11

تفسير الميزان ج11

تفسير الميزان ج11 7698
مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة الطباطبائي

القسم القرآن والحديث والدعاء

المجموعة الميزان في تفسير القرآن


التوضيح

تعرّض العلامة الطباطبائي في هذا الجزء إلى تتمة تفسير سورة هود، بالإضافة إلى سورتي يوسف و الرعد
/۳٩۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان ج۱۱

1

تفسير الميزان ج۱۱

2
  •  

  • الميزان في تفسير القرآن 

  • الجزء الحادي عشر

  •  

  •  

  •  

  • تأليف : العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سرّه

  •  

تفسير الميزان ج۱۱

4
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تمتاز هذه الطبعة عن غیرها بالتحقیق و التصحیح الکامل

  • واضافات و تغییرات هامه من قبل المؤلف

  • ملاحظة: تم تطبيق الصفحات مع طبعة الأعلمي الثالثة المطبوعة في سنة ۱٩۷٣ م

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

تفسير الميزان ج۱۱

5
  • بقية سورة هود 

  • [سورة هود (١١): الآیات ١٠٠الی ١٠٨]

  • {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْقُرى‌ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَ حَصِيدٌ ١٠٠وَ مَا ظَلَمْنَاهُمْ وَ لَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ اَلَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ مَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ١٠١ وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرى‌ وَ هِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ١٠٢ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ اَلْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ١٠٣ وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ١٠٤ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ ١٠٥ فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ ١٠٦ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٠٧ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ١٠٨} 

  • (بيان)

  • فيها رجوع إلى القصص السابقة بنظر كلي يلخص سنة الله في عباده و ما يستتبعه الشرك في الأمم الظالمة من الهلاك في الدنيا و العذاب الخالد في الآخرة؛ ليعتبر بذلك أهل الاعتبار. 

  • قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْقُرى‌ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَ حَصِيدٌ} الإشارة إلى ما تقدم من القصص، و "من" تبعيضية أي الذي قصصناه عليك هو بعض أخبار المدائن و البلاد أو أهلهم نقصه عليك. 

تفسير الميزان ج۱۱

6
  • و قوله: {مِنْهَا قَائِمٌ وَ حَصِيدٌ} الحصد قطع الزرع، شبهها بالزرع يكون قائما و يكون حصيدا، و المعنى إن كان المراد بالقرى نفسها أن من القرى التي قصصنا أنباءها عليك ما هو قائم لم تذهب بقايا آثارها التي تدل عليها بالمرة كقرى قوم لوط حين نزول قصتهم في القرآن كما قال: {وَ لَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} العنكبوت: ٣٥ و قال: {وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلاَ تَعْقِلُونَ} الصافات: ١٣٨، و منها ما انمحت آثاره و انطمست أعلامه كقرى قوم نوح و عاد. 

  • و إن كان المراد بالقرى أهلها فالمعنى أن من تلك الأمم و الأجيال من هو قائم لم يقطع دابرهم البتة كأمة نوح و صالح، و منهم من قطع الله دابرهم كقوم لوط لم ينج منهم إلا أهل بيت لوط و لم يكن لوط منهم. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا ظَلَمْنَاهُمْ وَ لَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى آخر الآية، أي ما ظلمناهم في إنزال العذاب عليهم و إهلاكهم إثر شركهم و فسوقهم و لكن ظلموا أنفسهم حين أشركوا و خرجوا عن زي العبودية، و كلما كان عمل و عقوبة عليه كان أحدهما ظلما إما العمل و إما العقوبة عليه فإذا لم تكن العقوبة ظلما كان الظلم هو العمل استتبع العقوبة. 

  • فمحصل القول أنا عاقبناهم بظلمهم و لذا عقبه بقوله: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} إلخ.. لأن محصل النظم أخذناهم فما أغنت عنهم آلهتهم، فالمفرع عليه هو الذي يدل عليه قوله: {وَ مَا ظَلَمْنَاهُمْ} إلخ، و المعنى أخذناهم فلم يكفهم في ذلك آلهتهم، التي كانوا يدعونها من دون الله لتجلب إليهم الخير و تدفع عنهم الشر، و لم تغنهم شيئا لما جاء أمر ربك و حكمه بأخذهم أو لما جاء عذاب ربك. 

  • و قوله: {وَ مَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} التتبيب‌ التدمير و الإهلاك من التب و أصله القطع لأن عبادتهم الأصنام كان ذنبا مقتضيا لعذابهم و لما أحسوا بالعذاب و البؤس فالتجئوا إلى الأصنام و دعوها لكشفه و دعاؤها ذنب آخر زاد ذلك في تشديد العذاب عليهم و تغليظ العقاب لهم فما زادوهم غير هلاك. 

  • و نسبة التتبيب إلى آلهتهم مجاز و هو منسوب في الحقيقة إلى دعائهم إياها، و هو عمل قائم بالحقيقة بالداعي لا بالمدعو. 

  • قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرى‌ وَ هِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} 

تفسير الميزان ج۱۱

7
  • الإشارة إلى ما تقدم من أنباء القرى، و ذلك بعض مصاديق أخذه تعالى بالعقوبة، قاس به مطلق أخذه القرى في أنه أليم شديد، و هذا من قبيل التشبيه الكلي ببعض مصاديقه في الحكم؛ للدلالة على أن الحكم عام شامل لجميع الأفراد و هو نوع من فن التشبيه شائع و قوله: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} بيان لوجه الشبه و هو الألم و الشدة. 

  • و المعنى كما أخذ الله سبحانه هؤلاء الأمم الظالمة: قوم نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و قوم فرعون أخذا أليما شديدا، كذلك يأخذ سائر القرى الظالمة إذا أخذها فليعتبر بذلك المعتبرون. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ اَلْآخِرَةِ} إلى آخر الآية، الإشارة إلى ما أنبأه الله من قصص تلك القرى الظالمة التي أخذها بظلمها أخذا أليما شديدا. و أنبأ أن أخذه كذلك يكون، و في ذلك آية لمن خاف عذاب الحياة الآخرة و علامة تدل على أن الله سبحانه و تعالى سيأخذ في الآخرة المجرمين بإجرامهم، و أن أخذه سيكون أليما شديدا فيوجب اعتباره بذلك و تحرزه مما يستتبع سخط الله تعالى. 

  • و قوله: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ} أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة يوم مجموع له الناس، فالإشارة إلى اليوم الذي يدل عليه ذكر عذاب الآخرة، «و لذلك أتي بلفظ المذكر» كما قيل، و يمكن أن يكون تذكير الإشارة ليطابق المبتدأ الخبر. 

  • و وصف اليوم الآخر بأنه مجموع له الناس دون أن يقال: سيجمع أو يجمع له الناس؛ إنما هو للدلالة على أن جمع الناس له من أوصافه المقضية له التي تلزمه و لا تفارقه من غير أن يحتاج إلى الإخبار عنه بخبر. 

  • فمشخِّص هذا اليوم أن الناس مجموعون لأجله و اللام للغاية فلليوم شأن من الشأن لا يتم إلا بجمع الناس بحيث لا يغادر منهم أحد و لا يتخلف عنه متخلف: و للناس شأن من الشأن يرتبط به كل واحد منهم بالجميع، و يمتزج فيه الأول مع الآخر و الآخر مع الأول و يختلط فيه الكل بالبعض و البعض بالكل، و هو حساب أعمالهم من جهة الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و بالجملة من حيث السعادة و الشقاوة. 

  • فإن من الواضح أن العمل الواحد من إنسان واحد يرتضع من جميع أعماله السابقة المرتبطة بأحواله الباطنة، و يرتضع منه جميع أعماله اللاحقة المرتبطة أيضا بما له من 

تفسير الميزان ج۱۱

8
  • الأحوال القلبية، و كذلك عمل الواحد بالنسبة إلى أعمال من معه من بني نوعه من حيث التأثير و التأثر، و كذلك أعمال الأولين بالنسبة إلى أعمال الآخرين و أعمال اللاحقين بالنسبة إلى أعمال السابقين، و في المتقدمين أئمة الهدى و الضلال المسئولون عن أعمال المتأخرين، و في المتأخرين الأتباع و الأذناب المسئولون عن غرور متبوعيهم المتقدمين، قال تعالى: {فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ} الأعراف ٦، و قال: {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} يس: ١٢. 

  • ثم الجزاء لا يتخلف الحكم الفصل. 

  • و هذا الشأن على هذا النعت لا يتم إلا باجتماع من الناس بحيث لا يشذ منهم شاذ. 

  • و من هنا يظهر أن مسألة الآحاد من الناس في قبورهم و جزاءهم فيها بشي‌ء من الثواب و العقاب على ما تشير إليه آيات البرزخ و تذكره بالتفصيل الأخبار الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير ما أخبر الله تعالى به من حساب يوم القيامة و الجزاء المقضي به هناك من الجنة و النار الخالدتين؛ فإن الذي يستقبل الإنسان في البرزخ هو المسألة لتكميل صحيفة أعماله ليدخر لفصل القضاء يوم القيامة، و ما يسكن فيه في البرزخ من جنة أو نار إنما هو كالنزل المعجل للنازل المتهيئ للقاء و الحكم، و ليس ما هناك حسابا تاما و لا حكما فصلا و لا جزاء قاطعا كما يشير إليه نظائر قوله:

  •  {اَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ} المؤمن: ٤٦، و قوله: {يُسْحَبُونَ فِي اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي اَلنَّارِ يُسْجَرُونَ} المؤمن: ٧٢ فترى الآية تعبر عن عذابهم بالعرض على النار ثم يوم القيامة بدخولها و هو أشد العذاب، و تعبر عن عذابهم بالسحب في الحميم ثم بالسجر في النار و هو الاشتعال و قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران: ١٧٠فالآية صريحة في عالم القبر و لم تذكر حسابا و لا جنة الخلد و إنما ذكرت شيئا من التنعم إجمالا. 

  • و قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‌ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون: ١٠٠تذكر الآية أنهم بعد الموت في حياة برزخية متوسطة بين الحياة الدنيوية التي هي لعب و لهو و الحياة الأخروية التي هي حقيقة الحياة كما قال: {وَ مَا هَذِهِ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا 

تفسير الميزان ج۱۱

9
  •  إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت: ٦٤. 

  • و بالجملة الدنيا دار عمل و البرزخ دار تهيؤ للحساب و الجزاء، و الآخرة دار حساب و جزاء، قال تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اَللَّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى‌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَ اِغْفِرْ لَنَا} التحريم: ٨ فهم يحضرونه بما كسبوه في الدنيا من النور و هيئوه في البرزخ ثم يسألونه يوم القيامة إتمام نورهم و إذهاب ما معهم من بقايا عالم اللهو و اللعب. 

  • و قوله: {وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} كالمتفرع بظاهره على الجملة السابقة. {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ} إذ الجمع يوجب المشاهدة غير أن اللفظ غير مقيد بالناس و إطلاقه يشعر بأنه مشهود لكل من له أن يشهد كالناس و الملائكة و الجن، و الآيات الكثيرة الدالة على حشر الجن و الشياطين و حضور الملائكة هناك يؤيد إطلاق الشهادة كما ذكر. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} أي إن لذلك اليوم أجلا قضى الله أن لا يقع قبل حلول أجله و الله يحكم لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه، و لا يؤخر اليوم إلا لأجل يعده فإذا تم العدد و حل الأجل حق القول و وقع اليوم. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فاعل {يَأْتِ} ضمير راجع إلى الأجل السابق الذكر أي يوم يأتي الأجل الذي تؤخر القيامة إليه لا تتكلم نفس إلا بإذنه، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ} العنكبوت: ٥. 

  • و ذكر بعضهم كما في المجمع أن المعنى يوم يأتي القيامة و الجزاء، و لازمه إرجاع الضمير إلى القيامة و الجزاء لدلالة سابق الكلام إليه بوجه، و هو تكلف لا حاجة إليه. 

  • و ذكر آخرون - كما في تفسير صاحب المنار - أن المعنى: في الوقت الذي يجي‌ء فيه ذلك اليوم المعين لا تتكلم نفس من الأنفس الناطقة إلا بإذن الله تعالى فالمراد باليوم في الآية مطلق الوقت أي غير المحدود لأنه ظرف لليوم المحدود الموصوف بما ذكر الذي هو فاعل يأتي. 

  • و هو خطأ لاستلزامه ظرفية اليوم لليوم لعود المعنى حقيقة إلى قولنا: في الوقت الذي يجي‌ء فيه ذلك الوقت المعين أو اليوم الذي يجي‌ء فيه ذلك اليوم المعين، و التفرقة بين اليومين يجعل أحدهما خاصا و معينا و الآخر عاما و مرسلا لا ينفع في دفع محذور ظرفية 

تفسير الميزان ج۱۱

10
  • الشي‌ء لنفسه و مظروفية الزمان - و هو ظرف بذاته - لزمان آخر و هو محال لا ينقلب ممكنا بتغيير اللفظ. 

  • و ما ذكره من التفرقة بين اليومين بالإطلاق و التحديد مجرد تصوير لا تغني شيئا فإن اليوم الذي يأتي فيه ذلك اليوم الموصوف و ذلك اليوم الموصوف متساويان إطلاقا و تحديدا و سعة و ضيقا، نعم ربما يؤخذ الزمان متحدا بما يقع فيه من الحوادث فيصير حادثا من الحوادث و تلغى ظرفيته فيجعل مظروفا لزمان آخر كما يقال يوم الأضحى في شهر ذي الحجة و يوم عاشوراء في المحرم، قال تعالى: {وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسَّاعَةُ} الجاثية: ٢٧ فإن صحت هذه العناية في الآية أمكن به أن يعود ضمير يأتي إلى اليوم. 

  • و قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي لا تتكلم نفس ممن حضر إلا بإذن الله سبحانه، و حذف أحد التاءين المجتمعين في المستقبل من باب التفعل شائع قياسي. 

  • و الباء في قوله: {بِإِذْنِهِ} للمصاحبة فالاستثناء في الحقيقة من الكلام لا من المتكلم كما في قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ} النبأ: ٣٨ و المعنى لا تتكلم نفس بشي‌ء من الكلام إلا بالكلام الذي يصاحب إذنه لا كالدنيا يتكلم فيها الواحد منهم بما اختاره و أراده، أذن فيه الله إذن تشريع أم لم يأذن. 

  • و قد ذكرت الصفة أعني عدم تكلم نفس إلا بإذنه من خواص يوم القيامة المعرّفة له، و ليست بمختصة به فإنه لا تتكلم أي نفس من النفوس و لا يحدث أي حادث من الحوادث دائما إلا بإذنه من غير أن يختص ذلك بيوم القيامة. 

  • و قد تقدم في بعض أبحاثنا السابقة أن غالب ما ورد في القرآن الكريم من معرفات يوم القيامة في سياق الأوصاف الخاصة به يعمه و غيره كقوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفى‌ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‌ءٌ} المؤمن - ١٦ و قوله {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} المؤمن: ٣٣ و قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} الانفطار: ١٩ إلى غير ذلك من الآيات، و من المعلوم أنه تعالى لا يخفى عليه شي‌ء دائما، و ليس لشي‌ء منه عاصم دائما، و لا يملك نفس لنفس شيئا إلا بإذنه دائما، و له الخلق و الأمر دائما. 

  • لكن الذي يهدي إليه التدبر في أمثال قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا 

تفسير الميزان ج۱۱

11
  •  عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ} ق: ٢٢ و قوله حكاية عن المجرمين: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} الم السجدة: ١٢، و قوله: {وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } إلى أن قال {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاَهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } يونس: ٣٠أن يوم القيامة ظرف يجمع الله فيه العباد و يزيل الستر و الحجاب دونهم فيظهر فيه الحقائق ظهورا تاما و ينجلي ما هو وراء غطاء الغيب في هذه النشأة و عند ذلك لا يختلج في صدورهم شك أو ريب، و لا يهجس قلوبهم هاجس، و يعاينون أن الله هو الحق المبين، و يشاهدون أن القوة لله جميعا، و أن الملك و العصمة و الأمر و القهر له وحده لا شريك له. 

  • و تسقط الأسباب عما كان يتوهم لها من الاستقلال في نشأة الدنيا و ينقطع البين و تزول روابط التأثير التي بين الأشياء و عند ذلك تنتثر كواكب الأسباب و تنطمس نجوم كانت تهتدي به الأوهام في ظلماتها، و لا تبقى لذي ملك ملك يستقل به، و لا لذي سلطان و قوة ما يتعزز معه، و لا لشي‌ء ملجأ و ملاذ يلجأ إليه و يلوذ به و يعتصم بعصمته، و لا ستر يستر شيئا عن شي‌ء و يحجبه دونه، و الأمر كله لله الواحد القهار لا يملك إلا هو۱

  • و هذا معنى قوله: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفى‌ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‌ءٌ} و قوله: {مَا لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} و قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} إلى غير ذلك من الآيات و هي جميعا تنفي ما تزينه أوهام الناس في هذه النشأة الدنيوية التي ليست إلا لهوا و لعبا أن هذه الأسباب تملك معنى التأثير، و تتلبس بأوصاف الملك و السلطنة و القوة و العصمة و العزة و الكرامة تلبسا حقيقيا استقلاليا، و أنها هي المعطية و المانعة و النافعة و الضارة لا بغية في سواها و لا خير فيما عداها. 

  • و من هنا يمكن الاستئناس بمعنى قوله: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و قد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى بما يقرب من هذا اللفظ كقوله تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً} النبأ: ٣٨، و قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} 

    1. و في هذه الأوصاف آيات كثيرة جداً لا تخفى على الباحث المتدبر في كلامه تعالى.

تفسير الميزان ج۱۱

12
  • المرسلات: ٣٥. 

  • و ذلك أن الله تعالى يقول فيما يصف هذا اليوم {يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَائِرُ} الطارق - ٩ و يقول: {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ} البقرة: ٢٨٤ فيبين أن الحساب يومئذ بما في النفوس من الأحوال و الأعراض الحسنة أو السيئة لا بما يستكشف منها بأسباب الكشف كما في هذه النشأة الدنيوية. 

  • فما كان تحت أستار الخفاء في الدنيا من خبايا النفوس و مطويات القلوب فهو ظاهر مكشوف الغطاء يوم القيامة، و ما هو من الغيب اليوم فهو شهادة غدا، و التكلم الذي نتداوله نحن معاشر الناس فيما بيننا إنما هو باستخدام أصوات مؤلفة تدل بنحو من الوضع و الاعتبار على معان تستكن في ضمائرنا، و إنما الباعث لنا على وضعها و تداولها الحاجة الاجتماعية إلى اهتداء بعضنا إلى ما في ضمير آخرين لامتناعه من تعلق الحس به. 

  • و التكلم من الأسباب الاجتماعية نتوسل به لكشف ما في الضمير من المعاني المكنونة و هو متقوم بخروج ما في الأذهان عن إحاطة الإنسان، و لو كنا ممدين بحس ينال المعاني الذهنية و يعاينها كما يهتدي مثلا البصر إلى الأضواء و الألوان و اللمس إلى الحرارة و البرودة و الخشونة و الملاسة لم نحتج إلى وضع اللغات و التكلم بها و لا كان بيننا ما يسمى كلمة أو كلاما، و كذا لو كان النوع الإنساني يعيش في حياته الدنيا عيشة انفرادية غير اجتماعية لم يكن من النطق خبر و لا انعقدت له نطفة. 

  • كل ذلك لأن النشأة الدنيا كالمؤلف من شهادة و غيب و هو المحسوس المعاين و ما هو وراء الحس، و الناس في حاجة مبرمة إلى الكشف عما في ضميرهم من المقاصد و الاطلاع عليه، فلو فرضت نشأة من الحياة ممحضة في الشهادة مؤلفة من أمور معاينة لم يكن فيها ما يحوج إلى التكلم و النطق و لو تبرعنا إطلاق الكلام على شي‌ء من الحالات الموجودة هناك لكان مصداقه ظهور بعض ما في نفوس الناس لبعضهم و اطلاع ذلك البعض على ذلك. 

  • و هذه النشأة الموصوفة بذلك هي نشأة القيامة على ما يصفه الله سبحانه بأمثال قوله: {يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَائِرُ}، و هذا هو الذي يظهر من قوله تعالى: {لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ} إلى أن قال: {يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ:} الرحمن: ٤١. 

تفسير الميزان ج۱۱

13
  • فإن قلت فعلى هذا لا معنى لتحقق الكذب و الزور هناك و قد نص القرآن الكريم عليه كما في قوله تعالى: {وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ} الأنعام: ٢٤ و قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَاذِبُونَ} المجادلة - ١٨. 

  • قلت: هذا من ظهور الملكات كما أن الإنسان عند التفكير يشاهد خبايا نفسه من غير حاجة إلى أن يخبر نفسه بما يفكر فيه و يكشف عما في ضميره لنفسه بالتكلم لأنه على شهادة من باطن نفسه لا في غيب، و هو مع ذلك يتصور صورة كلام يدل ما يطالعه من المعاني الذهنية، و ربما يتكلم بلسانه أيضا بما يخطره بباله من أجزاء الفكرة و الباعث له على ذلك ما اعتاده من التكلم و النطق عند ما يلفظ ما في ضميره إلى الغير. 

  • و هؤلاء المشركون و المنافقون لما اعتادوا الكذب في نشأتهم الدنيا و عاشوا على كذبات الوهم ظهر منهم ذلك يوم يظهر فيه الملكات و العادات النفسانية و إلا فمن المحال أن يوقف الإنسان عند ربه و هو تعالى يعاين باطنه و ظاهره و أعماله محضرة، و صحيفته منشورة، و الأشهاد قائمة و جوارحه بما عملت ناطقة، و الأسباب و منها الكذب ساقطة هالكة، و قد انقلب سره علانية ثم يكذب رجاء أن يغر الله سبحانه و تعالى فيظهر عليه بحجة مدلسة كاذبة، و ينجو بذلك. 

  • و هذا نظير دعوتهم يوم القيامة إلى السجود ثم عدم استطاعتهم، قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ} القلم: ٤٣ فعدم استطاعتهم للسجود ليس إلا لرسوخ ملكة الاستكبار في نفوسهم، و لو كان بمنع جديد من جانبه تعالى لكانت الحجة لهم عليه. 

  • فإن قلت: لو كان كما ذكرت و لم يكن هناك إلى التكلم حاجة و لا له مصداق فما معنى الاستثناء الذي في قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و ما في معناها من الآيات؟ و ما معنى ما تكرر في مواضع من كلامه تعالى من حكاية أقوالهم. 

  • قلت: لا ريب أن الإنسان و هو في هذه النشأة مختار في أعماله التي منها التكلم فله 

تفسير الميزان ج۱۱

14
  • نسبة متساوية إلى كل فعل من أفعاله و تركه و هما بالقياس إليه سواء، فإذا اقترف الفعل مثلا تعين أحد الجانبين تعينا اضطراريا لا خبر عن الاختيار بعد ذلك، و الآثار الضرورية التي تترتب على الفعل و منها الجزاء الذي يكتسب بالفعل حالها حال الفعل بعد التحقق. 

  • و النشأة الآخرة دار جزاء لا دار عمل فلا خبر هناك عن الاختيار الإنساني و ليس هناك إلا الإنسان و عمله الذي أتى به و قد لزمه لزوما ضروريا، و ما يرتبط به العمل من الصحائف و الأشهاد و ربه الذي إليه يرجع الأمر و بيده الحكم الفصل، فإذا دعي استجاب اضطرارا، كما قال تعالى {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ اَلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ} طه: ١٠٨ و قد كانوا في الدنيا يدعون إلى الحق فلا يستجيبون، و إذا تكلم عن سؤال لم يكن من سنخ التكلم الدنيوي الذي كان ناشئا عن اختياره و كاشفا عن أمر خبي‌ء في نفسه فقد ختم على فمه و لا سبيل له إلى التكلم بما يريد، و كيفما يريد، قال تعالى: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‌ أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يس: ٦٥، و قال: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} المرسلات: ٣٦ فإن العذر إنما يكون في الجزاء الذي فيه شوب اختيار و لتحققه إمكان وجود و عدم، و أما العمل السيئ المفروغ منه و الجزاء الذي تعقبه ضرورة فلا مجرى للعذر فيه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} التحريم: ٧ أي إن جزاءكم نفس عملكم الذي عملتموه، و لا يتغير ذلك بعذر و لا تعلل و إنما كان يتغير لو كان جزاء دنيويا أمره بيد الحاكم المجازي يختار فيه ما يراه و يشاؤه. 

  • و بالجملة: إذا تكلم هو عن سؤال كان تكلمه عن اضطرار إليه و مطابقا لما عنده من العمل الظاهر الذي لا ستر عليه هناك البتة، و لو تكلم كذبا كان ذلك من قبيل ظهور الملكات كما تقدم و عملا من أعماله يظهر ظهورا لا كلاما يعد جوابا لسؤال فيختم على فيه و يستنطق سمعه و بصره و جلده و يده و رجله و يحضر العمل الذي عمله و يستشهد الأشهاد و الله على كل شي‌ء شهيد. 

  • فقد تلخص من جميع ما قدمناه أن معنى قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أن التكلم يومئذ ليس على وتيرة التكلم الدنيوي كشفا اختياريا عما في الضمير بحيث يمكن معه للمتكلم أن يصدق في كلامه أو يكذب فإن هذا التكلم الاختياري الذي هو من 

تفسير الميزان ج۱۱

15
  • لوازم دار العمل مرفوع هناك فلا اختيار للإنسان في تكلمه و إنما هو منوط بإذن الله و مشيئته، و إن أحسنت التدبر وجدت أن مآل هذا الوجه أعني ارتفاع حكم الاختيار عن تكلم الإنسان و سائر أفعاله و إحاطة معنى الاضطرار بالجميع يومئذ يرجع إلى ما افتتحنا به الكلام أن خاصة هذا اليوم هي انكشاف حقائق الأشياء فيه و رجوع الغيبِ شهادةً و عليك بإحكام التدبر في المعارف التي يلقنها الكلام الإلهي في المعاد فإنها معضلة عويصة عميقة. 

  • و ذكر بعضهم أن معنى قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أنها لا تتكلم فيه إلا بالكلام الحسن المأذون فيه شرعا لأن الناس ملجئون هناك إلى ترك القبائح فلا يقع منهم قبيح و أما غير القبيح فهو مأذون فيه. 

  • و فيه أنه تخصيص من غير مخصص فاليوم ليس بيوم عمل حتى يؤذن فيه في إتيان الفعل الحسن و لا يؤذن في القبيح، و الإلجاء الذي منشؤه كون الظرف ظرف جزاء لا عمل لا يفرق فيه بين العمل الحسن و القبيح مع كون كليهما اختياريين لأن الحسن و القبح إنما يُعَنوَن بهما الأفعال الاختيارية. 

  • على أن الله تعالى يقول: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} و من المعلوم أن الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شي‌ء. 

  • و قال آخرون: إن معنى الآية أنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة و وسيلة إلا بإذنه. 

  • و هذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ} طه: ١٠٩ و فيه أن ذلك تقييد من غير شاهد عليه و لو كان المراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: لا تكلم نفس عن نفس أو في نفس إلا بإذنه كما وقع في نظيره من قوله: {لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}

  • و قد تحصل مما قدمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتكلم يوم القيامة و الآيات النافية له. 

  • توضيحه: أن الآيات المتعرضة لمسألة التكلم فيه صنفان: صنف ينفي التكلم أو يثبته لأفراد الناس من غير استثناء كقوله: {لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ} الرحمن: ٣٩، 

تفسير الميزان ج۱۱

16
  • و قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} النحل: ١١١. 

  • و صنف ينفي الكلام على أي نعت كان من صدق أو كذب كقوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} المرسلات: ٣٥، و قوله: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَ لاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} الشعراء: ١٠١. 

  • و الصنف الأول يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ} النبأ: ٣٨ و الصنف الثاني يرتفع التنافي بين طرفيه بالآية المبحوث عنها: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} لكن بالبناء على ما تقدم توضيحه في معنى إناطة التكلم بإذنه حتى يفيد أنهم ملجئون في ما تكلموا به مضطرون إلى ما يأذن الله سبحانه فيه ليس لهم أن يتكلموا بما يختارون و يريدون كما كان لهم ذلك في الدنيا ليكون ذلك مما يختص بيوم القيامة من الوصف. 

  • و بذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب المنار في تفسيره حيث قال في تفسير الآية: و نفي الكلام في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى يفسر لنا الجمع بين الآيات النافية له مطلقا و المثبتة له مطلقا انتهى. و قد ذكر قبله آيات فيها مثل قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} و قوله: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‌ أَفْوَاهِهِمْ} الآية. 

  • و ذلك أنه - أولا - لم يفرق بين الصنفين من الآيات فأوهم ذلك أن نفي الكلام إلا بإذنه في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التنافي بين الآيات مطلقا، و ليس كذلك. 

  • و - ثانيا - لم يبين معنى كون الكلام بإذنه تعالى فتوجه إليه إشكال تخصيص يوم القيامة في الآية بما لا يختص به. 

  • و قد يجاب عن إشكال التنافي بوجه آخر و هو أن يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف، و لم يؤذن لهم في الكلام في بعضها، و قد ورد ذلك في بعض الروايات. 

  • و هذا الجواب و إن كان بظاهره متميزا من الوجه السابق إلا أنه لا يستغني عن مسألة الإذن فهو في الحقيقة راجع إليه. 

  • و قد يجاب بأن المراد بعدم التكلم و النطق أنهم لا ينطقون بحجة، و إنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، و لوم بعضهم بعضا، و طرح بعضهم الذنوب على بعض، و هذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام و لا يشتمل على حجة: ما تكلمت بشي‌ء و لا نطقت بشي‌ء 

تفسير الميزان ج۱۱

17
  • فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه غير متكلم لأنه لم يأت بحق الكلام الذي كان من الواجب أن يشتمل على حجة فكأنه ليس بكلام فنفي التكلم ناظر إلى عد الكلام الذي لا جدوى فيه غير كلام ادعاء. 

  • و فيه: أنه لو صح فإنما يصح في مثل قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} و أما مثل قوله: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فلا يرجع إلى معنى محصل. 

  • و قد يجاب كما نقله الآلوسي عن الغرر و الدرر للمرتضى أن يوم القيامة يوم طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه، و يؤذن لهم في بعض آخر منه. 

  • و فيه: أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، و على قولهم يكون مثلا معنى قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ} هذا يوم لا ينطقون في بعضه و هو خلاف الظاهر، و يرد نظير الإشكال على الوجه الثاني الذي أجيب فيه عن الإشكال باختلاف المواقف فإن مرجع الوجهين أعني الوجه الثاني و هذا الوجه الرابع واحد و إنما الفرق أن الوجه الثاني يرفع التنافي باختلاف الأمكنة و هذا الوجه يرفعه باختلاف الأزمنة كما أن الوجه الثالث يرفعه باختلاف الكلام باشتماله على الجدوى و عدم اشتماله عليه. 

  • و قد يجاب بما يظهر من قول بعضهم: أن الاستثناء في قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} منقطع لا متصل أي لا تتكلم نفس باقتدار من عندها إلا بإذنه تعالى و محصل الوجه أن الممنوع من التكلم يوم القيامة هو الذي يكون بقدرة من الإنسان، و الجائز الواقع ما يكون بإذنه تعالى. 

  • و فيه: أن تكلم الإنسان كسائر أفعاله الاختيارية ليس مستندا إلى قدرته محضا في وقتٍ قط بل هو منسوب إلى قدرته مستمدا من قدرة الله تعالى و إذنه فكلما تكلم الإنسان أو فعل فعلا بقدرته صدر عنه ذلك عن قدرته بمصاحبة من إذن الله تعالى و يعود معنى الاستثناء حينئذ إلى إلغاء جميع الأسباب العاملة في التكلم يوم القيامة إلا واحدا منها هو إذنه تعالى، و يصير الاستثناء متصلا و يرجع إلى ما قدمناه من الوجه أولا أن التكلم الممنوع هو الاختياري منه على حد التكلم الدنيوي، و الجائز ما كان مستندا إلى السبب الإلهي فقط و هو إذنه و إرادته، و الظرف ظرف الاضطرار و الإلجاء لكنهم يرون 

تفسير الميزان ج۱۱

18
  • أن سبب الإلجاء يوم القيامة مشاهدة أهواله فإن الناس ملجئون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف و الإقرار و قول الصدق و اتباع الحق، و قد قدمنا أن السبب في ذلك كون الظرف ظرف جزاء لا عمل و بروز الحقائق عند ذلك. 

  • قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} السعادة و الشقاوة متقابلان فسعادة كل شي‌ء أن ينال ما لوجوده من الخير الذي يكمل بسببه و يلتذ به فهي في الإنسان - و هو مركب من روح و بدن - أن ينال الخير بحسب قواه البدنية و الروحية فيتنعم به و يلتذ، و شقاوته أن يفقد ذلك و يحرم منه، فهما بحسب الاصطلاح من العدم و الملكة، و الفرق بين السعادة و الخير إن السعادة هي الخير الخاص بالنوع أو الشخص و الخير أعم. 

  • و ظاهر قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} لا تفيد حصر أهل الجمع في الفريقين، و هو الملائم ظاهرا لتقسيمه تعالى الناس إلى مؤمن و كافر و مستضعف كالأطفال و المجانين و كل من لم تتم عليه الحجة في الدنيا إلا أن الغرض المسرودة له الآيات ليس بيان أصناف الناس بحسب العمل و الاستحقاق بل من حيث شأن هذا اليوم و هو أنه يوم مجموع له الناس و يوم مشهود لا يتخلف عنه أحد، و أنه ينتهي إلى جنة أو نار. 

  • و المستضعفون و إن كانوا صنفا ثالثا بالنسبة إلى من استحق بعمله الجنة و من استحق بعمله النار لكن من الضروري أنهم لا يذهبون سدى و لا يدوم عليهم الحال بالإبهام و الانتظار فهم بالآخرة ملحقون بإحدى الطائفتين: السعداء أو الأشقياء داخلون فيما دخلوا فيه من جنة أو نار، قال تعالى: {وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة: ١٠٦ و لازم هذا السياق أن ينحصر أهل الجمع في الفريقين: السعداء و الأشقياء فما منهم إلا سعيد أو شقي. 

  • فالآية نظير قوله تعالى في موضع آخر: {وَ تُنْذِرَ يَوْمَ اَلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ وَ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ اَلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ نَصِيرٍ} الشورى: ٨ حيث إن الجملة {فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ} بمعونة السياق تفيد الحصر و إن كانت وحدها بمعزل من الدلالة. 

  • و الذي تدل عليه الآية أن من كان هناك من أهل الجمع إما شقي متصف بالشقاء و إما سعيد متلبس بالسعادة و أما إن هذين الوصفين بماذا ثبتا لموضوعيهما؟ و أنهما هل هما ذاتيان 

تفسير الميزان ج۱۱

19
  • لموصوفيهما أو ثابتان بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها عنها أو يثبتان لهما عن اكتساب و عمل مع كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر إلى ذاتهما؟ فلا نظر في الآية إلى شي‌ء من ذلك غير أن وقوع الآية في سياق الدعوة إلى الإيمان و العمل الصالح، و الندب إلى اختيار الطاعة و ترك المعصية يدل على تيسير سبيل الوصول إلى السعادة كما قال تعالى: {ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} عبس: ٢٠. 

  • و بذلك يظهر فساد ما استفاده بعضهم من الآية من لزوم السعادة و الشقاوة للإنسان من حكمه تعالى في الآية بذلك، قال الرازي في تفسيره في ذيل الآية: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد و على بعضهم بأنه شقي، و من حكم الله عليه بحكم و علم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه، و إلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا و علمه جهلا، و ذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا، و أن الشقي لا ينقلب سعيدا. 

  • قال: و روي عن عمر أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} قلت: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ على شي‌ء قد فرغ منه أم على شي‌ء لم يفرغ منه؟ فقال: على شي‌ء قد فرغ منه يا عمر و جفت به الأقلام و جرت به الأقدار و لكن كلٌّ ميسر لما خلق له. قال و قالت المعتزلة: روي عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي بعمله و سعيد بعمله. قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات. 

  • و أيضا فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله و إنما سعد بعمله و لكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله و قدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا. انتهى. 

  • و هو من عجيب المغالطة؛ أما الذي سماه دليلا قاطعا فقد غالط فيه بأخذ زمان الحكم زمانا لنتيجته و أثره فمن البديهي أن الحكم الحق الآن باتصاف موضوع ما بصفة في المستقبل لا يستلزم الاتصاف بها إلا في المستقبل لا في زمان الحكم القائم بالحاكم و هو الآن، كما أن حكمنا في الليل بأن الهواء مضي‌ء بعد كم ساعة - و هو حكم - حق لا يوجب إضاءة الهواء ليلا. و حكمنا بأن الصبي سيصبح شيخا فانيا بعد ثمانين سنة، لا يستدعي كونه شيخا فانيا في زمان الحكم. 

  • فقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} و هو خبر منه تعالى بأن جماعة منهم أشقياء يوم القيامة و آخرون سعداء يوم القيامة إن كان حكما بشقاوتهم و سعادتهم كذلك فإنما هو حكم صادر منه في هذا الآن بأنهم كذا و كذا يوم القيامة و من المسلم أنه لا يتغير عما هو عليه في 

تفسير الميزان ج۱۱

20
  • ظرفه و إلا لزم أن يكون خبره تعالى كذبا و علمه جهلا لا أنه حكم صادر منه هذا الآن بأنهم كذا و كذا هذا الآن، و لا أنه حكم صادر منه هذا الآن بأنهم كذا و كذا دائما، و هو ظاهر. 

  • و ليت شعري ما الذي منعه أن يحكم بمثل هذا الحكم في سائر ما أخبر الله تعالى به من صفات الناس يوم القيامة فيحكم بأنهم مؤمنون دائما أو كافرون دائما و في الجنة قبل يوم القيامة و في النار قبل يوم القيامة لجريان دليله فيها و في غيرها كالشقاوة و السعادة على حد سواء. 

  • و أما ما أورده من الرواية و فيها قول النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) : «و لكن كل ميسر لما خلق له» فلا دلالة لها على ما ذكره أصلا و سيجي‌ء توضيح ذلك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. 

  • و أما قوله أخيرا: «لا نزاع أنه إنما شقي بعمله و إنما سعد بعمله و لكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله و قدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا» يريد أن تعلق القضاء بالعمل ـ و من المحال أن يتخلف متعلقه عما قضى عليه ـ توجب صيرورته ضروري الثبوت، و يكون الفعل بذلك مجبرا عليه لا اختياريا متساوي الفعل و الترك بالنسبة إلى الفاعل، لا تأثير للفاعل فيه و لا تأثير للعمل في حصول شقاوة أو سعادة، و إنما بين الفاعل و فعله، و بين الفعل و الأثر الحاصل بعده من شقاوة أو سعادة، صحابة اتفاقية جرت عادة الله سبحانه أن يوجد هذا قبل ذلك و ذلك بعد هذا من غير رابطة حقيقية بين الأمرين و لا تأثير حقيقي لأحدهما في الآخر. 

  • و هذه مغالطة أخرى ناشئة من الخلط بين نسبة الوجوب و نسبة الإمكان فإن للعمل علة تامة يجب بها وجوده، و هي إرادة الإنسان، و سلامة أدوات العمل منه، و وجود مادة قابلة للعمل، و الزمان، و المكان، و عدم الموانع و العوائق إلى غير ذلك فإذا اجتمعت و تمت و كملت كان ثبوت العمل ضروريا، فللعمل إليها نسبة هي نسبة الوجوب، و له إلى كل واحد من أجزاء علته التامة و من جملتها إرادة الإنسان نسبة هي نسبة الإمكان فإن العمل لا يجب وجوده بمجرد تحقق الإرادة فقط بل يمكن و إنما يجب لو انضمت إليه بقية أجزاء العلة. 

تفسير الميزان ج۱۱

21
  • فالعمل المتحقق بضرورة العلة التامة في عين هذا الحال له نسبة الوجوب إلى مجموع العلة التامة، و نسبة الإمكان إلى إرادة الإنسان، و لا تبطل نسبته الوجوبية إلى العلة التامة نسبته الإمكانية إلى إرادة الإنسان، و لا تقلبها عن الإمكان إلى الضرورة بل نسبة العمل إلى الإنسان بالإمكان دائما كما أن نسبته إلى المجموع الحاصل من الإنسان و بقية أجزاء العلة التامة بالوجوب دائما و طرفا الفعل و الترك متساويان بالنسبة إلى الإنسان أبدا كما أن أحد الطرفين من الفعل و الترك متعين بالنظر إلى العلة التامة أبدا. 

  • ينتج أن الفعل اختياري للإنسان في عين أنه لا يخلو في وجوده عن علة تامة موجبة له، و القضاء الحتم من صفاته تعالى الفعلية منتزع عن مقام الفعل و هو سلسلة العلل المترتبة بحسب نظام الوجود، و كون المعلولات ضرورية بالنسبة إلى عللها أي ضرورة كل مقضي بالنسبة إلى ما تعلق به من القضاء الإلهي لا ينافي كونه اختياريا للإنسان نسبته إليه نسبة الإمكان. فقد بان أنه أخذ نسبة العمل إلى الإنسان نسبة وجوب لا إمكان بتوهم أن كون العمل واجب الثبوت بالقضاء الإلهي يوجب كونه واجب الثبوت بالنسبة إلى الإنسان لا ممكنه. 

  • و بتقرير آخر واضح: تعلقُ علمه تعالى مثلا بأن خشبة كذا ستحرق بالنار يوجب وجوب تحقق الاحتراق المقيد بالنار لأنه الذي تعلق به العلم الحق، لا وجوب تحقق الاحتراق مطلقا سواء كانت هناك نار أو لم تكن إذ لم يتحقق علم بهذه الصفة، و كذا علمه تعالى بأن الإنسان سيعمل باختياره و إرادته عملا أو أنه سيشقى لعمل اختياري كذا يوجب وجوب تحقق العمل من طريق اختيار الإنسان لا وجوب تحقق عمل كذا سواء كان هناك اختيار أو لم يكن و سواء كان هناك إنسان أو لم يكن حتى تنقطع به رابطة التأثير بين الإنسان و عمله، و نظيره علمه بأن إنسانا كذا سيشقى بكفره اختياريا يستوجب تحقق الشقوة التي عن الكفر دون الشقوة مطلقة سواء كان هناك كفر أو لا. 

  • فاتضح أن علمه تعالى بعمل الإنسان لا يستوجب بطلان الاختيار و ثبوت الإجبار و إن كان معلومه تعالى لا يتخلف عن علمه، له الحكم لا معقب لحكمه. 

  • قوله تعالى: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ} قال في المجمع: الزفير أول نهاق الحمار و الشهيق‌ آخر نهاقه انتهى. و قال في الكشاف: الزفير إخراج 

تفسير الميزان ج۱۱

22
  • النفس و الشهيق رده انتهى. و قال الراغب في المفردات، الزفير تردد النفس حتى ينتفخ الضلوع منه. و قال: الشهيق‌ طول الزفير و هو رده و الزفير مده، قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ} ، {سمعوا لها تغيظا و زفيرا} و قال تعالى: {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً} و أصله من جبل شاهق أي متناهي الطول. انتهى. 

  • و المعاني - كما ترى متقاربة - و كأن في الكلام استعارة، و المراد أنهم يردون أنفاسهم إلى صدورهم ثم يخرجونها فيمدونها برفع الصوت بالبكاء و الأنين من شدة حر النار و عظم الكربة و المصيبة كما يفعل الحمار ذلك عند نهيقه. 

  • و كان الظاهر من سياق قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} أن يقال بعده: فأما الذي شقي ففي النار له فيها زفير و شهيق «إلخ» لكن السياق السابق عليه الذي افتتح به وصف يوم القيامة أعني قوله: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنَّاسُ وَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} مبني على الكثرة و الجماعة، و مقتضاها المضي على هيئة الجمع: الذين شقوا و الذين سعدوا، و إنما عبر بقوله، شقي و سعيد لما قيل قبله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ} فاختير المفرد المنكر ليفيد النفي بذلك الاستغراق و العموم فلما حصل الغرض بقوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} عاد السياق السابق المبني على الكثرة و الجماعة فقيل: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا} بلفظ الجمع إلى آخر الآيات الثلاث. 

  • قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}. بيان لمكث أهل النار فيها كما أن الآية التالية: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} بيان لمكث أهل الجنة فيها و تأييد لاستقرارهم في مأواهم. 

  • قال الراغب في المفردات: الخلود هو تبري الشي‌ء من اعتراض الفساد و بقاؤه على الحالة التي هو عليها، و كل ما يتباطأ عنه التغيير و الفساد يصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي۱: خوالد و ذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها يقال خلد يخلد خلودا قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} و الخلد - بالفتح فالسكون - اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على 

    1. الأثافي، جمع الأثفية بضم الهمزة و هي الحجر الذي توضع عليه القدر و هما أثفيتان.

تفسير الميزان ج۱۱

23
  • حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيا استحالة سائر أجزائه، و أصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة، و منه قيل: رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب، و دابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها ثم أستعير للمبقي دائما. 

  • و الخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها قال تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}

  • و قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} قيل: مبقون بحالتهم لا يعتريهم الفساد، و قيل: مقرطون بخلدة، و الخلدة ضرب من القرطة، و إخلاد الشي‌ء جعله مبقى و الحكم عليه بكونه مبقى، و على هذا قوله سبحانه: {وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ} أي ركن إليها ظانا أنه يخلد فيها. انتهى. 

  • و قوله: {مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} نوع من التقييد يفيد تأكيد الخلود و المعنى دائمين فيها دوام السماوات و الأرض لكن الآيات القرآنية ناصة على أن السماوات و الأرض لا تدوم دوام الأبد و هي مع ذلك ناصة على بقاء الجنة و النار بقاء لا إلى فناء و زوال. 

  • و من الآيات الناصة على الأول قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى} الأحقاف: ٣، و قوله: {يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمَاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء: ١٠٤، و قوله: {وَ اَلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} الزمر: ٦٧، و قوله: {إِذَا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا وَ بُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} الواقعة: ٦. 

  • و منها في النص على الثاني قوله تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} التغابن: ٩، و قوله: {وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لاَ نَصِيراً} الأحزاب: ٦٥. 

  • و على هذا يشكل الأمر في الآيتين من جهتين: 

  • إحداهما تحديد الخلود المؤبد بمدة دوام السماوات و الأرض و هما غير مؤبدتين لما مر من الآيات. 

تفسير الميزان ج۱۱

24
  • و ثانيتهما تحديد الأمر الخالد الذي تبتدئ من يوم القيامة و هو كون الفريقين في الجنة و النار و استقرارهما فيهما، بما ينتهي أمد وجوده إلى يوم القيامة و هو السماوات و الأرض، و هذا الإشكال الثاني أصعب من الأول لأنه وارد حتى على من لا يرى الخلود في النار أو في الجنة و النار معا بخلاف الأول. 

  • و الذي يحسم الإشكال أنه تعالى يذكر في كلامه أن في الآخرة أرضا و سماوات و إن كانت غير ما في الدنيا بوجه، قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمَاوَاتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ} إبراهيم: ٤٨، و قال حاكيا عن أهل الجنة: {وَ قَالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} الزمر: ٧٤، و قال يعد المؤمنين و يصفهم: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدَّارِ} الرعد: ٢٢. 

  • فللآخرة سماوات و أرض كما أن فيها جنة و نارا و لهما أهلا و قد وصف الله سبحانه الجميع بأنها عنده، و قال: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ} النحل: ٩٦ فحكم بأنها باقية غير فانية. 

  • و تحديد بقاء الجنة و النار و أهلهما بمدة دوام السماوات و الأرض إنما هو من جهة أن السماوات و الأرض مطلقا و من حيث أنهما سماوات و أرض مؤبدة غير فانية، و إنما تفنى هذه السماوات و الأرض التي في هذه الدنيا على النظام المشهود و أما السماوات التي تظل الجنة مثلا و الأرض التي تقلها و قد أشرقت بنور ربها فهي ثابتة غير زائلة فالعالم لا تخلو منهما قط، و بذلك يندفع الإشكالان جميعا. 

  • و قد أشار في الكشاف إلى هذا الوجه إجمالا حيث قال: و الدليل على أن لها سماوات و أرضا قوله سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمَاوَاتُ} و قوله سبحانه: {وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} و لأنه لا بد لأرض الآخرة مما تقلهم و تظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى أو يظلهم العرش، و كل ما أظلك فهو سماء انتهى. 

  • و إن كان الوجه الذي أشار إليه ثانيا سخيفا لأنه إثبات للسماء و الأرض من جهة الإضافة و أن الجنة و النار لا بد أن يتصور لهما فوق و تحت فيكون الجنة و النار أصلا و سماؤهما و أرضهما تبعين لهما في الوجود، و لازمه تحديد بقاء سمائهما و أرضهما بمدة دوامها لا بالعكس كما فعل في الآية. 

تفسير الميزان ج۱۱

25
  • على أن لازم هذا الوجه لزوم أن يتحقق للجنة و النار أرض و سماء و أما السماوات بلفظ الجمع كما في الآية فلا، فيبقى الإشكال في السماوات على حاله. 

  • و بما تقدم يندفع أيضا ما أورده عليه القاضي في تفسيره حيث قال: و فيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده و دوامه و من عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب و العقاب فلا يجدي له التشبيه. انتهى. 

  • و مراده أن الآية تشبه دوام الجنة و النار بأهلهما بدوام السماوات و الأرض فلو كان المراد بهما سماوات الآخرة و أرضها و لا يعرف أكثر الخلق وجودها و دوامها كان ذلك من تشبيه الأجلى بالأخفى و هو غير جائز في الكلام البليغ. 

  • و جوابه: أنا إنما عرفنا دوام الجنة و النار بأهلهما من كلامه تعالى كما عرفنا وجود سماوات و أرض لهما و كذا أبدية الجميع من كلامه فأي مانع من تحديد إحدى حقيقتين مكشوفتين من كلامه من حيث البقاء بالأخرى في كلامه، و إن كانت إحدى الحقيقتين أعرف عند الناس من الأخرى بعد ما كانت كلتاهما مأخوذتين من كلامه لا من خارج. 

  • و يندفع به أيضا ما ذكره الآلوسي في ذيل هذا البحث أن المتبادر من السماوات و الأرض هذه الأجرام المعهود عندنا فالأولى أن يلتمس هناك وجه آخر غير هذا الوجه انتهى ملخصا. 

  • وجه الاندفاع أن الآيات القرآنية إنما تتبع فهم أهل اللسان في مفاهيمها الكلية التي تعطيها اللغة و العرف، و أما في مقاصدها و تشخيص المصاديق التي تجري عليها المفاهيم فلا، بل السبيل المتبع فيها هو التدبر الذي أمر به الله سبحانه و إرجاع المتشابه إلى المحكم و عرض الآية على الآية؛ فإن القرآن يشهد بعضه على بعض و ينطق بعضه ببعض و يصدق بعضه بعضا كما في الروايات، فليس لنا إذا سمعناه تعالى يقول: إنه واحد أحد أو عالم قادر حي مريد سميع بصير أو غير ذلك أن نحملها على ما هو المتبادر عند العرف من المصاديق، بل على ما يفسرها نفس كلامه تعالى و يكشفه التدبر البالغ من معانيها، و قد استوفينا هذا البحث في الكلام على المحكم و المتشابه في الجزء الثالث من الكتاب. 

  • و قد وردت في الروايات و في كلمات المفسرين توجيهات أخرى للآية نورد منها ما عثرنا عليه و ليكن الذي أوردناه أولها. 

تفسير الميزان ج۱۱

26
  •  الوجه الثاني: أن المراد سماوات الجنة و النار و أرضهما أي ما يظلهما و ما يقلهما فإن كل ما علاك و أظلك فهو سماء و ما استقرت عليه قدمك فهو أرض، و بعبارة أخرى المراد بهما ما هو فوقهما و ما تحتهما. 

  • و هذا هو الوجه الذي ذكره الزمخشري في آخر ما نقلناه من كلامه آنفا، و قد عرفت الإشكال فيه. على أن هذا الوجه لا يفي لبيان السبب في إيراد السماوات في الآية بلفظ الجمع كما تقدم. 

  • الوجه الثالث: أن المراد ما دامت الآخرة و هي دائمة أبدا كما أن دوام السماء و الأرض في الدنيا قدر مدة بقائها، و لعل المراد أن قوله: «ما دامت السماوات و الأرض» موضوع وضع التشبيه كقولك: كلمته تكليم المستهزئ الهازى‌ء به أي مثل تكليم من يستهزئ و يهزأ به. 

  • و فيه: أنه لو أريد بذلك التشبيه كما ذكرناه أفاد خلاف المقصود أعني الانقطاع، و لو أريد غير ذلك لم يف بذلك اللفظ. 

  • الوجه الرابع: أن المراد به التبعيد و إفادة الأبدية لا أن المراد به التحديد بمدة بقاء السماوات و الأرض بعينها فإن للعرب ألفاظا كثيرة يستخدمونها في إفادة التأبيد من غير أن يريدوا بها المعاني التي تحت تلك الألفاظ كقولهم: الأمر كذا و كذا ما اختلف الليل و النهار، و ما ذر شارق، و ما طلع نجم، و ما هبت نسيم، و ما دامت السماوات و قد استراحوا إليها و إلى أشباهها ظنا منهم أن هذه الأشياء دائمة باقية لا تبيد أبدا ثم استعملوها كأنها موضوعة للتبعيد. 

  • و فيه: أنهم إنما استعملوها في التأبيد و أكثروا منه ظنا منهم أن هذه الأمور دائمة مؤبدة، و أما من يصرح في كلامه بأنها مؤجلة الوجود منقطعة فانية و يعد الإيمان بذلك إحدى فرائض النفوس فلا يحسن منه وضعها في الكلام موضع التأبيد بأي صورة تصورت. كيف لا؟ و قد قال تعالى: {مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى} الأحقاف: ٣ و كيف يصح مع ذلك أن يقال: إن الجنة و النار خالدتان أبدا ما دامت السماوات و الأرض. 

  • الوجه الخامس: أن يكون المراد أنهم خالدون بمدة بقاء السماوات و الأرض التي 

تفسير الميزان ج۱۱

27
  • يعلم انقطاعها ثم يزيدهم الله سبحانه على ذلك، و يخلدهم و يؤبد مقامهم، و هذا مثل أن يقال: هم خالدون كذا و كذا سنة، ثم يضيف تعالى إلى ذلك ما لا يتناهى من الزمان كما يقال في قوله تعالى: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} النبأ: ٢٣ أي أحقابا ثم يزادون على ذلك. 

  • و فيه: أنه على الظاهر مبني على استفادة بعض المدة من قوله: {مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} و البعض الآخر الذي لا يتناهى من قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} و دلالته على ذلك تتوقف على تقدير أمور لا دلالة عليه من اللفظ أصلا. 

  • الوجه السادس: أن المراد بالنار و الجنة نار البرزخ و جنتها و هما خالدتان ما دامت السماوات و الأرض، و إذا انتهت مدة بقاء السماوات و الأرض بقيام القيامة خرجوا منها لفصل القضاء في عرصات المحشر. 

  • و فيه: أنه خلاف سياق الآيات فإن الآيات تفتتح بذكر يوم القيامة و توصيفها بما له من الأوصاف، و من المستبعد أن يشرع في البيان بذكر أنه يوم مجموع له الناس، و أنه يوم مشهود، و أنه يوم إذا أتى لا تكلم نفس إلا بإذنه حتى إذا اتصل بأخص أوصافه و أوضحها و هو الجزاء بالجنة و النار الخالدتين عدل إلى ذكر ما في البرزخ من الجنة و النار الخالدتين إلى ظهور يوم القيامة المنقطعتين به. 

  • على أن الله سبحانه يذكر عذاب أهل البرزخ بالعرض على النار لا بدخول النار قال تعالى: {وَ حَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذَابِ اَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ} المؤمن: ٤٦. 

  • الوجه السابع: أن المراد بدخول النار الدخول في ولاية الشيطان و بالكون في الجنة الكون في ولاية الله فإن ولاية الله هي التي تظهر جنة في الآخرة يتنعم فيها السعداء. و ولاية الشيطان هي التي تتصور بصورة النار فتعذب المجرمين يوم القيامة كما تفيده الآيات الدالة على تجسم الأعمال. 

  • فالأشقياء بسبب شقائهم يدخلون النار و ربما خرجوا منها إن أدركتهم العناية و التوفيق كالكافر يؤمن بعد كفره و المجرم يتوب عن إجرامه، و السعداء يدخلون الجنة بسعادتهم و ربما خرجوا منها إن أضلهم الشيطان و أخلدوا إلى الأرض و اتبعوا أهواءهم كالمؤمن يرتد كافرا و الصالح يعود طالحا. 

تفسير الميزان ج۱۱

28
  • و فيه: ما أوردناه على سابقه من كونه خلاف ما يظهر بمعونة السياق فإن الآيات تعد ما ليوم القيامة من الأوصاف الخالصة الهائلة المدهشة التي تذوب القلوب و تطير العقول باستماعها و التفكر فيها لتنذر به أولي الاستكبار و الجحود من الكفار و يرتدع به أهل المعاصي و الذنوب. 

  • فيستبعد أن يذكر فيها أنه يوم مجموع له الناس و يوم مشهود و يوم لا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه ثم يذكر أن الكفار و أهل المعاصي في نار منذ كفروا و أجرموا إلى يوم القيامة، و أهل الإيمان و العمل الصالح في جنة منذ آمنوا و عملوا صالحا فإن هذا البيان لا يلائم السياق - أولا - من جهة أن الآيات تذكر أوصاف يوم القيامة الخاصة به لا ما قبله المنتهي إليه، و - ثانيا - من جهة أن الآيات مسوقة للإنذار و التبشير، و هؤلاء الكفار و المجرمون أهل الاستكبار و الطغيان لا يعبئون بمثل هذه الحقائق المستورة عن حواسهم، و لا يرون لها قيمة، و لا ينتهون بالخوف من مثل هذه الشقاوة و الرجاء لمثل هذه السعادة المعنوية و هو ظاهر، نعم هو معنى صحيح في نفسه في باطن القرآن. 

  • و هاهنا وجوه أخر يمكن أن تستفاد من مختلف أنظارهم في تفسير قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} طوينا ذكرها هاهنا إيثارا للاختصار لأنها تشترك مع الوجوه الآتية التي سنوردها في تفسير الجملة، ما يرد عليها من الإشكال فلنكتف بذلك. 

  • و قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} استثناء مما سبقه من حديث الخلود في النار، و نظيرتها الجملة الواقعة بعد ذكر الخلود في الجنة، و {مَا} في قوله: {مَا شَاءَ رَبُّكَ} مصدرية و التقدير - على هذا - إلا أن يشاء ربك عدم خلودهم و لكن يضعفه قوله بعد: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فإن {مَا} هاهنا موصولة، و المراد بقوله {مَا شَاءَ} و قوله: {لِمَا يُرِيدُ} واحد. 

  • و إما موصولة و الاستثناء من مدة البقاء المحكوم بالدوام الذي يستفاد من السياق، و المعنى هم خالدون في جميع الأزمنة المستقبلة المتتالية إلا ما شاء ربك من الزمان، أو الاستثناء من ضمير الجمع المستتر في خالدين و المعنى هم جميعا خالدون فيها إلا من شاء الله أن يخرج منها و يدخل في الجنة فيكون تصديقا لما في الأخبار أن المذنبين و العصاة من المؤمنين لا يدومون في النار بل يخرجون منها و يدخلون الجنة بالآخرة للشفاعة، فإن 

تفسير الميزان ج۱۱

29
  • خروج البعض من النار كاف في انتفاض العموم و صحة الاستثناء. 

  • و يبقى الكلام في إيقاع {مَا }في قوله {مَا شَاءَ} على من يعقل و لا ضير فيه و إن لم يكن شائعا لوقوعه في كلامه تعالى كقوله {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ } النساء - ٣. 

