4

تفسير الميزان ج4

تفسير الميزان ج4 9060
مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة الطباطبائي

القسم القرآن والحديث والدعاء

المجموعة الميزان في تفسير القرآن


التوضيح

تعرّض العلامة الطباطبائي في هذا الجزء إلى تتمة تفسير سورة آل عمران، و تفسير سورة النساء إلى الآية 76
/٤۲٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان ج٤

1
  •  

تفسير الميزان ج٤

2
  •  

  •  

  • الميزان في تفسير القرآن 

  • الجزء الرابع

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تأليف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سرّه

  •  

  •  

تفسير الميزان ج٤

3
  •  

تفسير الميزان ج٤

4
  •  

  • بقية سورة آل عمران 

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ۱٢۱ الی ۱٢٩] 

  • {وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَ اَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ١٢٢ وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ ١٢٤ بَلى‌ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥ وَ مَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلاَّ بُشْرى‌ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ ١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ١٢٨ وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٢٩} 

  • (بيان‌)

  • رجوع إلى ما بدأت به السورة من تنبيه المؤمنين بما هم عليه من الموقف الصعب، 

تفسير الميزان ج٤

5
  • و تذكيرهم بنعم الله عليهم من إيمان و نصر و كفاية، و تعليمهم ما يسبقون به إلى شريف مقصدهم، و هدايتهم إلى ما يسعدون به في حياتهم و بعد مماتهم. 

  • و فيها قصة غزوة أحد، و أما الآيات المشيرة إلى غزوة بدر فإنما هي من قبيل الضميمة المتممة و محلها محل شاهد القصة و ليست مقصودة بالأصالة على ما سيجي‌ء. 

  • قوله تعالى{وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إذ ظرف متعلق بمحذوف كاذكر و نحوه، و غدوت‌ من الغدو و هو الخروج غداة، و التبوئة تهيئة المكان للغير أو إسكانه و إيطانه المكان، و المقاعد جمع، و أهل الرجل‌ كما ذكره الراغب من يجمعه و إياهم نسب أو بيت أو غيرهما كدين أو بلد أو صناعة، يقال: أهل الرجل لزوجته و لمن في بيته من زوجة و ولد و خادم و غيرهم، و للمنتسبين إليه من عشيرته و عترته، و يقال: أهل بلد كذا لقاطنيه، و أهل دين كذا لمنتحليه، و أهل صناعة كذا لصناعها و أساتيدها، و يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و الجمع و يختص استعماله بالإنسان فأهل الشي‌ء خاصته من الإنسان. 

  • و المراد بأهل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) خاصته و هم جمع، و ليس المراد به هاهنا شخص واحد بدليل قوله: {غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} إذ يجوز أن يقال: خرجت من خاصتك و من جماعتك و لا يجوز أن يقال: خرجت من زوجتك و خرجت من أمك، و لذا التجأ بعض المفسرين إلى تقدير في الآية فقال: إن التقدير: خرجت من بيت أهلك، لما فسر الأهل بالمفرد، و لا دليل يدل عليه من الكلام. 

  • و سياق الآيات مبني على خطاب الجمع و هو خطاب المؤمنين على ما تدل عليه الآيات السابقة و اللاحقة ففي قوله: {وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ}، التفات من خطابهم إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و كان الوجه فيه ما يلوح من آيات القصة من لحن العتاب فإنها لا تخلو من شائبة اللوم و العتاب و الأسف على ما جرى و ظهر من المؤمنين من الفشل و الوهن في العزيمة و القتال، و لذلك أعرض عن مخاطبتهم في تضاعيف القصة و عدل إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيما يخص به فقال: {وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ}، و قال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ}، و قال: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ}، و قال: {قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، و قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ}، و قال: {وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتاً} (الآية). 

تفسير الميزان ج٤

6
  • فغير خطاب الجمع في هذه الموارد إلى خطاب المفرد، و هي موارد تحبس المتكلم الجاري في كلامه عن الجري فيه لما تغيظه و تهيج وجده، بخلاف مثل قوله في ضمن الآيات: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ}، و قوله: {وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}، لأن العتاب فيهما بخطاب الجمع أوقع دون خطاب المفرد، و بخلاف مثل قوله في ضمن الآيات: {لَقَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (الآية)، لأن الامتنان ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مع أخذه غائبا أوقع و أشد تأثيرا في النفوس، و أبعد من الوهم و الخطور، فتدبر في الآيات تجد صحة ما ذكرناه. 

  • و معنى الآية: و اذكر إذ خرجت بالغداة من أهلك تهيئ للمؤمنين مقاعد للقتال أو تسكنهم و توقفهم فيها و الله سميع لما قيل هناك، عليم بما أضمرته قلوبهم، و المستفاد من قوله: {وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ}، قرب المعركة من داره (صلى الله عليه وآله و سلم)فيتعين بذلك أن الآيتين ناظرتان إلى غزوة أحد فتتصل الآيتان بالآيات الآتية النازلة في شأن أحد لانطباق المضامين على وقائع هذه الغزوة، و به يظهر ضعف ما قيل: إن الآيتين في غزوة بدر، و كذا ما قيل: إنهما في غزوة الأحزاب، و الوجه ظاهر. 

  • قوله تعالى{وَ اَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع يسمع ما قيل هناك، عليم يعلم ما كان مضمرا في قلوبكم، و فيه دلالة على كلام جرى هناك بينهم، و أمور أضمروها في قلوبهم، و الظاهر أن قوله: {إِذْ هَمَّتْ}، متعلق بالوصفين. 

  • قوله تعالى{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} الهم‌ ما هممت به في نفسك و هو القصد، و الفشل‌ ضعف مع الجبن. 

  • و قوله {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، حال و العامل فيه قوله: {هَمَّتْ}، و الكلام مسوق للعتاب و اللوم، و كذا قوله: {وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ}، و المعنى: أنهما همتا بالفشل مع أن الله وليهما و لا ينبغي لمؤمن أن يفشل و هو يرى أن الله وليه، و مع أن المؤمنين ينبغي أن يكلوا أمرهم إلى الله و من يتوكل على الله فهو حسبه. 

  • و من ذلك يظهر ضعف ما قيل: إن هذا الهم هم خطرة لا هم عزيمة لأن الله تعالى مدحهما، و أخبر أنه وليهما، و لو كان هم عزيمة و قصد لكان ذمهم أولى إلى مدحهم. 

  • و ما أدري ما ذا يريد بقوله: إنه هم خطرة، أ مجرد الخطور بالبال و تصور مفهوم 

تفسير الميزان ج٤

7
  • الفشل؟ فجميع من هناك كان يخطر ببالهم ذلك، و لا معنى لذكر مثل ذلك في القصة قطعا، و لا يسمى ذلك هما في اللغة، أم تصورا معه شي‌ء من التصديق، و خطورا فيه شوب قصد؟ كما يدل عليه ظهور حالهما عند غيرهما، و لو كان مجرد خطور من غير أي أثر لم يظهر أنهما همتا بالفشل، على أن ذكر ولاية الله لهم و وجوب التوكل على المؤمن إنما يلائم هذا الهم دون مجرد الخطور، على أن قوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، ليس مدحا بل لوم و عظة على ما يعطيه السياق كما مر. 

  • و لعل منشأ هذا الكلام‌ ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: فينا نزلت، و ما أحب أنها لم تكن، لقوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ففهم من الرواية أن جابرا فهم من الآية المدح. 

  • و لو صحت الرواية فإنما يريد جابر أن الله تعالى قبل إيمانهم و صدق كونهم مؤمنين حيث عد نفسه وليا لهم، و الله ولي الذين آمنوا و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، لا أن الجملة واقعة موقع المدح في هذا السياق الظاهر في العتاب. 

  • قوله تعالى{وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} إلى آخر الآية ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب و تأكيده فتكون تؤدي معنى الحال كقوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، و المعنى: و ما كان ينبغي أن يظهر منكم الهم بالفشل و قد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة، و ليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من الله بإنزال الملائكة لإمدادهم و نصرهم يوم بدر. 

  • و لما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر و قابل ذلك بما هم عليه من الحال و من المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر الله و عونه فليس للإنسان من قبل نفسه إلا الفقر و الذلة و لذلك قال: {وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}

  • و من هنا يعلم أن قوله: {وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} لا ينافي أمثال قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ}: المنافقون: ٨ فإن عزتهم إنما هي بعزة الله، قال تعالى: {فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} النساء: ١٣٩ و ذلك بنصر الله المؤمنين كما قال تعالى: {وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلىَ قَوْمِهِمْ فَجَاؤُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ} الروم: ٤٧ فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث 

تفسير الميزان ج٤

8
  • أنفسهم لم يكن لهم إلا الذلة. 

  • على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضي بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة و الشوكة و الزينة، و لا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الأعزة و قد أضافها الله سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ} (الآية) «المائدة: ٥٤». 

  • قوله تعالى{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ} الإمداد من المد و هو إيصال المدد على نعت الاتصال. 

  • قوله تعالى{بَلىَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} بلى‌ كلمة تصديق و الفور و الفوران‌: الغليان يقال: فار القدر إذا غلا و جاش، ثم أستعير للسرعة و العجلة فاستعمل في الأمر الذي لا ريث فيه و لا مهلة فمعنى من فورهم هذا من ساعتهم هذه. 

  • و الظاهر أن مصداق الآية هو يوم بدر، و إنما هو وعد على الشرط و هو ما يتضمنه قوله: {إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا}

  • و أما ما يظهر من بعض المفسرين أنه وعد بإنزال الملائكة إن جاءوهم بعد فورهم هذا يعني يوم بدر بأن يكون المراد {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} هو يوم بدر لا في يوم بدر، و كذا ما يظهر من بعض آخر أنه وعد بإنزالهم في سائر الغزوات بعد بدر كأحد و حنين و الأحزاب فمما لا دليل عليه من لفظ الآية. 

  • أما يوم أحد فلا محل لاستفادة نزول الملائكة فيه من الآيات و هو ظاهر، و أما يوم الأحزاب و يوم حنين فالقرآن و إن كان يصرح بنزول الملائكة فيهما فقد قال في قصة الأحزاب: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا}: «الأحزاب: ٩» و قال: {وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ}«إلى أن قال»: {وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا}: «التوبة: ٢٦» إلا أن لفظ هذه الآية: {بَلىَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} قاصر عن إفادة عموم الوعد. 

  • و أما نزول ثلاثة آلاف يوم بدر فلا ينافي قوله تعالى في سورة الأنفال: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ}: «الأنفال: ٩» لمكان قوله: {مُرْدِفِينَ} أي متبعين لآخرين و هم الألفان الباقيان المكملان للعدد على ما ذكر في هذه الآيات. 

تفسير الميزان ج٤

9
  • قوله تعالى{وَ مَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلاَّ بُشْرىَ لَكُمْ}الضمير راجع إلى الإمداد، و لفظة عند ظرف يفيد معنى الحضور، و قد كان أولا مستعملا في القرب و الحضور المكاني المختص بالأجسام ثم توسع فاستعمل في القرب الزماني ثم في مطلق القرب و الحضور المعنوي كيفما كان، و قد استعمل في القرآن في مختلف الفنون. 

  • و الذي يفيده في هذا المقام أعني قوله: {وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ} بالنظر إلى ما سبقه من قوله: {وَ مَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلاَّ بُشْرى‌َ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} هو المقام الربوبي الذي ينتهي إليه كل أمر و حكم، و لا يكفي عنه و لا يستقل دونه شي‌ء من الأسباب، فالمعنى: أن الملائكة الممدين ليس لهم من أمر النصر شي‌ء بل هم أسباب ظاهرية يجلبون لكم البشرى و طمأنينة القلب، و إنما حقيقة النصر من الله سبحانه لا يغني عنه شي‌ء، و هو الله الذي ينتهي إليه كل أمر، العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي لا يجهل. 

  • قوله تعالى{لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} إلى آخر الآيات، اللام متعلق بقوله: {وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ} و قطع الطرف كناية عن تقليل عدتهم و تضعيف قوتهم بالقتل و الأسر كما وقع يوم بدر فقتل من المشركين سبعون و أسر سبعون، و الكبت هو الإخزاء و الإغاظة. 

  • و قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ} معترضة، و فائدتها بيان أن الأمر في القطع و الكبت لله، و ليس للنبي ص فيه صنع حتى يمدحوه و يستحسنوا تدبيره إذا ظفروا على عدوهم و نالوا منه، و يلوموه و يوبخوه إذا دارت الدائرة عليهم و يهنوا و يحزنوا كما كان ذلك منهم يوم أحد على ما حكاه الله تعالى. 

  • و قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} معطوف على قوله: {لِيَقْطَعَ}، و الكلام متصل، و قوله: {وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ}، بيان لرجوع أمر التوبة و المغفرة إلى الله تعالى، و المعنى: أن هذا التدبير المتقن منه تعالى إنما هو ليقطع طرفا من المشركين بالقتل و الأسر أو ليخزيهم و يخيبهم في سعيهم أو ليتوب عليهم أو ليعذبهم، أما القطع و الكبت فلأن الأمر إليه لا إليك حتى تمدح أو تذم، و أما التوبة و العذاب فلأن الله هو المالك لكل شي‌ء فيغفر لمن يشاء، و يعذب من يشاء، و مع ذلك فإن مغفرته و رحمته تسبقان عذابه و غضبه فهو الغفور الرحيم. 

تفسير الميزان ج٤

10
  • و إنما أخذنا قوله: {وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ}، في موضع التعليل للفقرتين الأخيرتين أعني قوله: {أَوْ يَتُوبَ} اه، لما في ذيله من اختصاص البيان بهما أعني قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}

  • و قد ذكر المفسرون وجوها أخر في اتصال قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً}، و في معنى العطف في قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ}، و كذا في ما يعلله قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ}، و ما يعلله قوله: {وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ}، أغمضنا عن التعرض لها و البحث عنها لقلة الجدوى فيها لمخالفتها ما يفيده ظاهر الآيات بسياقها الجاري، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير.

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع: عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: كان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة و قد أصابهم ما أصابهم من القتل و الأسر، لأنه قتل منهم سبعون و أسر سبعون - قال أبو سفيان: يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم تبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن و العداوة لمحمد فلما غزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يوم أحد أذنوا لنسائهم في البكاء و النوح، و خرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس و ألفي راجل و أخرجوا معهم النساء. 

  • فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ذلك جمع أصحابه و حثهم على الجهاد فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف و المرأة و العبد و الأمة على أفواه السكك و على السطوح فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا و دورنا، و ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا. 

  • فقام سعد بن معاذ و غيره من الأوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب و نحن مشركون نعبد الأصنام فكيف يطمعون فينا و أنت فينا؟ لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا، و من نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله. 

  • فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) رأيه، و خرج مع نفر من أصحابه يتبوءون موضع القتال كما قال تعالى: {وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} (الآية) و قعد عنه عبد الله بن أبي بن سلول، و جماعة 

تفسير الميزان ج٤

11
  • من الخزرج اتبعوا رأيه. 

  • و وافت قريش إلى أحد و كان رسول الله عبأ أصحابه و كانوا سبعمائة رجل و وضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب، و أشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان، فقال لعبد الله بن جبير و أصحابه: إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، و إن رأيتموهم هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا و الزموا مراكزكم. 

  • و وضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا، و قال: إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم . 

  • و عبأ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أصحابه، و دفع الراية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمل الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، و وضع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في سوادهم و انحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجع، و نظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ينتهبون سواد القوم فقالوا لعبد الله بن جبير: قد غنم أصحابنا و نبقى نحن بلا غنيمة؟ فقال لهم عبد الله: اتقوا الله فإن رسول الله قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، و أقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، و بقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا. 

  • و كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار فقتله علي، و أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي و سقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار حتى صار لواؤهم إلى عبد لهم أسود يقال له: صواب فانتهى إليه علي فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره، ثم التفت إلى أبي سفيان فقال: هل عذرت في بني عبد الدار؟ فضربه علي على رأسه فقتله، و سقط اللواء فأخذتها غمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها . 

  • و انحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير و قد فر أصحابه و بقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم، و نظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها، و انهزم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) هزيمة عظيمة، 

تفسير الميزان ج٤

12
  • و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كل وجه . 

  • فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الهزيمة كشف البيضة عن رأسه و قال: إلي أنا رسول الله إلى أين تفرون عن الله و عن رسوله؟ و كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا و مكحلة، و قالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا. 

  • و كان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا و لم يثبت له أحد، و كانت هند قد أعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لأعطينك كذا و كذا، و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال وحشي: أما محمد فلم أقدر عليه، و أما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطئ على جرف نهر فسقط، و أخذت حربتي فهززتها و رميته بها فوقعت في خاصرته و خرجت من ثنته فسقط فأتيته فشققت بطنه، و أخذت كبده، و جئت به إلى هند فقلت هذه كبد حمزة، فأخذتها في فمها فلاكتها فجعله الله في فمها مثل الداعضة و هي عظم رأس الركبة فلفظتها و رمت بها، فقال رسول الله (عليه السلام): فبعث الله ملكا فحمله و رده إلى موضعه قال: فجاءت إليه فقطعت مذاكيره، و قطعت أذنيه، و قطعت يده و رجله و لم يبق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلا أبو دجانة سماك بن خرشة و علي، فكلما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم علي فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه فدفع إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) سيفه ذا الفقار، و انحاز رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى ناحية أحد فوقف فلم يزل علي (عليه السلام) يقاتلهم حتى أصابه في رأسه و وجهه و بدنه و بطنه و رجليه سبعون جراحة، كذا أورده علي بن إبراهيم في تفسيره فقال جبرائيل: إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال محمد ص إنه مني و أنا منه فقال جبرائيل: و أنا منكما . 

  • قال أبو عبد الله: نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى جبرائيل بين السماء و الأرض على كرسي من ذهب و هو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي. 

  • و في رواية القمي و بقيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) نسيبة بنت كعب المازنية و كانت تخرج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في غزواته تداوي الجرحى و كان ابنها معها فأراد أن ينهزم و يتراجع فحملت عليه و قالت: يا بني إلى أين تفر عن الله و عن رسوله، 

تفسير الميزان ج٤

13
  • فردته فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): بارك الله فيك يا نسيبة، و كانت تقي رسول الله بصدرها و ثدييها حتى أصابتها جراحات كثيرة. 

  • و حمل ابن قمئة على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قال: أروني محمدا لا نجوت إن نجا، فضربه على حبل عاتقه، و نادى: قتلت محمدا و اللات و العزى. 

  • أقول: و في القصة روايات أخر ربما تخالف هذه الرواية في بعض فقراتها. 

  • منها: ما في هذه الرواية أن عدة المشركين كانت خمسة آلاف فإن غالب الروايات أنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل. 

  • و منها: ما فيها أن عليا (عليه السلام) قتل حاملي الراية و هم تسعة و يوافقها فيه روايات أخر، و رواه ابن الأثير في الكامل عن أبي رافع، و بقية الروايات تنسب قتل بعضهم إلى غيره (عليه السلام) و التدبر في القصة يؤيد ما في هذه الرواية. 

  • و منها: ما فيها أن هندا أعطت وحشيا عهدا في قتل حمزة فإن ما روته أهل السنة أن الذي أعطاه العهد مولاه جبير بن مطعم وعده تحريره على الشرط، و إتيانه بكبد حمزة إلى هند دون جبير يؤيد ما في هذه الرواية. 

  • و منها: ما فيها أن جميع المسلمين تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلا علي و أبو دجانة و هو الذي اتفقت عليه الروايات، و في بعضها ذكر لغيرهما حتى أنهي من ثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى ثلاثين رجلا لكن هذه الروايات ينفي بعضها ما في بعض، و عليك بالتدبر في أصل القصة و القرائن التي تبين الأحوال حتى يخلص لك الحق، فإن هذه القصص و الروايات شهدت مواقف موافقة و مخالفة و مرت بأجواء نيرة و مظلمة حتى انتهت إلينا. 

  • و منها: ما فيها أن الله بعث ملكا فحمل كبد حمزة فرده إلى موضعه، و ليس في غالب الروايات، و في بعضها كما في الدر المنثور عن ابن أبي شيبة و أحمد و ابن المنذر عن ابن مسعود في حديث قال: ثم قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة و إن كانت لمن غير ملإ منا ما أمرت و لا نهيت، و لا أحببت و لا كرهت، و لا ساءني و لا سرني، 

تفسير الميزان ج٤

14
  • قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، و أخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أ أكلت شيئا؟ قالوا: لا قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار، الحديث. 

  • و في روايات أصحابنا و غيرهم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أصيب يومئذ بشجة في جبهته، و كسرت رباعيته: و اشتكت ثنيته رواه مغيرة. 

  • و في الدر المنثور أخرج ابن إسحاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر عن ابن شهاب، و محمد بن يحيى بن حيان، و عاصم بن عمرو بن قتادة، و الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، و غيرهم كل قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد. 

  • قالوا: لما أصيب قريش أو من ناله منهم يوم بدر من كفار قريش و رجع فلهم إلى مكة، و رجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة و عكرمة بن أبي جهل و صفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب و من كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم و قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب، ففعلوا فأجمعت قريش لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و خرجت بجدتها و جديدها، و خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة و لئلا يفروا، و خرج أبو سفيان و هو قائد الناس فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السنجة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة. 

  • فلما سمع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و المسلمون بالمشركين قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إني رأيت بقرا تنحر، و رأيت في ذباب سيفي ثلما، و رأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا المدينة و تدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، و إن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. 

  • و نزلت قريش منزلها أحدا يوم الأربعاء فأقاموا ذلك اليوم و يوم الخميس و يوم الجمعة، و راح رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث. 

  • و كان رأي عبد الله بن أبي مع رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يرى رأيه في ذلك أن لا 

تفسير الميزان ج٤

15
  • يخرج إليهم، و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن كان فاته يوم بدر و حضوره: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم و ضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله أقم بالمدينة فلا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، و لا دخلها علينا إلا أصبنا منهم فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر، و إن دخلوا قاتلهم النساء و الصبيان و الرجال بالحجارة من فوقهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا، و لم يزل الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فلبس لأمته، و ذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم و قد ندم الناس، و قالوا: استكرهنا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و لم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. 

  • فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة و أحد تحول عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، و مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب ذباب سيفه فاستله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و كان يحب الفال و لا يعتاف لصاحب السيف: شم سيفك فإني أرى السيوف ستستل اليوم، و مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حتى نزل بالشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره و عسكره إلى أحد، و تعبأ رسول الله ص للقتال و هو في سبعمائة رجل. 

  • و أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) على الرماة عبد الله بن جبير و الرماة خمسون رجلا فقال: انضح عنا الجبل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فأنت مكانك لنؤتين من قبلك، و ظاهر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بين درعين. 

  • و في الدر المنثور أيضا عن ابن جرير عن السدي في حديث: و خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى أحد في ألف رجل، و قد وعدهم الفتح أن يصبروا فرجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فأعيوه، و قالوا له: ما نعلم قتالا و لئن أطعتنا لترجعن معنا. 

  • و قال: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ}، و هم بنو سلمة و بنو حارثة هموا 

تفسير الميزان ج٤

16
  • بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي فعصمهم الله، و بقي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في سبعمائة. 

  • أقول: بنو سلمة و بنو حارثة حيان من الأنصار فبنو سلمة من الخزرج و بنو حارثة من الأوس. 

  • و في المجمع: روى ابن أبي إسحاق و السدي و الواقدي و ابن جرير و غيرهم و قالوا: كان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء في شوال سنة ثلاث من الهجرة، و خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إليهم يوم الجمعة، و كان القتال يوم السبت النصف من الشهر، و كسرت رباعية رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و شج في وجهه ثم رجع المهاجرون و الأنصار بعد الهزيمة و قد قتل من المسلمين سبعون، و شد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، و كان المشركون مثلوا بجماعة، و كان حمزة أعظم مثلة. 

  • أقول: الروايات في قصة أحد كثيرة جدا و لم نرو من بينها فيما تقدم و يأتي إلا النزر اليسير الذي يتوقف عليها فهم معاني الآيات النازلة فيها، فالآيات في شأن القصة أقسام: 

  • فمنها: ما تتعرض لفشل من فشل من القوم و تنازع أو هم أن يفشل يومئذ. 

  • و منها: ما نزل و لحنه العتاب و اللوم على من انهزم و انكشف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قد كان الله حرم عليهم ذلك. 

  • و منها: ما يتضمن الثناء على من استشهد قبل انهزام الناس، و من ثبت و لم ينهزم و قاتل حتى قتل. 

  • و منها: ما يشتمل على الثناء الجميل على من ثبت إلى آخر الغزوة و قاتل و لم يقتل. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٣٠الی ١٣٨]

  • {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٣٠وَ اِتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ١٣١ وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٣٢ وَ سَارِعُوا إِلى‌

تفسير الميزان ج٤

17
  • مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرَّاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ وَ اَلْكَاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعَافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ١٣٤ وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‌ مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ نِعْمَ أَجْرُ اَلْعَامِلِينَ ١٣٦ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ ١٣٧ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٨} 

  • (بيان‌) 

  • آيات داعية إلى الخير، زاجرة عن الشر و السوء، و هي مع ذلك لا تفقد الاتصال بما قبلها و لا ما بعدها من الآيات الشارحة لقصة غزوة أحد، و بيان ما كان في المؤمنين يومئذ من مساوئ الحالات و الخصال المذمومة التي لا يرتضيها الله سبحانه، و هي الموجبة لما دب فيهم من الوهن و الضعف و معصية الله و رسوله، فالآيات من تتمة الآيات النازلة في غزوة أحد. 

