلاة حتى غربت الشمس. 

  • و قوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} الضمير على ما قالوا للشمس و المراد بتواريها بالحجاب غروبها و استتارها تحت حجاب الأفق، و يؤيد هذا المعنى ذكر العشي في الآية السابقة إذ لو لا ذلك لم يكن غرض ظاهر يترتب على ذكر العشي. 

  • فمحصل معنى الآية أني شغلني حب الخيل حين عرض الخيل علي عن الصلاة حتى فات وقتها بغروب الشمس، و إنما كان يحب الخيل في الله ليتهيأ به للجهاد في سبيل الله فكان الحضور للعرض عبادة منه فشغلته عبادة عن عبادة غير أنه يعد الصلاة أهم. 

  • و قيل: ضمير {تَوَارَتْ} للخيل و ذلك أنه أمر بإجراء الخيل فشغله النظر في جريها حتى غابت عن نظره و توارت بحجاب البعد، و قد تقدم أن ذكر العشي يؤيد المعنى السابق و لا دليل على ما ذكره من حديث الأمر بالجري من لفظ الآية. 

  • قوله تعالى: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنَاقِ} قيل: الضمير في {رُدُّوهَا} للشمس و هو أمر منه للملائكة برد الشمس ليصلي صلاته في وقتها، و قوله: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنَاقِ} أي شرع يمسح ساقيه و عنقه و يأمر أصحابه أن يمسحوا سوقهم و أعناقهم و كان ذلك وضوءهم ثم صلى و صلوا، و قد ورد ذلك في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). 

  • و قيل: الضمير للخيل و المعنى قال: ردوا الخيل فلما ردت. شرع يمسح مسحا بسوقها و أعناقها و يجعلها مسبلة في سبيل الله جزاء ما اشتغل بها عن الصلاة. 

  • و قيل: الضمير للخيل و المراد بمسح أعناق الخيل و سوقها ضربها بالسيف و قطعها و المسح القطع فهو (عليه السلام) غضب عليها في الله لما شغلته عن ذكر الله فأمر بردها ثم ضرب بالسيف أعناقها و سوقها فقتلها جميعا. 

تفسير الميزان ج۱۷

204
  •  

  • و فيه أن مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) عن مثله فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما فيه من إتلاف المال المحترم. 

  • و أما استدلال بعضهم عليه‌ برواية أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنَاقِ } قطع سوقها و أعناقها بالسيف‌ ثم أضاف إليها و قد جعلها بذلك قربانا لله و كان تقريب الخيل مشروعا في دينه فليس من التقريب ذكر في الحديث و لا في غيره. 

  • على أنه (عليه السلام) لم يشتغل عن العبادة بالهوى بل شغلته عبادة عن عبادة كما تقدمت الإشارة إليه. 

  • فالمعول عليه هو أول الوجوه إن ساعده لفظ الآية و إلا فالوجه الثاني. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَ أَلْقَيْنَا عَلى‌ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه. 

  • قيل: المراد بالجسد الملقى على كرسيه هو سليمان نفسه لمرض امتحنه الله به و تقدير الكلام ألقيناه على كرسيه جسدا أي كجسد لا روح فيه من شدة المرض. 

  • و فيه أن حذف الضمير من «ألقيناه» و إخراج الكلام على صورته التي في الآية الظاهرة في أن الملقى هو الجسد مخل بالمعنى المقصود لا يجوز حمل أفصح الكلام عليه. 

  • و لسائر المفسرين أقوال مختلفة في المراد من الآية تبعا للروايات المختلفة الواردة فيها و الذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالا أنه كان جسد صبي له أماته الله و ألقى جسده على كرسيه، و لقوله: {ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي} إشعار أو دلالة على أنه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أمنية في الله فأماته الله سبحانه و ألقاه على كرسيه فنبهه أن يفوض الأمر إلى الله و يسلم له. 

  • قوله تعالی: {قَالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهَّابُ} ظاهر السياق أن الاستغفار مرتبط بما في الآية السابقة من إلقاء الجسد على كرسيه، و الفصل لكون الكلام في محل دفع الدخل كأنه لما قيل: {ثُمَّ أَنَابَ}