  • و الكلام في الآية التالية {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} إلخ، نظير الكلام في هذه الآية لاشتراكهما في السياق غير أن الاستثناء في آية الجنة يعقبه قوله {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} و لازمه أن لا يكون الاستثناء مشيرا إلى تحقق الوقوع فإنه لا يلائم كون الجنة عطاء غير مقطوع بل مشيرا إلى إمكان الوقوع و المعنى أن أهل الجنة فيها أبدا إلا أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية و هم غير خارجين و الله غيرُ شاءٍ ذلك أبدا. 

  • فيكون الاستثناء مسوقا لإثبات قدرة الله المطلقة و أن قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة و سلطنته لا تنفد و ملكه لا يزول و لا يبطل و أن الزمان بيده، و قدرتُه و إحاطته باقية على ما كانت عليه قبل فله تعالى أن يخرجهم من الجنة و إن وعد لهم البقاء فيها دائما لكنه تعالى لا يخرجهم لمكان وعده و الله لا يخلف الميعاد. 

  • و الكلام في الاستثناء الواقع في هذه الآية أعني آية النار نظيره في آية الجنة لوحدة السياق بالمقابلة و المحاذاة و إن اختتمت الآية بقوله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} و فيه من الإشارة إلى التحقق ما لا يخفى. 

  • فأهل الخلود في النار كأهل الخلود في الجنة لا يخرجون منها أبدا إلا أن يشاء الله سبحانه ذلك لأنه على كل شي‌ء قدير و لا يوجب فعل من الأفعال إعطاء أو منع سلب قدرته على خلافه أو خروج الأمر من يده لأن قدرته مطلقة غير مقيدة بتقدير دون تقدير أو بأمر دون أمر قال تعالى {وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ } إبراهيم - ٢٧ و قال {يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ} الرعد - ٣٩ إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و لا منافاة بين هذا الوجه و بين ما ورد في الأخبار من خروج بعض المجرمين منها بمشية الله كما لا يخفى. 

تفسير الميزان ج۱۱

30
  • هذا وجه في الاستثناء و هنا وجوه أخر أنهى الجميع في مجمع البيان، إلى عشرة فليكن ما ذكرناه أولها. 

  • و ثانيهما: أنه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار و الزيادة من النعيم لأهل الجنة و التقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثني من القليل و على هذا فيكون إلا بمعنى سوى أي سوى ما شاء ربك كما يقال ما كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد. 

  • و فيه: أنه مبني على عدم إفادة قوله: {مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} الدوام و الأبدية و قد عرفت خلافه. 

  • و ثالثها: أن الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر لأنهم ليسوا في جنة و لا نار و مدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت و الحياة لأنه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا و لم يستثن لظن الظان أنهم يكونون في النار و الجنة من لدن نزول الآية أو من بعد انقطاع التكليف فحصل للاستثناء فائدة. 

  • فإن قيل كيف يستثني من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها فالجواب أن ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل الدخول فيها. 

  • و فيه: أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ على أن هذا الوجه بظاهره مبني على إفادة قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} الشقاوة و السعادة الجبريتين من غير اكتساب و اختيار و قد عرفت ما فيه. 

  • و رابعها: أن الاستثناء الأول متصل بقوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ} و تقديره إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين و لا يتعلق الاستثناء بالخلود و في أهل الجنة متصل بما دل عليه الكلام فكأنه قال لهم فيها نعيم إلا ما شاء ربك من أنواع النعيم و إنما دل عليه قوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}

تفسير الميزان ج۱۱

31
  • و فيه: أنه قطع لاتصال السياق و وحدته من غير دليل و فيه أخذ {إِلاَّ} الأولى بمعنى سوى و {إِلاَّ} الثانية بمعنى الاستثناء على أنه لا قرينة هناك على تعلق {إِلاَّ} الأولى بقوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ} و لا أن قوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} يدل على ما ذكره فإنه إنما يدل على دوام العطاء لا على جميع أنواع العطاء أو بعضها. 

  • ثم أية فائدة في استثناء بعض أنواع النعيم و إظهار ذلك للسامعين و المقام مقام التطميع و التبشير و الظرف ظرف الدعوة و الترغيب فهذا من أسخف الوجوه. 

  • و خامسها: أن {إِلاَّ} بمعنى الواو و إلا كان الكلام متناقضا و المعنى خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض و ما شاء ربك من الزيادة على ذلك. 

  • و فيه: أن كون {إِلاَّ} بمعنى الواو لم يثبت و إنما ذكره الفراء لكنهم ضعفوه على أن الوجه مبني على عدم إفادة التقدير و التحديد السابق على الاستثناء في الآيتين الدوام و قد عرفت ما فيه. 

  • و سادسها: أن المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل التوحيد و هم الذين ضموا إلى إيمانهم و طاعتهم ارتكاب معاص توجب دخول النار فأخبر سبحانه أنهم معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من إخراجهم منها إلى الجنة و إيصال ثواب طاعاتهم إليهم. 

  • و أما الاستثناء الذي في أهل الجنة فهو استثناء من خلودهم أيضا لأن من ينقل من النار إلى الجنة و يخلد فيها لا بد في الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدم من حاله فكأنه قال إنهم في الجنة خالدين فيها إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار. 

  • قالوا: و الذين شقوا في هذا القول هم الذين سعدوا بأعيانهم و إنما أجري عليهم كل من الوصفين في الحال الذي يليق به ذلك فإذا أدخلوا في النار و عوقبوا فيها فهم أهل شقاء و إذا أدخلوا في الجنة و أثبتوا فيها فهم أهل سعادة، و نسبوا هذا القول إلى ابن عباس و جابر بن عبد الله و أبي سعيد الخدري من الصحابة و جماعة من التابعين. 

  • و فيه: أنه لا يلائم السياق فإنه تعالى بعد ما ذكر في صفة يوم القيامة أنه يوم مجموع له الناس قسم أهل الجمع إلى قسمين بقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} و من المعلوم أن 

تفسير الميزان ج۱۱

32
  • قوله: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا} إلخ، و قوله: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} مبدوين بأما التفصيلية مسوقان لتفصيل ما أجمل في قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} و لازم ذلك كون المراد بالذين شقوا جميع أهل النار لا طائفة منهم خاصة و المراد بالذين سعدوا جميع أصحاب الجنة لا خصوص من أخرج من النار و أدخل الجنة. 

  • اللهم إلا أن يقال: المراد بقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ } أيضا وصف طائفة خاصة بأعيانهم كما أن المراد بالذين شقوا و الذين سعدوا طائفة واحدة بأعيانهم و المعنى أن بعض أهل الجمع شقي و سعيد معا و هم الذين أدخلوا النار و استقروا فيها خالدين ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها و يدخلهم الجنة و يسعدهم بها فيخلدوا فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا مقدارا من الزمان كانوا فيه أشقياء ساكنين في النار قبل أن يدخلوا الجنة. 

  • لكن ينتقل ما قدمناه من الإشكال حينئذ إلى ما ادعي من معنى قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} فالسياق الظاهر في وصف أهل الجمع عامة لا يساعد على إرادة طائفة خاصة منهم بقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} أولا ثم تفصيل حالهم بتفريقهم و هم جماعة واحدة بعينهم و إيرادهم في صورة موضوعين اثنين لحكمين مع تحديدين بدوام السماوات و الأرض ثم استثناءين ليس المراد بهما إلا واحد و أي فائدة في هذا التفصيل دون أن يورث لبسا في المعنى و تعقيدا في النظم؟

  • و يمكن أن يقرر هذا الوجه على وجه التعميم بأن يقال المراد بقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} تقسيم عامة أهل الجمع إلى الشقي و السعيد و المراد بقوله: {اَلَّذِينَ شَقُوا} جميع أهل النار و بقوله: {اَلَّذِينَ سُعِدُوا} جميع أصحاب الجنة و يكون المراد بالاستثناء في الموضعين استثناء حال الفساق من أهل التوحيد الذين يخرجهم الله تعالى من النار و يدخلهم الجنة و حينئذ يسلم من جل ما كان يرد على الوجه السابق من الإشكال. 

  • و سابعها: أن التعليق بالمشية إنما هو على سبيل التأكيد للخلود و التبعيد للخروج لأن الله سبحانه لا يشاء إلا خلودهم على ما حكم به فكأنه تعليق لما لا يكون بما لا يكون لأنه لا يشاء أن يخرجهم منها. 

  • و هذا الوجه يشارك الوجه الأول في دعوى أن الاستثناء في الموردين غير مسوق 

تفسير الميزان ج۱۱

33
  • لنقض الخلود غير أن الوجه الأول يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان إطلاق القدرة الإلهية و هذا الوجه يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان أن الخلود لا ينتقض بسبب من الأسباب إلا أن يشاء الله انتقاضه و لن يشاء أصلا. 

  • و هذا هو وجه الضعف فيه فإن قوله و لن يشاء أصلا لا دليل عليه، هب أن قوله في أهل الجنة: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} يشعر أو يدل على ذلك، لكن قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} لا يشعر به و لا يدل عليه لو لم يشعر بخلافه كما هو ظاهر. 

  • و ثامنها: أن المراد به استثناء الزمان الذي سبق فيه طائفة من أهل النار دخولها قبل طائفة و كذا في الطوائف الذين يدخلون الجنة فإنه تعالى يقول {وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‌ جَهَنَّمَ زُمَراً } ، {وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً} فالزمرة منهم يدخل بعد الزمرة و لا بد أن يقع بينهما تفاوت في الزمان و هو الذي يستثنيه تعالى بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} و نقل الوجه عن سلام بن المستنير البصري. 

  • و فيه: أن الظاهر من قوله: {فَفِي اَلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} و كذا في قوله: {فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ} إلخ، أن الوصف ناظر إلى مدة الكون في النار أو الجنة من جهة النهاية لا من جهة البداية. 

  • على أن المبدأ للاستقرار في النار أو في الجنة على أي حال هو يوم القيامة، و لا يتفاوت الحال في ذلك من جهة دخول زمرة بعد زمرة و التفاوت الزماني الحاصل من ذلك. 

  • و تاسعها: أن المعنى كونهم خالدين في النار معذبين فيها مدة كونهم في القبور ما دامت السماوات و الأرض في الدنيا، و إذا فنيتا و عدمتا انقطع عذابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب، و قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} استثناء وقع على ما يكون في الآخرة، نقله في مجمع البيان، عن شيخنا أبي جعفر الطوسي في تفسيره ناقلا عن جمع من أصحابنا في تفاسيرهم. 

  • و فيه: أن مرجعه إلى الوجه الثاني المبني على أخذ {إِلاَّ} بمعنى سوى مع اختلاف ـ 

تفسير الميزان ج۱۱

34
  • ما في التقرير، و قد عرفت ما يرد عليه. 

  • و عاشرها: أن المراد إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار فالاستثناء من الضمير العائد إلى الذين شقوا، و التقدير فأما الذين شقوا فكائنون في النار إلا من شاء ربك، و الظاهر أن هذا القائل يوجه الاستثناء في ناحية أهل الجنة: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} - إلى قوله - {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} بأن المراد به أهل التوحيد الخارجون من النار إلى الجنة كما تقدم في بعض الوجوه السابقة، و المعنى أن السعداء في الجنة خالدين فيها إلا الفساق من أهل التوحيد فإنهم في النار ثم يخرجون فيدخلون الجنة، و نسب الوجه إلى أبي مجاز. 

  • و فيه: أن ما ذكره إنما يجري في أول الاستثنائين فالثاني من الاستثناءين لا بد أن يوجه بوجه آخر، و هو كائنا ما كان يوجب انتقاض وحدة السياق في الآيتين. 

  • على أن العصاة من المؤمنين الذين يعفو عنهم الله سبحانه فلا يدخلهم النار من رأس لا يعفى عنهم جزافا و إنما يعفى لصالح عمل عملوه أو لشفاعة فيصيرون بذلك سعداء فيدخلون في الآية الثانية: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ} إلخ، من غير أن يدخلوا في زمرة الأشقياء ثم يستثنوا لعدم دخولهم النار، و بالجملة هم ليسوا بأشقياء حتى يستثنوا بل سعداء داخلون في الجنة من أول. 

  • و قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} تعليل للاستثناء، و تأكيد لثبوت قدرته تعالى مع العمل على حال إطلاقها كما تقدم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} قرئ: سعدوا، بالبناء للمجهول و بالبناء للمعلوم و الثاني أوفق باللغة، لأن مادة سعد لازمة في المعروف من استعمالهم لكن الأول و هو سعدوا بالبناء للمجهول مع كون {شَقُوا} في الآية السابقة بالبناء للمعلوم لا يخلو عن إشارة لطيفة إلى أن السعادة و الخير من الله سبحانه و الشر الملحق بهم هو من عندهم كما قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى‌ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً} النور: ٢١. 

  • و الجذ: هو القطع و عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، وعده تعالى الجنة عطاء غير مجذوذ مع سبق الاستثناء من الخلود بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} من أحسن الشواهد 

تفسير الميزان ج۱۱

35
  • على أن مراده باستثناء المشية إثبات بقاء إطلاق قدرته و أنه مالك الأمر لا يخرج زمامه من يده قط. 

  • و يجري في هذه الآية جميع ما تقدم من الأبحاث المشابهة في الآية السابقة إلا ما كان من الوجوه مبنيا على كون المستثنى في قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} من دخل النار أولا ثم خرج منها إلى الجنة ثانيا، و ذلك أن من الجائز أن يخرج من نار الآخرة بعض من دخله لكن لا يخرج من جنة الآخرة و هي جنة الخلد أحد ممن دخلها جزاء أبدا، و هو كالضروري من الكتاب و السنة، و قد تكاثرت الآيات و الروايات في ذلك بحيث لا يرتاب في دلالتها على ذلك ذو ريب، و إن كانت دلالة الكتاب على خروج بعض من في النار منها ليس بذاك الوضوح. 

  • قال في مجمع البيان في وجوب دخول أهل الطاعة الجنة و عدم جواز خروجهم منها: لإجماع الأمة على أن من استحق الثواب فلا بد أن يدخل الجنة، و أنه لا يخرج منها بعد دخوله فيها. انتهى. 

  • مسألة «وجوب دخول أهل الثواب الجنة» مبنية على قاعدة عقلية مسلمة و هي أن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد لأن الذي تعلق به الوعد حق للموعود له، و عدم الوفاء به إضاعة لحق الغير و هو من الظلم و أما الوعيد فهو جعل حق للموعد على التخلف الذي يوعد به له، و ليس من الواجب لصاحب الحق أن يستوفي حقه بل له أن يستوفي و له أن يترك و الله سبحانه وعد عباده المطيعين الجنة بإطاعتهم، و أوعد العاصين النار بعصيانهم فمن الواجب أن يدخل أهل الطاعة الجنة توفية للحق الذي جعله لهم على نفسه، و أما عقاب العاصين فهو حق جعله لنفسه عليهم فله أن يعاقبهم فيستوفي حقه و له أن يتركهم بترك حق نفسه. 

  • و أما مسألة عدم الخروج من الجنة بعد دخولها فهو مما تكاثرت عليه الآيات و الروايات، و الإجماع الذي ذكره مبني على الذي تسلموه من دلالة الكتاب و السنة أو العقل على ذلك، و ليس بحجة مستقلة. 

تفسير الميزان ج۱۱

36
  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور: أخرج البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن الله سبحانه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: {وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرى‌ وَ هِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}. 

  • و فيه: أخرج الترمذي و حسّنه و أبو يعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} قلت: يا رسول الله فعلام نعمل، على شي‌ء قد فرغ منه أو على شي‌ء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شي‌ء قد فرغ منه، و جرت به الأقلام يا عمر، و لكن كل ميسر لما خلق له‌. 

  • أقول: و هذا اللفظ مروي عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) بطرق متعددة من طرق أهل السنة كما في صحيح البخاري عن عمران بن الحصين قال: قلت يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟ قال: «كل ميسر لما خلق له» .

  • و فيه أيضا عن علي (كرم الله وجهه) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض فقال ما منكم أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار. قالوا: أ لا نتكل؟ قال: اعملوا «فكل ميسر لما خلق له» و قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‌ وَ اِتَّقى‌} إلخ. 

  • و لتوضيح ذلك نقول: إنه لا يخفى على ذي مسكة أن كلا من الحوادث الجارية في هذا العالم من أعيان و آثارها ما لم يلبس لباس التحقق و الوجود فهو على حد الإمكان و للإمكان نسبة إلى الوجود و العدم معا، فالخشبة ما لم تصر رمادا بالاحتراق لها إمكان أن تصير رمادا و أن لا تصير، و المني ما لم يصر إنسانا بالفعل فلها إمكان الإنسانية أي أنها تحمل استعداد أن يصير إنسانا إن اجتمع معها بقية أجزاء العلة الموجبة للإنسانية و استعداد أن يبطل فيصير شيئا غير الإنسان. 

  • و إذا تلبس بلباس الوجود و صار مثلا رمادا بالفعل و إنسانا بالفعل بطل عند ذلك 

تفسير الميزان ج۱۱

37
  • عنه الإمكان الذي كان ينسبه إلى الرماد و غيره معا و إلى الإنسان و عدمه معا، و صار إنسانا فحسب يمتنع غيره و رمادا يمتنع مع هذه الفعلية غيره. 

  • و بهذا يتضح أنا إذا أخذنا الفعليات و نسبناها إلى عللها الموجبة لها و هكذا نسبنا عللها إلى علل العلل كان العالم بهذه النظرة سلسلة من الفعليات لا يتغير شي‌ء منها عما هو عليه، و بطل الإمكانات و الاستعدادات و الاختيارات جميعا، و إذا نظرنا إلى الأمور من جهة الإمكانات و الاستعدادات التي تحملها بالنسبة إلى غايات حركاتها لم يخرج شي‌ء من الأشياء المادية من حيز الإمكان و مستقر الاختيار. 

  • فللكون وجهان: وجه ضرورة و فعلية يتعين فيه كل جزء من أجزائه من عين أو أثر عين، و لا يقبل أي إبهام و تردد، و أي تغيير و تبديل و هو الوجه الذي تقوم فيه المسببات بأسبابها الموجبة و المعلولات بعللها التامة التي لا تنفك عن مقتضياتها و لا تتخلف معلولاتها عنها و لا تنفع في تغييرها عما هي عليه حيلة، و لا في تبديلها سعي و لا حركة. 

  • و وجه آخر هو وجه الإمكان و صورة الاستعداد و القابلية لا يتعين بحسبه شي‌ء إلا بعد الوقوع، و لا يخرج عن الإبهام و الإجمال إلا بعد التحقق، و عليه يقوم ناموس الاختيار، و به يتقوم السعي و الحركات، و يبتني العمل و الاكتساب، و إليه تركن التعاليم و التربية و الخوف و الرجاء و الأماني و الأهواء، و به تنجح الدعوة و الأمر و النهي و يصح الثواب و العقاب. 

  • و من الضروري أن الوجهين لا يتدافعان في الوجود و لا يبطل أحدهما الآخر فللفعلية ظرفها و للإمكان و الاستعداد ظرفه كما لا يدفع إبهام الحادثة الفلانية تعينها بعد التحقق، و لا تعينها بعده إبهامها قبله. 

  • و الوجه الأول هو وجه القضاء الإلهي، و لا يبطل تعيين الحوادث بحسبه عدم تعينها بحسب ظرف الدعوة و العمل و الاكتساب، و سنستوفي البحث في ذلك عند ما نضع الكلام في القضاء و القدر فيما يناسبه من الموضع إن شاء الله تعالى. 

  • و لنرجع إلى الأحاديث: 

  • التأمل في سياقها يعطي أنهم فهموا من كتابة السعادة و الشقاوة و الجنة و النار و جريان القلم بذلك، الضرورة و الوجوب، و توهموا من ذلك أولا لزوم بطلان المقدمات الموصلة 

تفسير الميزان ج۱۱

38
  • إلى الغايات، و ارتفاع الروابط بين المسببات و أسبابها، و أنه إذا قضي للإنسان بالجنة تحتم له ذلك سواء عمل أو لم يعمل و سواء عمل صالحا أو اقترف سيئا. 

  • و توهموا ثانيا أن تلك المقدمات و الأسباب نظائر للغايات و المسببات واقعة تحت القضاء مكتوبة محتومة فلا يبقى للاختيار معنى و لا للسعي و الاكتساب مجال. 

  • و الذي وقع في الأحاديث من سؤالهم كقولهم: «يا رسول الله فعلام نعمل، على شي‌ء قد فرغ منه أو على شي‌ء لم يفرغ منه؟» و قولهم: «يا رسول الله فيم يعمل العاملون؟» و قولهم: «أ لا نتكل؟» أي أ لا نترك العمل اتكالا على ما كتبه الله كتابةً لا تتغير و لا تتبدل؟ كل ذلك يشير إلى التوهم الأول، و كأن الذي كانوا يشاهدونه في أنفسهم من صفة الاختيار و الاستطاعة صرفهم عن الإشارة إلى ثاني التوهمين و إن كان ناشبا على قلوبهم فإنهما متلازمان. 

  • و قد أجاب (صلى الله عليه وآله و سلم) عن سؤالهم بقوله: «كل ميسر لما خلق له» و هو مأخوذ من قوله تعالى في صفة خلق الإنسان: {ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} عبس: ٢٠أي أن كلا من أهل الجنة الذي خلقه الله لها، و من أهل النار الذي خلقه الله لها كما قال: {وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ} الأعراف: ١٧٩. له غاية في خلقه و قد يسره الله السبيل إلى تلك الغاية و سهل له السلوك منه إليها. 

  • فبين الإنسان الذي كتبت له الجنة و بين الجنة سبيل لا مناص من قطعه للوصول إليها، و بينه و بين النار التي كتبت له كذلك، و سبيل الجنة هو الإيمان و التقوى، و سبيل النار هو الشرك و المعصية، فالإنسان الذي كتب الله له الجنة إنما كتب له الجنة التي سبيلها الإيمان و التقوى فلا بد من سلوكه، و لم يكتب له الجنة سواء عمل أو لم يعمل و سواء عمل صالحا أو سيئا، و كذلك الذي كتب له النار إنما كتب له النار من طريق الشرك و المعصية لا مطلقا. 

  • و لذلك أعقب (صلى الله عليه وآله و سلم) قوله: «كل ميسر لما خلق له» على ما في رواية علي (عليه السلام) بتلاوة قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‌ وَ اِتَّقى‌ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‌ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‌ وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اِسْتَغْنى‌ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‌ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى} الليل: ١٠. 

  • فالمتوقع لإحدى الغايتين من غير طريقه كالطامع في الشبع من غير أكل أو الري من 

تفسير الميزان ج۱۱

39
  • غير شرب أو الانتقال من مكان إلى آخر من غير حركة فإنما الدار دار سعي و حركة لا تنال فيها غاية إلا بسلوك و نقله، قال تعالى {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى‌ وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‌ ثُمَّ يُجْزَاهُ اَلْجَزَاءَ اَلْأَوْفى‌} النجم، ٤١. 

  • و لم يهمل (صلى الله عليه وآله و سلم) الجواب عن ثاني التوهمين حيث عبر بالتيسير فإن التيسير هو التسهيل، و من المعلوم أن التسهيل إنما يتحقق في أمر لا ضرورة تحتمه و لا وجوب يعينه و يسد باب عدمه، و لو كان سبيل الجنة ضروري السلوك حتمي القطع على الإطلاق للإنسان الذي كتبت له، كان ثابتا لا يتغير، و لم يكن معنى لتيسيره و تسهيل سلوكه له و هو ظاهر. 

  • فقوله (صلى الله عليه وآله و سلم)، «كل ميسر لما خلق له» يدل على أن لما يئول إليه أمر الإنسان من السعادة و الشقاء وجهين وجه ضرورة و قضاء حتم لا يتغير عن سبيل مثله، و وجه إمكان و اختيار ميسر للإنسان يسلك إليه بالعمل و الاكتساب، و الدعوة الإلهية إنما تتوجه إليه من الوجه الثاني دون الوجه الأول. 

  • و قد تقدم كلام في الجبر و الاختيار في تفسير قوله، {وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ } البقرة، ٢٦ في الجزء الأول من الكتاب. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه عن قتادة: أنه تلا هذه الآية، {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا} فقال، حدثنا أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: «يخرج قوم من النار» و لا نقول كما قال أهل حروراء. 

  • أقول: و قوله: «و لا نقول كما قال أهل حروراء» هو من كلام قتادة، و أهل حروراء قوم من الخوارج، و هم يقولون بخلود من دخل النار فيها. 

  • و فيه: أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا} - إلى قوله - {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) : إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل‌. 

  • و في تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب الزهد بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجهنميين فقال: كان أبو جعفر يقول: 

تفسير الميزان ج۱۱

40
  • يخرجون منها فينتهي بهم إلى عين عند باب الجنة تسمى عين الحيوان فينضح عليهم من مائها فينبتون كما ينبت الزرع تنبت لحومهم و جلودهم و شعورهم. 

  • أقول: و رواه أيضا بإسناده عن عمر بن أبان عنه (عليه السلام)، و المراد بالجهنميين طائفة خاصة من أهل النار و هم أهل التوحيد الخارجون منها بالشفاعة، و يسمون الجهنميين، لا عامة أهل النار كما يدل عليه ما سيأتي. 

  • و فيه: عنه بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن أناسا يخرجون من النار. حتى إذا صاروا حمما أدركتهم الشفاعة. قال: فينطلق بهم إلى نهر يخرج من مرشح أهل الجنة فيغتسلون فيه فتنبت لحومهم و دماؤهم، و يذهب عنهم قشف النار، و يدخلون الجنة يقولون أهل الجنة الجهنميين فينادون بأجمعهم: اللهم أذهب عنا هذا الاسم قال: فيذهب عنهم. ثم قال يا أبا بصير إن أعداء علي هم المخلدون في النار و لا تدركهم الشفاعة. 

  • و فيه: عنه بإسناده عن عمر بن أبان قال: سمعت عبدا صالحا يقول في الجهنميين: إنهم يدخلون النار بذنوبهم، و يخرجون بعفو الله.

  • و فيه: عنه بإسناده عن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنهم يقولون: لا تعجبون من قوم يزعمون أن الله يخرج قوما من النار ليجعلهم من أهل الجنة مع أولياء الله؟ فقال: أ ما يقرءون قول الله تبارك و تعالى: {وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أنها جنة دون جنة و نار دون نار. إنهم لا يساكنون أولياء الله فقال: بينهما و الله منزلة، و لكن لا أستطيع أن أتكلم، إن أمرهم لأضيق من الحلقة، إن القائم إذا قام بدأ بهؤلاء.

  • أقول: قوله: «إن القائم» إلخ، أي إذا ظهر بدأ بهؤلاء المستهزءين بأهل الحق انتقاما. 

  • و في تفسير العياشي، عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} قال: هذه في الذين يخرجون من النار. 

  • و فيه: عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ} قال: 

تفسير الميزان ج۱۱

41
  • في ذكر أهل النار استثنى، و ليس في ذكر أهل الجنة استثنى {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}

  • أقول: يشير (عليه السلام) إلى أن الاستثناء بالمشية في أهل الجنة لما عقبه الله بقوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} لم يكن استثناء دالا على إخراج بعض أهل الجنة منها، و إنما يدل على إطلاق القدرة بخلاف الاستثناء في أهل النار فإنه معقب بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} المشعر بوقوع الفعل، و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا} (الآية) قال: فجاء بعد ذلك من مشية الله فنسخها فأنزل الله بالمدينة: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} إلى آخر الآية فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها و أوجب لهم خلود الأبد، و قوله: {وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا} (الآية) قال: فجاء بعد ذلك من مشية الله ما نسخها فأنزل بالمدينة: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ } - إلى قوله - {ظِلاًّ ظَلِيلاً} فأوجب لهم خلود الأبد. 

  • أقول: ما ذكره من نسخ الآيتين زعما منه أنهما تدلان على الانقطاع قد عرفت خلافه. على أن النسخ في مثل الموردين لا ينطبق على عقل و لا نقل. على أن ذلك لا يوافق الصريح من آية الجنة. على أن خلود الفريقين مذكور في كثير من السور المكية كالأنعام و الأعراف و غيرهما. 

  • و فيه أخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. 

  • و فيه أخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، و قرأ: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا}.

  • و فيه أخرج ابن المنذر و أبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} قال: و قال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.

  • أقول: ما ورد في الروايات الثلاث من أقوال الصحابة و لا حجة فيها على غيرهم، 

تفسير الميزان ج۱۱

42
  • و لو فرضت روايات موقوفة لكانت مطروحة بمخالفة الكتاب و قد قال تعالى في الكفار: {وَ مَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ اَلنَّارِ} البقرة: ١٦٧. 

  • و في تفسير البرهان، عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد بإسناده عن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه بلغنا أنه يأتي على جهنم حتى۱ يصفق أبوابها. فقال: لا و الله إنه الخلود. قلت: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} فقال: هذه في الذين يخرجون من النار. 

  • أقول: و الروايات الدالة على خلود الكفار في النار من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا، و قد قدمنا بحثا فلسفيا في خلود العذاب و انقطاعه في ذيل قوله: {وَ مَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ اَلنَّارِ} البقرة: ١٦٧ في الجزء الأول من الكتاب. 

  • [سورة هود (١١): الآیات ١٠٩ الی ١١٩]

  • {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ١٠٩ وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ١١٠وَ إِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١١١ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ وَ لاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١١٢ وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ ١١٣ وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ طَرَفَيِ اَلنَّهَارِ 

    1. حين ظ 

تفسير الميزان ج۱۱

43
  • وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى‌ لِلذَّاكِرِينَ ١١٤ وَ اِصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ ١١٥ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كَانُوا مُجْرِمِينَ ١١٦ وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى‌ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ١١٧ وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ١١٨ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١١٩} 

  • (بيان‌) 

  • لما فصل تعالى فيما قصة لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) قصص الأمم الغابرة و ما أداهم إليه شركهم و فسقهم و جحودهم لآيات الله و استكبارهم عن قبول الحق الذي كان يدعوهم إليه أنبياؤهم و ساقهم إلى الهلاك و عذاب الاستئصال ثم إلى عذاب النار الخالد في يوم مجموع له الناس، ثم لخص القول في أمرهم في الآيات السابقة. 

  • أمر في هذه الآيات نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يعتبر هو و من معه بذلك، و يستيقنوا أن الشرك بالله و الفساد في الأرض لا يهدي الإنسان إلا إلى الهلاك و البوار فعليهم أن يلزموا طريق العبودية و يمسكوا بالصبر و الصلاة و لا يركنوا إلى الذين ظلموا فتمسهم النار و ما لهم من دون الله من أولياء ثم لا ينصرون، و يعلموا أن كلمة الله هي العليا، و كلمة الذين كفروا السفلى و أنّ مهلتهم فيما يمهلهم الله ليس إلا لتحقيق كلمة الحق التي سبقت منه و ستتم بما يجازيهم به يوم القيامة. 

  • قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ} إلخ، 

تفسير الميزان ج۱۱

44
  • تفريع لما تقدم من تفصيل قصص الأمم الماضية التي ظلموا أنفسهم باتخاذ الشركاء و الفساد في الأرض فأخذهم الله بالعذاب، و المشار إليهم بقوله: {هَؤُلاَءِ} هم قوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و قوله: {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ} أي إنهم يعبدونها تقليدا كآبائهم فالآخرون يسلكون الطريق الذي سلكه الأولون من غير حجة، و المراد بنصيبهم ما هو حظهم قبال شركهم و فسقهم. 

  • و قوله: {غَيْرَ مَنْقُوصٍ} حال من النصيب و فيه تأكيد لقوله: {لَمُوَفُّوهُمْ} فإن التوفية تأدية حق الغير بالتمام و الكمال، و فيه إيئاس الكافرين من العفو الإلهي. 

  • و معنى الآية: فإذا سمعت قصص الأولين و أنهم كانوا يعبدون آلهة من دون الله و يكذبون بآياته، و علمت سنة الله تعالى فيهم و أنها الهلاك في الدنيا و المصير إلى النار الخالدة في الآخرة، لا تكن في شك و مرية من عبادة هؤلاء الذين هم قومك؛ ما يعبدون إلا كعبادة آبائهم على التقليد من غير حجة و لا بينة، و إنا سنعطيهم ما هو نصيبهم من جزاء أعمالهم من غير أن ننقص من ذلك شيئا بشفاعة أو عفو كيفما كان. 

  • و يمكن أن يكون المراد بآبائهم، الأمم الماضية الهالكة دون آباء العرب بعد إسماعيل مثلا و ذلك أن الله سماهم آباء لهم أولين كما في قوله: {أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا اَلْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ اَلْأَوَّلِينَ} المؤمنون: ٦٨ و هذا أنسب و أحسن و المعنى - على هذا - فلا تكن في شك من عبادة قومك ما يعبد هؤلاء إلا كمثل عبادة أولئك الأمم الهالكة الذين هم آباؤهم، و لا شك أنا سنعطيهم حظهم من الجزاء كما فعلنا ذلك بآبائهم. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} لما كانت هذه الآيات مسوقة للاعتبار بالقصص المذكورة في السورة، و كانت القصص نفسها سردت ليتعظ بها القوم و يقضوا بالحق في اتخاذهم شركاء لله سبحانه، و تكذيبهم بآيات الله و رمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى. 

  • تعرض في هذه الآيات - المسوقة للاعتبار - لأمر اتخاذهم الآلهة و تكذيب القرآن فذكر تعالى أن عبادة القوم للشركاء كعبادة أسلافهم من الأمم الماضية لها و سينالهم العذاب كما نال أسلافهم و إن اختلافهم في كتاب الله كاختلاف أمة موسى (عليه السلام) فيما آتاه الله من الكتاب و أن الله سيقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فقوله: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ 

تفسير الميزان ج۱۱

45
  •  فَاخْتُلِفَ فِيهِ} إشارة إلى اختلاف اليهود في التوراة بعد موسى. 

  • و قوله: {وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} كرر سبحانه في كتابه ذكر أن اختلاف الناس في أمر الدنيا أمر فطروا عليه، لكن اختلافهم في أمر الدين لا منشأ له إلا البغي بعد ما جاءهم العلم، قال تعالى: {وَ مَا كَانَ اَلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا } يونس: ١٩ و قال: {وَ مَا اِخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} آل عمران: ١٩، و قال: {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} البقرة: ٢١٣. 

  • و قد قضى الله سبحانه أن يوفي الناس أجر ما عملوه و جزاء ما اكتسبوه، و كان مقتضاه أن يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه حينما اختلفوا لكنه تعالى قضى قضاء آخر أن يمتعهم في الأرض إلى يوم القيامة ليعمروا به الدنيا، و يكتسبوا في دنياهم لأخراهم كما قال: {وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى‌ حِينٍ} البقرة: ٣٦، و مقتضى هذين القضاءين أن يؤخر القضاء بين المختلفين في دين الله و كتابه بغيا، إلى يوم القيامة. 

  • فإن قلت: فما بال الأمم الماضية أهلكهم الله لظلمهم فهلا أخرهم إلى يوم القيامة لكلمة سبقت منه. 

  • قلت: ليس منشأ إهلاكهم كفرهم و لا معاصيهم و بالجملة مجرد اختلافهم في أمر الدين حتى يعارضه القضاء الآخر و يؤخره إلى يوم القيامة، بل قضاء آخر ثالث يشير إليه قوله سبحانه: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يونس: ٤٧. 

  • و بالجملة قوله: {وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} يشير إلى أن اختلاف الناس في الكتاب ملتقى قضاءين من الله سبحانه يقتضي أحدهما الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، و يقتضي الآخر أن يمتعهم الله إلى يوم القيامة فلا يجازيهم بأعمالهم، و مقتضى ذلك كله أن يتأخر عذابهم إلى يوم القيامة. 

  • و قوله: {وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} الإرابة إلقاء الشك في القلب، فتوصيف الشك بالمريب من قبيل قوله: {ظِلاًّ ظَلِيلاً} و {حِجَاباً مَسْتُوراً} و {حِجْراً مَحْجُوراً} 

تفسير الميزان ج۱۱

46
  • و غير ذلك، و يفيد تأكدا لمعنى الشك. 

  • و الظاهر أن مرجع الضمير في قوله: {وَ إِنَّهُمْ} أمة موسى و هم اليهود، و حق لهم أن يشكوا فيه فإن سند التوراة الحاضرة ينتهي إلى ما كتبه لهم رجل من كهنتهم يسمى عزراء عندما أرادوا أن يرجعوا من بابل بعد انقضاء السبي إلى الأرض المقدسة، و قد أحرقت التوراة قبل ذلك بسنين عند إحراق الهيكل فانتهاء سندها إلى واحد يوجب الريب فيها طبعا و نظيرها الإنجيل من جهة سنده. 

  • على أن التوراة الحاضرة يوجد فيها أشياء لا ترضى الفطرة الإنسانية أن تنسبها إلى كتاب سماوي و مقتضاه الشك فيها. 

  • و أما إرجاع الضمير في قوله: {وَ إِنَّهُمْ} إلى مشركي العرب، و في قوله: {مِنْهُ} إلى القرآن كما فعله بعض المفسرين فبعيد من الصواب لأن الله سبحانه قد أتم الحجة عليهم في صدر السورة أنه كتابه المنزل من عنده على نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) و تحدى بمثل قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} و لا معنى مع ذلك لإسناد شك إليهم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} لفظة إنّ هي المشبهة بالفعل و اسمها قوله: {كُلاًّ} منونا مقطوعا عن الإضافة و التقدير كلهم أي المختلفين، و خبرها قوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} و اللام و النون لتأكيد الخبر، و قوله: {لَمَّا} مؤلف من لام تدل على القسم و ما مشددة تفصل بين اللامين، و تفيد مع ذلك تأكيدا، و جواب القسم محذوف، يدل عليه، خبر إن. 

  • و المعنى - و الله أعلم - و إن كل هؤلاء المختلفين أقسم ليوفينهم و يعطينهم ربك أعمالهم أي جزاءها إنه بما يعملون من أعمال الخير و الشر خبير. 

  • و نقل في روح المعاني، عن أبي حيان عن ابن الحاجب أن {لَمَّا} في الآية هي لما الجازمة و حذف مدخولها شائع في الاستعمال يقال: خرجت و لما، و سافرت و لما. ثم قال: و الأولى على هذا أن يقدر: لما يوفوها أي و إن كلا منها لما يوفوا أعمالهم ليوفينهم ربك إياها. و هذا وجه وجيه. 

  • و لأهل التفسير في مفردات الآية و نظمها أبحاث أدبية طويلة لا يهمنا منها أزيد مما 

تفسير الميزان ج۱۱

47
  • أوردناه، و من شاء الوقوف عليها فليراجع مطولات التفاسير. 

  • قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ وَ لاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقال: قام كذا و ثبت و ركز بمعنى واحد كما ذكره الراغب و غيره، و الظاهر أن الأصل المأخوذ به في ذلك قيام الإنسان و ذلك أن الإنسان في سائر حالاته و أوضاعه غير القيام كالقعود و الانبطاح و الجثو و الاستلقاء و الانكباب لا يقوى على جميع ما يرومه من الأعمال كالقبض و البسط و الأخذ و الرد و سائر ما الإنسان مهيمن عليه بالطبع لكنه إذا قام على ساقه قياما كان على أعدل حالاته الذي يسلطه على عامة أعماله من ثبات و حركة و أخذ و رد و إعطاء و منع و جلب و دفع، و ثبت مهيمنا على ما عنده من القوى و أفعالها، فقيام الإنسان يمثل شخصيته الإنسانية بما له من الشئون. 

  • ثم استعير في كل شي‌ء لأعدل حالاته الذي يسلط معه على آثاره و أعماله فقيام العمود أن يثبت على طوله و قيام الشجر أن يركز على ساقه متعرقا بأصله في الأرض، و قيام الإناء المحتوي على مائع أن يقف على قاعدته فلا يهراق ما فيه و قيام العدل أن ينبسط على الأرض، و قيام السنة و القانون أن تجري في البلاد. 

  • و الإقامة جعل الشي‌ء قائما أي جعله بحال يترتب عليه جميع آثاره بحيث لا يفقد شيئا منها كإقامة العدل و إقامة السنة و إقامة الصلاة و إقامة الشهادة، و إقامة الحدود، و إقامة الدين و نحو ذلك. 

  • و الاستقامة طلب القيام من الشي‌ء و استدعاء ظهور عامة آثاره و منافعه فاستقامة الطريق اتصافه بما يقصد من الطريق كالاستواء و الوضوح و عدم إضلاله من ركبه، و استقامة الإنسان في أمر أن يطلب من نفسه القيام به و إصلاحه بحيث لا يتطرق إليه فساد و لا نقص، و يأتي تاما كاملا، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‌ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} حم السجدة: ٦ أي قوموا بحق توحيده في ألوهيته، و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقَامُوا} حم السجدة: ٣٠أي ثبتوا على ما قالوا في جميع شئون حياتهم لا يركنون في عقائدهم و أخلاقهم و أعمالهم إلا إلى ما يوافق التوحيد و يلائمه أي يراعونه و يحفظونه في عامة ما يواجههم في باطنهم و ظاهرهم. و قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} الروم: ٣٠فإن المراد بإقامة الوجه إقامة النفس من حيث تستقبل العمل 

تفسير الميزان ج۱۱

48
  • و تواجهه، و إقامة الإنسان نفسه في أمر هي استقامته فيه فافهم. 

  • فقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي كن ثابتا على الدين موفيا حقه طبق ما أمرت بالاستقامة، و قد أمر به في قوله: {وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لاَ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ} يونس: ١٠٥، و قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} الروم: ٣٠. 

  • قال في روح المعاني: أمر رسوله (صلى الله عليه وآله و سلم) بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها و هذا يقتضي أمره (صلى الله عليه وآله و سلم) بوحي آخر و لو غير متلو كما قاله غير واحد، و الظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة، و هي لزوم المنهج المستقيم و هو المتوسط بين الإفراط و التفريط، و هي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم و العمل و سائر الأخلاق. انتهى. 

  • أما احتماله أن يكون هناك وحي آخر غير متلو يشير إليه قوله تعالى: {كَمَا أُمِرْتَ} أي استقم كما أمرت سابقا بالاستقامة فبعيد عن سنة القرآن و حاشا أن يعتمد بالبيان القرآني على أمر مجهول أو أصل مستور غير مذكور، و قد عرفت أن الإشارة بذلك على ما أمره الله به من إقامة وجهه للدين حنيفا، و إقامة الوجه للدين هو الاستقامة في الدين، و قد ورد قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} كما عرفت في سورتين كلتاهما مكيتان، و سورة يونس التي هي إحداهما نازلة قبل هذه السورة قطعا و إن لم يسلم ذلك في السورة الأخرى التي هي سورة الروم. 

  • و أما قوله: «إن المراد بقوله: {فَاسْتَقِمْ} الدوام على الاستقامة و هي لزوم المنهج المستقيم المتوسط بين الإفراط و التفريط» فقد عرفت أن معنى استقامة الإنسان في أمر ثبوته على حفظه و توفية حقه بتمامه و كماله، و استقامة الإنسان مطلقا ركوزه و ثبوته لما يرد عليه من الوظائف بتمام قواه و أركانه بحيث لا يترك شيئا من قدرته و استطاعته لغى لا أثر له. 

  • و لو كان المراد بالأمر بالاستقامة هو الأمر بلزوم الاعتدال بين الإفراط و التفريط لكان الأنسب أن يردف هذا الأمر بالنهي عن الإفراط و التفريط معا مع أنه تعالى عقبه بقوله: {وَ لاَ تَطْغَوْا} فنهى عن الإفراط فقط، و هو بمنزلة عطف التفسير لقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ} و هذا أحسن شاهد على أن المراد بقوله: {فَاسْتَقِمْ} إلخ، 

تفسير الميزان ج۱۱

49
  • الأمر بإظهار الثبات على العبودية و لزوم القيام بحقها، ثم نهى عن تعدي هذا الطور و الاستكبار عن الخضوع لله و الخروج بذلك عن زي العبودية فقيل: {وَ لاَ تَطْغَوْا} كما فعل ذلك الأمم الماضية، و لم يكونوا مبتلين إلا بالإفراط دون التفريط و الاستكبار دون التذلل. 

  • و قوله: {وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ} عطف على الضمير المستكن في {فَاسْتَقِمْ} أي استقم أنت و من تاب معك أي استقيموا جميعا و إنما أخرج النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من بينهم و أفرده بالذكر معهم تشريفا لمقام النبوة، و على ذلك تجري سنته تعالى في كلامه كقوله تعالى: {آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ} البقرة: ٢٨٥ و قوله: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اَللَّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم: ٨. 

  • على أن الأمر الذي تقيد به قوله: {فَاسْتَقِمْ} أعني قوله: {كَمَا أُمِرْتَ} يختص بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و لا يشاركه فيه غيره فإن ما ذكر من مثل قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} «إلخ» خاص به فلو قيل: فاستقيموا لم يصح تقييده بالأمر السابق. 

  • و المراد بمن تاب مع النبي المؤمنون الذين رجعوا إلى الله بالإيمان و إطلاق التوبة على أصل الإيمان - و هو رجوع من الشرك - كثير الورود في القرآن كقوله تعالى: {وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} المؤمن: ٧ إلى غير ذلك. 

  • و قوله: {وَ لاَ تَطْغَوْا} أي لا تتجاوزوا حدكم الذي خطته لكم الفطرة و الخلقة و هو العبودية لله وحده كما تجاوزه الذين قبلكم فأفضاهم إلى الشرك و ساقهم إلى الهلكة، و الظاهر أن الطغيان بهذا المعنى مأخوذ من طغى الماء إذا جاوز حده، ثم استعير لهذا الأمر المعنوي الذي هو طغيان الإنسان في حياته لتشابه الأثر و هو الفساد. 

  • و قوله: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تعليل لمضمون ما تقدمه، و معنى الآية اثبت على دين التوحيد و الزم طريق العبودية من غير تزلزل و تذبذب، و ليثبت الذين آمنوا معك، و لا تتعدوا الحد الذي حد لكم لأن الله بصير بما تعملون فيؤاخذكم لو خالفتم أمره. 

تفسير الميزان ج۱۱

50
  • و في الآية الكريمة من لحن التشديد ما لا يخفى فلا يحس فيها بشي‌ء من آثار الرحمة و أمارات الملاطفة و قد تقدمها من الآيات ما يتضمن من حديث مؤاخذة الأمم الماضية و القرون الخالية بأعمالهم و استغناء الله سبحانه عنهم ما تصعق له النفوس و تطير القلوب. 

  • غير ما في قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} من إفراد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالذكر و إخراجه من بين المؤمنين تشريفا لمقامه لكن ذلك يفيد بلوغ التشديد في حقه فإن تخصيصه قبلا بالذكر يوجب توجه هول الخطاب و روع التكليم من مقام العزة و الكبرياء إليه وحده عدل ما يتوجه إلى جميع الأمة إلى يوم القيامة كما وقع نظير التشديد في قوله تعالى: {وَ لَوْ لاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ اَلْحَيَاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمَاتِ } إسراء: ٧٥. 

  • و لذلك ذكر أكثر المفسرين‌ أن قوله (صلى الله عليه وآله و سلم): «شيبتني سورة هود» ناظر إلى هذه الآية، و سيوافيك الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. 

  • قوله تعالى: {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} قال في الصحاح: ركن‌ إليه كنصر، ركونا: مال و سكن، و الركن‌ بالضم: الجانب الأقوى و الأمر العظيم و العز و المنعة انتهى و عن لسان العرب، مثله، و عن المصباح، أن الركون‌ هو الاعتماد على الشي‌ء. 

  • و قال الراغب: ركن الشي‌ء جانبه الذي يسكن إليه، و يستعار للقوة، قال تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‌ رُكْنٍ شَدِيدٍ} و ركنت إلى فلان أركن بالفتح و الصحيح أن يقال: ركن يركُن – كنصر - و ركن يركن – كعلم - قال تعالى: {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا}، و ناقة مركنة الضرع له أركان تعظمه و المركن الإجابة، و أركان العبادات جوانبها التي عليها مبناها، و بتركها بطلانها. انتهى و هذا قريب مما ذكره في المصباح. 

  • و الحق أنه الاعتماد على الشي‌ء عن ميل إليه لا مجرد الاعتماد فحسب و لذلك عدي بإلى لا بعلى و ما ذكره أهل اللغة تفسير له بالأعم من معناه على ما هو دأبهم. 

  • فالركون إلى الذين ظلموا هو نوع اعتماد عليهم عن ميل إليهم إما في نفس الدين كأن يذكر بعض حقائقه بحيث ينتفعون به أو يغمض عن بعض حقائقه التي يضرهم إفشاؤها و إما في حياة دينية كأن يسمح لهم بنوع من المداخلة في إدارة أمور المجتمع الديني 

تفسير الميزان ج۱۱

51
  • بولاية الأمور العامة أو المودة التي تقضي إلى المخالطة و التأثير في شئون المجتمع أو الفرد الحيوية. 

  • و بالجملة الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا بنوع من الاعتماد و الاتكاء يخرج الدين أو الحياة الدينية عن الاستقلال في التأثير و يغيرهما عن الوجهة الخالصة، و لازم ذلك السلوك إلى الحق من طريق الباطل أو إحياء حق بإحياء باطل و بالآخرة إماتة الحق لإحيائه. 

  • و الدليل على هذا الذي ذكرنا أنه تعالى جمع في خطابه في هذه الآية الذي هو من تتمة الخطاب في الآية السابقة بين النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و بين المؤمنين من أمته، و الشئون التي له و لأمته هي المعارف الدينية و الأخلاق و السنن الإسلامية في تبليغها و حفظها و إجرائها و الحياة الاجتماعية بما يطابقها، و ولاية أمور المجتمع الإسلامي، و انتحال الفرد بالدين و استنانه بسنة الحياة الدينية فليس للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و لا لأمته أن يركنوا في شي‌ء من ذلك إلى الذين ظلموا. 

  • على أن من المعلوم أن هاتين الآيتين كالنتيجة المأخوذة من قصص القرى الظالمة التي أخذهم الله بظلمهم و هما متفرعتان عليها ناظرتان إليها، و لم يكن ظلم هؤلاء الأمم الهالكة في شركهم بالله تعالى و عبادة الأصنام فحسب بل كان مما ذمه الله من فعالهم اتباع الظالمين و الفساد في الأرض بعد إصلاحها و هو الاستنان بالسنن الظالمة التي يقيمها الولاة الجائرون، و يستن بها الناس و هم بذلك ظالمون. 

  • و من المعلوم أيضا من السياق أن الآيتين مترتبتان في غرضهما فالأولى تنهى عن أن يكونوا من أولئك الذين ظلموا، و الثانية تنهى أن يقتربوا منهم و يميلوا إليهم و يعتمدوا۱ في حقهم على باطلهم فقوله: {لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} نهي عن الميل إليهم و الاعتماد عليهم و البناء على باطلهم في أمر أصل الدين و الحياة الدينية جميعا. 

  • و وقوع الآيتين موقع النتيجة المتفرعة على ما تقدم من القصص المذكورة يفيد أن المراد بالذين ظلموا في الآية ليس من تحقق منه الظلم تحققاً ما؛ و إلا لعم جميع الناس إلا 

    1. أي أن يتوسلوا في إجراء الحق بين أنفسهم بالوسيلة الباطلة التي عند أعداء الدين من الظالمين.

تفسير الميزان ج۱۱

52
  • أهل العصمة و لم يبق للنهي حينئذٍ معنى، و ليس المراد بالذين ظلموا الظالمين أي المتلبسين بهذا الوصف المستمرين في ظلمهم فإنّ لإفادة الفعل الدال على مجرد التحقق معنى الصفة الدالة على التلبس و الاستمرار أسبابا لا يوجد في المقام منها شي‌ء و لا دلالة لشي‌ء على شي‌ء جزافا. 

  • بل المراد بالذين ظلموا أناس حالهم في الظلم حال أولئك الذين قصهم الله في الآيات السابقة من الأمم الهالكة، و كان الشأن في قصتهم أنه تعالى أخذ الناس جملة واحدة في قبال الدعوة الإلهية المتوجهة إليهم ثم قسمهم إلى من قبلها منهم و إلى من ردها ثم عبر عمن قبلها بالذين آمنوا في بضعة مواضع من القصص المذكورة و عمن ردها بالذين ظلموا و ما يقرب منه في أكثر من عشر مواضع كقوله: {وَ لاَ تُخَاطِبْنِي فِي اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} و قوله: {وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ} و قوله: {وَ تِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} و قوله: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ} و قوله: {أَلاَ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} إلى غير ذلك. 

  • فقد عبر سبحانه عن ردهم و قبولهم قبال الدعوة الإلهية و بالقياس إليها بالفعل الماضي الدال على مجرد التحقق و الوقوع، و أما في الخارج من مقام القياس و النسبة فإن التعبير بالصفة كقوله: {وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} و قوله: {وَ مَا هِيَ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} و قوله: {وَ لاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} إلى غير ذلك و هو كثير. 

  • و مقتضى مقام القياس و النسبة إلى الدعوة قبولا و ردا أن يكتفي بمجرد الوقوع و التحقق، و يبين أنهم وسموا بإحدى السمتين: الإيمان أو الظلم، و لا حاجة إلى ذكر الاتصاف و الاستمرار بالتلبس فمفاد قوله: ظلموا و عصوا و اتبعوا أمر فرعون أنهم وسموا بسمة الظلم و العصيان و اتباع أمر فرعون، و معنى نجينا الذين آمنوا نجينا الذين اتسموا بسمة الإيمان و تعلموا بعلامته. 

  • فكان التعبير بالماضي كافيا في إفادة أصل الاتسام المذكور و إن كان مما يلزمه الاتصاف، و بعبارة أخرى الذين ظلموا من قوم نوح صاروا بذلك ظالمين لكن العناية إنما تعلقت بحسب المقام بتحقق الظلم منهم لا بصيرورته وصفا لهم لا يفارقهم بعد ذلك، و لذا ترى أنه كلما خرج الكلام عن مقام القياس و النسبة بوجه عاد إلى التعبير بالصفة كقوله: 

تفسير الميزان ج۱۱

53
  • {بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} و قوله: {وَ لاَ تَكُنْ مَعَ اَلْكَافِرِينَ} فافهم ذلك. 

  • و من هنا يظهر ما في تفسير القوم قوله: {اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} حيث أخذه بعضهم دالا على مجرد تحقق ظلم ما، و آخرون بمعنى الوصف أي لا تركنوا إلى الظالمين، قال صاحب المنار في تفسيره: فسر الزمخشري {اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} بقوله: أي إلى الذين وجد منهم الظلم و لم يقل: إلى الظالمين، و حكى أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له، فقال؟ هذا فيمن ركن إلى ظلم فكيف بالظالم انتهى. 

  • و معنى هذا أن الوعيد في الآية يشمل من مال ميلا يسيرا إلى من وقع منه ظلم قليل أي ظلم كان، و هذا غلط أيضا و إنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم و يفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردوهم عنه فهم كالذين كفروا في الآيات الكثيرة التي يراد بها فريق الكافرين لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي و حسبك منه قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } البقرة: ٦، و المخاطبون بالنهي هم المخاطبون في الآية السابقة بقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ}

  • و قد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة به في الآيات ٣٧، ٦٧، ٩٤، و عبر عنهم فيها بالظالمين أيضا كقوله: {وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} فلا فرق في هذه الآيات بين التعبير بالوصف و التعبير بالذي و صلته فإنهما في الكلام عن الأقوام بمعنى واحد انتهى. 

  • أما قول صاحب الكشاف: «إن المراد بالذين ظلموا» الذين وجد منهم الظلم و لم يقل: «إلى الظالمين» فهو كذلك لكنه لا ينفعه فإن التعبير بالفعل في ما قررناه من المقام و إن كان لا يفيد أزيد من تحقق المعنى الحدثي و وقوعه لكنه ينطبق على معنى الوصف كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغى‌ وَ آثَرَ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‌ وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‌ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‌} النازعات: ٤١ حيث عبر بالفعل و هو منطبق على معنى الصفة. 

  • و أما قول صاحب المنار: «إنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم و يفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردوهم عنه» فتحكم محض، 

تفسير الميزان ج۱۱

54
  • و أي دليل يدل على قصور الآية عن الشمول للظالمين من أهل الكتاب و قد ذكرهم الله أخيرا في زمرة الظالمين باختلافهم في كتاب الله بغيا، و قد نهى الله عن ولايتهم و شدد فيه حتى قال: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة: ٥١، و قال في ولاية مطلق الكافرين، {وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ} آل عمران: ٢٨. 

  • و أي مانع يمنع الآية أن تشمل الظالمين من هذه الأمة و فيهم من هو أشقى من جبابرة عاد و ثمود و أطغى من فرعون و هامان و قارون. 

  • و مجرد كون الإسلام عند نزول السورة مبتلى بقريش و مشركي مكة و حواليها لا يوجب تخصيصا في اللفظ فإن خصوص المورد لا يخصص عموم اللفظ فالآية تنهى عن الركون إلى كل من اتسم بسمة الظلم، أي من كان مشركا أو موحدا مسلما أو من أهل الكتاب. 

  • و أما قوله: إن المراد بقوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} المعنى الوصفي و إن كان فعلا أي الكافرون لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي. ففيه أنا بينا في الكلام على تلك الآية و في مواضع أخرى تقدمت في الكتاب أن الآية خاصة بالكفار من صناديد قريش الذين شاقوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في بادئ أمره حتى كفاه الله إياهم و أفناهم ببدر و غيره، و أنهم المسمون بالذين كفروا. و ليست الآية عامة، و لو كانت الآية عامة و كان المراد بالذين كفروا هم الكافرين كما قاله لم تصدق الآية فيما تخبر به فما أكثر من آمن من الكافرين حتى من كفار مكة بعد نزول هذه الآية. 

  • و لو قيل: إن المراد بهم الذين لم يؤمنوا إلى آخر عمرهم لم تفد الآية شيئا إذ لا معنى لقولنا: إن الكافرين الذين لا يؤمنون إلى آخر عمرهم لا يؤمنون فلا مناص من أخذها آية خاصة غير عامة، و كون المراد بالذين كفروا طائفة خاصة بأعيانهم. 

  • و قد ذكرنا فيما تقدم أن {اَلَّذِينَ آمَنُوا} أيضا فيما لا دليل في المورد يدل على خلافه اسم تشريفي لمن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في أول دعوته الحقة، و بهم تختص خطابات {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا} في القرآن و إن شاركهم غيرهم في الأحكام. 

  • و أما قوله في آخر كلامه: و قد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة به و عبر عنهم فيها بالظالمين أيضا فلا 

تفسير الميزان ج۱۱

55
  • فرق بين التعبيرين «إلخ» و محصله أن التعبير عنهم تارة بالذين ظلموا و تارة بالظالمين دليل على أن المراد بالكلمتين واحد. 

  • ففيه: أنه خفي عليه وجه العناية الكلامية الذي تقدمت الإشارة إليه و اتحاد مصداق اللفظتين لا يوجب وحدة العناية المتعلقة بهما. 

  • فالمحصل من مضمون الآية نهي النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أمته عن الركون إلى من اتسم بسمة الظلم بأن يميلوا إليهم و يعتمدوا على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية فهذا هو المراد بقوله: {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا}

  • و قوله: {فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ} تفريع على الركون أي عاقبة الركون هو مس النار، و قد جعلت عاقبة الركون إلى ظلم أهل الظلم مس النار و عاقبة نفس الظلم النار، و هذا هو الفرق بين الاقتراب من الظلم و التلبس بالظلم نفسه. 

  • و قوله: {وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} في موضع الحال من مفعول {فَتَمَسَّكُمُ} أي تمسكم النار في حال ليس لكم فيها من دون الله من أولياء و هو يوم القيامة الذي يفقد فيه الإنسان جميع أوليائه من دون الله. أو حال الركون إن كان المراد بالنار العذاب، و المراد بقوله: {ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} نفي الشفاعة على الأول و الخذلان الإلهي على الثاني. 

  • و التعبير بثم في قوله: {ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} للدلالة على اختتام الأمر على ذلك بالخيبة و الخذلان كأنه قيل: تمسكم النار و ليس لكم إلا الله فتدعونه فلا يجيبكم و تستنصرونه فلا ينصركم فيئول أمركم إلى الخسران و الخيبة و الخذلان. 