  • ثم هدايتهم إلى ما يأمنون به الوقوع في هذه الورطات المهلكة، و العقبات المردية و دعوتهم إلى تقوى الله و الثقة به و الثبات على طاعة الرسول، فهذه الآيات التسع خاصة فيها ترغيب و تحذير، فهي ترغب المؤمنين على المسارعة إلى الخير و هي الإنفاق في سبيل الله في السراء و الضراء، و كظم الغيظ و العفو عن الناس، و يجمعها بث الإحسان و الخير 

تفسير الميزان ج٤

18
  • في المجتمع، و الصبر على تحمل الأذى و السوء، و الصفح عن الإساءة قبالة الإساءة، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تستحفظ بها حياة المجتمع و يشد بها عظمه فيقوم على ساق، و من لوازم هذا الإنفاق و الإحسان ترك الربا و لذلك بدأ به، و هو كالتوطئة للدعوة إلى الإحسان و الإنفاق، فقد مر في آيات الإنفاق و الربا من سورة البقرة أن الإنفاق بجميع طرقه من أعظم ما يعتمد عليه بنية المجتمع، و أنه الذي ينفخ روح الوحدة في المجتمع الإنساني فتتحد به قواه المتفرقة فتنال بذلك سعادته في الحياة، و يقوى به على دفع كل آفة مهلكة أو موذية تقصده، و إن الربا من أعظم ما يضاد الإنفاق في خاصته هذه. 

  • فهذا ما يرغبهم الله فيه ثم يرغبهم في أن لا ينقطعوا عن ربهم بقواطع الذنوب و المعاصي فإن أتوا بما لا يرضاه لهم ربهم تداركوه بالتوبة و الرجوع إليه ثانيا و ثالثا من غير أن يكسلوا أو يتوانوا، و بهذين الأمرين يستقيم سيرهم في صراط الحياة السعيدة فلا يضلون و لا يقفون فيهلكوا. 

  • و هذا البيان كما ترى أحسن طريق يهدي به الإنسان إلى تكميل نفسه بعد ظهور النقص و أجود سبيل في علاج الرذائل النفسانية التي ربما دبت في النفوس المحلاة بالفضائل فأورثت السفال و السقوط و هددت بالهلكة و الردى. 

  • تعليم القرآن و قرانه العلم بالعمل‌ 

  • و هذا من دأب القرآن في تعليمه الإلهي إذ لم يزل يجعل في مدة نزولها و هي ثلاث و عشرون سنة لكليات تعاليمه مواد أولية حتى إذا عمل بشي‌ء منها أخذ صورة العمل الواقع مادة لتعليمهم ثانيا فألقاها إليهم بعد إصلاح الفاسد من أجزائه و تركيبه بالصحيح الباقي، و ذم الفاسد، و الثناء على الصحيح المستقيم و الوعد الجميل و الشكر الجزيل لفاعله، فكتاب الله العزيز كتاب علم و عمل لا كتاب فرض و تقدير، و لا كتاب تعمية و تقليد. 

  • فمثله مثل المعلم يلقي إلى تلامذته الكليات العلمية في أوجز بيان و أقصر لفظ و يأمرهم بالعمل بها ثم يأخذ ما عملوه ثانيا و يحلله إلى أوائل أجزائه من صحيح و فاسد فيبين لهم موارد النقص و القصور مشفعة بالعظة و الوعيد، و يمدح موارد الاستقامة و الصحة و يقارنها بالوعد و الشكر و يأمرهم بالعمل ثانيا، و هذا فعاله حتى يكملوا في 

تفسير الميزان ج٤

19
  • فنهم و يسعدوا في جدهم. 

  • و هذا الذي ذكرناه من الحقائق القرآنية اللائحة للمتدبر الدقيق في بادئ مرة فتراه سبحانه ينزل كليات الجهاد مثلا في آياته بادئ مرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ} (الآيات): «البقرة» ٢١٦ و يأمر المؤمنين به فيها ثم يأخذ قصة بدر ثانيا و يأمرهم بما يبين لهم فيها ثم قصة أحد ثم قصة أخرى و هكذا، و تراه سبحانه يقص قصص السابقين من الأنبياء و أممهم ثم يجعلها بعد إصلاحها و بيان وجه الحق فيها عبرة للاحقين و دستورا لعملهم و هكذا، و قد نزل في هذه الآيات من هذا القبيل قوله: {فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ} (الآية)، و قوله: {وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} (الآيات).

  • (بيان‌) 

  • قوله تعالى{يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا} إلى آخر الآيات الثلاث قد مر سابقا وجه إطلاق الأكل و إرادة الأخذ، و قوله: {أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} يشير إلى الوصف الغالب في الربا فإنه بحسب الطبع يتضاعف فيصير المال أضعافا مضاعفة بإنفاد مال الغير و ضمه إلى رأس المال الربوي. 

  • و في قوله: {وَ اِتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، إشارة إلى كفر آكل الربا كما مر في سورة البقرة في آيات الربا: {وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}: «البقرة: ٢٧٦». 

  • قوله تعالى{سَارِعُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ}، المسارعة هي الاشتداد في السرعة و هي ممدوحة في الخيرات، و مذمومة في الشرور. 

  • و قد قورن في القرآن الكريم المغفرة بالجنة في غالب الموارد، و ليس إلا لأن الجنة دار طهارة لا يدخل فيها قذارات المعاصي و الذنوب و أدرانها، و لا من تقذر بها إلا بعد المغفرة و الإزالة. 

  • و المغفرة و الجنة المذكورتان في هذه الآية تحاذيان ما في الآيتين التاليتين، أما المغفرة فتحاذي ما في قوله: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً}، و أما الجنة فتحاذي ما في قوله: {اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرَّاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ}

  • و أما قوله: {جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ}، فالمراد بالعرض السعة و هو استعمال شائع، و كان التعبير كناية عن بلوغها في السعة غايتها أو ما لا يحدها الوهم البشري، و له معنى آخر سنشير إليه في البحث الروائي الآتي. 

تفسير الميزان ج٤

20
  • و قوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} كالتوطئة لذكر ما يذكره بعد من أوصاف المتقين، فإن الغرض هو بيان الأوصاف التي ترتبط بحال المؤمنين في المقام أعني عند نزول هذه الآيات و قد نزلت بعد غزوة أحد و قد جرى عليهم و منهم ما جرى من الضعف و الوهن و المخالفة، و هم مع ذلك مشرفون على غزوات أخر مثلها، و حوادث تشابهها، و بهم حاجة إلى الاتحاد و الاتفاق و التلاؤم. 

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرَّاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ} إلى آخر الآية السراء و الضراء ما يسر الإنسان و ما يسوؤه أو اليسر و العسر، و الكظم‌ في الأصل هو شد رأس القربة بعد ملئها فاستعير للإنسان إذا امتلأ حزنا أو غضبا، و الغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه، بخلاف الغضب‌ فهو إرادة الانتقام أو المجازاة، و لذلك يقال: غضب الله و لا يقال: اغتاظ. 

  • و في قوله: {وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ}، إشارة إلى أن ما ذكره من الأوصاف معرف لهم، و إنما هو معرف للمحسنين في جنب الناس بالإحسان إليهم، و أما في جنب الله فمعرفهم ما في قوله تعالى: {وَ بُشْرى‌َ لِلْمُحْسِنِينَ إِنَّ اَلَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (الآيات): «الأحقاف: ١٣» بل هذا الإحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتد للمذكور في قوله: {اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرَّاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ} (الآية)، فإن الإنفاق و نحوه إذا لم يكن لوجه الله لم يكن له منزلة عند الله سبحانه على ما يدل عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} (الآية) و غيره. 

  • و يدل على ما ذكرناه قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ}: العنكبوت - ٦٩، فإن هذا الجهاد هو بذل الجهد و لا يكون إلا فيما يخالف هوى النفس و مقتضى الطبع، و لا يكون إلا إذا كان عندهم إيمان بأمور يقتضي الجري على مقتضاها، و الثبات عليها مقاومة بإزاء ما يحبه طبع الإنسان و تشتهيه نفسه، و لازمه بحسب القول و الاعتقاد أن يكونوا قائلين ربنا الله و هم مستقيمون عليه، و بحسب العمل أن يقيموا هذا القول بالجهاد في عبادة الله فيما بينهم و بين الله، و بالإنفاق و حسن العشرة فيما بينهم و بين الناس، فتحصل مما ذكرنا أن الإحسان إتيان الأعمال على وجه الحسن من جهة الاستقامة و الثبات على الإيمان بالله سبحانه. 

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: {وَ نِعْمَ 

تفسير الميزان ج٤

21
  • أَجْرُ اَلْعَامِلِينَ}الفاحشة ما تتضمن الفحش و القبيح من الأفعال، و شاع استعماله في الزنا، فالمراد بالظلم بقرينة المقابلة سائر المعاصي الكبيرة و الصغيرة، أو خصوص الصغائر على تقدير أن يراد بالفاحشة المنكر من المعاصي و هي الكبائر، و في قوله: {ذَكَرُوا اَللَّهَ} إلخ دلالة على أن الملاك في الاستغفار أن يدعو إليه ذكر الله تعالى دون مجرد التلفظ باعتياد و نحوه، و قوله: {وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللَّهُ} تشويق و إيقاظ لقريحة اللواذ و الالتجاء في الإنسان. 

  • و قوله: {وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‌ مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}، إنما قيد به الاستغفار لأنه يورث في النفس هيئة لا ينفع معه ذكر مقام الرب تعالى و هي الاستهانة بأمر الله، و عدم المبالاة بهتك حرماته، و الاستكبار عليه تعالى، و لا تبقى معه عبودية و لا ينفع معه ذكر، و لذلك بعينه قيده بقوله: {وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}، و هذه قرينة على كون الظلم في صدر الآية يشمل الصغائر أيضا، و ذلك أن الإصرار على الذنب يستوجب الاستهانة بأمر الله و التحقير لمقامه سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر، فقوله: {مَا فَعَلُوا} أعم من الكبيرة، و المراد بما فعلوا هو الذي ذكر في صدر الآية، و إذ ليست الصغيرة فاحشة فهو ظلم النفس لا محالة. 

  • و قوله: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ} بيان لأجرهم الجزيل، و ما ذكره تعالى في هذه الآية هو عين ما أمر بالمسارعة إليه في قوله: {وَ سَارِعُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ} إلخ و من ذلك يعلم أن الأمر إنما كان بالمسارعة إلى الإنفاق و كظم الغيظ و العفو عن الناس و الاستغفار. 

  • قوله تعالى{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا}، السنن‌ جمع سنة و هي الطريقة المسلوكة في المجتمع، و الأمر بالسير في الأرض لمكان الاعتبار بآثار الماضين من الأمم الغابرة، و الملوك و الفراعنة الطاغية حيث لم ينفعهم شواهق قصورهم، و لا ذخائر كنوزهم، و لا عروشهم و لا جموعهم، و قد جعلهم الله أحاديث يعتبر بها المعتبرون، و يتفكه بها المغفلون. 

  • و أما حفظ آثارهم و كلاءة تماثيلهم و الجهد في الكشف عن عظمتهم و مجدهم الظاهر الدنيوي الذي في أيامهم فمما لا يعتني به القرآن، فإنما هي الوثنية التي لا تزال تظهر كل حين في لباس، و سنبحث إن شاء الله في هذا المعنى في بحث مستقل نحلل فيه معنى الوثنية. 

تفسير الميزان ج٤

22
  • قوله تعالى{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} (الآية) التقسيم باعتبار التأثير فهو بلاغ و إبانة لبعض و هدى و موعظة لآخرين. 

  • بحث روائي‌

  • في المجمع في قوله تعالى: {جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه سئل إذا كانت الجنة عرضها السماوات و الأرض فأين تكون النار؟ فقال (صلى الله عليه وآله و سلم): سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟ 

  • أقول: و رواه السيوطي في الدر المنثور، عن التنوخي في كتاب جاء به من هرقل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يسأله عن هذه الآية فأجاب عنها بذلك، و رواه أيضا بطريق آخر عن أبي هريرة:أن رجلا سأله عن ذلك فأجاب بذلك. 

  • و ما فسر كلامه (صلى الله عليه وآله و سلم) بأن المراد كون النار في علم الله تعالى كما أن الليل عند مجي‌ء النهار في علم الله تعالى فإن أريد أن النار لا يعزب عن علمه تعالى فمن المعلوم أن هذا الجواب لا يدفع الإشكال فإن السؤال إنما هو عن مكان النار لا عن علم الله تعالى بها، و إن أريد أن من الممكن أن يكون هناك مكان آخر وراء السماوات و الأرض تكون النار متمكنة فيها فهو و إن لم يكن مستبعدا في نفسه لكن مقايسة الجنة و النار بالنهار و الليل حينئذ لا تكون في محلها، فإن الليل لا يخرج عن حيطة السماوات و الأرض عند مجي‌ء النهار فالحق أنه تفسير غير مرضي. 

  • و أظن أن الرواية ناظرة إلى معنى آخر و توضيحه: أن الآخرة بنعيمها و جحيمها و إن كانت مشابهة للدنيا و لذائذها و آلامها و كذلك الإنسان الحال فيها و إن كان هو الإنسان الذي في الدنيا بعينه على ما هو مقتضى ظواهر الكتاب و السنة غير أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا، فإنما الآخرة دار أبدية و بقاء، و الدنيا دار زوال و فناء، و لذلك كان الإنسان يأكل و يشرب و ينكح و يتمتع في الجنة فلا يعرضه ما يعرض هذه الأفعال في الدنيا، و كذلك الإنسان يحترق بنار الجحيم، و يقاسي الآلام و المصائب في مأكله و مشربه و مسكنه و قرينه في النار و لا يطرأ عليه ما يطرأ عليه معها و هو في الدنيا، و يعمر عمر الأبد و لا يؤثر فيه ذلك كهولة أو شيبا أو هرما 

تفسير الميزان ج٤

23
  • و هكذا، و ليس إلا أن العوارض و الطواري المذكورة من لوازم النظام الدنيوي دون مطلق النظام الأعم منه و من النظام الأخروي، فالدنيا دار التزاحم و التمانع دون الآخرة. 

  • و مما يدل عليه أن الذي نجده في ظرف مشاهدتنا من الحوادث الواقعة يغيب عنا إذا شاهدنا غيره ثانيا كحوادث الأمس و حوادث اليوم، و الليل و النهار و غير ذلك، و أما الله سبحانه فلا يغيب عنه هذا الذي نشاهده أولا و يغيب عنا ثانيا و لا الذي نجده بعده و لا مزاحمة بينهما، فالليل و النهار و كذا الحوادث المقارنة لهما متزاحمات متمانعات بحسب نظام المادة و الحركة، و هي بعينها لا تتزاحم و لا تتمانع بحسب نظام آخر، و يستفاد ذلك من قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ إِلىَ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا اَلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً}: «الفرقان: ٤٦». 

  • و إذا أمكن ذلك في مثل الليل و النهار و هما متزاحمان جاز في السماوات و الأرض أن تسع ما يساويهما سعة، و تسع مع ذلك شيئا آخر يساويه مقدارا كالجنة و النار مثلا لكن لا بحسب نظام هذه الدار بل بحسب نظام الآخرة، و لهذا نظائر في الأخبار كما ورد: أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، و ما ورد: أن المؤمن يوسع له في قبره مد بصره. 

  • فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله (صلى الله عليه وآله و سلم): سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟ لظهور أن لو كان المراد أن الله سبحانه لا يجهل الليل إذا علم بالنهار لم يرتبط بالسؤال، و كذا لو كان المراد أن الليل يبقى في الخارج مع مجي‌ء النهار اعترض عليه السائل بأن الليل يبطل مع وجود النهار إذا قيسا إلى محل واحد من مناطق الأرض، و إن اعتبرا من حيث نفسهما فالليل بحسب الحقيقة ظل مخروط حادث من إنارة الشمس، و هو يدور حول الكرة الأرضية بحسب الحركة اليومية فالليل و النهار سائران حول الأرض دائما من غير بطلان و لا عينيه. 

  • و للرواية نظائر بين الروايات كما ورد في تفسير قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اَللَّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ}: الأنفال - ٣٧ من قوله (عليه السلام): إذا غابت الشمس فأين يصير هذا الشعاع المنبسط على الأرض؟ الحديث، و سيجي‌ء البحث عنها. 

  • و في الدر المنثور: في قوله تعالى: {وَ اَلْكَاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعَافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ} (الآية): 

تفسير الميزان ج٤

24
  • أخرج البيهقي عن علي بن الحسين أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله يقول: {وَ اَلْكَاظِمِينَ اَلْغَيْظَ}، قال: قد كظمت غيظي، قالت‌{وَ اَلْعَافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ}، قال: قد عفا الله عنك، قالت {وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ}، قال: اذهبي فأنت حرة. 

  • أقول: و هو مروي من طرق الشيعة أيضا، و ظاهر الرواية أنه (عليه السلام) يفسر الإحسان بما يزيد على هذه الصفات و هو كذلك بحسب إطلاق مفهومه غير أن الصفات المذكورة قبله من لوازم معناه فمن الممكن أن يعرف بها الإحسان. 

  • و اعلم أن هناك روايات كثيرة جدا في حسن الخلق و سائر الأخلاق الفاضلة كالإنفاق و الكظم و العفو و نحوها واردة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت (عليه السلام) أخرنا إيرادها إلى محل آخر أنسب لها. 

  • و في المجالس عن عبد الرحمن بن غنم الدوسي:أن قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً}«إلخ» نزل في بهلول النباش، و كان ينبش القبور فنبش قبر واحدة من بنات الأنصار فأخرجها و نزع أكفانها و كانت بيضاء جميلة فسول له الشيطان فزنى بها ثم ندم فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فرده، ثم اعتزل الناس و انقطع عنهم يتعبد و يتبتل في بعض جبال المدينة حتى قبل الله توبته و نزل فيه القرآن.

  • أقول: و الرواية مفصلة نقلناها ملخصة، و لو صحت الرواية لكانت سببا آخر لنزول الآية غير السبب الواحد الشامل لمجموع آيات القصة. 

  • و في تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام): في قوله تعالى: {وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىَ مَا فَعَلُوا} (الآية) قال: الإصرار أن يذنب المذنب فلا يستغفر الله و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار. 

  • و في الدر المنثور أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: قال إبليس: يا رب و عزتك لا أزال أغوي بني آدم ما كانت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: و عزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. 

  • و في الكافي عن الصادق (عليه السلام): لا صغيرة مع الإصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار. 

  • و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال و في كتاب الله نجاة من 

تفسير الميزان ج٤

25
  • الردى، و بصيرة من العمى، و شفاء لما في الصدور فيما أمركم الله به من الاستغفار و التوبة قال الله: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىَ مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}، و قال: {وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ يَجِدِ اَللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً}، فهذا ما أمر الله به من الاستغفار، و اشترط معه التوبة و الإقلاع عما حرم الله فإنه يقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، و بهذه الآية يستدل أن الاستغفار لا يرفعه إلى الله إلا العمل الصالح و التوبة. 

  • أقول: قد استفاد (عليه السلام) الإقلاع و عدم العود بعد التوبة من نفي الإصرار، و كذا احتياج التوبة و الاستغفار إلى صالح العمل بعده من عموم الكلم الطيب في قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ} (الآية). 

  • و في المجالس عن الصادق (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً}، صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا له: يا سيدنا لم تدعونا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا و كذا فقال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذاك فقال: لست لها، فقال الوسواس الخناس: أنا لها قال: بما ذا؟ قال أعدهم و أمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوها أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة. 

  • أقول: و الرواية مروية من طرق أهل السنة أيضا. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٣٩ الی ١٤٨] 

  • {وَ لاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١٣٩ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ اَلظَّالِمِينَ ١٤٠وَ لِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ ١٤١ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا

تفسير الميزان ج٤

26
  • مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصَّابِرِينَ ١٤٢ وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ١٤٣ وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىَ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ ١٤٤ وَ مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَ سَنَجْزِي اَلشَّاكِرِينَ ١٤٥ وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ مَا ضَعُفُوا وَ مَا اِسْتَكَانُوا وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلصَّابِرِينَ ١٤٦ وَ مَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَ اُنْصُرْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكَافِرِينَ ١٤٧ فَآتَاهُمُ اَللَّهُ ثَوَابَ اَلدُّنْيَا وَ حُسْنَ ثَوَابِ اَلْآخِرَةِ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ١٤٨} 

  • (بيان) 

  • الآيات كما ترى تتمة للآيات السابقة المبتدئة بقوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا}، كما أن الآيات السابقة بأوامرها و نواهيها توطئة لهذه الآيات التي تشتمل على أصل المقصود من أمر و نهي و ثناء و توبيخ. 

  • قوله تعالى: «{وَ لاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}» الوهن‌: هو الضعف في خلق أو خلق على ما ذكره الراغب، و المراد به هنا ضعفهم من حيث 

تفسير الميزان ج٤

27
  • العزيمة و الاهتمام على إقامة الدين و قتال أعدائه، و الحزن‌ خلاف الفرح و إنما يعرض الإنسان بفقده شيئا يملكه مما يحبه أو أمرا يقدر نفسه مالكة له. 

  • و في قوله تعالى: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}، دلالة على أن سبب وهنهم و حزنهم ما شاهدوه من إصابة القرح إياهم، و استعلاء الكفار عليهم، فإن المشركين و إن لم ينالوا كل الغلبة و الظفر على المؤمنين و لم تختتم الوقعة على الانهزام التام من المؤمنين لكن الذي أصاب المؤمنين كان أشد و أوجع و هو شهادة سبعين من سراتهم و شجعانهم، و وقوع ما وقع في عقر دارهم فكان هذا سبب وهنهم و حزنهم، و وقوع قوله: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ}«إلخ» موقع التعليل هو الوجه في كون هذين النهيين نهيا عن وهن و حزن واقعين لا مقدرين و لا متوقعين. 

  • و قد أطلق قوله: {اَلْأَعْلَوْنَ} من غير تقييد و لكن اشترط بالإيمان فمحصل المعنى: لا ينبغي لكم أن تهنوا في عزمكم، و لا أن تحزنوا لما فاتكم من الظفر على أعدائكم، و الانتصار منهم إن كان فيكم الإيمان، فإن الإيمان أمر يستصحب علاءكم البتة إذ هو يلازم التقوى و الصبر و فيهما ملاك الفتح و الظفر، و أما القرح الذي أصابكم فلستم بمتفردين فيه بل القوم و هم المشركون قد أصابهم مثله فلم يسبقوكم في شي‌ء حتى يوجب ذلك وهنكم و حزنكم. 

  • و اشتراط علوهم بالإيمان مع كون الخطاب للذين آمنوا إنما هو للإشارة إلى أن الجماعة و إن كانوا لا يفقدون الإيمان إلا أنهم غير عاملين بما يقتضيه من الصفات كالصبر و التقوى و إلا لأثر أثره. 

  • و هذا حال كل جماعة مختلفة الحال في الإيمان فيهم المؤمن حقا و الضعيف إيمانا و المريض قلبا، و يكون مثل هذا الكلام تنشيطا لنفس مؤمنهم، و عظة لضعيفهم و عتابا و تأنيبا لمريضهم. 

  • قوله تعالى: «{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}» القرح بفتح القاف الأثر من الجراحة من شي‌ء يصيبه من خارج، و القرح بالضم أثرها من داخل كالبثرة و نحوها قاله الراغب و كأنه كناية عما أصابهم يوم أحد بفرض مجموع المسلمين شخصا واحدا أصابه جراحة من عدوه و هو قتل من قتل منهم، و جراحة من جرح 

تفسير الميزان ج٤

28
  • منهم، و فوت النصر و الفتح بعد ما أطلا عليهم. 

  • و هذه الجملة أعني قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ} «إلخ» و ما بعدها من الجمل المتسقة إلى قوله: {وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ} في موضع التعليل كما مر لقوله: {وَ لاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا} اه كما أن قوله: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ} تعليل آخر. 

  • و الفرق بين النوعين من التعليل أن الأول أعني قوله: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ} إلخ، تعليل من طريق التخطئة لظنهم، فإنهم إنما وهنوا و حزنوا لما ظنوا علاء المشركين عليهم فخطاهم الله بأن ملاك العلاء معكم إن كنتم مؤمنين لا مع المشركين، و قد قال تعالى: {وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ}: «الروم: ٤٧». 

  • و أما الثاني فمن طريق بيان حال الفريقين المؤمنين و المشركين أو بيان الحكم و المصالح التي ترجع إلى أصل واحد و هو السنة الإلهية الجارية بمداولة الأيام بين الناس. 

  • قوله تعالى: «{وَ تِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ}» اليوم‌ هو المقدار المعتد به من الزمان اللازم لحدوث الحوادث فيختلف باختلاف الحوادث، و قد شاع استعماله فيما بين طلوع الشمس و غروبها، و ربما استعمل في الملك و السلطنة و القهر و نحوها بعلاقة الظرف و المظروف، فيقال يوم جماعة كذا و يوم آل فلان أي تقدمهم و حكومتهم على غيرهم، و قد يقال لنفس الزمان الذي وقع فيه ذلك، و المراد بالأيام في الآية هو هذا المعنى. و المداولة جعل الشي‌ء يتناوله واحد بعد آخر. فالمعنى: أن السنة الإلهية جرت على مداولة الأيام بين الناس من غير أن توقف على قوم و يذب عنها قوم لمصالح عامة تتبع هذه السنة لا تحيط أفهامكم إلا ببعضها دون جميعها. 

  • قوله تعالى: «{وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}» إلخ عطف على محذوف حذف للتلويح على أنه مما لا تحيط به الأفهام و لا تدركه العقول إلا من بعض جهاتها، و الذي ينفع المؤمنين العلم به هو ما ذكره بقوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} إلخ و بقوله: {وَ لِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ}

  • أما قوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا}، فالمراد به ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه و خفائه، فإن علمه تعالى بالحوادث و الأشياء في الخارج عين وجودها فيه فإن الأشياء 

تفسير الميزان ج٤

29
  • معلومة له تعالى بنفس وجودها لا بصورة مأخوذة منها نظير علومنا و إدراكاتنا و هو ظاهر، و لازم ذلك أن يكون إرادته تعالى العلم بشي‌ء هي إرادة تحققه و ظهوره و حيث قال: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا}، فأخذ وجودهم محققا أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم، و إذا كان ذلك على سنة الأسباب و المسببات لم يكن بد من وقوع أمور توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه فافهم ذلك. 

  • و أما قوله: {وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}، فالشهداء شهداء الأعمال و أما الشهداء بمعنى المقتولين في معركة القتال فلا يعهد استعماله في القرآن، و إنما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية، كما مر في قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ}: البقرة - ١٤٣ على أن قوله: {وَ يَتَّخِذَ}، أيضا لا يلائم الشهداء بمعنى المقتولين في المعركة كثير ملاءمة، فلا يقال: اتخذ الله فلانا مقتولا في سبيله و شهيدا كما يقال: اتخذ الله إبراهيم خليلا، و اتخذ الله موسى كليما، و اتخذ الله النبي شهيدا يشهد على أمته يوم القيامة. 

  • و قد غير السياق فقال: و يتخذ منكم شهداء، و لم يقل: و يتخذهم شهداء لأن الشهادة و إن أضيفت إلى الأمة في قوله: {وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى اَلنَّاسِ}: البقرة - ١٤٣ إلا أنها من قبيل وصف البعض المضاف إلى الكل، و الشهداء بعض الأمة دون كلهم، و قد مر بيان ذلك في سورة البقرة، و يمكن أن يتأيد هذا الذي ذكرناه بقوله بعده: {وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ اَلظَّالِمِينَ}

  • و أما قوله: {وَ لِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ} فالتمحيص‌ هو تخليص الشي‌ء من الشوائب الخارجة، و المحق‌ إنفاد الشي‌ء تدريجا و إزالته شيئا فشيئا، و هذا التمحيص من حكم مداولة الأيام و مصالحها، و هو غير العلم بالذين آمنوا الذي هو أيضا من حكم مداولة الأيام، فإن تمييز المؤمن من غير المؤمن أمر و تخليص إيمانه بعد التمييز من شوائب الكفر و النفاق و الفسوق أمر آخر، و لذلك قوبل بالمحق للكافرين، فالله سبحانه يزيل أجزاء الكفر و نحوه من المؤمن شيئا فشيئا حتى لا يبقى إلا إيمانه، فيكون خالصا لله، و يبيد أجزاء الكفر و الشرك و الكيد من الكافر شيئا فشيئا حتى لا يبقى شي‌ء. 

  • فهذه وجوه من الحكمة في مداولته تعالى الأيام بين الناس، و عدم استمرار الدولة بين قوم خاص، و لله الأمر كله يفعل ما يشاء، و لا يفعل إلا الأصلح الأنفع كما 

تفسير الميزان ج٤

30
  • قال: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبَاطِلَ فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ اَلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ} رعد - ١٧ و قال الله تعالى قبيل هذه الآيات: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فنفى أن يكون لنبيه من الأمر شي‌ء، و قصر الأمر في نفسه يحكم في خلقه كيف يشاء. 

  • و هذا الكلام أعني ما يبين أن الأيام مقسومة بين الناس لغرض الامتحان و تمييز المؤمن من الكافر و تمحيص المؤمنين و محق الكافرين مع ما مر من نفي رجوع الأمر إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يكشف عن أن المؤمنين كان يظن أكثرهم أن كونهم على دين الحق سبب تام في غلبتهم أينما غزوا و ظهورهم على الباطل كيفما كانوا، فهم يملكون الأمر لا يدفعون عن ذلك، و قد أجرأهم على هذا الحسبان ما شاهدوه يوم بدر من ظهورهم العجيب على عدوهم و نزول ملائكة النصر، و هذا ظن فاسد يوجب بطلان نظام الامتحان و التمحيص و في ذلك بطلان مصلحة الأمر و النهي و الثواب و العقاب، و يؤدي ذلك إلى انهدام أساس الدين فإنما الدين دين الفطرة غير مبني على خرق العادة الجارية و السنة الإلهية القائمة في الوجود بابتناء الغلبة و الهزيمة على أسبابهما العادية. 

  • شرح سبحانه بعد بيان أن الأيام دول متداولة لغرض الامتحان و الابتلاء في ملامتهم في حسبان هذا النظر الباطل و بيان حقيقة الحال فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ} إلى آخر الآيات. 

  • قوله تعالى{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ} إلى آخر الآيتين و هذا أعني ظنهم أن يدخلوا الجنة من غير أن يمتحنوا لازم الظن المذكور آنفا، و هو أنهم لما كانوا على الحق و الحق لا يغلب عليه فأمر الظفر و الغلبة إليهم، لن ينهزموا و لن يغلبوا أبدا، و من المعلوم أن لازم هذا الظن أن يكون كل من آمن بالنبي و لحق بجماعة المؤمنين سعيدا في دنياه بالغلبة و الغنيمة، و سعيدا في آخرته بالمغفرة و الجنة، و يبطل الفرق بين ظاهر الإيمان و حقيقته و يرتفع التمايز بين الدرجات، فإيمان المجاهد و إيمان المجاهد الصابر واحد، و من تمنى خيرا ففعله إذا حان حينه كان كمن تمنى خيرا ثم تولى إذا أصابه. 

  • و على هذا فقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا} «إلخ» من قبيل وضع المسبب موضع السبب أي حسبتم أن الدولة مكتوبة لكم فأنتم لا تبتلون بل تدخلون الجنة من غير أن يتميز 

تفسير الميزان ج٤

31
  • المستحق لها منكم من غير المستحق، و صاحب الدرجة الرفيعة منكم من غيره؟

  • و أما قوله تعالى: {وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ} (الآية) ففيه تثبيت أن ظنهم ذاك كان فاسدا فإنهم كانوا يتمنون الموت قبل حضور الغزوة حتى إذا حضرت و رأوه رأي العين لم يقدموا و لم يتناولوا ما كانوا يتمنونه، بل فشلوا و تولوا عن القتال، فهل كان من الجائز أن يدخلوا الجنة بمجرد هذا التمني من غير أن يمتحنوا أو يمحصوا؟ أو لم يكن من الواجب أن يختبروا. 

  • و بهذا يظهر أن في الكلام تقديرا، و المعنى: فقد رأيتموه و أنتم تنظرون فلم تقدموا عليه، و يمكن أن يكون قوله: تنظرون كناية عن عدم إقدامهم أي تكتفون بمجرد النظر من غير إقدام، و فيه عتاب و توبيخ.

  • كلام في الامتحان و حقيقته‌ 

  • لا ريب أن القرآن الكريم يخص أمر الهداية بالله سبحانه غير أن الهداية فيه لا تنحصر في الهداية الاختيارية إلى سعادة الآخرة أو الدنيا فقد قال تعالى فيما قال: {اَلَّذِي أَعْطى‌ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‌}: طه: ٥٠، فعمم الهداية لكل شي‌ء من ذوي الشعور و العقل و غيرهم، و أطلقها أيضا من جهة الغاية، و قال أيضا: {اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‌}: الأعلى -٣، و الآية من جهة الإطلاق كسابقتها. 

  • و من هنا يظهر أن هذه الهداية غير الهداية الخاصة التي تقابل الإضلال فإن الله سبحانه نفاها و أثبت مكانها الضلال في طوائف و الهداية العامة لا تنفي عن شي‌ء من خلقه، قال تعالى: {وَ اَللَّهُ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ}: الجمعة ٥، و قال: {وَ اَللَّهُ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفَاسِقِينَ}: الصف - ٥، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. 

  • و كذا يظهر أيضا أن الهداية المذكورة غير الهداية بمعنى إراءة الطريق العامة للمؤمن و الكافر كما في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ اَلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً}: الدهر - ٣، و قوله: {وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‌ عَلَى اَلْهُدى‌}: حم السجدة - ١٧، فإن ما في هاتين الآيتين و نظائرهما من الهداية لا يعم غير أرباب الشعور و العقل و قد عرفت أن ما في قوله: {ثُمَّ هَدى‌} و قوله: {وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‌} عام من حيث المورد و الغاية جميعا، 

تفسير الميزان ج٤

32
  • على أن الآية الثانية تفرع الهداية على التقدير، و الهداية الخاصة لا تلائم التقدير الذي هو تهيئة الأسباب و العلل لسوق الشي‌ء إلى غاية خلقته، و إن كانت تلك الهداية أيضا من جهة النظام العام في العالم داخلة في حيطة التقدير لكن النظر غير النظر فافهم ذلك. 

  • و كيف كان فهذه الهداية العامة هي هدايته تعالى كل شي‌ء إلى كمال وجوده، و إيصاله إلى غاية خلقته، و هي التي بها نزوع كل شي‌ء إلى ما يقتضيه قوام ذاته من نشوء و استكمال و أفعال و حركات و غير ذلك، و للكلام ذيل طويل سنشرحه إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله العزيز. 

  • و الغرض أن كلامه تعالى يدل على أن الأشياء إنما تنساق إلى غاياتها و آجالها بهداية عامة إلهية لا يشذ عنها شاذ، و قد جعلها الله تعالى حقا لها على نفسه و هو لا يخلف الميعاد، كما قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدىَ وَ إِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَ اَلْأُولىَ}: الليل - ١٣، و الآية كما ترى تعم بإطلاقها الهداية الاجتماعية للمجتمعات و الهداية الفردية مضافة إلى ما تدل عليه الآيتان السابقتان. 

  • فمن حق الأشياء على الله تعالى هدايتها تكوينا إلى كمالها المقدر لها و هدايتها إلى كمالها المشرع لها، و قد عرفت فيما مر من مباحث النبوة أن التشريع كيف يدخل في التكوين و كيف يحيط به القضاء و القدر فإن النوع الإنساني له نوع وجود لا يتم أمره إلا بسلسلة من الأفعال الاختيارية الإرادية التي لا تقع إلا عن اعتقادات نظرية و عملية فلا بد أن يعيش تحت قوانين حقة أو باطلة، جيدة أو ردية، فلا بد لسائق التكوين أن يهيئ له سلسلة من الأوامر و النواهي (الشريعة) و سلسلة أخرى من الحوادث الاجتماعية و الفردية حتى يخرج بتلاقيه معهما ما في قوته إلى الفعل فيسعد أو يشقى و يظهر ما في مكمن وجوده، و عند ذلك ينطبق على هذه الحوادث و هذا التشريع اسم المحنة و البلاء و نحوهما. 

  • توضيح ذلك أن من لم يتبع الدعوة الإلهية و استوجب لنفسه الشقاء فقد حقت عليه كلمة العذاب إن بقي على تلك الحال، فكل ما يستقبله من الحوادث المتعلقة بها الأوامر و النواهي الإلهية و يخرج بها من القوة إلى الفعل تتم له بذلك فعلية جديدة من الشقاء و إن كان راضيا بما عنده مغرورا بما يجده، فليس ذلك إلا مكرا إلهيا فإنه 

تفسير الميزان ج٤

33
  • يشقيهم بعين ما يحسبونه سعادة لأنفسهم و يخيب سعيهم في ما يظنونه فوزا لأنفسهم، قال تعالى: {وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللَّهُ وَ اَللَّهُ خَيْرُ اَلْمَاكِرِينَ}: آل عمران - ٥٤، و قال: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}: فاطر- ٤٣، و قال: {لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَ مَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ}: الأنعام - ١٢٣، و قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}: الأعراف - ١٨٣، فما يتبجح به المغرور الجاهل بأمر الله أنه سبق ربه في ما أراده منه بالمخالفة و التمرد فإنه يعينه على نفسه فيما أراده، قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: العنكبوت - ٤، و من أعجب الآيات في هذا الباب قوله تعالى {فَلِلَّهِ اَلْمَكْرُ جَمِيعاً}: الرعد - ٤٢. 

  • فجميع هذه المماكرات و المخالفات و المظالم و التعديات التي تظهر من هؤلاء بالنسبة إلى الوظائف الدينية، و كل ما يستقبلهم من حوادث الأيام و يظهر بها منهم ما أضمروه في قلوبهم و دعتهم إلى ذلك أهواؤهم، مكر إلهي و إملاء و استدراج فإن من حقهم على الله أن يهديهم إلى عاقبة أمرهم و خاتمته و قد فعل، و الله غالب على أمره. 

  • و هذه الأمور بعينها إذا نسبت إلى الشيطان كانت أقسام الكفر و المعاصي إغواء منه لهم، و النزوع إليها دعوة و وسوسة و نزعة و وحيا و إضلالا، و الحوادث الداعية و ما يجري مجراها زينة له و وسائل و حبائل و شبكات منه على ما سيجي‌ء بيانه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى. 

  • و أما المؤمن الذي رسخ في قلبه الإيمان فما تظهر منه من الطاعات و العبادات و كذا الحوادث التي تستقبله فيظهر منه عندها ذلك، ينطبق عليها مفهوم التوفيق و الولاية الإلهية و الهداية بالمعنى الأخص نوع انطباق، قال تعالى: {وَ اَللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ}: آل عمران - ١٣، و قال: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ}: آل عمران - ٦٨، و قال: {اَللَّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ}: البقرة - ٢٥٧، و قال: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}: يونس - ٩، و قال: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ}: الأنعام - ١٢٢، هذا إذا نسبت هذه الأمور إلى الله سبحانه، و أما إذا نسبت إلى الملائكة فتسمى تأييدا و تسديدا منهم، قال تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي 

تفسير الميزان ج٤

34
  •  قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}: المجادلة -٢٢. 

  • ثم إنه كما أن الهداية العامة تصاحب الأشياء من بدء كونها إلى آخر أحيان وجودها ما دامت سالكة سبيل الرجوع إلى الله سبحانه كذلك المقادير تدفعها من ورائها كما هو ظاهر قوله تعالى: {وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىَ}: الأعلى - ٣، فإن المقادير التي تحملها العلل و الأسباب المحتفة بوجود الشي‌ء هي التي تحول الشي‌ء من حال أولى إلى حال ثانية و هلم جرا فهي لا تزال تدفع الأشياء من ورائها. 

  • و كما أن المقادير تدفعها من ورائها كذلك الآجال (و هي آخر ما ينتهي إليه وجود الأشياء) تجذبها من أمامها كما يدل عليه قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ}: الأحقاف - ٣، فإن الآية تربط الأشياء بغاياتها و هي الآجال، و الشيئان المرتبطان إذا قوي أحدهما على الآخر كان حاله بالنسبة إلى قرينه هو المسمى جذبا و الآجال المسماة أمور ثابتة غير متغيرة فهي تجذب الأشياء من أمامها و هو ظاهر. 

  • فالأشياء محاطة بقوى إلهية: قوة تدفعها، و قوة تجذبها، و قوة تصاحبها و تربيها و هي القوى الأصلية التي تثبتها القرآن الكريم غير القوى الحافظة و الرقباء و القرناء كالملائكة و الشياطين و غير ذلك. 

  • ثم إنا نسمي نوع التصرفات في الشي‌ء إذا قصد به مقصد لا يظهر حاله بالنسبة إليه: هل له صلوحه أو ليس له؟ بالامتحان و الاختبار، فإنك إذا جهلت حال الشي‌ء أنه هل يصلح لأمر كذا أو لا يصلح؟ أو علمت باطن أمره و لكن أردت أن يظهر منه ذلك أوردت عليه أشياء مما يلائم المقصد المذكور حتى يظهر حاله بذلك هل يقبلها لنفسه أو يدفعها عن نفسه؟ و تسمي ذلك امتحانا و اختبارا و استعلاما لحاله، أو ما يقاربها من الألفاظ. 

  • و هذا المعنى بعينه ينطبق على التصرف الإلهي بما يورده من الشرائع و الحوادث الجارية على أولي الشعور و العقل من الأشياء كالإنسان، فإن هذه الأمور يظهر بها حال الإنسان بالنسبة إلى المقصد الذي يدعى إليه الإنسان بالدعوة الدينية فهي امتحانات إلهية. 

  • و إنما الفرق بين الامتحان الإلهي و ما عندنا من الامتحان أنا لا نخلو غالبا عن 

تفسير الميزان ج٤

35
  • الجهل بما في باطن الأشياء فنريد بالامتحان استعلام حالها المجهول لنا، و الله سبحانه يمتنع عليه الجهل و عنده مفاتح الغيب، فالتربية العامة الإلهية للإنسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة و السعادة امتحان لأنه يظهر و يتعين بها حال الشي‌ء أنه من أهل أي الدارين دار الثواب أو دار العقاب؟

  • و لذلك سمى الله تعالى هذا التصرف الإلهي من نفسه أعني التشريع و توجيه الحوادث بلاء و ابتلاء و فتنة فقال بوجه عام: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}: الكهف - ٧، و قال: {إِنَّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}: الدهر- ٢، و قال: {وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً}: الأنبياء - ٣٥، و كأنه يريد به ما يفصله قوله: {فَأَمَّا اَلْإِنْسَانُ إِذَا مَا اِبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَ أَمَّا إِذَا مَا اِبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}: الفجر - ١٦، و قال: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}: التغابن - ١٥، و قال: {وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}: محمد - ٤، و قال: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}: الأعراف ١٦٣-، و قال: {وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً}: الأنفال - ١٧، و قال: {أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللَّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكَاذِبِينَ}: العنكبوت - ٣. 

  • و قال في مثل إبراهيم: {وَ إِذِ اِبْتَلىَ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} البقرة - ١٢٤، و قال في قصة ذبح إسماعيل: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْبَلاَءُ اَلْمُبِينُ}: الصافات - ١٠٦، و قال في موسى: {وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً}: طه -٤٠، إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و الآيات كما ترى تعمم المحنة و البلاء لجميع ما يرتبط به الإنسان من وجوده و أجزاء وجوده كالسمع و البصر و الحياة، و الخارج من وجوده المرتبط به بنحو كالأولاد و الأزواج و العشيرة و الأصدقاء و المال و الجاه و جميع ما ينتفع به نوع انتفاع، و كذا مقابلات هذه الأمور كالموت و سائر المصائب المتوجهة إليه، و بالجملة الآيات تعد كل ما يرتبط به الإنسان من أجزاء العالم و أحوالها فتنة و بلاء من الله سبحانه بالنسبة إليه. 

  • و فيها تعميم آخر من حيث الأفراد فالكل مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر، و صالح أو طالح، و نبي أو من دونه، فهي سنة جارية لا يستثني منها أحد. 

تفسير الميزان ج٤

36
  • فقد بان أن سنة الامتحان سنة إلهية جارية، و هي سنة عملية متكئة على سنة أخرى تكوينية و هي سنة الهداية العامة الإلهية من حيث تعلقها بالمكلفين كالإنسان و ما يتقدمها و ما يتأخر عنها أعني القدر و الأجل كما مر بيانه. 

  • و من هنا يظهر أنها غير قابلة للنسخ فإن انتساخها عين فساد التكوين و هو محال، و يشير إلى ذلك ما يدل من الآيات على كون الخلقة على الحق، و ما يدل على كون البعث حقا كقوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى}الأحقاف -٣، و قوله تعالى: {أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}المؤمنون - ١١٥، و قوله تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: الدخان - ٣٩، و قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ}: العنكبوت - ٥، إلى غيرها فإن جميعها تدل على أن الخلقة بالحق و ليست باطلة مقطوعة عن الغاية، و إذا كانت أمام الأشياء غايات و آجال حقة و من ورائها مقادير حقة و معها هداية حقة فلا مناص عن تصادمها عامة، و ابتلاء أرباب التكليف منها خاصة بأمور يخرج بالاتصال بها ما في قوتها من الكمال و النقص و السعادة و الشقاء إلى الفعل، و هذا المعنى في الإنسان المكلف بتكليف الدين امتحان و ابتلاء فافهم ذلك. 

  • و يظهر مما ذكرناه معنى المحق و التمحيص أيضا، فإن الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل، أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض صدق عليه اسم التمحيص و هو التمييز.

  • و كذا إذا توالت الامتحانات الإلهية على الكافر و المنافق و في ظاهرهما صفات و أحوال حسنة مغبوطة فأوجبت تدريجا ظهور ما في باطنهما من الخبائث، و كلما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهرية كان ذلك محقا له أي إنفادا تدريجيا لمحاسنها، قال تعالى: {وَ تِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ اَلظَّالِمِينَ وَ لِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ}: آل عمران - ١٤١. 

  • و للكافرين محق آخر من جهة ما يخبره تعالى أن الكون ينساق إلى صلاح البشر و خلوص الدين لله، قال تعالى: {وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوىَ}: طه - ١٣٢، و قال: {أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ}: الأنبياء- ١٠٥. 

تفسير الميزان ج٤

37
  • (بيان) 

  • قوله تعالى{وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ}الموت‌ زهاق الروح و بطلان حياة البدن، و القتل‌ هو الموت إذا كان مستندا إلى سبب عمدي أو نحوه، و الموت و القتل إذا افترقا كان الموت أعم من القتل، و إذا اجتمعا كان الموت هو ما بحتف الأنف و القتل خلافه. 

  • و انقلب على عقبيه أي رجع‌ قال الراغب: و رجع على عقبيه إذا انثنى راجعا، و انقلب على عقبيه نحو رجع على حافرته، و نحو ارتدا على آثارهما قصصا، و قولهم رجع عوده إلى بدئه، انتهى. 

  • و حيث جعل الانقلاب على الأعقاب جزاء للشرط الذي هو موت الرسول أو قتله أفاد ذلك أن المراد به الرجوع عن الدين دون التولي عن القتال إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو قتله، و إنما النسبة و الرابطة بين موته أو قتله و بين الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. 

  • و يدل على أن المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله: {وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجَاهِلِيَّةِ} إلى آخر الآيات، على أن نظير ما وقع في أحد من فرارهم من الزحف و توليهم عن القتال تحقق في غيره كغزوة حنين و خيبر و غيرهما و لم يخاطبهم الله بمثل هذا الخطاب و لا عبر عن توليهم عن القتال بمثل هذه الكلمة قال تعالى: {وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}: البراءة - ٢٥، فالحق أن المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق. 

  • فمحصل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب و التوبيخ: أن محمدا ص ليس إلا رسولا من الله مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلا تبليغ رسالة ربه لا يملك من الأمر شيئا، و إنما الأمر لله و الدين دينه باق ببقائه، فما معنى اتكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، و رجعتم إلى أعقابكم القهقرى و اتخذتم الغواية بعد الهداية؟ 

  • و هذا السياق أقوى شاهد على أنهم ظنوا يوم أحد بعد حمي الوطيس أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قد قتل فانسلوا عند ذلك و تولوا عن القتال، فيتأيد بذلك ما ورد في الرواية و التاريخ 

تفسير الميزان ج٤

38
  • كما في ما رواه ابن هشام في السيرة: أن أنس بن النضر عم أنس بن مالك انتهى إلى عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين و الأنصار و قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يحبسكم؟ قالوا: قتل رسول الله قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده؟ فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. 

  • و بالجملة فمعنى هذا الانسلال و الإلقاء بالأيدي: أن إيمانهم إنما كان قائما بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يبقى ببقائه و يزول بموته، و هو إرادة ثواب الدنيا بالإيمان و هذا هو الذي عاتبهم الله عليه، و يؤيد هذا المعنى قوله بعده: {وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ}، فإن الله سبحانه كرر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله: {وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}، فافهم ذلك. 

  • و قوله: {وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ}، بمنزلة الاستثناء مما قبله على ما يعطيه السياق، و هو الدليل على أن القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب أو ما يشعر به كالانسلال و التولي و هم الشاكرون. 

  • و حقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها و الستر عليها، و إظهار النعمة هو استعمالها في محلها الذي أراده منعمها و ذكر المنعم بها لسانا و هو الثناء و قلبا من غير نسيان، فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يذكر عند استعمالها و يوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها و لا يتعدى ذلك، و إن من شي‌ء إلا و هو نعمة من نعمه تعالى، و لا يريد بنعمة من نعمه إلا أن تستعمل في سبيل عبادته، قال تعالى: {وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اَلْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}: إبراهيم - ٣٤، فشكره على نعمته أن يطاع فيها و يذكر مقام ربوبيته عندها. 

  • و على هذا فشكره المطلق من غير تقييد، ذكره تعالى من غير نسيان، و إطاعته من غير معصية، فمعنى قوله: {وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاَ تَكْفُرُونِ}: البقرة - ١٥٢، اذكروني ذكرا لا يخالطه نسيان، و أطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان، و لا يصغي إلى قول من يقول: إنه أمر بما لا يطاق فإنه ناش من قلة التدبر في هذه الحقائق و البعد من ساحة العبودية. 

  • و قد عرفت فيما تقدم من الكتاب أن إطلاق الفعل لا يدل إلا على تلبس ما، 

تفسير الميزان ج٤

39
  • بخلاف الوصف فإنه يدل على استقرار التلبس و صيرورة المعنى الوصفي ملكة لا تفارق الإنسان، ففرق بين قولنا: الذين أشركوا، و الذين صبروا، و الذين ظلموا، و الذين يعتدون، و بين قولنا. المشركين، و الصابرين، و الظالمين، و المعتدين، فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر و استقرت فيهم هذه الفضيلة، و قد بان أن الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئا «و هو نعمة» إلا و ذكر الله معه، و لا يمس شيئا «و هو نعمة» إلا و يطيع الله فيه. 