  • و قد تحصل مما تقدم من الأبحاث في الآية أمور: 

  • الأول: أن المنهي عنه في الآية إنما هو الركون إلى أهل الظلم في أمر الدين أو الحياة الدينية كالسكوت في بيان حقائق الدين عن أمور يضرهم أو ترك فعل ما لا يرتضونه أو توليتهم المجتمع و تقليدهم الأمور العامة أو إجراء الأمور الدينية بأيدهم و قوتهم و أشباه ذلك. 

  • و أما الركون و الاعتماد عليهم في عشرة أو معاملة من بيع و شرى و الثقة بهم و ائتمانهم في بعض الأمور فإن ذلك كله غير مشمول للنهي الذي في الآية لأنها ليست بركون 

تفسير الميزان ج۱۱

56
  • في دين أو حياة دينية، و قد وثق النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عند ما خرج من مكة ليلا إلى الغار برجل مشرك استأجر منه راحلة للطريق و ائتمنه ليوافيه بها في الغار بعد ثلاثة أيام و كان يعامل هو و كذا المسلمون بمرأى و مسمع منه الكفار و المشركين. 

  • الثاني: أن الركون المنهي عنه في الآية أخص من الولاية المنهي عنها في آيات أخرى كثيرة فإن الولاية هي الاقتراب منهم بحيث يجعل المسلمين في معرض التأثر من دينهم أو أخلاقهم أو السنن الظالمة الجارية في مجتمعاتهم و هم أعداء الدين، و أما الركون إليهم فهو بناء الدين أو الحياة الدينية على ظلمهم فهو أخص من الولاية موردا أي أن كل مورد فيه ركون ففيه ولاية من غير عكس كلي، و بروز الأثر في الركون بالفعل و في الولاية أعم مما يكون بالفعل. 

  • و يظهر من جمع من المفسرين أن الركون المنهي عنه في الآية هو الولاية المنهي عنها في آيات أخر. 

  • قال صاحب المنار في تفسيره، بعد ما نقل عن الزمخشري قوله: إن النهي في الآية متناول للانحطاط في هواهم و الانقطاع إليهم و مصاحبتهم و مجالستهم و زيارتهم و مداهنتهم و الرضا بأعمالهم، و التشبه بهم و التزيي بزيهم، و مد العين إلى زهرتهم، و ذكرهم بما فيه تعظيم لهم، و تأمل قوله: {وَ لاَ تَرْكَنُوا} فإن الركون‌ هو الميل اليسير، و قوله: {إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي إلى الذين وجد منهم الظلم، و لم يقل: إلى الظالمين. انتهى. 

  • أقول: كل ما أدغمه في النهي عن الركون إلى الذين ظلموا قبيح في نفسه لا ينبغي للمؤمن اجتراحه، و قد يكون من لوازم الركون الحقيرة و لكن لا يصح أن يجعل شي‌ء منه تفسيرا للآية مرادا منها، و المخاطب الأول بها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و السابقون الأولون إلى التوبة من الشرك و الإيمان معه، و لم يكن أحد منهم مظنة للانقطاع بظلمة المشركين، و الانحطاط في هواهم، و الرضا بأعمالهم. إلى آخر ما أطنب فيه. 

  • و قد ناقض فيه نفسه أولا حيث اعترف بكون بعض الأمور المذكورة من لوازم الركون لكنه استحقرها و نفى شمول الآية لها، و المعصية كلها عظيمة لا يستهان بها غير أن أكثر المفسرين هذا دأبهم لا ينقبضون عن نسبة بعض المساهلات إلى بيانه تعالى. 

تفسير الميزان ج۱۱

57
  • و أفسد من ذلك قوله: إن المخاطب الأول بهذا النهي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و السابقون الأولون و لم يكونوا مظنة للانقطاع إلى ظلمة المشركين و الانحطاط في هواهم و الرضا بأعمالهم إلخ، فإن فيه أولا: أن الخطاب خطاب واحد موجه إليه (صلى الله عليه وآله و سلم) و إلى أمته، و لا أول فيه و لا ثاني، و تقدم بعض المخاطبين على بعض زمانا لا يوجب قصور الخطاب عن شمول بعض ما في اللاحقين مما ليس في السابقين إذا شمله اللفظ. 

  • و ثانيا: أن عدم كون المخاطب مظنة للمعصية لا يمنع من توجيه النهي إليه و خاصة النواهي الصادرة عن مقام التشريع و إنما يمنع عن تأكيده و الإلحاح عليه و قد نهى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عما هو أعظم من الركون إلى الذين ظلموا كالشرك بالله و عن ترك تبليغ بعض أوامره و نواهيه، قال تعالى: {وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ} الزمر: ٦٥، و قال: {يَا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: ٦٧، و قال: {يَا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللَّهَ وَ لاَ تُطِعِ اَلْكَافِرِينَ وَ اَلْمُنَافِقِينَ إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَ اِتَّبِعْ مَا يُوحى‌ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } الأحزاب: ٢ و لا يظن به (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يشرك بربه البتة، و لا أن لا يبلغ ما أنزل إليه من ربه أو يطيع الكافرين و المنافقين أو لا يتبع ما يوحى إليه من ربه إلى غير ذلك من النواهي. 

  • و كذا السابقون الأولون نهوا عن أمور هي أعظم من الركون المذكور أو مثله كقوله: {وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} نزلت في أهل بدر و فيهم السابقون الأولون و قد وصف بعضهم بقوله: {اَلَّذِينَ ظَلَمُوا} و هو أشد لحنا من قوله: {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا}، و كعدة من النواهي الواردة في كلامه في قصص بدر و أحد و حنين، و النواهي الموجهة إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فكل ذلك مما لم يكن يظن بالسابقين الأولين أن يبتلوا به على أن بعضهم ابتلي ببعضها بعد. 

  • الثالث: أن الآية بما لها من السياق المؤيد بإشعار المقام إنما تنهى عن الركون إلى الذين ظلموا فيما هم فيه ظالمون أي بناء المسلمين دينهم الحق أو حياتهم الدينية على شي‌ء من ظلمهم و هو أن يراعوا في قولهم الحق و عملهم الحق جانب ظلمهم و باطلهم حتى يكون في ذلك إحياء للحق بسبب إحياء الباطل، و مآله إلى إحياء حق بإماتة حق آخر كما تقدمت الإشارة إليه. 

تفسير الميزان ج۱۱

58
  • و أما الميل إلى شي‌ء من ظلمهم و إدخاله في الدين أو إجراؤه في المجتمع الإسلامي أو في ظرف الحياة الشخصية فليس من الركون إلى الظالمين بل هو دخول في زمرة الظالمين. 

  • و قد اختلط هذا الأمر على كثير من المفسرين فأوردوا في المقام أبحاثا لا تمس الآية أدنى مس، و قد أغمضنا عن إيرادها و البحث في صحتها و سقمها إيثارا للاختصار و من أراد الوقوف عليها فليراجع تفاسيرهم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ طَرَفَيِ اَلنَّهَارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ} إلخ، طرفا النهار هو الصباح و المساء و الزلف‌ جمع زلفى كقرب جمع قربى لفظا و معنى على ما قيل، و هو وصف ساد مسد موصوفه كالساعات و نحوها، و التقدير و ساعات من الليل أقرب من النهار. 

  • و المعنى أقم الصلاة في الصباح و المساء و في ساعات من الليل هي أقرب من النهار، و ينطبق من الصلوات الخمس اليومية على صلاة الصبح و العصر و هي صلاة المساء و المغرب و العشاء الآخرة، وقتهما زلف من الليل كما قاله بعضهم، أو على الصبح و المغرب و وقتهما طرفا النهار و العشاء الآخرة و وقتها زلف من الليل كما قاله آخرون، و قيل غير ذلك. 

  • لكن البحث لما كان فقهيا كان المتبع فيه ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل بيته (عليهم السلام) من البيان، و سيجي‌ء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. 

  • و قوله: {إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ} تعليل لقوله: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ} و بيان أن الصلوات حسنات واردة على نفوس المؤمنين تذهب بآثار المعاصي و هي ما تعتريها من السيئات، و قد تقدم كلام في هذا الباب في مسألة الحبط في الجزء الثاني من هذا الكتاب

  • و قوله: {ذَلِكَ ذِكْرى‌ لِلذَّاكِرِينَ} أي هذا الذي ذكر و هو أن الحسنات يذهبن السيئات على رفعة قدره تذكار للمتلبسين بذكر الله تعالى من عباده. 

  • قوله تعالى: {وَ اِصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} ثم أمره (صلى الله عليه وآله و سلم) بالصبر بعد ما أمره بالصلاة كما جمع بينهما في قوله: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ} البقرة: ٤٥ و ذلك أن كلا منهما في بابه من أعظم الأركان أعني الصلاة في العبادات، و الصبر في الأخلاق و قد قال تعالى في الصلاة: {وَ لَذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ} العنكبوت: ٤٥ و قال في الصبر: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ} الشورى: ٤٣. ـ 

تفسير الميزان ج۱۱

59
  • و اجتماعهما أحسن وسيلة يستعان بها على النوائب و المكاره فالصبر يحفظ النفس عن القلق و الجزع و الانهزام، و الصلاة توجهها إلى ناحية الرب تعالى فتنسى ما تلقاه من المكاره، و قد تقدم بيان في ذلك في تفسير الآية ٤٥ من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب

  • و إطلاق الأمر بالصبر يعطي أن المراد به الأعم من الصبر على العبادة و الصبر عن المعصية و الصبر عند النائبة، و على هذا يكون أمرا بالصبر على جميع ما تقدم من الأوامر و النواهي أعني قوله: {فَاسْتَقِمْ} {وَ لاَ تَطْغَوْا} {وَ لاَ تَرْكَنُوا} {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ}

  • لكن إفراد الأمر و تخصيصه بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يفيد أنه صبر في أمر يختص به و إلا قيل: و «اصبروا» جريا على السياق، و هذا يؤيد قول من قال: إن المراد اصبر على أذى قومك في طريق دعوتك إلى الله سبحانه و ظلم الظالمين منهم، و أما قوله: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ} فإنه ليس أمرا بما يخصه (صلى الله عليه وآله و سلم) من الصلاة بل أمر بإقامته الصلاة بمن تبعه من المؤمنين جماعة فهو أمر لهم جميعا بالصلاة فافهم ذلك. 

  • و قوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} تعليل للأمر بالصبر. 

  • قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ} إلخ، لولا بمعنى هلاّ و ألاّ يفيد التعجيب و التوبيخ، و المعنى هلاّ كان من القرون التي كانت من قبلكم و قد أفنيناها بالعذاب و الهلاك أولوا بقية أي قوم باقون ينهون عن الفساد في الأرض ليصلحوا بذلك فيها و يحفظوا أمتهم من الاستئصال. 

  • و قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناء من معنى النفي في الجملة السابقة فإن المعنى: من العجب أنه لم يكن من القرون الماضية مع ما رأوا من آيات الله و شاهدوا من عذابه بقايا ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب و الهلاك منهم فإنهم كانوا ينهون عن الفساد. 

  • و قوله: {وَ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كَانُوا مُجْرِمِينَ} بيان حال الباقي منهم بعد الاستثناء و هم أكثرهم و عرفهم بأنهم الذين ظلموا و بيّن أنهم اتبعوا لذائذ الدنيا التي أترفوا فيها و كانوا مجرمين. 

  • و قد تحصل بهذا الاستثناء و هذا الباقي الذي ذكر حالهم تقسيم الناس إلى صنفين 

تفسير الميزان ج۱۱

60
  • مختلفين: الناجون بإنجاء الله و المجرمون و لذلك عقبه بقوله: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}

  • قوله تعالى: {وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى‌ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} أي لم يكن من سنته تعالى إهلاك القرى التي أهلها مصلحون لأن ذلك ظلم و لا يظلم ربك أحدا فقوله: {بِظُلْمٍ} قيد توضيحي لا احترازي، و يفيد أن سنته تعالى عدم إهلاك القرى المصلحة لكونه من الظلم {وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}

  • قوله تعالى: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ }إلى قوله {أَجْمَعِينَ} الخلف‌ خلاف القدام و هو الأصل فيما اشتق من هذه المادة من المشتقات يقال: خلف أباه‌ أي سد مسده لوقوعه بعده، و أخلف وعده‌ أي لم يف به كأنه جعله خلفه، و مات و خلّف ابنا أي تركه خلفه، و استخلف‌ فلانا أي طلب منه أن ينوب عنه بعد غيبته أو موته أو بنوع من العناية كاستخلاف الله تعالى آدم و ذريته في الأرض، و خالف فلان فلانا و تخالفا إذا تفرقا في رأي أو عمل كأن كلا منهما يجعل الآخر خلفه، و تخلف عن أمره إذا أدبر و لم يأتمر به، و اختلف القوم في كذا إذا خالف بعضهم بعضا فيه فجعله خلفه، و اختلف القوم إلى فلان إذا دخلوا عليه واحدا بعد واحد، و اختلف فلان إلى فلان إذا دخل عليه مرات كل واحدة بعد أخرى. 

  • ثم الاختلاف و يقابله الاتفاق من الأمور التي لا يرتضيها الطبع السليم لما فيه من تشتيت القوى و تضعيفها و آثارٍ أخرى غير محمودة من نزاع و مشاجرة و جدال و قتال و شقاق، كل ذلك يذهب بالأمن و السلام غير أن نوعا منه لا مناص منه في العالم الإنساني و هو الاختلاف من حيث الطبائع المنتهية إلى اختلاف البنى فإن التركيبات البدنية مختلفة في الأفراد و هو يؤدي إلى اختلاف الاستعدادات البدنية و الروحية و بانضمام اختلاف الأجواء و الظروف إلى ذلك يظهر اختلاف السلائق و السنن و الآداب و المقاصد و الأعمال النوعية و الشخصية في المجتمعات الإنسانية، و قد أوضحت الأبحاث الاجتماعية أن لولا ذلك لم يعش المجتمع الإنساني و لا طرفة عين. 

  • و قد ذكره الله تعالى في كتابه و نسبه إلى نفسه حيث قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا}  

تفسير الميزان ج۱۱

61
  • الزخرف: ٣٢. و لم يذمه تعالى في شي‌ء من كلامه إلا إذا صحب هوى النفس و خالف هدى العقل. 

  • و ليس منه الاختلاف في الدين فإن الله سبحانه يذكر أنه فطر الناس على معرفته و توحيده و سوّى نفس الإنسان فألهمها فجورها و تقواها، و أن الدين الحنيف هو من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، و لذلك نسب الاختلاف في الدين في مواضع من كلامه إلى بغي المختلفين فيه و ظلمهم {فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}. 

  • و قد جمع الله الاختلافين في قوله: {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ } و هذا هو الاختلاف الأول في الحياة و المعيشة {و ما اختلف فيه} و هذا هو الاختلاف الثاني في الدين {إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} البقرة: ٢١٣ فهذا ما يعطيه كلامه تعالى في معنى الاختلاف. 

  • و الذي ذكره بقوله: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} يريد به رفع الاختلاف من بينهم و توحيدهم على كلمة واحدة يتفقون فيه، و من المعلوم أنه ناظر إلى ما ذكره تعالى في الآيات السابقة على هذه الآية من اختلافهم في أمر الدين و انقسامهم إلى طائفة أنجاهم الله و هم قليل و طائفة أخرى و هم الذين ظلموا. 

  • فالمعنى أنهم و إن اختلفوا في الدين فإنهم لم يعجزوا الله بذلك و لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون في الدين فهو نظير قوله: {وَ عَلَى اَللَّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ وَ مِنْهَا جَائِرٌ وَ لَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} النحل: ٩ و قوله: {أَ فَلَمْ يَيْأَسِ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ لَهَدَى اَلنَّاسَ جَمِيعاً} الرعد: ٣١. 

  • و على هذا فقوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} إنما يعني به الاختلاف في الدين فحسب فإن ذلك هو الذي يذكر لنا أن لو شاء لرفعه من بينهم، و الكلام في تقدير: لو شاء الله لرفع الاختلاف من بينهم لكنه لم يشأ ذلك فهم مختلفون دائما. 

  • على أن قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} يصرح أنه رفعه عن طائفة رحمهم، و الاختلاف في غير الدين لم يرفعه الله تعالى حتى عن الطائفة المرحومة، و إنما رفع عنهم الاختلاف 

تفسير الميزان ج۱۱

62
  • الديني الذي يذمه و ينسبه إلى البغي بعد العلم بالحق. 

  • و قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} استثناء من قوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي الناس يخالف بعضهم بعضا في الحق أبدا إلا الذين رحمهم الله فإنهم لا يختلفون في الحق و لا يتفرقون عنه، و الرحمة هي الهداية الإلهية كما يفيده قوله: {فَهَدَى اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} البقرة: ٢١٣. 

  • فإن قلت: معنى اختلاف الناس أن يقابل بعضهم بعضا بالنفي و الإثبات فيصير معنى قوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أنهم منقسمون دائما إلى محق و مبطل، و لا يصح حينئذ ورود الاستثناء عليه إلا بحسب الأزمان دون الأفراد و ذلك أن انضمام قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} إليه يئول المعنى إلى مثل قولنا: إنهم منقسمون دائما إلى مبطلين و محقين إلا من رحم ربك منهم فإنهم لا ينقسمون إلى قسمين، بل يكونون محقين فقط، و من المعلوم أن المستثنين منهم هم المحقون فيرجع معنى الكلام إلى مثل قولنا: إن منهم مبطلين و محقين و المحقون محقون لا مبطل فيهم، و هذا كلام لا فائدة فيه. 

  • على أنه لا معنى لاستثناء المحقين من حكم الاختلاف أصلا و هم من الناس المختلفين، و الاختلاف قائم بهم و بالمبطلين معا. 

  • قلت: الاختلاف المذكور في هذه الآية و سائر الآيات المتعرضة له الذامة لأهله إنما هو الاختلاف في الحق، و مخالفة البعض للبعض في الحق و إن كانت توجب كون بعض منهم على الحق و على بصيرة من الأمر لكنه إذا نسب إلى المجموع و هو المجتمع كان لازمه ارتياب المجتمع و تفرقهم عن الحق و عدم اجتماعهم عليه و تركهم إياه بحياله، و مقتضاه اختفاء الحق عنهم و ارتيابهم فيه. 

  • و الله سبحانه إنما يذم الاختلاف من جهة لازمة هذا و هو التفرق و الإعراض عن الحق و الآيات تشهد بذلك فإنه تعالى يذم فيها جميع المختلفين باختلافهم لا المبطلين من بينهم فلولا أن المراد بالمختلفين أهل الآراء أو الأعمال المختلفة التي تفرقهم عن الحق لم يصح ذلك. 

  • و من أحسن ما يؤيده قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسى‌ وَ عِيسى‌ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 

تفسير الميزان ج۱۱

63
  • الشورى: ١٣ حيث عبر عن الاختلاف بالتفرق، و كذا قوله: {وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الأنعام: ١٥٣ و هذا أوضح دلالة من سابقه فإنه يجعل أهل الحق الملازمين لسبيله خارجا من أهل التفرق و الاختلاف. 

  • و لذلك ترى أنه سبحانه في غالب ما يذكر اختلافهم في الكتاب يردفه بارتيابهم فيه كقوله فيما مرت من الآيات: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} آية ١١٠من السورة، و قد كرر هذا المعنى في مواضع من كلامه. 

  • و قال تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} النبأ: ٣ أي يأتي فيه كل بقول يبعدهم من الحق فيتفرقون و قال: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ} الذاريات: ١٠أي قول لا يقف على وجه و لا يبتني على علم بل الخرص و الظن هو الذي أوجده فيكم. 

  • و في هذا المعنى قوله تعالى: {يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} آل عمران: ٧١ فإن هذا اللبس المذموم منهم إنما كان بإظهار قول يشبه الحق و ليس به و هو إلقاء التفرق الذي يختفي به الحق. 

  • فالمراد باختلافهم إيجادهم أقوالا و آراء يتفرقون بها عن الحق و يظهر بها الريب فهم لاتباعهم أهواءهم المخالفة للحق يظهرون آراءهم الباطلة في صور متفرقة تضاهي صورة الحق ليحجبوه عن أفهام الناس بغيا و عدوانا بعد علمهم بالحق فهو اختلافهم في الحق بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. 

  • و يتبين بما تقدم على طوله أن الإشارة بقوله: {وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} إلى الرحمة المدلول عليه بقوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} و التأنيث اللفظي في لفظ الرحمة لا ينافي تذكير اسم الإشارة لأن المصدر جائز الوجهين، قال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ} الأعراف: ٥٦ و ذلك لأنك عرفت أن هذا الاختلاف بغي منهم يفرقهم عن الحق و يستره و يظهر الباطل و لا يجوز كون الباطل غاية حقيقية للحق تعالى في خلقه، و لا معنى لأن يوجد الله سبحانه العالم الإنساني ليبغوا و يميتوا الحق و يحيوا الباطل فيهلكهم ثم يعذبهم بنار خالدة، فالقرآن الكريم يدفع هذا بجميع بياناته. 

تفسير الميزان ج۱۱

64
  • على أن سياق الآيات مع الغض عما ذكر يدفع ذلك فإنها في مقام بيان أن الله تعالى يدعو الناس برأفته و رحمته إلى ما فيه خيرهم و سعادتهم من غير أن يريد بهم ظلما و لا شرا، و لكنهم بظلمهم و اختلافهم في الحق يستنكفون عن دعوته، و يكذبون بآياته، و يعبدون غيره، و يفسدون في الأرض فيستحقون العذاب، و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون، و لا أن يخلقهم ليبغوا و يفسدوا فيهلكهم فالذي منه هو الرحمة و الهداية، و الذي من بغيهم و اختلافهم و ظلمهم يرجع إليهم أنفسهم، و هذا هو الذي يعطيه سياق الآيات. 

  • و كون الرحمة أعني الهداية غاية مقصودة في الخلقة إنما هو لاتصالها بما هو الغاية الأخيرة و هو السعادة كما في قوله حكاية عن أهل الجنة: {وَ قَالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي هَدَانَا لِهَذَا } الأعراف: ٤٣ و هذا نظير عد العبادة غاية لها لاتصالها بالسعادة في قوله: {وَ مَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: ٥٦. 

  • و قوله: {وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي حقت كلمته تعالى و أخذت مصداقها منهم بما ظلموا و اختلفوا في الحق من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، و الكلمة هي قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} إلخ. 

  • و الآية نظيره قوله: {وَ لَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَ لَكِنْ حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} الم السجدة: ١٣ و الأصل في هذه الكلمة ما ألقاه الله تعالى إلى إبليس لعنه الله إذ قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} ص: ٨٥ و الآيات متحدة المضمون يفسر بعضها بعضا. 

  • هذه جملة ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين و قد تلخص بذلك: 

  • أولا: أن المراد بقوله: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} توحيدهم برفع التفرق و الخلاف من بينهم و قيل: إن المراد هو الإلجاء إلى الإسلام و رفع الاختيار لكنه ينافي التكليف و لذلك لم يفعل و نسب إلى قتادة، و قيل: المعنى لو شاء لجمعكم في الجنة لكنه أراد بكم أعلى الدرجتين لتدخلوه بالاكتساب ثوابا لأعمالكم، و نسب إلى أبي مسلم. و أنت خبير بأن سياق الآيات لا يساعد على شي‌ء من المعنيين. 

تفسير الميزان ج۱۱

65
  •  و ثانيا: أن المراد بقوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} دوامهم على الاختلاف في الدين و معناه التفرق عن الحق و ستره بتصويره في صور متفرقة باطلة تشبه الحق. و قال بعضهم: هو الاختلاف في الأرزاق و الأحوال و بالجملة الاختلاف غير الديني و نسب إلى الحسن. و قد عرفت أنه أجنبي من سياق الآيات السابقة. و قال آخرون: إن معنى {مُخْتَلِفِينَ} يخلف بعضهم بعضا في تقليد أسلافهم و تعاطي باطلهم، و هو كسابقه أجنبي من مساق الآيات و فيها قوله: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} الآية. 

  • و ثالثا: أن المراد بقوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} إلا من هداه الله من المؤمنين. 

  • و رابعا: أن الإشارة بقوله: {وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} إلى الرحمة و هي الغاية التي أرادها الله من خلقه ليسعدوا بذلك سعادتهم. و ذكر بعضهم: أن المعنى خلقهم للاختلاف و نسب إلى الحسن و عطاء. و قد عرفت أنه سخيف ردي جدا نعم لو جاز عود ضمير «خلقهم» إلى الباقي من الناس بعد الاستثناء جاز عد الاختلاف غاية لخلقهم و كانت الآية قريبة المضمون من قوله: {وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ} الآية الأعراف: ١٧٩. 

  • و ذكر آخرون: أن الإشارة إلى مجموع ما يدل عليه الكلام من مشيته تعالى في خلقهم مستعدين للاختلاف و التفرق في علومهم و معارفهم و آرائهم و شعورهم و ما يتبع ذلك من إرادتهم و اختيارهم في أعمالهم و من ذلك الدين و الإيمان و الطاعة و العصيان، و بالجملة الغاية هو مطلق الاختلاف أعم مما في الدين أو في غيره. 

  • و نسب إلى ابن عباس بناء على ما روي عنه أنه قال: خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف، و فريقا لا يرحم فيختلف، و إلى مالك بن أنس إذ قال في معنى الآية: خلقهم ليكون فريق في الجنة و فريق في السعير، و قد عرفت ما فيه من وجوه السخافة فلا نطيل بالإعادة. 

  • و خامسا: أن المراد بتمام الكلمة هو تحققها و أخذها مصداقها. 

تفسير الميزان ج۱۱

66
  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي: في قوله تعالى: {وَ إِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ} الآية قال: قال (عليه السلام): في القيامة. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ} قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكا. 

  • و في المجمع، في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} الآية قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) آية كانت أشد عليه و لا أشق من هذه الآية، و لذلك‌ قال لأصحابه حين قالوا له: أسرع إليك الشيب يا رسول الله: شيبتني هود و الواقعة.

  • أقول: و الحديث مشهور في بعض الألفاظ شيبتني هود و أخواتها، و عدم اشتمال الواقعة على ما يناظر قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (الآية) يبعد أن تكون إليه الإشارة في الحديث، و المشترك فيه بين السورتين حديث القيامة و الله أعلم. 

  • و في تفسير القمي: في قوله تعالى: {وَ لاَ تَرْكَنُوا} (الآية) قال: قال (عليه السلام): ركون مودة و نصيحة و طاعة. 

  • أقول: و رواه أيضا في المجمع، مرسلا عنهم (عليهم السلام). 

  • و في تفسير العياشي، عن عثمان بن عيسى عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام): {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ} قال: أما إنه لم يجعلها خلودا و لكن {فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ} فلا تركنوا إليهم.

  •  أقول: أي و لكن قال: تمسكم النار فجعله مسا. 

  • و فيه عن جرير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: {أَقِمِ اَلصَّلاَةَ طَرَفَيِ اَلنَّهَارِ} و طرفاه المغرب و الغداة {وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ} و هي صلاة العشاء الآخرة.

  • و في التهذيب، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث في الصلوات الخمس اليومية: و قال تعالى في ذلك: {أَقِمِ اَلصَّلاَةَ طَرَفَيِ اَلنَّهَارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ} و هي صلاة 

تفسير الميزان ج۱۱

67
  • العشاء الآخرة. 

  • أقول: الحديث لا يخلو من ظهور في تفسير طرفي النهار بما قبل الظهر و ما بعدها ليشمل أوقات الخمس. 

  • و في المعاني، بإسناده عن إبراهيم بن عمر عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل: {إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ} قال: صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب النهار. 

  • أقول: و الحديث مروي في الكافي، و تفسير العياشي، و أمالي المفيد، و أمالي الشيخ. 

  • و في المجمع، عن الواحدي بإسناده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا منها فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان أ لا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: و لم تفعله قال: هكذا فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: أ لا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا؟ قلت: و لم فعلته؟ قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما تحات هذا الورق. ثم قرأ هذه الآية: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ} إلى آخرها. 

  • أقول: و رواه في الدر المنثور، عن الطيالسي و أحمد و الدارمي و ابن جرير و الطبراني و البغوي في معجمه، و ابن مردويه غير مسلسل. 

  • و فيه عنه بإسناده عن الحارث عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في المسجد ننتظر الصلاة فقام رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنبا، فأعرض عنه فلما قضى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) الصلاة قام الرجل فأعاد القول فقال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أ ليس قد صليت معنا هذه الصلاة و أحسنت لها الطهور؟ قال: بلى. قال: فإنها كفارة ذنبك. 

  • أقول: و الرواية مروية بطرق كثيرة عن ابن مسعود و أبي أمامة و معاذ بن جبل و ابن عباس و بريدة و واثلة بن الأسقع و أنس و غيرهم و في سرد القصة اختلاف ما في ألفاظهم، و رواه الترمذي و غيره عن أبي اليسر و هو صاحب القصة. 

  • و في تفسير العياشي، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أحدهما (عليهما السلام) يقول: إن عليا (عليه السلام) 

تفسير الميزان ج۱۱

68
  • أقبل على الناس فقال: أي آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} قال: حسنة و ليست إياها. فقال بعضهم: {يَا عِبَادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‌ أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ} قال: حسنة و ليست إياها. و قال بعضهم: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} قال: حسنة و ليست إياها. 

  • قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يا معشر المسلمين؟ قالوا: لا و الله ما عندنا شي‌ء. قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: أرجى آية في كتاب الله: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ طَرَفَيِ اَلنَّهَارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ} و قرأ الآية كلها، و قال: يا علي و الذي بعثني بالحق بشيرا و نذيرا إن أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط من جوارحه الذنوب فإذا استقبل بوجهه و قلبه لم ينفتل عن صلاته و عليه من ذنوبه شي‌ء كما ولدته أمه فإذا أصاب شيئا بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس. 

  • ثم قال: يا علي إنما منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار على باب أحدكم فما ظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم؟ أ كان يبقى في جسده درن؟ فكذلك و الله الصلوات الخمس لأمتي. 

  • أقول: و قد روي المثل المذكور في آخر الحديث من طرق أهل السنة عن عدة من الصحابة كأبي هريرة و أنس و جابر و أبي سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله و سلم).

  • و فيه عن إبراهيم الكرخي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا فلان من أين جئت؟ قال: و لم يقل في جوابه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): جئت من هنا و هاهنا. انظر بما تقطع به يومك فإن معك ملكا موكلا يحفظ و يكتب ما تعمل فلا تحتقر سيئة و إن كانت صغيرة فإنها ستسوؤك يوما، و لا تحتقر حسنة فإنه ليس شي‌ء أشد طلبا من الحسنة؛ إنها تدرك الذنب العظيم القديم فتحذفه و تسقطه و تذهب به بعدك، و ذلك قول الله {إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى‌ لِلذَّاكِرِينَ} .

  • و فيه عن سماعة بن مهران قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجلٌ من أهل الجبال عن رجل أصاب مالا من أعمال السلطان فهو يتصدق منه و يصل قرابته و يحج ليغفر له ما 

تفسير الميزان ج۱۱

69
  • اكتسب، و هو يقول: {إِنَّ اَلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئَاتِ}فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة و لكن الحسنة تكفر الخطيئة. 

  • ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن خلط الحلال حراما فاختلطا جميعا فلم يعرف الحلال من الحرام فلا بأس. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أحمد و الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء و يصلي فيحسن الصلاة إلا غفرت له ما بينها و بين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه. 

  • أقول: و الروايات في هذا الباب كثيرة من أراد استقصاءها فليراجع جوامع الحديث. 

  • و فيه أخرج الطبراني و أبو الشيخ و ابن مردويه و الديلمي عن جرير قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يسأل عن تفسير هذه الآية: {وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى‌ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): و أهلها ينصف بعضهم بعضا. 

  • و في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} فقال: كانوا أمة واحدة فبعث الله النبيين ليتخذ عليهم الحجة. 

  • أقول: و رواه الصدوق في المعاني، عنه (عليه السلام) مثله.

  • و في المعاني، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: {وَ مَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة، قال: و سألته عن قوله عز و جل: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم.

  • و في تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} يعني آل محمد و أتباعهم يقول الله: {وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} يعني أهل الرحمة لا يختلفون في الدين.

  • و في تفسير العياشي، عن يعقوب بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن 

تفسير الميزان ج۱۱

70
  • قول الله: {وَ مَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قال: خلقهم للعبادة. قال: قلت: قوله: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: نزلت هذه بعد تلك. 

  • أقول: يشير إلى كون الآية الثانية أعني قوله: {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} لكونها خاصة ناسخة للآية الأولى العامة، و قد تقدم في الكلام على النسخ أنه في عرفهم (عليه السلام) أعم مما اصطلح عليه علماء الأصول، و الآيات الخاصة التكوينية ظاهرة في حكمها على الآيات العامة فإن العوامل و الأسباب الخاصة أنفذ حكما من العامة فافهمه. 

  • [سورة هود (١١): الآیات ١٢٠الی ١٢٣]

  • {وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَ جَاءَكَ فِي هَذِهِ اَلْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‌ لِلْمُؤْمِنِينَ ١٢٠وَ قُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى‌ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ١٢١ وَ اِنْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٢٢ وَ لِلَّهِ غَيْبُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ مَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٢٣} 

  • (بيان) 

  • الآيات تلخص للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) القول في غرض السورة المسرودة له آياتها، و تنبئه أن السورة تبين له حق القول في المبدأ و المعاد و سنة الله الجارية في عباده فهي بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) تعليم للحق، و بالنسبة إلى المؤمنين موعظة و ذكرى، و بالنسبة إلى الكافرين المستنكفين عن الإيمان قطع خصام، فقل لهم آخر ما تحاجهم: اعملوا بما ترون و نحن عاملون بما نراه، و ننتظر جميعا صدق ما قص الله علينا من سنته الجارية في خلقه من إسعاد المصلحين و إشقاء المفسدين، و تختم بأمره (صلى الله عليه وآله و سلم) بعبادته و التوكل عليه لأن الأمر كله إليه. 

تفسير الميزان ج۱۱

71
  •  قوله تعالى: {وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} إلى آخر الآية أي و كل القصص نقص عليك تفصيلا أو إجمالا، و قوله: {مِنْ أَنْبَاءِ اَلرُّسُلِ} بيان لما أضيف إليه كل، و قوله: {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} عطف بيان للأنباء أشير به إلى فائدة القصص بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو تثبيت فؤاده و حسم مادة القلق و الاضطراب منه. 

  • و المعنى نقص عليك أنباء الرسل لنثبت به فؤادك و نربط جأشك في ما أنت عليه من سلوك سبيل الدعوة إلى الحق، و النهضة على قطع منابت الفساد، و المحنة من أذى قومك. 

  • ثم ذكر تعالى من فائدة السورة ما يعمه (صلى الله عليه وآله و سلم) و قومه مؤمنين و كافرين فقال فيما يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من فائدة نزول السورة: {وَ جَاءَكَ فِي هَذِهِ اَلْحَقُّ} و الإشارة إلى السورة أو إلى الآيات النازلة فيها أو الأنباء على وجه، و مجي‌ء الحق فيها هو ما بين الله تعالى في ضمن القصص و قبلها و بعدها من حقائق المعارف في المبدأ و المعاد و سنته تعالى الجارية في خلقه بإرسال الرسل و نشر الدعوة ثم إسعاد المؤمنين في الدنيا بالنجاة، و في الآخرة بالجنة، و إشقاء الظالمين بالأخذ في الدنيا و العذاب الخالد في الآخرة. 

  • و قال فيما يرجع إلى المؤمنين: {وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى‌ لِلْمُؤْمِنِينَ} فإن فيما ذكر فيها من حقائق المعارف تذكرة للمؤمنين يذكرون بها ما نسوه من علوم الفطرة في المبدأ و المعاد و ما يرتبط بهما، و فيما ذكر فيها من القصص و العبر موعظة يتعظون بها. 

  • قوله تعالى: {وَ قُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى‌ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَ اِنْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} و هذا فيما يرجع إلى غير المؤمنين، يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يختم الحجاج معهم و يقطع خصامهم بعد ما تلا القصص عليهم بهذه الجمل فيقول لهم: أما إذا لم تؤمنوا و لم تنقطعوا عن الشرك و الفساد بما ألقيت إليكم من التذكرة و العبر و لم تصدقوا بما قصه الله من أنباء الأمم و أخبر به من سنته الجارية فيهم فاعملوا على ما أنتم عليه من المكانة و المنزلة، و بما تحسبونه خيرا لكم إنا عاملون، و انتظروا ما سيستقبلكم من عاقبة عملكم إنا منتظرون فسوف تعرفون صدق النبإ الإلهي و كذبه. 

  • و هذا قطع للخصام و نوع تهديد أورده الله في القصص الماضية قصة نوح و هود و صالح (عليهم السلام)، و في قصة شعيب (عليه السلام) حاكيا عنه: {وَ يَا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‌ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَ اِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} آية 

تفسير الميزان ج۱۱

72
  • ٩٣ من السورة. 

  • قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ غَيْبُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ} لما كان أمره تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يأمرهم بالعمل بما تهوى أنفسهم و الانتظار، و إخبارهم بأنه و من آمن معه عاملون و منتظرون، في معنى أمره و من تبعه بالعمل و الانتظار عقبه بهاتين الجملتين ليكون على طيب من النفس و ثبات من القلب من أن الدائرة ستكون له عليهم. 

  • و المعنى فاعمل و انتظر أنت و من تبعك فغيب السماوات و الأرض الذي يتضمن عاقبة أمرك و أمرهم إنما يملكه ربك الذي هو الله سبحانه دون آلهتهم التي يشركون بها و دون الأسباب التي يتوكلون عليها حتى يديروا الدائرة لأنفسهم و يحولوا العاقبة إلى ما ينفعهم، و إلى ربك الذي هو الله يرجع الأمر كله فيظهر من غيبه عاقبة الأمر على ما شاءه و أخبر به، فالدائرة لك عليهم، و هذا من عجيب البيان. 

  • و من هنا يظهر وجه تبديل قوله: {رَبُّكَ} المكرر في هذه الآيات بلفظ الجلالة «الله» لأن فيه من الإشعار بالإحاطة بكل ما دق و جل ما ليس في غيره، و المقام يقتضي الاعتماد و الالتجاء إلى ملجإ لا يقهره قاهر و لا يغلب عليه غالب، و هو الله سبحانه و لذلك ترى أنه يعود بعد انقضاء هذه الجمل إلى ما كان يكرره من صفة الرب، و هو قوله: {وَ مَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

  • قوله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ} الظاهر أنه تفريع لقوله: {وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ} أي إذا كان الأمر كله مرجوعا إليه تعالى فلا يملك غيره شيئا و لا يستقل بشي‌ء فاعبده سبحانه و اتخذه وكيلا في جميع الأمور و لا تتوكل على شي‌ء من الأسباب دونه لأنها أسباب بتسبيبه غير مستقلة دونه، فمن الجهل الاعتماد على شي‌ء منها. و ما ربك بغافل عما تعملون فلا يجوز التساهل في عبادته و التوكل عليه. 

تفسير الميزان ج۱۱

73
  • (١٢) سورة يوسف مكية و هي مائة و إحدى عشرة آية ١١١) 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ١ الی ٣]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ، الر تِلْكَ آيَاتُ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ ١ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغَافِلِينَ ٣} 

  • (بيان) 

  • غرض السورة بيان ولاية الله لعبده الذي أخلص إيمانه له تعالى إخلاصاً، و امتلأ بمحبته تعالى لا يبتغي له بدلا و لم يلو إلى غيره تعالى من شي‌ء، و أن الله تعالى يتولى هو أمره فيربيه أحسن تربية فيورده مورد القرب و يسقيه فيرويه من مشرعة الزلفى فيخلصه لنفسه و يحييه حياة إلهية، و إن كانت الأسباب الظاهرة أجمعت على هلاكه، و يرفعه و إن توفرت الحوادث على ضعته، و يعزه و إن دعت النوائب و رزايا الدهر إلى ذلته و حط قدره. 

  • و قد بين تعالى ذلك بسرد قصة يوسف الصديق (عليه السلام). و لم يرد في سور القرآن الكريم تفصيل قصة من القصص باستقصائها من أولها إلى آخرها غير قصته (عليه السلام)، و قد خصت السورة بها من غير شركة ما من غيرها. 

  • فقد كان (عليه السلام) عبدا مخلصا في عبوديته؛ فأخلصه الله لنفسه و أعزه بعزته و قد تجمعت الأسباب على إذلاله و ضِعته، فكلما ألقته في إحدى المهالك أحياه الله تعالى من نفس السبيل التي كانت تسوقه إلى الهلاكة؛ حسده إخوته فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس دراهم معدودة فذهب به ذلك إلى مصر و أدخله في بيت الملك و العزة، راودته التي هو في بيتها عن نفسه و اتهمته عند العزيز و لم تلبث دون أن اعترفت عند النسوة ببراءته ثم اتهمته و أدخلته السجن فكان ذلك سبب قربه عند الملك، و كان قميصه الملطخ بالدم الذي جاءوا به إلى أبيه يعقوب أول يوم هو السبب الوحيد في ذهاب بصره 

تفسير الميزان ج۱۱

74
  • فصار قميصه بعينه و قد أرسله بيد إخوته من مصر إلى أبيه آخر يوم هو السبب في عود بصره إليه، و على هذا القياس. 

  • و بالجملة كلما نازعه شي‌ء من الأسباب المخالفة أو اعترضه في طريق كماله جعل الله تعالى ذلك هو السبب في رشد أمره و نجاح طلبته، و لم يزل سبحانه يحوله من حال إلى حال حتى آتاه الحكم و الملك و اجتباه و علمه من تأويل الأحاديث و أتم نعمته عليه كما وعده أبوه. 

  • و قد بدأ الله سبحانه قصته بذكر رؤيا رآها في بادئ الأمر و هو صبي في حجر أبيه و الرؤيا من المبشرات ثم حقق بشارته و أتم كلمته فيه بما خصه به من التربية الإلهية، و هذا هو شأنه تعالى في أوليائه كما قال تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ اَلْبُشْرى‌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ فِي اَلْآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اَللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ} يونس: ٦٤. 

  • و في قوله تعالى بعد ذكر رؤيا يوسف و تعبير أبيه (عليه السلام) لها: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} إشعار بأنه كان هناك قوم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عما يرجع إلى هذه القصة، و هو يؤيد ما ورد أن قوما من اليهود بعثوا مشركي مكة أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن سبب انتقال بني إسرائيل إلى مصر و قد كان يعقوب (عليه السلام) ساكنا في أرض الشام فنزلت السورة. 

  • و على هذا فالغرض بيان قصته (عليه السلام) و قصة آل يعقوب، و قد استخرج تعالى ببيانه ما هو الغرض العالي منها و هو طور ولاية الله لعباده المخلصين كما هو اللائح من مفتتح السورة و مختتمها، و السورة مكية على ما يدل عليه سياق آياتها، و ما ورد في بعض الروايات عن ابن عباس أن أربعا من آياتها مدنية، و هي الآيات الثلاث التي في أولها، و قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} مدفوع بما تشتمل عليه من السياق الواحد. 

  • قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ} الإشارة بلفظ البعيد للتعظيم و التفخيم، و الظاهر أن يكون المراد بالكتاب المبين هذا القرآن المتلو و هو مبين واضح في نفسه و مبين موضح لغيره ما ضمنه الله تعالى من المعارف الإلهية و حقائق المبدأ و المعاد. 

  • و قد وصف الكتاب في الآية بالمبين لا كما في قوله في أول سورة يونس: {تِلْكَ آيَاتُ اَلْكِتَابِ اَلْحَكِيمِ} لكون هذه السورة نازلة في شأن قصة آل يعقوب و بيانها، و من المحتمل أن 

تفسير الميزان ج۱۱

75
  • يكون المراد بالكتاب المبين اللوح المحفوظ. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} الضمير للكتاب بما أنه مشتمل على الآيات الإلهية و المعارف الحقيقية، و إنزاله قرآنا عربيا هو إلباسه في مرحلة الإنزال لباس القراءة و العربية، و جعله لفظا متلوا مطابقا لما يتداوله العرب من اللغة كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الزخرف: ٤. 

  • و قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} من قبيل توسعة الخطاب و تعميمه فإن السورة مفتتحة بخطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): {تِلْكَ آيَاتُ اَلْكِتَابِ}، و على ذلك يجري بعد كما في قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إلخ. 

  • فمعنى الآية - و الله أعلم - أنا جعلنا هذا الكتاب المشتمل على الآيات في مرحلة النزول ملبسا بلباس اللفظ العربي محلى بحليته؛ ليقع في معرض التعقل منك و من قومك أو أمتك، و لو لم يقلّب في وحيه في قالب اللفظ المقروّ أو لم يجعل عربيا مبينا لم يعقل قومك ما فيه من أسرار الآيات بل اختص فهمه بك لاختصاصك بوحيه و تعليمه. 

  • و في ذلك دلالة ما على أن لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعينها بالاستناد إلى الوحي و كونها عربية دخلا في ضبط أسرار الآيات و حقائق المعارف، و لو أنه أوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بمعناه و كان اللفظ الحاكي له لفظه (صلى الله عليه وآله و سلم) كما في الأحاديث القدسية مثلا أو ترجم إلى لغة أخرى خفي بعض أسرار آياته البينات عن عقول الناس و لم تنله أيدي تعقلهم و فهمهم. 

  • و عنايته تعالى فيما أوحى من كتابه باللفظ مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه كيف؟ و قد قسمه إلى المحكمات و المتشابهات و جعل المحكمات أم الكتاب ترجع إليها المتشابهات قال تعالى: {هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران: ٧ و قال تعالى أيضا: {وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ اَلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} النحل ١٠٣. 

  • قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغَافِلِينَ } قال الراغب في المفردات: القص‌ تتبع الأثر يقال: قصصت أثره، و القصص‌ الأثر قال: فارتدا على آثارهما قصصا، و قالت لأخته قصيه. قال: 

تفسير الميزان ج۱۱

76
  • و القصص‌ الأخبار المتتبعة قال تعالى: {لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ}{فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ}، {وَ قَصَّ عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ}، {نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ} انتهى. فالقصص هو القصة و أحسن القصص أحسن القصة و الحديث، و ربما قيل: إنه مصدر بمعنى الاقتصاص. 

  • فإن كان اسم مصدر فقصة يوسف (عليه السلام) أحسن قصة لأنها تصف إخلاص التوحيد في العبودية، و تمثل ولاية الله سبحانه لعبده و أنه يربيه بسلوكه في صراط الحب و رفعه من حضيض الذلة إلى أوج العزة، و أخذه من غيابة جب الإسارة و مربط الرقية و سجن النكال و النقمة إلى عرش العزة و سرير الملك. 

  • و إن كان مصدرا فالاقتصاص عن قصته بالطريق الذي اقتص سبحانه به أحسن الاقتصاص لأنه اقتصاص لقصة الحب و الغرام بأعف ما يكون و أستر ما يمكن. 

  • و المعنى - و الله أعلم - نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب وحينا هذا القرآن إليك و أنك كنت قبل اقتصاصنا عليك هذه القصة من الغافلين عنها. 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٤ الی ٦]

  • {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ٤ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ٥ وَ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلى‌ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٦} 

تفسير الميزان ج۱۱

77
  • (بيان)

  • تذكر الآيات رؤيا رآها يوسف و قصها على أبيه يعقوب (عليهما السلام) فعبرها أبوه له و نهاه أن يقصها على إخوته، و هذه الرؤيا بشرى بشر الله سبحانه يوسف بها ليكون مادة روحية لتربيته تعالى عبده في صراط الولاية و القرب من ربه، و هي بمنزلة المدخل في قصته (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} لم يذكر يعقوب (عليه السلام) باسمه بل كنى عنه بالأب للدلالة على ما بينهما من صفة الرحمة و الرأفة و الشفقة كما يدل عليه ما في الآية التالية: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ} إلخ. 

  • و قوله: {رَأَيْتُ} و {رَأَيْتُهُمْ} من الرؤيا و هي ما يشاهده النائم في نومته أو الذي خمدت حواسه الظاهرة بإغماء أو ما يشابهه، و يشهد به قوله في الآية التالية: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى‌ إِخْوَتِكَ} و قوله في آخر القصة: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ}

  • و تكرار ذكر الرؤية لطول الفصل بين قوله: {رَأَيْتُ} و قوله: {لِي سَاجِدِينَ} و من فائدة التكرير الدلالة على أنه إنما رآهم مجتمعين على السجود جميعا لا فرادى، على أن ما حصل له من المشاهدة نوعان مختلفان فمشاهدة أشخاص الكواكب و الشمس و القمر مشاهدة أمر صوري و مشاهدة سجدتهم و خضوعهم و تعظيمهم له مشاهدة أمر معنوي. 

  • و قد عبر عن الكواكب و النيرين في قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} بما يختص بأولى العقل - ضمير الجمع المذكر و جمع المذكر السالم - للدلالة على أن سجدتهم كانت عن علم و إرادة كما يسجد واحد من العقلاء لآخر. 

  • و قد افتتح سبحانه قصته (عليه السلام) بذكر هذه الرؤيا التي أراها له و هي بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الإلهية و يخص به من اجتباء الله إياه و تعليمه تأويل الأحاديث و إتمام نعمته عليه، و من هناك تبتدئ التربية الإلهية له لأن الذي بشر به في رؤياه لا يزال نصب عينيه في الحياة لا يتحول من حال إلى حال، و لا ينتقل من شأن إلى شأن، و لا يواجه 

تفسير الميزان ج۱۱

78
  • نائبة، و لا يلقى مصيبة، إلا و هو ذاكر لها مستظهر بعناية الله سبحانه عليها موطّن نفسه على الصبر عليها. 

  • و هذه هي الحكمة في أن الله سبحانه يخص أولياءه بالبشرى بجمل ما سيكرمهم به من مقام القرب و منزلة الزلفى كما في قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } إلى أن قال {لَهُمُ اَلْبُشْرى‌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ فِي اَلْآخِرَةِ} يونس: ٦٤. 

  • قوله تعالى: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ذكر في المفردات: أن الكيد ضرب من الاحتيال، و قد يكون مذموما و ممدوحا و إن كان يستعمل في المذموم أكثر و كذلك الاستدراج و المكر. انتهى. و قد ذكروا أن الكيد يتعدى بنفسه و باللام. 

  • و الآية تدل على أن يعقوب لما سمع ما قصّه عليه يوسف من الرؤيا أيقن بما يدل عليه أن يوسف (عليه السلام) سيتولى الله أمره و يرفع قدره، يسنده على أريكة الملك و عرش العزة، و يخصه من بين آل يعقوب بمزيد الكرامة فأشفق على يوسف (عليه السلام) و خاف من إخوته عليه و هم عصبة أقوياء أن لو سمعوا الرؤيا - و هي ظاهرة الانطباق على يعقوب (عليه السلام) و زوجه و أحد عشر من ولده غير يوسف، و ظاهرة الدلالة على أنهم جميعا سيخضعون و يسجدون ليوسف - حملهم الكبر و الأنفة أن يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه و بين ما تبشره به رؤياه. 

  • و لذلك خاطب يوسف (عليه السلام) خطاب الإشفاق كما يدل عليه قوله: {يَا بُنَيَّ} بلفظ التصغير، و نهاه عن اقتصاص رؤياه على إخوته قبل أن يعبرها له و ينبئه بما تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه، و لم يقدم النهي على البشارة إلا لفرط حبه له و شدة اهتمامه به و اعتنائه بشأنه، و ما كان يتفرس من إخوته أنهم يحسدونه و أنهم امتلئوا منه بغضا و حنقا. 

  • و الدليل على بلوغ حسدهم و ظهور حنقهم و بغضهم قوله: {لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} فلم يقل: إني أخاف أن يكيدوا، أو لا آمنهم عليك بتفريع الخوف من كيدهم أو عدم الأمن من جهتهم بل فرع على اقتصاص الرؤيا نفس كيدهم و أكد تحقق الكيد منهم بالمصدر المفعول المطلق إذ قال: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} ،

تفسير الميزان ج۱۱

79
  • ثم أكد ذلك بقوله ثانيا في مقام التعليل: {إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي إن لكيدهم سببا آخر منفصلا يؤيد ما عندهم من السبب الذي هو الحسد و يثيره و يهيجه ليؤثر أثره السيئ و هو الشيطان الذي هو عدو للإنسان مبين لا خلة بينه و بينه أبدا يحمل الإنسان بوسوسته و تسويله على أن يخرج من صراط الاستقامة و السعادة إلى سبيل عوج فيه شقاء دنياه و آخرته فيفسد ما بين الوالد و ولده و ينزع بين الشقيق و شقيقه و يفرق بين الصديق و صديقه ليضلهم عن الصراط. 

  • فكأن المعنى: قال يعقوب ليوسف (عليه السلام): يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فإنهم يحسدونك و يغتاظون من أمرك فيكيدونك عندئذ بنزغ و إغراء من الشيطان و قد تمكن من قلوبهم و لا يدعهم يعرضوا عن كيدك فإن الشيطان للإنسان عدو مبين. 

  • قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ} إلى آخر الآية الاجتباء من الجباية و هي الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، و منه جباية الخراج أي جمعه قال تعالى: {يُجْبى‌ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ} القصص: ٥٧ ففي معنى الاجتباء جمع أجزاء الشي‌ء و حفظها من التفرق و التشتت، و فيه سلوك و حركة من الجابي نحو المجبي، فاجتباء الله سبحانه عبدا من عباده هو أن يقصده برحمته و يخصه بمزيد كرامته فيجمع شمله و يحفظه من التفرق في السبل المتفرقة الشيطانية المفرقة للإنسان و يركبه صراطه المستقيم، و هو أن يتولى أمره و يخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب كما أخبر تعالى بذلك في يوسف (عليه السلام) إذ قال: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ} الآية ٢٤ من السورة. 

  • و قوله: {وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ} التأويل‌ هو ما ينتهي إليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه، و هو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من الصور المناسبة لمداركه و مشاعره كما تمثل سجدة أبوي يوسف و إخوته الأحد عشر في صورة أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر و خرورها أمامه ساجدة له، و قد تقدم استيفاء البحث عن معنى التأويل في تفسير قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ اِبْتِغَاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (الآية) آل عمران: ٧ في الجزء الثالث من الكتاب. 

  • و الأحاديث‌ جمع الحديث و ربما أريد به الرؤى لأنها من حديث النفس فإن نفس 

تفسير الميزان ج۱۱

80
  • الإنسان تصور له الأمور في المنام كما يصور المحدث لسُمّاعه الأمور في اليقظة، فالرؤيا حديث مثله، و منه يظهر ما في قول بعضهم: إن الرؤى سميت أحاديث باعتبار حكايتها و التحديث بها، و هو كما ترى. 

  • و كذا ما قيل: إنها سميت أحاديث لأنها من حديث الملك إن كانت صادقة و من حديث الشيطان إن كانت كاذبة. انتهى، و فيه أنها ربما لم تستند إلى ملك و لا إلى شيطان كالرؤيا المستندة إلى حالة مزاجية عارضة لنائم تأخذه حمى أو سخونة اتفاقية فتحكيها نفسه في صورة حمام يستحم فيه أو حر قيظ و نحوهما أو يتسلط عليه برد فتحكيه نفسه بتصوير الشتاء و نزول الثلج و نحوهما. 

  • و رده بعضهم بأنه يخالف الواقع فإن رؤيا يوسف ليس فيها حديث و كذا رؤيا صاحبيه في السجن و رؤيا ملك مصر انتهى. و قد اشتبه عليه معنى الحديث و ظن أن المراد بقولهم: إن الرؤيا من حديث الملك أو الشيطان، الحديث على نحو التكليم باللفظ، و ليس كذلك بل المراد أن المنام يصور له القصة أو حادثا من الحوادث بصورة مناسبة كما أن تصوره المتكلم اللافظ يصور ذلك بصورة لفظية يستدل بها السامع على الأصل المراد و هذا كما يقال لمن يقصد أمرا و يعزم على فعل أو ترك أنه حدثه نفسه أن يفعل كذا أو يترك كذا أي أنه يصوره فأراد فعله أو تركه كأن نفسه حدثته بأنه يجب عليك كذا أو لا يجوز لك كذا، و بالجملة معنى كون الرؤيا من الأحاديث أنها من قبيل تصور الأمور للنائم كما يتصور الأنباء و القصص بالتحديث اللفظي فهي حديث إما ملكي أو شيطاني أو نفسي كما تقدم لكن الحق أنها من أحاديث النفس بالمباشرة، و سيجي‌ء استيفاء البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا. 

  • لكن الظاهر المتحصل من قصته (عليه السلام) المسرودة في هذه السورة أن الأحاديث التي علمه الله تعالى تأويلها أعم من أحاديث الرؤيا، و إنما هي الأحاديث أعني الحوادث و الوقائع التي تتصور للإنسان أعم من أن تتصور له في يقظة أو منام فإن بين الحوادث و الأصول التي تنشأ هي منها و الغايات التي تنتهي إليها اتصالا لا يسع إنكاره، و بذلك يرتبط بعضها ببعض فمن الممكن أن يهتدي عبد بإذن الله تعالى إلى هذه الروابط فينكشف له تأويل الأحاديث و الحقائق التي تنتهي هي إليها. 

  • و يؤيده فيما يرجع إلى المنام ما حكاه الله تعالى من بيان يعقوب تأويل رؤيا يوسف 

تفسير الميزان ج۱۱

81
  • (عليه السلام)، و تأويل يوسف لرؤيا نفسه و رؤيا صاحبيه في السجن و رؤيا عزيز مصر و فيما يرجع إلى اليقظة ما حكاه عن يوسف في السجن بقوله: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} الآية ٣٧ من السورة، و كذا قوله: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} الآية ١٥ من السورة و سيوافيك توضيحه إن شاء الله تعالى. 

  • و قوله: {وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ} قال الراغب في المفردات: النعمة - بالكسر فالسكون - الحالة الحسنة، و بناء النِعمة بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة و الركبة، و النَعمة بالفتح فالسكون التنعم و بناؤها بناء المرة من الفعل كالضربة و الشتمة، و النعمة للجنس تقال للقليل و الكثير. 

  • قال: و الإنعام‌ إيصال الإحسان إلى الغير، و لا يقال إلا إذا كان الموصل إليه من جنس الناطقين فإنه لا يقال: أنعم فلان على فرسه، قال تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} {وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} و النعماء بإزاء الضراء. 

  • قال: و النعيم‌ النعمة الكثيرة قال تعالى: {فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ} و قال تعالى: {جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ}، و تنعم‌ تناول ما فيه النعمة و طيب العيش، يقال: نعّمه تنعيما فتنعم أي لين عيش و خصب قال تعالى: {فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ} و طعام ناعم و جارية ناعمة انتهى. 

  • ففي الكلمة- كما ترى - شي‌ء من معنى اللين و الطيب و الملاءمة فكأنها مأخوذة من النعومة و هي الأصل في معناها، و قد اختص استعمالها بالإنسان لأن له عقلا يدرك به النافع من الضار فيستطيب النافع و يستلئمه و يتنعم به بخلاف غيره الذي لا يميز ما ينفعه مما يضره، كما أن المال و الأولاد و غيرهما مما يعد نعمة يكون نعمة لواحد و نقمة لآخر و نعمة للإنسان في حال و نقمة في أخرى. 

  • و لذا كان القرآن الكريم لا يعد هذه العطايا الإلهية كالمال و الجاه و الأزواج و الأولاد و غير ذلك نعمة بالنسبة إلى الإنسان إلا إذا وقعت في طريق السعادة و منصبغة بصبغة الولاية الإلهية تقرب الإنسان إلى الله زلفى، و أما إذا وقعت في طريق الشقاء و تحت ولاية الشيطان فإنما هي نقمة و ليست بنعمة، و الآيات في ذلك كثيرة. 

تفسير الميزان ج۱۱

82
  • نعم إذا نسبت إلى الله سبحانه فهي نعمة منه و فضل و رحمة لأنه خير يفيض الخير و لا يريد في موهبته شرا و لا سوء، و هو رؤوف رحيم غفور ودود، قال تعالى: {وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} إبراهيم: ٣٤ و الخطاب في الآية لعامة الناس، و قال تعالى: {وَ ذَرْنِي وَ اَلْمُكَذِّبِينَ أُولِي اَلنَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} المزمل: ١١، و قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى‌ عِلْمٍ} الزمر: ٤٩ فهذه و أمثالها نعمة إذا نسبت إليه تعالى لكنها نقمة إذا نسبت إلى الكافر بها قال تعالى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إبراهيم: ٧. 