  • فقد تبين أن الشكر لا يتم إلا مع الإخلاص لله سبحانه علما و عملا، فالشاكرون هم المخلصون لله، الذين لا مطمع للشيطان فيهم. 

  • و يظهر هذه الحقيقة مما حكاه الله تعالى عن إبليس، قال تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ}: ص -٨٣، و قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ} الحجر - ٤٠، فلم يستثن من إغوائه أحدا إلا المخلصين، و أمضاه الله سبحانه من غير رد، و قال تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ وَ لاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}: الأعراف - ١٧، و قوله: و لا تجد إلخ بمنزلة الاستثناء فقد بدل المخلصين بالشاكرين، و ليس إلا لأن الشاكرين هم المخلصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم، و لا صنع له لديهم، و إنما صنعه و كيده إنساء مقام الربوبية و الدعوة إلى المعصية. 

  • و مما يؤيد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة أحد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات: {إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}، مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها: {وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ}، و قوله فيما بعدها: {وَ سَنَجْزِي اَلشَّاكِرِينَ}، و قد عرفت أنه في معنى الاستثناء. 

  • فتدبر فيها و اقض عجبا مما ربما يقال: إن الآية أعني قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ} ناظرة إلى ما روي: أن الشيطان نادى يوم أحد: «ألا قد قتل محمد» فأوجب ذلك وهن المؤمنين و تفرقهم عن المعركة! فاعتبر إلى أي مهبط أهبط كتاب الله من أوج حقائقه و مستوى معارفه العالية؟

تفسير الميزان ج٤

40
  • فالآية تدل على وجود عدة منهم يوم أحد لم يهنوا و لم يفتروا و لم يفرطوا في جنب الله سبحانه سماهم الله شاكرين، و صدق أنهم لا سبيل للشيطان إليهم و لا مطمع له فيهم، لا في هذه الغزوة فحسب بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقر معهم، و لم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلا في هاتين الآيتين أعني قوله: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} (الآية)، و قوله: {وَ مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} (الآية)، و لم يذكر ما يجازيهم به في شي‌ء من الموردين إشعارا بعظمته و نفاسته. 

  • قوله تعالى{وَ مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} إلخ تعريض لهم في قولهم عن إخوانهم المقتولين ما يشير إليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا} (الآية)، و قول طائفة منهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} (الآية)، و هؤلاء من المؤمنين غير المنافقين الذين تركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قعدوا عن القتال. 

  • فهذا القول منهم لازمه أن لا يكون موت النفوس بإذن من الله و سنة محكمة تصدر عن قضاء مبرم، و لازمه بطلان الملك الإلهي و التدبير المتقن الرباني و سيجي‌ء إن شاء الله الكلام في معنى كتابة الآجال في أول سورة الأنعام. 

  • و لما كان لازم هذا القول ممن قال به إنه آمن لظنه أن الأمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و للمؤمنين فقد أراد الدنيا كما مر بيانه و من اجتنب هذا فقد أراد الآخرة فقال تعالى: {وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}، و إنما قال: {نُؤْتِهِ مِنْهَا} و لم يقل: نؤتها لأن الإرادة ربما لا توافق تمام الأسباب المؤدية إلى تمام مراده فلا يرزق تمام ما أراده، و لكنها لا تخلو من موافقة ما للأسباب في الجملة دائما فإن وافق الجميع رزق الجميع و إن وافق البعض رزق البعض فحسب، قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ اَلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَ مَنْ أَرَادَ اَلْآخِرَةَ وَ سَعى‌َ لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً}: الإسراء - ١٩ و قال تعالى: {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى‌َ}: النجم - ٣٩. 

  • ثم خص الشاكرين بالذكر بإخراجهم من الطائفتين فقال: {وَ سَنَجْزِي اَلشَّاكِرِينَ} و ليس إلا لأنهم لا يريدون إلا وجه الله لا يشتغلون بدنيا و لا آخرة كما تقدم. 

تفسير الميزان ج٤

41
  • قوله تعالى{وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} إلى آخر الآيات كأين‌ كلمة تكثير و كلمة «من» بيانية و الربيون‌ جمع ربي و هو كالرباني من اختص بربه تعالى فلم يشتغل بغيره، و قيل: المراد به الألوف و الربي الألف، و الاستكانة هي التضرع. 

  • و في الآية موعظة و اعتبار مشوب بعتاب و تشويق للمؤمنين أن يأتموا بهؤلاء الربيين فيؤتيهم الله ثواب الدنيا و حسن ثواب الآخرة كما آتاهم، و يحبهم لإحسانهم كما أحبهم لذلك. 

  • و قد حكى الله من فعلهم و قولهم ما للمؤمنين أن يعتبروا به و يجعلوه شعارا لهم حتى لا يبتلوا بما ابتلوا به يوم أحد من الفعل و القول غير المرضيين لله تعالى و حتى يجمع الله لهم ثواب الدنيا و الآخرة كما جمع لأولئك الربيين. 

  • و قد وصف ثواب الآخرة بالحسن دون الدنيا إشارة إلى ارتفاع منزلتها و قدرها بالنسبة إليها.

  •  

  • [ سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٤٩ الی ١٥٥]

  •  {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ١٤٩ بَلِ اَللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ اَلنَّاصِرِينَ ١٥٠سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَ مَأْوَاهُمُ اَلنَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى اَلظَّالِمِينَ ١٥١ وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَ تَنَازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيَا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلىَ

تفسير الميزان ج٤

42
  • أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ مَا أَصَابَكُمْ وَ اَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشى‌َ طَائِفَةً مِنْكُمْ وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلىَ مَضَاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اَللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ ١٥٤ إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ١٥٥} 

  • (بيان‌) 

  • من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد، و فيها حث و ترغيب للمؤمنين أن لا يطيعوا غير ربهم فإنه هو مولاهم و ناصرهم، و إشهاد لهم على صدق وعده و أن الهزيمة و الخذلان لم يكن يوم أحد إلا من قبل أنفسهم، و تعديهم حدود ما أمرهم الله به و دعاهم رسوله إليه و أن الله سبحانه مع ذلك عفا عن جرائمهم لأنه غفور حليم. 

  • قوله تعالى{يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا} إلى آخر الآيتين لا يبعد أن يستفاد من السياق أن الكفار كانوا أيام نزول الآيات بعد غزوة أحد يلقون إلى المؤمنين في صورة النصح ما يثبطهم عن القتال: و يلقي التنازع و التفرقة 

تفسير الميزان ج٤

43
  • و تشتت الكلمة و اختلافها بينهم، و ربما أيده ما في آخر هذه الآيات من قوله {اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}«إلى أن قال» {ذَلِكُمُ اَلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَ خَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الآيات): آل عمران «١٧٣١٧٥». 

  • و ربما قيل: إن الآية إشارة إلى قول اليهود و المنافقين يوم أحد: «إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى عشائركم»، و ليس بشي‌ء. 

  • ثم لما بين أن إطاعتهم للذين كفروا و الميل إلى ولايتهم يهديهم إلى الخسران الذي هو رجوعهم إلى أعقابهم كافرين أضرب عنه بقوله: {بَلِ اَللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ اَلنَّاصِرِينَ}

  • قوله تعالى{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ}«إلخ» وعد جميل للمؤمنين بأنهم سينصرون بالرعب، و لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يذكره فيما حباه الله تعالى و خصه به من بين الأنبياء على ما رواه الفريقان. 

  • و قوله: {بِمَا أَشْرَكُوا}، معناه: اتخذوا له ما ليس معه برهان شريكا، و مما يكرره القرآن أن ليس لإثبات الشريك لله سلطان، و من إثبات الشريك نفي الصانع و إسناد التأثير و التدبير إلى غيره كالدهر و المادة. 

  • قوله تعالى{وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} إلى آخر الآية الحس‌ بالفتح: القتل على وجه الاستيصال. 

  • و لقد اتفقت الروايات و ضبطه التاريخ في قصة غزوة أحد أن المؤمنين غلبوهم و ظهروا عليهم في أول الأمر و وضعوا فيهم السيوف و شرعوا في نهب أموالهم حتى إذا خلى الرماة مكانهم في المكمن حمل خالد بن الوليد فيمن معه على عبد الله بن جبير و من بقي معه من الرماة فقتلوهم، و حملوا على المؤمنين من ورائهم، و تراجع المشركون عن هزيمتهم و وضعوا السيوف في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قتلوا منهم سبعين ثم هزموهم أشد هزيمة. 

  • فقوله تعالى: {وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللَّهُ وَعْدَهُ}، تثبيت صدق وعده بالنصر بشرط التقوى و الصبر، و قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، يقبل الانطباق على ما رزقهم في أول الأمر من الظهور على عدوهم يوم أحد، و قوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَ تَنَازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ}، ينطبق على ما صنعه الرماة حيث تنازعوا فيما بينهم في ترك 

تفسير الميزان ج٤

44
  • مراكزهم و اللحوق بمن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) لنيل الغنيمة ففشلوا و تنازعوا في الأمر و عصوا أمر النبي بأن لا يتركوا مراكزهم على أي حال، و على هذا فلا بد من تفسير الفشل بضعف الرأي، و أما كونه بمعنى الجبن فلا ينطبق عليهم إذ لم يكن ذلك منهم جبنا بل طمعا في الغنيمة، و لو كان الفشل‌ بمعنى الجبن كان منطبقا على حال جميع القوم و يكون على هذا {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ}، مفيدة للتراخي الرتبي دون الزماني. 

  • و يدل لفظ التنازع على أن الكل لم يكونوا مجمعين على الفشل و المعصية بل كان بعضهم يصر على الإطاعة و البقاء على الائتمار و لذا قال تعالى بعده: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيَا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ}

  • قوله تعالى{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل و التنازع و المعصية، و بالجملة بعد وقوع الاختلاف بينكم ليمتحنكم و يختبر إيمانكم و صبركم في الله إذ الاختلاف في القلوب هو أقوى العوامل المقتضية لبسط الابتلاء ليتميز المؤمن من المنافق، و المؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال، و مع ذلك فإن الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}

  • قوله تعالى{إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلىَ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} الإصعاد هو الذهاب و الإبعاد في الأرض بخلاف الصعود فهو الارتقاء إلى مكان عال يقال: أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيدا، و صعد في السلم أي ارتقى، و قيل: إن الإصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود. 

  • و الظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون، أو بقوله: {صَرَفَكُمْ}، أو بقوله {لِيَبْتَلِيَكُمْ}، على ما قيل و قوله: {وَ لاَ تَلْوُونَ}، من اللي‌ بمعنى الالتفات و الميل قال في المجمع: و لا يستعمل إلا في النفي لا يقال: لويت على كذا، انتهى. 

  • و قوله: {وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}، الأخرى مقابل الأولى و كون الرسول يدعو و هو في أخراهم يدل على أنهم تفرقوا عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و هم سواد ممتد على طوائف أولاهم مبتعدون عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و أخراهم بقرب منه، و هو يدعوهم من غير أن يلتفت إليه لا أولاهم و لا أخراهم فتركوه (صلى الله عليه وآله و سلم) بين جموع المشركين و هم يصعدون فرارا من القتل. 

تفسير الميزان ج٤

45
  • نعم قوله تعالى قبيل هذا: {وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ} و قد مر تفسيره يدل على أن منهم من لم يتزلزل في عزيمته و لم ينهزم لا في أول الانهزام، و لا بعد شيوع خبر قتل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما يدل عليه قوله: {أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ} (الآية). 

  • و مما يدل عليه قوله: {وَ لاَ تَلْوُونَ عَلىَ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} إن خبر قتل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) إنما انتشر بينهم بعد انهزامهم و إصعادهم. 

  • قوله تعالى{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ مَا أَصَابَكُمْ} إلخ أي جازاكم غما بغم ليصرفكم عن الحزن على كذا، و هذا الغم الذي أثيبوا به كيفما كان هو نعمة منه تعالى بدليل قوله: {لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ مَا أَصَابَكُمْ}، فإن الله تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ}: «الحديد ٢٣» فهذا الغم الذي يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة و موهبة فيكون هو الغم الطارئ عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم و التحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل، و يكون حينئذ الغم الثاني في قوله: {بِغَمٍّ}، الغم الآتي من قبل الحزن المذكور، و الباء للبدلية، و المعنى: جازاكم غما بالندامة و الحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم و ما أصابكم. 

  • و من الجائز أن يكون قوله: {فَأَثَابَكُمْ} مضمنا معنى الإبدال فيكون المعنى: فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة و الحسرة مثيبا لكم، فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق. 

  • و على كل من المعنيين يكون قوله: {فَأَثَابَكُمْ}، تفريعا على قوله: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}، و يتصل به ما بعده أعني قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ}، أحسن اتصال، و الترتيب: أنه عفا عنكم فأثابكم غما بغم ليصونكم عن الحزن الذي لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا. 

  • و هاهنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله: {فَأَثَابَكُمْ}، على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ}، و المراد بقوله: {بِغَمٍّ} هو ما أدى إليه التنازع و المعصية و هو إشراف المشركين عليهم من ورائهم، و الباء للسببية و هذا معنى حسن، و على هذا يكون المراد بقوله: {لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا}«إلخ»: 

تفسير الميزان ج٤

46
  • نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا، كما في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الآية): «الحديد ٢٣». 

  • فهذا ما يستقيم به نظم الآية و اتساق الجمل المتعاقبة، و للمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله: {فَأَثَابَكُمْ}، و من حيث معنى الغم الأول و الثاني و معنى الباء و معنى قوله: {لِكَيْلاَ}، ليست من الاستقامة على شي‌ء و لا جدوى في نقلها و البحث عنها. 

  • و على ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله: {لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ} هو الغلبة و الغنيمة، و مما أصاب ما أصاب القوم من القتل و الجرح. 

  • قوله تعالى{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشىَ طَائِفَةً مِنْكُمْ} الأمنة بالتحريك الأمن، و النعاس‌ ما يتقدم النوم من الفتور و هو نوم خفيف، و نعاسا بدل من أمنة للملازمة عادة، و ربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب و طلبة، و هو حينئذ حال من ضمير عليكم، و نعاسا مفعول قوله: أنزل، و الغشيان: الإحاطة. 

  • و الآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشي طائفة من القوم، و لم يعم الجميع بدليل قوله: {طَائِفَةً مِنْكُمْ}، و هؤلاء هم الذين رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بعد الانهزام و الإصعاد لما ندموا و تحسروا، و حاشا أن يعفو الله عنهم عفو رحمة و هم في حال الفرار عن الزحف و هو من كبائر المعاصي و الآثام و قد قال: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ}، و حاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء و المنكر حين يقترف من قبل أن يتوب و قد عنى في حقهم حين أثابهم غما بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه الله سبحانه على ما مر بيانه. 

  • فهؤلاء بعض القوم و هم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) المحتفون به، و كان ذلك إنما كان حين فارق (صلى الله عليه وآله و سلم) جموع المشركين و عاد إلى الشعب، و إن كان عودهم إليه تدريجا بعد العلم بأنه لم يقتل. 

  • و أما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم الله بقوله: {وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}

تفسير الميزان ج٤

47
  • قوله تعالى{وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} هذه طائفة أخرى من المؤمنين و نعني بكونهم من المؤمنين أنهم غير المنافقين الذين ذكرهم الله أخيرا بقوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نَافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوِ اِدْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ} (الآية) و هم الذين فارقوا جماعة المؤمنين في أول الأمر قبل القتال و انخذلوا فهؤلاء المنافقون لهم شأن آخر سينبئ الله بذلك. 

  • و هؤلاء الطائفة الثانية الموصوفون بأنهم قد أهمتهم أنفسهم لم يكرمهم الله بما أكرم به الطائفة الأولى من العفو و إثابة الغم ثم الأمنة و النعاس بل وكلهم إلى أنفسهم فأهمتهم أنفسهم و نسوا كل شي‌ء دونها. 

  • و قد ذكر الله تعالى من أوصافهم وصفين اثنين و إن كان أحدهما من لوازم الآخر و فروعه، فذكر أنهم أهمتهم أنفسهم، و ليس معناه أنهم يريدون سعادة أنفسهم بمعناها الحقيقي فإن المؤمنين أيضا لا يريدون إلا سعادة أنفسهم فالإنسان بل كل ذي همة و إرادة لا يريد إلا نفسه البتة، بل المراد: أن ليس لهم هم إلا حفظ حياتهم الدنيا و عدم الوقوع في شبكة القتل فهم لا يريدون بدين أو غيره إلا إمتاع أنفسهم في الدنيا و إنما ينتحلون بالدين ظنا منهم أنه عامل غير مغلوب، و أن الله لا يرضى بظهور أعدائه عليه، و إن كانت الأسباب الظاهرية لهم فهؤلاء يستدرون الدين ما در لهم، و إن انقلب الأمر و لم يسعدهم الجد انقلبوا على أعقابهم القهقرى. 

  • قوله تعالى{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجَاهِلِيَّةِ} إلى قوله: {بِاللَّهِ} أي ظنوا بالله أمرا ليس بحق بل هو من ظنون الجاهلية فهم يصفونه بوصف ليس بحق بل من الأوصاف التي كان يصفه بها أهل الجاهلية، و هذا الظن أيا ما كان هو شي‌ء يناسبه و يلازمه قولهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}، و يكشف عنه ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيبهم به، و هو قوله: {قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فظاهر هذا الجواب أنهم كانوا يظنون أن بعض الأمر لهم و لذا لما غلبوا و فشا فيهم القتل تشككوا فقالوا: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}

  • و بذلك يظهر أن الأمر الذي كانوا يرونه لأنفسهم هو الظهور و الغلبة، و إنما كانوا يظنونه لأنفسهم من جهة إسلامهم فهم قد كانوا يظنون أن الدين الحق لا يغلب و لا يغلب المتدين به لما أن على الله أن ينصره من غير قيد و شرط و قد وعدهم به. 

تفسير الميزان ج٤

48
  • و هذا هو الظن بغير الحق، الذي هو ظن الجاهلية فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن الله تعالى خالق كل شي‌ء و أن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق و الحياة و الموت و العشق و الحرب و غيرها، و كذا لكل نوع من الأنواع الكونية كالإنسان و الأرض و البحار و غيرها ربا يدبر أمرها لا يغلب على إرادته، و كانوا يعبدون هؤلاء الأرباب ليدروا لهم الرزق، و يجلبوا لهم السعادة، و يقوهم من الشرور و البلايا، و الله سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته و كل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه و حوزة ولايته. 

  • و إذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوبا في ظاهر تقدمه و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو أول من يتحمله من ربه و يحمل أثقاله لا يقهر في ظاهر دعوته أو أنه لا يقتل أو لا يموت فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ لله أندادا، و جعل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ربا وثنيا مفوضا إليه أمر الغلبة و الغنيمة، مع أن الله سبحانه واحد لا شريك له، إليه يرجع الأمر كله و ليس لأحد من الأمر شي‌ء، و لذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}، قطع الكلام بالاعتراض فقال يخاطب نبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ} لئلا يتوهم أن له (صلى الله عليه وآله و سلم) دخلا في قطع أو كبت، و الله سبحانه هو الذي وضع سنة الأسباب و المسببات، فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق و الباطل، و الخير و الشر، و الهداية و الضلالة، و العدل و الظلم، و لا فرق فيه بين المؤمن و الكافر، و المحبوب و المبغوض، و محمد و أبي سفيان. 

  • نعم لله سبحانه عناية خاصة بدينه و بأوليائه يجري نظام الكون بسببها جريا ينجر إلى ظهور الدين و تمهد الأرض لأوليائه و العاقبة للمتقين. 

  • و أمر النبوة و الدعوة ليس بمستثنى من هذه السنة الجارية، و لذلك كلما توافقت الأسباب العادية على تقدم هذا الدين و ظهور المؤمنين كبعض غزوات النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان ذلك، و حيث لم يتوافق الأسباب كتحقق نفاق أو معصية لأمر النبي ص(صلى الله عليه وآله و سلم) أو فشل أو جزع كانت الغلبة و الظهور للمشركين على المؤمنين، و كذلك الحال في أمر سائر الأنبياء مع الناس فإن أعداء الأنبياء لكونهم أهل الدنيا، و قصرهم مساعيهم في عمارة الدنيا، و بسط القدرة، و تشديد القوة، و جمع الجموع كانت الغلبة الظاهرية و الظهور لهم 

تفسير الميزان ج٤

49
  • على الأنبياء، فمن مقتول كزكريا، و مذبوح كيحيى، و مشرد كعيسى إلى غير ذلك. 

  • نعم إذا توقف ظهور الحق بحقانيته على انتقاض نظام العادة دون السنة الواقعية و بعبارة أخرى دار أمر الحق بين الحياة و الموت كان على الله سبحانه أن يقيم صلب الدين و لا يدعه تدحض حجته، و قد مر شطر من هذا البحث في القول على الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب، و في الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه. 

  • و لنرجع إلى ما كنا فيه: فقول هؤلاء الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}، تشكك في حقية الدين و قد أدرجوا في هيكله روح الوثنية على ما مر بيانه، فأمر سبحانه نبيه ص أن يجيبهم فقال: {قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، و قد خاطب نبيه قبل ذلك بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ} فبين بذلك أن ملة الفطرة و دين التوحيد هو الذي لا يملك فيه الأمر إلا الله جل شأنه، و باقي الأشياء و منها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)ليست بمؤثرة شيئا بل هي في حيطة الأسباب و المسببات و السنة الإلهية التي تؤدي إلى جريان ناموس الابتلاء و الامتحان. 

  • قوله تعالى{يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ}«إلخ»، و هذا توصيف لهم بما هو أشد من قولهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}، فإنه كان تشكيكا في صورة السؤال، و هذا أعني قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} ترجيح في هيئة الاستدلال، و لذلك أبدوا قولهم الأول للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أخفوا قولهم الثاني لاشتماله على ترجيح الكفر على الإسلام. 

  • فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيبهم فقال: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلى‌َ مَضَاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اَللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}، فبين لهم: 

  • أولا: أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق، و عدم كون الأمر لكم على ما تزعمون بل لأن القضاء الإلهي و هو الذي لا مناص من نفوذه و مضيه جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فلا مفر من الأجل المسمى الذي 

تفسير الميزان ج٤

50
  • لا تستأخرون عنه ساعة و لا تستقدمون. 

  • و ثانيا: أن سنة الله جرت على عموم الابتلاء و التمحيص و هي واقعة بهم و بكم لا محالة، فلم يكن بد من خروجكم و وقوع هذا القتال حتى يحل المقتولون محلهم و ينالوا درجاتهم، و تحلوا أنتم محلكم فيتعين لكم أحد جانبي السعادة و الشقاوة بامتحان ما في صدوركم من الأفكار، و تخليص ما في قلوبكم من الإيمان و الشرك. 

  • و من عجيب ما ذكر في هذه الآية قول عدة من المفسرين إن المراد بهذه الطائفة التي تشرح الآية حالها هم المنافقون مع ظهور سياق الآيات في أنها تصف حال المؤمنين، و أما المنافقون أعني أصحاب عبد الله بن أبي المنخذلين في أول الوقعة قبل وقوع القتال فإنما يتعرض لحالهم فيما سيأتي. 

  • اللهم إلا أن يريدوا بالمنافقين الضعفاء الإيمان الذين يعود عقائدهم المتناقضة بحسب اللازم إلى إنكار الحق قلبا و الاعتراف به لسانا و هم الذين يسميهم الله بالذين في قلوبهم مرض قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ}: الأنفال ٤٩، و قال: {وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}: التوبة ٤٧، أو يريدوا أن جميع المنافقين لم يرجعوا مع أصحاب عبد الله بن أبي إلى المدينة. 

  • و أعجب منه قول بعض آخر إن هذه الطائفة كانوا مؤمنين، و أنهم كانوا يظنون أن أمر النصر و الغلبة إليهم لكونهم على دين الله الحق لما رأوا من الفتح و الظفر و نزول الملائكة يوم بدر فقولهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ}، و قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ} «إلخ» اعتراف منهم بأن الأمر إلى الله لا إليهم و إلا لم يستأصلهم القتل. 

  • و يرد عليه عدم استقامة الجواب حينئذ و هو قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، و قوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ}«إلخ»، و قد أحس بعض هؤلاء بهذا الإشكال فأجاب عنه بما هو أردأ من أصل كلامه و قد عرفت ما هو الحق من المعنى. 

  • قوله تعالى{إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} استزلال الشيطان إياهم إرادته وقوعهم في الزلة، و لم يرد ذلك منهم إلا بسبب بعض ما كسبوا في نفوسهم و من أعمالهم فإن السيئات يهدي بعضها إلى بعض فإنها مبنية على متابعة هوى النفس، و هوى النفس للشي‌ء هوى لما يشاكله. 

تفسير الميزان ج٤

51
  • و أما احتمال كون الباء للآلة و كون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء فبعيد من ظاهر اللفظ فإن ظاهر {مَا كَسَبُوا} تقدم الكسب على التولي و الاستزلال. 

  • و كيف كان فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب و الآثام مكن الشيطان أن أغواهم بالتولي و الفرار، و من هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أحد بقتل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما في بعض الروايات ليس بشي‌ء إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ. 