  • و بالجملة إذا كان الإنسان في ولاية الله كان جميع الأسباب التي يتسبب بها في استبقاء الحياة و التوصل إلى السعادة نعما إلهية بالنسبة إليه، و إن كان في ولاية الشيطان تبدلت الجميع نقما و هي جميعا من الله سبحانه نعم و إن كانت مكفورا بها. 

  • ثم إن وسائل الحياة إن كانت ناقصة لا تفي بجميع جهات السعادة في الحياة كانت نعمة كمن أوتي مالا و سلب الأمن و السلام فلا يتمكن من أن يتمتع به كما يريده و متى و أينما يريده، و إذا كان له من ذلك ما يمكنه التوصل به إلى سعادة الحياة من غير نقص فيه فذلك تمام النعمة

  • فقوله: {وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ} يريد أن الله أنعم عليكم بما تسعدون به في حياتكم لكنه يتم ذلك في حقك و في حق آل يعقوب و هم يعقوب و زوجه و سائر بنيه كما كان رآه في رؤياه. 

  • و قد جعل يوسف (عليه السلام) أصلا و آل يعقوب معطوفا عليه إذ قال: {عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ} كما يدل عليه الرؤيا إذ رأى يوسف نفسه مسجودا له و رأى آل يعقوب في هيئة الشمس معها القمر و أحد عشر كوكبا سجدا له. 

  • و قد ذكر الله تعالى مما أتم به النعمة على يوسف (عليه السلام) أنه آتاه الحكم و النبوة و الملك و العزة في مصر مضافا إلى أن جعله من المخلصين و علمه من تأويل الأحاديث، و مما أتم به النعمة على آل يعقوب أنه أقر عين يعقوب بابنه يوسف (عليه السلام)، و جاء به و بأهله جميعا من البدو و رزقهم الحضارة بنزول مصر. 

  • و قوله: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلى‌ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ} أي نظير ما أتم النعمة 

تفسير الميزان ج۱۱

83
  • من قبل على إبراهيم و إسحاق و هما أبواك فإنه آتاهما خير الدنيا و الآخرة فقوله: {مِنْ قَبْلُ} متعلق بقوله: {أَتَمَّهَا} و ربما احتمل كونه ظرفا مستقرا وصفا لقوله {أَبَوَيْكَ} و التقدير كما أتمها على أبويك الكائنين من قبل. 

  • و {إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ} بدل أو عطف بيان لقوله {أَبَوَيْكَ} و فائدة هذا السياق الإشعار بكون النعمة مستمرة موروثة في بيت إبراهيم من طريق إسحاق حيث أتمها الله على إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف (عليه السلام) و سائر آل يعقوب. 

  • و معنى الآية: و كما رأيت في رؤياك يخلصك ربك لنفسه بإنقائك من الشرك فلا يكون فيك نصيب لغيره، و يعلمك من تأويل الأحاديث و هو ما يئول إليه الحوادث المصورة في نوم أو يقظة و يتم نعمته هذه و هي الولاية الإلهية بالنزول في مصر و اجتماع الأهل و الملك و العزة عليك و على أبويك و إخوتك و إنما يفعل ربك بك ذلك لأنه عليم بعباده خبير بحالهم حكيم يجري عليهم ما يستحقونه فهو عليم بحالك و ما يستحقونه من غضبه. 

  • و التدبر في الآية الكريمة يعطي: 

  • أولا: أن يعقوب أيضا كان من المخلصين و قد علمه الله من تأويل الأحاديث فإنه (عليه السلام) أخبر كما في هذه الآية بتأويل رؤيا يوسف و ما كان ليخبر عن خرص و تخمين دون أن يعلمه الله ذلك. 

  • على أن الله بعد ما حكى عنه لبنيه {يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} إلخ، قال في حقه: {وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}

  • على أنه بعد ما حكى عن يوسف في السجن فيما يحاور صاحبيه أنه قال: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} فأخبر أنه من تأويل الحديث و قد علمه ذلك ربه ثم علل التعليم بقوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ} إلخ، فأخبر أنه مخلص بفتح اللام لله كآبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب نقي الوجود سليم القلب من الشرك مطلقا و لذلك علمه ربه فيما علمه تأويل الأحاديث، و الاشتراك في العلة كما ترى يعطي أن آباءه الكرام إبراهيم و إسحاق و يعقوب كهو مخلصون لله معلمون من تأويل الأحاديث. 

تفسير الميزان ج۱۱

84
  • و يؤيده قوله تعالى في موضع آخر: {وَ اُذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدَّارِ} ص: ٤٦ و يعطي أن العلم بتأويل الأحاديث من فروع الإخلاص لله سبحانه. 

  • و ثانيا: أن جميع ما أخبر به يعقوب (عليه السلام) منطبق على متن ما رآه يوسف (عليه السلام) من الرؤيا و هو سجدة الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا له و ذلك أن سجدتهم له و فيهم يعقوب الذي هو من المخلصين و لا يسجد إلا لله وحده تكشف عن أنهم إنما سجدوا أمام يوسف لله و لم يأخذوا يوسف إلا قبلة كالكعبة التي يسجد إليها و لا يقصد بذلك إلا الله سبحانه فلم يكن عند يوسف و لا له إلا الله تعالى، و هذا هو كون العبد مخلَصا بفتح اللام لربه مخصوصا به لا يشاركه تعالى فيه شي‌ء كما يومئ إليه يوسف بقوله: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ} و قد تقدم آنفا أن العلم بتأويل الأحاديث متفرع على الإخلاص. 

  • و من هنا قال يعقوب في تعبير رؤياه: {وَ كَذَلِكَ } أي كما رأيت نفسك مسجودا لها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } أي يخلصك لنفسه {وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ}

  • و كذلك رؤية آل يعقوب في صورة الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا و هي أجرام سماوية رفيعة المكان ساطعة الأنوار واسعة المدارات تدل على أنهم سترتفع مكانتهم و يعلوا كعبهم في حياتهم الإنسانية السعيدة، و هي الحياة الدينية العامرة للدنيا و الآخرة و يمتازون في ذلك من غيرهم. 

  • و من هنا مضى يعقوب في حديثه و قال: {وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } أي وحدك متميزا من غيرك كما رأيت نفسك كذلك {وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ } أي علي و على زوجي و ولدي جميعا كما رأيتنا مجتمعين متقاربي الصور {كَمَا أَتَمَّهَا عَلى‌ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

  • و ثالثا: أن المراد بإتمام النعمة تعقيب الولاية برفع سائر نواقص الحياة السعيدة و ضم الدنيا إلى الآخرة، و لا تنافي بين نسبة إتمام النعمة إلى الجميع و بين اختصاص الاجتباء و تعليم تأويل الأحاديث بيعقوب و يوسف (عليه السلام) من بينهم لأن النعمة و هي الولاية مختلفة الدرجات متفاوتة المراتب، و حيث نسبت إلى الجميع يأخذ كل منهم نصيبه منها. 

  • على أن من الجائز أن ينسب أمر إلى المجموع باعتبار اشتماله على أجزاء بعضها قائم 

تفسير الميزان ج۱۱

85
  • بمعنى ذلك الأمر كما في قوله: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبَاتِ} الجاثية: ١٦ و إيتاء الكتاب و الحكم و النبوة مختص ببعضهم دون جميعهم بخلاف الرزق من الطيبات. 

  • و رابعا: أن يوسف كان هو الوسيلة في إتمام الله سبحانه نعمته على آل يعقوب و لذلك جعله يعقوب أصلا في الحديث و عطف عليه غيره حتى ميزه من بين آله و أفرده بالذكر حيث قال: {وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‌ آلِ يَعْقُوبَ}

  • و لذلك أيضا نسب هذه العناية و الرحمة إلى ربه حيث قال مرة بعد مرة: {رَبُّكَ} و لم يقل: «يجتبيك الله» و لا «أن الله عليم حكيم فهذا كله يشهد بأنه هو الأصل في إتمام النعمة على آل يعقوب، و أما أبواه إبراهيم و إسحاق فإن التعبير بما يشعر بالتنظير: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلى‌ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ} يخرجهما من تحت أصالة يوسف فافهم ذلك.

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي قال: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تأويل هذه الرؤيا أنه سيملك مصر و يدخل عليه أبواه و إخوته. فأما الشمس فأم يوسف راحيل، و القمر يعقوب، و أما أحد عشر كوكبا فإخوته، فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه، و كان ذلك السجود لله.

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر عن ابن عباس، في قوله تعالى: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} قال: إخوته «و الشمس» قال: أمه «و القمر» قال: أبوه، و لأمه راحيل ثلث الحسن. 

  • أقول: و الروايتان كما ترى تفسران الشمس بأمه و القمر بأبيه و لا تخلوان من ضعف، و ربما روي أن التي دخلت عليه بمصر هي خالته دون أمه فقد ماتت أمه قبل ذلك، و كذلك وردت في التوراة. 

  • و في تفسير القمي عن الباقر (عليه السلام): كان له أحد عشر أخا، و كان له من أمه أخ واحد يسمى بنيامين. قال: فرأى يوسف هذه الرؤيا و له تسع سنين فقصها على أبيه فقال: {يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ} (الآية). 

تفسير الميزان ج۱۱

86
  •  أقول: و في بعض الروايات أنه كان يومئذ ابن سبع سنين و في التوراة أنه كان ابن ست عشر سنة، و هو بعيد. 

  • و في قصة الرؤيا روايات أخرى سيجي‌ء بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى. 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٧ الی ٢١]

  • {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ٧ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ٨ اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ٩ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ١٠قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى‌ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ١١ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ١٢ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ١٣ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ اَلذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ ١٤ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ١٥ وَ جَاؤُ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ١٦ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنَا يُوسُفَ 

تفسير الميزان ج۱۱

87
  • عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ اَلذِّئْبُ وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَ لَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ١٧ وَ جَاؤُ عَلى‌ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى‌ مَا تَصِفُونَ ١٨ وَ جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلى‌ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرى‌ هَذَا غُلاَمٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٩ وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ اَلزَّاهِدِينَ ٢٠وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ٢١} 

  • (بيان) 

  • شروع في القصة بعد ذكر البشارة التي هي كالمقدمة الملوحة إلى إجمال الغاية التي تنتهي إليها القصة، و الآيات تتضمن الفصل الأول من فصول القصة و فيه مفارقة يوسف ليعقوب (عليه السلام) و خروجه من بيت أبيه إلى استقراره في بيت العزيز بمصر، و قد حدث خلال هذه الأحوال أن ألقاه إخوته في البئر، و أخرجته السيارة منها، و باعه إخوته من السيارة، و هم حملوه إلى مصر و باعوه من العزيز فبقي عنده. 

  • قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} شروع في القصة و فيه التنبيه على أن القصة مشتملة على آيات إلهية دالة على توحيد الله سبحانه، و أنه هو الولي 

تفسير الميزان ج۱۱

88
  • يلي أمور عباده المخلصين حتى يرفعهم إلى عرش العزة، و يثبتهم في أريكة الكمال فهو تعالى الغالب على أمره يسوق الأسباب إلى حيث يشاء لا إلى حيث يشاء غيره و يستنتج منها ما يريد لا ما هو اللائح الظاهر منها. 

  • فهذه إخوة يوسف (عليه السلام) حسدوا أخاهم و كادوه و ألقوه في قعر بئر ثم شروه من السيارة عبدا يريدون بذلك أن يسوقوه إلى الهلاك فأحياه الله بعين هذا السبب اللائح منه الهلاك، و أن يذللوه فأعزه الله بعين سبب التذليل، و وضعوه فرفعه الله بعين سبب الوضع و الخفض، و أن يحولوا حب أبيهم إلى أنفسهم فيخلوا لهم وجه أبيهم فعكس الله الأمر، و ذهبوا ببصر أبيهم حيث نعوا إليه يوسف بقميصه الملطخ بالدم فأعاد الله إليه بصره بقميصه الذي جاء به إليه البشير و ألقاه على وجهه. 

  • و لم يزل يوسف (عليه السلام) كلما قصده قاصد بسوء أنجاه الله منه و جعل فيه ظهور كرامته و جمال نفسه، و كلما سير به في مسير أو ركب في سبيل يهديه إلى هلكة أو رزية هداه الله بعين ذلك السبيل إلى غاية حسنة و منقبة شريفة ظاهرة، و إلى ذلك يشير يوسف (عليه السلام) حيث يعرف نفسه لإخوته و يقول: {أَنَا يُوسُفُ وَ هَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} الآية ٩١ من السورة، و يقول لأبيه بحضرة من إخوته: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ وَ جَاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي} ثم تأخذه الجذبة الإلهية فيقبل بكلية نفسه الوالهة إلى ربه و يعرض عن غيره فيقول: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ فَاطِرَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ} الآية ١٠١ من السورة. 

  • و في قوله تعالى: {لِلسَّائِلِينَ} دلالة على أنه كان هناك جماعة سألوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن القصة أو عما يرجع بوجه إلى القصة فأنزلت في هذه السورة. 

  • قوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ذكر في المجمع، أن العصبة هي الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، و يقع على جماعة من عشرة إلى خمسة عشر، و قيل: ما بين العشرة إلى الأربعين، و لا واحد له من لفظه كالقوم و الرهط و النفر. انتهى. 

تفسير الميزان ج۱۱

89
  • و قوله: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا} القائلون هم أبناء يعقوب ما خلا يوسف و أخاه الذي ذكروه معه، و كانت عدتهم عشرة و هم رجال أقوياء بيدهم تدبير بيت أبيهم يعقوب و إدارة مواشيه و أمواله كما يدل عليه قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ}

  • و قولهم: {لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ} بنسبته إلى يوسف مع أنهم جميعا أبناء ليعقوب و إخوة فيما بينهم يشعر بأن يوسف و أخاه هذا كانا أخوين لأم واحدة و أخوين لهؤلاء القائلين لأب فقط، والروايات تذكر أن اسم أخي يوسف هذا «بنيامين»، و السياق يشهد أنهما كانا صغيرين لا يقومان بشي‌ء من أمر بيت يعقوب و تدبير مواشيه و أمواله. 

  • و قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ} أي عشرة أقوياء مشدود ضعف بعضنا بقوة بعض، و هو حال عن الجملة السابقة يدل على حسدهم و حنقهم لهما و غيظهم على أبيهم يعقوب في حبه لهما أكثر منهم، و هو بمنزلة تمام التعليل لقولهم بعده: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}

  • و قولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} قضاء منهم على أبيهم بالضلال و يعنون بالضلال الاعوجاج في السليقة و فساد السيرة دون الضلال في الدين. 

  • أما أولا: فلأن ذلك هو مقتضى ما تذاكروا فيما بينهم إنهم جماعة إخوان أقوياء متعاضدون متعصب بعضهم لبعض يقومون بتدبير شئون أبيهم الحيوية و إصلاح معاشه و دفع كل مكروه يواجهه، و يوسف و أخوه طفلان صغيران لا يقويان من أمور الحياة على شي‌ء، و ليس كل منهما إلا كَلّا عليه و عليهم، و إذا كان كذلك كان توغل أبيهم في حبهما و اشتغاله بكليته بهما دونهم و إقباله عليهما بالإعراض عنهم طريقة معوجة غير مرضية فإن حكمة الحياة تستدعي أن يهتم الإنسان بكل من أسبابه و وسائله على قدر ما له من التأثير، و قصر الإنسان اهتمامه على من هو كَلٌّ عليه و لا يغني عنه طائلا و الإعراض عمن بيده مفاتيح حياته و أزمة معاشه ليس إلا ضلالا من صراط الاستقامة و اعوجاجا في التدبير، و أما الضلال في الدين فله أسباب أخر كالكفر بالله و آياته و مخالفة أوامره و نواهيه. 

  • و أما ثانيا: فلأنهم كانوا مؤمنين بالله مذعنين بنبوة أبيهم يعقوب كما يظهر من قولهم: {وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} و قولهم أخيرا: {يَا أَبَانَا اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } الآية ٩٧ من السورة و قولهم ليوسف أخيرا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اَللَّهُ عَلَيْنَا} و غير ذلك، و لو أرادوا بقولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ضلاله في الدين لكانوا بذلك كافرين. 

تفسير الميزان ج۱۱

90
  • و هم مع ذلك كانوا يحبون أباهم و يعظمونه و يوقرونه، و إنما فعلوا بيوسف ما فعلوا ليخلص لهم حب أبيهم كما قالوا: {اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فهم - كما يدل عليه هذا السياق - كانوا يحبونه و يحبون أن يخلص لهم حبه، و لو كان خلاف ذلك لانبعثوا بالطبع إلى أن يبدؤوا بأبيهم دون أخيهم و أن يقتلوا يعقوب أو يعزلوه أو يستضعفوه حتى يخلو لهم الجو و يصفو لهم الأمر ثم الشأن في يوسف عليهم أهون. 

  • و لقد جبهوا أباهم أخيرا بمثل قولهم هذا حين قال لهم: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ اَلْقَدِيمِ} الآية ٩٥ من السورة، و من المعلوم أن ليس المراد به الضلال في الدين بل الإفراط في حب يوسف و المبالغة في أمره بما لا ينبغي. 

  • و يظهر من الآية و ما يرتبط بها من الآيات أنه كان يعقوب (عليه السلام) يسكن البدو و كان له اثنا عشر ابنا و هم أولاد علة، و كان عشرة منهم كبارا هم عصبة أولو قوة و شدة يدور عليهم رحى حياته و يدبر بأيديهم أمور أمواله و مواشيه، و كان اثنان منهم صغيرين أخوين لأم واحدة في حجر أبيهما و هما يوسف و أخوه لأمه و أبيه، و كان يعقوب (عليه السلام) مقبلا إليهما يحبهما حبا شديدا لما يتفرس في ناصيتهما من آثار الكمال و التقوى لا لهوى نفساني فيهما كيف؟ و هو من عباد الله المخلصين الممدوح بمثل قوله تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدَّارِ} ص: ٤٦ و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك. 

  • فكان هذا الحب و الإيثار يثير حسد سائر الإخوة لهما و يؤجج نائرة الأضغان منهم عليهما و يعقوب (عليه السلام) يتفرس ذلك و يبالغ في حبهما و خاصة في حب يوسف و كان يخافهم عليه و لا يرضى بخلوتهم به و لا يأمنهم عليه و ذلك يزيد في حسدهم و غيظهم فصار يتفرس من وجوههم الشر و المكر كما مرت استفادته من قوله {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} حتى رأى يوسف الرؤيا و قصها لأبيه فزاد بذلك إشفاق أبيه عليه و ازداد حبه له و وجده فيه، و أوصاه أن يكتم رؤياه و لا يخبر إخوته بها لعله يأمن بذلك كيدهم لكن التقدير غلب تدبيره. 

  • فاجتمع الكبار من بني يعقوب و تذاكروا فيما بينهم ما كانوا يشاهدونه من أمر أبيهم و ما يصنعه بيوسف و أخيه حيث يشتغل بهما عنهم و يؤثرهما عليهم و هما طفلان صغيران لا يغنيان عنه بطائل و هم عصبة أولو قوة و شدة أركان حياته و أياديه الفعالة في 

تفسير الميزان ج۱۱

91
  • دفع كل رزية عادية و جلب منافع المعيشة و إدارة الأموال و المواشي، و ليس من حسن السيرة و استقامة الطريقة إيثار هذين الضعيفين على ضعفهما على أولئك العصبة القوية على قوتهم فذموا سيرة أبيهم و حكموا بأنه في ضلال مبين من جهة طريقته هذه. 

  • و لم يريدوا برمي أبيهم بالضلال الضلال في الدين حتى يكفروا بذلك بل الضلال في مشيته الاجتماعية كما توفرت بذلك شواهد الآيات و قد تقدمت الإشارة إليها. 

  • و بذلك يظهر ما في مختلف التفاسير من الانحراف في تقرير معنى الآية: 

  • منها: ما ذكره بعضهم أن هذا الحكم منهم بضلال أبيهم عن طريق العدل و المساواة جهل مبين و خطأ كبير لعل سببه اتهامهم إياه بإفراطه في حب أمهما من قبل فيكون مثاره الأول اختلاف الأمهات بتعدد الزوجات و لا سيما الإماء منهن‌۱ و هو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد و ضعافهم و كانا أصغر أولاده. 

  • قال: و من فوائد القصة وجوب عناية الوالدين بمداراة الأولاد و تربيتهم على المحبة و العدل، و إنقاء وقوع التحاسد و التباغض بينهم و منه اجتناب تفضيل بعضهم على بعض بما يعده المفضول إهانة له و محاباة لأخيه بالهوى، و قد نهى عنه النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مطلقا، و منه سلوك سبيل الحكمة في تفضيل من فضل الله تعالى بالمواهب الفطرية كمكارم الأخلاق و التقوى و العلم و الذكاء. 

  • و ما كان يعقوب بالذي يخفى عليه هذا و ما نهى يوسف عن قص رؤياه عليهم إلا من علمه بما يجب فيه، و لكن ما يفعل الإنسان بغريزته و قلبه و روحه؟ أ يستطيع أن يحول دون سلطانها على جوارحه؟ كلا. انتهى. 

  • أما قوله: إن منشأ حسدهم و بغيهم اختلاف الأمهات و خاصة الإماء منهن «إلخ» ففيه: أن استدعاء اختلاف الأمهات اختلاف الأولاد و إن كان مما لا يسوغ إنكاره، و وجود ذلك في المورد محتمل، لكن السبب المذكور في كلامه تعالى لذلك غير هذا، و لو كان هو السبب الوحيد لفعلوا بأخي يوسف ما فعلوا به و لم يقنعوا به. 

    1. إشارة إلى ما في التوراة أن يعقوب كان له من الأولاد اثنا عشر ولدا ذكرا و هم راوبين و شمعون و لاوى و يهوذا و يساكر و زبولون و هؤلاء من ليئة بنت خاله، و يوسف و بنيامين من راحيل بنت خاله الأخرى. و دان و نفتالى من جارية راحيل، و جاد و أشير من زلفة جارية ليئة.

تفسير الميزان ج۱۱

92
  • و أما قوله: «و هو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد و ضعافهم» و مفاده أن محبة يعقوب ليوسف إنما كانت رقة و ترحما غريزيا منه لصغرهما كما هو المشهود من الآباء بالنسبة إلى صغار أولادهم ما داموا صغارا فإذا كبروا انتقلت إلى من هو أصغر منهم. 

  • ففيه: أن هذا النوع من الحب المشوب بالرقة و الترحم مما يسلمه الكبار للصغار و ينقطعون عن مزاحمتهم و معارضتهم في ذلك، ترى كبراء الأولاد إذا شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم و ضعفائهم و اعترضوا بأن ذلك خلاف التعديل و التسوية فأجيبوا بأنهم صغار ضعفاء يجب أن يُرق لهم و يرحموا و يعانوا حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة سكتوا و انقطعوا عن الاعتراض و أقنعهم ذلك. 

  • فلو كانت صورة حب يعقوب ليوسف و أخيه صورة الرقة و الرأفة و الرحمة لهما لصغرهما و هي التي يعهدها كل من العصبة في نفسه و يذكرها من أبيه له في حال صغره لم يعيبوها و لم يذموا أباهم عليها و لكان قولهم: {وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ} دليلا عليهم يدل على ضلالهم في نسبة أبيهم إلى الضلال لا دليلا لهم يدل على ضلال أبيهم في زيادة حبه لهما. 

  • على أنهم قالوا لأبيهم حينما كلموا أباهم في أمر يوسف: {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى‌ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} و من المعلوم أن إكرامه ليوسف و ضمه إليه و مراقبته له و عدم أمن أحد منهم عليه، أمر وراء المحبة بالرقة و الرحمة له و لصغره و ضعفه. 

  • و أما قوله: و ما كان يعقوب يخفى عليه هذا إلى آخر ما قال و معناه أن هوى يعقوب في ابنه صرفه عن الواجب في تربية أولاده على علم منه بأن ذلك خلاف العدل و الإنصاف و أنه سيدفعه إلى بلوى في أولاده ثم تعذيره بأن مخالفة هوى القلب و علقة الروح مما لا يستطيعه الإنسان. 

  • ففيه أنه إفساد للأصول المسلمة العقلية و النقلية التي يستنتج منها حقائق مقامات الأنبياء و العلماء بالله من الصديقين و الشهداء و الصالحين و ما بني عليه البحث عن كرائم الأخلاق أن الإنسان بحسب فطرته في سعة من التخلق بها و محق الرذائل النفسانية التي أصلها و أساسها اتباع هوى النفس و إيثار مرضاة الله سبحانه على كل مرضاة و بغية، و هذا أمر نرجوه من كل من ارتاض بالرياضات الخلقية من أهل التقوى و الورع فما الظن بالأنبياء 

تفسير الميزان ج۱۱

93
  • ثم بمثل يعقوب (عليه السلام) منهم. 

  • و ليت شعري إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يخالف هوى نفسه في أمثال هذه الأمور فما معنى هذه الأوامر و النواهي الجمة في الدين المتعلقة بها و هل هي إلا مجازفة صريحة. 

  • على أن فيما ذكره إزراء لمقامات أنبياء الله و أوليائه و حطا لمواقفهم العبودية إلى درجة المتوسطين من الناس أسراء هوى أنفسهم الجاهلين بمقام ربهم، و قد عرف سبحانه الأنبياء بمثل قوله {وَ اِجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الأنعام: ٨٧ و قال في يعقوب و أبويه إبراهيم و إسحاق (عليهما السلام): {وَ كُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرَاتِ وَ إِقَامَ اَلصَّلاَةِ وَ إِيتَاءَ اَلزَّكَاةِ وَ كَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} الأنبياء: ٧٣، و قال فيهم أيضا: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدَّارِ} ص- ٤٦. 

  • فأخبر أنه هداهم إلى مستقيم صراطه و لم يقيد ذلك بقيد، و أنه اجتباهم و جمعهم و أخلصهم لنفسه فهم مخلصون - بفتح اللام - لله سبحانه لا يشاركه فيهم مشارك، فلا يبتغون إلا ما يريده من الحق و لا يؤثرون على مرضاته مرضاة غيره سواء كان ذلك الغير أنفسهم أو غيره، و قد كرر سبحانه في كلامه حكاية إغواء بني آدم عن الشيطان و استثنى المخلصين: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ} ص- ٨٣. 

  • فالحق أن يعقوب إنما كان يحب يوسف و أخاه في الله سبحانه لما كان يتفرس منهما التقوى و الكمال و من يوسف خاصة ما كانت تدل عليه رؤياه أن الله سيجتبيه و يعلمه من تأويل الأحاديث و يتم نعمته عليه و على آل يعقوب، و لم يكن حبه هوى البتة. 

  • و منها ما ذكره بعضهم أن مرادهم من قولهم: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ضلاله في الدين، و قد عرفت أن سياق الآيات الكريمة يدفعه. 

  • و يقابل هذا القول بوجه قول آخرين: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء و إنما نسبوا أباهم إلى الضلال في سيرته و العدول في أمرهم عن العدل و الاستقامة، و إذا اعترض عليهم بما ارتكبوه من المعصية و الظلم في أخيهم و أبيهم، أجابوا عنه بأن ذلك كانت معصية صغيرة صدرت عنهم قبل النبوة أو لا بأس به بناء على جواز صدور الصغائر عن الأنبياء قبل 

تفسير الميزان ج۱۱

94
  • النبوة و ربما أجيب بجواز أن يكونوا حين صدور المعصية صغارا مراهقين و من الجائز صدور أمثال هذه الأمور عن الأطفال المراهقين. و هذه أوهام مدفوعة، و ليس قوله تعالى: {وَ أَوْحَيْنَا إِلى‌ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبَاطِ} النساء: ١٦٣ الظاهر في نبوة الأسباط صريحا في إخوة يوسف. 

  • و الحق أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بل كانوا أولاد أنبياء حسدوا يوسف و أذنبوا بما ظلموا يوسف الصديق ثم تابوا إلى ربهم و أصلحوا و قد استغفر لهم يعقوب و يوسف (عليه السلام) كما حكى الله عن أبيهم قوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} الآية: ٩٨ من السورة بعد قولهم: {يَا أَبَانَا اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} و عن يوسف قوله: {يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ} الآية: ٩٢ من السورة بعد اعترافهم له بقولهم: {وَ إِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}

  • و منها: قول بعضهم: إن إخوة يوسف إنما حسدوه بعد ما قص عليهم رؤياه و قد كان يعقوب نهاه أن يقص رؤياه على إخوته و الحق أن الرؤيا إنما أوجبت زيادة حسدهم و قد لحق بهم الحسد قبل ذلك كما مر بيانه. 

  • قوله تعالى: {اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} تتمة قول إخوة يوسف، و الآية تتضمن الفصل الثاني من مؤامرتهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في أمر يوسف ليرسموا بذلك خطة تريح نفوسهم منه كما ذكره تعالى بقوله: {وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ} الآية ١٠٢ من السورة. 

  • و قد ذكر الله سبحانه متن مؤامرتهم في هذه الآيات الثلاث: {قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ } إلى قوله { إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}

  • فأوردوا أولا ذكر مصيبتهم في يوسف و أخيه إذ صرفا وجه يعقوب عنهم إلى أنفسهما و جذبا نفسه إليهما عن سائر الأولاد فصار يلتزمها و لا يعبأ بغيرهما ما فعلوا، و هذه محنة حالّةٌ بهم توعدهم بخطر عظيم في مستقبل الأمر فيه سقوط شخصيتهم و خيبة مسعاهم و ذلتهم بعد العزة و ضعفهم بعد القوة، و هو انحراف من يعقوب في سيرته و طريقته. 

  • ثم تذاكروا ثانيا في طريق التخلص من الرزية بطرح كل منهم ما هيأه من الخطة 

تفسير الميزان ج۱۱

95
  • و يراه من الرأي فأشار بعضهم إلى لزوم قتل يوسف، و آخرون إلى طرحه أرضا بعيدة لا يستطيع معه العود إلى أبيه و اللحوق بأهله فينسى بذلك اسمه و يمحو رسمه فيخلو وجه أبيهم لهم و ينبسط حبه و حبائه فيهم. 

  • ثم اتفقوا على ما يقرب من الرأي الثاني و هو أن يلقوه في قعر بئر ليلتقطه بعض السيارة و يذهبوا به إلى بعض البلاد النائية البعيدة فينقطع بذلك خبره و يعفى أثره. 

  • فقوله تعالى: {اُقْتُلُوا يُوسُفَ} حكاية لأحد الرأيين منهم في أمره، و في ذكرهم يوسف وحده - و قد ذكروا في مفتتح كلامهم في المؤامرة يوسف و أخاه معا: {لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا} - دليل على أنه كان مخصوصا بمزيد حب يعقوب و بلوغ عنايته و اهتمامه و إن كان أخوه أيضا محبوا بالحب و الإكرام من بينهم و كيف لا؟! و يوسف هو الذي رأى الرؤيا و بُشر بأخصّ العنايات الإلهية و الكرامات الغيبية، و قد كان أكبرهما و الخطر المتوجه من قبله إليهم أقرب ممّا من قِبل أخيه، و لعل في ذكر الأخوين معا إشارة إلى حب يعقوب لأمهما الموجب لحبه بالطبع لهما و تهييج حسد الإخوة و غيظهم و حقدهم بالنسبة إليهما. 

  • و قوله: {أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً} حكاية رأيهم الثاني فيه، و المعنى صيروه أو غربوه في أرض لا يقدر معه على العود إلى بيت أبيه، فيكون كالمقتول ينقطع أثره و يستراح من خطره كإلقائه في بئر أو تغريبه إلى مكان ناء و نظير ذلك. 

  • و الدليل عليه تنكير «أرض» و لفظ الطرح الذي يستعمل في إلقاء الإنسان المتاع أو الأثاث الذي يستغني عنه و لا ينتفع به للإعراض عنه. 

  • و في نسبة الرأيين بالترديد إليهم، دليل على أن مجموع الرأيين كان هو المرضي عند أكثر الإخوة حتى قال قائل منهم: {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ} إلخ. 

  • و قوله: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي افعلوا به أحد الأمرين حتى يخلو لكم وجه أبيكم، و هو كناية عن خلوص حبه لهم بارتفاع المانع الذي يجلب الحب و العطف إلى نفسه كأنهم و يوسف إذا اجتمعوا و أباهم حال يوسف بينه و بينهم و صرف وجهه إلى نفسه، فإذا ارتفع خلا وجه أبيهم لهم و اختص حبه بهم و انحصر إقباله عليهم. 

تفسير الميزان ج۱۱

96
  • و قوله: {وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} أي و تكونوا من بعد يوسف أو من بعد قتله أو نفيه - و المآل واحد - قوما صالحين بالتوبة من هذه المعصية. 

  • و في هذا دليل على أنهم كانوا يرونه ذنبا و إثما، و كانوا يحترمون أمر الدين و يقدسونه لكن غلبهم الحسد و سوّلت لهم أنفسهم اقتراف الذنب و ارتكاب المظلمة و آمنهم من عقوبة الذنب بتلقين طريق يمكنهم من الاقتراف من غير لزوم العقوبة الإلهية و هو أن يقترفوا الذنب ثم يتوبوا. 

  • و هذا من الجهل فإن التوبة التي شأنها هذا الشأن غير مقبولة البتة فإن من يوطن نفسه من قبل على المعصية ثم التوبة منها لا يقصد بتوبته الرجوع إلى الله و الخضوع لمقامه حقيقة بل إنما يقصد المكر بربه في دفع ما أوعده من العذاب و العقوبة مع المخالفة لأمره أو نهيه، فتوبته ذيل لما وطن عليه نفسه أولا: أن يذنب فيتوب، فهي في الحقيقة تتمة ما رامه أولا من نوع المعصية و هو الذنب الذي تعقبه توبة و ليست رجوعا إلى ربه بالندم على ما فعل. و قد تقدم البحث عن معنى التوبة في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهَالَةٍ} (الآية) النساء: ١٧ في الجزء الرابع من الكتاب. 

  • و قيل المراد بالصلاح في الآية صلاح الأمر من حيث سعادة الحياة الدنيا و انتظام الأمور فيها و المعنى و تكونوا من بعده قوما صالحين بصلاح أمركم مع أبيكم. 

  • قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} الجب‌ هو البئر التي لم يطو، أي لم يبن داخلها بالحجارة، و إن بني بها سميت البئر طويا، و الغيابة بفتح الغين المنهبط من الأرض الذي يغيب ما فيه من الأنظار و غيابة الجب‌ قعره الذي لا يرى لما فيه من الظلمة. 

  • و قد اختار هذا القائل الرأي الثاني المذكور في الآية السابقة الذي يشير إليه قوله: {أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً} إلا أنه قيده بما يؤمن معه القتل أو أمر آخر يؤدي إلى هلاكه كأن يلقى في بئر و يترك فيها حتى يموت جوعا أو ما يشاكل ذلك، فما أبداه من الرأي يتضمن نفي يوسف من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون إهلاكا لذي رحم، و هو أن يلقى في بعض الآبار التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه و يسيروا به إلى بلاد نائية تعفو أثره و تقطع خبره، و السياق يشهد بأنهم 

تفسير الميزان ج۱۱

97
  • ارتضوا هذا الرأي إذ لم يذكر رد منهم بالنسبة إليه و قد جرى عملهم عليه كما هو مذكور في الآيات التالية. 

  • و اختلف المفسرون في اسم هذا القائل بعد القطع بأنه كان أحد إخوته لقوله تعالى {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} فقيل: هو روبين ابن خالة يوسف، و قيل: هو يهوذا، و قد كان أسنهم و أعقلهم، و قيل: هو لاوى، و لا يهمنا البحث فيه بعد ما سكت القرآن عن تعريفه باسمه لعدم ترتب فائدة هامة عليه. 

  • و ذكر بعضهم: أن تعريف الجب باللام يدل على أنه كان جبا معهودا فيما بينهم، و هو حسن لو لم يكن اللام للجنس، و قد اختلفوا أيضا في أن هذا الجب أين كان هو؟ على أقوال مختلفة لا يترتب على شي‌ء منها فائدة طائلة. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى‌ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أصل {لاَ تَأْمَنَّا} لا تأمننا ثم أدغم بالإدغام الكبير. 

  • و الآية تدل على أن الإخوة أجمعوا على قول القائل: لا تقتلوا يوسف و ألقوه في غيابة الجب، و أجمعوا على أن يمكروا بأبيهم فيأخذوا يوسف و يفعلوا به ما عزموا عليه و قد كان أبوهم لا يأمنهم على يوسف و لا يخليه و إياهم فكان من الواجب قبلا أن يزكوا أنفسهم عند أبيهم و يجلوا قلبه من كدر الشبهة و الارتياب حتى يتمكنوا من أخذه و الذهاب به. و لذلك جاءوا أباهم و خاطبوه بقولهم: {يَا أَبَانَا } و فيه إثارة للعطف و الرحمة و إيثار للمودة {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى‌ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي و الحال أنا لا نريد به إلا الخير و لا نبتغي إلا ما يرضيه و يسره. 

  • ثم سألوه ما يريدونه و هو أن يرسله معهم إلى مرتعهم الذي كانوا يخرجون إليه ماشيتهم و غنمهم ليرتع و يلعب هناك، و هم حافظون له فقالوا: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} إلخ. 

  • قوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الرتع‌ هو توسع الحيوان في الرعي و الإنسان في التنزه و أكل الفواكه و نحو ذلك. 

  • و قولهم {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ} اقتراح لمسئولهم كما تقدمت الإشارة إليه 

تفسير الميزان ج۱۱

98
  • و قولهم: {وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أكدوه بوجوه التأكيد: إن و اللام و الجملة الاسمية على وزان قولهم: {وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} كما يدل أن كل واحدة من الجملتين تتضمن نوعا من التطيب لنفس أبيهم كأنهم قالوا: ما لك لا تأمنا على يوسف فإن كنت تخاف عليه إيانا معشر الإخوة كأن نقصده بسوء فإنا له لناصحون و إن كنت تخاف عليه غيرنا مما يصيبه أو يقصده بسوء كان يدهمه المكروه و نحن مساهلون في حفظه و مستهينون في كلاءته فإنا له لحافظون. 

  • فالكلام مسوق على ترتيبه الطبعي: ذكروا أولا أنه في أمن من ناحيتهم دائما ثم سألوا أن يرسله معهم غداة غد ثم ذكروا أنهم حافظون له ما دام عندهم، و بذلك يظهر أن قولهم: {وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} تأمين له دائمي من ناحية أنفسهم، و قولهم: {وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تأمين له موقت من غيرهم. 

  • قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} هذا ما ذكر أبوهم جوابا لما سألوه، و لم ينف عن نفسه أنه لا يأمنهم عليه و إنما ذكر ما يأخذه من الحالة النفسانية لو ذهبوا به فقال و قد أكد كلامه: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} و قد كشف عن المانع أنه نفسه التي يحزنها ذهابهم به و لا ذهابهم به الموجب لحزنه تلطفا في الجواب معهم و لئلا يهيج ذلك عنادهم و لجاجهم و هو من لطائف النكت. 

  • و اعتذر إليهم في ذلك بقوله: {وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} و هو عذر موجه فإن الصحاري ذوات المراتع التي تأوي إليها المواشي و ترتع فيها الأغنام لا تخلو طبعا من ذئاب أو سباع تقصدها و تكمن فيها للافتراس و الاصطياد فمن الجائز أن يقبلوا على بعض شأنهم و يغفلوا عنه فيأكله الذئب. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ اَلذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ} تجاهلوا لأبيهم كأنهم لم يفقهوا إلا أنه يأمنهم عليه لكن يخاف أن يأكله الذئب على حين غفلة منهم فردوه رد منكر مستغرب، و ذكروا لتطيب نفسه أنهم جماعة أقوياء متعاضدون ذوو بأس و شدة، و أقسموا بالله إنّ أكْل الذئب إياه و هم عصبة يقضي بخسرانهم و لن يكونوا خاسرين البتة، و إنما أقسموا - كما يدل عليه لام القسم - ليطيبوا نفسه و يذهبوا بحزنه فلا يمنعهم من الذهاب به، و هذا شائع في الكلام، و في الكلام وعد ضمني منهم له أنهم لن يغفلوا، لكنهم لم يلبثوا يوما حتى كذبوا أنفسهم فيما أقسموا له و أخلفوه ما وعدوه إذ قالوا: 

تفسير الميزان ج۱۱

99
  • {يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ اَلذِّئْبُ} (الآية). 

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ} قال الراغب: أجمعت على كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكَاءَكُمْ}. قال: و يقال أجمع المسلمون على كذا اتفقت آراؤهم عليه. انتهى. 

  • و في المجمع: أجمعوا أي عزموا جميعا أن يجعلوه في غيابة الجب أي قعر البئر و اتفقت دواعيهم عليه فإن من دعاه داع واحد إلى الشي‌ء لا يقال فيه أنه أجمع عليه فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي. انتهى. 

  • و الآية تشعر بأنهم أقنعوا أباهم بما قالوا له من القول و أرضوه أن لا يمنعهم أن يخرجوا يوسف معهم إلى الصحراء فحملوه معهم لإنفاذ ما أزمعوا عليه من إلقائه في غيابة الجب. 

  • و جواب لما محذوف للدلالة على فجاعة الأمر و فظاعته، و هي صنعة شائعة في الكلام ترى المتكلم يصف أمرا فظيعا كقتل فجيع يحترق به القلب و لا يطيقه السمع فيشرع في بيان أسبابه و الأحوال التي تؤدي إليه فيجري في وصفه حتى إذا بلغ نفس الحادثة سكت سكوتا عميقا ثم وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدل بذلك على أن صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغا لا يسع المتكلم أن يصرح به و لا يطيق السامع أن يسمعه. 

  • فكأن الذي يصف القصة - عز اسمه - لما قال: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ} سكت مليا و أمسك عن ذكر ما فعلوا به أسى و أسفا لأن السمع لا يطيق وعي ما فعلوا بهذا الطفل المعصوم المظلوم النبي ابن الأنبياء و لم يأت بجرم يستحق به شيئا مما ارتكبوه فيه و هم إخوته و هم يعلمون مبلغ حب أبيه النبي الكريم يعقوب له فيا قاتل الله الحسد يهلك شقيقا مثل يوسف الصديق بأيدي إخوته، و يثكل أبا كريما مثل يعقوب بأيدي أبنائه، و يزين بغيا شنيعا كهذا في أعين رجال ربوا في حجر النبوة و نشئوا في بيت الأنبياء. 

  • و لما حصل الغرض بالسكوت عن جواب "لما" جرى سبحانه في ذيل القصة فقال: {وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} إلخ. 

  • قوله تعالى: {وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} الضمير ليوسف 

تفسير الميزان ج۱۱

100
  • و ظاهر الوحي أنه من وحي النبوة، و المراد بأمرهم هذا إلقاؤهم إياه في غيابة الجب، و كذا الظاهر أن جملة {وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حال من الإيحاء المدلول عليه بقوله: {وَ أَوْحَيْنَا} «إلخ» و متعلق {لاَ يَشْعُرُونَ} هو الأمر أي لا يشعرون بحقيقة أمرهم هذا أو الإيحاء أي و هم لا يشعرون بما أوحينا إليه. 

  • و المعنى - و الله أعلم - و أوحينا إلى يوسف أقسم لتخبرنهم بحقيقة أمرهم هذا و تأويل ما فعلوا بك فإنهم يرونه نفيا لشخصك و إنساء لاسمك و إطفاء لنورك و تذليلا لك و حطا لقدرك و هو في الحقيقة تقريب لك إلى أريكة العزة و عرش المملكة و إحياء لذكرك و إتمام لنورك و رفع لقدرك و هم لا يشعرون بهذه الحقيقة و ستنبئهم بذلك، و هو قوله لهم و قد اتكى على أريكة العزة و هم قيام أمامه يسترحمونه بقولهم: {يَا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَ أَهْلَنَا اَلضُّرُّ وَ جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اَللَّهَ يَجْزِي اَلْمُتَصَدِّقِينَ} إذ قال: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } إلى أن قال { أَنَا يُوسُفُ وَ هَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا} إلخ. 

  • انظر إلى موضع قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ} فإنه إشارة إلى أن هذا الذي تشاهدونه اليوم من الحال هو حقيقة ما فعلتم بيوسف، و قوله: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} فإنه يحاذي من هذه الآية التي نحن فيها قوله: {وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}

  • و قيل: في معنى الآية وجوه أخر: 

  • منها: أنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك، و هو الذي أخبرهم به في مصر و هم لا يعرفونه ثم عرفهم نفسه. 

  • و منها: أن المراد بإنبائه إياهم مجازاتهم بسوء ما فعلوا كمن يتوعد من أساء إليه فيقول: لأنبئنك و لأعرفنك. 

  • و منها: قول بعضهم كما روي عن ابن عباس أن المراد بإنبائه إياهم بأمرهم ما جرى له مع إخوته بمصر حيث رآهم فعرفهم و هم له منكرون فأخذ جاما فنقره فظن فقال: إن هذا الجام يخبرني أنكم كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب و بعتموه بثمن بخس. 

  • و هذه وجوه لا تخلو من سخافة و الوجه ما قدمناه، و قد كثر ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى في معنى بيان حقيقة العمل كقوله تعالى: {إِلَى اَللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} المائدة: ١٠٥ و قوله: {وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اَللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} المائدة: ١٤،

تفسير الميزان ج۱۱

101
  • و قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} المجادلة: ٦ إلى غير ذلك من الآيات و هي كثيرة. 

  • و منها: قول بعضهم إن المعنى و أوحينا إليه ستخبرهم بما فعلوا بك و هم لا يشعرون بهذا الوحي. و هذا الوجه غير بعيد لكن الشأن في بيان نكتة لتقييد الكلام بهذا القيد و لا حاجة إليه ظاهرا. 

  • و منها: قول بعضهم: إن معنى الآية لتخبرنهم برقي حياتك و عزتك و ملكك بأمرهم هذا إذ يظهرك الله عليهم و يذلهم لك و يجعل رؤياك حقا و هم لا يشعرون يومئذ بما آتاك الله. 

  • و عمدة الفرق بين هذا القول و ما قدمناه من الوجه أن في هذا القول صرف الإنباء عن الإنباء الكلامي إلى الإنباء بالحال الخارجي و الوضع العيني، و لا موجب له بعد ما حكاه سبحانه عنه قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} إلخ. 

  • قوله تعالى: {وَ جَاؤُ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} العشاء آخر النهار، و قيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، و إنما كانوا يبكون ليلبسوا الأمر على أبيهم فيصدقهم فيما يقولون و لا يكذبهم. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ اَلذِّئْبُ} إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: أصل السبق‌ التقدم في السير نحو {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} و الاستباق‌ التسابق و قال: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} {وَ اِسْتَبَقَا اَلْبَابَ} انتهى، و قال الزمخشري في الكشاف: نستبق أي نتسابق، و الافتعال و التفاعل يشتركان كالانتضال و التناضل و الارتماء و الترامي و غير ذلك، و المعنى نتسابق في العدو أو في الرمي. انتهى. 

  • و قال صاحب المنار في تفسيره: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي ذهبنا من مكان اجتماعنا إلى السباق يتكلف كل منا أن يسبق غيره فالاستباق تكلف السبق و هو الغرض من المسابقة و التسابق بصيغتي المشاركة التي يقصد بها الغلب، و قد يقصد لذاته أو لغرض آخر في السبق، و منه {فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ} فهذا يقصد به السبق لذاته لا للغلب، و قوله الآتي في هذه السورة {وَ اِسْتَبَقَا اَلْبَابَ} كان يقصد به يوسف الخروج من الدار هربا من حيث تقصد امرأة العزيز باتباعه إرجاعه، و صيغة المشاركة لا تؤدي هذا المعنى، و لم يفطن 

تفسير الميزان ج۱۱

102
  • الزمخشري علامة اللغة و من تبعه لهذا الفرق الدقيق انتهى. 

  • أقول: و الذي مثل به من قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ} من موارد الغلب فإن من المندوب شرعا أن لا يؤثر الإنسان غيره على نفسه في الخيرات و المثوبات و القربات و أن يتقدم على من دونه في حيازة البركات فينطبق الاستباق حينئذ قهرا على التسابق و كذا قوله تعالى: {وَ اِسْتَبَقَا اَلْبَابَ} فإن المراد به قطعا أن كلا منها كان يريد أن يسبق الآخر إلى الباب هذا ليفتحه و هذه لتمنعه من الفتح و هو معنى التسابق فالحق أن معنيي الاستباق و التسابق متحدان صدقا على المورد، و في الصحاح: سابقته فسبقته سبقا و استبقنا في العدو أي تسابقنا. انتهى، و في لسان العرب: سابقته فسبقته، و استبقنا في العدو، أي تسابقنا. انتهى. 

  • و لعل الوجه في تصادق استبق و تسابق أن نفس السبق معنى إضافي في نفسه، وزنة «افتعل» تفيد تأكد معنى «فعل» و إمعان الفاعل في فعله و أخذه حلية لنفسه كما يشاهد في مثل كسب و اكتسب و حمل و احتمل و صبر و اصطبر و قرب و اقترب و خفي و اختفى و جهد و اجتهد و نظائرها، و طرو هذه الخصوصية على معنى السبق على ما به من الإضافة يفيد جهد الفاعل أن يخص السبق لنفسه و لا يتم إلا مع تسابق في المورد. 

  • و قوله: {بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي بمصدق لقولنا، و الإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} العنكبوت: ٢٦. 

  • و المعنى - أنهم حينما جاءوا أباهم عشاء يبكون - قالوا لأبيهم: يا أبانا إنا معشر الإخوة ذهبنا إلى البيداء نتسابق في عدو أو رمي و لعله كان في عدو فإن ذلك أبلغ في إبعادهم من رحلهم و متاعهم و كان عنده يوسف على ما ذكروا و تركنا يوسف عند رحلنا و متاعنا فأكله الذئب، و من خيبتنا و مسكنتنا أنك لست بمصدق لنا فيما نقوله و نخبر به و لو كنا صادقين فيه. 

  • و قولهم: {وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَ لَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} كلام يأتي بمثله المعتذر إذا انقطع عن الأسباب و انسدت عليه طرق الحيلة، للدلالة على أن كلامه غير موجه عند من يعتذر إليه و عذره غير مسموع و هو يعلم بذلك لكنه مع ذلك مضطر أن يخبر بالحق و يكشف عن الصدق و إن كان غير مصدق فيه، فهو كناية عن الصدق في المقال. 

تفسير الميزان ج۱۱

103
  •  قوله تعالى: {وَ جَاؤُ عَلى‌ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} الكذب‌ بالفتح فالكسر مصدر أريد به الفاعل للمبالغة أي بدم كاذب بين الكذب. 

  • و في الآية إشعار بأن القميص و عليه دم - و قد نكر الدم للدلالة على هوان دلالته و ضعفها على ما وصفوه - كان على صفة تكشف عن كذبهم في مقالهم فإن من افترسته السباع و أكلته لم تترك له قميصا سالما غير ممزق. و هذا شأن الكذب لا يخلو الحديث الكاذب و لا الأحدوثة الكاذبة من تناف بين أجزائه و تناقض بين أطرافه أو شواهد من أوضاع و أحوال خارجية تحف به و تنادي بالصدق و تكشف القناع عن قبيح سريرته و باطنه و إن حسنت صورته.

  • (كلام في أن الكذب لا يفلح) 

  • من المجرب أن الكذب لا يدوم على اعتباره و أن الكاذب لا يلبث دون أن يأتي بما يكذبه أو يظهر ما يكشف القناع عن بطلان ما أخبر به أو ادعاه، و الوجه فيه أن الكون يجري على نظام يرتبط به بعض أجزائه ببعض بنسب و إضافات غير متغيرة و لا متبدلة فلكل حادث من الحوادث الخارجية الواقعة لوازم و ملزومات متناسبة لا ينفك بعضها من بعض، و لها جميعا فيما بينها أحكام و آثار يتصل بعضها ببعض، و لو اختل واحد منها لاختل الجميع و سلامة الواحد تدل على سلامة السلسلة، و هذا قانون كلي غير قابل لورود الاستثناء عليه. 

  • فلو انتقل مثلا جسم من مكان إلى مكان آخر في زمانٍ، كان من لوازمه أن يفارق المكان الأول و يبتعد منه و يغيب عنه و عن كل ما يلازمه و يتصل به و يخلو عنه المكان الأول و يشغل به الثاني و أن يقطع ما بينهما من الفصل إلى غير ذلك من اللوازم، و لو اختل واحد منها كأن يكون في الزمان المفروض شاغلا للمكان الأول اختلت جميع اللوازم المحتفة به. 

  • و ليس في وسع الإنسان و لا أي سبب مفروض إذا ستر شيئا من الحقائق الكونية بنوع من التلبيس أن يستر جميع اللوازمات و الملزومات المرتبطة به أو أن يخرجها عن 

تفسير الميزان ج۱۱

104
  • محالها الواقعية أو يحرفها عن مجراها الكونية فإن ألقى سترا على واحدة منها ظهرت الأخرى و إلا فالثالثة و هكذا. 

  • و من هنا كانت الدولة للحق و إن كانت للباطل جولة، و كانت القيمة للصدق و إن تعلقت الرغبة أحيانا بالكذب قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} الزمر: ٣ و قال: {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} المؤمن: ٢٨. و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} النحل: ١١٦ و قال: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} ق: ٥، و ذلك أنهم لما عدوا الحق كذبا بنوا على الباطل و اعتمدوا عليه في حياتهم فوقعوا في نظام مختل يناقض بعض أجزائه بعضا و يدفع طرفٌ منه طرفا. 

  • قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى‌ مَا تَصِفُونَ} هذا جواب يعقوب و قد فوجئ بنعي ابنه و حبيبه يوسف دخلوا عليه و ليس معهم يوسف و هم يبكون يخبرونه أن يوسف قد أكله الذئب و هذا قميصه الملطخ بالدم، و قد كان يعلم بمبلغ حسدهم له و هم قد انتزعوه من يده بإلحاح و إصرار و جاؤوا بقميصه و عليه دم كذب ينادي بكذبهم فيما قالوه و أخبروا به. 

  • فأضرب عن قولهم: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} إلخ، بقوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} و التسويل‌ الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم أنفسكم فيه أمرا، و أبهم الأمر و لم يعينه ثم أخبر أنه صابر في ذلك من غير أن يؤاخذهم و ينتقم منهم لنفسه انتقاما و إنما يكظم ما هجم نفسه كظما. 

  • فقوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} تكذيب لما أخبروا به من أمر يوسف و بيان أنه على علم من أن فقد يوسف لا يستند إلى ما ذكروه من افتراس السبع و إنما يستند إلى مكر مكروه و تسويل من أنفسهم لهم، و الكلام بمنزلة التوطئة لما ذكره بعد من قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} إلى آخر الآية. 

  • و قوله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} مدح للصبر و هو من قبيل وضع السبب موضع المسبب و التقدير: سأصبر على ما أصابني فإن الصبر جميل و تنكير الصبر و حذف صفته و إبهامها للإشارة إلى فخامة أمره و عظم شأنه أو مرارة طعمه و صعوبة تحمله. 

  • و قد فرع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} على ما تقدم للإشعار بأن الأسباب التي أحاطت 

تفسير الميزان ج۱۱

105
  • به و أفرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسمع له معها إلا أن يسلك سبيل الصبر، و ذلك أنه (عليه السلام) فقدَ أحب الناس إليه يوسف و هو ذا يذكر له أنه صار أكلة للذئب و هذا قميصه ملطخا بالدم و هو يرى أنهم كاذبون فيما يخبرونه به، و يرى أن لهم صنعا في افتقاده و مكرا في أمره و لا طريق له إلى التحقيق فيما جرى على يوسف و التجسس مما آل إليه أمره و أين هو؟ و ما حاله؟ فإنما أعوانه على أمثال هذه النوائب و أعضاده لدفع ما يقصده من المكاره إنما هم أبناؤه و هم عصبة أولوا قوة و شدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة و وقوع المصيبة فبمن يقع فيهم؟ و بما ذا يدفعهم عن نفسه؟ فلا يسعه إلا الصبر. 

  • غير أن الصبر ليس هو أن يتحمل الإنسان ما حمله من الرزية و ينقاد لمن يقصده بالسوء انقيادا مطلقا كالأرض الميتة التي تطؤها الأقدام و تلعب بها الأيدي فإن الله سبحانه طبع الإنسان على دفع المكروه عن نفسه و جهزه بما يقدم به على النوائب و الرزايا ما استطاع، و لا فضيلة في إبطال هذه الغريزة الإلهية بل الصبر هو الاستقامة في القلب و حفظ النظام النفساني الذي به يستقيم أمر الحياة الإنسانية من الاختلال، و ضبط الجمعية الداخلية من التفرق و التلاشي و نسيان التدبير و اختباط الفكر و فساد الرأي فالصابرون هم القائمون في النوائب على ساق لا تزيلهم هجمات المكاره، و غيرهم المنهزمون عند أول هجمة ثم لا يلوون على شي‌ء. 

  • و من هنا يعلم أن الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة و كسر سورتها إلا أنه ليس تمام السبب في إعادة العافية و إرجاع السلامة فهو كالحصن يتحصن به الإنسان لدفع العدو المهاجم، و أما عود نعمة الأمن و السلامة و حرية الحياة فربما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز و الظفر، و هذا السبب في ملة التوحيد هو الله عز سلطانه؛ فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة و نزلت عليه مصيبة أن يتحصن أولا بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي و لا يتلاشى معسكر قواه و مشاعره، ثم يتوكل على ربه الذي هو فوق كل سبب راجيا أن يدفع عنه الشر و يوجه أمره إلى غاية صلاح حاله، و الله سبحانه غالب على أمره، و قد تقدم شي‌ء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ } البقرة: ٤٥ في الجزء الأول من الكتاب. 

  • و لهذا كله لما قال يعقوب (عليه السلام): {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} عقبه بقوله: {وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى‌ مَا تَصِفُونَ} فتمّم كلمة الصبر بكلمة التوكل نظير ما أتى به في قوله في الآيات 

تفسير الميزان ج۱۱

106
  • المستقبلة: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ} الآية ٨٣ من السورة. 

  • فقوله: {وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى‌ مَا تَصِفُونَ} - و هو من أعجب الكلام - بيان لتوكله على ربه يقول: إني أعلم أن لكم في الأمر مكرا و إن يوسف لم يأكله ذئب لكني لا أركن في كشف كذبكم و الحصول على يوسف بالأسباب الظاهرة التي لا تغني طائلا بغير إذن من الله و لا أتشحط بينها بل أضبط استقامة نفسي بالصبر و أوكل ربي أن يظهر على ما تصفون أن يوسف قد قضى نحبه و صار أكلة لذئب. 

  • فظهر أن قوله: {وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى‌ مَا تَصِفُونَ} دعاء في موقف التوكل و معناه: اللهم إني توكلت عليك في أمري هذا فكن عونا لي على ما يصفه بنيّ هؤلاء، و الكلمة مبنية على توحيد الفعل فإنها مسوقة سوق الحصر و معناها أن الله سبحانه هو المستعان لا مستعان لي غيره فإنه (عليه السلام) كان يرى أن لا حكم حقا إلا حكم الله كما قال فيما سيأتي من كلامه: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}، و لتكميل هذا التوحيد بما هو أعلى منه لم يذكر نفسه فلم يقل: سأصبر و لم يقل و الله أستعين على ما تصفون بل ترك نفسه و ذكر اسم ربه و إن الأمر منوط بحكمه الحق و هو من كمال توحيده و هو مستغرق في وجده و أسفه و حزنه ليوسف غير أنه ما كان يحب يوسف و لا يتوله فيه و لا يجد لفقده إلا لله و في الله. 

  • قوله تعالى: {وَ جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلى‌ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرى‌ هَذَا غُلاَمٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} قال الراغب: الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره. انتهى، و قال: دلوت الدلو إذا أرسلتها، و أدليتها إذا أخرجتها. انتهى، و قيل بالعكس، و قال: الإسرار خلاف الإعلان. انتهى. 

  • و قوله: {قَالَ يَا بُشْرى‌ هَذَا غُلاَمٌ} إيراده بالفصل مع أنه متفرع وقوعا على إدلاء الدلو للدلالة على أنه كان أمرا غير مترقب الوقوع فإن الذي يترقب وقوعه عن الإدلاء هو خروج الماء دون الحصول على غلام فكان مفاجئا لهم و لذا قال: {قَالَ يَا بُشْرى‌} و نداء البشرى كنداء الأسف و الويل و نظائرهما للدلالة على حضوره و جلاء ظهوره. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} مفاده ذم عملهم و الإبانة عن كونه معصية محفوظة عليهم سيؤاخذون بها، و يمكن أن يكون المراد به أن ذلك إنما كان بعلم من الله أراد 

تفسير الميزان ج۱۱

107
  • بذلك أن يبلغ يوسف مبلغه الذي قدر له فإنه لو لم يخرج من الجب و لم يسر بضاعة لم يدخل بيت العزيز بمصر فلم يؤت ما أوتيه من الملك و العزة. 

  • و معنى الآية: و جاءت جماعة مارة إلى هناك فأرسلوا من يطلب لهم الماء فأرسل دلوه في الجب ثم لما أخرجها فاجأهم بقوله: يا بشرى هذا غلام - و قد تعلق يوسف بالحبل فخرج - فأخفوه بضاعة يقصد بها البيع و التجارة و الحال أن الله سبحانه عليم بما يعملون يؤاخذهم عليه أو أن ذلك كان بعلمه تعالى و كان يسير يوسف هذا المسير ليستقر في مستقر العزة و الملك و النبوة. 

  • قوله تعالى: {وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ اَلزَّاهِدِينَ} الثمن البخس‌ هو الناقص عن حق القيمة، و دراهم معدودة أي قليلة و الوجه فيه على ما قيل إنهم كانوا إذا كثرت الدراهم أو الدنانير وزنوها و لا يعدون إلا القليلة منها و المراد بالدراهم النقود الفضية الدائرة بينهم يومئذ، و الشراء هو البيع، و الزهد هو الرغبة عن الشي‌ء أو هو كناية عن الاتقاء. 

  • و الظاهر من السياق أن ضميري الجمع في قوله: {وَ شَرَوْهُ} {وَ كَانُوا} للسيارة و المعنى أن السيارة الذين أخرجوه من الجب و أسروه بضاعة باعوه بثمن بخس ناقص و هي دراهم معدودة قليلة و كانوا يتقون أن يظهر حقيقة الحال فينتزع هو من أيديهم. 

  • و معظم المفسرين على أن الضميرين لإخوة يوسف و المعنى أنهم باعوا يوسف من السيارة بعد أن ادعوا أنه غلام لهم سقط في البئر و هم إنما حضروا هناك لإخراجه من الجب فباعوه من السيارة و كانوا يتقون ظهور الحال. 

  • أو أن أول الضميرين للإخوة و الثاني للسيارة و المعنى أن الإخوة باعوه بثمن بخس دراهم معدودة و كانت السيارة من الراغبين عنه يظهرون من أنفسهم الزهد و الرغبة لئلا يعلو قيمته أو يرغبون عن اشترائه حقيقة لما يحدسون أن الأمر لا يخلو من مكر و أن الغلام ليس فيه سيماء العبيد. 

  • و سياق الآيات لا يساعد على شي‌ء من الوجهين فضمائر الجمع في الآية السابقة للسيارة و لم يقع للإخوة بعد ذلك ذكر صريح حتى يعود ضمير {وَ شَرَوْهُ} و {كَانُوا} أو أحدهما إليهم على أن ظاهر قوله في الآية التالية: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ} أنه 

تفسير الميزان ج۱۱

108
  • اشتراه متحقق بهذا الشراء. 

  • و أما ما ورد في الروايات «أن إخوة يوسف حضروا هناك و أخذوا يوسف منهم بدعوى أنه عبدهم سقط في البئر ثم باعوه منهم بثمن بخس» فلا يدفع ظاهر السياق في الآيات و لا أنه يدفع الروايات. 

  • و ربما قيل: إن الشراء في الآية بمعنى الاشتراء و هو مسموع و هو نظير الاحتمالين السابقين مدفوع بالسياق. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} السياق يدل على أن السيارة حملوا يوسف معهم إلى مصر و عرضوه هناك للبيع فاشتراه بعض أهل مصر و أدخله في بيته. 

  • و قد أعجبت الآيات في ذكر هذا الذي اشتراه و تعريفه فذكر فيها أولا بمثل قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ} فأنبأت أنه كان رجلا من أهل مصر، و ثانيا بمثل قوله: {وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى اَلْبَابِ} فعرفته بأنه كان سيدا مصمودا إليه، و ثالثا بمثل قوله: {وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} فأوضحت أنه كان عزيزا في مصر يسلم له أهل المدينة العزة و المناعة، ثم أشارت إلى أنه كان له سجن و هو من شئون مصدرية الأمور و الرئاسة بين الناس، و علم بذلك أن يوسف كان ابتيع أول يوم لعزيز مصر و دخل بيت العزة. 

  • و بالجملة لم يعرف الرجل كل مرة في كلامه تعالى إلا بمقدار ما يحتاج إليه موقف الحديث من القصة، و لم يكن لأول مرة في تعريفه حاجة إلى أزيد من وصفه بأنه كان رجلا من أهل مصر و بها بيته فلذا اقتصر في تعريفه بقوله: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ}

  • و كيف كان، الآية تنبئ على إيجازها بأن السيارة حملوا يوسف معهم و أدخلوه مصر و شروه من بعض أهلها فأدخله بيته و وصاه امرأته قائلا: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}

  • و العادة الجارية تقضي أن لا يهتم السادة و الموالي بأمر أرقائهم دون أن يتفرسوا في وجه الرقيق آثار الأصالة و الرشد، و يشاهد في سيماه الخير و السعادة، و على الخصوص الملوك و السلاطين و الرؤساء الذين كان يدخل كل حين في بلاطاتهم عشرات و مئات من 

تفسير الميزان ج۱۱

109
  • أحسن أفراد الغلمان و الجواري فما كانوا ليتولعوا في كل من اقتنوه و لا ليتولهوا كل من ألفوه فكان لأمر العزيز بإكرام مثواه و رجاء الانتفاع به أو اتخاذه ولدا معنى عميق و على الأخص من جهة أنه أمر بذلك امرأته و سيدة بيته و ليس من المعهود أن تباشر الملكات و العزيزات جزئيات الأمور و سفاسفها و لا أن تتصدى السيدات المنيعة مكانا، أمور العبيد و الغلمان. 

  • نعم؛ إن يوسف (عليه السلام) كان ذا جمال بديع يبهر العقول و يوله الألباب، و كان قد أوتي مع جمال الخلق حسن الخلق صبورا وقورا لطيف الحركات مليح اللهجة حكيم المنطق كريم النفس نجيب الأصل، و هذه صفات لا تنمو في الإنسان إلا و أعراقها ناجمة فيه أيام صباوته و آثارها لائحة من سيماه من بادئ أمره. 

  • فهذه هي التي جذبت نفس العزيز إلى يوسف و هو طفل صغير حتى تمنى أن ينشأ يوسف عنده في خاصة بيته فيكون من أخص الناس به ينتفع به في أموره الهامة و مقاصده العالية أو يدخل في أرومته و يكون ولدا له و لامرأته بالتبني فيعود وارثا لبيته. 

  • و من هنا يمكن أن يستظهر أن العزيز كان عقيما لا ولد له من زوجته و لذلك ترجى أن يتبنى هو و زوجته يوسف. 

  • فقوله: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ} أي العزيز {لاِمْرَأَتِهِ} و هي العزيزة {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي تصدي بنفسك أمره و اجعلي له مقاما كريما عندك {عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا} في مقاصدنا العالية و أمورنا الهامة {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} بالتبني. 

  • قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} قال في المفردات: المكان‌ عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشي‌ء قال و يقال: مكنته و مكنت له فتمكن، قال تعالى: {وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ} {وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} {أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ} {وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ} قال: قال الخليل: المكان‌ مفعل من الكون، و لكثرته في الكلام أجري مجرى فعال فقيل: تمكن و تمسكن مثل تمنزل. انتهى. فالمكان هو مقر الشي‌ء من الأرض، و الإمكان و التمكين‌ الإقرار و التقرير في المحل، و ربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشي‌ء من الأمور المعنوية كالمكانة في العلم و عند الناس و يقال: أمكنته من الشي‌ء فتمكن منه أي أقدرته فقدر عليه و هو من قبيل الكناية. 

تفسير الميزان ج۱۱

110
  • و لعل المراد من تمكين يوسف في الأرض إقراره فيه بما يقدر معه على التمتع من مزايا الحياة و التوسع فيها بعد ما حرم عليه إخوته القرار على وجه الأرض فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس ليسير به الركبان من أرض إلى أرض و يتغرب عن أرضه و مستقر أبيه. 

  • و قد ذكر تعالى تمكينه ليوسف في الأرض في خلال قصته مرتين إحداهما بعد ذكر خروجه من غيابة الجب و تسيير السيارة إياه إلى مصر و بيعه من العزيز و هو قوله في هذه الآية {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ} و ثانيتهما بعد ذكر خروجه من سجن العزيز و انتصابه على خزائن أرض مصر حيث قال تعالى: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} الآية ٥٦ من السورة و العناية في الموضعين واحدة. 

  • و قوله: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ} الإشارة إلى ما ذكره من إخراجه من الجب و بيعه و استقراره في بيت العزيز فإن كان المراد من تمكينه في الأرض هذا المقدار من التمكين الذي حصل له من دخوله في بيت العزيز و استقراره فيه على أهنإ عيش بتوصية العزيز فالتشبيه من قبيل تشبيه الشي‌ء بنفسه ليدل به على غزارة الأوصاف المذكورة له و ليس من القسم المذموم من تشبيه الشي‌ء بنفسه كقوله: 

  • كأننا و الماء من حولنا***قوم جلوس حولهم ماء
  • بل المراد أن ما فعلنا به من التمكين في الأرض كان يماثل هذا الذي وصفناه و أخبرنا عنه فهو يتضمن من الأوصاف الغزيرة ما يتضمنه ما حدثناه فهو تلطف في البيان بجعل الشي‌ء مثل نفسه بالتشبيه دعوى ليلفت به ذهن السامع إلى غزارة أوصافه و أهميتها و تعلق النفس بها كما هو شأن التشبيه. 

  • و من هذا الباب قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ} الشورى: ١١ و قوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُونَ} الصافات: ٦١ و المراد أن كل ما اتصف من الصفات بما اتصف به الله سبحانه لا يشبهه و لا يماثله شي‌ء، و إن كل ما اشتمل من الصفات على ما اشتملت عليه الجنة و ماثلها في صفاتها فليعمل العاملون لأجل الفوز به. 

  • و إن كان المراد بالتمكين مطلق تمكينه في الأرض فتشبيهه بما ذكر من الوصف من قبيل تشبيه الكلي ببعض أفراده ليدل به على أن سائر الأفراد حالها حال هذا الفرد أو تشبيه الكل ببعض أجزائه للدلالة على أن الأجزاء الباقية حالها حال ذاك الجزء المذكور 

تفسير الميزان ج۱۱

111
  • فيكون المعنى كان تمكيننا ليوسف في الأرض يجري على هذا النمط المذكور في قصة خروجه من الجب و دخوله مصر و استقراره في بيت العزيز على أحسن حال فإن إخوته حسدوه و حرموا عليه القرار على وجه الأرض عند أبيه فألقوه في غيابة الجب و سلبوه نعمة التمتع في وطنه في البادية و باعوه من السيارة ليغربوه من أهله، فجعل الله سبحانه كيدهم هذا بعينه سببا يتوسل به إلى التمكن و الاستقرار في بيت العزيز بمصر على أحسن حال، ثم تعلقت به امرأة العزيز و راودته هي و نسوة مصر ليوردنه في الصبوة و الفحشاء فصرف الله عنه كيدهن و جعل ذلك بعينه وسيلة لظهور إخلاصه و صدقه في إيمانه ثم بدا لهم أن يجعلوه في السجن و يسلبوا عنه حرية معاشرة الناس و المخالطة لهم فتسبب الله سبحانه بذلك بعينه إلى تمكينه في الأرض تمكينا يتبوأ من الأرض حيث يشاء لا يمنعه مانع و لا يدفعه دافع. 

  • و بالجملة الآية على هذا التقدير من قبيل قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ اَلْكَافِرِينَ } المؤمن ٧٤ و قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثَالَ} الرعد: ١٧ أي إن إضلاله تعالى للكافرين يجري دائما هذا المجرى، و ضربه الأمثال أبدا على هذا النحو من المثل المضروب و هو أنموذج ينبغي أن يقاس إليه غيره. 

  • و قوله: {وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ} بيان لغاية التمكين المذكور و اللام للغاية، و هو معطوف على مقدر و التقدير: مكنا له في الأرض لنفعل به كذا و كذا و لنعلمه من تأويل الأحاديث و إنما حذف المعطوف عليه للدلالة على أن هناك غايات أخر لا يسعها مقام التخاطب، و من هذا القبيل قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ} الأنعام: ٧٥ و نظائره. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} الظاهر أن المراد بالأمر الشأن و هو ما يفعله في الخلق مما يتركب منه نظام التدبير قال تعالى: {يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ} يونس: ٣، و إنما أضيف إليه تعالى لأنه مالك كل أمر كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ اَلْعَالَمِينَ} الأعراف: ٥٤. 

  • و المعنى أن كل شأن من شئون الصنع و الإيجاد من أمره تعالى و هو تعالى غالب عليه و هو مغلوب له مقهور دونه يطيعه فيما شاء، ينقاد له فيما أراد، ليس له أن يستكبر أو 

تفسير الميزان ج۱۱

112
  • يتمرد فيخرج من سلطانه كما ليس له أن يسبقه تعالى و يفوته قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق: ٣. 

  • و بالجملة هو تعالى غالب على هذه الأسباب الفعالة بإذنه يحمل عليها ما يريده فليس لها إلا السمع و الطاعة و لكن أكثر الناس لا يعلمون لحسبانهم أن الأسباب الظاهرة مستقلة في تأثيرها فعالة برؤوسها فإذا ساقت الحوادث إلى جانب لم يحولها عن وجهتها شي‌ء و قد أخطئوا. 

  • (بحث روائي) 

  • في المعاني، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: صليت مع علي بن الحسين (عليه السلام) الفجر بالمدينة يوم الجمعة فلما فرغ من صلاته و تسبيحه نهض إلى منزله و أنا معه فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها: لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإن اليوم يوم الجمعة. 

  • قلت: ليس كل من يسأل مستحقا فقال: يا ثابت أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقا فلا نطعمه و نرده فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب و آله أطعموهم. 

  • إن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق به و يأكل هو و عياله منه، و إن سائلا مؤمنا صواما محقا له عند الله منزلة و كان مجتازا غريبا اعتر على باب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه: أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم، يهتف بذلك على بابه مرارا قد جهلوا حقه و لم يصدقوا قوله . فلما أيس أن يطعموه و غشيه الليل استرجع و استعبر و شكى جوعه إلى الله و بات طاويا و أصبح صائما جائعا صابرا حامدا لله و بات يعقوب و آل يعقوب شباعا بطانا، و أصبحوا و عندهم من فضل طعامهم. 

  • قال: فأوحى الله عز و جل إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت يا يعقوب عبدي ذلة استجررت بها غضبي، و استوجبت بها أدبي و نزول عقوبتي و بلواي عليك و على ولدك يا يعقوب إن أحب أنبيائي إلي و أكرمهم علي من رحم مساكين عبادي و قربهم إليه و أطعمهم و كان لهم مأوى و ملجأ. 

تفسير الميزان ج۱۱

113
  • يا يعقوب ما رحمت دميال عبدي المجتهد في عبادته القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لما اعتر ببابك عند أوان إفطاره و يهتف بكم أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع، فلم تطعموه شيئا فاسترجع و استعبر و شكى ما به إلي، و بات جائعا و طاويا حامدا و أصبح لي صائما و أنت يا يعقوب و ولدك شباع و أصبحت و عندكم فضل من طعامكم. 

  • أوَما علمت يا يعقوب إن العقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي؟ و ذلك حسن النظر مني لأوليائي و استدراج مني لأعدائي. أما و عزتي لأنزلن بك بلواي، و لأجعلنك و ولدك غرضا لمصابي، و لأؤدبنك بعقوبتي فاستعدوا لبلواي و ارضوا بقضائي و اصبروا للمصائب. 

  • فقلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا؟ فقال: في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب و آل يعقوب شباعا، و بات فيها دميال طاويا جائعا فلما رأى يوسف الرؤيا و أصبح يقصها على أبيه يعقوب اغتم يعقوب لما سمع من يوسف و بقي مغتما فأوحى الله إليه أن استعد للبلاء فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فإني أخاف أن يكيدوا لك كيدا فلم يكتم يوسف رؤياه، و قصها على إخوته. 

  • قال علي بن الحسين (عليه السلام): إن أول بلوى نزل بيعقوب و آل يعقوب الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا. قال: فاشتدت رقة يعقوب على يوسف و خاف أن يكون ما أوحى الله عز و جل إليه من الاستعداد للبلاء إنما هو في يوسف خاصة فاشتدت رقته عليه من بين ولده. 

  • فلما رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف، و تكرمته إياه، و إيثاره إياه عليهم اشتد ذلك عليهم و بدا البلاء فيهم فتآمروا فيما بينهم و {قَالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} أي تتوبون. 

  • فعند ذلك {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى‌ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} فقال يعقوب {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} فانتزعه مقدرا 

تفسير الميزان ج۱۱

114
  • حذرا عليه منه أن يكون البلوى من الله عز و جل على يعقوب من يوسف خاصة لموقعه في قلبه و حبه له. 

  • قال: فغلب قدرة الله و قضاؤه و نافذ أمره في يعقوب و يوسف و إخوته فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه و لا يوسف و ولده، فدفعه إليهم و هو لذلك كاره متوقع البلوى من الله في يوسف. 

  • فلما خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعا فانتزعه من أيديهم و ضمه إليه و اعتنقه و بكى و دفعه إليهم فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم و لا يدفعه إليهم فلما أمعنوا به أتوا به غيضة أشجار فقالوا: نذبحه و نلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب الليلة فقال كبيرهم: {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ} و لكن {أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ اَلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اَلسَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}

  • فانطلقوا به إلى الجب فألقوه فيه و هم يظنون أنه يغرق فيه فلما صار في قعر الجب ناداهم: يا ولد رومين أقرءوا يعقوب السلام مني فلما رأوا كلامه، قال بعضهم لبعض: لا تزولوا من هاهنا حتى تعلموا أنه قد مات فلم يزالوا بحضرته حتى أيسوا {و رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب}

  • فلما سمع مقالتهم استرجع و استعبر و ذكر ما أوحى الله عز و جل إليه من الاستعداد للبلاء فصبر و أذعن للبلوى و قال لهم: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} و ما كان الله ليطعم لحم يوسف الذئب من قبل أن أرى تأويل رؤياه الصادقة. 

  • قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي بن الحسين (عليه السلام) عند هذا. 

  • قال أبو حمزة: فلما كان من الغد غدوت إليه و قلت له: جعلت فداك إنك حدثتني أمس بحديث ليعقوب و ولده - ثم قطعته فيما كان من قصة إخوة يوسف و قصة يوسف بعد ذاك؟ فقال: إنهم لما أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا حتى ننظر ما حال يوسف: أ مات أم هو حي؟ 

  • فلما انتهوا إلى الجب وجدوا بحضرة الجب سيارة و قد أرسلوا واردهم فأدلى دلوه فإذا جذب دلوه فإذا هو غلام معلق بدلوه فقال لأصحابه: يا بشرى هذا غلام فلما 

تفسير الميزان ج۱۱

115
  • أخرجوه أقبل إليهم إخوة يوسف فقالوا: هذا عبدنا سقط منا أمس في هذا الجب و جئنا اليوم لنخرجه فانتزعوه من أيديهم و نحوا به ناحية فقالوا له: إما أن تقر لنا أنك عبد لنا فنبيعك بعض السيارة أو نقتلك فقال لهم يوسف: لا تقتلوني و اصنعوا ما شئتم. 

  • فأقبلوا به إلى السيارة فقالوا: من يشتري منكم هذا العبد منا؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما و كان إخوته فيه من الزاهدين و سار به الذي اشتراه من البدو حتى أدخله مصر فباعه الذي اشتراه من البدو من ملك مصر و ذلك قول الله عز و جل: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}

  • قال أبو حمزة: فقلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجب؟ فقال: ابن تسع سنين فقلت: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ و بين مصر فقال: مسيرة اثنا عشر يوما. (الحديث). 

  • أقول: و للحديث ذيل سنورده في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى و فيه نكات ربما لم تلائم ظاهر ما تقدم من بيان الآيات لكنها ترتفع بأدنى تأمل. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أحمد و البخاري عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال:الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. 

  • و في تفسير العياشي، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الأنبياء على خمسة أنواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به، و منهم من ينبأ في منامه مثل يوسف و إبراهيم (عليه السلام)، و منهم من يعاين، و منهم من نكت في قلبه و يوقر في أذنه.

  • و فيه عن أبي خديجة عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما ابتلي يعقوب بيوسف أنه ذبح كبشا سمينا و رجل من أصحابه يدعى بيوم بقوم محتاج لم يجد ما يفطر عليه فأغفله و لم يطعمه فابتلي بيوسف، و كان بعد ذلك كل صباح مناديه ينادي: من لم يكن صائما فليشهد غداء يعقوب، فإذا كان المساء نادى من كان صائما فليشهد عشاء يعقوب. 

  • و في تفسير القمي، قال: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: 

تفسير الميزان ج۱۱

116
  • {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يقول: لا يشعرون أنك أنت يوسف. أتاه جبرئيل و أخبره بذلك. و فيه و في رواية أبي الجارود :في قول الله: {وَ جَاؤُ عَلى‌ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} قال: إنهم ذبحوا جديا على قميصه.

  • و في أمالي الشيخ، بإسناده :في قوله عز و جل: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} قال: بلا شكوى.

  • أقول: و كأن الرواية عن الصادق (عليه السلام) بقرينة كونه مسبوقا بحديث عنه، و روي هذا المعنى في الدر المنثور، عن حيان بن جبلة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و في المضامين السابقة روايات أخر. 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٢٢ الی ٣٤]

  • {وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ ٢٢ وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ ٢٣ وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ ٢٤ وَ اِسْتَبَقَا اَلْبَابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى اَلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٥ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ ٢٦ وَ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ ٢٧ 

تفسير الميزان ج۱۱

117
  • فَلَمَّا رَأى‌ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ٢٨ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَ اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخَاطِئِينَ ٢٩ وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ٣٠فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قَالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ٣١ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ ٣٢ قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ ٣٣ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ ٣٤} 

  • (بيان) 

  • تتضمن الآيات قصته (عليه السلام) أيام لبثه في بيت العزيز و قد ابتلي فيها بحب امرأة العزيز له و مراودتها إياه عن نفسه، و مني بتعلق نساء المدينة به و مراودتهن إياه عن نفسه، و كان ذلك بلوى، و قد ظهر خلال ذلك من عفة نفسه و طهارة ذيله أمر عجيب، و من 

تفسير الميزان ج۱۱

118
  • تولهه في محبة ربه ما هو أعجب. 

  • قوله تعالى: {وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوى بدنه و تتقوى به أركانه بذهاب آثار الصباوة، و يأخذ ذلك من ثمانية عشر من عمره إلى سن الكهولة التي عندها يكمل العقل و يتم الرشد. 

  • و الظاهر أن المراد به الانتهاء إلى أول سن الشباب دون التوسط فيه أو الانتهاء إلى آخره كالأربعين، و الدليل عليه قوله تعالى في موسى (عليه السلام): {وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اِسْتَوى‌ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَ عِلْماً} القصص: ١٤ حيث دل على التوسط فيه بقوله: {اِسْتَوى‌}، و قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} الآية: الأحقاف: ١٥ فلو كان بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين لم تكن حاجة إلى تكرار قوله: {بَلَغَ}

  • فلا مجال لما ذكره بعضهم: أن المراد ببلوغ الأشد بلوغ الثلاثين أو الثلاث و الثلاثين، و كذا ما قاله آخرون إن المراد به بلوغ الأربعين و هو سن الأربعين. على أن من المضحك أن تصبر امرأة العزيز عن يوسف مدى عنفوان شبابه و ريعان عمره حتى إذا بلغ الأربعين من عمره و أشرف على الشيخوخة تعلقت به و راودته عن نفسه. 

  • و قوله: {آتَيْنَاهُ حُكْماً} الحكم‌ هو القول الفصل و إزالة الشك و الريب من الأمور القابلة للاختلاف على ما يتحصل من اللغة و لازمه إصابة النظر في عامة المعارف الإنسانية الراجعة إلى المبدإ و المعاد و الأخلاق النفسانية و الشرائع و الآداب المرتبطة بالمجتمع البشري. 

  • و بالنظر إلى قوله (عليه السلام) لصاحبيه في السجن: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} الآية ٤٠من السورة، و قوله بعد: {قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} الآية ٤١ من السورة يعلم أن هذا الحكم الذي أوتيه كان هو حكم الله فكان حكمه حكم الله، و هذا هو الذي سأله إبراهيم (عليه السلام) من ربه إذ قال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} الشعراء: ٨٣. 

  • و قوله: {وَ عِلْماً} و هذا العلم المذكور المنسوب إلى إيتائه تعالى كيفما كان و أي مقدار كان علم لا يخالطه جهل كما أن الحكم المذكور معه حكم لا يخالطه هوى نفساني و لا تسويل شيطاني كيف؟ و الذي آتاهما هو الله سبحانه و قد قال تعالى: {وَ اَللَّهُ غَالِبٌ 

تفسير الميزان ج۱۱

119
  •  عَلى‌ أَمْرِهِ} الآية ٢١ من السورة، و قال: {إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق: ٣ فما آتاه من الحكم لا يخالطه تزلزل الريب و الشك، و ما يؤتيه من العلم لا يكون جهلا البتة. 

  • ثم من المعلوم أن هذه المواهب الإلهية ليست بأعمال جزافية و لا لغوا أو عبثا منه تعالى فالنفوس التي تؤتى هذا الحكم و العلم لا تستوي هي و النفوس الخاطئة في حكمها المنغمرة في جهلها، و قد قال تعالى: {وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} الأعراف: ٥٨ و إلى ذلك الإشارة بقوله: {وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} حيث يدل على أن هذا الحكم و العلم اللذين آتاهما الله إياه لم يكونا موهبتين ابتدائيتين لا مستدعي لهما أصلا بل هما من قبيل الجزاء جزاه الله بهما لكونه من المحسنين. 

  • و ليس من البعيد أن يستفاد من قوله: {وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} إن الله تعالى يجزي كل محسن - على اختلاف صفات الإحسان - شيئا من الحكم و العلم يناسب موقعه في الإحسان و قد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} الحديد: ٢٨ و قال تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ} الأنعام: ١٢٢. 

  • و هذا العلم المذكور في الآية يتضمن ما وعد الله سبحانه تعليمه ليوسف من تأويل الأحاديث فإنه واقع بين قوله تعالى في الآيات السابقة: {وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ} و قوله حكاية عن يوسف في قوله لصاحبيه في السجن: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} فافهم ذلك. 

  • قوله تعالى: {وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} قال في المفردات: الرود هو التردد في طلب الشي‌ء برفق و منه الرائد لطالب الكلاء، قال: و الإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شي‌ء، قال: و المراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود، و راودت فلانا عن كذا، قال تعالى: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} و قال: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} أي تصرفه عن رأيه، و على ذلك قوله: {وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} انتهى. 

  • و في المجمع: المراودة المطالبة بأمر بالرفق و اللين ليعمل به و منه المرود لأنه يعمل به، و لا يقال في المطالبة بدين: راوده، و أصله من راد يرود إذا طلب المرعى، و في 

تفسير الميزان ج۱۱

120
  • المثل: الرائد لا يكذب أهله، و التغليق‌ إطباق الباب بما يعسر فتحه، و إنما شدد ذلك لتكثير الإغلاق أو للمبالغة في الإيثاق، انتهى. 

  • و هيت لك‌ اسم فعل بمعنى هلم، و معاذ الله أي أعوذ بالله معاذا فهو مفعول مطلق قائم مقام فعله. 

  • و الآية الكريمة {وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} على ما فيها من الإيجاز تنبئ عن إجمال قصة المراودة غير أن التدبر في القيود المأخوذة فيها و السياق الذي هي واقعة فيه و سائر ما يلوح من أطراف قصته الموردة في السورة يجلي عن حقيقة الحال و يكشف القناع عن تفصيل ما خبأ من الأمر. 

  • يوسف: 

  • هو ذا طفل صغير حولته أيدي المقادير إلى بيت العزيز عليه سيما العبيد و لعله لم يسأل إلا عن اسمه، و لم يتكلم إلا أن قال: اسمي يوسف أو قيل عنه ذلك و لم يلح من لهجته إلا أنه كان قد نشأ بين العبريين، و لم يسأل عن بيته و نسبه، فليس للعبيد بيوت و لم يكن من المعهود أن يحفظ للأرقاء أنساب و هو ساكت مختوم على لسانه لا يتكلم بشي‌ء، و كم من حديث بين جوانحه، فلم يعرّف نسبه إلا بعد سنين من ذلك حينما قال لصاحبيه في السجن {وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ} و لا كشف عما في سره من توحيد العبودية لله بين أولئك الوثنيين إلا ما ذكره لامرأة العزيز حين راودته عن نفسه بقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} إلخ. 

  • هو اليوم حليف الصمت و السكوت لكن قلبه ملي‌ء بما يشاهده من لطيف صنع الله به، فهو على ذكر مما بثه إليه أبوه يعقوب النبي من حقيقة التوحيد و معنى العبودية ثم ما بشر به من الرؤيا أن الله سيخلصه لنفسه و يلحقه بآبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب، و ليس ينسى ما فعله به إخوته ثم ما وعده به ربه في غيابة الجب حين ما انقطع عن كافة الأسباب: أنه تحت الولاية الإلهية و التربية الربوبية معني بأمره و سينبئ إخوته بأمرهم هذا و هم لا يشعرون. 

  • فكان (عليه السلام) مملوء الحس مستغرق النفس في مشاهدة ألطاف ربه الخفية يرى نفسه تحت 

تفسير الميزان ج۱۱

121
  • ولاية الله محبورا بصنائعه الجميلة لا يرد إلا على خير و لا يواجه إلا جميلا. 

  • و هذا هو الذي هون عليه ما نزل به من النوائب، و تواتر عليه من المحن و البلايا فصبر عليها على ما بها من المرارة فلم يشك و لم يجزع و لم يضل الطريق و قد ذكر ذلك لإخوته حين عرفهم نفسه بقوله: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} الآية ٩٠من السورة. 

  • فلم يزل يوسف (عليه السلام) تنجذب نفسه إلى جميل صنائع ربه و يمعن قلبه في لطيف الإشارات إليه، و يزداد كل يوم حبا بما يجده من شواهد الولاية و يشاهد أن ربه هو القائم على كل نفس بما كسبت و هو على كل شي‌ء شهيد، حتى تمكنت المحبة الإلهية منه و استقر الوله و الهيمان في سره فكان همه في ربه، لا يشغله عنه شاغل و لا يصرفه عنه صارف و لا طرفة عين، و هذا بمكان من الوضوح لمن تدبر فيما تحكي عنه السورة من المحاورات كقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} و قوله: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ} و قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} و قوله: {أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ} و غير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى. 

  • فهذا ما عند يوسف (عليه السلام) فقد كان شبحا ما وراءه إلا محبة إلهية أنستْه نفسَه و شغلته عن كل شي‌ء، و صورة معناها أنها خالصة أخلصها الله لنفسه فلم يشاركه فيه أحد. 

  • و لم يظهر للعزيز منه أول يوم إذ حل في بيته إلا أنه غلام صغير عبري مملوك له غير أن قوله لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى‌ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} يكشف أنه شاهد منه وقارا و تمكينا و تفرس فيه عظمة و كبرياء نفسانية أطمعته في أن ينتفع به أو يلحقه بنفسه بالتبني على ما في يوسف من عجيب الجمال و الحسن. 

  • امرأة العزيز: 

  • امرأة العزيز و هي عزيزة مصر، وصاها العزيز يوسف أن تكرم مثواه و أعلمها أن له فيه إربة و أمنية فلم تزل تجتهد في إكرام يوسف و تحسن مثواه و تهتم بأمره لا كما يهتم في أمر رقيق مملوك، بل كما يعنى بأمر جوهر كريم أو قطعة كبد، و تحبه لبديع جماله و غزير كماله و تزداد كلما مضت الأيام حبا إلى حب حتى إذا بلغ الحلم و استوى على مستوى 

تفسير الميزان ج۱۱

122
  • الرجال لم تملك نفسها دون أن تعشقه و تذل على ما لها من مناعة الملك و العزة و عصمة العفة و الخدارة تجاه هواه القاطن بسرها الآخذ بمجامع قلبها. 

  • و قد كان يوسف يلازمها في العشرة و لا يفارق بينها من جانب و كانت عزيزة لا يثني أمرها و لا ترد عزيمتها و كانت فيما تزعم سيدة يوسف و هو عبدها المملوك لا يسعه إلا أن يطيعها و ينقاد لها، و لبيوت الملوك و الأعزة أن تحتال لشتى مقاصدها و مآربها بأنواع الحيل و المكايد فإن عامة الأسباب و إن عزت و امتنعت ميسرة لها، و كانت العزيزة ذات جمال و زينة فإن حريم الملوك لا تدخلها كل شوهاء دميمة و لا تحل بها إلا غوان ذوات حسن فتانات. 

  • و العادة تحكم أن هذه الأسباب - و قد اجتمعت على عزيزة مصر - أسعرت في سرها كل لهيب، و أججت كل نار حتى استغرقت في حب يوسف و تولهت في غرامه و اشتغلت به عن كل شي‌ء، و قد أحاط بقلبها من كل جانب، هو أول منطقها إذا تكلمت و في ضميرها إذا سكتت فلا هم لها إلا يوسف و لا بغية لها إلا فيه {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} و ليوسف الجمال الذي يأخذ بمجامع القلوب فكيف إذا امتلأت به عين محب واله و أدام النظر إليه مهيم ذو غرام. 

  • يوسف و امرأة العزيز: 

  • لم تزل عزيزة مصر تعد نفسها و تمنيها بوصال يوسف و الظفر بما تبتغيه منه و تلاطفه في عشرته و تشفع ذلك بما لربات الحسن و الزينة من الغنج و الدلال لتصطاده بما عندها كما اصطادها بما عنده، و لعل الذي كانت تشاهده من صبر يوسف و سكوته كان يغرها فيما ترومه و يغريها عليه. 

  • حتى إذا تاقت نفسها له و بلغت بها و أعيتها المذاهب خلت به في بيتها و قد غلقت الأبواب فلم يبق فيه إلا هي و يوسف، و هي لا تشك أن سيطيعها يوسف في أمرها و لا يمتنع عليها لما كانت و لا تزال تراه بالسمع و الطاعة، و تشاهد أن الأوضاع و الأحوال الحاضرة تقضي بفوزها و نيلها ما تريده منه. 

  • فتى واله في حبه و فتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية أما هي فمشغوفة بحب يوسف تريد أن تصرفه عن نفسه إلى نفسها و تتوسل إلى ذلك بتغليق الأبواب و مراودته عن نفسه و الاعتماد على ما لها من العزة و الملك حيث تدعوه إلى نفسها بلفظ الأمر {هَيْتَ لَكَ} لتقهره 

تفسير الميزان ج۱۱

123
  • على ما تريده منه. 

  • و أما هو فقد استغرق في حب ربه و أخلص و صفي ذلك نفسه، فلم يترك لشي‌ء في قلبه محلا غير حبيبه فهو في خلوة مع ربه و حضرة منه يشاهد فيه جماله و جلاله و قد طارت الأسباب الكونية على ما لها من ظاهر التأثير من نظره فهو على خلافها لا يتبجح بالأسباب و لا يركن إلى الأعضاد. 

  • ترى أنها تتوسل عليه بالأسباب بتغليق الأبواب و المراودة و الأمر بقولها: {هَيْتَ لَكَ} و أما هو فقد قابلها بقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ} فلم يجبها بتهديد و لم يقل: إني أخاف العزيز أو لا أخونه أو إني من بيت النبوة و الطهارة أو إن عفتي أو عصمتي تمنعني من الفحشاء، و لم يقل إني أرجو ثواب الله أو أخاف عذابه إلى غير ذلك، و لو كان قلبه متعلقا بشي‌ء من الأسباب الظاهرة لذكره و بدأ به عند مفاجأة الشدة و نزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان. 

  • بل استمسك بعروة التوحيد و أجاب بالعياذ بالله فحسب و لم يكن في قلبه أحد سوى ربه و لا تعدى بصره إياه إلى غيره فهذا هو التوحيد الخالص الذي هدته إليه المحبة الإلهية و أولهه في ربه فأنساه الأسباب كلها حتى أنساه نفسه فلم يقل إني أعوذ منك بالله أو ما يؤدي معناه، و إنما قال {مَعَاذَ اَللَّهِ} و كم من الفرق بين قوله هذا و بين قول مريم للروح لما تمثل لها بشرا سويا: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} مريم: ١٨. 

  • و أما قوله لها ثانيا: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} فإنه يوضح كلمة التوحيد الذي أفاده بقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ} و يجليه، يقول: إن الذي أشاهده أن إكرامك مثواي عن قول العزيز لك {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} فعل من ربي و إحسان منه إلي فربي أحسن مثواي و إن انتسب إليك ذلك بوجه فهو الذي يجب علي أن أعوذ به و ألوذ إليه، و إنما أعوذ به لأن إجابتك فيما تسألين و ارتكاب هذه المعصية ظلم و لا يفلح الظالمون فلا سبيل إلى ارتكابه. 

  • فقد أفاد (عليه السلام) بقوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أولا: أنه موحد لا يرى شرك الوثنية فليس ممن يتخذ أربابا من دون الله كما تقول به الوثنية يتخذون مع الله أربابا أخرى ينسبون إليهم تدبير العالم بل هو يقول بأن الله هو ربه لا رب سواه. 

تفسير الميزان ج۱۱

124
  • و ثانيا: أنه ليس ممن يوحد الله سبحانه قولا و يشرك به فعلا بإعطاء الاستقلال لهذه الأسباب الظاهرة تؤثر ما تؤثر بإذن الله بل هو يرى ما ينسب من جميل الآثار إلى الأسباب فعلا جميلا لله سبحانه في عين هذا الانتساب فيما تراه امرأة العزيز أنها هي التي أكرمت مثواه عن وصية العزيز، و أنها و بعلها رَبّان له يتوليان أمره يرى هو أن الله سبحانه هو الذي أحسن مثواه و أنه ربه الذي يتولى تدبير أمره فعليه أن يعوذ به. 

  • و ثالثا: أنه إنما تعوذ بالله مما تدعوه إليه لأنه ظلم لا يفلح المتلبس به و لا يهتدي إلى سعادته و لا يتمكن في حضرة الأمن عند ربه كما قال تعالى حكاية عن جده إبراهيم (عليه السلام): {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ} انعام ٨٢. 

  • و رابعا: أنه مربوب أي مملوك مدبر لله سبحانه ليس له من الأمر شي‌ء، و لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا إلا ما شاء الله له أو أحب أن يأتي به و لذلك لم يرد ما سألته منه بصريح اللفظ بل بالكناية عنه بقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ} إلخ، فلم يقل: لا أفعل ما تأمريننى به و لم يقل: لا أرتكب كذا، و لم يقل: أعوذ بالله منك، و ما يشابه ذلك حذرا من دعوى الحول و القوة، و إشفاقا من وسمة الشرك و الجهالة اللهم إلا ما في قوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} حيث أشار فيه إلى نفسه مرتين و ليس فيه إلا تثبيت المربوبية و تأكيد الذلة و الحاجة، و لهذه العلة بعينها بدل الإكرام إحسانا فأتى حذاء قول العزيز: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} بقوله: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} لما في الإكرام من الإشعار باحترام الشخصية و تعظيمها. 

  • و بالجملة الواقعة و إن كانت مراجعة و مغالبة بين امرأة العزيز و يوسف (عليه السلام) بحسب ظاهر الحال فهي كانت تنازعا بين حب و هيمان إلهي، و عشقٍ و غرام حيواني يتشاجران في يوسف كل منهما يجذبه إلى نفسه، و كانت كلمة الله هي العليا فأخذته الجذبة السماوية الإلهية و دافعت عنه المحبة الإلهية و الله غالب على أمره. 

  • فقوله تعالى: {وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} يدل على أصل المراودة، و الإتيان بالوصف أعني كونه في بيتها للدلالة على أن الأوضاع و الأحوال كانت لها عليه و أن الأمر كان عليه شديدا، و كذا قوله: {وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ} حيث عبر بالتغليق و هو يدل على المبالغة و علق الغلق بالأبواب و هو جمع محلى باللام و كذا قوله: {وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ} حيث عبر بالأمر المولوي الدال على إعمال المولوية و السيادة مع إشعاره بأنها هيأت له 

تفسير الميزان ج۱۱

125
  • من نفسها ما ليس بينه و بين طلبتها إلا مجرد إقبال من يوسف، و لا بين يوسف على ما هيأت من العلل و الشرائط و نظمتها بزعمها و بين الإقبال عليها شي‌ء حائل، غير أن الله كان أقرب إلى يوسف من نفسه و من العزيزة امرأة العزيز، و لله سبحانه العزة جميعا. 

  • و قوله: {قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} إلى آخر الآية جواب ليوسف يقابل به مسألتها بالعياذ بالله يقول: «أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه لأنه ربي الذي تولى أمري و أحسن مثواي و جعلني بذلك سعيدا مفلحا و لو اقترفت هذا الظلم لتغربت به عن الفلاح و خرجت به من تحت ولايته. 

  • و قد راعى (عليه السلام) في كلامه هذا أدب العبودية كله كما تقدم و قد أتى أولا بلفظة «الجلالة» ثم بصفة الربوبية ليدل به على أنه لا يعبد ربا غير الله ملة آبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب. 

  • و احتمل عدة من المفسرين أن يكون الضمير في قوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} للشأن، و المراد أن ربي و مولاي و هو العزيز - بناء على ظاهر الأمر فقد اشترى يوسف من السيارة - أحسن مثواي حيث أمركم بإكرام مثواي، و لو أجبتك على ما تسألين لكان ذلك خيانة له و ما كنت لأخونه. 

  • و نظير الوجه قول بعضهم: إن الضمير عائد إلى العزيز و هو اسم إن و خبرها قوله: {رَبِّي}، و قوله: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، خبر بعد خبر. 

  • و فيه: أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: إنه لا يفلح الخائنون كما قال للرسول و هو في السجن: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ } الآية - ٥٢ من السورة و لم يقل: إني لم أظلمه بالغيب. 

  • على أنه (عليه السلام) لم يكن ليعد العزيز ربا لنفسه، و هو حر غير مملوك له و إن كان الناس يزعمون ذلك بناء على الظاهر، و قد قال لأحد صاحبيه في السجن: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} الآية ٤٢ من السورة، و قال لرسول الملك: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ} الآية ٥١ من السورة و لم يعبر عن الملك بلفظ ربي على عادتهم في ذكر الملوك، و قال أيضا لرسول الملك: {فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} حيث يأخذ الله سبحانه ربا لنفسه قبال ما يأخذ الملك ربا للرسول. 

تفسير الميزان ج۱۱

126
  • و يؤيد ما ذكرنا أيضا قوله في الآية التالية: {لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ}

  • [بيان] 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ} التدبر البالغ في أطراف القصة و إمعان النظر فيما محتف به الجهات و الأسباب و الشرائط العاملة فيها يعطي أن نجاة يوسف منها لم تكن إلا أمرا خارقا للعادة و واقعة هي أشبه بالرؤيا منها باليقظة. 

  • فقد كان يوسف (عليه السلام) رجلا و من غريزة الرجال الميل إلى النساء، و كان شابا بالغا أشده و ذلك أوان غليان الشهوة و ثوران الشبق، و كان ذا جمال بديع يدهش العقول و يسلب الألباب و الجمال و الملاحة يدعو إلى الهوى و الترح، و كان مستغرقا في النعمة و هني‌ء العيش محبورا بمثوى كريم و ذلك من أقوى أسباب التهوس و الإتراف، و كانت الملكة فتاة فائقة الجمال و كذلك تكون حرم الملوك و العظماء. 

  • و كانت لا محالة متزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب، و هي عزيزة مصر و هي عاشقة والهة تتوق إليها النفوس و تتوق نفسها إليه، و كانت لها سوابق الإكرام و الإحسان و الإنعام ليوسف و ذلك كله مما يقطع اللسان و يصمت الإنسان، و قد تعرضت له و دعته إلى نفسها و الصبر مع التعرض أصعب، و قد راودته هذه الفتانة و أتت فيها بما في مقدرتها من الغنج و الدلال، و قد ألحت عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدت قميصه و الصبر معها أصعب و أشق، و كانت عزيزة لا يرد أمرها و لا يثنى رأيها، و هي ربته خصه بها العزيز، و كانا في قصر زاه من قصور الملوك ذي المناظر الرائقة التي تبهر العيون و تدعو إلى كل عيش هني‌ء. 

  • و كانا في خلوة و قد غلقت الأبواب و أرخت الستور، و كان لا يأمن الشر مع الامتناع، و كان في أمن من ظهور الأمر و انهتاك الستر لأنها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر و التعمية، و لم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كان مفتاحا لعيش هني‌ء طويل، و كان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة و المعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة و أمانيها كالملك و العزة و المال. 

  • فهذه أسباب و أمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته أو أقبلت على صخرة صماء لأذابتها و لم يكن هناك مما يتوهم مانعا إلا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز. 

تفسير الميزان ج۱۱

127
  • أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر أنه كان في أمن منه. و لو كان بدا من ذلك شي‌ء لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلا كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها بشي‌ء و قلبت العقوبة ليوسف حتى سجن. 

  • و أما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا و أشد إثما فإنهم كانوا أبناء إبراهيم و إسحاق و يعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم شرافة النسب من أن يهموا بقتله و يلقوه في غيابت الجب و يبيعوه من السيارة بيع العبيد و يثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي (عليه السلام) فبكى حتى ابيضت عيناه. 

  • و أما قبح الخيانة و حرمتها فهو من القوانين الاجتماعية و القوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، و ذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية و الحكومة العادلة، و أما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشي‌ء من هذه القوانين كما سنتكلم فيه عن قريب. 

  • فلم يكن عند يوسف (عليه السلام) ما يدفع به عن نفسه و يظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلا أصل التوحيد و هو الإيمان بالله. و إن شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده و شغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلا و لا موضع إصبع فهذا هو ما يفيده التدبر في القصة. و لنرجع إلى متن الآية. 

  • فقوله تعالى: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ} لا ريب أن الآية تشير إلى وجه نجاة يوسف من هذه الغائلة، و السياق يعطي أن المراد بصرف السوء و الفحشاء عنه إنجاؤه مما أريد منه و سئل بالمراودة و الخلوة، و أن المشار إليه بقوله: {كَذَلِكَ} هو ما يشتمل عليه قوله: {أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ}

  • فيئول معنى قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ} إلى آخر الآية إلى أنه (عليه السلام) لما كان من عبادنا المخلصين صرفنا عنه السوء و الفحشاء بما رأى من برهان ربه فرؤية برهان ربه هي السبب الذي صرف الله سبحانه به السوء و الفحشاء عن يوسف (عليه السلام). 

تفسير الميزان ج۱۱

128
  • و لازم ذلك أن يكون الجزاء المقدر لقوله: {لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ} هو ارتكاب السوء و الفحشاء، و لازم ذلك أن يكون {لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌} إلخ، قيدا لقوله: {وَ هَمَّ بِهَا} و ذلك يقتضي أن يكون المراد بهمه بها نظير همها به هو القصد إلى المعصية و يكون حينئذ همه بها داخلا تحت الشرط، و المعنى أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها و أوشك أن يرتكب فإن {لَوْ لاَ} و إن كانت ملحقة بأدوات الشرط و قد منع النحاة تقدم جزائها عليها قياسا على إن الشرطية إلا أن قوله: {وَ هَمَّ بِهَا} ليس جزاء لها بل هو مقسم به بالعطف على قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} و هو في معنى الجزاء استغنى به عن ذكر الجزاء فهو كقولنا: و الله لأضربنه إن يضربني و المعنى: و الله إن يضربني أضربه. 

  • و معنى الآية: و الله لقد همت به و الله لولا أن رأى برهان ربه لهم بها و أوشك أن يقع في المعصية، و إنما قلنا: أوشك أن يقع، و لم نقل: وقع لأن الهم كما قيل لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى: {وَ هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} التوبة: ٧٤، و قوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} آل عمران: ١٢٢، و قول صخر: 

  • أهم بأمر الحزم لا أستطيعه***و قد حيل بين العير و النزوان
  • فلو لا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم و الاقتراب دون الارتكاب و الاقتراف، و قد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ} و لم يقل: لنصرفه من السوء و الفحشاء فتدبر فيه. 

  • و من هنا يظهر أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهم بها و الميل إليها كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة و هي الزنا فهو (عليه السلام) لم يفعل و لم يكد، و لولا ما أراه الله من البرهان لهم و كاد أن يفعل، و هذا المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار و التأمل في الأسباب و العوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه. 

  • فقوله تعالى: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} اللام فيه للقسم، و المعنى و أقسم لقد قصدت يوسف بما تريده منه و لا يكون الهم إلا بأن تشفع الإرادة بشي‌ء من العمل. 

  • و قوله: {وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ} معطوف على مدخول لام القسم من الجملة السابقة، و المعنى أقسم لولا رؤيته برهان ربه لهم بها و كاد أن يجيبها لما تريده منه. 

  • و البرهان‌ هو السلطان و يراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة، 

تفسير الميزان ج۱۱

129
  • قال تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‌ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ} القصص: ٣٢، و قال: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} النساء: ١٧٤، و قال: {أَ إِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} النمل: ٦٤ و هو الحجة اليقينية التي تجلي الحق و لا تدع ريبا لمرتاب. 

  • و الذي رآه يوسف (عليه السلام) من برهان ربه و إن لم يوضحه كلامه تعالى كل الإيضاح لكنه على أي حال كان سببا من أسباب اليقين لا يجامع الجهل و الضلال بتاتا، و يدل على أنه كان من قبيل العلم قولُ يوسف (عليه السلام) فيما يناجي ربه كما سيأتي: {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} الآية ٣٣ من السورة، و يدل على أنه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال و قبحها و مصلحتها و مفسدتها أن هذا النوع من العلم قد يجامع الضلال و المعصية و هو ظاهر قال تعالى: {أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى‌ عِلْمٍ} الجاثية: ٢٣ و قال: {وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اِسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} النمل: ١٤. 

  • فالبرهان الذي أراه به و هو الذي يريه الله عباده المخلصين نوع من العلم المكشوف و اليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا، و سنورد فيه بعض الكلام إن شاء الله تعالى. 

  • و قوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ} اللام في {لِنَصْرِفَ} للغاية أو التعليل و المآل واحد و {كَذَلِكَ} متعلق بقوله {لِنَصْرِفَ} و الإشارة إلى ما ذكر من رؤية برهان ربه، و السوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد و هو مطلق المعصية أو الهم بها، و الفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنا، و قد تقدم أن ظاهر السياق انطباق السوء و الفحشاء على الزنا و الهم به. 

  • و المعنى: الغاية - أو السبب - في أن رأى برهان ربه هي أن نصرف عنه الفحشاء و الهم بها. 

  • و من لطيف الإشارة في الآية ما في قوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ} حيث أخذ السوء و الفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفا عنهما، لما في الثاني من الدلالة على أنه كان فيه ما يقتضي اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك، و هو ينافي شهادته تعالى بأنه من عباده 

تفسير الميزان ج۱۱

130
  • المخلَصين و هم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا يشاركه فيهم شي‌ء فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع يدعو من دون الله سبحانه. 

  • و قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ} في مقام التعليل لقوله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ} «إلخ» و المعنى: عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين، و هم يعاملون هذه المعاملة. 

  • و يظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم، و إن الله سبحانه يصرف كل سوء و فحشاء عنهم فلا يقترفون معصية و لا يهمون بها بما يريهم الله من برهانه، و هذه هي العصمة الإلهية. 

  • و يظهر أيضا أن هذا البرهان سبب علمي يقيني لكن لا من العلوم المتعارفة المعهودة لنا.

  •  

  • و للمفسرين من العامة و الخاصة في تفسير الآية أقوال مختلفة

  • ١ - منها: ما ذكره بعضهم و نسب إلى ابن عباس و مجاهد و قتادة و عكرمة و الحسن و غيرهم: أن المعنى أنها همت بالفاحشة و أنه هم بمثله لولا أن رأى برهان ربه لفعل. 

  • و قد وصفوا همه (عليه السلام) بما يجل عنه مقام النبوة و يتنزه عنه ساحة الصديق فذكروا أنه قصدها بالفاحشة و دنا منها حتى حل السراويل و جلس منها مجلس الخاتن فأدركه برهان من ربه أبطل الشهوة و نجاة من الهلكة، و ذكروا في وصف هذا البرهان أمورا كثيرة مختلفة. 

  • قال الغزالي في تفسيره لهذه السورة: اختلفوا فيه - يعني في البرهان - ما هو؟ قال بعضهم: إن طائرا وقع على كتفه فقال في أذنه: لا تفعله فإن فعلت سقطت من درجة الأنبياء. و قيل: إنه رأى يعقوب عاضا على إصبعه، و هو يقول: يا يوسف أ ما تراني؟ و قال الحسن البصري: رآها و هي تغطي شيئا فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أغطي وجه صنمي لئلا يراني فقال يوسف: أنت تستحيين الجماد الذي لا يعقل و لا يرى فأنا أولى أن أستحيي ممن يراني و يعلم سري و علانيتي. 

  • قال أرباب اللسان: إنه نودي في سره يا يوسف اسمك مكتوب في ديوان الأنبياء، 

تفسير الميزان ج۱۱

131
  • و تريد أن تفعل فعل السفهاء. و قيل: رأى كفا قد خرج من الحائط مكتوب عليها: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا}. و قيل: انفرج سقف البيت فرأى صورة حسنة تقول: يا رسول العصمة لا تفعل فإنك معصوم. و قيل: نكس رأسه فرأى على الأرض مكتوبا: {مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِ}. و قيل: أتاه ملك و مسح جناحيه على ظهره فخرجت شهوته من أصابع رجليه. و قيل: رأى الملك في البيت و هو يقول: ألست هاهنا؟ و قيل: وقع بينهما حجاب فلا يرى أحد صاحبه. و قيل: رأى جارية من جواري الجنة فتحير من حسنها فقال لها: لمن أنت؟ قالت: لمن لا يزني. 

  • و قيل: جاز عليه طائر فناداه: يا يوسف لا تعجل فإنها لك حلال و لك خلقت. و قيل: رأى ذلك الجب الذي كان بحذائه و عليه ملك قائم يقول يا يوسف أ نسيت هذا الجب. و قيل: رأى زليخا على صورة قبيحة فهرب منها. و قيل رأى شخصا فقال: يا يوسف انظر إلى يمينك فنظر فرأى ثعبانا أعظم ما يكون فقال: الزاني في بطني غدا فهرب منه. انتهى. 

  • و مما قيل فيه أنه تمثل له يعقوب فضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من أطراف أنامله رواه في الدر المنثور، عن مجاهد و عكرمة و ابن جبير إلى غير ذلك من الوجوه المختلفة التي أوردها في التفسير بالمأثور. 

  • و الجواب عنه مضافا إلى أنه (عليه السلام) كان نبيا ذا عصمة إلهية تحفظه من المعصية، و قد تقدم إثبات ذلك، أن الذي أورده الله تعالى من كرائم صفاته و إخلاص عبوديته لا يبقي شكا في أنه أطهر ساحة و أرفع منزلة من أن ينسب إليه أمثال هذه الألواث؛ فقد ذكر تعالى أنه من عباده الذين أخلصهم لنفسه و اجتباهم لعبوديته و آتاهم حكما و علما، و علمه من تأويل الأحاديث، و أنه كان عبدا متقيا صبورا في الله غير خائن و لا ظالم و لا جاهل، و كان من المحسنين و قد ألحقه بآبائه الصالحين إبراهيم و إسحاق و يعقوب. 

  • و كيف يستقيم هذه المقامات العالية و الدرجات الرفيعة إلا لإنسان طاهر في وجدانه منزه في أركانه صالح في أعماله مستقيم في أحواله. 

  • و أما من ذهب لوجهه في معصية الله و هم بما هو من أفحش الإثم في دين الله و هو زنا ذات البعل و خيانة من أحسن إليه أبلغ الإحسان في عرضه و أصرّ عليه حتى حلّ التكة، 

تفسير الميزان ج۱۱

132
  • و جلس منها مجلس الرجل من المرأة فأتته لصرفه آية بعد آية فلم ينصرف، و ازدجر بنداء بعد نداء من كل جانب فلم يستحي و لم يكف حتى ضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من رؤوس أصابعه، و شاهد ثعبانا أعظم ما يكون من عن يمينه فذعر منه و هرب من هول ما رأى، فمثله أحرى به أن لا يسمى إنسانا فضلا أن يتكئ على أريكة النبوة و الرسالة، و يأتمنه الله على وحيه، و يسلم إليه مفاتيح دينه، و يؤتيه حكمه و علمه و يلحقه بمثل إبراهيم الخليل. 

  • لكن هؤلاء المتعلقين بهذه الأقاويل المختلفة و الإسرائيليات و الآثار الموضوعة إذ يتهمون جده إبراهيم (عليه السلام) في زوجته سارة لا يبالون أن يتهموا نجله (عليه السلام) في زوجة غيره. 

  • قال في الكشاف: و قد فُسر همّ يوسف بأنه حل الهميان و جلس منها مجلس المجامع، و بأنه حل تكة سراويله و قعد بين شعبها الأربع و هي مستلقية على قفاها، و فسر البرهان بأنه سمع صوتا إياك و إياها فلم يكترث له، فسمعه ثانيا فلم يعمل به فسمع ثالثا: أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضا على أنملته، و قيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. 

  • و قيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل ما نقص من شهوته حين هم، و قيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له، و قيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد و لا معصم مكتوب فيها: {وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} فلم ينصرف ثم رأى فيها: {وَ لاَ تَقْرَبُوا اَلزِّنى‌ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ سَاءَ سَبِيلاً} فلم ينته ثم رأى فيها: {وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ} فلم ينجع فيه فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل و هو يقول: يا يوسف أ تعمل عمل السفهاء و أنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟! 

  • و قيل: رأى تمثال العزيز، و قيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته و قالت: أستحيي منه أن يرانا فقال يوسف: استحييت ممن لا يسمع و لا يبصر و لا أستحيي من السميع البصير العليم بذات الصدور؟! 

  • و هذا و نحوه مما يورده أهل الحشو و الجبر الذين دينهم بهت الله تعالى و أنبيائه، و أهل العدل و التوحيد ليسوا من مقالاتهم و رواياتهم بحمد الله بسبيل. 

  • و لو وجدت من يوسف (عليه السلام) أدنى زلة لنعيت عليه و ذكرت توبته و استغفاره كما 

تفسير الميزان ج۱۱

133
  • نعيت على آدم زلته، و على داود و على نوح و على أيوب و على ذي النون و ذكرت توبتهم و استغفارهم كيف و قد أثنى عليه و سمي مخلصا؟! 

  • فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض و أنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة و العزم ناظرا في دليل التحريم و وجه القبح حتى استحق من الله الثناء فيما أنزل من كتب الأولين ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه و مصدق لها، و لم يقتصر إلا على استيفاء قصته، و ضرب سورة كاملة عليها ليجعل له لسان صدق في الآخرين كما جعله لجده الخليل إبراهيم (عليه السلام). و ليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة و طيب الإزار و التثبت في مواقع العثار. 

  • فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله في القعود بين شعب الزانية و في حل تكته للوقوع عليها، و في أن ينهاه ربه ثلاث مرات، و يصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن و بالتوبيخ العظيم و بالوعيد الشديد و بالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، و هو جاثم في مربضه لا يتحلحل و لا ينتهي و لا يتنبّه حتى يتداركه الله بجبريل و بإجباره، و لو أن أوقح الزناة و أشطرهم و أحدهم حدقة وأجلحهم وجها لقي بأدنى ما لقي به مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض و لا عضو يتحرك، فيا له من مذهب ما أفحشه و من ضلال ما أبينه. انتهى. 

  • و ما أحسن ما قال بعض أهل التفسير في ذم أصحاب هذا القول: إنهم يتهمونه (عليه السلام) في هذه الواقعة و قد شهد ببراءته و طهارته كل من لها تعلق ما بها فالله سبحانه يشهد بذلك إذ يقول: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ} و الشاهد الذي شهد له من أهلها إذ قال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} إلى آخر الآيتين، و العزيز إذ قال لامرأته: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} و امرأة العزيز إذ قالت: {اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ} و النسوة إذ قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} و يوسف ينفي ذلك عن نفسه و قد سماه الله صديقا إذ قال: {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}

  • و عمدة السبب في تعاطيهم هذا القول أمران: 

  • أحدهما: إفراطهم في الركون إلى الآثار و قبول الحديث كيفما كان و إن خالف 

تفسير الميزان ج۱۱

134
  • صريح العقل و محكم الكتاب فلعبت بأحلامهم الإسرائيليات و ما يلحق بها من الأخبار الموضوعة المدسوسة، و أنستهم كل حق و حقيقة و صرفتهم عن المعارف الحقيقية. 

  • و لذلك تراهم لا يرون لمعارف الدين محتدا وراء الحس، و لا للمقامات المعنوية الإنسانية كالنبوة و الولاية و العصمة و الإخلاص أصلا إلا الوضع و الاعتبار نظائر المقامات الوهمية الاعتبارية الدائرة في مجتمع الإنسان الاعتباري التي ليست لها وراء التسمية و المواضعة حقيقة تتكئ عليها و تطمئن إليها. 

  • فيقيسون نفوس الأنبياء الكرام على سائر النفوس العامية التي تنقلب بين الأهواء و بلغت بها الجهالة و الخساسة فإن ارتقت فإنما ترتقي إلى منزلة التقوى و رجاء الثواب و خوف العقاب تصيب كثيرا و تخطئ و إن لحقت بها عصمة إلهية في مورد أو موارد فإنما هي قوة حاجزة بين الإنسان و المعصية لا تعمل عملها إلا بإبطال سائر الأسباب و القوى التي جهز بها الإنسان و إلجاء الإنسان و اضطراره إلى فعل الجميل و اقتراف الحسنة، و لا جمال لفعل و لا حسن لعمل و لا مدح لإنسان مع الإلجاء و الاضطرار و للكلام تتمة سنوردها في بحث يختص به. 

  • الثاني: ظاهر قوله تعالى: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ} بناء على ما ذكره النحاة أن جزاء {لَوْ لاَ} لا يتقدم عليها قياسا على إن الشرطية، و على هذا يصير قوله {وَ هَمَّ بِهَا} جملة تامة غير متعلقه بالشرط، و جواب لو لا قولنا «لفعل» أو ما يشبه ذلك و التقدير: و لقد همت امرأة العزيز بيوسف و هم يوسف بها لولا أن رأى برهان ربه لفعل، و هو المطلوب. 

  • و قد عرفت فساد ذلك و أن الجملتين معا أعني قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} و قوله: {وَ هَمَّ بِهَا} قسميتان، و أن جزاء لولا في معنى الجملة الثانية حذف لدلالتها عليه، و الكلام على تقدير: و أقسم لقد همت به و أقسم لولا أن رأى برهان ربه لهم بها نظير قولهم: و الله لأضربنه إن ضربني. 

  • على أن الذي قدروه من المعنى كان الأنسب به أن يقال: «ولو لا أن رأى برهان ربه» بالوصل، و لا وجه ظاهرا من جهة السياق يوجه به الفصل. 

  • ٢ - و من الأقوال في الآية أن المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع و انتزاع الغريزة قال في 

تفسير الميزان ج۱۱

135
  • الكشاف: فإن قلت كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية و قصد إليها؟ قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة و نازعت إليها عن شهوة الشباب و قرمه ميلا يشبه الهم به و القصد إليه و كما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول و العزائم، و هو يكسر ما به و يرده بالنظر إلى برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم. 

  • و لو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء و شدته، و لو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين. 

  • و يجوز أن يريد بقوله: {وَ هَمَّ بِهَا} و شارف أن يهم بها كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل و مشافهته كأنه شرع فيه. 

  • ثم قال: فإن قلت: لم جعلت جواب لولا محذوفا يدل عليه {هَمَّ بِهَا}، و هلا جعلته هو الجواب مقدما. قلت: لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنه في حكم الشرط، و للشرط صدر الكلام و هو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، و لا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، و أما حذف بعضها إذا دل الدليل عليه فجائز. 

  • فإن قلت: فلم جعلت لولا متعلقة بهم بها وحده؟ و لم تجعلها متعلقة بجملة قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} لأن الهم لا يتعلق بالجواهر و لكن بالمعاني فلا بد من تقدير المخالطة و المخالطة لا تكون إلا باثنين معا فكأنه قيل: و لقد هما بالمخالطة لو لا أن منع مانع أحدهما. 

  • قلت: نعم ما قلت و لكن الله سبحانه قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} فكان إغفاله إلغاء له فوجب أن يكون التقدير: و لقد همت بمخالطته و هم بمخالطتها، على أن المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، و توصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها لو لا أن رأى برهان ربه فترك التوصل إلى حظه من الشهوة فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بهم بها وحده انتهى. 

  • و لخصه البيضاوي في تفسيره، حيث قال: المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع و منازعة الشهوة لا القصد الاختياري و ذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح و الأجر 

تفسير الميزان ج۱۱

136
  • الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك: قتلته لو لم أخف الله. انتهى. 

  • و رد هذا القول بأنه مخالف لما ثبت في اللغة من معنى الهم‌ و هو القصد إلى الفعل مع مقارنته ببعض الأعمال الكاشفة عن ذلك من حركة إلى الفعل المراد أو شروع في بعض مقدماته كمن يريد ضرب رجل فيقوم إليه و أما مجرد ميل الطبع و منازعة القوة الشهوانية فليس يسمى هما البتة و الهم بمعناه اللغوي مذموم لا ينبغي صدوره من نبي كريم، و الطبع و إن كان غير مذموم لخروجه عن تحت التكليف لكنه لا يسمى هما. 

  • أقول: هذا إنما يصلح جوابا لقولهم: إن المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع و منازعة الشهوة، و أما تجويزه أن يكون المراد بالهم الإشراف على الهم فلا، بل هو قول على حدة في معنى الآية و هو أن يفرق بين الهمين المذكورين فالمراد بهمها القصد العمدي إلى المخالطة و بهمه إشرافه (عليه السلام) على الهم بها من دون تحقق للهم بالفعل و القرينة عليه هو وصفه تعالى إياه بما فيه مدح بالغ، و لو كان همه حقيقيا بالقصد العمدي إلى مخالطتها كان فعلا مذموما لا يتعلق به مدح أصلا فمن هنا يعلم أن المراد بهمه (عليه السلام) إشرافه على الهم لا الهم بالفعل. 

  • و الجواب: أنه معنى مجازي لا يصار إليه إلا مع عدم إمكان الحمل على المعنى الحقيقي، و قد تقدم أنه بمكان من الإمكان. 

  • على أن الذي ذكروه في معنى رؤيته برهان ربه و أن المراد بها الرجوع إلى الحجة العقلية القاضية بوجوب الانتهاء عن النواهي الشرعية و المحارم الإلهية معنى بعيد من اللفظ إذ الرؤية لا تستعمل إلا في الإبصار الحسي أو المشاهدة القلبية التي هي بمنزلتها أو أظهر منها، و أما مجرد التفكر العقلي فلا يسمى رؤية البتة. 

  • ٣ - و من الأقوال في الآية: أن المراد بالهمين مختلف فهمها هو قصدها مخالطته و همه بها هو قصده أن يضربها للدفاع عن نفسه، و الدليل على التفرقة بين الهمين شهادته تعالى على أنه من عباده المخلصين و قيام الحجة عقلا على عصمة الأنبياء (عليه السلام). 

  • قال في مجمع البيان: إن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة لأنه قال: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} فعلق الهم بهما و ذاتاهما لا يجوز أن يراد و يعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد و يعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بد 

تفسير الميزان ج۱۱

137
  • من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به. و قد أمكن أن نعلق عزمه بغير القبيح، و نجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه فكأنه قال: و لقد همت بالفاحشة منه و أرادت ذلك و هم يوسف بضربها و دفعها عن نفسه كما يقال هممت بفلان أي بضربه و إيقاع مكروه به. 

  • و على هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح و قذفته بأنه دعاها إليه و ضربها لامتناعها منه، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء و الفحشاء اللذين هما القتل و ظن اقتراف الفاحشة به، و يكون التقدير: لو لا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك، و يكون جواب لولا محذوفا كما حذف في قوله تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اَللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}. انتهى موضع الحاجة. 

  • و الجواب: أنه قول لا بأس به لكنه مبني على التفرقة بين الهمين و هو خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن حملهما على معنى واحد و قد عرفت إمكان ذلك. 

  • على أن لازمه أن يكون المراد بالبرهان الذي رآه ما يدل على أنه إن ضربها استتبع ذلك هلاكه أو مصيبة أخرى تصيبه و يكون المراد بالسوء و الفحشاء القتل و التهمة - كما أشار إليه في المجمع - و هذا خلاف ما يستفاد من السياق قطعا. 

  • و أما ما ذكره في المجمع، من عدم جواز إرادة العزم على المخالطة من الهمين معا، و محصله أن الهم إنما يتعلق بمن لا ينقاد للعازم الهام فيما يريده، و إذا فرض تحقق الهم من أحد الطرفين لم يصح تحققه مع ذلك من الطرف الآخر إذ لا معنى لتعلق الإرادة بالمريد و الطلب من الطالب و بعث من هو مبعوث بالفعل. 

  • ففيه: أنه لا مانع من تحقق الهم من الطرفين إذا فرض تحققهما دفعة واحدة من دون سبق و لحوق أو قارن ذلك عناية زائدة كإنسانين يريدان الاقتراب و الاجتماع فربما يثبت أحدهما و يتحرك إليه الآخر، و ربما يتحركان و يقتربان و يتدليان معا و جسمين يريدان الانجذاب و الاتصال فربما يجذب أحدهما و ينجذب إليه الآخر و ربما يتجاذبان و يتدانيان. 

  • ٤ - و من الأقوال في الآية: أن المراد بالهم في الموردين معا الهم بالضرب و الدفاع فهي لما راودته و ردها بالامتناع و الاستنكاف ثارت منها داعية الغضب و الانتقام و هاج في باطنها الوجد الممزوج بالسخط و الأسف فهمت به لتضربه على تمرده من امتثال ما أمرته به، و هو 

تفسير الميزان ج۱۱

138
  • لما شاهد ذلك استعد للدفاع عن نفسه و ضربها إن مستها بسوء، غير أن ضربه إياها و مقاومته لدفعها لما كان ربما يتهمه في أنه راودها عن نفسه و دعاها إلى الفحشاء أراه الله سبحانه بفضله برهانا فهم منه ذلك و ألهم أن يختار للدفاع عن نفسه سبيل الفرار فقصد باب البيت ليفتحه و يخرج من عندها فعقبته فاستبقا الباب. 

  • و لا مساغ لحمل الهم على الهم بالمخالطة أما في قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} فلأن الهم لا يكون إلا بفعل للهامّ، و الوقاع ليس من أفعال المرأة فتهم به، و إنما نصيبها منه قبولها لمن يطلبه منها بتمكينه منه، هذا أولا. 

  • على أن يوسف لم يطلب من امرأة العزيز هذا الفعل فيسمى قبولها لطلبه و رضاها بتمكينه منه هما لها فإن نصوص الآيات قبل هذه الآية و بعدها تبرئه من ذلك بل من وسائله و مقدماته أيضا. و هذا ثانيا. 

  • على أن ذلك لو وقع لكان الواجب في التعبير عنه أن يقال: و لقد هم بها و همت به لأن الأول هو المقدم في الطبع و الوضع و هو الهم الحقيقي، و الهم الثاني متوقف عليه لا يتحقق بدونه. و هذا ثالثا. 

  • على أنه قد علم من القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبا جازما مصرة عليه ليس عندها أدنى تردد فيه و لا مانع منه يعارض المقتضي له، فإذن لا يصح أن يقال: إنها همت به مطلقا حتى لو فرض جدلا أنه كان قبولا لطلبه و مواتاة له إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه، و أما الهم بمعنى قصدها له بالضرب تأديبا فيصح ذلك فيه بأهون تقدير. و هذا رابعا. انتهى ملخصا مما أورده صاحب المنار في تفسيره. 

  • و الجواب: أنه يشارك القول السابق في معنى همه بها فيرد عليه ما أوردناه على سابقه، و أما ما يختص به أن المراد بهمها به قصدها إياه بضرب و نحوه فمما لا دليل عليه أصلا، و أما مجرد اتفاق ذلك في بعض نظائر القصة فليس يوجب حمل الكلام عليه من غير قرينة تدل على ذلك. 

  • و أما ما ذكره في استبعاد أن يراد من قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} الهم على المخالطة أو عدم صحته فوجوه سخيفة جدا فإن من المعلوم أن هذه المخالطة تتألف عادة من حركات و سكنات شأن المرأة فيها الفعل دون الانفعال و العمل دون القبول فلو همت به 

تفسير الميزان ج۱۱

139
  • بضم أو ما يناظره ليلتهب بذلك ما خمدت من نار غريزته الكامنة، و تلجئه إلى إجابتها فيما تريده منه صح أن يقال: إنها همت به أي بمخالطته و ليس من الواجب أن يفسر همها به بقصدها خصوص ما هي قابلة له حتى لا يصح به إطلاق الهم عليه. 

  • و أما ما ذكره أخيرا أنها كانت جازمة غير مترددة فلا يصح أن يراد بهمها الهم على ما تريده من المخالطة ففيه أنها إنما كانت جازمة في إرادتها منه و عزيمتها عليه، و أما في تحقق الفعل و وقوعه على ما قدرته فلا. كيف؟ و قد شاهدت من يوسف الامتناع و الإباء عن مراودتها، و إنما همت به لما قابلها بالاستنكاف و لا جزم لها مع ذلك بإجابته لها و مطاوعته لما أرادته منه و هو ظاهر. 

  • ٥ - و من الأقوال في الآية: حمل الكلام على التقديم و التأخير و يكون التقدير: و لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها، و لما رأى برهان ربه لم يهم بها، و يجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك، و قد كنت قتلت لو لا أني خلصتك، و المعنى: لو لا تداركي لهلكت - و لو لا تخليصي لقتلت و إن كان لم يقع هلاك و قتل، و مثله قول الشاعر: 

  • فلا تدعني قومي ليوم كريهة***لئن لم أعجل ضربة أو أعجل‌ 
  • و في القرآن الكريم: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلى‌ قَلْبِهَا} نسبه في المجمع، إلى أبي مسلم المفسر. 

  • و الجواب: أنه إن كان المراد به ما ربما يقوله المفسرون: إن في القرآن تقديما و تأخيرا فإنما ذلك فيما يكون هناك جمل متعددة بعضها متقدمة على بعضها بالطبع فأهمل النظم و اكتفى بمجرد العد من غير ترتيب لعناية تعلقت به كما قيل في قوله تعالى: {وَ اِمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَ مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود: ٧١ إنه من التقديم و التأخير، و إن التقدير: فبشرناها فضحكت و أما قوله: {وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ} فالمعنى يختلف فيه بالتقديم و التأخير فهو إذا قدم كان هما مطلقا من غير تقييد لعدم جواز كونه جوابا للولا مقدما عليها على ما ذكروه، و إذا أخر كان هما مقيدا بالشرط. 

  • و إن كان المراد أنه جواب لل لا مقدم عليها فالنحاة لا يجوزونه قياسا على إن الشرطية و يؤولون ما سمع من ذلك، اللهم إلا أن يكون ذلك خلافا منه لهم لعدم الدليل 

تفسير الميزان ج۱۱

140
  • على هذا القياس، و لا موجب لتأويل ما ورد في الكلام مما ظاهره ذلك. 

  • ٦ - و من الأقوال في الآية: ما ذكروا أنها أول ما همت به في منامها و هم بها لأنه رآها في منامه فعند ذلك علم أنها له فلذلك هم بها. أورده الغزالي في تفسيره، قال: و هذا وجه حسن لأن الأنبياء كانوا معصومين لا يقصدون المعاصي. انتهى. 

  • و الجواب أنه إن أريد به أن قوله: {وَ هَمَّ بِهَا} حكاية ما رآه يوسف (عليه السلام) في المنام فهو تحكم لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، و إن أريد به أنه (عليه السلام) رآها في المنام و هم بها فيه، و اعتقد من هناك أنها له و خاصة بناء على أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم هم بها في اليقظة في مجلس المراودة بالمضي على اعتقاده فيها فأدركته رؤية برهان من ربه يبين له أنه قد أخطأ في زعمه ففيه إثبات خطإ الأنبياء في تلقي الوحي، و ليس ذلك بأقل محذورا من تجويز إقدامهم على المعاصي. 

  • على أن الآية السابقة و قد عد فيها المخالطة ظلما لا يفلح صاحبه و استعاذ بالله منه تناقض ذلك فكيف يزعم أنها له و هو يعده ظلما و يستعيذ منه بالله سبحانه؟! 

  • فهذه عمدة الأقوال في الآية و هي مع ما قدمناه أولا ترتقي إلى سبعة أو ثمانية، و قد علمت أن معنى رؤية البرهان يختلف بحسب اختلاف الأقوال فمن قائل إنه سبب يقيني شاهده يوسف (عليه السلام)، و من قائل إنه الآيات و الأمور التي ظهرت له فردعته عن اقتراف الخطيئة، و من قائل إنه العلم بحرمة الزنا و عذابه، و من قائل إنه ملكة العفة، و من قائل إنه العصمة و الطهارة و قد عرفت ما هو الحق منها و سنعود إليه في كلام خاص به بعد تمام البحث عن الآيات إن شاء الله تعالى. 

  • [تتمة البيان]‌ 

  • قوله تعالى: {وَ اِسْتَبَقَا اَلْبَابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} الاستباق‌ هو التسابق و قد تقدم، و القد والقط هو الشق إلا أن القد هو الشق طولا و القط هو الشق عرضا، و الدبر و القبل‌ كالخلف و الأمام. 

  • و السياق يعطي أن استباقهما كان لغرضين مختلفين فكان يوسف (عليه السلام) يريد أن يفتحه و يتخلص منها بالخروج من البيت، و امرأة العزيز كانت تريد أن تسبقه إليه فتمنعه من الفتح و الخروج لعلها تفوز بما تريده منه، و أن يوسف سبقها إلى الباب فاجتذبته من قميصه 

تفسير الميزان ج۱۱

141
  • من الوراء فقدته و لم ينقدّ إلا لأنه كان في حال الهرب مبتعدا منها و إلا لم ينشق طولا. 

  • و قوله: {وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى اَلْبَابِ} الإلفاء الوجدان يقال: ألفيته كذا أي وجدت و المراد بسيدها زوجها. قيل: إنه جري على عرف مصر و قد كانت النساء بمصر يلقبن زوجهن بالسيد، و هو مستمر إلى هذا الزمان. 

  • قوله تعالى: {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لما ألفيا سيدها لدى الباب انقلب مجلس المراودة إلى موقف التحقيق، و إنما أوجد هذا الموقف وجود العزيز لدى الباب و حضورهما و الهيئة هذه الهيئة عنده، و يتكفل ما جرى في هذا الموقف قوله: {وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى اَلْبَابِ} إلى تمام خمس آيات. 

  • فبدأت امرأة العزيز تشكو يوسف إليه و تسأله أن يجازيه، فذكرت أنه أراد بها سوءا و عليه أن يسجنه أو يعذبه عذابا أليما لكنها لم تصرح بذلك و لا بشي‌ء من أطراف الواقعة بل كنّت و أتت بحكم عام عقلائي يتضمن مجازاة من قصد ذوات البعل بالفحشاء فقالت: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فلم يصرح باسم يوسف و هو المريد، و لا باسم نفسها و هي الأهل، و لا باسم السوء و هو الزنا بذات البعل كل ذلك تأدبا في حضرة العزيز و تقديسا لساحته. 

  • و لم يتعين الجزاء بل رددته بين السجن و العذاب الأليم لأن قلبها الواله إليه الملي‌ء بحبه ما كان يساعدها على التعيين فإن في الإبهام نوعاً من الفرج إلا أن في تعبيرها بقولها: {بِأَهْلِكَ} نوعا من التحريض عليه و تهييجه على مؤاخذته، و لم يكن ذلك إلا كيدا منها للعزيز بالتظاهر بالوجد و الأسى لئلا يتفطن بواقع الأمر فيؤاخذها، أما إذا صرفته عن نفسها المجرمة فإن صرفه عن مؤاخذة يوسف (عليه السلام) لم يكن صعبا عليها تلك الصعوبة. 

  • قوله تعالى: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} لم يبدأ يوسف (عليه السلام) بالقول أدبا مع العزيز و صونا لها أن يرميها بالجرم لكن لما اتهمته بقصدها بالسوء لم ير بُدّا دون أن يصرح بالحق فقال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} و في الكلام دلالة على القصر و هي من قصر القلب أي لم أردها بالسوء بل هي التي أرادت ذلك فراودتني عن نفسي. 

  • و في كلامه هذا - و هو خال عن أقسام التأكيد كالقسم و نحوه - دلالة على سكون 

تفسير الميزان ج۱۱

142
  • نفسه (عليه السلام) و طمأنينته و أنه لم يحتشم و لم يجزع و لم يتملق حين دعوى براءته مما رمته به إذ كان لم يأت بسوء و لا يخافها و لا ما اتهمته و قد استعاذ بربه حين قال: {مَعَاذَ اَللَّهِ}

  • قوله تعالى: {وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ} إلى آخر الآيتين. لما كانت الشهادة في معنى القول كان قوله: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ} «إلخ» بمنزلة مقول القول بالنسبة إليه فلا حاجة إلى تقدير القول قبل قوله: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ} إلخ، و قد قيل: إن هذا القول لما أدى مؤدى الشهادة عبر عنه بلفظ الشهادة. 

  • و قد أشار هذا الشاهد إلى دليل ينحل به العقدة و يتضح طريق القضية فتكلم فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ} فإن من البين أن أحدهما صادق في دعواه و الآخر كاذب، و كون القد من قبل يدل على منازعتهما و مصارعتهما بالمواجهة فالقضاء لها عليه، {وَ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ} فإن كون القد من دبر يدل على هربه منها و تعقيبها إياه و اجتذابها له إلى نفسها فالقضاء له عليها. و هو ظاهر. 

  • و أما من هذا الشاهد؟ فقد اختلف فيه المفسرون فقال بعضهم: كان رجلا حكيما أشار للعزيز بما أشار كما عن الحسن و قتادة و عكرمة، و قيل: كان رجلا و هو ابن عم المرأة و كان جالسا مع زوجها لدى الباب، و قيل: لم يكن من الإنس و لا الجن بل خلقا من خلق الله كما عن مجاهد، و رد بمنافاته الصريحة لقوله تعالى: «من أهلها». 

  • و من طرق أهل البيت (عليهم السلام) و بعض طرق أهل السنة أنه كان صبيا في المهد من أهلها، و سيجي‌ء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى. 

  • و الذي ينبغي أن ينظر فيه أن الذي أتى به هذا الشاهد بيان عقلي و دليل فكري يؤدي إلى نتيجة هي القاضية لأحد هذين المتداعيين على الآخر، و مثل هذا لا يسمى شهادة عرفا فإنها هي البيان المعتمد على الحس أو ما في حكمه و بالجملة القول الذي لا يعتمد على التفكير و التعقل كما في قوله: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ} حم السجدة: ٢٠، و قوله: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللَّهِ} المنافقون: ١ فإن الحكم بصدق الرسالة و إن كان في نفسه مستندا إلى التفكر و التعقل لكن المراد بالشهادة تأدية ما عنده من الحق المعلوم قطعا من غير ملاحظة كونه عن تفكر و تعقل كما في موارد يعبر عنه فيها 

تفسير الميزان ج۱۱

143
  • بالقول و نحوه. 

  • فليس من البعيد أن يكون في التعبير عن قول هذا القائل بمثل {وَ شَهِدَ شَاهِدٌ} إشارة إلى كون ذلك كلاما صدر عنه من غير ترو و فكر فيكون شهادة لعدم اعتماده على تفكر و تعقل لا قولا يعبر به عرفا عن البيان الذي يبتني على ترو و تفكر، و بهذا يتأيد ما ورد من الرواية أنه كان صبيا في المهد فقد كان ذلك بنوع من الإعجاز أيد الله سبحانه به قول يوسف (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأىَ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} أي فلما رأى العزيز قميص يوسف و الحال أنه مقدود مشقوق من خلف، قال إن الأمر من كيدكن معاشر النساء إن كيدكن عظيم فمرجع الضمائر معلوم من السياق. 

  • و نسبة الكيد إلى جماعة النساء مع كونه من امرأته للدلالة على أنه إنما صدر منها بما أنها من النساء، و كيدهن معهود معروف، و لذا استعظمه و قال ثانيا: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} و ذلك أن الرجال أوتوا من الميل و الانجذاب إليهن ما ليس يخفى و أوتين من أسباب الاستمالة و الجلب ما في وسعهن أن يأخذن بمجامع قلوب الرجال و يسخرن أرواحهم بجلوات فتانة و أطوار سحارة تسلب أحلامهم، و تصرفهم إلى إرادتهن من حيث لا يشعرون، و هو الكيد و إرادة الإنسان بالسوء و مفاد الآية أن العزيز لما شاهد أن قميصه مقدود من خلف قضى ليوسف (عليه السلام) على امرأته. 

  • قوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَ اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخَاطِئِينَ} من مقول قول العزيز أي إنه بعد ما قضى له عليها أمر يوسف أن يعرض عن الأمر و أمر امرأته أن تستغفر لذنبها و من خطيئتها. 

  • فقوله: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} يشير إلى ما وقع من الأمر و يعزم على يوسف أن يعرض عنه و يفرضه كأن لم يكن فلا يحدث به و لا يذيعه، و لم يرد في كلامه تعالى ما يدل على أن يوسف (عليه السلام) حدث به أحدا و هو الظن به (عليه السلام)، كما نرى أنه لم يظهر حديث المراودة للعزيز حتى اتهمته بسوء القصد فذكر الحق عند ذلك لكن كيف يخفى حديث استمر عهدا ليس بالقصير، و قد استولى عليها الوله و سلب منها الغرام كل حلم و حزم، و لم تكن المراودة مرة أو مرتين و الدليل على ذلك ما سيأتي من قول النسوة: {اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ 

تفسير الميزان ج۱۱

144
  •  تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}

  • و قوله: {وَ اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخَاطِئِينَ} يقرر لها الذنب و يأمرها أن تستغفر ربها لذلك الذنب لأنها كانت بذلك من أهل الخطيئة، و لذلك قيل: {مِنَ اَلْخَاطِئِينَ} و لم يقل من الخاطئات. 

  • و هذا كله من كلام العزيز على ما يعطيه السياق لا من كلام الشاهد لأنه قضاء و حكم و القضاء للعزيز لا للشاهد. 

  • و من الخطإ قول بعضهم: إن معنى {وَ اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} سلي زوجك أن لا يعاقبك على ذنبك انتهى. بناء على أن الجملة من كلام الشاهد لا من كلام العزيز و كذا قول آخر: معناه: استغفري الله من ذنبك و توبي إليه فإن الذنب كان منك لا من يوسف فإنهم كانوا يعبدون الله تعالى مع عبادة الأصنام. انتهى. 

  • و ذلك أن الوثنيين يقرون بالله سبحانه في خالقيته لكنهم لا يعبدون إلا الآلهة و الأرباب من دون الله سبحانه - و قد تقدم الكلام في ذلك في الجزء السابق من الكتاب - على أن الآية لا تشتمل إلا على قوله: {وَ اِسْتَغْفِرِي} من دون أن يذكر المتعلق، و هو ربها المعبود لها في مذهبها. 

  • و ربما قيل: إن الآية تدل على أن العزيز كان فاقدا للغيرة، و الحق أن الذي تدل عليه أنه كان شديد الحب لامرأته. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} قصة نسوة مصر مع يوسف في بيت العزيز تتضمنها الآية إلى تمام ست آيات. 

  • و الذي يعطيه التدبر فيها بما ينضم إليها من قرائن الأحوال و ما يستوجبه طبع القصة أنه لما كان من أمر يوسف و العزيزة ما كان، شاع الخبر في المدينة تدريجا، و صارت النساء و هن سيدات المدينة يتحدثن به في مجامعهن و محافلهم فيما بينهن و يعيّرن بذلك عزيزة مصر و يعبنها أنها تولهت إلى فتاها و افتتنت به و قد أحاط بها حبا فظلت تراوده عن نفسه، و ضلت به ضلالا مبينا. 

تفسير الميزان ج۱۱

145
  • و كان ذلك مكرا منهن بها على ما في طبع أكثر النساء من الحسد و العجب فإن المرأة تغلبها العواطف الرقيقة و الإحساسات اللطيفة و ركوز لطف الخلقة و جمال الطبيعة فيها مشعوفة القلب بالزينة و الجمال متعلقة الفؤاد برسوم الدلال، و يورث ذلك فيها و خاصة في الفتيات إعجابا بالنفس و حسدا للغير. 

  • و بالجملة كان تحديثهن بحديث الحب و المراودة مكرا منهن بالعزيزة و فيه بعض السلوة لنفوسهن و الشفاء لغليل صدورهن و لمّا يرين يوسف، و لا شاهدن منه ما شاهدته العزيزة فولهها و هتك سترها و إنما كنّ يتخيلن شيئا و يقايسن قياسا، و أين الرواية من الدراية و البيان من العيان. 

  • و شاع التحديث به في المسامرات حتى بلغ الخبر امرأة العزيز، تلك التي لا هم لها إلا أن تفوز في طلب يوسف و بلوغ ما تريد منه و لا تعبأ في حبه بشي‌ء من الملك و العزة إلا لأن تتوصل به إلى حبه لها و ميله إليها و إنجاحه لطلبتها فاستيقظت من رقدتها و علمت بمكرهن بها فأرسلت إليهن للحضور لديها و إنهن سيدات و نساء أشراف المدينة و أركان البلاد ممن له رابطة المعاشرة مع بيت العزيز أو لياقة الحضور فيه. 

  • فتهيأن للحضور و تبرزن بأحسن الجمال و أوقع الزينة على ما هو الدأب في أمثال هذه الاحتفالات من أمثال هؤلاء السيدات، و كلٌّ تتمنى أن ترى يوسف و تشاهد ما عنده من الحسن الذي أوقع على العزيزة ما أوقع و فضحها. 

  • و العزيزة لا هم لها يومئذ إلا أن تريهن يوسف حتى يعذرنها و يشتغلن عنها بأنفسهن فتتخلص من لسانهن فتأمن مكرهن، و هي لا تعبأ بافتتانهن بيوسف و لا تخاف عليه منهن؛ لأنها على ما تزعم مولاته و صاحبته و مالكة أمره، و هو فتاها المخصوص بها، و هي تعلم أن يوسف ليس بالذي يرغب فيهن أو يصبو إليهن و هو لا ينقاد لها فيما تريده منه بما عنده من الاستعصام و الاعتزاز عن هذه الأهواء و الأميال. 

  • ثم لما حضرن عند العزيزة و أخذن مقاعدهن، و وقع الأنس و جرت المحادثة و المفاوضة و أخذن في التفكه آتت كل واحد منهن سكينا و قد هيأت لهن و قدمت إليهن الفاكهة، عند ذلك أمرت يوسف أن يخرج إليهن و قد كان مستورا عنهن. 

تفسير الميزان ج۱۱

146
  • فلما طلع يوسف عليهن و وقعت عليه أعينهن طارت عقولهن و طاحت أحلامهن و لم يدرين دون أن قطعن أيديهن مكان الفاكهة التي فيها لما دخل عليهن من البهت و الذهول، و هذه خاصة الوله و الفزع فإن نفس الإنسان إذا انجذبت إلى شي‌ء مما تفرط في حبه أو تخافه و تهوله اضطربت و بهتت ففاجأها الموت أو سلبت الشعور اللازم في تدبير القوى و الأعضاء و تنظيم الأمر، فربما أقدم مسرعا إلى الخطر الذي أدهشه لقاؤه و ربما نسي الفرار فبقي كالجماد الذي لا حراك به، و ربما يفعل غير ما هو قاصده و فاعله اختباطا، و نظائرها في جانب الحب كثيرة و حكايات المغرمين و المتولهين من العشاق مشهورة. 

  • و كان هذا هو الفرق بين العزيزة و بينهن فإن استغراقها في حب يوسف إنما حصل لها تدريجا، و أما نساء المدينة فإنهن فوجئن به دفعة فغشيت قلوبهن غاشية الجمال، و غادرهن الحب ففضحهن و أطار عقلهن و أضل رأيهن فنسين الفاكهة و قطعن أيديهن و تركن كل تجلد و اصطبار، و أبدين ما في أنفسهن من وله الحب، و قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}

  • هذا و هن في بيت العزيز و هو بيت يجب فيه التحفظ على كل أدب و وقار، و كان يجب أن يتقينها و يحتشمن موقعها و هن شريفات ذوات جمال و ذوات بعولة و ذوات خدر و ستر و هذه كلها جهات مانعة عن الخلاعة و التهتك، و هن لم ينسين ما كنّ بالأمس يتحدثن به و يلمن و يذممن امرأة العزيز في حبها ليوسف و هما في بيت واحد منذ سنين. 

  • فكان من الواجب على كل منهنّ أن تتقي صواحبها فلا تتهتك و هنّ يعلمن ما انجر إليه أمر امرأة العزيز من سوء الذكر و فضاحة الشهرة هذا كله و يوسف واقف أمامهن يسمع قولهن و يشاهد صنعهن. 

  • لكن الذي شاهدنه على المفاجأة من حسن يوسف نسخ ما قدرنه من قبل في أنفسهن و بدل مجلس الأدب و الاحتشام حفلة عيش لا يكتم محتفلوها من أنفسهم ضميرا، و لا يبالي حضارها ما قيل أو يقال فيهم و لم يلبثن دون أن قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} و قد قلن غير بعيد: {اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}

  • و كلامهن هذا بعد قولهن ذاك إعذار منهن فمفاده أن الذي كنا نقوله قبل إنما هو 

تفسير الميزان ج۱۱

147
  • حق لو كان هذا بشرا و ليس به و إنما يذم الإنسان و يعاب لو ابتلي بهوى بشر و مراودته و كان في وسعه أن يكتفي عنه بما يكافئه و يغني عنه، و أما الجمال الذي لا يعادله جمال، و يسلب كل حزم و اختيار، فلا لوم على هواه، و لا ذم في غرامة. 

  • و لهذا انقلب المجلس دفعة، و انقطعت قيود الاحتشام فانبسطن و تظاهرن بالقول في حسن يوسف و كل تتكلم بما في ضميرها منه، و قالت امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ثم هددت يوسف تجلدا و حفظا لمقامها عندهن و طمعا في مطاوعته و انقياده: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ}

  • و أما يوسف فلم يأخذه شي‌ء من تلك الوجوه الحسان بألحاظها الفتانة و لا التفت إلى شي‌ء من لطيف كلامهن و نعيم مراودتهن أو هائل تهديدها، فقد كان وجهة نفسه جمال فوق كل جمال، و جلال يذل عنده كل عزة و جلال فلم يكلمهن بشي‌ء و لم يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول، و إنما رجع إلى ربه فقال: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ}

  • و كلامه هذا إذا قيس إلى ما قاله لامرأة العزيز وحدها في مجلس المراودة: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} دل بسياقه على أن هذا المقام كان أشق و أمرّ على يوسف (عليه السلام) إذ كان بالأمس يقاوم هم امرأة العزيز و يعالج كيدها وحدها، و قد توجهت إليه اليوم همهن و مكايدهن جميعا، و كان ما بالأمس واقعة في خلوة على تستر منها، و هي و هن اليوم متجاهرات في حبه متظاهرات في إغوائه ملجآت على مراودته، و جميع الأسباب و المقتضيات اليوم قاضية لهن عليه أشد مما كانت عليه بالأمس. 

  • و لذا تضرع إلى ربه سبحانه في دفع كيدهن هاهنا، و اكتفى بالاستعاذة إليه سبحانه هناك فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم. 

  • و لنرجع إلى البحث عن الآيات. 

  • فقوله تعالى: {وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} إلخ، النسوة اسم جمع للمرأة و تقييد بقوله: {فِي اَلْمَدِينَةِ} تفيد أنهنّ كن من جهة العدد أو الشأن بحال تؤثر 

تفسير الميزان ج۱۱

148
  • قولهن في شيوع الفضيحة. 

  • و امرأة العزيز هي التي كان يوسف في بيتها و قد راودته عن نفسه و العزيز معناه معروف، و قد كان يلقب به السيد الذي اشترى يوسف من السيارة و كان يلقب به الرؤساء بمصر كما لقب به يوسف بعد ما جعل على خزائن الأرض. 

  • و في قوله: {تُرَاوِدُ} دلالة على الاستمرار و هو أفحش المراودة، و الفتى‌ الغلام الشاب و المرأة فتاة، و قد شاع تسمية العبد فتى و كأنه بهذه العناية أضيف إلى ضميرها فقيل: {فَتَاهَا}

  • و في المفردات: {شَغَفَهَا حُبًّا} أي أصاب شغاف قلبها أي باطنه. عن الحسن، و قيل: وسطه. عن أبي علي، و هما يتقاربان انتهى. و شغاف‌ القلب غلافه المحيط به. 

  • و المعنى: و قال عدة من نساء المدينة لا يخلو قولهن من أثر فيها و في حقها: امرأة تستمر في مراودة عبدها عن نفسه و لا يحري بها ذلك لأنها مرأة و من القحة أن تراود المرأة الرجل بل ذاك إن كان من طبع الرجال، و إنها امرأة العزيز فهي عزيزة مصر فمن الواجب الذي لا معدل عنه أن تراعي شرف بيتها و عزة زوجها و مكانة نفسها، و إن الذي علقت به عبدُها، ومن الشنيع أن يتوله مثلها و هي عزيزة مصر بعبد عبراني من جملة عبيده، و أنها أحبته و تعدت ذلك إلى مراودته فامتنع من إجابتها فلم تنته حتى ألحت و استمرت على مراودته و ذلك أقبح و أشنع و أمعن في الضلال. 

  • و لذلك عقبن قولهن: {اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ} إلخ، بقولهن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} قال في المجمع: المكر هو الفتل بالحيلة على ما يراد من الطلبة. انتهى. و تسمية هذا القول منهن مكرا بامرأة العزيز لما فيه من فضاحتها و هتك سترها من ناحية رقيباتها حسدا و بغيا، و إنما أرسلت إليهن لتريهن يوسف و تبتليهن بما ابتليت به نفسها فيكففن عن لومها و يعذرنها في حبه. 

  • و على هذا إنما سمي قولهن مكرا و نسب السمع إليه لأنه صدر منهن حسدا و بغيا لغاية 

تفسير الميزان ج۱۱

149
  • فضاحتها بين الناس. 

  • و قيل: إنما كان قولهن مكرا لأنهن جعلنه ذريعة إلى لقاء يوسف لما سمعن من حسنه البديع فإنما قلن هذا القول لتسمعه امرأة العزيز فترسل إليهن ليحضرن عندها فتريهن إياه ليعذرنها فيما عذلنها له فيتخذن ذلك سبيلا إلى أن يراودنه عن نفسه هذا، و الوجه الأول أقرب إلى سياق الآيات. 

  • و قوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} معناه معلوم و هو كناية عن الدعوة إلى الحضور عندها. 

  • و قوله: {وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} الاعتاد الإعداد و التهيئة أي أعدت و هيأت، و المتكأ بضم الميم و تشديد التاء اسم المفعول من الاتكاء، و المراد به ما يتكأ عليه من نمرق أو كرسي كما كان معمولا في بيوت العظماء. و فسر المتكأ بالأترج و هو نوع من الفاكهة كما قرئ في الشواذ {مُتْكَأً} بالضم فالسكون و هو الأترج و قرئ {مُتَّكَا} بضم الميم و تشديد التاء من غير همز. 

  • و قوله: {وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} أي لقطع ما يرون أكله من الفاكهة كالأترج أو ما يشابهه من الفواكه المأكولة بالقطع و قوله: {وَ قَالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي أمرت يوسف أن يخرج عليهن و هن خاليات الأذهان فارغات القلوب مشتغلات بأخذ الفاكهة و قطعها، و في اللفظ دلالة على أنه (عليه السلام) كان غائبا عنهن و كان في مخدع هناك أو بيت آخر في داخل بيت المأدبة الذي كن فيه فإنها قالت: {اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} و لو كان في خارج من البيت لقالت: «ادخل عليهن». 

  • و في السياق دلالة على أن هذا التدبير كان مكرا منها تجاه مكرهن ليفتضحن به فيعذرنها فيما عذلنها و قد أصابت في رأيها حيث نظمت برنامج الملاقاة فاعتدت لهن متكأ و آتت كل واحدة منهن سكينا، و أخفت يوسف عن أعينهن ثم فاجأتهن بإظهاره دفعة لهن ليغبن عن عقولهن، و يندهشن بذاك الجمال البديع و يأتين بما لا يأتي به ذو شعور البتة و هو تقطيع الأيدي مكان الفواكه لا من الواحدة و الثنتين منهن بل من الجميع. 

  • قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} الإكبار الإعظام و هو كناية عن اندهاشهنّ و غيبتهنّ عن شعورهنّ، 

تفسير الميزان ج۱۱

150
  • و إرادتهن بمفاجأة مشاهدة ذاك الحسن الرائع طبقا للناموس الكوني العام و هو خضوع الصغير للكبير و قهر العظيم للحقير فإذا ظهر العظيم الكبير بعظمته و كبريائه لشعور الإنسان قهر سائر ما في ذهنه من المقاصد و الأفكار فأنساها و صار يتخبط في أعماله. 

  • و لذلك لما رأينه قهرت رؤيته شعورهن فقطعن أيديهن تقطيعا مكان الفاكهة التي كن يردن قطعها، و في صيغة التفعيل دلالة على الكثرة يقال: قتّل القوم تقتيلا و موّتهم الجدب تمويتا. 

  • و قوله: {وَ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} تنزيه لله سبحانه في أمر يوسف و هذا كقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} النور: ١٦ و هو من أدب الكلام عند المليين إذا جرى القول في أمر فيه نوع تنزيه و تبرئة لأحد يبدأ فينزه الله سبحانه ثم يشتغل بتنزيه من أريد تنزيهه فهن لما أردن تنزيهه (عليه السلام) بقولهن {مَا هَذَا بَشَراً} إلخ، بدأن بتنزيهه تعالى، ثم أخذن ينزهنه. 

  • و قوله: {مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} نفي أن يكون يوسف (عليه السلام) بشرا و إثبات أنه ملك كريم، و هذا بناء على ما يعتقده المليون و منهم الوثنيون أن الملائكة موجودات شريفة هم مبادئ كل خير و سعادة في العالم منهم يترشح كل حياة و علم و حسن و بهاء و سرور و سائر ما يتمنى و يؤمل من الأمور ففيهم كل جمال صوري و معنوي، و إذا مثلوا تخيلوا في حسن لا يقدر بقدر، و يتصوره أصحاب الأصنام في صور إنسانية حسنة بهية. 

  • و لعل هذا هو السبب في قولهن: {إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} حيث لم يصفنه بما يدل على حسن الوجه و جمال المنظر مع أن الذي فعل بهن ما فعل هو حسن وجهه و اعتدال صورته بل سمّينَه ملكا كريما لتكون فيه إشارة إلى حسن صورته و سيرته معا، و جمال خَلقه و خُلقه و ظاهره و باطنه جميعا. و الله أعلم. 

  • و تقدم قولهن هذا على قول امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} يدل على أنهن لم يفهمن [يفُهْن] بهذا الكلام إعذارا لامرأة العزيز في حبها له و تيمها و غرامها به، و إنما كان ذلك اضطرارا منهن على الثناء عليه و إظهارا قهريا لانجذاب نفوسهن و توله قلوبهن إليه فقد كان فيه فضاحتهن، و لم تقل امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} إلا بعد ما فضحتهن 

تفسير الميزان ج۱۱

151
  • فعلا و قولا بتقطيع الأيدي و تنزيه الحسن فلم يبق لهن إلا أن يصدقنها فيما تقول و يعذرنها فيما تفعل. 

  • قوله تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} إلى آخر الآية، الكلام في موضع دفع الدخل؛ كأن قائلا يقول: فما ذا قالت امرأة العزيز لهن؟ فقيل: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}

  • و قد فرعت كلامها على ما تقدمه من قولهن و فعلهن و أشارت إلى شخص الذي لمنها فيه و وصفته بأنه الذي لمنها فيه ليكون هو بعينه جوابا لما رمينها به من ترك شرف بيتها و عزة زوجها و عفة نفسها في حبه، و عذرا قبال لومهن إياها في مراودته، و أقوى البيان أن يحال السامع إلى العيان، و من هذا الباب قوله تعالى {أَ هَذَا اَلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} الأنبياء: ٣٦، و قوله: {رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا} الأعراف: ٣٨. 

  • ثم اعترفت بالمراودة و ذكرت لهن أنها راودته لكنه أخذ بالعفة و طلب العصمة، و إنما استرسلت و أظهرت لهن ما لم تزل تخفيه لما رأت موافقة القلوب على التوله فيه فبثت الشكوى لهن و نبهت يوسف أنها غير تاركته فليوطن نفسه على طاعتها فيما تأمر به، و هذا معنى قولها: {وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}

  • ثم ذكرت لهن ما عزمت عليه من إجباره على الموافقة و سياسته لو خالفت فقالت: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ} و قد أكدت الكلام بوجوه من التأكيد كالقسم و النون و اللام و نحوها ليدل على أنها عزمت على ذلك عزيمة جازمة، و عندها ما يجبره على ما أرادته و لو استنكف فليوطن نفسه على السجن بعد الراحة، و الصغار و الهوان بعد الإكرام و الاحترام، و في الكلام تجلد و نوع تعزز و تمنع بالنسبة إليهن و نوع تنبيه و تهديد بالنسبة إلى يوسف (عليه السلام). 

  • و هذا التهديد الذي يتضمنه قولها: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ} أشد و أهول مما سألته زوجها يوم المراودة بقولها: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

  • أما أولا: فلأنها رددت الجزاء هناك بين السجن و العذاب الأليم و جمع هاهنا بين الجزاءين 

تفسير الميزان ج۱۱

152
  • و هو السجن و الكون من الصاغرين. 

  • و أما ثانيا فلأنها هاهنا قامت بالتهديد بنفسها لا بأن تسأل زوجها، و كلامها كلام من لا يتردد فيما عزم عليه و لا يرجع عما جزم به. و قد حققت أنها تملك قلب زوجها و تقدر أن تصرفه مما يريده إلى ما تريده، و تقوى على التصرف في أمره كيفما شاءت. 

  • قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} قال الراغب في المفردات: صبا فلان يصبو صبوا و صبوة إذا نزع و اشتاق و فعل فعل الصبيان، قال تعالى: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} انتهى و في المجمع: الصبوة لطافة الهوى. انتهى. 

  • تفاوضت امرأة العزيز و النسوة فقالت و قلن و استرسلن في بت [بثّ] ما في ضمائرهن و يوسف (عليه السلام) واقف أمامهن يدعونه و يراودنه عن نفسه لكن يوسف (عليه السلام) لم يلتفت إليهن و لا كلمهن و لا بكلمة بل رجع إلى ربه الذي ملك قلبه بقلب لا مكان فيه إلا له و لا شغل له إلا به و {قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} إلخ. 

  • و قوله هذا ليس بدعاء على نفسه بالسجن و أن يصرف الله عنه ما يدعونه إليه بإلقائه في السجن، و إنما هو بيان حالٍ لربه و أنه عن تربية إلهية يرجح عذاب السجن في جنب الله على لذة المعصية و البعد منه، فهذا الكلام منه نظير ما قاله لامرأة العزيز حين خلت به و راودته عن نفسه: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} ففي الكلامين معا تمنع و تعزز بالله، و إنما الفرق أنه يخاطب بأحدهما امرأة العزيز و بالآخر ربه القوي العزيز و ليس شي‌ء من الكلامين دعاء البتة. 

  • و في قوله: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} إلخ، نوع توطئة لقوله {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} إلخ، الذي هو دعاء في صورة بيان الحال. 

  • فمعنى الآية: رب إني لو خيرت بين السجن و بين ما يدعونني إليه لاخترت السجن على غيره و أسألك أن تصرف عني كيدهن فإنك إنْ لا تصرف عني كيدهن أنتزع و أمل إليهن و أكن من الجاهلين فإني إنما أتوقى شرهن بعلمك الذي علمتنيه و تصرف به عني كيدهن فإن أمسكت عن إفاضته علي صرت جاهلا و وقعت في مهلكة الصبوة و الهوى. 

تفسير الميزان ج۱۱

153
  • و قد ظهر من الآية بمعونة السياق: 

  • أولا: أن قوله: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} إلخ، ليس دعاء من يوسف (عليه السلام) على نفسه بالسجن بل بيان حال منه لربه بالإعراض عنهن و الرجوع إليه، و معنى {أَحَبُّ إِلَيَّ} أني أختاره على ما يدعونني إليه لو خيرت، و ليس فيه دلالة على كون ما يدعونه إليه محبوبا عنده بوجه إلا بمقدار ما تدعو إليه داعية الطبع الإنساني و النفس الأمارة. 

  • و إن قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} إشارة إلى استجابة ما يشتمل عليه قوله: {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} إلخ، من معنى الدعاء، و يؤيده تعقيبه بقوله: {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}، و ليس استجابة لدعائه بالسجن على نفسه كما توهمه بعضهم. 

  • و من الدليل عليه قوله بعد في قصة دخوله السجن: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا اَلْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} و لو كان دعاء بالسجن و استجابه الله سبحانه و قدر له السجن لم يكن التعبير بثم و فصل المعنى عما تقدمه بأنسب فافهم. 

  • و ثانيا: أن النسوة دعونه و راودنه كما دعته امرأة العزيز إلى نفسها و راودته عن نفسه، و أما أنهن دعونه إلى أنفسهن أو إلى امرأة العزيز أو أتين بالأمرين فدعينه بحضرة من امرأة العزيز إليها ثم أسرت كل واحدة منهن داعية إياه إلى نفسها فالآية ساكتة عن ذلك سوى ما يستفاد من قوله: {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} إذ لو لا دعوة منهن إلى أنفسهن لم يكن معنى ظاهر للصبوة إليهن. 

  • و الذي يشعر به قوله تعالى حكاية عن قوله في السجن لرسول الملك: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } إلى أن قال { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} الآيات: ٥٠-٥٢ من السورة، أنهن دعينه إلى امرأة العزيز و قد أشركهن في القصة ثم قال: {لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} و لم يقل: لم أخن بالغيب و لا قال: لم أخنه و غيره فتدبر فيه. 

  • و مع ذلك فمن المحال عادة أن يرين منه ما يغيبهن عن شعورهن و يدهش عقولهن و يقطعن 

تفسير الميزان ج۱۱

154
  • أيديهن ثم ينسللن انسلالا و لا يتعرض له أصلا و يذهبن لوجوههن بل العادة قاضية أنهن ما فارقن المجلس إلا و هن متيمات فيه والهات لا يصبحن و لا يمسين إلا و هو همهن و فيه هواهن يفدينه بالنفس و يطمعنه بأي زينة في مقدرتهن و يعرضن له أنفسهن و يتوصلن إلى ما يردنه منه بكل ما يستطعن. 

  • و هو ظاهر مما حكاه الله من يوسف في قوله: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} فإنه لم يعرض عن تكليمهن إلى مناجاة ربه الخبير بحاله السميع لمقاله إلا لشدة الأمر عليه و إحاطة المحنة و المصيبة من ناحيتهن به. 

  • و ثالثا: أن تلك القوة القدسية التي استعصم بها يوسف (عليه السلام) كانت كأمر تدريجي يفيض عليه آنا بعد آن من جانب الله سبحانه، و ليست الأمر الدفعي المفروغ عنه و إلا لانقطعت الحاجة إليه تعالى، و لذا عبر عنه بقوله: {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي} و لم يقل: و إن لم تصرف عني و إن كانت الجملة الشرطية منسلخة الزمان لكن في الهيئة إشارات. 

  • و لذلك أيضا قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} إلخ، فنسب دفع الشر عنه إلى استجابة و صرف جديد. 

  • و رابعا: أن هذه القوة القدسية من قبيل العلوم و المعارف و لذا قال (عليه السلام): {وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} و لم يقل: و أكن من الظالمين، كما قال لامرأة العزيز: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} أو أكن من الخائنين كما قال للملك: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} و قد فرق في نحو الخطاب بينهما و بين ربه فخاطبهما بظاهر الأمر رعاية لمنزلتهما في الفهم فقال: إنه ظلم و الظالم لا يفلح، و إنه خيانة و الله لا يهدي كيد الخائن، و خاطب ربه بحقيقة الأمر و هو أن الصبوة إليهن من الجهل. 

  • و ستوافيك حقيقة الحال في هذين الأمرين‌۱ في أبحاث ملحقة بالبيان إن شاء الله تعالى. 

  • قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ} أي استجاب الله مسألته في صرف كيدهن عنه حين قال: {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} 

    1. أي الأمر الثالث و الرابع.

تفسير الميزان ج۱۱

155
  • إنه هو السميع بأقوال عباده العليم بأحوالهم. 

  •  

  • (أبحاث حول التقوى الديني و درجاته) في فصول 

  • ١ - القانون و الأخلاق الكريمة و التوحيد

  • لا يسعد القانون إلا بإيمان تحفظه الأخلاق الكريمة، و الأخلاق الكريمة لا تتم إلا بالتوحيد؛ فالتوحيد هو الأصل الذي عليه تنمو شجرة السعادة الإنسانية و تتفرع بالأخلاق الكريمة، و هذه الفروع هي التي تثمر ثمراتها الطيبة في المجتمع، قال تعالى: {أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي اَلسَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} إبراهيم: ٢٦، فجعل الإيمان بالله كشجرة لها أصل و هو التوحيد لا محالة و أكُل تؤتيه كل حين بإذن ربها و هو العمل الصالح، و فرع و هو الخلق الكريم كالتقوى و العفة و المعرفة و الشجاعة و العدالة و الرحمة و نظائرها. 

  • و قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فاطر: ١٠فجعل سعادة الصعود إلى الله و هو القرب منه تعالى للكلم الطيب و هو الاعتقاد الحق و جعل العمل الذي يصلح له و يناسبه هو الذي يرفعه و يمده في صعوده. 

  • بيان ذلك: أن من المعلوم أن الإنسان لا يتم له كماله النوعي و لا يسعد في حياته التي لا بغية له أعظم من إسعادها إلا باجتماع من أفراد يتعاونون على أعمال الحياة على ما فيها من الكثرة و التنوع و ليس يقوى الواحد من الإنسان على الإتيان بها جميعا. 

  • و هذا هو الذي أحوج الإنسان الاجتماعي إلى أن يتسنن بسنن و قوانين يحفظ بها حقوق الأفراد عن الضيعة و الفساد حتى يعمل كل منهم ما في وسعه العمل به، ثم يبادلوا أعمالهم فينال كل من النتائج المعدة ما يعادل عمله و يقدره وزنه الاجتماعي من غير أن يظلم القوي المقتدر أو يظلم الضعيف العاجز. 

  • و من المسلم أن هذه السنن و القوانين لا تثبت مؤثرة إلا بسنن و قوانين أخرى جزائية 

تفسير الميزان ج۱۱

156
  • تهدد المتخلفين عن السنن و القوانين المتعدين على حقوق ذوي الحقوق، و تخوفهم بالسيئة قبال السيئة و بأخرى تشوقهم و ترغبهم في عمل الخيرات و تضمن إجراء الجميع القوة الحاكمة التي تحكم فيهم و تسيطر عليهم بالعدل و الصدق. 

  • و إنما تتحقق هذه الأمنية إذا كانت القوة المجرية للقوانين عالمة بالجرم و قوية على المجرم، و أما إذا جهلت و وقع الإجرام على جهل منها أو غفلة - و كم له من وجود - فلا مانع يمنع من تحققه، و القوانين لا أيدي لها تبطش بها، و كذا إذا ضعفت الحكومة بفقد القوى اللازمة أو مساهلة في السياسة و العمل فظهر عليها المجرم أو كان المجرم أشد قوة ضاعت القوانين و فشت التخلفات و التعديات على حقوق الناس، و الإنسان - كما مر مرارا في المباحث السابقة من هذا الكتاب - مستخدم بالطبع يجر النفع إلى نفسه و لو أضر غيره. 

  • و يشتد هذا البلوى إذا تمركزت هذه القوة في القوة المجرية أو من يتولى أزمة جميع الأمور فاستضعف الناس و سلب منهم القدرة على رده إلى العدل و تقويمه بالحق فصار ذا قوة و شوكة لا يقاوم في قوته و لا يعارض في إرادته. و التواريخ المحفوظة مملوءة من قصص الجبابرة و الطواغيت و تحكماتهم الجائرة على الناس، و هو ذا نصب أعيننا في أكثر أقطار الأرض. 

  • فالقوانين و السنن و إن كانت عادلة في حدود مفاهيمها، و أحكام الجزاء و إن كانت بالغة في شدتها، لا تجري على رسلها في المجتمع و لا تسد باب الخلاف و طريق التخلف إلا بأخلاق فاضلة إنسانية تقطع دابر الظلم و الفساد كملكة اتباع الحق و احترام الإنسانية و العدالة و الكرامة و الحياة و نشر الرحمة و نظائرها. 

  • و لا يغرنك ما تشاهده من القوة و الشوكة في الأمم الراقية و الانتظام و العدل الظاهر فيما بينهم و لم يوضع قوانينهم على أسس أخلاقية حيث لا ضامن لإجرائها فإنهم أمم يفكرون فكرة اجتماعية لا يرى الفرد منهم إلا نفع الأمة و خيرها و لا يدفع إلا ما يضر أمته، و لا همّ لأمته إلا استرقاق سائر الأمم الضعيفة و استدرارهم، و استعمار بلادهم، و استباحة نفوسهم و أعراضهم و أموالهم فلم يورثهم هذا التقدم و الرقي إلا نقل ما كان يحمله الجبابرة الماضون على الأفراد إلى المجتمعات فقامت الأمة اليوم مقام الفرد بالأمس، 

تفسير الميزان ج۱۱

157
  • و هجرت الألفاظ معانيها إلى أضدادها تطلق الحرية و الشرافة و العدالة و الفضيلة و لا يراد بها إلا الرقية و الخسة و الظلم و الرذيلة. 

  • و بالجملة السنن و القوانين لا تأمن التخلف و الضيعة إلا إذا تأسست على أخلاق كريمة إنسانية و استظهرت بها. 

  • ثم الأخلاق لا تفي بإسعاد المجتمع و لا تسوق الإنسان إلى صلاح العمل إلا إذا اعتمدت على التوحيد و هو الإيمان بأن للعالم و منه الإنسان إلها واحدا سرمديا لا يعزب عن علمه شي‌ء، و لا يغلب في قدرته عن أحد، خلق الأشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها و سيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن بإحسانه و يعاقب المسي‌ء بإساءته ثم يخلدون منعمين أو معذبين. 