  • قوله تعالى{وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} هذا العفو هو عن الذين تولوا، المذكورين في صدر الآية، و الآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذ فتعم الطائفتين جميعا أعني الطائفة التي غشيهم النعاس و الطائفة التي أهمتهم أنفسهم، و الطائفتان مختلفتان بالتكرم بإكرام الله و عدمه، و لكونهما مختلفتين لم يذكر مع هذا العفو الشامل لهما معا جهات الإكرام التي اشتمل عليها العفو المتعلق بالطائفة الأولى على ما تقدم بيانه.

  • و من هنا يظهر أن هذا العفو المذكور في هذه الآية غير العفو المذكور في قوله: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}، و من الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ففرق واضح بين قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ} حيث إنه كلام مشعر بالفضل و الرأفة و قد سماهم مؤمنين ثم ذكر إثابتهم غما بغم لكيلا يحزنوا ثم إنزاله عليهم أمنة نعاسا، و بين قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} حيث ذكر العفو و سكت عن جميع ما أكرم الطائفة الأولى به ثم ختم الكلام بذكر حلمه و هو أن لا يعجل في العقوبة و العفو الذي مع الحلم إغماض مع استبطان سخط.

  • فإن قلت: إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا.

  • قلت: معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق و إن صدق على الجميع مفهوم العفو على حد سواء، و لا دليل على كون العفو و المغفرة و ما يشابههما في جميع الموارد سنخا واحدا، و قد بينا وجه الاختلاف.

  • معنى العفو و المغفرة في القرآن

  • العفو على ما ذكره الراغب و هو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته هو القصد لتناول الشي‌ء، يقال: عفاه و اعتفاه أي قصده متناولا ما عنده، و عفت الريح الدار 

تفسير الميزان ج٤

52
  • قصدتها متناولة آثارها، انتهى و كان قولهم: عفت الدار إذ بلت مبني على عناية لطيفة و هي أن الدار كأنها قصدت آثار نفسها و ظواهر زينتها فأخذته فغابت عن أعين الناظرين، و بهذه العناية ينسب العفو إليه تعالى كأنه تعالى يعني بالعبد فيأخذ ما عنده من الذنب و يتركه بلا ذنب. 

  • و من هنا يظهر أن المغفرة و هو الستر متفرع عليه بحسب الاعتبار فإن الشي‌ء كالذنب مثلا يؤخذ و يتناول أولا ثم يستر عليه فلا يظهر ذنب المذنب لا عند نفسه و لا عند غيره، قال تعالى: {وَ اُعْفُ عَنَّا وَ اِغْفِرْ لَنَا}: «البقرة: ٢٨٦» و قال: {وَ كَانَ اَللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً}: «النساء: ٩٩». 

  • و قد تبين بذلك أن العفو و المغفرة و إن كانا مختلفين متفرعا أحدهما على الآخر بحسب العناية الذهنية لكنهما بحسب المصداق واحد، و أن معناهما ليس من المعاني المختصة به تعالى بل يصح إطلاقهما على غيره تعالى بما لهما من المعنى كما قال تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكَاحِ}: «البقرة: ٢٣٧»، و قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ}: «الجاثية: ١٤»، و قال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ} (الآية) فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يعفوا عنهم فلا يرتب الأثر على معصيتهم من المؤاخذة و العتاب و الإعراض و نحو ذلك، و أن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم و هو تعالى فاعله لا محالة فيما يرجع إليه من آثار الذنب. 

  • و قد تبين أيضا أن معنى العفو و المغفرة يمكن أن يتعلق بالآثار التكوينية و التشريعية و الدنيوية و الأخروية جميعا، قال تعالى: {وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}: «الشورى: ٣٠»، و الآية شاملة للآثار و العواقب الدنيوية قطعا، و مثله قوله تعالى: {وَ اَلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ}«الشورى: ٥»، على ظاهر معناه، و كذا قول آدم و زوجته فيما حكاه الله عنهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ}: «الأعراف: ٢٣» بناء على أن ظلمهما كان معصية لنهي إرشادي لا مولوي. 

  • و الآيات الكثيرة القرآنية دالة على أن القرب و الزلفى من الله، و التنعم بنعم الجنة يتوقف على سبق المغفرة الإلهية و إزالة رين الشرك و الذنوب بتوبة و نحوها كما قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلىَ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: «المطففين: ١٤» و قال تعالى: {وَ مَنْ 

تفسير الميزان ج٤

53
  • يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}: «التغابن: ١١». 

  • و بالجملة العفو و المغفرة من قبيل إزالة المانع و رفع المنافي المضاد، و قد عد الله سبحانه الإيمان و الدار الآخرة حياة، و آثار الإيمان و أفعال أهل الآخرة و سيرهم الحيوي نورا كما قال: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}: «الأنعام: ١٢٢»، و قال تعالى: {وَ إِنَّ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوَانُ}: «العنكبوت: ٦٤»، فالشرك موت و المعاصي ظلمات، قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}: «النور: ٤٠»، فالمغفرة إزالة الموت و الظلمة و إنما تكون بحياة و هو الإيمان، و نور و هو الرحمة الإلهية. 

  • فالكافر لا حياة له و لا نور، و المؤمن المغفور له له حياة و نور، و المؤمن إذا كان معه سيئات حي لم يتم له نوره و إنما يتم بالمغفرة، قال تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعىَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَ اِغْفِرْ لَنَا}: «التحريم ٨». 

  • فظهر من جميع ما تقدم أن مصداق العفو و المغفرة إذا نسب إليه تعالى في الأمور التكوينية كان إزالة المانع بإيراد سبب يدفعه، و في الأمور التشريعية إزالة السبب المانع عن الإرفاق و نحوه، و في مورد السعادة و الشقاوة إزالة المانع عن السعادة.

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٥٦ الی ١٦٤ ] 

  • {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللَّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١٥٦ وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ١٥٧ وَ لَئِنْ مُتُّمْ

تفسير الميزان ج٤

54
  • أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللَّهِ تُحْشَرُونَ ١٥٨ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ١٦٠وَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ١٦١ أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَ اَللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللَّهِ وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ ١٦٢ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٣ لَقَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ١٦٤} 

  • (بيان‌)

  • الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد أيضا، و هي تتضمن التعرض لأمر آخر عرض لهم، و هو الأسف و الحسرة الواردة في قلوبهم من قتل رجالاتهم و سراة قومهم، و معظم المقتولين كانوا من الأنصار فما قتل من المهاجرين على ما قيل إلا أربعة، و هذا يقوي الحدس أن معظم المقاومة كانت من ناحية الأنصار، و أن الهزيمة أسرعت إلى المهاجرين قبلهم. 

  • و بالجملة الآيات تبين ما في هذا الأسف و الحسرة من الخطإ و الخبط، و تعطف على 

تفسير الميزان ج٤

55
  • أمر آخر يستتبعه هذا الأسف و التحسر و هو سوء ظنهم برسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، و أنه هو الذي أوردهم هذا المورد و ألقاهم في هذه التهلكة كما يشير إليه قولهم على ما تلوح إليه هذه الآيات: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا} (الآية)، و قول المنافقين فيما سيجي‌ء: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} (الآية)، أي أطاعونا و لم يطيعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فهو الذي أهلكهم، فهي تبين أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) ليس له أن يخون أحدا بل هو رسول منه تعالى شريف النفس كريم المحتد عظيم الخلق يلين لهم برحمة من الله، و يعفو عنهم و يستغفر لهم و يشاورهم في الأمر منه تعالى، و أن الله من به عليهم ليخرجهم من الضلال إلى الهدى. 

  • قوله تعالى{يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا}«إلخ» المراد بهؤلاء الذين كفروا ما هو ظاهر اللفظ أعني الكافرين دون المنافقين كما قيل لأن النفاق بما هو نفاق ليس منشأ لهذا القول و إن كان المنافقون يقولون ذلك و إنما منشؤه الكفر فيجب أن ينسب إلى الكافرين. 

  • و الضرب في الأرض كناية عن المسافرة، و غزي جمع غاز كطالب و طلب و ضارب و ضرب، و قوله: {لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً}، أي ليعذبهم بها فهو من قبيل وضع المغيا موضع الغاية، و قوله: {وَ اَللَّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ}، بيان لحقيقة الأمر التي أخطأ فيها الكافرون القائلون: لو كانوا، و هذا الموت يشمل الموت حتف الأنف و القتل كما هو مقتضى إطلاق الموت وحده على ما تقدم، و قوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} في موضع التعليل للنهي في قوله: {لاَ تَكُونُوا}«إلخ». 

  • و قوله: {مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا}، قدم فيه الموت على القتل ليكون النشر على ترتيب اللف في قوله: {إِذَا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى}، و لأن الموت أمر جار على الطبع و العادة المألوفة بخلاف القتل فإنه أمر استثنائي فقدم ما هو المألوف على غيره. 

  • و محصل الآية نهي المؤمنين أن يكونوا كالكافرين فيقولوا لمن مات منهم في خارج بلده أو قومه، و فيمن قتل منهم في غزاة: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا} فإن هذا القول يسوق الإنسان إلى عذاب قلبي و نقمة إلهية و هو الحسرة الملقاة في قلوبهم، مع أنه من الجهل فإن القرب و البعد منهم ليس بمحيي و مميت بل الإحياء و الإماتة من الشئون المختصة بالله وحده لا شريك له فليتقوا الله و لا يكونوا مثلهم فإن الله بما يعملون بصير. 

تفسير الميزان ج٤

56
  • قوله تعالى{وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الظاهر أن المراد مما يجمعون هو المال و ما يلحق به الذي هو عمدة البغية في الحياة الدنيا. 

  • و قد قدم القتل هاهنا على الموت لأن القتل في سبيل الله أقرب من المغفرة بالنسبة إلى الموت فهذه النكتة هي الموجبة لتقديم القتل على الموت، و لذلك عاد في الآية التالية: {وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللَّهِ تُحْشَرُونَ} إلى الترتيب الطبعي بتقديم الموت على القتل لفقد هذه النكتة الزائدة. 

  • قوله تعالى{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} إلى آخر الآية، الفظ هو الجافي القاسي، و غلظ القلب كناية عن عدم رقته و رأفته، و الانفضاض‌ التفرق. 

  • و في الآية التفات عن خطابهم إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، و أصل المعنى: فقد لان لكم رسولنا برحمة منا، و لذلك أمرناه أن يعفو عنكم و يستغفر لكم و يشاوركم في الأمر و أن يتوكل علينا إذا عزم. 

  • و نكتة الالتفات ما تقدم في أول آيات الغزوة أن الكلام فيه شوب عتاب و توبيخ، و لذلك اشتمل على بعض الأعراض في ما يناسبه من الموارد و منها هذا المورد الذي يتعرض فيه لبيان حال من أحوالهم لها مساس بالاعتراض على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فإن تحزنهم لقتل من قتل منهم ربما دلهم على المناقشة في فعل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و رميه بأنه أوردهم مورد القتل و الاستيصال، فأعرض الله تعالى عن مخاطبتهم و التفت إلى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم)فخاطبه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}

  • و الكلام متفرع على كلام آخر يدل عليه السياق، و التقدير: و إذا كان حالهم ما تراه من التشبه بالذين كفروا و التحسر على قتلاهم فبرحمة منا لنت لهم و إلا لانفضوا من حولك. و الله أعلم. 

  • و قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ} إنما سيق ليكون إمضاء لسيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنه كذلك كان يفعل، و قد شاورهم في أمر القتال قبيل يوم أحد، و فيه إشعار بأنه إنما يفعل ما يؤمر و الله سبحانه عن فعله راض. 

  • و قد أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يعفو عنهم فلا يرتب على فعالهم أثر المعصية، و أن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم و هو تعالى فاعله لا محالة و اللفظ و إن كان 

تفسير الميزان ج٤

57
  • مطلقا لا يختص بالمورد غير أنه لا يشمل موارد الحدود الشرعية و ما يناظرها و إلا لغا التشريع، على أن تعقيبه بقوله: {وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ} لا يخلو عن الإشعار بأن هذين الأمرين إنما هما في ظرف الولاية و تدبير الأمور العامة مما يجري فيه المشاورة معهم. 

  • و قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ}، و إذا أحبك كان وليا و ناصرا لك غير خاذلك، و لذا عقب الآية بهذا المعنى و دعا المؤمنين أيضا إلى التوكل فقال: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} ثم أمرهم بالتوكل بوضع سببه موضعه فقال: {وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ} أي لإيمانهم بالله الذي لا ناصر و لا معين إلا هو. 

  • قوله تعالى{وَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}، الغل‌ هو الخيانة، قد مر في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللَّهُ اَلْكِتَابَ}: آل عمران ٧٩، إن هذا السياق معناه تنزيه ساحة النبي عن السوء و الفحشاء بطهارته، و المعنى: حاشا أن يغل و يخون النبي ربه أو الناس (و هو أيضا من الخيانة لله) و الحال أن الخائن يلقى ربه بخيانته ثم توفى نفسه ما كسبت. 

  • ثم ذكر أن رمي النبي بالخيانة قياس جائر مع الفارق فإنه متبع رضوان الله لا يعدو رضا ربه، و الخائن باء بسخط عظيم من الله و مأواه جهنم و بئس المصير، و هذا هو المراد بقوله: {أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَ اَللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللَّهِ} (الآية). 

  • و يمكن أن يكون المراد به التعريض للمؤمنين بأن هذه الأحوال من التعرض لسخط الله، و الله يدعوكم بهذه المواعظ إلى رضوانه، و ما هما سواء. 

  • ثم ذكر أن هذه الطوائف من المتبعين لرضوان الله و البائين بسخط من الله درجات مختلفة، و الله بصير بالأعمال فلا تزعموا أنه يفوته الحقير من خير أو شر فتسامحوا في اتباع رضوانه أو البوء بسخطه. 

  • قوله تعالى{لَقَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ}، في الآية التفات آخر من خطاب المؤمنين إلى تنزيلهم منزلة الغيبة، و قد مر الوجه العام في هذه الموارد من الالتفات و الوجه الخاص بما هاهنا أن الآية مسوقة سوق الامتنان و المن على المؤمنين لصفة إيمانهم و لذا قيل: على المؤمنين، و لا يفيده غير الوصف حتى لو قيل: الذين آمنوا، لأن المشعر 

تفسير الميزان ج٤

58
  • بالعلية على ما قيل هو الوصف أو أنه الكامل في هذا الإشعار، و المعنى ظاهر. 

  • و في الآية أبحاث أخر سيأتي شطر منها في المواضع المناسبة لها إن شاء الله العزيز. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٦٥ الی ١٧١]

  • {أَ وَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اَللَّهَ عَلىَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ١٦٥ وَ مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اَللَّهِ وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ ١٦٦ وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نَافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوِ اِدْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ١٦٧ اَلَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٦٨ وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ١٧١} 

  • (بيان‌) 

  • الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد، و فيه تعرض لحال عدة من المنافقين خذلوا جماعة المؤمنين عند خروجهم من المدينة إلى أحد، و فيها جواب ما 

تفسير الميزان ج٤

59
  • قالوه في المقتولين، و وصف حال المستشهدين بعد القتل و أنهم منعمون في حضرة القرب يستبشرون بإخوانهم من خلفهم. 

  • قوله تعالى{أَ وَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} لما نهاهم أن يكونوا كالذين كفروا في التحزن لقتلاهم و التحسر عليهم ببيان أن أمر الحياة و الموت إلى الله وحده لا إليهم حتى يدورا مدار قربهم و بعدهم و خروجهم إلى القتال أو قعودهم عنه رجع ثانيا إلى بيان سببه القريب على ما جرت عليه سنة الأسباب، فبين أن سببه إنما هو المعصية الواقعة يوم أحد منهم و هو معصية الرماة بتخلية مراكزهم، و معصية من تولى منهم عن القتال بعد ذلك، و بالجملة سببه معصيتهم الرسول و هو قائدهم و فشلهم و تنازعهم في الأمر و ذلك سبب للانهزام بحسب سنة الطبيعة و العادة. 

  • فالآية في معنى قوله: أ تدرون من أين أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها؟ إنما أصابتكم من عند أنفسكم و هو إفسادكم سبب الفتح و الظفر بأيديكم و مخالفتكم قائدكم و فشلكم و اختلاف كلمتكم. 

  • و قد وصفت المصيبة بقوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} و هو إشارة إلى مقايسة ما أصابهم الكفار يوم أحد، و هو قتل سبعين رجلا منهم بما أصابوا الكفار يوم بدر و هو مثلا السبعين فإنهم قتلوا منهم يوم بدر سبعين رجلا و أسروا سبعين رجلا. 

  • و في هذا التوصيف تسكين لطيش قلوبهم و تحقير للمصيبة فإنهم أصيبوا من أعدائهم بنصف ما أصابوهم فلا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يجزعوا. 

  • و قيل: إن معنى الآية: أنكم أنفسكم اخترتم هذه المصيبة، و ذلك أنهم اختاروا الفداء من الأسرى يوم بدر، و كان الحكم فيهم القتل، و شرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم فقالوا: رضينا فإنا نأخذ الفداء و ننتفع به، و إذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء. 

  • و يؤيد هذا الوجه بل يدل عليه ما ذيل به الآية أعني قوله: {إِنَّ اَللَّهَ عَلىَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ} إذ لا تلائم هذه الفقرة الوجه السابق البتة إلا بتعسف، و سيجي‌ء روايته عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) في البحث الروائي الآتي. 

  • قوله تعالى{وَ مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ} إلى آخر الآيتين، الآية الأولى 

تفسير الميزان ج٤

60
  • تؤيد ما تقدم أن المراد بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}، اختيارهم الفداء من أسرى يوم بدر، و شرطهم على أنفسهم لله ما شرطوا فإصابة هذه المصيبة بإذن الله، و أما الوجه الأول المذكور و هو أن المعنى أن سبب إصابة المصيبة القريب هو مخالفتكم فلا تلاؤم ظاهرا بينه و بين نسبة المصيبة إلى إذن الله و هو ظاهر. 

  • فعلى ما ذكرنا يكون ذكر استناد إصابة المصيبة إلى إذن الله بمنزلة البيان لقوله: {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}، و ليكون توطئة لانضمام قوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ}، و بانضمامه يتمهد الطريق للتعرض لحال المنافقين و ما تكلموا به و جوابه و بيان حقيقة هذا الموت الذي هو القتل في سبيل الله. 

  • و قوله: أو ادفعوا أي لو لم تقاتلوا في سبيل الله فادفعوا عن حريمكم و أنفسكم و قوله: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، اللام بمعنى إلى فهذا حالهم بالنسبة إلى الكفر الصريح، و أما النفاق فقد واقعوه بفعلهم ذلك. 

  • و قوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}، ذكر الأفواه للتأكيد و للتقابل بينها و بين القلوب. 

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}، المراد بإخوانهم إخوانهم في النسب و هم القتلى، و إنما ذكر إخوتهم لهم ليكون مع انضمام قوله: و قعدوا أوقع تعيير و تأنيب عليهم فإنهم قعدوا عن إمداد إخوانهم حتى أصابهم ما أصابهم من القتل الذريع، و قوله: قل فادرءوا جواب عن قولهم ذاك، و الدرء: الدفع. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتاً} (الآية)، و في الآية التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، و الوجه فيه ما تكرر ذكره في تضاعيف هذه الآيات، و يحتمل أن يكون الخطاب تتمة الخطاب في قوله: {قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

  • و المراد بالموت بطلان الشعور و الفعل، و لذا ذكرهما في قوله: {بَلْ أَحْيَاءٌ}«إلخ» حيث ذكر الارتزاق و هو فعل، و الفرح الاستبشار و معهما شعور. 

  • قوله تعالى{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ} (الآية)، الفرح‌ ضد الحزن و، البشارة و البشرى‌ ما يسرك من الخبر و الاستبشار طلب السرور بالبشرى، و المعنى: أنهم فرحون بما 

تفسير الميزان ج٤

61
  • وجدوه من الفضل الإلهي الحاضر المشهود عندهم، و يطلبون السرور بما يأتيهم من البشرى بحسن حال من لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. 

  • و من ذلك يظهر أولا أن هؤلاء المقتولين في سبيل الله يأتيهم و يتصل بهم أخبار خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا. 

  • و ثانيا أن هذه البشرى هي ثواب أعمال المؤمنين و هو أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و ليس ذلك إلا بمشاهدتهم هذا الثواب في دارهم التي هم فيها مقيمون فإنما شأنهم المشاهدة دون الاستدلال ففي الآية دلالة على بقاء الإنسان بعد الموت ما بينه و بين يوم القيامة، و قد فصلنا القول فيه في الكلام على نشأة البرزخ في ذيل قوله تعالى: {وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ} (الآية): «البقرة: ١٥٤». 

  • قوله تعالى{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَ فَضْلٍ} (الآية)، هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال غيرهم و بحال أنفسهم و الدليل عليه قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ}، فإنه بإطلاقه شامل للجميع، و لعل هذه هي النكتة في تكرار الاستبشار و كذا تكرار الفضل فتدبر في الآية. 

  • و قد نكر الفضل و النعمة و أبهم الرزق في الآيات ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب ممكن، و لذا أبهم الخوف و الحزن ليدل في سياق النفي على العموم. 

  • و التدبر في الآيات يعطي أنها في صدد بيان أجر المؤمنين أولا، و أن هذا الأجر رزقهم عند الله سبحانه ثانيا، و أن هذا الرزق نعمة من الله و فضل ثالثا، و أن الذي يشخص هذه النعمة و الفضل هو أنهم لا خوف عليهم و لا هم يحزنون رابعا. 

  • و هذه الجملة أعني قوله: أن لا خوف عليهم و لا هم يحزنون كلمة عجيبة كلما أمعنت في تدبرها زاد في اتساع معناها على لطف و رقة و سهولة بيان، و أول ما يلوح من معناها أن الخوف و الحزن مرفوعان عنهم، و الخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شي‌ء من سعادة الإنسان التي يقدر نفسه واجدة لها، و كذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك، فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم يقع بعد فإذا وقعت زال الخوف و عرض الحزن فلا خوف بعد الوقوع و لا حزن قبله. 

  • فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه 

تفسير الميزان ج٤

62
  • النعم في معرض الزوال، و ارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداء و لا بعد الوجدان، فرفعه تعالى مطلق الخوف و الحزن عن الإنسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به و يستلذه، و أن لا يكون ذلك في معرض الزوال، و هذا هو خلود السعادة للإنسان و خلوده فيها. 

  • و من هنا يتضح أن نفي الخوف و الحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله فهو سبحانه يقول: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ}: «آل عمران: ١٩٨»، و يقول: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ}: «النحل: ٩٦» فالآيتان تدلان على أن ما عند الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة و لا يعرضها فناء. 

  • و يتضح أيضا أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة و الفضل و هو العطية لكن تقدم في أوائل الكتاب و سيجي‌ء في قوله تعالى: {مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ}: «النساء: ٦٩»، أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية، و على ذلك فالمعنى: أن الله يتولى أمرهم و يخصهم بعطية منه. 

  • و أما احتمال أن يكون المراد بالفضل الموهبة الزائدة على استحقاقهم بالعمل، و النعمة ما بحذائه فلا يلائمه قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ} فإن الأجر يؤذن بالاستحقاق، و قد عرفت أن هذه الفقرات أعني قوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} و قوله: {فَرِحِينَ بِمَا} إلخ و قوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ} إلخ، و قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ} مآلها إلى حقيقة واحدة. 

  • و في الآيات أبحاث أخر تقدم بعضها في تفسير قوله: {وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ}: «البقرة: ١٥٤»، و لعل الله يوفقنا لاستيفاء ما يسعنا من البحث فيها في ما سيجي‌ء من الموارد المناسبة إن شاء الله تعالى. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٧٢ الی ١٧٥]

  • {اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ إِنَّ

تفسير الميزان ج٤

63
  • اَلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَ قَالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ ١٧٣ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوَانَ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا ذَلِكُمُ اَلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَ خَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١٧٥} 

  • ( بيان‌)

  • الآيات مرتبطة بآيات غزوة أحد، و يشعر بذلك قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ اَلْقَرْحُ} و قد قال فيها: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} (الآية) الاستجابة و الإجابة بمعنى واحد كما قيل و هي أن تسأل شيئا فتجاب بالقبول. 

  • و لعل ذكر الله و الرسول مع جواز الاكتفاء في المقام بذكر أحد اللفظين إنما هو لكونهم في وقعة أحد عصوا الله و الرسول، فأما هو تعالى فقد عصوه بالفرار و التولي و قد نهاهم الله عنه و أمر بالجهاد، و أما الرسول فقد عصوه بمخالفة أمره الذي أصدره على الرماة بلزوم مراكزهم و حين كانوا يصعدون و هو يدعوهم في أخراهم فلم يجيبوا دعوته، فلما استجابوا في هذه الوقعة وضع فيها بحذاء تلك الوقعة استجابتهم لله و الرسول. 

  • و قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}، قصر الوعد على بعض أفراد المستجيبين لأن الاستجابة فعل ظاهري لا يلازم حقيقة الإحسان و التقوى اللذين عليهما مدار الأجر العظيم، و هذا من عجيب مراقبة القرآن في بيانه حيث لا يشغله شأن عن شأن، و من هنا يتبين أن هؤلاء الجماعة ما كانوا خالصين لله في أمره بل كان فيهم من لم يكن محسنا متقيا يستحق عظيم الأجر من الله سبحانه، و ربما يقال: إن «من» في قوله: {مِنْهُمْ} بيانية كما قيل مثله في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللَّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى اَلْكُفَّارِ} إلى أن قال: {وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً 

تفسير الميزان ج٤

64
  • وَ أَجْراً عَظِيماً}: «الفتح: ٢٩»، و هو تأول بما يدفعه السياق. 

  • و يتبين أيضا أن ما يمدحهم به الله سبحانه في قوله: {اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ} إلى آخر الآيات من قبيل وصف البعض المنسوب إلى الكل بعناية لفظية. 

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (الآية)، الناس هو الأفراد من الإنسان من حيث عدم أخذ ما يتميز به بعضهم من بعض، و الناس الأول غير الثاني، فإن الثاني هو العدو الذي كان يجمع الجموع، و أما الأول فهم الخاذلون المثبطون الذين كانوا يقولون ما يقولون ليخذلوا المؤمنين عن الخروج إلى قتال المشركين، فالناس الثاني أريد به المشركون، و الناس الأول أيديهم على المؤمنين و عيونهم فيهم، و ظاهر الآية كونهم عدة و جماعة لا واحدا، و هذا يؤيد كون الآيات نازلة في قصة خروج النبي ص فيمن بقي من أصحابه بعد أحد في أثر المشركين دون قصة بدر الصغرى، و سيجي‌ء القصتان في البحث الروائي الآتي. 

  • و قوله: {قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ}، أي جمعوا جموعهم لقتالكم ثانيا (و الله أعلم). 

  • و قوله: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}، و ذلك لما في طبع الإنسان أنه إذا نهي عما يريده و يعزم عليه، فإن لم يحسن الظن بمن ينهاه كان ذلك إغراء فأوجب انتباه قواه و اشتدت بذلك عزيمته، و كلما أصر عليه بالمنع أصر على المضي على ما يريده و يقصده، و هذا إذا كان الممنوع يرى نفسه محقا معذورا في فعاله أشد تأثيرا من غيره، و لذا كان المؤمنون كلما لامهم في أمر الله لائم أو منعهم مانع زادوا قوة في إيمانهم و شدة في عزمهم و بأسهم. 

  • و يمكن أن يكون زيادة إيمانهم لتأييد أمثال هذه الأخبار ما عندهم من خبر الوحي أنهم سيؤذون في جنب الله حتى يتم أمرهم بإذن الله و قد وعدهم النصر و لا يكون نصر إلا في نزال و قتال. 

  • و قوله: {وَ قَالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ} أي كافينا الله و أصل الحسب من الحساب لأن الكفاية بحساب الحاجة، و هذا اكتفاء بالله بحسب الإيمان دون الأسباب الخارجية الجارية في السنة الإلهية و الوكيل هو الذي يدبر الأمر عن الإنسان، فمضمون الآية يرجع إلى معنى قوله: {وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق ٣، و لذلك عقب قوله: {وَ قَالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ} بقوله: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ 

تفسير الميزان ج٤

65
  •  وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}«إلخ» ليكون تصديقا لوعده تعالى، ثم حمدهم إذ اتبعوا رضوانه فقال: و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم. 

  • (كلام في التوكل)

  • و حقيقة الأمر أن مضي الإرادة و الظفر بالمراد في نشأة المادة يحتاج إلى أسباب طبيعية و أخرى روحية و الإنسان إذا أراد الورود في أمر يهمه و هيأ من الأسباب الطبيعية ما يحتاج إليه لم يحل بينه و بين ما يبتغيه إلا اختلال الأسباب الروحية كوهن الإرادة و الخوف و الحزن و الطيش و الشره و السفه و سوء الظن و غير ذلك و هي أمور هامة عامة، و إذا توكل على الله سبحانه و فيه اتصال بسبب غير مغلوب البتة و هو السبب الذي فوق كل سبب قويت إرادته قوة لا يغلبها شي‌ء من الأسباب الروحية المضادة المنافية فكان نيلا و سعادة. 

  • و في التوكل على الله جهة أخرى يلحقه أثرا بخوارق العادة كما هو ظاهر قوله: {وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الآية)، و قد تقدم شطر من البحث المتعلق بالمقام في الكلام على الإعجاز. 

  • قوله تعالى{ذَلِكُمُ اَلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} (الآية)، ظاهر الآية أن الإشارة إلى الناس الذين قالوا لهم ما قالوا، فيكون هذا من الموارد التي أطلق فيها القرآن الشيطان على الإنسان كما يظهر ذلك من قوله: {مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوَاسِ اَلْخَنَّاسِ اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنَّاسِ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنَّاسِ}: الناس ٦، و يؤيده قوله تعالى بعد ذلك: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} أي الناس القائلين لكم ما قالوا لأن ذلكم الشيطان، و سنبحث في هذا المعنى بما يكشف القناع عن وجه حقيقته إن شاء الله تعالى. 

  • (بحث روائي‌)

  • الروايات الواردة في غزوة أحد كثيرة في الغاية، و هي مختلفة اختلافا شديدا في جهات القصة ربما أدت إلى سوء الظن بها، و أكثرها اختلافا ما ورد منها في أسباب 

تفسير الميزان ج٤

66
  • نزول كثير من آيات القصة و هي تقرب من ستين آية فإن أمرها عجيب، و لا يلبث الناظر المتأمل فيها دون أن يقضي بأن المذاهب المختلفة أودعت فيها أرواحها لتنطق بلسانها بما تنتفع به، و هذا هو العذر في تركنا إيرادها في هذا البحث فمن أرادها فعليه بجوامع الحديث و مطولات التفاسير. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت {وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} فقتل منهم يومئذ سبعون منهم أربعة من المهاجرين منهم حمزة بن عبد المطلب، و مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، و الشماس بن عثمان المخزومي، و عبد الله بن جحش الأسدي، و سائرهم من الأنصار. 

  • أقول: و ظاهر الرواية أن أبا الضحى أخذ الشهداء في الآية بمعنى المقتولين في المعركة، و على ذلك جرى جمهور المفسرين، و قد مر في البيان السابق أن لا دليل عليه من ظاهر الكتاب بل الظاهر أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال. 

  • و في تفسير العياشي: في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ} (الآية)، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله علم بما هو مكونه قبل أن يكونه و هم ذر و علم من يجاهد ممن لا يجاهد كما علم أنه يميت خلقه قبل أن يميتهم، و لم ير موتهم و هم أحياء.

  • أقول: إشارة إلى ما تقدم أنه فرق بين العلم قبل الإيجاد و العلم الفعلي الذي هو الفعل و أن المراد ليس هو العلم قبل الإيجاد. 

  • و في تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ} (الآية): أن المؤمنين لما أخبرهم الله تعالى بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر في منازلهم في الجنة رغبوا في ذلك فقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه فأراهم الله يوم أحد إياه فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم فذلك قوله: {وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ} (الآية): 

  • أقول: و روي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الحسن و السدي. 

  • و في تفسير القمي قال (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) خرج يوم أحد، و عهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه: إن رسول الله قد قتل، النجا، 

تفسير الميزان ج٤

67
  • فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ} إلى قوله: {اِنْقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ} يقول: إلى الكفر {وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىَ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً}

  • و في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل و القرح و تداعوا نبي الله قالوا: قد قتل و قال أناس منهم: لو كان نبيا ما قتل، و قال أناس من علية أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، و ذكر لنا أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار و هو يتشحط في دمه فقال: يا فلان أ شعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فأنزل الله: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ} يقول: ارتددتم كفارا بعد إيمانكم. 

  • و فيه أخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء فشد بسيفه فقاتل حتى قتل فأنزل الله: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} (الآية).

  • أقول: و روي هذه المعاني بطرق أخر كثيرة. 

  • و في الكافي عن الباقر (عليه السلام) أنه أصاب عليا يوم أحد ستون جراحة و أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أمر أم سليم و أم عطية أن تداوياه فقالتا إنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان و قد خفنا عليه، و دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و المسلمون يعودونه و هو قرحة واحدة، و جعل يمسحه بيده و يقول: إن رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى و أعذر، فكان القرح الذي يمسحه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يلتئم فقال علي: الحمد لله إذ لم أفر و لم أول الدبر فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن و هو قوله: {وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ}، و {سَنَجْزِي اَلشَّاكِرِينَ}.

  • أقول: يعني شكر الله له ثباته لا قوله: الحمد لله الذي. 

تفسير الميزان ج٤

68
  • و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ: و كأين من نبي قتل معه ربيون كثير، قال: ألوف و ألوف ثم قال: إي و الله يقتلون.

  • أقول: و روي هذه القراءة و المعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود و غيره، و روي عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ربيون قال: جموع. 

  • و في الدر المنثور أخرج عبد بن حميد و ابن أبي حاتم عن مجاهد {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} قال: نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب و ذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و فيه أخرج ابن إسحاق و ابن راهويه و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في الدلائل عن الزبير قال لقد رأيتني مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شي‌ء ما قتلنا هاهنا فحفظتها منه، و في ذلك أنزل الله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً} إلى قوله:{مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} لقول معتب بن قشير.

  • أقول: و قد روي هذا المعنى عن الزبير بن العوام بطرق كثيرة. 

  • و فيه أخرج ابن مندة في معرفة الصحابة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ} (الآية)، قال: نزلت في عثمان و رافع بن المعلى و حارثة بن زيد.

  • أقول: و روي ما يقرب منه في عدة طرق عن عبد الرحمن بن عوف و عكرمة و ابن إسحاق و أضيف إليهم في بعضها أبو حذيفة بن عقبة و الوليد بن عقبة و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان. 

  • و على أي حال ذكر عثمان و من عد منهم بأسمائهم من باب ذكر المصداق و إلا فالآية نزلت في جميع من تولى من الأصحاب و عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و الذي يخص عثمان هو أنه و من معه فروا حتى بلغوا الجلعب (جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص) فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. 

  • و أما أصحابه عامة فقد تكاثرت الروايات أنهم تولوا عن آخرهم، و لم يبق مع 

تفسير الميزان ج٤

69
  • رسول الله منهم إلا رجلان من المهاجرين و سبعة من الأنصار ثم إن المشركين هجموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقتل دون الدفاع عنه الأنصار واحدا بعد واحد حتى لم يبق معه منهم أحد. 

  • و روي أن الذين ثبتوا معه أحد عشر، و روي ثمانية عشر حتى روي ثلاثون، و هو أضعف الروايات. 

  • و لعل هذا الاختلاف بحسب اختلاف اطلاعات الرواة و غير ذلك، و الذي تدل عليه روايات دفاع نسيبة المازنية عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه لم يكن عنده ساعتئذ أحد، و كان من ثبت منهم و لم ينهزم مشغولا بالقتال، و لم يتفق كلمة الرواة في ذلك على أحد إلا علي (عليه السلام) و لعل أبا دجانة الأنصاري سماك بن خرشة كذلك إلا أنه قاتل بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أولا ثم وقى بنفسه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حين جلى عنه أصحابه يدفع عنه النبال بمجنه و بظهره حتى أثخن رضي الله عنه. 

  • و أما بقية أصحابه فمن ملحق به حين ما عرف (صلى الله عليه وآله و سلم) و علم أنه لم يقتل، و ملحق به بعد حين، و هؤلاء هم الذين أنزل الله عليهم النعاس غير أن الله تعالى عفا عن الجميع و قد عرفت فيما تقدم من البيان معنى العفو، و ذكر بعض المفسرين أن معنى العفو في هذه الآية صرفه تعالى المشركين عنهم حيث لم يبيدوهم و لم يقتلوهم عن آخرهم. 

  • و في الدر المنثور أخرج ابن عدي و البيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ} قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أما إن الله و رسوله لغنيان عنها و لكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، و من تركها لم يعدم غيا. 

  • و فيه أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما خاب من استخار، و لا ندم من استشار. 

  • و في نهج البلاغة: من استبد برأيه هلك، و من شاور الرجال شاركها في عقولها. 

  • و فيه: الاستشارة عين الهداية، و قد خاطر من استبد برأيه. 

  • و في الصافي عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): لا وحدة أوحش من العجب، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة. 

تفسير الميزان ج٤

70
  • أقول: و الروايات في المشاورة كثيرة جدا، و موردها ما يجوز للمستشير فعله و تركه بحسب المرجحات، و أما الأحكام الإلهية الثابتة فلا مورد للاستشارة فيها كما لا رخصة في تغييرها لأحد و إلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخا لكلام الله تعالى. 

  • و في المجالس عن الصادق (عليه السلام): أن رضا الناس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط أ لم ينسبوه يوم بدر أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟ حتى أظهره الله على القطيفة، و برأ نبيه من الخيانة، و أنزل في كتابه: {وَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} (الآية). 

  • أقول: و ذكر ذلك القمي في تفسيره، و فيه: فجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال: إن فلانا غل قطيفة حمراء فاحفرها هنالك فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة.

  • و قد روي هذا المعنى و ما يقرب منه في الدر المنثور بطرق كثيرة و لعل المراد بكون الآية نزلت فيها كون الآية مشيرة إليها و إلا فسياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة أحد كما تقدم بيانه. 

  • و في تفسير القمي عن الباقر (عليه السلام): من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار.

  • أقول: و هو استفادة لطيفة من قوله تعالى: {وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ}

  • و في تفسير العياشي في قوله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اَللَّهِ} عن الصادق (عليه السلام): الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمة، و هم و الله درجات عند الله للمؤمنين، و بولايتهم و مودتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم، و يرفع الله لهم الدرجات العلى، و الذين باءوا بسخط من الله هم الذين جحدوا حق علي و حق الأئمة منا أهل البيت فباءوا لذلك بسخط من الله.

  • أقول: و هو من الجري و الانطباق. 

  • و فيه عن الرضا (عليه السلام): الدرجة ما بين السماء و الأرض. 

  • و في تفسير العياشي أيضا: في قوله تعالى: {أَ وَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} عن الصادق (عليه السلام): كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة و أربعين رجلا: قتلوا سبعين رجلا و أسروا سبعين فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا فاغتموا 

تفسير الميزان ج٤

71
  • بذلك فنزلت. 

  • و في الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة و الترمذي و حسنه و ابن جرير و ابن مردويه عن علي قال: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، و قد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم و بين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الناس فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله عشائرنا و أقوامنا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا، و يستشهد منا بعدتهم فليس في ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر.

  • أقول: و رواه في المجمع عن علي (عليه السلام)، و أورده القمي في تفسيره. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ} (الآيات) عن الباقر (عليه السلام) نزلت في شهداء بدر و أحد معا.

  • أقول: و على ذلك روايات كثيرة رواها في الدر المنثور و غيره و قد عرفت أن معنى الآيات عام شامل لكل من قتل في سبيل الله حقيقة أو حكما و ربما قيل: إن الآيات نازلة في شهداء بئر معونة، و هم سبعون رجلا أو أربعون من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أرسلهم لدعوة عامر بن الطفيل و قومه و كانوا على ذلك الماء فقدموا أبا ملحان الأنصاري إليهم بالرسالة فقتلوه أولا ثم تتابعوا على أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقاتلوهم فقتلوهم جميعا رضي الله عنهم. 

  • و في تفسير العياشي عن الصادق قال: هم و الله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة، و استقبلوا الكرامة من الله عز و جل علموا و استيقنوا أنهم كانوا على الحق و على دين الله عز و جل فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين. 

  • أقول: و هو من الجري و معنى علمهم و استيقانهم بأنهم كانوا على الحق أنهم ينالون ذلك بعين اليقين بعد ما نالوه في الدنيا بعلم اليقين لا أنهم كانوا في الدنيا شاكين مرتابين. 

  • و في الدر المنثور أخرج أحمد و هناد و عبد بن حميد و أبو داود و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صححه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار 

تفسير الميزان ج٤

72
  • الجنة، و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. 

  • فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، و في لفظ: قالوا: إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا عن الحرب فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء الآيات: {وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا} (الآية) و ما بعدها. 

  • أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة رووها عن أبي سعيد الخدري و عبد الله بن مسعود و أبي العالية و ابن عباس و غيرهم، و في بعضها: في صور طير خضر كرواية أبي العالية، و في بعضها: في طير خضر كرواية أبي سعيد، و في بعضها: كطير خضر كرواية ابن مسعود، و الألفاظ متقاربة. 

  • و قد ورد من طرق أئمة أهل البيت: أن الرواية عرضت عليهم فأنكروها عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ‌، و في بعضها: أنهم أولوها، و لا شك بالنظر إلى الأصول الثابتة المسلمة في لزوم تأويل الرواية لو لم تطرح. 

  • و الروايات مع ذلك ليست في مقام بيان حالهم في جنة الآخرة بل المراد بها جنة البرزخ و الدليل عليه ما في رواية ابن جرير عن مجاهد قال: يرزقون من ثمر الجنة و يجدون ريحها و ليسوا فيها، و ما في رواية ابن جرير عن السدي: أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش فهي ترعى بكرة و عشية في الجنة، و تبيت في القناديل. 

  • و قد عرفت فيما تقدم من البحث في البرزخ أن مضمون هاتين الروايتين إنما يستقيم في جنة الدنيا و هي البرزخ لا في جنة الآخرة. 

  • و في الدر المنثور: في قوله تعالى: {اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ} (الآية) أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و البيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) لحمراء الأسد و قد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أصحابه، و قالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم، فبلغه أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خرج في أصحاب يطلبهم فثنى ذلك أبا سفيان و أصحابه، و مر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم، 

تفسير الميزان ج٤

73
  • فلما مر الركب برسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله و المؤمنون معه: حسبنا الله و نعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك‌{اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} (الآيات). 

  • أقول: و رواه القمي في تفسيره مفصلا و فيه أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) أخرج معه إلى حمراء الأسد من أصحابه من كان به جراحة، و في بعض الروايات أنه إنما أخرج معه من كان في أحد، و المآل واحد. 

  • و فيه أخرج موسى بن عقبة في مغازيه و البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس فمشوا في الناس يخوفونهم، و قالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله و رسوله، و خرجوا ببضائع لهم، و قالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و إن لم نلقه ابتعنا بضائعنا، و كان بدر متجرا يوافي كل عام فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم، و أخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو و لا أصحابه، و مر عليهم ابن حمام فقال: من هؤلاء؟ قالوا: رسول الله و أصحابه ينتظرون أبا سفيان و من معه من قريش، فقدم على قريش فأخبرهم فأرعب أبو سفيان و رجع إلى مكة، و انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى المدينة بنعمة من الله و فضل، فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق و كانت في شعبان سنة ثلاث.

  • أقول: و رواه من غير هذا الطريق، و رواه في المجمع مفصلا عن الباقر (عليه السلام). و فيها: أن الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى، و المراد بجيش السويق جيش أبي سفيان فإنه خرج من مكة في جيش من قريش و قد حملوا معهم أحمالا من سويق فنزلوا خارج مكة فاقتاتوا بالسويق ثم رجعوا إلى مكة لما أخذهم الرعب من لقاء المسلمين ببدر، فسماهم الناس جيش السويق تهكما و استهزاء. 

  • و فيه أيضا أخرج النسائي و ابن أبي حاتم و الطبراني بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم و لا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عتبة شك سفيان فقال المشركون نرجع قابل 

تفسير الميزان ج٤

74
  • فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فكانت تعد غزوة فأنزل الله: {اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} (الآية)، و قد كان أبو سفيان قال للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم): موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا فأما الجبان فرجع، و أما الشجاع فأخذ أهبة القتال و التجارة فأتوه فلم يجدوا به أحدا و تسوقوا فأنزل الله: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَ فَضْلٍ} (الآية). 

  • أقول: و إنما أوردنا هذه الرواية مع مخالفته للاختصار و التلخيص المؤثر في المباحث الروائية بإيراد أنموذج جامع من كل باب ليتبصر الباحث المتأمل أن ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية بمعنى أنهم يروون غالبا الحوادث التاريخية ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول و ربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة أو آيات ذات سياق واحد ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقل و إن أوجب ذلك اختلال نظم الآيات و بطلان سياقها، و هذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول. 

  • و أضف إلى ذلك ما ذكرناه في أول هذا البحث أن لاختلاف المذاهب تأثيرا في لحن هذه الروايات و سوقها إلى ما يوجه به المذاهب الخاصة. 

  • على أن للأجواء السياسية و البيئات الحاكمة في كل زمان أثرا قويا في الحقائق من حيث إخفاؤها أو إبهامها فيجب على الباحث المتأمل أن لا يهمل أمر هذه الأسباب الدخيلة في فهم الحقائق و الله الهادي.

  • بحث تاريخي فهرس أسامي شهداء أحد

  • شهداء المسلمين يوم أحد سبعون رجلا و هاك فهرس أسمائهم: 

  • ١- حمزة بن عبد المطلب بن هاشم. 

  • ٢- عبد الله بن جحش. 

  • ٣- مصعب بن عمير. 

  • ٤- شماس بن عثمان و هؤلاء الأربعة هم الشهداء من المهاجرين. 

  • ٥- عمرو بن معاذ بن النعمان. 

  • ٦- الحارث بن أنس بن رافع. 

تفسير الميزان ج٤

75
  • ٧- عمارة بن زياد بن السكن. 

  • ٨- سلمة بن ثابت بن وقش. 

  • ٩- عمرو بن ثابت بن وقش. 

  • ١٠- ثابت بن وقش.

  • ١١- رفاعة بن وقش. 

  • ١٢- حسيل بن جابر أبو حذيفة اليمان. 

  • ١٣- صيفي بن قيظي. 

  • ١٤- حباب بن قيظي. 

  • ١٥- عباد بن سهل. 

  • ١٦- الحارث بن أوس بن معاذ. 

  • ١٧- إياس بن أوس. 

  • ١٨- عبيد بن التيهان. 

  • ١٩- حبيب بن يزيد بن تيم. 

  • ٢٠- يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع. 

  • ٢١- أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد. 

  • ٢٢- حنظلة بن أبي عامر و هو غسيل الملائكة. 

  • ٢٣- أنيس بن قتادة. 

  • ٢٤- أبو حبة بن عمر بن ثابت. 

  • ٢٥- عبد الله بن جبير بن النعمان و هو أمير الرماة. 

  • ٢٦- أبو سعد خيثمة بن خيثمة. 

  • ٢٧- عبد الله بن سلمة. 

  • ٢٨- سبيع بن حاطب بن الحارث. 

  • ٢٩- عمرو بن قيس. 

  • ٣٠- قيس بن عمرو بن قيس. 

  • ٣١- ثابت بن عمرو بن يزيد. 

  • ٣٢- عامر بن مخلد. 

  • ٣٣- أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو. 

تفسير الميزان ج٤

76
  • ٣٤- عمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو. 

  • ٣٥- أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت. 

  • ٣٦- أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم رسول الله ص. 

  • ٣٧- قيس بن مخلد. 

  • ٣٨- كيسان عبد لبني النجار. 

  • ٣٩ -سليم بن الحارث. 

  • ٤٠- نعمان بن عبد عمرو. 

  • ٤١- خارجة بن زيد بن أبي زهير. 

  • ٤٢- سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير. 

  • ٤٣- أوس بن الأرقم. 

  • ٤٤- مالك بن سنان من بني خدرة و هو والد أبي سعيد الخدري. 

  • ٤٥- سعيد بن سويد. 

  • ٤٦- عتبة بن ربيع. 

  • ٤٧- ثعلبة بن سعد بن مالك. 

  • ٤٨- سقف بن فروة بن البدي. 

  • ٤٩- عبد الله بن عمرو بن وهب. 

  • ٥٠- ضمرة حليف لبني طريف. 

  • ٥١- نوفل بن عبد الله. 

  • ٥٢- عباس بن عبادة. 

  • ٥٣- نعمان بن مالك بن ثعلبة. 

  • ٥٤- المجدر بن زياد. 

  • ٥٥- عبادة بن الحسحاس و قد دفن نعمان و المجدر و عبادة في قبر واحد. 

  • ٥٦- رفاعة بن عمرو. 

  • ٥٧ -عبد الله بن عمرو من بني حرام. 

  • ٥٨- عمرو بن الجموح من بني حرام دفنا في قبر واحد. 

  • ٥٩- خلاد بن عمرو بن الجموح. 

  • ٦٠- أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح. 

تفسير الميزان ج٤

77
  • ٦١- سليم بن عمرو بن حديدة. 

  • ٦٢- عنترة مولى سليم. 

  • ٦٣- سهل بن قيس بن أبي كعب. 

  • ٦٤- ذكوان بن عبد قيس. 

  • ٦٥- عبيد بن المعلى. 

  • ٦٦- مالك بن تميلة. 

  • ٦٧- حارث بن عدي بن خرشة. 

  • ٦٨- مالك بن إياس. 

  • ٦٩- إياس بن عدي. 

  • ٧٠- عمرو بن إياس. 

  • فهؤلاء سبعون رجلا على ما ذكره ابن هشام في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم).