  • و من المعلوم أن الأخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة لم يبق للإنسان هم إلا مراقبة رضاه تعالى في أعماله، و كان التقوى رادعا داخليا له عن ارتكاب الجرم و لو لا ارتضاع الأخلاق من ثدي هذه العقيدة عقيدة التوحيد لم يبق للإنسان غاية في أعماله الحيوية إلا التمتع بمتاع الدنيا الفانية و التلذذ بلذائذ الحياة المادية، و أقصى ما يمكنه أن يعدل به معاشه فيحفظ به القوانين الاجتماعية الحيوية أن يفكر في نفسه أن من الواجب عليه أن يلتزم القوانين الدائرة حفظا للمجتمع من التلاشي و للاجتماع من الفساد، و إن من اللازم عليه أن يحرم نفسه من بعض مشتهياته ليحتفظ به المجتمع فينال بذلك البعض الباقي، و يثني عليه الناس و يمدحوه ما دام حيا أو يكتب اسمه في أوراق التاريخ بخطوط ذهبية. 

  • أما ثناء الناس و تقديرهم العمل فإنما يجري في أمور هامة علموا بها أما الجزئيات و ما لم يعلموا بها كالأعمال السرية فلا وقاء يقيها و أما الذكر الجاري و الاسم السامي و يؤثر غالبا فيما فيه تفدية و تضحية من الأمور كالقتل في سبيل الوطن و بذل المال و الوقت في ترفيع مباني الدولة و نحو ذلك فليس ممن يبتغيه و يذعن به ثم لا يذعن بما وراء الحياة الدنيا إلا اعتقادا خرافيا إذ لا إنسان على هذا بعد الموت و الفوت حتى يعود إليه شي‌ء من النفع بثناء أو حسن ذكر و أي عاقل يشتري تمتع غيره بحرمان نفسه من غير أي فائدة عائدة أو يقدم الحياة لغيره باختيار الموت لنفسه و ليس عنده بعد الموت إلا البطلان و الاعتقاد الخرافي يزول بأدنى تنبه و التفات. 

تفسير الميزان ج۱۱

158
  • فقد تبين أن شيئا من هذه الأمور ليس من شأنه أن يقوم مقام التوحيد، و لا أن يخلفه في صد الإنسان عن المعصية و نقض السنن و القوانين و خاصة إذا كان العمل مما من طبعه أن لا يظهر للناس و خاصة إذا كان من طبعه أن لو ظهر ظهر على خلاف ما هو عليه لأسباب تقتضي ذلك كالتعفف الذي يزعم أنه كان شَرَهاً و بغياً كما تقدم من حديث مراودة امرأة العزيز يوسف (عليه السلام)، و قد كان أمره يدور بين خيانة العزيز في امرأته و بين اتهام المرأة إياه عند العزيز بقصدها بالسوء فلم يمنعه (عليه السلام) - و لا كان من الحري أن يمنعه - شي‌ء إلا العلم بمقام ربه. 

  • ٢ - يحصل التقوى الديني بأحد أمور ثلاثة 

  • و إن شئت فقل: إنه سبحانه يعبد بأحد طرق ثلاثة: الخوف و الرجاء و الحب، قال تعالى: {فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانٌ وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ اَلْغُرُورِ} الحديد: ٢٠فعلى المؤمن أن يتنبه لحقيقة الدنيا و هي أنها متاع الغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فعليه أن لا يجلعها غاية لأعماله في الحياة، و أن يعلم أن له وراءها دارا و هي الدار الآخرة فيها ينال غاية أعماله، و هي عذاب شديد للسيئات يجب أن يخافه و يخاف الله فيه، و مغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها و يرجو الله فيها، و رضوان من الله يجب أن يقدمه لرضى نفسه. 

  • و طباع الناس مختلفة في إيثار هذه الطرق الثلاثة و اختيارها فبعضهم و هو الغالب يغلب على نفسه الخوف، و كلما فكر فيما أوعد الله الظالمين و الذين ارتكبوا المعاصي و الذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفا و لفرائصه ارتعادا و يساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفا من عذابه. 

  • و بعضهم يغلب على نفسه الرجاء و كلما فكر فيما وعده الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات من النعمة و الكرامة و حسن العاقبة زاد رجاء و بالغ في التقوى و التزام الأعمال الصالحات طمعا في المغفرة و الجنة. 

  • و طائفة ثالثة و هم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفا من عقابه و لا طمعا في ثوابه و إنما يعبدونه لأنه أهلٌ للعبادة؛ و ذلك لأنهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى و الصفات العليا فعلموا أنه ربهم الذي يملكهم و إرادتهم و رضاهم و كل شي‌ء غيرهم، و يدبر الأمر 

تفسير الميزان ج۱۱

159
  • وحده و ليسوا إلا عباد الله فحسب، و ليس للعبد إلا أن يعبد ربه، و يقدم مرضاته و إرادته على مرضاته و إرادته، فهم يعبدون الله و لا يريدون في شي‌ء من أعمالهم فعلا أو تركا إلا وجهه، و لا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم، و لا إلى ثواب يرجيهم، و إن خافوا عذابه و رجوا رحمته، و إلى هذا يشير قوله (عليه السلام): «ما عبدتك خوفا من نارك و لا رغبة في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك».

  • و هؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضات ربهم و محضوا أعمالهم في طلب غاية هو ربهم، تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية و ذلك أنهم يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه، و قد سمى نفسه بأحسن الأسماء و وصف ذاته بكل صفة جميلة، و من خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق و قال تعالى: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَاعْبُدُوهُ} الأنعام: ١٠٢ ثم قال: {اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ } الم السجدة: ٧ فأفاد أن الخلقة تدور مدار الحسن و أنهما متلازمان متصادقان ثم ذكر سبحانه في آيات كثيرة أن ما خلقه من شي‌ء آية تدل عليه و إن في السماوات و الأرض لآيات لأولي الألباب فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى و لا يحكي شيئا من جماله و جلاله. 

  • فالأشياء من جهة أنواع خلقها و حسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى و يحمده و يثني على حسنه الذي لا يفنى، و من جهة ما فيها من أنواع النقص و الحاجة تدل على غناه المطلق و تسبح و تنزه ساحة القدس و الكبرياء كما قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } إسراء: ٤٤. 

  • فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريقٍ هداهم إليه ربهم و عرفها لهم و هو أنها آيات له و علامات لصفات جماله و جلاله، و ليس لها من النفسية و الأصالة و الاستقلال إلا أنها كمرائي تجلي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي و بفقرها و حاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق، و بذلتها و استكانتها ما فوقها من العزة و الكبرياء، و لا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزة و العظمة و يغشى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسيه نفسه و كل شي‌ء، و يمحو رسم الأهواء و الأميال النفسانية عن باطنه، و يبدل فؤاده قلبا سليما ليس فيه إلا الله عز اسمه قال تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} البقرة: ١٦٥. 

  • و لذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين الآخرين أعني طريق العبادة خوفا 

تفسير الميزان ج۱۱

160
  • و طريق العبادة طمعا لا يخلوان من شرك فإن الذي يعبده تعالى خوفا من عذابه يتوسل به تعالى إلى دفع العذاب عن نفسه كما أن من يعبده طمعا في ثوابه يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة و الكرامة، و لو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده و لا حام حول معرفته، و قد تقدمت الرواية عن الصادق (عليه السلام): «هل الدين إلا الحب»  و قوله (عليه السلام) في حديث: «و إني أعبده حبا له و هذا مقام مكنون لا يمسه إلا المطهرون» (الحديث)، و إنما كان أهل الحب مطهرين لتنزههم عن الأهواء النفسانية و الألواث المادية فلا يتم الإخلاص في العبادة إلا من طريق الحب.

  • ٣ - كيف يورث الحب الإخلاص؟ 

  • عبادته تعالى خوفا من العذاب تبعث الإنسان إلى التروك و هو الزهد في الدنيا للنجاة في الآخرة فالزاهد من شأنه أن يتجنب المحرمات أو ما في معنى الحرام أعني ترك الواجبات، و عبادته تعالى طمعا في الثواب تبعث إلى الأفعال و هو العبادة في الدنيا بالعمل الصالح لنيل نعم الآخرة و الجنة فالعابد من شأنه أن يلتزم الواجبات أو ما في معنى الواجب و هو ترك الحرام، و الطريقان معا إنما يدعوان إلى الإخلاص للدين لا لرب الدين. 

  • و أما محبة الله سبحانه فإنها تطهر القلب من التعلق بغيره تعالى من زخارف الدنيا و زينتها من ولد أو زوج أو مال أو جاه حتى النفس و ما لها من حظوظ و آمال، و تقصر القلب في التعلق به تعالى و بما ينسب إليه من دين أو نبي أو ولي و سائر ما يرجع إليه تعالى بوجه فإن حب الشي‌ء حب لآثاره. 

  • فهذا الإنسان يحب من الأعمال ما يحبه الله و يبغض منها ما يبغضه الله و يرضى برضا الله و لرضاه و يغضب بغضب الله و لغضبه، و هو النور الذي يضي‌ء له طريق العمل، قال تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ} الأنعام: ١٢٢. و الروح الذي يشير إليه بالخيرات و الأعمال الصالحات، قال تعالى: {وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} المجادلة: ٢٢ و هذا هو السر في أنه لا يقع منه إلا الجميل و الخير و يتجنب كل مكروه و شر. 

  • و أما الموجودات الكونية و الحوادث الواقعة فإنه لا يقع بصره على شي‌ء منها خطير أو حقير، كثير أو يسير إلا أحبه و استحسنه لأنه لا يرى منها إلا أنها آيات محضة تجلي له 

تفسير الميزان ج۱۱

161
  • ما وراءها من الجمال المطلق و الحسن الذي لا يتناهى العاري من كل شين و مكروه. 

  • و لذلك كان هذا الإنسان محبورا بنعمة ربه بسرور لا غم معه و لذة و ابتهاج لا ألم و لا حزن معه، و أمن لا خوف معه، فإن هذه العوارض السوء إنما تطرأ عن إدراك للسوء و ترقب للشر و المكروه، و من كان لا يرى إلا الخير و الجميل و لا يجد إلا ما يجري على وفق إرادته و رضاه فلا سبيل للغم و الحزن و الخوف و كل ما يسوء الإنسان و يؤذيه إليه بل ينال من السرور و الابتهاج و الأمن ما لا يقدره و لا يحيط به إلا الله سبحانه و هذا أمر ليس في وسع النفوس العادية أن تتعقله و تكتنهه إلا بنوع من التصور الناقص. 

  • و إليه يشير أمثال قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ} يونس: ٦٣، و قوله: {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ} الأنعام: ٨٢. 

  • و هؤلاء هم المقربون الفائزون بقربه تعالى إذ لا يحول بينهم و بين ربهم شي‌ء مما يقع عليه الحس أو يتعلق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان فإن كل ما يتراءى لهم ليس إلا آية كاشفة عن الحق المتعال لا حجابا ساترا فيفيض عليهم ربهم علم اليقين، و يكشف لهم عما عنده من الحقائق المستورة عن هذا الأعين المادية العمية بعد ما يرفع الستر فيما بينه و بينهم كما يشير إليه قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ اَلْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ مَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ} المطففين: ٢١، و قوله تعالى: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ} التكاثر: ٦ و قد تقدم كلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} المائدة: ١٠٥ في الجزء السادس من الكتاب. 

  • و بالجملة هؤلاء في الحقيقة هم المتوكلون على الله المفوضون إليه الراضون بقضائه المسلمون لأمره إذ لا يرون إلا خيرا و لا يشاهدون إلا جميلا فيستقر في نفوسهم من الملكات الشريفة و الأخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد فهم مخلصون لله في أخلاقهم كما كانوا مخلصين له في أعمالهم، هذا معنى إخلاص العبد دينه لله قال تعالى: {هُوَ اَلْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ} المؤمن: ٦٥. 

تفسير الميزان ج۱۱

162
  • ٤ - و أما إخلاصه تعالى عبده له 

  • فهو ما يجده العبد في نفسه من الإخلاص له منسوبا إليه تعالى فإن العبد لا يملك من نفسه شيئا إلا بالله، و الله سبحانه هو المالك لما ملكه إياه فإخلاصه دينه و إن شئت فقل: إخلاصه نفسه لله هو إخلاصه تعالى إياه لنفسه. 

  • نعم هاهنا شي‌ء و هو أن الله سبحانه خلق بعض عباده هؤلاء على استقامة الفطرة و اعتدال الخلقة فنشئوا من بادئ الأمر بأذهان وقادة و إدراكات صحيحة و نفوس طاهرة و قلوب سليمة فنالوا بمجرد صفاء الفطرة و سلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد و الكسب بل أعلى و أرقى لطهارة داخلهم من التلوث بألواث الموانع و المزاحمات و الظاهر أن هؤلاء هم المخلصون بالفتح لله في عرف القرآن. 

  • و هؤلاء هم الأنبياء و الأئمة، و قد نص القرآن بأن الله اجتباهم أي جمعهم لنفسه و أخلصهم لحضرته، قال تعالى: {وَ اِجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الأنعام: ٨٧، و قال: {هُوَ اِجْتَبَاكُمْ وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: ٧٨. 

  • و آتاهم الله سبحانه من العلم ما هو ملكة تعصمهم من اقتراف الذنوب و ارتكاب المعاصي، و تمتنع معه صدور شي‌ء منها عنهم صغيرة أو كبيرة، و بهذا يمتاز العصمة من العدالة فإنهما معا تمنعان من صدور المعصية لكن العصمة يمتنع معها الصدور بخلاف العدالة. 

  • و قد تقدم آنفا أن من خاصة هؤلاء القوم أنهم يعلمون من ربهم ما لا يعلمه غيرهم، و الله سبحانه يصدق ذلك بقوله: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} الصافات: ١٦٠، و إن المحبة الإلهية تبعثهم على أن لا يريدوا إلا ما يريده الله و ينصرفوا عن المعاصي و الله سبحانه يقرر ذلك بما حكاه عن إبليس في غير مورد من كلامه كقوله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ} ص: ٨٣. 

  • و من الدليل على أن العصمة من قبيل العلم قوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ مَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} النساء: ١١٣ و قد فصلنا الكلام في معنى الآية في تفسير سورة النساء. 

  • و قوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): {قَالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} يوسف: ٣٣ و قد أوضحنا وجه دلالة الآية على ذلك. 

تفسير الميزان ج۱۱

163
  • و يظهر من ذلك أولا: أن هذا العلم يخالف سائر العلوم في أن أثره العملي و هو صرف الإنسان عما لا ينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلف دائما بخلاف سائر العلوم فإن الصرف فيها أكثري غير دائم، قال تعالى: {وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اِسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} النمل ١٤ و قال: {أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى‌ عِلْمٍ} الجاثية: ٢٣، و قال: {فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} الجاثية: ١٧. 

  • و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ } الصافات: ١٦٠، و ذلك أن هؤلاء المخلصين من الأنبياء و الأئمة (عليه السلام) قد بينوا لنا جمل المعارف المتعلقة بأسمائه تعالى و صفاته من طريق السمع، و قد حصلنا العلم به من طريق البرهان أيضا، و الآية مع ذلك تنزهه تعالى عن ما نصفه به دون ما يصفه به أولئك المخلصون فليس إلا أن العلم غير العلم و إن كان متعلق العلمين واحدا من وجه. 

  • و ثانيا: أن هذا العلم أعني ملكة العصمة لا يغير الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية و لا يخرجها إلى ساحة الإجبار و الاضطرار كيف؟ و العلم من مبادئ الاختيار، و مجرد قوة العلم لا يوجب إلا قوة الإرادة كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سما قاتلا من حينه فإنه يمتنع باختياره من شربه قطعا و إنما يضطر الفاعل و يجبر إذا أخرج من يجبره أحد طرفي الفعل و الترك من الإمكان إلى الامتناع. 

  • و يشهد على ذلك قوله: {وَ اِجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام: ٨٨ تفيد الآية أنهم في إمكانهم أن يشركوا بالله و إن كان الاجتباء و الهدى الإلهي مانعا من ذلك، و قوله: {يَا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: ٦٧ إلى غير ذلك من الآيات. 

  • فالإنسان المعصوم إنما ينصرف عن المعصية بنفسه و اختياره و إرادته و نسبة الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى. 

  • و لا ينافي ذلك أيضا ما يشير إليه كلامه تعالى و يصرح به الأخبار أن ذلك من الأنبياء و الأئمة بتسديد من روح القدس فإن النسبة إلى روح القدس كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الإيمان و نسبة الضلال و الغواية إلى الشيطان و تسويله فإن شيئا من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا صادرا عن فاعله مستندا إلى اختياره و إرادته فافهم ذلك. 

تفسير الميزان ج۱۱

164
  • نعم هناك قوم زعموا أن الله سبحانه إنما يصرف الإنسان عن المعصية لا من طريق اختياره و إرادته بل من طريق منازعة الأسباب و مغالبتها بخلق إرادة أو إرسال ملك يقاوم إرادة الإنسان فيمنعها عن التأثير أو يغير مجراها و يحرفها إلى غير ما من طبع الإنسان أن يقصده كما يمنع الإنسان القوي الضعيف عما يريده من الفعل بحسب طبعه. 

  • و بعض هؤلاء و إن كانوا من المجبرة لكن الأصل المشترك الذي يبتني عليه نظرهم هذا و أشباهه أنهم يرون أن حاجة الأشياء إلى البارئ الحق سبحانه إنما هي في حدوثها، و أما في بقائها بعد ما وجدت فلا حاجة لها إليه، فهو سبحانه سبب في عرض الأسباب إلا أنه لما كان أقدر و أقوى من كل شي‌ء كان له أن يتصرف في الأشياء حال البقاء أي تصرف شاء من منع أو إطلاق و إحياء أو إماتة و معافاة أو تمريض و توسعة أو تقتير إلى غير ذلك بالقهر. 

  • فإذا أراد الله سبحانه أن يصرف عبدا عن شر مثلا أرسل إليه ملكا ينازعه في مقتضى طبعه و يغير مجرى إرادته مثلا عن الشر إلى الخير أو أراد أن يضل عبدا لاستحقاقه ذلك سلط عليه إبليس فحوله من الخير إلى الشر و إن كان ذلك لا بمقدار يوجب الإجبار و الاضطرار. 

  • و هذا مدفوع بما نشاهده من أنفسنا في أعمال الخير و الشر مشاهدة عيان أنه ليس هناك سبب آخر يغايرنا و ينازعنا فيغلب علينا غير أنفسنا التي تعمل أعمالها عن شعور بها و إرادة مترتبة عليه قائمين بها فالذي يثبته السمع و العقل وراء نفوسنا من الأسباب كالملك و الشيطان سبب طولي لا عرضي و هو ظاهر. 

  • مضافا إلى أن المعارف القرآنية من التوحيد و ما يرجع إليه يدفع هذا القول من أصله، و قد تقدم شطر وافر من ذلك في تضاعيف الأبحاث السالفة. 

  • (بحث روائي) 

  • في المعاني، بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن السجاد (عليه السلام) في حديث تقدم صدره في البحث الروائي السابق، 

تفسير الميزان ج۱۱

165
  • قال (عليه السلام): و كان يوسف من أجمل أهل زمانه فلما راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه فقال: معاذ الله إنا أهل بيت لا يزنون، فغلقت الأبواب عليها و عليه و قالت: لا تخف و ألقت نفسها عليه فأفلت منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه فأفلت يوسف منها في ثيابه فألفيا سيدها لدى الباب {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. 

  • قال: فهم الملك بيوسف ليعذبه فقال له يوسف: ما أردت بأهلك سوءا بل {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} فسل هذا الصبي أينا راود صاحبه عن نفسه؟ قال: كان عندها من أهلها صبي زائر لها فأنطق الله الصبي لفصل القضاء فقال: أيها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدودا من قدامه فهو الذي راودها، و إن كان مقدودا من خلفه فهي التي راودته. 

  • فلما سمع الملك كلام الصبي و ما اقتصه أفزعه ذلك فزعا شديدا فجي‌ء بالقميص فنظر إليه فلما رآه مقدودا من خلفه قال لها: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}. و قال ليوسف: {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} و لا يسمعه منك أحد و اكتمه. 

  • قال: فلم يكتمه يوسف و أذاعه في المدينة حتى قلن نسوة منهن: اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ فبلغها ذلك فأرسلت إليهن، و هيأت لهن طعاما و مجلسا ثم أتتهن بأترنج {وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} ثم قالت ليوسف {اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} و قلن ما قلن يعني النساء فقالت لهن: هذا الذي لمتنني فيه تعني في حبه. و خرجن النسوة من تحتها فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبتها تسأله الزيارة فأبى عليهن و قال: إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن و أكن من الجاهلين و صرف الله عنه كيدهن. 

  • فلما شاع أمر يوسف و امرأة العزيز و النسوة في مصر بدا للملك بعد ما سمع قول الصبي ليسجنن يوسف فسجنه في السجن و دخل السجن مع يوسف فتيان، و كان من قصتهما و قصة يوسف ما قصه الله في الكتاب. قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي بن الحسين (عليه السلام). 

  • أقول: و روى ما في معناه العياشي في تفسيره عن أبي حمزة عنه (عليه السلام) باختلاف 

تفسير الميزان ج۱۱

166
  • يسير، و قوله (عليه السلام): «قال معاذ الله إنا أهل بيت لا يزنون» تفسير بقرينة المحاذاة لقوله في الآية: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} إلخ، و هو يؤيد ما قدمناه في بيان الآية أن الضمير إلى الله سبحانه لا إلى عزيز مصر كما ذهب إليه أكثر المفسرين فافهم ذلك. 

  • و قوله: فأبى عليهن و قال: {إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي} إلخ، ظاهر في أنه (عليه السلام) لم يأخذ قوله: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} جزءا من الدعاء فيوافق ما قدمناه في بيان الآية أنه ليس بدعاء. 

  • و في العيون، بإسناده عن حمدان عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا علي بن موسى فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أ ليس من قولك: إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى و ذكر الحديث إلى أن قال فيه: فأخبرني عن قول الله تعالى: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْ لاَ أَنْ رَأى‌ بُرْهَانَ رَبِّهِ} فقال الرضا (عليه السلام): لقد همت به و لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها لكنه كان معصوما، و المعصوم لا يهم بذنب و لا يأتيه. 

  • و لقد حدثني أبي عن أبيه الصادق (عليه السلام) أنه قال: همت بأن تفعل و هم بأن لا يفعل فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن.

  •  أقول: تقدم أن ابن الجهم هذا لا يخلو عن شي‌ء لكن صدر الحديث أعني جواب الرضا (عليه السلام) يوافق ما قدمناه في بيان الآية و أما ما نقله عن جده الصادق (عليه السلام) «أنها همت بأن تفعل و هم بأن لا يفعل» فلعل المراد به ما ذكره الرضا (عليه السلام) من الجواب لقبوله الانطباق عليه و لعل المراد به همه بقتلها كما يؤيده الحديث الآتي فينطبق على بعض الاحتمالات المتقدمة في بيان الآية. 

  • و فيه بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) أهل المقالات من أهل الإسلام و من الديانات من اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين و سائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا و قد ألزمه حجته كأنه ألقم حجرا. 

  • قام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال: يا ابن رسول الله أ تقول بعصمة الأنبياء؟ فقال: نعم. فقال له فما تقول في قوله عز و جل في يوسف: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا}؟ فقال له: أما قوله تعالى في يوسف: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} فإنها همت بالمعصية و هم يوسف 

تفسير الميزان ج۱۱

167
  • بقتلها إن أجبرته لعظيم ما تداخله فصرف الله عنه قتلها و الفاحشة. و هو قوله عز و جل: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشَاءَ} و السوء القتل و الفحشاء الزنا. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب: في قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} قال: طمعت فيه و طمع فيها، و كان من الطمع أن هم بحل التكة فقامت إلى صنم مكلل بالدر و الياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها و بينه فقال: أي شي‌ء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة فقال يوسف (عليه السلام): تستحين من صنم لا يأكل و لا يشرب، و لا أستحيي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: لا تنالينها مني أبدا. و هو البرهان الذي رأى.

  • أقول: و الرواية من الموضوعات كيف؟ و كلامه و كلام سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مشحون بذكر عصمة الأنبياء و مذهبهم في ذلك مشهور. 

  • على أن سترها الصنم و انتقاله من ذلك إلى ما ذكره لها من الحجة لا يعد من رؤية البرهان، و قد ورد هذا المعنى في عدة روايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) لكنها آحاد لا تعويل عليها. نعم لا يبعد أن تقوم المرأة إلى ستر صنم كان هناك فتنزع نفس يوسف (عليه السلام) إلى مشاهدة آية التوحيد عند ذلك فيرتفع الحجاب بينه و بين ساحة الكبرياء فيرى ما يصرفه عن كل سوء و فحشاء كما كان له ذلك من قبل، و قد قال تعالى في حقه: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ}، فإن صح شي‌ء من هذه الروايات فليكن هذا معناه. 

  • و فيه: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: عثر يوسف (عليه السلام) ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، و حين قال: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} فلبث في السجن بضع سنين فأنساه الشيطان ذكر ربه. و حين قال: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. 

  • أقول: و الرواية تخالف صريح كلامه تعالى حيث يذكر أن الله اجتباه و أخلصه لنفسه و أن الشيطان لا سبيل له إلى من أخلصه الله لنفسه و كيف يستقيم لمن هم على أفحش معصية و أنساه الشيطان ذكر ربه ثم كذب في مقاله فعاقبه الله بالسجن ثم بلبثه فيه بضع سنين و جبه بالسرقة أن يعده الله صديقا من عباده المخلصين و المحسنين، و يذكر أنه آتاه الحكم و العلم و اجتباه و أتم عليه نعمته، و على هذا السبيل روايات جمة رواها في الدر 

تفسير الميزان ج۱۱

168
  • المنثور، و قد تقدم نقل شطر منها عند بيان الآيات، و لا تعويل على شي‌ء منها. 

  • و فيه أخرج أحمد و ابن جرير و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: تكلم أربعة و هم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، و شاهد يوسف، و صاحب جريح، و عيسى بن مريم. 

  • و في تفسير القمي، قال: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} يقول: قد حجبها حبه عن الناس فلا تعقل غيره، و الحجاب هو الشغاف، و الشغاف هو حجاب القلب. 

  • و فيه في حديث جمعها النسوة و تقطيعهن أيديهن قال: فما أمسى يوسف (عليه السلام) في ذلك اليوم حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف في ذلك اليوم فقال: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} (الحديث). 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٣٥ الی ٤٢]

  • {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا اَلْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ٣٥ وَ دَخَلَ مَعَهُ اَلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قَالَ اَلْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ ٣٦ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ٣٧ وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا 

تفسير الميزان ج۱۱

169
  • وَ عَلَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ٣٨ يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ٤٠يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا اَلْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ٤١ وَ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ اَلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي اَلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ٤٢} 

  • (بيان) 

  • تتضمن الآيات شطرا من قصته (عليه السلام) و هو دخوله السجن و مكثه فيه بضع سنين و هو مقدمة تقربه التام عند الملك و نيله عزة مصر، و فيه دعوته في السجن إلى دين التوحيد، و قد جاء ببيان عجيب، و إظهاره لأول مرة أنه من أسرة إبراهيم و إسحاق و يعقوب. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا اَلْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} البداء هو ظهور رأي بعد ما لم يكن يقال: بدا لي في أمر كذا أي ظهر لي فيه رأي جديد، و الضمير في قوله: {لَهُمْ} إلى العزيز و امرأته و من يتلوهما من أهل الاختصاص و أعوان الملك و العزة. 

  • و المراد بالآيات الشواهد و الأدلة الدالة على براءة يوسف (عليه السلام) و طهارة ذيله مما 

تفسير الميزان ج۱۱

170
  • اتهموه به كشهادة الصبي و قدّ القميص من خلفه و استباقهما الباب معا، و لعل منها تقطيع النسوة أيديهن برؤيته و استعصامه عن مراودتهن إياه عن نفسه، و اعتراف امرأة العزيز لهن أنها راودته عن نفسه فاستعصم. 

  • و قوله: {لَيَسْجُنُنَّهُ} اللام فيه للقسم أي أقسموا و عزموا ليسجننه البتة، و هو تفسير للرأي الذي بدا لهم، و يتعلق به قوله: {حَتَّى حِينٍ} و لا يخلو من معنى الانتظار بالنظر إلى قطع "حين" عن الإضافة، و المعنى على هذا: ليسجننه حتى ينقطع حديث المراودة الشائع في المدينة و ينساه الناس. 

  • و معنى الآية: ثم ظهر للعزيز و من يتلوه من امرأته و سائر مشاوريه رأي جديد في يوسف من بعد ما رأوا هذه الآيات الدالة على براءته و عصمته و هو أن يسجنوه حينا من الزمان حتى يُنسى حديث المراودة الذي يجلب لهم العار و الشين و أقسموا على ذلك. 

  • و يظهر بذلك أنهم إنما عزموا على ذلك لمصلحة بيت العزيز و صونا لأسرته عن هوان التهمة و العار، و لعل من غرضهم أن يتحفظوا على أمن المدينة العام و لا يخلوا الناس و خاصة النساء أن يفتتنوا به فإن هذا الحسن الذي أوله امرأة العزيز و السيدات من شرفاء المدينة و فعل بهم ما فعل من طبعه أن لا يلبث دون أن يقيم في المدينة بلوى. 

  • لكن الذي يظهر من قوله في السجن لرسول الملك: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} إلى آخر ما قال، ثم قول الملك لهن: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}، و قولهن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} ثم قول امرأة العزيز: {اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ}، كل ذلك يدل على أن المرأة ألبست الأمر بعد على زوجها و أرابته في براءة يوسف (عليه السلام) فاعتقد خلاف ما دلت عليه الآيات أو شك في ذلك، و لم يكن ذلك إلا عن سلطة تامة منها عليه و تمكن كامل من قلبه و رأيه. 

  • و على هذا فقد كان سجنه بتوسل أو بأمر منها لتدفع بذلك تهمة الناس عن نفسها و تؤدب يوسف لعله ينقاد لها و يرجع إلى طاعتها فيما كانت تأمره به كما هددته به بمحضر من النسوة بقولها: {وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصَّاغِرِينَ}

  • قوله تعالى: {وَ دَخَلَ مَعَهُ اَلسِّجْنَ فَتَيَانِ} إلى آخر الآية، الفتى العبد و سياق الآيات 

تفسير الميزان ج۱۱

171
  • يدل على أنهما كانا عبدين من عبيد الملك، و قد وردت به الروايات كما سيأتي إن شاء الله تعالى. 

  • و قوله: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} فصل قوله: {قَالَ أَحَدُهُمَا} للدلالة على الفصل بين حكاية الرؤيا و بين الدخول كما يشعر به ما في السياق من قوله: {أَرَانِي} و خطابه له بصاحب السجن. 

  • و قوله: {أَرَانِي} لحكاية الحال الماضية كما قيل، و قوله: {أَعْصِرُ خَمْراً} أي أعصر عنبا كما يعصر ليتخذ خمرا فقد سمي العنب خمرا باعتبار ما يؤول إليه. 

  • و المعنى: أصبح أحدهما و قال ليوسف (عليه السلام): إني رأيت فيما يرى النائم إني أعصر عنبا للخمر. 

  • و قوله: {وَ قَالَ اَلْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْهُ} أي تنهشه و هي رؤيا أخرى ذكرها صاحبه. و قوله: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ} أي قالا: نبئنا بتأويله فاكتفى عن ذكر الفعل بقوله: «قال» «و قال» و هذا من لطائف تفنن القرآن، و الضمير في قوله: {بِتَأْوِيلِهِ} راجع إلى ما يراه المدلول عليه بالسياق، و في قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ} تعليل لسؤالهما التأويل و {نَرَاكَ} أي نعتقدك من المحسنين لما نشاهد فيك من سيماهم، و إنما أقبلا عليه في تأويل رؤياهما لإحسانه، لما يعتقد عامة الناس أن المحسنين الأبرار ذوو قلوب طاهرة و نفوس زاكية فهم ينتقلون إلى روابط الأمور و جريان الحوادث انتقالا أحسن و أقرب إلى الرشد من انتقال غيرهم. 

  • و المعنى: قال أحدهما ليوسف: إني رأيت فيما يرى النائم كذا و قال الآخر: إني رأيت كذا، و قالا له: أخبرنا بتأويل ما رآه كل منا لأنا نعتقد أنك من المحسنين، و لا يخفى لهم أمثال هذه الأمور الخفية لزكاء نفوسهم و صفاء قلوبهم. 

  • قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} لما أقبل صاحبا السجن على يوسف (عليه السلام) في سؤاله عن تأويل رؤيا رأياها عن حسن ظن به من جهة ما كانا يشاهدان منه سيماء المحسنين، اغتنم (عليه السلام) الفرصة في بث ما عنده من أسرار التوحيد و الدعوة إلى ربه سبحانه الذي علمه ذلك، فأخبرهما أنه عليم بذلك بتعليم 

تفسير الميزان ج۱۱

172
  • من ربه خبير بتأويل الأحاديث و توسل بذلك إلى الكشف عن سر التوحيد و نفي الشركاء ثم أوّل رؤياهما. 

  • فقال أولا: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} - و أنتما في السجن - { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} - أي بتأويل ذاكما الطعام و حقيقته و ما يؤول إليه أمره - فأنا خبير بذلك فليكن آية لصدقي فيما أدعوكما إليه من دين التوحيد. 

  • هذا على تقدير عود الضمير في قوله: {بِتَأْوِيلِهِ} إلى الطعام، و يكون عليه إظهارا منه (عليه السلام) لآية نبوته نظير قول المسيح (عليه السلام) لبني إسرائيل: {وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران: ٤٩، و يؤيد هذا المعنى بعض الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي في بحث روائي إن شاء الله تعالى. 

  • و أما على تقدير عود ضمير {بِتَأْوِيلِهِ} إلى ما رأياه من الرؤيا فقوله: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ} إلخ، وعد منه لهما تأويل رؤياهما و وعد بتسريعه غير أن هذا المعنى لا يخلو من بعد بالنظر إلى السياق. 

  • قوله تعالى: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ} ، بيّن (عليه السلام) أن العلم و التنبؤ بتأويل الأحاديث ليس من العلم العادي الاكتسابي في شي‌ء بل هو مما علمه إياه ربه ثم علل ذلك بتركه ملة المشركين و اتباعه ملة آبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب أي رفضه دين الشرك و أخذه بدين التوحيد. 

  • و المشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه و يثبتون يوم الجزاء بالقول بالتناسخ كما تقدم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أن الذي يقدر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله و كذا عود النفوس بعد الموت بأبدان أخرى تتنعم فيها أو تعذب ليس من المعاد في شي‌ء، و لذلك نفى (عليه السلام) عنهم الإيمان بالله و بالآخرة، و أكد كفرهم بالآخرة بتكرار الضمير حيث قال: {وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} و ذلك لأن من لا يؤمن بالله فأحرى به أن لا يؤمن برجوع العباد إليه. 

  • و هذا الذي يقصه الله سبحانه من قول يوسف (عليه السلام): {وَ اِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ 

تفسير الميزان ج۱۱

173
  • وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ} هو أول ما أنبأ في مصر نسبه و أنه من أهل بيت إبراهيم و إسحاق و يعقوب (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى اَلنَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل البيت سبيلا إلى أن نشرك به شيئا و منعنا من ذلك، ذلك المنع من فضل الله و نعمته علينا أهل البيت و على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى بل يكفرون به. 

  • و أما أنه تعالى جعلهم بحيث لا سبيل لهم إلى أن يشركوا به فليس جعل إجبار و إلجاء بل جعل تأييد و تسديد حيث أنعم عليهم بالنبوة و الرسالة و الله أعلم حيث يجعل الرسالة فاعتصموا بالله عن الشرك و دانوا بالتوحيد. 

  • و أما أن ذلك من فضل الله عليهم و على الناس فلأنهم أيدوا بالحق و هو أفضل الفضل و الناس في وسعهم أن يرجعوا إليهم فيفوزوا باتباعهم و يهتدوا بهداهم. 

  • و أما أن أكثر الناس لا يشكرون فلأنهم يكفرون بهذه النعمة و هي النبوة و الرسالة فلا يعبئون بها و لا يتبعون أهلها أو لأنهم يكفرون بنعمة التوحيد و يتخذون لله سبحانه شركاء من الملائكة و الجن و الإنس يعبدونهم من دون الله. 

  • هذا ما ذكره أكثر المفسرين في معنى الآية. 

  • و يبقى عليه شي‌ء و هو أن التوحيد و نفي الشركاء ليس مما يرجع فيه إلى بيان النبوة فإنه مما يستقل به العقل و تقضي به الفطرة فلا معنى لعده فضلا على الناس من جهة الاتباع بل هم و الأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد و شرع سواء و لو كفروا بالتوحيد فإنما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم اتباع الأنبياء. 

  • لكن يجب أن يعلم أنه كما أن من الواجب في عناية الله سبحانه أن يجهز نوع الإنسان ـ مضافا إلى إلهامه من طريق العقل الخيرَ و الشر و التقوى و الفجور ـ بما يدرك به أحكام دينه و قوانين شرعه و هو سبيل النبوة و الوحي، و قد تكرر توضيحه في أبحاثنا السابقة، كذلك من الواجب في عنايته أن يجهز أفرادا منه بنفوس طاهرة و قلوب سليمة مستقيمة على فطرتها الأصلية لازمة لتوحيده ممتنعة عن الشرك به يستبقي به أصل التوحيد عصرا بعد 

تفسير الميزان ج۱۱

174
  • عصر و يحيى به روح السعادة جيلا بعد جيل، و البرهان عليه هو البرهان على النبوة و الوحي فإن الواحد من الإنسان العادي لا يمتنع عليه الشرك و نسيان التوحيد، و الجائز على الواحد جائز على الجميع و في تلبس الجميع بالشرك فساد النوع في غايته و بطلان الغرض الإلهي في خلقته. 

  • فمن الواجب أن يكون في النوع رجال متلبسون بإخلاص التوحيد يقومون بأمره و يدافعون عنه و ينبهون الناس عن رقدة الغفلة و الجهالة بإلقاء حججه و بث شواهده و آياته، و بينهم و بين الناس رابطة التعليم و التعلم دون السوق و الاتباع. 

  • و هذه النفوس إن كانت فهي نفوس الأنبياء و الأئمة (عليه السلام)، و في خلقهم و بعثهم فضل من الله سبحانه عليهم بتعليم توحيده لهم، و على الناس بنصب من يذكرهم الحق الذي تقضي به فطرتهم و يدافع عن الحق تجاه غفلتهم و ضلالتهم؛ فإن اشتغال الناس بالأعمال المادية و مزاولتهم للأمور الحسية تجذبهم إلى اللذات الدنيوية و تحرضهم على الإخلاد إلى الأرض فتبعدهم عن المعنويات و تنسيهم ما في فطرهم من المعارف الإلهية، و لو لا رجال متألهون متولهون في الله الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار في كل برهة من الزمان لأحيطت الأرض بالعماء، و انقطع السبب الموصول بين الأرض و السماء، و بطلت غاية الخلقة، و ساخت الأرض بأهلها. 

  • و من هنا يظهر أن الحق أن تنزل الآية على هذه الحقيقة فيكون معنى الآية: لم يجعل لنا بتأييد من الله سبيل إلى أن نشرك بالله شيئا، ذلك (أي كوننا في أمن من الشرك) من فضل الله علينا لأنه الهدى الذي هو سعادة الإنسان و فوزه العظيم، و على الناس لأن في ذلك تذكيرهم إذا نسوا و تنبيههم إذا غفلوا، و تعليمهم إذا جهلوا، و تقويمهم إذا عوجوا و لكن أكثر الناس لا يشكرون الله بل يكفرون بهذا الفضل فلا يعبؤون به و لا يقبلون عليه بل يعرضون عنه. هذا. 

  • و ذكر بعضهم في معنى الآية: أن المشار إليه بقوله: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا} إلخ، هو العلم بتأويل الأحاديث. و هو كما ترى بعيد من سياق الآية. 

  • قوله تعالى: {يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} لفظة الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب و اختار أحد شيئين يتردد 

تفسير الميزان ج۱۱

175
  • بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه، فالخير منهما هو الذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبية فيتعين الأخذ به، فخير الفعلين هو المطلوب منهما الذي يتعين القيام به و خير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة الأخذ به كخير المالين من جهة التمتع به و خير الدارين من جهة سكناها و خير الإنسانين من جهة مصاحبته، و خير الرأيين من جهة الأخذ به، و خير الإلهين من جهة عبادته، و من هنا ذكر أهل الأدب أن الخير في الأصل «أخير» أفعل تفضيل، و الحقيقة أنه صفة مشبهة تفيد بحسب المادة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل في القياس. 

  • و بما مر يتبين أن قوله (عليه السلام): {أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} إلخ، مسوق لبيان الحجة على تعينه تعالى للعبادة إذا فرض تردد الأمر بينه و بين سائر الأرباب التي تدعى من دون الله، لا لبيان أنه تعالى هو الحق الموجود دون غيره من الأرباب أو أنه تعالى هو الإله الذي تنتهي إليه الأشياء بدءً و عودا دونها أو غير ذلك فإن الشي‌ء إنما يسمى خيرا من جهة طلبه و تعيينه بالأخذ به بنحو؛ فقوله (عليه السلام): أ هو خير أم سائر الأرباب يريد به السؤال عن تعين أحد الطرفين من جهة الأخذ به و الأخذ بالرب هو عبادته. 

  • ثم إنه (عليه السلام) سمى آلهتهم أربابا متفرقين لأنهم كانوا يعبدون الملائكة و هم عندهم صفات الله سبحانه أو تعينات ذاته المقدسة التي تستند إليها جهات الخير و السعادة في العالم فيفرقون بين الصفات بتنظيمها طولا و عرضا و يعبدون كلا بما يخصه من الشأن فهناك إله العلم و إله القدرة و إله السماء و إله الأرض و إله الحسن و إله الحب و إله الأمن و الخصب و غير ذلك، و يعبدون الجن و هم مبادئ الشر في العالم كالموت و الفناء و الفقر و القبح و الألم و الغم و غير ذلك، و يعبدون أفرادا كالكملين من الأولياء و الجبابرة من السلاطين و الملوك و غيرهم، و هم جميعا متفرقون من حيث أعيانهم و من حيث أصنامهم و التماثيل المتخذة لهم المنصوبة للتوجه بها إليهم. 

  • و قابل الأرباب المتفرقين بذكر الله عز اسمه و وصفه بالواحد القهار حيث قال: {أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} فالكلمة تفيد بحسب المعنى خلاف ما يفيده قوله: {أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ} لضرورة التقابل بين طرفي الترديد. 

  • فالله علَمٌ بالغلبة يراد به الذات المقدسة الإلهية التي هي حقيقة لا سبيل للبطلان إليه 

تفسير الميزان ج۱۱

176
  • و وجود لا يتطرق العدم و الفناء إليه، و الوجود الذي هذا شأنه لا يمكن أن يفرض له حد محدود و لا أمد ممدود لأن كل محدود فهو معدوم وراء حده، و الممدود باطل بعد أمده فهو تعالى ذات غير محدود و وجود غير متناه بحب [بحت]، و إذا كان كذلك لم يمكن أن يفرض له صفة خارجة عن ذاته مباينة لنفسه كما هو الحال في صفاته لتأدية هذه المغايرة إلى كونه تعالى محدودا غير موجود في ظرف الصفة و فاقرا لا يجد الصفة في ذاته، و لم يمكن أيضا فرض المغايرة و البينونة بين صفاته الذاتية كالحياة و العلم و القدرة لأن ذلك يؤدي إلى وجود حدود في داخل الذات لا يوجد ما في داخل حد في خارجه فيتغاير الذات و الصفات و يتكثر جميعا و يحد، و هذا كله مما اعترفت به الوثنية على ما بأيدينا من معارفهم. 

  • فمما لا يتطرق إليه الشك عند المثبتين لوجود الإله سبحانه ـ لو تفطنوا ـ أن الله سبحانه موجود في نفسه ثابت بذاته لا موجود بهذا النعت غيره، و أن ما له من صفات الكمال فهو عينه غير زائد عليه و لا بعض صفات كماله صفات زائد على بعض فهو علم و قدرة و حياة بعينه. 

  • فهو تعالى أحدي الذات و الصفات أي أنه واحد في وجوده بذاته ليس قباله شي‌ء إلا موجودا به لا مستقلا بالوجود و واحد في صفاته أي ليس هناك صفة له حقيقية إلا أن تكون عين الذات فهو الذي يقهر كل شي‌ء لا يقهره شي‌ء. 

  • و الإشارة إلى هذا كله هي التي دعته (عليه السلام) أن يصف الله سبحانه بالواحد القهار حيث قال: {أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} أي أنه تعالى واحد لكن لا واحد عددي إذا أضيف إليه آخر صار اثنين بل واحد لا يمكن أن يفرض قباله ذات إلا و هي موجودة به لا بنفسها و لا أن يفرض قباله صفة له إلا و هي عينه و إلا صارت باطلة كل ذلك لأنه بحث [بحت] غير محدود بحد و لا منته إلى نهاية. 

  • و قد تمت الحجة على الخصم منه (عليه السلام) في هذا السؤال بما وصف الأرباب بكونهم متفرقين، و إياه تعالى بالواحد القهار لأن كون ذاته المتعالية واحدا قهارا يبطل التفرقة؛ أي تفرقة مفروضة بين الذات و الصفات، فالذات عين الصفات و الصفات بعضها عين بعض فمن عبد الذات عبد الذات و الصفات و من عبد علمه فقد عبد ذاته، و إن عبد علمه و لم يعبد ذاته فلم يعبد لا علمه و لا ذاته و على هذا القياس. 

  • فإذا فرض تردد العبادة بين أرباب متفرقين و بين الله الواحد القهار تعالى و تقدس تعينت عبادته دونهم إذ لا يمكن فرض أرباب متفرقين و لا تفرقة في العبادة. 

تفسير الميزان ج۱۱

177
  • نعم يبقى هناك شي‌ء و هو الذي يعتمد عليه عامة الوثنية من أن الله سبحانه أجل و أرفع ذاتا من أن تحيط به عقولنا أو يناله أفهامنا فلا يمكننا التوجه إليه بعبادته و لا يسعنا التقرب منه بعبوديته و الخضوع له، و الذي يسعنا هو أن نتقرب بالعبادة إلى بعض مخلوقاته الشريفة التي هي مؤثرات في تدبير النظام العالمي حتى يقربونا منه و يشفعوا لنا عنده فأشار (عليه السلام) في الشطر الثاني من كلامه أعني قوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً} إلخ، إلى دفعه. 

  • قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} إلخ، بدأ (عليه السلام) بخطاب صاحبيه في السجن أولا ثم عمم الخطاب للجميع لأن الحكم مشترك بينهما و بين غيرهما من عبدة الأوثان. 

  • و نفي العبادة إلا عن الأسماء كناية عن أنه لا مسميات وراء هذه الأسماء، فتقع العبادة في مقابل الأسماء كلفظة إله السماء و إله الأرض و إله البحر و إله البر و الأب و الأم و ابن الإله و نظائر ذلك. 

  • و قد أكد كون هذه الأسماء ليس وراءها مسميات بقوله: {أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ} فإنه في معنى الحصر أي لم يضع هذه الأسامي أحد غيركم بل أنتم و آباؤكم وضعتموها، ثم أكده ثانيا بقوله: {مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} و السلطان هو البرهان لتسلطه على العقول، أي ما أنزل الله بهذه الأسماء أو بهذه التسمية من برهان يدل على أن لها مسميات وراءها، و حينئذ كان يثبت لها الألوهية أي المعبودية فصحت عبادتكم لها. 

  • و من الجائز أن يكون ضمير {بِهَا} عائدا إلى العبادة أي ما أنزل الله حجة على عبادتها بأن يثبت لها شفاعة و استقلالا في التأثير حتى تصح عبادتها و التوجه إليها فإن الأمر إلى الله على كل حال. و إليه أشار بقوله بعده: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}

  • و هو أعني قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} مما لا ريب فيه البتة إذ الحكم في أمرٍ ما لا يستقيم إلا ممن يملك تمام التصرف، و لا مالك للتصرف و التدبير في أمور العالم و تربية العباد حقيقة إلا الله سبحانه فلا حكم بحقيقة المعنى إلا له. 

تفسير الميزان ج۱۱

178
  • و هو أعني قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} مفيد فيما قبله و ما بعده صالح لتعليلهما معا، أما فائدته في قوله قبل: {مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} فقد ظهرت آنفا، و أما فائدته في قوله بعد: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} فلأنه متضمن لجانب إثبات الحكم كما أن قوله قبل: {مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} متضمن لجانب السلب، و حكمه تعالى نافذ في الجانبين معا فكأنه لما قيل: {مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} قيل: «فما ذا حكم به في أمر العبادة» فقيل: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} و لذلك جي‌ء بالفعل. 

  • و معنى الآية - و الله أعلم - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء خالية عن المسميات لم يضعها إلا أنتم و آباؤكم من غير أن ينزل الله سبحانه من عنده برهانا يدل على أن لها شفاعة عند الله أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتى يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرها. 

  • و أما قوله: {ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فيشير به إلى ما ذكره من توحيد الله و نفي الشريك عنه، و القيم‌ هو القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل و المتضعضع، و المعنى أن دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع و سوقه إلى منزل السعادة، و الدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي و الحقية من غير بطلان، و لكن أكثر الناس لأنسهم بالحس و المحسوس و انهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة القلب و استقامة العقل لا يعلمون ذلك، و إنما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة معرضون. 

  • أما أن التوحيد دين فيه الرشد و مطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه (عليه السلام) من البرهان، و أما أنه هو القوي على إدارة المجتمع الإنساني فلأن هذا النوع إنما يسعد في مسير حياته إذا بنى سنن حياته و أحكام معاشه على مبنى حق مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبني باطل خرافي لا يعتمد على أصل ثابت. 

  • فقد بان من جميع ما تقدم أن الآيتين جميعا أعني قوله: {يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ} إلى قوله {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} برهان واحد على توحيد العبادة، محصله أن عبادة المعبود: إن كانت لألوهيته في نفسه و وجوب وجوده بذاته، فالله سبحانه في وجوده واحد قهار لا يتصور له ثان و لا مع تأثيره مؤثر آخر فلا معنى لتعدد الآلهة، و إن كانت لكون آلهة 

تفسير الميزان ج۱۱

179
  • غير الله شركاء له شفعاء عنده، فلا دليل على ثبوت الشفاعة لهم من قبل الله سبحانه بل الدليل على خلافه فإن الله حكم من طريق العقل و بلسان أنبيائه أن لا يعبد إلا هو. 

  • و بذلك يظهر فساد ما أورده البيضاوي في تفسيره تبعا للكشاف أن الآيتين تتضمنان دليلين على التوحيد فما في الأولى و هو قوله: {أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} دليل خطابي، و ما في الثانية و هو قوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً} إلخ، برهان تام. 

  • قال البيضاوي: و هذا من التدرج في الدعوة و إلزام الحجة؛ بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة و يعبدونها لا تستحق الإلهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات و إما بالغير و كلا القسمين منتف عنهما ثم نص على ما هو الحق القويم و الدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره و لا يرتضي العلم دونه. انتهى. 

  • و لعل الذي حداه إلى ذلك ما في الآية الأولى من لفظة الخير فاستظهر منه الرجحان الخطابي، و قد فاته ما فيها من قيد {اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} و قد عرفت تقرير ما تتضمنه الآيتان من البرهان، و أن الذي ذكره من معنى الآية الثانية هو مدلول مجموع الآيتين دون الثانية فحسب. 

  • و ربما يقرر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخصه: أن الله الواحد الذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرقة التي تفعل في الكون و يسوقها على تلائم آثارها المتفرقة المتنوعة بعضها مع بعض حتى ينتظم منها نظام واحد غير متناقض الأطراف كما هو المشهود من وحدة النظام و توافق الأسباب خير من أرباب متفرقين تترشح منها لتفرقها و مضادتها أنظمة مختلفة و تدابير متضادة تؤدي إلى انفصام وحدة النظام الكوني و فساد التدبير الواحد العمومي. 

  • ثم الآلهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمياتها في الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل و لا من جانب النقل لأن العقل لا يدل إلا على التوحيد و الأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي إلا بأن لا يعبد إلا الله وحده. انتهى. 

  • و هذا التقرير - كما ترى - ينزل الآية الأولى على معنى قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا 

تفسير الميزان ج۱۱

180
  • آلِهَةٌ إِلاَّ اَللَّهُ لَفَسَدَتَا} الأنبياء: ٢٢، و يعمم الآية الثانية على نفي ألوهية آلهة إلا الله بذاتها و نفي ألوهيتها من جهة إذن الله في شفاعتها. 

  • و يرد عليه أولا: أن فيه تقييدا لإطلاق قوله: {اَلْقَهَّارُ} من غير مقيد فإن الله سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كل شي‌ء في ذاته و صفته و آثاره فلا ثاني له في وجوده و لا ثاني له في استقلاله في نفسه و في تأثيره فلا يتأتى مع وحدته القاهرة على الإطلاق أن يفرض شي‌ء يستقل عنه في وجوده، و لا أمر يستقل عنه في أمره، و الإله الذي يفرض دونه إما مستقل عنه في ذاته و آثار ذاته جميعا و إما مستقل عنه في آثار ذاته فحسب، و كلا الأمرين محال كما ظهر. 

  • و ثانيا: أن فيه تعميما لخصوص الآية الثانية من غير معمم فإن الآية كما عرفت تنيط كونها آلهة بإذن الله و حكمه كما هو ظاهر قوله: {مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} إلخ، و من الواضح أن هذه الألوهية المنوطة بإذنه تعالى و حكمه ألوهية شفاعة لا ألوهية ذاتية أي ألوهية بالغير لا ما هو أعم من الألوهية بالذات و بالغير جميعا. 

  • قوله تعالى: {يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا اَلْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} معنى الآية ظاهر، و قرينة المناسبة قاضية بأن قوله: {أَمَّا أَحَدُكُمَا} إلخ، تأويل رؤيا من قال منهما: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} و قوله: {وَ أَمَّا اَلْآخَرُ} إلخ، تأويل لرؤيا الآخر. 

  • و قوله: {قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا و لعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب و أكل الطير من رأسه، و يتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن الثاني من الصاحبين قال له: إني كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال (عليه السلام): {قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} أي إن التأويل الذي استفتيتما فيه مقضي مقطوع لا مناص عنه. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ اَلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي اَلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} الضمائر في قوله: {قَالَ} و {ظَنَّ} و {فَلَبِثَ} راجعة إلى يوسف أي قال يوسف للذي ظن هو أنه سينجو منهما: اذكرني عند ربك بما يثير رحمته لعله يخرجني من السجن. 

تفسير الميزان ج۱۱

181
  • و إطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضي المقطوع به و تصريحه بأن ربه علمه تأويل الأحاديث لعله من إطلاق الظن على مطلق الاعتقاد و له نظائر في القرآن كقوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ} البقرة: ٤٦. 

  • و أما قول بعضهم: إن إطلاق الظن على اعتقاده يدل على أنه إنما أول ما أول عن اجتهاد منه. يفسده ما قدمنا الإشارة إليه أنه صرح لهما بعلمه في قوله: {قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} و الله سبحانه أيد ذلك بقوله: {وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ} و هذا ينافي الاجتهاد الظني. 

  • و قد احتمل أن يكون ضمير {ظَنَّ} راجعا إلى الموصول أي قال يوسف لصاحبه الذي ظن ذلك الصاحب أنه ناج منهما. و هذا المعنى لا بأس به إن ساعده السياق. 

  • و قوله: {فَأَنْسَاهُ اَلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} إلخ، الضميران راجعان إلى «الذي» أي فأنسى الشيطان صاحبه الناجي أن يذكره لربه أو عند ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين و البضع ما دون العشرة فإضافة الذكر إلى ربه من قبيل إضافة المصدر إلى معموله المعدى إليه بالحرف أو إلى المظروف بنوع من الملابسة. 

  • و أما إرجاع الضميرين إلى يوسف حتى يفيد أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله سبحانه فتعلق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع سنين كما ذكره بعضهم و ربما نسب إلى الرواية. 

  • فمما يخالف نص الكتاب فإن الله سبحانه نص على كونه (عليه السلام) من المخلصين و نص على أن المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافا إلى ما أثنى الله عليه في هذه السورة. 

  • و الإخلاص لله لا يستوجب ترك التوسل بالأسباب فإن ذلك من أعظم الجهل لكونه طمعا فيما لا مطمع فيه بل إنما يوجب ترك الثقة بها و الاعتماد عليها و ليس في قوله: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} ما يشعر بذلك البتة. 

  • على أن قوله تعالى بعد آيتين: {وَ قَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَ اِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} إلخ، قرينة صالحة على أن الناسي هو الساقي دون يوسف. 

تفسير الميزان ج۱۱

182
  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا اَلْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} فالآيات شهادة الصبي و القميص المخرق من دبر و استباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه. 

  • و دخل معه السجن فتيان يقول: عبدان للملك أحدهما خباز و الآخر صاحب الشراب، و الذي كذب و لم ير المنام هو الخباز. 

  • و ذكر الحديث علي بن إبراهيم القمي قال: و وكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه فلما دخل السجن قالوا له: ما صناعتك؟ قال: أعبر الرؤيا. فرأى أحد الموكلين في منامه كما قال يعصر خمرا. قال يوسف: تخرج و تصير على شراب الملك و ترتفع منزلتك عنده، و قال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، و لم يكن رأى ذلك فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك و يصلبك و تأكل الطير من رأسك، فضحك الرجل و قال: إني لم أر ذلك فقال يوسف كما حكى الله: {يَا صَاحِبَيِ اَلسِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا اَلْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}

  • فقال أبو عبد الله (عليه السلام) في قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ} قال: كان يقوم على المريض، و يلتمس للمحتاج، و يوسع على المحبوس فلما أراد من يرى في نومه يعصر خمرا الخروج من الحبس قال له يوسف: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} فكان كما قال الله: {فَأَنْسَاهُ اَلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}

  • أقول: و في الرواية اضطراب لفظي، و ظاهرها أن صاحبيه في السجن لم يكونا مسجونين و إنما كانا موكلين عليه من قبل الملك، و لا يلائم ذلك ظاهر قوله تعالى: {وَ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} و قوله: {قَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا}

تفسير الميزان ج۱۱

183
  • و في تفسير العياشي، عن سماعة :عن قول الله: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} قال: هو العزيز. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات و ابن جرير و الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) : لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى. 

  • أقول: و رواه عن ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم)، و لفظه: «رحم الله يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن طول ما لبث» و روي مثله عن عكرمة و الحسن و غيرهما. 

  • و روى ما في معناه العياشي في تفسيره، عن طربال و عن ابن أبي يعقوب و عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و لفظ الأخير قال: قال الله ليوسف: أ لست الذي حببتك إلى أبيك و فضلتك على الناس بالحسن؟ أ و لست الذي سقت إليك السيارة فأنقذتك و أخرجتك من الجب؟ أ و لست الذي صرفت عنك كيد النسوة؟ فما حملك على أن ترفع رعية أو تدعو مخلوقا هو دوني؟ فالبث لما قلت بضع سنين‌، و قد تقدم أن هذه و أمثالها روايات تخالف نص الكتاب. 

  • و مثلها ما في الدر المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عباس قال: عثر يوسف (عليه السلام) ثلاث عثرات: قوله: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} و قوله لإخوته: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} و قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} فقال له جبرئيل: و لا حين هممت؟ فقال: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} و في الرواية نسبة الفرية و الكذب الصريح إلى الصديق (عليه السلام). 