  •  

  • ‌ [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٧٦ الی ١٨٠]

  • {وَ لاَ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اَللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦ إِنَّ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْكُفْرَ بِالْإِيْمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اَللَّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٧ وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٧٨ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلىَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٩ وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ

تفسير الميزان ج٤

78
  • هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٨٠} 

  • (بيان) 

  • الآيات مرتبطة بما تقدم من الآيات النازلة في غزوة أحد فكأنها و خاصة الآيات الأربع الأول منها تتمة لها لأن أهم ما تتعرض لها تلك الآيات قضية الابتلاء و الامتحان الإلهي لعباده، و على ذلك فهذه الآيات بمنزلة الفذلكة لآيات أحد يبين الله سبحانه فيها أن سنة الابتلاء و الامتحان سنة جارية لا مناص عنها في كافر و لا مؤمن، فالله سبحانه مبتليهما ليخرج ما في باطن كل منهما إلى ساحة الظهور فيتمحض الكافر للنار و يتميز الخبيث من الطيب في المؤمن. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ} إلى آخر الآية تسلية و رفع للحزن ببيان حقيقة الأمر فإن مسارعتهم في الكفر و تظاهرهم على إطفاء نور الله و غلبتهم الظاهرة أحيانا ربما أوجبت أن يحزن المؤمن كأنهم غلبوا الله سبحانه في إرادة إعلاء كلمة الحق لكنه إذا تدبر في قضية الامتحان العام استيقن أن الله هو الغالب و أنهم جميعا واقعون في سبيل الغايات يوجهون إليها ليتم لهم الهداية التكوينية و التشريعية إلى غايات أمرهم فالكافر يوجه به بواسطة إشباعه بالعافية و النعمة و القدرة و هو الاستدراج و المكر الإلهي إلى آخر ما يمكنه أن يركبه من الطغيان و المعصية، و المؤمن لا يزال يحك به محك الامتحان ليخلص ما في باطنه من الإيمان المشوب بغيره، فيخلص لله أو يخلص شركه فيهبط في مهبط غيره من أولياء الطاغوت و أئمة الكفر. 

  • فمعنى الآية: لا يحزنك الذين يسرعون و لا يزال يشتد سرعتهم في الكفر فإنك إن تحزن فإنما تحزن لما تظن أنهم يضرون الله بذلك و ليس كذلك فهم لا يضرون الله شيئا لأنهم مسخرون لله يسلك بهم في سير حياتهم إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة (و هو آخر حدهم في الكفر) و لهم عذاب أليم فقوله: {لاَ يَحْزُنْكَ}، أمر إرشادي، و قوله: {إِنَّهُمْ}«إلخ» تعليل للنهي، و قوله: {يُرِيدُ اَللَّهُ}«إلخ» تعليل و بيان لعدم ضررهم. 

تفسير الميزان ج٤

79
  • ثم ذكر تعالى نفي ضرر جميع الكافرين بالنسبة إليه أعم من المسارعين في الكفر و غيرهم، و هو كالبيان الكلي بعد البيان الجزئي يصح أن يعلل به النهي (لا يحزنك) و أن يعلل به علته (أنهم لن يضروا «إلخ») لأنه أعم يعلل به الأخص، و المعنى: و إنما قلنا إن هؤلاء المسارعين لا يضرون الله شيئا لأن الكافرين جميعا لا يضرونه شيئا. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا}، لما طيب نفس نبيه في مسارعة الكفار في كفرهم إن ذلك في الحقيقة تسخير إلهي لهم لينساقوا إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة عطف الكلام إلى الكفار أنفسهم، فبين أنه لا ينبغي لهم أن يفرحوا بما يجدونه من الإملاء و الإمهال الإلهي فإن ذلك سوق لهم بالاستدراج إلى زيادة الإثم، و وراء ذلك عذاب مهيمن ليس معه إلا الهوان، كل ذلك بمقتضى سنة التكميل. 

  • قوله تعالى{مَا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ}«إلخ» ثم عطف الكلام إلى المؤمنين فبين أن سنة الابتلاء جارية فيهم ليتم تكميلهم أيضا فيخلص المؤمن الخالص من غيره، و يتميز الخبيث من الطيب. 

  • و لما أمكن أن يتوهم أن هناك طريقا آخر إلى تمييز الخبيث من الطيب و هو أن يطلعهم على الخبثاء حتى يتميزوا منهم فلا يقاسوا جميع هذه المحن و البلايا التي يقاسونها بسبب اختلاط المنافقين و الذين في قلوبهم مرض بهم فدفع هذا الوهم بأن علم الغيب مما استأثر الله به نفسه فلا يطلع عليه أحدا إلا من اجتبى من رسله فإنه ربما أطلعه عليه بالوحي، و ذلك قوله تعالى: {وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ}

  • ثم ذكر أنه لما لم يكن من الابتلاء و التكميل محيد فآمنوا بالله و رسله حتى تنسلكوا في سلك الطيبين دون الخبثاء، غير أن الإيمان وحده لا يكفي في بقاء طيب الحياة حتى يتم الأجر إلا بعمل صالح يرفع الإيمان إلى الله و يحفظ طيبه، و لذلك قال أولا: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ} ثم تممه ثانيا بقوله: {وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}

  • و قد ظهر من الآية أولا: أن قضية تكميل النفوس و إيصالها إلى غايتها و مقصدها من السعادة و الشقاء مما لا محيص عنه. 

  • و ثانيا: أن الطيب و الخباثة في عين أنهما منسوبان إلى ذوات الأشخاص يدوران 

تفسير الميزان ج٤

80
  • مدار الإيمان و الكفر اللذين هما أمران اختياريان لهم، و هذا من لطائف الحقائق القرآنية التي تنشعب منها كثير من أسرار التوحيد، و يدل عليها قوله تعالى: {وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ}: البقرة ١٤٨، إذا انضم إلى قوله: {وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ}: المائدة ٤٨، و سيجي‌ء إشباع الكلام فيها في قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اَللَّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ اَلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى‌ بَعْضٍ} (الآية) الأنفال ٣٧. 

  • و ثالثا: أن الإيمان بالله و رسله مادة لطيب الحياة و هو طيب الذات، و أما الأجر فيتوقف على التقوى و العمل الصالح، و لذلك ذكر تعالى أولا حديث الميز بين الطيب و الخبيث ثم فرع عليه قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ}، ثم لما أراد ذكر الأجر أضاف التقوى إلى الإيمان فقال: {وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}

  • و بذلك يتبين في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: «النحل: ٩٧»، إن الإحياء المذكور ثمرة الإيمان متفرع عليه، و الجزاء بالأجر متفرع على العمل الصالح فالإيمان روح الحياة الطيبة، و أما بقاؤها حتى يترتب عليها آثارها فيحتاج إلى العمل الصالح كالحياة الطبيعية التي تحتاج في تكونها و تحققها إلى روح حيواني، و بقاؤها يحتاج إلى استعمال القوى و الأعضاء، و لو سكنت الجميع بطلت و أبطلت الحياة. 

  • و قد كرر لفظ الجلالة مرات في الآية، و الثلاثة الأواخر من وضع الظاهر موضع المضمر و ليس إلا للدلالة على مصدر الجلال و الجمال في أمور لا يتصف بها إلا هو بألوهيته و هو الامتحان، و الاطلاع على الغيب، و اجتباء الرسل، و أهلية الإيمان به. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (الآية)، لما بين حال إملاء الكافرين و كان الحال في البخل بالمال و عدم إنفاقه في سبيل الله مثله، فإن البخيل فرح فخور بما يجمعه من المال عطف تعالى الكلام إليهم و بين أنه شر لهم، و في التعبير عن المال بقوله: {بِمَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} إشعار بوجه لومهم و ذمهم، و قوله: {سَيُطَوَّقُونَ} إلخ في مقام التعليل لكون البخل شرا لهم، و قوله: {وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ اَلسَّمَاوَاتِ}، الظاهر أنه حال من يوم القيامة، و كذا قوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}

تفسير الميزان ج٤

81
  • و يحتمل على بعد أن يكون قوله: {وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ} حالا من فاعل قوله يبخلون، و قوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} حالا منه أيضا أو جملة مستأنفة.

  • (بحث روائي‌) 

  • في تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن الكافر الموت خير له أم الحياة؟ فقال: الموت خير للمؤمن و الكافر لأن الله يقول: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}، و يقول: {لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} (الآية).

  • أقول: الاستدلال المذكور في الرواية لا يوافق مذاق أئمة أهل البيت كل الموافقة فإن الأبرار طائفة خاصة من المؤمنين لا جميعهم إلا أن يقال: إن المراد بالأبرار جميع المؤمنين بما في كل منهم من شي‌ء من البر، و روي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٨١ الی ١٨٩ ]

  • {لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ ١٨١ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ١٨٢ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ اَلنَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٨٣ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاؤُ بِالْبَيِّنَاتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتَابِ اَلْمُنِيرِ

تفسير الميزان ج٤

82
  • ١٨٤ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنَّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ اَلْغُرُورِ ١٨٥ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ١٨٦ وَ إِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ١٨٧ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ اَلْعَذَابِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٨٨ وَ لِلَّهِ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ١٨٩} 

  • (بيان)

  • الآيات مرتبط بما قبلها، فقد كانت عامة الآيات السابقة في استنهاض الناس و ترغيبهم على الجهاد في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم، و تحذيرهم عن الوهن و الفشل و البخل فيرتبط بها قول اليهود: إن الله فقير و نحن أغنياء، و تقليبهم الأمر على المسلمين، و تكذيبهم آيات الرسالة، و كتمانهم ما أخذ منهم الميثاق لبيانه، و هذه هي التي تتعرض الآيات لبيانها مع ما فيها من تقوية قلوب المؤمنين على الاستقامة و الصبر و الثبات، و التحريض على الإنفاق في سبيل الله. 

  • قوله تعالى{لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ} القائلون هم اليهود بقرينة ما في ذيل الكلام من حديث قتلهم الأنبياء و غير ذلك. 

تفسير الميزان ج٤

83
  • و إنما قالوا ذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى: {مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} (الآية): «البقرة: ٢٤٥» و يشهد بذلك بعض الشهادة اتصاله بالآية السابقة: {وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} (الآية). 

  • أو أنهم قالوا ذلك لما رأوا فقر عامة المؤمنين و فاقتهم، فقالوا ذلك تعريضا بأن ربهم لو كان غنيا لغار لهم و أغناهم فليس إلا فقيرا و نحن أغنياء. 

  • قوله تعالى{سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} (الآية)، المراد بالكتابة الحفظ و التثبيت أو الكتابة في صحائف أعمالهم، و المآل واحد، و المراد بقتل الأنبياء بغير حق القتل على العرفان و العمد دون السهو و الخطإ و الجهالة، و قد قارن الله قولهم هذا بقتلهم الأنبياء لكونه قولا عظيما، و قوله: {عَذَابَ اَلْحَرِيقِ}، الحريق‌ النار أو اللهب و قيل: هو بمعنى المحرق. 

  • قوله تعالى{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} (الآية)، أي بما قدمتم أمامكم من العمل و نسب إلى الأيدي لأنها آلة التقديم غالبا، و قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} عطف على قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ}، و تعليل للكتابة و العذاب، فلو لم يكن ذلك الحفظ و الجزاء لكان إهمالا لأمر نظام الأعمال و في ذلك ظلم كثير بكثرة الأعمال فيكون ظلاما لعباده تعالى عن ذلك. 

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} (الآية)، نعت للذين قبله و العهد هو الأمر، و القربان ما يتقرب به من النعم و غيره، و أكل النار كناية عن إحراقها، و المراد بقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي}، أمثال زكريا و يحيى من أنبياء بني إسرائيل المقتولين بأيديهم. 

  • قوله تعالى{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ} (الآية)، تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في تكذيبهم له، و الزبر جمع زبور و هو كتاب الحكم و المواعظ، و قد أريد بالزبر و الكتاب المنير مثل كتاب نوح و صحف إبراهيم و التوراة و الإنجيل. 

  • قوله تعالى{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اَلْمَوْتِ} (الآية)، تتضمن الوعد للمصدق و الوعيد للمكذب و قد بدأ فيها بالحكم العام المقضي في حق كل ذي نفس، و التوفية هو الإعطاء الكامل، و قد استدل بعضهم بالآية على ثبوت البرزخ لدلالتها على سبق بعض الإعطاء 

تفسير الميزان ج٤

84
  • و أن الذي في يوم القيامة هو الإعطاء الكامل، و هو استدلال حسن، و الزحزحة هو الإبعاد، و أصله تكرار الجذب بعجلة، و الفوز الظفر بالبغية، و الغرور مصدر غر أو هو جمع غار. 

  • قوله تعالى{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ} (الآية)، الإبلاء الاختبار، بعد ما ذكر سبحانه جريان البلاء و الإبلاء على المؤمنين، ثم ذكر قول اليهود و هو مما من شأنه أن يوهن عزم المؤمنين أخبرهم بأن هذا الإبلاء الإلهي و الأقاويل المؤذية من أهل الكتاب و المشركين ستتكرر على المؤمنين، و يكثر استقبالها إياهم و قرعها سمعهم فعليهم أن يصبروا و يتقوا حتى يعصمهم ربهم من الزلل و الفشل، و يكونوا أرباب عزم و إرادة، و هذا إخبار قبل الوقوع ليستعدوا لذلك استعدادهم، و يوطنوا عليه أنفسهم. 

  • و قد وضع في قوله: {وَ لَتَسْمَعُنَّ} إلى قوله: {أَذىً كَثِيراً}، الأذى‌ الكثير موضع القول و هو من قبيل وضع الأثر موضع المؤثر مجازا. قوله تعالى: {وَ إِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ}، النبذ الطرح، و نبذه وراء ظهره كالمثل يراد به الترك و عدم الاعتناء كما أن قولهم: جعله نصب عينيه كالمثل يراد به الأخذ و اللزوم. 

  • قوله تعالى{لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} إلى آخر الآيتين، أي بما أنعم عليهم من المال و لازمه حب المال و البخل به، و المفازة النجاة و إنما هلك هؤلاء لأن قلوبهم تعلقت بالباطل فلا ولاية للحق عليهم. 

  • ثم ذكر تعالى حديث ملكه للسماوات و الأرض، و قدرته على كل شي‌ء، و هذان الوصفان يصلحان لتعليل مضامين جميع ما تقدم من الآيات.

  • بحث روائي‌ 

  • في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن قتادة: في قوله: {لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ} (الآية)، قال: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزل: {مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} قال: يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني. 

تفسير الميزان ج٤

85
  • و في تفسير العياشي في الآية عن الصادق (عليه السلام) قال: و الله ما رأوا الله حتى يعلموا أنه فقير، و لكنهم رأوا أولياء الله فقراء فقالوا: لو كان غنيا لأغنى أولياءه ففخروا على الله بالغنى. 

  • و في المناقب عن الباقر (عليه السلام): هم الذين يزعمون أن الإمام يحتاج إلى ما يحملونه إليه.

  • أقول: أما الروايتان الأوليان فقد تقدم انطباق مضمونهما على الآية، و أما الثالثة فهي من الجري. 

  • و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: كان بين القائلين و القاتلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا.

  • أقول: ما ذكر من السنين لا يوافق التاريخ الميلادي الموجود فارجع إلى ما تقدم من البحث التاريخي. 

  • و في الدر المنثور في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اَلْمَوْتِ} (الآية)، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و جاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه و لا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت و رحمة الله و بركاته كل نفس ذائقة الموت و إنما توفون أجوركم يوم القيامة إن في الله عزاء من كل مصيبة و خلفا من كل هالك، و دركا من كل ما فات فبالله فثقوا، و إياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، فقال علي: هذا الخضر.

  • و فيه أخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها ثم تلا هذه الآية: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنَّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}

  • أقول: و رواه فيه ببعض طرق أخر عن غيره، و اعلم أن هنا روايات كثيرة في أسباب نزول هذه الآيات تركنا إيرادها لظهور كونها من التطبيق النظري. 

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): الآیات ١٩٠الی ١٩٩ ]

  •  {إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاَفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ لَآيَاتٍ 

تفسير الميزان ج٤

86
  • لِأُولِي اَلْأَلْبَابِ ١٩٠اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‌ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ اَلنَّارِ ١٩١ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ١٩٢ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَ تَوَفَّنَا مَعَ اَلْأَبْرَارِ ١٩٣ رَبَّنَا وَ آتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلىَ رُسُلِكَ وَ لاَ تُخْزِنَا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ١٩٤ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قَاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلثَّوَابِ ١٩٥ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلاَدِ ١٩٦ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهَادُ ١٩٧ لَكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ١٩٨ وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اَللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اَللَّهَ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ ١٩٩} 

تفسير الميزان ج٤

87
  • (بيان‌) 

  • الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب في هذه السورة، بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه، و التفكر في آياته و الاستجارة بالله من عذاب النار، و سؤال المغفرة و الجنة، و أن الله استجاب لهم و سيرزقهم ما سألوه هذه عامة حالهم و أن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاع قليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم، و قد استثنى منهم المتبعين للحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين. 

  • قوله تعالى{إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}، كان المراد بالخلق كيفية وجودها و آثارها و أفعالها من حركة و سكون و تغير و تحول فيكون خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار مشتملا على معظم الآيات المحسوسة و قد تقدم بيانها في سورة البقرة۱. و تقدم أيضا معنى أولي الألباب‌٢

  • قوله تعالى{اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً}«إلخ» أي يذكرون الله في جميع حالاتهم من القيام و القعود و الاضطجاع، و قد مر البحث في معنى الذكر و التفكر، و محصل معنى الآيتين أن النظر في آيات السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار أورثهم ذكرا دائما لله فلا ينسونه في حال، و تفكرا في خلق السموات و الأرض يتذكرون به أن الله سيبعثهم للجزاء فيسألون عندئذ رحمته و يستنجزون وعده. 

  • قوله تعالى{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً}، إنما قيل {هَذَا} مع كون المشار إليه جمعا و مؤنثا إذ الغرض لا يتعلق بتمييز أشخاصها و أسمائها، و الجميع في أنها خلق واحد، و هذا نظير ما حكى الله تعالى من قول إبراهيم: {فَلَمَّا رَأَى اَلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ}: «الأنعام: ٧٨»، لعدم علمه بعد بحقيقتها و اسمها سوى أنها شي‌ء. 

  • و الباطل ما ليس له غاية يتعلق به الغرض قال تعالى: {فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ اَلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ}: «الرعد: ١٧» و لذلك لما نفوا البطلان عن 

    1. تفسير آية: ١٦ من سورة البقرة.
    2.  في تفسير الآية السابعة من هذه السورة.

تفسير الميزان ج٤

88
  • الخلق لاح لهم أن الله سيحشر الناس للجزاء، و أنه تعالى سيجزي هناك الظالمين جزاء خزي و هو النار، و لا راد يرد مصلحة العقاب و إلا لبطل الخلقة، و هذا معنى قولهم: فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار. 

  • قوله تعالى{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً}، المراد بالمنادي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و قوله: {أَنْ آمِنُوا}. بيان للنداء و أن تفسيرية، و لما ذكروا إيمانهم بالمنادي و هو الرسول و هو يخبرهم بأمور عن الله تعالى يحذرهم من بعضها كالذنوب و السيئات و الموت على الكفر و الذنب، و يرغبهم في بعضها كالمغفرة و الرحمة و تفاصيل الجنة التي وعد الله عباده المؤمنين الأبرار بها سألوا ربهم أن يغفر لهم و يكفر عن سيئاتهم و يتوفاهم مع الأبرار و سألوه أن ينجزهم ما وعدهم من الجنة و الرحمة على ما ضمنه لهم الرسل بإذن الله فقالوا: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}«إلخ» فقوله تعالى: {عَلىَ رُسُلِكَ} أي حملته على رسلك و ضمنه عليك الرسل، و قوله: {وَ لاَ تُخْزِنَا}، أي بإخلاف الوعد، و لذا عقبه بقوله: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ}

  • و قد تبين من الآيات أنهم إنما حصلوا الاعتقاد بالله و اليوم الآخر و بأن لله رسلا بالنظر في الآيات و أما تفاصيل ما جاء به النبي فمن طريق الإيمان بالرسول فهم على الفطرة فيما يحكم به الفطرة، و على السمع و الطاعة فيما فيه ذلك. 

  • قوله تعالى{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}«إلخ» التعبير بالرب و إضافته إليهم يدل على ثوران الرحمة الإلهية و يدل عليه أيضا التعميم الذي في قوله: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}، فلا فرق عنده تعالى بين عمل و عمل، و لا بين عامل و عامل. 

  • و على هذا فقوله تعالى في مقام التفريع: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أُوذُوا}«إلخ» في مقام تفصيل صالحات الأعمال لتثبيت ثوابها، و الواو للتفصيل دون الجمع حتى يكون لبيان ثواب المستشهدين من المهاجرين فقط. 

  • و الآية مع ذلك لا تفصل إلا الأعمال التي تندب إليها هذه السورة و تبالغ في التحريض و الترغيب فيها، و هو إيثار الدين على الوطن و تحمل الأذى في سبيل الله و الجهاد. 

  • و الظاهر أن المراد بالمهاجرة ما يشمل المهاجرة عن الشرك و العشيرة و الوطن لإطلاق اللفظ، و لمقابلته قوله: {وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ}، و هو هجرة خاصة، و لقوله 

تفسير الميزان ج٤

89
  • بعده: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}، فإن ظاهر السيئات في القرآن صغائر المعاصي فهم هاجروا الكبائر بالاجتناب و التوبة، فالمهاجرة المذكورة أعم فافهم ذلك. 

  • قوله تعالى{لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ} إلخ، هذا بمنزلة دفع الدخل و التقدير: هذا حال أبرار المؤمنين و هذا أجرهم، و أما ما ترى فيه الكفار من رفاه الحال و ترف الحياة و در المعاش فلا يغرنك ذلك (الخطاب للنبي و المقصود به الناس) لأنه متاع قليل لا دوام له. 

  • قوله تعالى{لَكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ} إلخ، النزل‌ ما يعد للنازل من طعام و شراب و غيرهما، و المراد بهم الأبرار بدليل ما في آخر الآية، و هذا يؤيد ما ذكرناه من أن الآية السابقة دفع دخل. 

  • قوله تعالى{وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ} إلخ، المراد أنهم مشاركون للمؤمنين في حسن الثواب، و الغرض منه أن السعادة الأخروية ليست جنسية حتى يمنع منها أهل الكتاب و إن آمنوا بل الأمر دائر مدار الإيمان بالله و برسله فلو آمنوا كانوا هم و المؤمنون سواء. 

  • و قد نفي عن هؤلاء الممدوحين من أهل الكتاب ما ذمهم الله به في سوابق الآيات و هو التفريق بين رسل الله، و كتمان ما أخذ ميثاقهم لبيانه اشتراء بآيات الله ثمنا قليلا.

  • بحث فلسفي و مقايسة [بين القرآن و التوراة في أمر النساء]

  • المشاهدة و التجربة تقضيان أن الرجل و المرأة فردان من نوع جوهري واحد، و هو الإنسان فإن جميع الآثار المشهودة في صنف الرجل مشهودة في صنف المرأة من غير فرق، و بروز آثار النوع يوجب تحقق موضوعه بلا شك، نعم يختلف الصنف بشدة و ضعف في بعض الآثار المشتركة و هو لا يوجب بطلان وجود النوعية في الفرد، و بذلك يظهر أن الاستكمالات النوعية الميسورة لأحد الصنفين ميسورة في الآخر، و منها الاستكمالات المعنوية الحاصلة بالإيمان و الطاعات و القربات، و بذلك يظهر عليك أن أحسن كلمة و أجمعها في إفادة هذا المعنى قوله سبحانه: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‌ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}

  • و إذا قايست ذلك إلى ما ورد في التوراة بان لك الفرق بين موقعي الكتابين 

تفسير الميزان ج٤

90
  • ففي سفر الجامعة من التوراة: «درت أنا و قلبي لأعلم و لأبحث و لأطلب حكمة و عقلا، و لأعرف الشر أنه جهالة، و الحماقة أنها جنون، فوجدت أمر من الموت المرأة التي هي شباك، و قلبها أشراك، و يداها قيود، إلى أن قال: رجلا واحدا بين ألف وجدت إما امرأة فبين كل أولئك لم أجد» و قد كانت أكثر الأمم القديمة لا ترى قبول عملها عند الله سبحانه، و كانت تسمى في اليونان رجسا من عمل الشيطان، و كانت ترى الروم و بعض اليونان أن ليس لها نفس مع كون الرجل ذا نفس مجردة إنسانية، و قرر مجمع فرنسا سنة ٥٨٦ م بعد البحث الكثير في أمرها أنها إنسان لكنها مخلوقة لخدمة الرجل، و كانت في إنجلترا قبل مائة سنة تقريبا لا تعد جزء المجتمع الإنساني، فارجع في ذلك إلى كتب الآراء و العقائد و آداب الملل تجد فيها عجائب من آرائهم.

  • (بحث روائي‌)

  • في الدر المنثور أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله.

  • أقول: و روي هذا المعنى أيضا بطرق أخرى عن عدة من الصحابة كعبد الله بن سلام و ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و الرواية مروية من طرق الشيعة أيضا و المراد بالتفكر في الله أو في ذات الله على اختلاف الروايات التفكر في كنهه و قد قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}: طه - ١١٠، و أما صفاته تعالى فالقرآن أعدل شاهد على أنه تعالى يعرف بها، و قد ندب إلى معرفته بها في آيات كثيرة. 

  • و فيه أخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة.

  • أقول: و في بعض الروايات: من عبادة ليلة، و في بعضها: من عبادة سنة، و هو مروي من طرق الشيعة أيضا. 

  • و قد ورد من طرق أهل السنة: أن قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} (الآية)، نزلت في أم سلمة لما قالت للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشي‌ء فأنزل الله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ} (الآية). 

تفسير الميزان ج٤

91
  • و ورد من طرق الشيعة: أن قوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا} (الآية)، نزلت في علي (عليه السلام) لما هاجر و معه الفواطم: فاطمة بنت أسد، و فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و فاطمة بنت الزبير، ثم لحق بهم في ضجنان أم أيمن و نفر من ضعفاء المؤمنين فساروا و هم يذكرون الله في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبي ص و قد نزلت الآيات. و ورد من طرق أهل السنة: أنها نزلت في المهاجرين‌، و ورد أيضا أن قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ} (الآيات)، نزل حين تمنى بعض المؤمنين ما عليه الكفار من حسن الحال‌ و ورد أيضا أن قوله: {وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ} (الآية)، نزل في النجاشي و نفر من أصحابه لما مات هو فصلى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو في المدينة فطعن فيه بعض المنافقين أنه يصلي على من ليس في دينه فأنزل الله: {وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ} (الآية). 