  • و في بعض هذه الروايات أن عثراته الثلاث هي همه بها، و قوله: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}، و قوله: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}. و الله سبحانه يبرئه من هذه المفتريات بنص كتابه. 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٤٣ الی ٥٧]

  • {وَ قَالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى‌ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ

تفسير الميزان ج۱۱

184
  • وَ سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ٤٣ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَ مَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ٤٤ وَ قَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَ اِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ٤٥ يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى اَلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ٤٦ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ٤٧ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ٤٨ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩ وَ قَالَ اَلْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ اَلرَّسُولُ قَالَ اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ٥٠قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ ٥١ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ ٥٢ وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥٣ وَ قَالَ اَلْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ٥٤ قَالَ اِجْعَلْنِي عَلى‌ خَزَائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ٥٥ وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لاَ نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَ لَأَجْرُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ ٥٧} 

تفسير الميزان ج۱۱

185
  • (بيان) 

  • تتضمن الآيات قصة خروجه (عليه السلام) من السجن و نيله عزة مصر و الأسباب المؤدية إلى ذلك، و فيها تحقيق الملك ثانيا في اتهامه و ظهور براءته التام. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى‌ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} إلى آخر الآية. رؤيا للملك يخبر بها الملأ و الدليل عليه قوله: {يَا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَايَ} و قوله: {إِنِّي أَرى‌} حكاية حال ماضية، و من المحتمل أنها كانت رؤيا متكررة كما يحتمل مثله في قوله سابقا: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ} إلخ. 

  • و السمان‌ جمع سمينة و العجاف‌ جمع عجفاء بمعنى المهزولة، قال في المجمع: و لا يجمع فعلاء على فعال غير العجفاء على عجاف و القياس في جمعه العجف بضم العين و سكون الجيم كالحمراء و الخضراء و البيضاء على حمر و خضر و بيض، و قال غيره: إن ذلك من قبيل الاتباع و الجمع القياسي عجف. 

  • و الإفتاء إفعال من الفتوى و الفتيا، قال في المجمع: الفتيا الجواب عن حكم المعنى و قد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يكون فتيا انتهى. 

  • و قوله: {تَعْبُرُونَ} من العبر و هو بيان تأويل الرؤيا و قد يسمى تعبيرا، و هو على 

تفسير الميزان ج۱۱

186
  • أي حال مأخوذ من عبور النهر و نحوه كان العابر يعبر من الرؤيا إلى ما وراءها من التأويل، و هو حقيقة الأمر التي تمثلت لصاحب الرؤيا في صورة خاصة مألوفة له. 

  • قال في الكشاف، في قوله: {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} إلخ، فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع سمان صفة للمميز و هو بقرات دون المميز و هو سبع و إن يقال: سبع بقرات سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى أن تميز السبع بنوع من البقرات و هي السمان منهن لا بجنسهن، و لو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن. 

  • فإن قلت: هلا قيل: سبع عجاف على الإضافة؟ قلت: التمييز موضوع لبيان الجنس و العجاف وصف لا يقع البيان به وحده فإن قلت: فقد يقال: ثلاثة فرسان و خمسة أصحاب قلت: الفارس و الصاحب و الراكب و نحوها صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها و جاز فيها ما لم يجز في غيرها، أ لا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام و أربعة غلاظ. انتهى. 

  • و قال أيضا: فإن قلت: هل في الآية دليل على أن السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر؟ قلت: الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان و العجاف و السنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الآخر السبع، و يكون قوله: {وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ} بمعنى و سبعا أخر. فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله: {وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ} على {سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ} فيكون مجرور المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافع و هو أن عطفها على سنبلات خضر يقتضي أن يدخل في حكمها فيكون معها مميزا للسبع المذكورة، و لفظ الأخر يقتضي أن يكون غير السبع بيانه أنك تقول: عندي سبعة رجال قيام و قعود بالجر فيصح لأنك ميزت السبعة برجال موصوفين بقيام و قعود على أن بعضهم قيام و بعضهم قعود فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام و آخرين قعود تدافع ففسد. انتهى، و كلامه على اشتماله على نكتة لطيفة لا ينتج أزيد من الظن بكون السنبلات اليابسات سبعا كغيرها أما وجوب الدلالة من الكلام فلا البتة. 

  • و معنى الآية: و قال ملك مصر لملئه إني أرى في منامي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات مهازيل و أرى سبع سنبلات خضر و سنبلات أخر يابسات يا أيها الملأ بينوا 

تفسير الميزان ج۱۱

187
  •  لي ما عندكم من حكم رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَ مَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} الأحلام‌ جمع حلم بضمتين و قد يسكن وسطه هو ما يراه النائم في منامه و كان الأصل في معناه ما يتصور للإنسان من داخل نفسه من غير توصله إليه بالحس، و منه تسمية العقل حلما لأنه استقامة التفكر، و منه أيضا الحلم لزمان البلوغ قال تعالى. {وَ إِذَا بَلَغَ اَلْأَطْفَالُ مِنْكُمُ اَلْحُلُمَ} النور: ٥٩ أي زمان البلوغ، بلوغ العقل، و منه الحلم‌ بكسر الحاء بمعنى الأناءة ضد الطيش و هو ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب و عدم المعاجلة في العقوبة فإنه إنما يكون عن استقامة التفكر. و ذكر الراغب: أن الأصل في معناه الحلم بكسر الحاء، و لا يخلو من تكلف. 

  • و قال الراغب: الضغث‌ قبضة ريحان أو حشيش أو قضبان و جمعه أضغاث، قال تعالى: {وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} و به شبه الأحلام المختلفة التي لا تتبين حقائقها {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} حزم أخلاط من الأحلام انتهى. 

  • و تسمية الرؤيا الواحدة بأضغاث الأحلام كأنه بعناية دعوى كونها صورا متفرقة مختلطة مجتمعة من رؤي مختلفة لكل واحد منها تأويل على حدة فإذا اجتمعت و اختلطت عسر للمعبر الوقوف على تأويلها، و الإنسان كثيرا ما ينتقل في نومة واحدة من رؤيا إلى أخرى و منهما إلى ثالثة و هكذا فإذا اختلطت أبعاضها كانت أضغاث أحلام و امتنع الوقوف على حقيقتها و يدل على ما ذكرنا من العناية التعبير بأضغاث أحلام بتنكير المضاف و المضاف إليه معا كما لا يخفى. 

  • على أن الآية أعني قوله: {وَ قَالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى‌} إلخ، غير صريحة في كونه رؤيا واحدة و في التوراة أنه رأى البقرات السمان و العجاف في رؤيا و السنبلات الخضر و اليابسات في رؤيا أخرى. 

  • و قوله: {وَ مَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} إن كان الألف و اللام للعهد فالمعنى و ما نحن بتأويل هذه المنامات التي هي أضغاث أحلام بعالمين. و إن كان لغير العهد و الجمع المحلى باللام يفيد العموم فالمعنى و ما نحن بتأويل جميع المنامات بعالمين و إنما نعبر غير أضغاث الأحلام منها، و على أي حال لا تدافع بين عدهم رؤياه أضغاث أحلام و بين نفيهم 

تفسير الميزان ج۱۱

188
  • العلم بتأويل الأحلام عن أنفسهم، و لو كان المراد بالأحلام الأحلام الصحيحة فحسب كان كل من شطري كلامهم يغني عن الآخر. 

  • و معنى الآية قالوا أي قال الملأ للملك: ما رأيته أضغاث أحلام و أخلاط من منامات مختلفة و ما نحن بتأويل هذا النوع من المنامات بعالمين أو و ما نحن بتأويل جميع المنامات بعالمين و إنما نعلم تأويل الرؤى الصالحة. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَ اِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} الأمة الجماعة التي تقصد لشأن و يغلب استعمالها في الإنسان، و المراد بها هاهنا الجماعة من السنين و هي المدة التي نسي فيها هذا القائل و هو ساقي الملك أن يذكر يوسف عند ربه و قد سأله يوسف ذلك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين. 

  • و المعنى: و قال الذي نجا من السجن من صاحبي يوسف فيه و ادكر بعد جماعة من السنين ما سأله يوسف في السجن حين أول رؤياه: أنا أنبئكم بتأويل ما رآه الملك في منامه فأرسلوني إلى يوسف في السجن حتى أخبركم بتأويل ذلك. 

  • و خطاب الجمع في قوله: {أُنَبِّئُكُمْ} و قوله {فَأَرْسِلُونِ} تشريك لمن حضر مع الملك و هم الملأ من أركان الدولة و أعضاد المملكة الذين يلون أمور الناس، و الدليل عليه قوله الآتي: {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى اَلنَّاسِ} كما سيأتي. 

  • قوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} إلى آخر الآية، في الكلام حذف و تقدير إيجازا، و التقدير: فأرسلوه فجاء إلى يوسف في السجن فقال: يا يوسف أيها الصديق أفتنا في رؤيا الملك و ذكر الرؤيا و ذكر أن الناس في انتظار تأويله و هذا الأسلوب من لطائف أساليب القرآن الكريم. 

  • سمى يوسف صديقا و هو كثير الصدق المبالغ فيه لما كان رأى من صدقه فيما عبر به منامه و منام صاحبه في السجن و أمور أخرى شاهدها من فعله و قوله في السجن، و قد أمضى الله سبحانه كونه صديقا بنقله ذلك من غير رد. 

  • و قد ذكر متن الرؤيا من غير أن يصرح أنه رؤيا فقال: {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ} لأن قوله: {أَفْتِنَا} 

تفسير الميزان ج۱۱

189
  • و هو سؤال الحكم الذي يؤدي إليه نظره، و كون المعهود فيما بينه و بين يوسف تأويل الرؤيا، و كذا ذيل الكلام يدل على ذلك و يكشف عنه. 

  • و قوله: {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى اَلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} لعل الأول تعليل لقوله: {أَفْتِنَا} و لعل الثاني تعليل لقوله {أَرْجِعُ} و المراد أفتنا في أمر هذه الرؤيا ففي إفتائك رجاء أن أرجع به إلى الناس و أخبرهم بها و في رجوعي إليهم رجاء أن يعلموا به فيخرجوا به من الحيرة و الجهالة. 

  • و من هنا يظهر أن قوله: {أَرْجِعُ} في معنى أرجع بذلك فمن المعلوم أنه لو أفتى فيه فرجع المستفتي إلى الناس كان رجوعه رجوع عالم بتأويله خبير بحكمه فرجوعه عندئذ إليهم رجوع بمصاحبة ما ألقي إليه من التأويل فافهم ذلك. 

  • و في قوله أولا: {أَفْتِنَا} و ثانيا: {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى اَلنَّاسِ} دلالة على أنه كان يستفتيه بالرسالة عن الملك و الملأ و لم يكن يسأله لنفسه حتى يعلمه ثم يخبرهم به بل ليحمله إليهم و لذلك لم يخصه يوسف بالخطاب بل عم الخطاب له و لغيره فقال: {تَزْرَعُونَ} إلخ. 

  • و في قوله: {إِلَى اَلنَّاسِ} إشعار أو دلالة على أن الناس كانوا في انتظار أن يرتفع بتأويله حيرتهم، و ليس إلا أن الملأ كانوا هم أولياء أمور الناس و خيرتهم في الأمر خيرة الناس أو أن الناس أنفسهم كانوا على هذا الحال لتعلقهم بالملك و اهتمامهم برؤياه لأن الرؤيا ناظرة غالبا إلى ما يهتم به الإنسان من شئون الحياة و الملوك إنما يهتمون بشئون المملكة و أمور الرعية. 

  • قوله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ} قال الراغب: الدأب‌ إدامة السير دأب في السير دأبا قال تعالى: {وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} و الدأب العادة المستمرة دائما على حاله قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كعادتهم التي يستمرون عليها. انتهى و عليه فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد و اجتهاد، و يمكن أن يكون حالا أي تزرعون دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه. 

  • ذكروا أن {تَزْرَعُونَ} خبر في معنى الإنشاء، و كثيرا ما يؤتى بالأمر في صورة الخبر مبالغة في وجوب الامتثال كأنه واقع يخبر عنه كقوله تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ 

تفسير الميزان ج۱۱

190
  •  وَ تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ} الصف: ١١، و الدليل عليه قوله بعد: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ}، قيل: و إنما أمر بوضعه و تركه في سنبله لأن السنبل لا يقع فيه سوس و لا يهلك و إن بقي مدة من الزمان، و إذا ديس و صفي أسرع إليه الهلاك. 

  • و المعنى: ازرعوا سبع سنين متواليات فما حصدتم فذروه في سنبله لئلا يهلك و احفظوه كذلك إلا قليلا و هو ما تأكلون في هذه السنين. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ} الشداد جمع شديد من الشدة بمعنى الصعوبة لما في سني الجدب و المجاعة من الصعوبة و الحرج على الناس أو هو من شد عليه إذا كر، و هذا أنسب لما بعده من توصيفها بقوله: {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ}

  • و عليه فالكلام يشتمل على تمثيل لطيف كان هذه السنين سباع ضارية تكر على الناس لافتراسهم و أكلهم فيقدمون إليها ما ادخروه عندهم من الطعام فتأكله و تنصرف عنهم. 

  • و الإحصان‌ الإحراز و الادخار، و المعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السنين الخصبة سبع سنين شداد يشددن عليكم يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحرزون و تدخرون. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} يقال: غاثه‌ الله و أغاثه أي نصره، و يغيثه بفتح الياء و ضمها أي ينصره و هو من الغوث‌ بمعنى النصرة و غاثهم الله يغيثهم من الغيث‌ و هو المطر، فقوله: {فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ} إن كان من الغوث كان معناه: ينصرون فيه من قبل الله سبحانه بكشف الكربة و رفع الجدب و المجاعة و إنزال النعمة و البركة، و إن كان من الغيث كان معناه: يمطرون فيرتفع الجدب من بينهم. 

  • و هذا المعنى الثاني أنسب بالنظر إلى قوله بعده: {وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} و لا يصغي إلى قول من يدعي: أن المعنى الأول هو المتبادر من سياق الآية إلا على قراءة {يَعْصِرُونَ} بالبناء للمجهول و معناه يمطرون. 

  • و ما أورده بعض المستشرقين على المعنى الثاني أنه لا ينطبق على مورد الآية فإن 

تفسير الميزان ج۱۱

191
  • خصب مصر إنما يكون بفيضان النيل لا بالمطر فالأمطار لا تؤثر فيها أثرا. 

  • رد عليه بأن الفيضان نفسه لا يكون إلا بالمطر الذي يمده في مجاريه من بلاد السودان. 

  • على أن من الجائز أن يكون {يُغَاثُ} مأخوذا من الغيث بمعنى النبات، قال في لسان العرب: و الغيث‌ الكلاء ينبت من ماء السماء انتهى، و هذا أنسب من المعنيين السابقين بالنظر إلى قوله: {وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ}

  • و قوله: {وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} من العصر و هو إخراج ما في الشي‌ء من ماء أو دهن بالضغط كإخراج ماء العنب و التمر للدبس و غيره و إخراج دهن الزيت و السمسم للائتدام و الاستصباح و غيرهما، و يمكن أن يراد بالعصر الحلب أي يحلبون ضروع أنعامهم كما فسره بعضهم به. 

  • و المعنى ثم يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السبع الشداد عام فيه تنبت أراضيهم - أو يمطرون أو ينصرون - و فيه يتخذون الأشربة و الأدهنة من الفواكه و البقول أو يحلبون ضروع أنعامهم. و فيه كناية عن توفر النعمة عليهم و على أنعامهم و مواشيهم. 

  • قال البيضاوي في تفسيره: و هذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان و السنبلات الخضر بسنين مخصبة، و العجاف و اليابسات بسنين مجدبة، و ابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، و لعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب أو بأن السنة الإلهية أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم. انتهى و ذكر غيره نحوا مما ذكره. 

  • و قال صاحب المنار في تفسيره، في الآية: و المراد أن هذا العام عظيم الخصب و الإقبال يكون للناس فيه كل ما يبغون من النعمة و الإتراف، و الإنباء بهذا زائد على تأويل الرؤيا لجواز أن يكون العام الأول بعد سني الشدة و الجدب دون ذلك فهذا التخصيص و التفصيل لم يعرفه يوسف إلا بوحي من الله عز و جل لا مقابل له في رؤيا الملك و لا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. انتهى. 

  • و الذي أرى أنهم سلكوا تفسير آيات الرؤيا و تأويلها سبيل المساهلة و المسامحة و ذلك أنا إذا تدبرنا في كلامه (عليه السلام) في التأويل أعني قوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ 

تفسير الميزان ج۱۱

192
  •  فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ} وجدناه (عليه السلام) لم يبن كلامه على أساس إخبارهم بما سيستقبلهم من السنين السبع المخصبة ثم السنين السبع المجدبة، و لو أنه أراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقول مثلا: يأتي عليكم سبع مخصبات ثم يأتي من بعدها سبع شداد يذهبن بما عندكم من الذخائر ثم إذا سئل عن دفع هذه المخمصة و طريق النجاة من هذه المهلكة العامة، قال: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} إلى آخر ما قال. 

  • بل بنى كلامه على ذكر ما يجب عليهم من العمل و بين أن أمره بذلك توطئة و تقدمة للتخلص عما يهددهم من المجاعة و المخمصة و هو ظاهر، و هذا دليل على أن الذي رآه الملك من الرؤيا إنما كان مثال ما يجب عليه من اتخاذ التدبير لإلجاء الناس من مصيبة الجدب، و إشارة إلى ما هو وظيفته قبال مسئوليته في أمر رعيته و هو أن يسمن بقرات سبعا لتأكلهن بقرات مهازيل ستشد عليهم و يحفظ السنابل الخضر السبع بعد ما يبست على حالها من غير دوس و تصفية لذلك. 

  • فكأن نفس الملك شاهدت في المنام ما يجب عليه من العمل قبال ما يهدد الأرض من سنة الجدب فحكت السنين المخصبة و المجدبة أي الرزق الذي يرتزقون به فيها في صورة البقرة ثم حكت ما في السبع الأول من تكثير المحصول بزرعها دأبا في صورة السمن و ما في السبع الآخر في صورة الهزال، و حكت نفاد ما ادخروه في السبع الأولى في السبع الثانية بأكل العجاف للسمان، و حكت ما يجب عليهم في حفظ ذخائر الرزق بالسنبلات اليابسة قبال السنبلات الخضر. 

  • و لم يزد يوسف (عليه السلام) في تأويله على ذلك شيئا إلا أمورا ثلاثة: 

  • أحدها ما استثناه بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ} و ليس جزء من التأويل و إنما هو إباحة و بيان لمقدار التصرف الجائز فيما يجب أن يذروه في سنبله. 

  • و ثانيها: قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ} و هو الذي يجب أن يدخروه للعام الذي فيه يغاث الناس و فيه يعصرون ليتخذ بذرا و مددا احتياطيا، و كأنه (عليه السلام) أخذه من قوله في حكاية الرؤيا: {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} حيث لم يقل: أكلتهن بل عبر عن اشتغالهن بأكلهن و لما يفنيهن بأكل كلهن و لو كانت ذخائرهم تنفد في السنين السبع الشداد 

تفسير الميزان ج۱۱

193
  • لرأى أنهن أكلتهن عن آخرهن. 

  • و ثالثها: قوله: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} و الظاهر أنه (عليه السلام) استفاده من عدد السبع الذي تكرر في البقرات السمان و العجاف و السنبلات الخضر، و قوله: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ} و إن كان إخبارا صورة عن المستقبل لكنه كناية عن أن هذا العام الذي سيستقبلهم بعد مضي السبع الشداد في غنى عن اجتهادهم في أمر الزرع و الادخار، و لا تكليف فيه يتوجه إليهم بالنسبة إلى أرزاق الناس. 

  • و لعله لهذه الثلاثة غير السياق فقال: {فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} و لم يقل: فيه تغاثون و فيه تعصرون بالجري على نحو الخطاب في الآيتين السابقتين ففيه إشارة إلى أن الناس في هذا العام في غنى عن اجتهادكم في أمر معاشهم و تصديكم لإدارة أرزاقهم بل يغاثون و يعصرون لنزول النعمة و البركة في سنة مخصبة. 

  • و من هنا يظهر اندفاع ما ذكره صاحب المنار، في كلامه المتقدم أن هذا التخصيص لم يعرفه يوسف (عليه السلام) إلا بوحي من الله لا مقابل له في رؤيا الملك و لا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. انتهى. 

  • فإن تبدل سني الجدب بسنة الخصب مما يستفاد من الرؤيا بلا ريب فيه، و أما ما ذكره من كون هذه السنة ذات مزية بالنسبة إلى سائر سني الخصب تزيد عليها في وفور الرزق فلا دليل عليها من جهة اللفظ البتة. 

  • و مما ذكرنا أيضا تظهر النكتة في ترك توصيف السنبلات اليابسات في الآية بالسبع حيث قيل: {وَ سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ} حيث عرفت أن الرؤيا لا تجلي نفس حادثة الخصب و الجدب، و إنما تجلي ما هو التكليف العملي قبال الحادثة فيكون توصيف السنابل اليابسة بالسبع مستدركا مستغنى عنه بخلاف ما لو كان ذلك إشارة إلى نفس السنين المجدبة فافهم ذلك. 

  • و مما تقدم يظهر أيضا أن الأنسب أن يكون المراد بقوله: {يُغَاثُ} و قوله: {يَعْصِرُونَ} الإمطار أو إعشاب الكلاء و حلب المواشي لأن ذلك هو المناسب لما رآه في 

تفسير الميزان ج۱۱

194
  • منامه من البقرات السبع سمانا و عجافا فإن هذا هو المعهود، و منه يظهر وجه تخصيص الغيث و العصر بالذكر في هذه الآية، و الله أعلم. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ اَلرَّسُولُ قَالَ اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} في الكلام حذف و إضمار إيجازا، و التقدير - على ما يدل عليه السياق و الاعتبار بطبيعة الأحوال - و جاء الرسول و هو الساقي فنبأهم بما ذكره يوسف من تأويل الرؤيا و قال الملك بعد ما سمعه: ائتوني به. 

  • و ظاهر أن الذي أنبأهم به من جدب سبع سنين متوالية كان أمرا عظيما، و الذي أشار إليه من الرأي البين الصواب أعظم منه و أغرب عند الملك المهتم بأمر أمته المعتني بشئون مملكته، و قد أفزعه ما سمع و أدهشه، و لذلك أمر بإحضاره ليكلمه و يتبصر بما يقوله مزيد تبصر، و يشهد بهذا ما حكاه الله تعالى من تكليمه إياه بقوله: {فَلَمَّا جَاءَهُ} و {كَلَّمَهُ} إلخ. 

  • و لم يكن أمره بإتيانه به إشخاصا له بل إطلاقا من السجن و إشخاصا للتكليم و، لو كان إشخاصا و إحضارا لمسجون يعود إلى السجن بعد التكليم لم يكن ليوسف (عليه السلام) أن يستنكف عن الحضور بل أجبر عليه إجبارا بل كان إحضارا عن عفو و إطلاق فوسعه أن يأتي الحضور و يسأله أن يقضي فيه بالحق، و كانت نتيجة هذا الإباء و السؤال أن يقول الملك ثانيا: ائتوني به أستخلصه لنفسي بعد ما قال أولا: ائتوني به. 

  • و قد راعى (عليه السلام) أدبا بارعا في قوله للرسول: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فلم يذكر امرأة العزيز بما يسوؤه و ليس يريد إلا أن يقضي بينه و بينها، و إنما أشار إلى النسوة اللاتي راودنه، و لم يذكرهن أيضا بسوء إلا بأمر يظهر بالتحقيق فيه براءته و لا براءته من مراودة امرأة العزيز بل نزاهته من أي مراودة و فحشاء تنسب إليه فقد كان بلاؤه عظيما. 

  • و لم يذكرهن بشي‌ء من المكروه إلا ما في قوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} و ليس إلا نوعا من بث الشكوى لربه. 

  • و ما ألطف قوله في صدر الآية و ذيلها حيث يقول للرسول: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ} ثم يقول: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} و فيه نوع من تبليغ الحق، و ليكن فيه 

تفسير الميزان ج۱۱

195
  • تنبه لمن يزعم أن مراده من {رَبِّي} فيما قال لامرأة العزيز: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} هو زوجها، و أنه يسميه ربا لنفسه. 

  • و ما ألطف قوله: {مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} و البال‌ هو الأمر الذي يهتم به يقول: ما هو الأمر العظيم و الشأن الخطير الذي أوقعهن فيما وقعن فيه، و ليس إلا هواهن فيه و ولههن في حبه حتى أنساهن أنفسهن فقطعن الأيدي مكان الفاكهة تقطيعا فليفكر الملك في نفسه أن الابتلاء بمثل هذه العاشقات الوالهات عظيم جدا، و الكف عن معاشقتهن و الامتناع من إجابتهن بما يردنه و هن يفدينه بالأنفس و الأموال أعظم، و لم يكن المراودة بالمرة و المرتين و لا الإلحاح و الإصرار يوما أو يومين و لن تتيسر المقاومة و الاستقامة تجاه ذلك إلا لمن صرف الله عنه السوء و الفحشاء ببرهان من عنده. 

  • قوله تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} الآية، قال الراغب: الخطب‌ الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب قال تعالى: {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ}. انتهى. 

  • و قال أيضا: حصحص‌ الحق أي وضح و ذلك بانكشاف ما يظهره، و حص و حصحص نحو كف و كفكف و كب و كبكب، و حصة قطع منه إما بالمباشرة و إما بالحكم إلى أن قال و الحصة القطعة من الجملة، و يستعمل استعمال النصيب. انتهى. 

  • و قوله: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} جواب عن سؤال مقدر على ما في الكلام من حذف و إضمار إيجازا كل ذلك يدل عليه السياق و التقدير: كان سائلا يسأل فيقول: فما الذي كان بعد ذلك؟ و ما فعل الملك؟ فقيل: رجع الرسول إلى الملك و بلغه ما قاله يوسف و سأله من القضاء فأحضر النسوة و سألهن عما يهم من شأنهن في مراودتهن ليوسف: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} فنزهنه عن كل سوء، و شهدن أنهن لم يظهر لهن منه ما يسوء فيما راودنه عن نفسه. 

  • و ذكرهن كلمة التنزيه: {حَاشَ لِلَّهِ} نظير تنزيههن حينما رأينه لأول مرة: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً} يدل على بلوغه (عليه السلام) النهاية في النزاهة و العفة فيما علمنه كما أنه كان بالغا في الحسن. 

تفسير الميزان ج۱۱

196
  • و الكلام في فصل قوله: {قَالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ} نظير الكلام في قوله {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} و قوله: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} فعند ذلك تكلمت امرأة العزيز و هي الأصل في هذه الفتنة و اعترفت بذنبها و صدّقت يوسف (عليه السلام) فيما كان يدعيه من البراءة قالت: الآن حصحص و وضح الحق و هو أنه: أنا راودته عن نفسه و إنه لمن الصادقين فنسبت المراودة إلى نفسها و كذبت نفسها في اتهامه بالمراودة، و لم تقنع بذلك بل برأته تبرئة كاملة أنه لم يراود و لا أجابها في مراودتها بالطاعة. 

  • و اتضحت بذلك براءته (عليه السلام) من كل وجه، و في قول النسوة و قول امرأة العزيز جهات من التأكيد بالغة في ذلك كنفي السوء عنه بالنكرة في سياق النفي مع زيادة من: {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} مع كلمة التنزيه: {حَاشَ لِلَّهِ} في قولهن، و اعترافها بالذنب في سياق الحصر: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} و شهادتها بصدقه مؤكدة بأن و اللام و الجملة الاسمية: {وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ} و غير ذلك في قولها. و هذا ينفي عنه (عليه السلام) كل سوء أعم من الفحشاء و المراودة لها و أي ميل و نزعة إليها و كذب و افتراء، بنزاهه من حسن اختياره. 

  • قوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} من كلام يوسف (عليه السلام) على ما يدل عليه السياق، و كأنه قاله عن شهادة النسوة على براءة ساحته من كل سوء و اعتراف امرأة العزيز بالذنب و شهادتها بصدقه و قضاء الملك ببراءته. 

  • و حكاية القول كثير النظير في القرآن كقوله: {آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلاَئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} البقرة: ٢٨٥ أي قالوا لا نفرق «إلخ»، و قوله: {وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ اَلْمُسَبِّحُونَ } الصافات: ١٦٦. 

  • و على هذا فالإشارة بقوله: {ذَلِكَ} إلى إرجاع الرسول إلى الملك و سؤاله القضاء، و الضمير في {لِيَعْلَمَ} و {لَمْ أَخُنْهُ} عائد إلى العزيز و المعنى إنما أرجعت الرسول إلى الملك و سألته أن يحقق الأمر و يقضي بالحق ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب بمراودة امرأته و ليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين. 

  • يذكر (عليه السلام) لما فعله من الإرجاع و السؤال غايتين: 

  • أحدهما: أن يعلم العزيز أنه لم يخنه و تطيب نفسه منه و يزول عنها و عن أمره أي 

تفسير الميزان ج۱۱

197
  • شبهة و ريبة. 

  • و الثاني: أن يعلم أن الخائن مطلقا لا ينال بخيانته غايته و أنه سيفتضح لا محالة سنة الله التي قد خلت في عباده و لن تجد لسنة الله تبديلا فإن الخيانة من الباطل، و الباطل لا يدوم و سيظهر الحق عليه ظهورا، و لو اهتدى الخائن إلى بغيته لم تفتضح النسوة اللاتي قطعن أيديهن و أخذن بالمراودة و لا امرأة العزيز فيما فعلت و أصرت عليه فالله لا يهدي كيد الخائنين. 

  • و كان الغرض من الغاية الثانية: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} و تذكيره و تعليمه للملك، الحصول على لازم فائدة الخبر و هو أن يعلم الملك أنه (عليه السلام) عالم بذلك مذعن بحقيقته فإذا كان لم يخنه في عرضه بالغيب و لا يخون في شي‌ء البتة كان جديرا بأن يؤتمن على كل شي‌ء نفسا كان أو عرضا أو مالا. 

  • و بهذا الامتياز البين يتهيأ ليوسف ما كان بباله أن يسأل الملك إياه و هو قوله بعد أن أشخص عند الملك: {اِجْعَلْنِي عَلى‌ خَزَائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}

  • و الآية ظاهرة في أن هذا الملك هو غير عزيز مصر زوج المرأة الذي أشير إليه بقوله: {وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى اَلْبَابِ} و قوله: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}

  • و قد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية و التي بعدها تتمة قول امرأة العزيز: {اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ} و سيأتي الكلام عليه. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} تتمة كلام يوسف (عليه السلام) و ذلك أن قوله: {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} كان لا يخلو من شائبة دعوى الحول و القوة و هو (عليه السلام) من المخلصين المتوغلين في التوحيد الذين لا يرون لغيره تعالى حولا و لا قوة فبادر (عليه السلام) إلى نفي الحول و القوة عن نفسه و نسبة ما ظهر منه من عمل صالح أو صفة جميلة إلى رحمة ربه، و تسوية نفسه بسائر النفوس التي هي بحسب الطبع مائلة إلى الأهواء أمارة بالسوء فقال: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} فقوله هذا كقول شعيب (عليه السلام): {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاَحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} هود: ٨٨. 

تفسير الميزان ج۱۱

198
  • فقوله: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} إشارة إلى قوله: {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} و أنه لم يقل هذا القول بداعي تنزيه نفسه و تزكيتها بل بداعي حكاية رحمة من ربه، و علل ذلك بقوله {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} أي إن النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السيئات على كثرتها و وفورها فمن الجهل أن تبرأ من الميل إلى السوء، و إنما تكف عن أمرها بالسوء و دعوتها إلى الشر برحمة من الله سبحانه تصرفها عن السوء و توفقها لصالح العمل. 

  • و من هنا يظهر أن قوله: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} يفيد فائدتين؟. 

  • إحداهما: تقييد إطلاق قوله: {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} فيفيد أن اقتراف الحسنات الذي هو برحمة من الله سبحانه من أمر النفس و ليس يقع عن إلجاء و إجبار من جانبه تعالى. 

  • و ثانيتهما: الإشارة إلى أن تجنبه الخيانة كان برحمة من ربه. 

  • و قد علل الحكم بقوله: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} فأضاف مغفرته تعالى إلى رحمته لأن المغفرة تستر النقيصة اللازمة للطبع و الرحمة يظهر بها الأمر الجميل، و مغفرته تعالى كما تمحو الذنوب و آثارها كذلك تستر النقائض و تبعاتها و تتعلق بسائر النقائص كما تتعلق بالذنوب، قال تعالى. {فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الأنعام: ١٤٥ و قد تقدم الكلام فيها في آخر الجزء السادس من الكتاب. 

  • و من لطائف ما في كلامه من الإشارة تعبيره (عليه السلام) عن الله عز اسمه بلفظ {رَبِّي} فقد كرره ثلاثا حيث قال: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} لأن هذه الجمل تتضمن نوع إنعام من ربه بالنسبة إليه فأثنى على الرب تعالى بإضافته إلى نفسه لتبليغ مذهبه و هو التوحيد باتخاذ الله سبحانه ربا لنفسه معبودا خلافا للوثنيين، و أما قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} فهو خال عن هذه النسبة و لذلك عبر بلفظ الجلالة. 

  • و قد ذكر جمع من المفسرين أن الآيتين أعني قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} إلخ، من تمام كلام امرأة العزيز، و المعنى على هذا أن امرأة العزيز لما اعترفت بذنبها و شهدت بصدقه قالت: {ذَلِكَ} أي اعترافي بأني راودته عن نفسه و شهادتي بأنه من الصادقين 

تفسير الميزان ج۱۱

199
  • {لِيَعْلَمَ} إذا بلغه عني هذا الكلام {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} بل اعترفت بأن المراودة كانت من قبلي أنا و أنه كان صادقا {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ} كما أنه لم يهد كيدي أنا إذ كدته بأنواع المراودة و بالسجن بضع سنين حتى أظهر صدقه في قوله و طهارة ذيله و براءة نفسه و فضحني أمام الملك و الملأ و لم يهد كيد سائر النسوة في مراودتهن {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} من السوء مطلقا فإني كدت له بالسجن ليلجأ به إلى أن يفعل ما آمره {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}

  • و هذا وجه ردي‌ء جدا أما أولا: فلأن قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} لو كان من كلام امرأة العزيز لكان من حق الكلام أن يقال: و ليعلم أني أخنه بالغيب بصيغة الأمر فإن قوله {ذَلِكَ} على هذا الوجه إشارة إلى اعترافها بالذنب و شهادتها بصدقه فقوله: {لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} إن كان عنوانا لاعترافها و شهادتها مشارا به إلى ذلك خلى الكلام عن الفائدة فإن محصل معناه حينئذ: إنما اعترفت و شهدت ليعلم أني اعترفت و شهدت له بالغيب. مضافا إلى أن ذلك يبطل معنى الاعتراف و الشهادة لدلالته على أنها إنما اعترفت و شهدت ليسمع يوسف ذلك و يعلم به، لا لإظهار الحق و بيان حقيقة الأمر. 

  • و إن كان عنوانا لأعمالها طول غيبة إذ لبث بضع سنين في السجن أي إنما اعترفت و شهدت له ليعلم أني لم أخنه طول غيبته، فقد خانته إذ كادت به فسجن و لبث في السجن بضع سنين مضافا إلى أن اعترافها و شهادتها لا يدل على عدم خيانتها له بوجه من الوجوه و هو ظاهر. 

  • و أما ثانيا: فلأنه لا معنى حينئذ لتعليمها يوسف إن الله لا يهدي كيد الخائنين، و قد ذكرها يوسف به أول حين إذ راودته عن نفسه فقال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ}

  • و أما ثالثا: فلأن قولها: «و ما أبرئ نفسي فقد خنته بالكيد له بالسجن» يناقض قولها: {لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} كما لا يخفى مضافا إلى أن قوله: {إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} على ما فيه من المعارف الجليلة التوحيدية ليس بالحري أن يصدر من امرأة أحاطت بها الأهواء و هي تعبد الأصنام. 

  • و ذكر بعضهم وجها آخر في معنى الآيتين بإرجاع ضمير {لِيَعْلَمَ} و {لَمْ أَخُنْهُ} إلى العزيز و هو زوجها فهي كأنها تقول: ذاك الذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أني لم أخنه 

تفسير الميزان ج۱۱

200
  • بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنا، و أن كل ما وقع أني راودته عن نفسه فاستعصم و امتنع فبقي عرض زوجي مصونا و شرفه محفوظا، و لئن برئت يوسف من الإثم فما أبرئ منه نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. 

  • و فيه: أن الكلام لو كان من كلامها و هي تريد أن تطيب به نفس زوجها و تزيل أي ريبة عن قلبه أنتج خلاف المطلوب فإن قولها. {اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ} إنما يفيد العلم بأنها راودته عن نفسه، و أما شهادتها أنه امتنع و لم يطعها فيما أمرته به فهي شهادة لنفسها لا عليها، و كان من الممكن أنها إنما شهدت له لتطيب نفس زوجها و تزيل ما عنده من الشك و الريب فاعترافها و شهادتها لا توجب في نفسها علم العزيز أنها لم تخنه بالغيب. 

  • مضافا إلى أن قوله: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} إلخ، يكون حينئذ تكرارا لمعنى قولها: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} و ظاهر السياق خلافه. على أن بعض الاعتراضات الواردة على الوجه السابق وارد عليه. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} يقال: استخلصه‌ أي جعله خالصا، و المكين‌ صاحب المكانة و المنزلة، و في قوله: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} حذف للإيجاز و التقدير: فلما أتي به إليه و كلمه قال إنك اليوم «إلخ» و في تقييد الحكم باليوم إشارة إلى التعليل، و المعنى أنك اليوم و قد ظهر من مكارم أخلاقك في التجنب عن السوء و الفحشاء و الخيانة و الظلم، و الصبر على كل مكروه و صغار في سبيل طهارة نفسك، و اختصاصك بتأييد من ربك غيبي و علم بالأحاديث و الرأي و الحزم و الحكمة و العقل لدينا ذو مكانة و أمانة، و قد أطلق قوله: {مَكِينٌ أَمِينٌ} فأفاد بذلك عموم الحكم. 

  • و المعنى: و قال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي و خاصة لي فلما أتي به إليه و كلمه قال له إنك اليوم و قد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة مطلقة و أمانة مطلقة يمكنك من كل ما تريد و يأتمنك على جميع شئون الملك و في ذلك حكم صدارته. 

  • قوله تعالى: {قَالَ اِجْعَلْنِي عَلى‌ خَزَائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} لما عهد الملك ليوسف أنك اليوم لدينا مكين أمين و أطلق القول سأله يوسف (عليه السلام) أن ينصبه على خزائن الأرض و يفوض إليه أمرها، و المراد بالأرض أرض مصر. 

تفسير الميزان ج۱۱

201
  • و لم يسأله ما سأل إلا ليتقلد بنفسه إدارة أمر الميرة و أرزاق الناس فيجمعها و يدخرها للسنين السبع الشداد التي سيستقبل الناس و تنزل عليهم جدبها و مجاعتها و يقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس و إعطاء كل منهم ما يستحقه من الميرة من غيره حيف. 

  • و قد علل سؤاله ذلك بقوله: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} فإن هاتين الصفتين هما اللازم وجودهما فيمن يتصدى مقاما هو سائله و لا غنى عنهما له، و قد أجيب إلى ما سأل و اشتغل بما كان يريده كل ذلك معلوم من سياق الآيات و ما يتلوها. 

  • قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لاَ نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} التمكين‌ هو الإقدار و التبوء أخذ المكان. 

  • و الإشارة بقوله: {كَذَلِكَ} إلى ما ساقه من القصة بما انتهى إلى نيله (عليه السلام) عزة مصر، و هو حديث السجن و قد كانت امرأة العزيز هددته بالصغار بالسجن فجعله الله سببا للعزة، و على هذا النمط كان يجري أمره (عليه السلام) أكرمه أبوه فحسده إخوته فكادوا به بإلقائه في غيابة الجب و بيعه من السيارة ليذلوه فأكرم الله مثواه في بيت العزيز، و كادت به امرأة العزيز و نسوة مصر ليوردنه مورد الفجور فأبان الله عصمته ثم كادت به بالسجن لصغاره فتسبب الله بذلك لعزته. 

  • و للإشارة إلى أمر السجن و حبسه و سلبه حرية الاختلاط و العشرة، قال تعالى: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} أي رفعنا عنه حرج السجن الذي سلب منه إطلاق الإرادة فصار مطلق المشية له أن يتبوأ في أي بقعة يشاء فهذا الكلام بوجه يحاذي قوله تعالى السابق فيه حين دخل بيت العزيز و وصاه امرأته: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ}

  • و بهذه المقايسة يظهر أن قوله هاهنا: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} في معنى قوله هناك: {وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى‌ أَمْرِهِ} و إن المراد أن الله سبحانه إذا شاء أن يصيب برحمته أحدا لم يغلب في مشيته و لا يسع لأي مانع مفروض أن يمنع من إصابته. و لو وسع لسبب أن يبطل مشية الله في أحد لوسع في يوسف الذي تعاضدت الأسباب القاطعة و تظاهرت لخفضه فرفعه الله و لإذلاله فأعزه الله، إن الحكم إلا لله. 

تفسير الميزان ج۱۱

202
  • و قوله: {وَ لاَ نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} إشارة إلى أن هذا التمكين أجر أوتيه يوسف (عليه السلام)، و وعد جميل للمحسنين جميعا أن الله لا يضيع أجرهم. 

  • قوله تعالى: {وَ لَأَجْرُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ} أي لأولياء الله من عباده فهو وعد جميل أخروي لأوليائه تعالى خاصة و كان يوسف (عليه السلام) منهم. 

  • و الدليل على أنه لا يعم عامة المؤمنين الجملة الحالية: {وَ كَانُوا يَتَّقُونَ} الدالة على أن هذا الإيمان و هو حقيقة الإيمان لا محالة كان منهم مسبوقا بتقوى مستمر حقيقي و هذا التقوى لا يتحقق من غير إيمان فهو إيمان بعد إيمان و تقوى و هو المساوق لولاية الله سبحانه قال تعالى {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ اَلْبُشْرى‌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ فِي اَلْآخِرَةِ} يونس: ٦٤. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي: ثم إن الملك رأى رؤيا فقال لوزرائه إني رأيت في نومي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف أي مهازيل و رأيت سبع سنبلات خضر و أخر يابسات و قال‌۱ أبو عبد الله (عليه السلام): سبع سنابل ثم قال: يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون فلم يعرفوا تأويل ذلك. 

  • فذكر الذي كان على رأس الملك رؤياه التي رآها، و ذكر يوسف بعد سبع سنين، و هو قوله: {وَ قَالَ اَلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَ اِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي بعد حين {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} فجاء إلى يوسف فقال: {أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ}

  • قال يوسف: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون أي لا تدوسوه فإنه يفسد في طول سبع سنين و إذا كان في سنبله لا يفسد ثم يأتي من بعد 

    1. و قرأ خ ل‌

تفسير الميزان ج۱۱

203
  • ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن في السبع سنين الماضية قال الصادق (عليه السلام): إنما نزل ما قربتم لهن ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون أي يمطرون. 

  • و قال أبو عبد الله (عليه السلام): قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام) {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ اَلنَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} - على البناء للفاعل – فقال: ويحك أي شي‌ء يعصرون يعصرون الخمر؟ قال الرجل: يا أمير المؤمنين كيف أقرؤها؟ فقال: إنما نزلت: و فيه يعصرون أي يمطرون بعد سني المجاعة، و الدليل على ذلك قوله: {وَ أَنْزَلْنَا مِنَ اَلْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً}

  • فرجع الرجل إلى الملك فأخبره بما قال يوسف فقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك يعني إلى الملك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم. 

  • فجمع الملك النسوة فقال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز: {اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ} ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب و أن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا أكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل ثم قالت: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}

  • فقال الملك: {اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } فلما نظر إلى يوسف قال: {إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } فاسأل حاجتك قال: {اِجْعَلْنِي عَلى‌ خَزَائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} يعني الكناديج و الأنابير فجعله عليها، و هو قوله: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}

  • أقول: قوله: وقرأ الصادق (عليه السلام): «سبع سنابل» في رواية العياشي عن ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام) أنه قرأ: {سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ} ۱و قوله (عليه السلام): إنما نزل ما قربتم لهن أي إن التقديم بحسب التنزيل بمعنى التقريب، و قوله (عليه السلام): إنما نزلت: {وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} م‌أي يمطرون، أي بالبناء للمفعول و منه يعلم أنه (عليه السلام) يأخذ قوله: يغاث من الغيث دون 

    1. على ما أخرجه في البرهان و أما في نسخة العياشي المطبوعة «سبع سنابل» أيضا.

تفسير الميزان ج۱۱

204
  • الغوث و روى هذا المعنى أيضا العياشي في تفسيره عن علي بن معمر عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام). 

  • و قوله: «أي لا أكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل» ظاهر في أخذ قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} إلى آخر الآيتين من كلام امرأة العزيز و قد عرفت الكلام عليه في البيان المتقدم. 

  • و في الدر المنثور، أخرج الفاريابي و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) : عجبت لصبر أخي يوسف و كرمه و الله يغفر له حيث أرسل إليه ليستفتي في الرؤيا و إن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، و عجبت من صبره و كرمه و الله يغفر له أتي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره و لو كنت أنا لبادرت الباب و لكنه أحب أن يكون له العذر. 

  • أقول: و قد روي هذا المعنى بطرق أخرى و من طرق أهل البيت (عليهم السلام) ما في تفسير العياشي عن أبان عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك يسأله عنه رؤياه ما حدثته حتى أشترط عليه أن يخرجني من السجن و عجبت لصبره عن شأن امرأة الملك ۱حتى أظهر الله عذره.

  •  أقول: و هذا النبوي لا يخلو من شي‌ء فإن فيه أحد المحذورين: إما الطعن في حسن تدبير يوسف (عليه السلام) و توصله إلى الخروج من السجن و قد أحسن التدبير في ذلك فلم يكن يريد مجرد الخروج منه و لا هم لامرأة العزيز و نسوة مصر إلا في مراودته عن نفسه و إلجائه إلى موافقة هواهن و هو القائل: {رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، و إنما كان يريد الخروج في جو يظهر فيه براءته و تيأس منه امرأة العزيز و النسوة، و يوضع في موضع يليق به من المكانة و المنزلة. 

  • و لذا أنبأ و هو في السجن أولا: بما هو وظيفة الملك الواجبة إثر رؤياه من جمع الأرزاق العامة و ادخارها فتوصل به إلى قول الملك {اِئْتُونِي بِهِ} ثم لما أمر بإخراجه أبى إلا أن 

    1. هي امرأة العزيز دون الملك و لعل إطلاق الملك على بعلها من تسامح بعض رواة الحديث «منه».

تفسير الميزان ج۱۱

205
  • يحكم بينه و بين النسوة حكما بالقسط فتوصل به إلى قوله: {اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي }و هذا أحسن تدبير يتصور لما كان يبتغيه من العزة في مصر و بسط العدل و الإحسان في الأرض. مضافا إلى ما ظهر للملك و ملئه في خلال هذه الأحوال من عظيم صبره و عزمه في الأمور و تحمله الأذى في جنب الحق و علمه الغزير و حكمه القويم. 

  • و إما الطعن في النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و حاشاه أن يقول: إنه لو كان مكان يوسف طاش و لم يصبر مع الاعتراف بأن الحق كان معه في صبره، و هو اعتراف بأن من شأنه أن لا يصبر فيما يجب الصبر فيه، و حاشاه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يأمر الناس بشي‌ء و ينسى نفسه، و قد صبر و تحمل الأذى في جنب الله قبل الهجرة و بعدها من الناس حتى أثنى الله عليه بمثل قوله: {وَ إِنَّكَ لَعَلى‌ خُلُقٍ عَظِيمٍ}

  • و في الدر المنثور، أيضا أخرج الحاكم في تاريخه و ابن مردويه و الديلمي عن أنس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قرأ هذه الآية: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قال: لما قالها يوسف قال له جبريل: يا يوسف اذكر همك. قال: {وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي}

  • أقول: و هذا المعنى مروي في عدة روايات بألفاظ متقاربة ففي رواية ابن عباس: لما قالها يوسف «فغمزه جبريل فقال: و لا حين هممت بها؟» و في رواية عن حكيم بن جابر: «فقال له جبريل: و لا حين حللت السراويل؟» و نحو من ذلك في روايات أخر عن مجاهد و قتادة و عكرمة و الضحاك و ابن زيد و السدي و الحسن و ابن جريح و أبي صالح و غيرهم. 

  • و قد تقدم في البيان السابق أن هذه و أمثالها من موضوعات الأخبار مخالفة لنص الكتاب، و حاشا مقام يوسف الصديق (عليه السلام) أن يكذب بقوله: {لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} ثم يصلح ما أفسده بغمز من جبريل. قال في الكشاف: و لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة فزعموا أن يوسف حين قال: {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قال له جبريل: و لا حين هممت بها؟ و قالت له امرأة العزيز: و لا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف؟ و ذلك لتهالكهم على بهت الله و رسوله. انتهى. 

  • و في تفسير العياشي، عن سماعة قال: سألته عن قول الله: {اِرْجِعْ إِلى‌ رَبِّكَ} الآية يعني العزيز. 

تفسير الميزان ج۱۱

206
  • أقول: و في تفسير البرهان، عن الطبرسي في كتاب النبوة بالإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن إلياس قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: و أقبل يوسف على جمع الطعام في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن فلما مضت تلك السنون و أقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم و الدنانير حتى لم يبق بمصر و ما حولها دينار و لا درهم إلا صار في ملك يوسف. 

  • و باعهم في السنة الثانية بالحلي و الجواهر حتى لم يبق بمصر و ما حولها حلي و لا جواهر إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة الثالثة بالدواب و المواشي حتى لم يبق بمصر و ما حولها دابة و لا ماشية إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة الرابعة بالعبيد و الإماء حتى لم يبق. بمصر و ما حولها عبد و لا أمة إلا صار في ملكه و باعهم في السنة الخامسة بالدور و الفناء حتى لم يبق في مصر و ما حولها دار و لا فناء إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة السادسة بالمزارع و الأنهار حتى لم يبق بمصر و ما حولها نهر و لا مزرعة إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر و ما حولها عبد و لا حر إلا صار عبدا ليوسف. 

  • فملك أحرارهم و عبيدهم و أموالهم و قال الناس: ما رأينا و لا سمعنا بملك أعطاه من الملك ما أعطى هذا الملك حكما و علما و تدبيرا، ثم قال يوسف للملك: ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر و ما حولها؟ أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، و لم أنجهم من البلاء ليكون بلاء عليهم و لكن الله أنجاهم بيدي قال الملك: الرأي رأيك. 

  • قال يوسف: إني أشهد الله و أشهدك أيها الملك إني قد أعتقت أهل مصر كلهم، و رددت عليهم أموالهم و عبيدهم، و رددت عليك الملك و خاتمك و سريرك و تاجك على أن لا تسير إلا بسيرتي و لا تحكم إلا بحكمي. 

  • قال له الملك: إن ذلك توبتي و فخري أن لا أسير إلا بسيرتك و لا أحكم إلا بحكمك و لولاك ما توليت عليك و لا اهتديت له و قد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام، و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك رسوله فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين. 

  • أقول: و الروايات في هذا المقام كثيرة أغلبها غير مرتبطة بغرض تفسير الآيات 

تفسير الميزان ج۱۱

207
  • و لذلك تركنا نقلها. 

  • و في تفسير العياشي، قال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يجوز أن يزكي الرجل نفسه؟ قال نعم إذا اضطر إليه أ ما سمعت قول يوسف: {اِجْعَلْنِي عَلى‌ خَزَائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} و قول العبد الصالح: إني لكم ناصح أمين.

  •  أقول: الظاهر أن المراد بالعبد الصالح هو هود، إذ يقول لقومه: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} الأعراف: ٦٨. 

  • و في العيون، بإسناده عن العياشي قال حدثنا محمد بن نصر عن الحسن بن موسى قال: روى أصحابنا عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له رجل: أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ فكأنه أنكر ذلك عليه. فقال له أبو الحسن الرضا (عليه السلام): أيما أفضل النبي أو الوصي: فقال: لا بل النبي. قال: فأيما أفضل مسلم أو مشرك؟ قال: لا بل مسلم. 

  • قال: فإن عزيز۱ مصر كان مشركا و كان يوسف نبيا، و إن المأمون مسلم و أنا وصي و يوسف سأل العزيز أن يوليه حتى قال: استعملني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، و المأمون أجبرني على ما أنا فيه. قال: و قال في قوله: {حَفِيظٌ عَلِيمٌ} قال: حافظ على ما في يدي عالم بكل لسان. 

  • أقول: و قوله: استعملني على خزائن الأرض نقل الآية بالمعنى، و رواه العياشي في تفسيره، و روي آخر الحديث في المعاني، أيضا عن فضل بن أبي قرة عن الصادق (عليه السلام). 

  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٥٨ الی ٦٢]

  • {وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ٥٨ وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لاَ تَرَوْنَ 

    1. المراد به ملك مصر و لعل إطلاق العزيز عليه من تسامح الراوي. 

تفسير الميزان ج۱۱

208
  • أَنِّي أُوفِي اَلْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ ٥٩ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لاَ تَقْرَبُونِ ٦٠قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ إِنَّا لَفَاعِلُونَ ٦١ وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اِجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى‌ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٦٢} 

  • بيان 

  • فصل آخر مختار من قصة يوسف (عليه السلام) يذكر الله تعالى فيه مجي‌ء إخوته إليه في خلال سني الجدب لاشتراء الطعام لبيت يعقوب، و كان ذلك مقدمة لضم يوسف (عليه السلام) أخاه من أمه و هو المحسود المذكور في قوله تعالى حكاية عن الإخوة {لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‌ أَبِينَا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ } إليه ثم تعريفهم نفسه و نقل بيت يعقوب (عليه السلام) من البدو إلى مصر. 

  • و إنما لم يعرفهم نفسه ابتداء لأنه أراد أن يلحق أخاه من أمه إلى نفسه و يرى إخوته من أبيه عند تعريفهم نفسه صنع الله بهما و من الله عليهما أثر تقواهما و صبرهما على ما آذوهما عن الحسد و البغي ثم يشخصهم جميعا، و الآيات الخمس تتضمن قصة دخولهم مصر و اقتراحه أن يأتوا بأخيهم من أبيهم إليه إن عادوا إلى اشتراء الطعام و الميرة و تقبلهم ذلك. 

  • قوله تعالى: {وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} في الكلام حذف كثير و إنما ترك الاقتصاص له لعدم تعلق غرض هام به، و إنما الغرض بيان لحوق أخي يوسف من أمه به و إشراكه معه في النعمة و المن الإلهي ثم معرفتهم بيوسف و لحوق بيت يعقوب به فهو شطر مختار من قصته و ما جرى عليه بعد عزة مصر. 

  • و الذي جاء إليه من إخوته هم العصبة ما خلا أخيه من أمه فإن يعقوب (عليه السلام) كان يأنس به و لا يخلي بينه و بينهم بعد ما كان، من أمر يوسف ما كان و الدليل على ذلك كله ما سيأتي من الآيات. 

تفسير الميزان ج۱۱

209
  • و كان بين دخولهم هذا على أخيهم يوسف و بين انتصابه على خزائن الأرض و تقلده عزة مصر بعد الخروج من السجن أكثر من سبع سنين فإنهم إنما جاءوا إليه في بعض السنين المجدبة و قد خلت السبع السنون المخصبة، و لم يروه منذ سلموه إلى السيارة يوم أخرج من الجب و هو صبي و قد مر عليه سنون في بيت العزيز و لبث بضع سنين في السجن و تولى أمر الخزائن منذ أكثر من سبع سنين، و هو اليوم في زي عزيز مصر لا يظن به أنه رجل عبري من غير القبط، و هذا كله صرفهم عن أن يظنوا به أنه أخوهم و يعرفوه لكنه عرفهم بكياسته أو بفراسة النبوة كما قال تعالى: {وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}

  • قوله تعالى: {وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي اَلْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ} قال الراغب في المفردات: الجهاز ما يعد من متاع و غيره، و التجهيز حمل ذلك أو بعثه. انتهى. فالمعنى و لما حملهم ما أعد لهم من الجهاز و الطعام الذي باعه منهم أمرهم بأن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم و قال {اِئْتُونِي }«إلخ». 

  • و قوله: {أَ لاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي اَلْكَيْلَ } أي لا أبخس فيه و لا أظلمكم بالاتكاء على قدرتي و عزتي { وَ أَنَا خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ} أكرم النازلين بي و أحسن مثواهم، و هذا تحريض لهم أن يعودوا إليه ثانيا و يأتوا إليه بأخيهم من أبيهم كما أن قوله في الآية التالية: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لاَ تَقْرَبُونِ} تهديد لهم لئلا يعصوا أمره، و كما أن قولهم في الآية الآتية: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ إِنَّا لَفَاعِلُونَ} تقبل منهم لذلك في الجملة و تطييب لنفس يوسف (عليه السلام). 

  • ثم من المعلوم أن قوله (عليه السلام) أوان خروجهم: {اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} مع ما فيه من التأكيد و التحريض و التهديد ليس من شأنه أن يورد كلاما ابتدائيا من غير مقدمة و توطئة تعمي عليهم و تصرفهم أن يتفطنوا أنه يوسف أو يتوهموا فيه ما يريبهم في أمره. و هو ظاهر. و قد أورد المفسرون في القصة من مفاوضته لهم و تكليمه إياهم أمورا كثيرة لا دليل على شي‌ء منها من كلامه تعالى في سياق القصة و لا أثر يطمأن إليه في أمثال المقام. 

  • و كلامه تعالى خال عن التعرض لذلك، و إنما الذي يستفاد منه أنه سألهم عن خطبهم 

تفسير الميزان ج۱۱

210
  • فأخبروه و هم عشرة أنهم إخوة و أن لهم أخا آخر بقي عند أبيهم لا يفارقه أبوه و لا يرضى أن يفارقه لسفر أو غيره فأحب العزيز أن يأتوا به إليه فيراه. 

  • قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لاَ تَقْرَبُونِ} الكيل‌ بمعنى المكيل و هو الطعام، و لا تقربون أي لا تقربوني بدخول أرضي و الحضور عندي للامتيار و اشتراء الطعام. و معنى الآية ظاهر، و هو تهديد منه لهم لو خالفوا عن أمره كما تقدم. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ إِنَّا لَفَاعِلُونَ} المراودة كما تقدم هي الرجوع في أمر مرة بعد مرة بالإلحاح أو الاستخدام، ففي قولهم ليوسف (عليه السلام) {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} دليل على أنهم قصوا عليه قصته أن أباهم يضن به و لا يرضى بمفارقته له و يأبى أن يبتعد منه لسفر أو أي غيبة، و في قولهم: {أَبَاهُ} و لم يقولوا: أبانا تأييد لذلك. 

  • و قولهم: {وَ إِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي فاعلون للإتيان به أو للمراودة لحملة معهم و الإتيان به إليه، و معنى الآية ظاهر، و فيه تقبل منهم لذلك في الجملة و تطييب لنفس يوسف (عليه السلام) كما تقدم. 

  • قوله تعالى: {وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اِجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى‌ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الفتيان‌ جمع الفتى و هو الغلام، و قال الراغب: البضاعة قطعة وافرة من المال يقتنى للتجارة يقال: أبضع بضاعة و ابتضعها، قال تعالى: {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} و قال تعالى: {بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} و الأصل في هذه الكلمة البضع بفتح الباء و هو جملة من اللحم يبضع أي يقطع قال و فلان بضعة مني أي جار مجرى بعض جسدي لقربه مني قال و البضع‌ بالكسر المنقطع من العشرة، و يقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة و قيل: بل هو فوق الخمس و دون العشرة. انتهى، و الرحال‌ جمع رحل و هو الوعاء و الأثاث، و الانقلاب‌ الرجوع. 

  • و معنى الآية: و قال يوسف (عليه السلام) لغلمانه: اجعلوا مالهم و بضاعتهم التي قدموها ثمنا لما اشتروه من الطعام في أوعيتهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا و رجعوا إلى أهلهم و فتحوا الأوعية لعلهم يرجعون إلينا و يأتوا بأخيهم فإن ذلك يقع في قلوبهم و يطمعهم إلى الرجوع و التمتع من الإكرام و الإحسان. 

تفسير الميزان ج۱۱

211
  • [سورة يوسف (١٢): الآیات ٦٣ الی ٨٢]

  • {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‌ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا اَلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ٦٣ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلى‌ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ ٦٤ وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَ نَمِيرُ أَهْلَنَا وَ نَحْفَظُ أَخَانَا وَ نَزْدَادُ كَيْ