  • فهذه جميعا روايات تطبق الآيات على القصص، و ليست بأسباب للنزول حقيقة.

  •  

  • [سورة آل‌عمران (٣): آیة ٢٠٠]

  • {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠}

  • (بيان‌) 

  • الآية بمنزلة الفذلكة لتفصيل البيان الوارد في السورة، و فيه تخلص منه بأخذ النتيجة و إعطائها. 

  • قوله تعالى{يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا}«إلخ»، الأوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد، و الصبر في طاعة الله، و الصبر عن معصيته، و على أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله. 

  • و المصابرة هي التصبر و تحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال و يشتد الوصف و يتضاعف تأثيره، و هذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد، و في حال الاجتماع و التعاون بإيصال القوى بعضها ببعض و سنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محله.

تفسير الميزان ج٤

92
  • قوله تعالى{وَ رَابِطُوا} أعم معنى من المصابرة و هي إيجاد الجماعة، الارتباط بين قواهم و أفعالهم في جميع شئون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة و حال الرخاء و لما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا و الآخرة و إلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا و ليست بحقيقة السعادة عقب هذه الأوامر بقوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يعني الفلاح التام الحقيقي.

  • كلام في المرابطة في المجتمع الإسلامي‌ 

  • ١ الإنسان و الاجتماع

  • كون النوع الإنساني نوعا اجتماعيا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك، و لم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ و الآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها و يحكم على هذه الأرض. 

  • و قد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الآية): «الحجرات: ١٣» و قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا}: «الزخرف: ٣٢»، و قال تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥»، و قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً}: «الفرقان: ٥٤»، إلى غير ذلك.۱ 

  • ٢ الإنسان و نموه في اجتماعه

  • الاجتماع الإنساني كسائر الخواص الروحية الإنسانية و ما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تاما كاملا لا يقبل النماء و الزيادة بل هو كسائر الأمور الروحية الإدراكية الإنسانية لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية و المعنوية و على الحقيقة لم يكن من المتوقع أن يستثني هذه الخاصة من بين جميع الخواص الإنسانية فتظهر أول ظهورها تامة كاملة أتم ما يكون و أكمله بل هي كسائر الخواص الإنسانية التي لها ارتباط بقوتي العلم و الإرادة تدريجية الكمال في الإنسان.

  • و الذي يظهر من التأمل في حال هذا النوع أن أول ما ظهر من الاجتماع فيه 

    1.  و ليرجع في دلالة كل واحدة من الآيات إلى المحل المختص بها من هذا التفسير

تفسير الميزان ج٤

93
  • الاجتماع المنزلي بالازدواج لكون عامله الطبيعي و هو جهاز التناسل أقوى عوامل الاجتماع لعدم تحققه إلا بأزيد من فرد واحد أصلا بخلاف مثل التغذي و غيره ثم ظهرت منه الخاصة التي سميناها في المباحث المتقدمة من هذا الكتاب بالاستخدام و هو توسيط الإنسان غيره في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته و تحميل إرادته عليه ثم برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل و رئيس العشيرة و رئيس القبيلة و رئيس الأمة و بالطبع كان المقدم المتعين من بين العدة أولا أقواهم و أشجعهم ثم أشجعهم، و أكثرهم مالا و ولدا و هكذا حتى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة و السياسة و هذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنية و قيامها على ساقها حتى اليوم و سنستوفي البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز. 

  • و خاصة الاجتماع بتمام أنواعها (المنزلي و غيره) و إن لم تفارق الإنسانية في هذه الأدوار و لو برهة إلا أنها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلا بل كانت تعيش و تنمو بتبع الخواص الأخرى المعني بها للإنسان كالاستخدام و الدفاع و نحو ذلك. 

  • و القرآن الكريم يخبر أن أول ما نبه الإنسان بالاجتماع تفصيلا و اعتنى بحفظه استقلالا نبهته به النبوة قال تعالى: {وَ مَا كَانَ اَلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}: «يونس: ١٩»، و قال: {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ}: «البقرة: ٢١٣»، حيث ينبئ أن الإنسان في أقدم عهوده كان أمة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم حتى ظهرت الاختلافات و بانت المشاجرات فبعث الله الأنبياء و أنزل معهم الكتاب ليرفع به الاختلاف، و يردهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرعة. 

  • و قال تعالى{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسىَ وَ عِيسىَ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}: «الشورى: ١٣»، فأنبأ أن رفع الاختلاف من بين الناس و إيجاد الاتحاد في كلمتهم إنما كان في صورة الدعوة إلى إقامة الدين و عدم التفرق فيه فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح. 

  • و الآية كما ترى تحكي هذه الدعوة (دعوة الاجتماع و الاتحاد) عن نوح (عليه السلام) و هو أقدم الأنبياء أولي الشريعة و الكتاب ثم عن إبراهيم ثم عن موسى ثم عيسى (عليه السلام) 

تفسير الميزان ج٤

94
  • و قد كان في شريعة نوح و إبراهيم النزر اليسير من الأحكام، و أوسع هؤلاء الأربعة شريعة موسى و تتبعه شريعة عيسى على ما يخبر به القرآن و هو ظاهر الأناجيل و ليس في شريعة موسى على ما قيل إلا ستمائة حكم تقريبا. 

  • فلم تبدأ الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلة صريحة إلا من ناحية النبوة في قالب الدين كما يصرح به القرآن، و التاريخ يصدقه على ما سيجي‌ء. 

  • ٣ الإسلام و عنايته بالاجتماع

  • لا ريب أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسس بنيانه على الاجتماع صريحا و لم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شئونه فانظر إن أردت زيادة تبصر في ذلك إلى سعة الأعمال الإنسانية التي تعجز عن إحصائها الفكرة و إلى تشعبها إلى أجناسها و أنواعها و أصنافها ثم انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهية لها و إحاطتها بها و بسط أحكامها عليها ترى عجبا ثم انظر إلى تقليبه ذلك كله في قالب الاجتماع ترى أنه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ. 

  • ثم خذ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقة التي يعتني بها القرآن و هي شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى حتى تعاين النسبة و تعرف المنزلة. 

  • و أما ما لا يعتني به القرآن الكريم من الشرائع كأديان الوثنية و الصابئة و المانوية و الثنوية و غيرها فالأمر فيها أظهر و أجلى. 

  • و أما الأمم المتمدنة و غيرها فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلا أنها كانت تتبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانية من استتباع الاجتماع بالاستخدام، و اجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد و السلطة الملوكية فكان الاجتماع القومي و الوطني و الإقليمي يعيش تحت راية الملك و الرئاسة، و يهتدي بهداية عوامل الوراثة و المكان و غيرهما من غير أن يعتني أمة من هذه الأمم عناية مستقلة بأمره، و تجعله موردا للبحث و العمل، حتى الأمم المعظمة التي كانت لها سيادة الدنيا حينما شرقت شارقة الدين و أخذت في إشراقها و إنارتها أعني إمبراطورية الروم و الفرس فإنها لم تكن إلا قيصرية و كسروية تجتمع أممها تحت لواء الملك و السلطنة و يتبعها الاجتماع في رشده و نموه و يمكث بمكثها. 

  • نعم يوجد فيما ورثوه أبحاث اجتماعية في مسفورات حكمائهم من أمثال سقراط 

تفسير الميزان ج٤

95
  • و أفلاطون و أرسطو و غيرهم إلا أنها كانت أوراقا و صحائف لا ترد مورد العمل، و مثلا ذهنية لا تنزل مرحلة العين و الخارج، و التاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه. 

  • فأول نداء قرع سمع النوع الإنساني و دعي به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الإهمال و حكم التبعية هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة و السلام، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة و طيب العيش مجتمعين، قال تعالى: {وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ}: «الأنعام: ١٥٣»، و قال: {وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا} إلى أن قال: {وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ}(يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق و الانشعاب) {وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ}: «آل عمران: ١٠٥»، و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‌ءٍ}: «الأنعام: ١٥٩»، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الداعية إلى أصل الاجتماع و الاتحاد. 

  • و قال تعالى{إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}: «الحجرات: ١٠»، و قال: {وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: «الأنفال: ٤٦»، و قال: {وَ تَعَاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىَ}: «المائدة: ٢»، و قال: {وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ}: «آل عمران: ١٠٤» إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلامي على الاتفاق و الاتحاد في حيازة منافعها و مزاياها المعنوية و المادية و الدفاع عنه على ما سنوضحه بعض الإيضاح.

  • ٤ اعتبار الإسلام رابطة الفرد و المجتمع

  • الصنع و الإيجاد يجعل أولا أجزاء ابتدائية لها آثار و خواص ثم يركبها و يؤلف بينها على ما فيها من جهات البينونة فيستفيد منها فوائد جديدة مضافة إلى ما للأجزاء من الفوائد المشهودة فالإنسان مثلا له أجزاء و أبعاض و أعضاء و قوى لها فوائد متفرقة مادية و روحية ربما ائتلفت فقويت و عظمت كثقل كل واحد من الأجزاء و ثقل المجموع و التمكن و الانصراف من جهة إلى جهة و غير ذلك، و ربما لم تأتلف و بقيت على حال التباين و التفرق كالسمع و البصر و الذوق و الإرادة و الحركة إلا أنها جميعا من جهة الوحدة في التركيب تحت سيطرة 

تفسير الميزان ج٤

96
  • الواحد الحادث الذي هو الإنسان ، و عند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كل واحد من أجزائه و هي فوائد جمة من قبيل الفعل و الانفعال و الفوائد الروحية و المادية، و من فوائده حصول كثرة عجيبة في تلك الفوائد في عين الوحدة فإن المادة الإنسانية كالنطفة مثلا إذا استكملت نشأتها قدرت على إفراز شي‌ء من المادة من نفسها و تربيتها إنسانا تاما آخر يفعل نظائر ما كان يفعله أصله و محتده من الأفعال المادية و الروحية فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان و هو واحد، و أفعالها كثيرة عددا واحدة نوعا و هي تجتمع و تأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية فهي مياه كثيرة ذو نوع واحد و هي ذات خواص كثيرة نوعها واحد و كلما جمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصة و عظم الأثر. 

  • و قد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع و هدايتها إلى سعادتها الحقيقة هذا المعنى الحقيقي فيها و لا مناص من اعتباره، قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً}: «الفرقان: ٥٤»، و قال: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‌}: «الحجرات: ١٣»، و قال: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥». 

  • و هذه الرابطة الحقيقية بين الشخص و المجتمع لا محالة تؤدي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمده الأشخاص من وجودهم و قواهم و خواصهم و آثارهم فيتكون في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود و خواص الوجود و هو ظاهر مشهود، و لذلك اعتبر القرآن للأمة وجودا و أجلا و كتابا و شعورا و فهما و عملا و طاعة و معصية فقال: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ}: «الأعراف: ٣٤»، و قال: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‌ إِلى‌ كِتَابِهَا}: «الجاثية: ٢٨» و قال: {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}«الأنعام: ١٠٨»، و قال: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ}: «المائدة: ٦٦»، و قال: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اَللَّهِ}: «آل عمران: ١١٣»، و قال: {وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}: «غافر: ٥»، و قال: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}: «يونس: ٤٧». 

  • و من هنا ما نرى أن القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك و العظماء، و لم يشتغل المؤرخون بتواريخ الأمم و المجتمعات إلا بعد نزول القرآن فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي و ابن خالدون حتى ظهر التحول الأخير في التاريخ النقلي 

تفسير الميزان ج٤

97
  • بتبديل الأشخاص أمما، و أول من سنه على ما يقال: «أغوست كنت الفرنسي المتوفى سنة ١٨٥٧ ميلادية». 

  • و بالجملة لازم ذلك على ما مرت الإشارة إليه تكون قوى و خواص اجتماعية قوية تقهر القوى و الخواص الفردية عند التعارض و التضاد، على أن الحس و التجربة يشهدان بذلك في القوى و الخواص الفاعلة و المنفعلة معا، فهمة الجماعة و إرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات و في الهجمات الاجتماعية لا تقوم لها إرادة معارضة و لا مضادة من واحد من أشخاصها و أجزائها، فلا مفر للجزء من أن يتبع كله و يجري على ما يجري عليه حتى أنه يسلب الشعور و الفكر من أفراده و أجزائه، و كذا الخوف العام و الدهشة العامة كما في موارد الانهزام و انسلاب الأمن و الزلزلة و القحط و الوباء أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة و الأزياء القومية و نحوهما تضطر الفرد على الاتباع و تسلب عنه قوة الإدراك و الفكر. 

  • و هذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع ذلك الاهتمام الذي لا نجد و لن نجد ما يماثله في واحد من الأديان الأخر و لا في سنن الملل المتمدنة (و لعلك لا تكاد تصدق ذلك)، فإن تربية الأخلاق و الغرائز في الفرد و هو الأصل في وجود المجتمع لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق و الغرائز المعارضة و المضادة القوية القاهرة في المجتمع إلا يسيرا لا قدر له عند القياس و التقدير. 

  • فوضع أهم أحكامه و شرائعه كالحج و الصلاة و الجهاد و الإنفاق و بالجملة التقوي الديني على أساس الاجتماع، و حافظ على ذلك مضافا إلى قوى الحكومة الإسلامية الحافظة لشعائر الدين العامة و حدودها، و مضافا إلى فريضة الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العامة لجميع الأمة بجعل غرض المجتمع الإسلامي و كل مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك هي السعادة الحقيقية و القرب و المنزلة عند الله، و هذا رقيب باطني لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان و سره فضلا عما في ظاهره و إن خفي على طائفة الدعاة و جماعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هذا هو الذي ذكرنا أن الإسلام تفوق سنة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن و الطرائق. 

تفسير الميزان ج٤

98
  • ٥ هل تقبل سنة الإسلام الاجتماعية الإجراء و البقاء؟

  • و لعلك تقول لو كان ما ذكر من كون نظر الإسلام في تكوين المجتمع الصالح أرقى بناء و أتقن أساسا حتى من المجتمعات التي كونتها الملل المتمدنة المترقية حقا فما باله لم يقبل الإجراء إلا برهة يسيرة ثم لم يملك نفسه دون أن تبدل قيصرية و كسروية و تحول إمبراطورية أفجع و أشنع أعمالا مما كان قبله بخلاف المدنية الغربية التي تستديم البقاء. 

  • و هذا هو الدليل على كون مدنيتهم أرقى و سنتهم في الاجتماع أتقن و أشد استحكاما، و قد وضعوا سنتهم الاجتماعية و قوانينهم الدائرة على أساس إرادة الأمة و اقتراح الطباع و الميول ثم اعتبروا فيها إرادة الأكثر و اقتراحهم، لاستحالة اجتماع الكل بحسب العادة إرادة، و غلبة الأكثر سنة جارية في الطبيعة مشهودة فإنا نجد كلا من العلل المادية و الأسباب الطبيعية مؤثرة على الأكثر لا على الدوام، و كذا العوامل المختلفة المتنازعة إنما يؤثر منها الأكثر دون الكل و دون الأقل فمن الحري أن يبنى هيكل الاجتماع بحسب الغرض و بحسب السنن و القوانين الجارية فيه على إرادة الأكثر و أما فرضية الدين فليست في الدنيا الحاضرة إلا أمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض و مثالا عقليا غير جائز النيل. 

  • و قد ضمنت المدنية الحاضرة فيما ظهرت فيه من الممالك قوة المجتمع و سعادتها و تهذب الأفراد و طهارتهم من الرذائل و هي الأمور التي لا يرتضيها المجتمع كالكذب و الخيانة و الظلم و الجفاء و الجفاف و نحو ذلك. 

  • و هذا الذي أوردناه محصل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا معاشر الشرقيين و خاصة المحصلين من فضلائنا المتفكرين في المباحث الاجتماعية و النفسية غير أنهم وردوا هذا البحث من غير مورده فاختلط عليهم حق النظر، و لتوضيح ذلك نقول: 

  • أما قولهم: إن السنة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة الجريان في الدنيا على خلاف سنن المدنية الحاضرة في جو الشرائط الموجودة، و معناه أن الأوضاع الحاضرة في الدنيا لا تلائم الأحكام المشرعة في الإسلام فهو مسلم لكنه لا ينتج شيئا فإن جميع السنن الدائرة في الجامعة الإنسانية إنما حدثت بعد ما لم تكن و ظهرت في حين لم تكن عامة الأوضاع و الشرائط الموجودة إلا مناقضة له طاردة إياه، فانتهضت و نازعت السنن السابقة المستمرة المتعرقة و ربما اضطهدت و انهزمت في أول نهضتها ثم عادت ثانيا و ثالثا 

تفسير الميزان ج٤

99
  • حتى غلبت و تمكنت و ملكت سيطرتها و ربما بادت و انقرضت إذ لم يساعدها العوامل و الشرائط بعد، و التاريخ يشهد۱ بذلك في جميع السنن الدينية و الدنيوية حتى في مثل الديمقراطية و الاشتراك، و إلى مثله يشير قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ}: آل عمران: ١٣٧، يشير إلى أن السنة التي تصاحب تكذيب آيات الله لا تنتهي إلى عاقبة حسنة محمودة. 

  • فمجرد عدم انطباق سنة من السنن على الوضع الإنساني الحاضر ليس يكشف عن بطلانه و فساده بل هو من جملة السنن الطبيعية الجارية في العالم لتتميم كينونة الحوادث الجديدة إثر الفعل و الانفعال و تنازع العوامل المختلفة. 

  • و الإسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعي و الاجتماعي و ليس بمستثنى من هذه الكلية، فحاله من حيث التقدم و التأخر و الاستظهار بالعوامل و الشرائط حال سائر السنن و ليس حال الإسلام اليوم و قد تمكن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون من أفراد البشر و نشب في قلوبهم بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح و إبراهيم و محمد ص و قد قامت دعوة كل منهم بنفس واحدة و لم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد ثم انبسطت و تعرقت و عاشت و اتصل بعضها ببعض فلم ينقطع حتى اليوم. 

  • و قد قام رسول الله ص بالدعوة و لم يكن معه من يستظهر به يومئذ إلا رجل و امرأة ثم لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد و اليوم يوم العسرة كل العسرة حتى أتاهم نصر الله فتشكلوا مجتمعا صالحا ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح و التقوى و مكثوا برهة على الصلاح الاجتماعي حتى كان من أمر الفتن بعد رسول الله ص ما كان. 

  • و هذا الأنموذج اليسير على قصر عمره و ضيق نطاقه لم يلبث حتى انبسط في أقل 

    1.  و من أوضح الشواهد أن السنة الديمقراطية بعد الحرب العالمية الأولى (و هي اليوم السنة العالمية المرضية الوحيدة) تحولت في روسيا إلى الشيوعية و الحكومة الاشتراكية ثم لحق لها بعد الحرب العالمية الثانية ممالك أوربا الشرقية و مملكة الصين فخسرت بذلك صفقة الديمقراطية فيما يقرب من نصف المجتمع البشري. و قد أعلنت المجتمعات الشيوعية قبل سنة تقريبا أن قائدها الفقيد «ستالين» كان قد حرف مدى حكومته و هو ثلاثون سنة تقريبا بعد حكومة لينين الحكومة الاشتراكية إلى الحكومة الفردية الاستبدادية و حتى اليوم لا تزال تؤمن به طائفة بعد الكفر، و ترتد عنها طائفة بعد الإيمان، و هي تطوى و تبسط، و هناك نماذج و أمثلة أخرى كثيرة في التاريخ.

تفسير الميزان ج٤

100
  • من نصف قرن على مشارق الأرض و مغاربها، و حول التاريخ تحويلا جوهريا يشاهد آثاره الهامة إلى يومنا و ستدوم ثم تدوم. 

  • و لا يستطيع أن يستنكف الأبحاث الاجتماعية و النفسية في التاريخ النظري عن الاعتراف بأن المنشأ القريب و العامل التام للتحول المعاصر المشهود في الدنيا هو ظهور السنة الإسلامية و طلوعها و لم يهمل جل الباحثين من أوربا استيفاء البحث عن تأثيرها في جامعة الإنسان إلا لعصبية دينية أو علل سياسية و كيف يسع لباحث خبير لو أنصف النظر أن يسمي النهضة المدنية الحديثة نهضة مسيحية و يعد المسيح (عليه السلام) قائدها و حامل لوائها و المسيح يصرح‌۱ بأنه إنما يهتم بأمر الروح و لا يشتغل بأمر الجسم و لا يتعرض لشأن الدولة و السياسة؟ و هو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع و التآلف و يتصرف في جميع شئون المجتمع الإنساني و أفراده من غير استثناء فهل هذا الصفح و الإغماض منهم إلا لإطفاء نور الإسلام {وَ يَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} و إخماد ناره عن القلوب بغيا و عدوا حتى يعود جنسية لا أثر لها إلا أثر الأنسال المنشعبة. 

  • و بالجملة قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم و طيب حياتهم، و ما هذا شأنه لا يسمى فرضية غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانية، و لا مأيوسا من ولاية أمر الدنيا يوما (مع كون مقصده سعادة الإنسان الحقيقية) و قد تقدم في تفسير قوله: {كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}: «البقرة: ٢١٣» أن البحث العميق في أحوال الموجودات الكونية يؤدي إلى أن النوع الإنساني سيبلغ غايته و ينال بغيته و هي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا و توليه التام أمر المجتمع الإنساني، و قد وعده الله تعالى طبق هذه النظرية في كتابه العزيز قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ}: «المائدة: ٥٤» و قال: {وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‌َ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} (الآية): «النور: ٥٥»، و قال: {أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ}: «الأنبياء: ١٠٥»، إلى غير ذلك من الآيات. 

  •  

    1.  راجع الجزء الثالث في تفسير آية ٧٩٨٠من سورة آل عمران.

تفسير الميزان ج٤

101
  • و هنا جهة أخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم و هي أن الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتباع الحق في النظر و العمل، و الاجتماع المدني الحاضر شعاره اتباع ما يراه و يريده الأكثر، و هذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكون فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقية العقلية بمعنى أن يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله من طريق العبودية بل يكون مقدمة توصل إليها و فيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه، و هي الراحة الكبرى (و إن كنا لا ندركها اليوم حق الإدراك لاختلال التربية الإسلامية فينا) و لذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتباع الحق، و شدد في المنع عما يفسد العقل السليم و ألقى ضمان إجراء الجميع من الأعمال و الأخلاق و المعارف الأصلية إلى عهدة المجتمع مضافا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة و الولاية الإسلامية من إجراء السياسات و الحدود و غيرها، و هذا على أي حال لا يوافق طباع العامة من الناس و يدفعه هذا الانغمار العجيب في الأهواء و الأماني الذي نشاهده من كافة المترفين و المعدمين و يسلب حريتهم في الاستلذاذ و التلهي و السبعية و الافتراس إلا بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة و بسط التربية على حد سائر الأمور الراقية التي يحتاج الإنسان في التلبس بها إلى همة قاطعة و تدرب كاف و تحفظ على ذلك مستدام. 

  • و أما غاية الاجتماع المدني الحاضر فهي التمتع من المادة و من الواضح أن هذه تستتبع حياة إحساسية تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحق عند العقل أو لم يوافق بل إنما يتبع العقل فيما لا يخالف غايته و غرضه. 

  • و لذلك كانت القوانين تتبع في وضعها و إجرائها ما يستدعيه هوى أكثرية المجتمع و ميول طباعهم، و ينحصر ضمان الإجراء في مواد القانون المتعلقة بالأعمال، و أما الأخلاق و المعارف الأصلية فلا ضامن لإجرائها بل الناس في التلبس بها و تبعيتها و عدمه إلا أن تزاحم القانون في مسيره فتمنع حينئذ. 

  • و لازم ذلك أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك بما يوافق هواه من رذائل الشهوة و الغضب فيستحسن كثيرا مما كان يستقبحه الدين، و أن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق و المعارف العالية مستظهرا بالحرية القانونية. 

  • و لازم هذا اللازم أن يتحول نوع الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي 

تفسير الميزان ج٤

102
  • العاطفي فربما كان الفجور و الفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول و الإحساسات و سمي فتوة و بشرا و حسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبان، و بين الرجال و النساء المحصنات أو الأبكار، و بين النساء و الكلاب، و بين الرجال و أولادهم و محارمهم، و ما يجري في الاحتفالات و مجالس الرقص و غير ذلك مما ينقبض عن ذكره لسان المتأدب بأدب الدين. 

  • و ربما كان عاديات الطريق الديني غرائب و عجائب مضحكة عندهم و بالعكس كل ذلك لاختلاف نوع الفكرة و الإدراك باختلاف الطريق و لا يستفاد في هذه السنن الإحساسية من التعقل كما عرفت إلا بمقدار ما يسوى به الطريق إلى التمتع و التلذذ فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شي‌ء و لا يمنع منها شي‌ء إلا في صورة المعارضة بمثلها حتى إنك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال «الانتحار» و «دئل» و غيرهما، فللنفس ما تريده و تهواه إلا أن يزاحم ما يريده و يهواه المجتمع!. 

  • إذا تأملت هذا الاختلاف تبين لك وجه أوفقية سنة المجتمع الغربي لمذاق الجامعة البشرية دون سنة المجتمع الديني غير أنه يجب أن يتذكر أن سنة المدنية الغربية وحدها ليست هي الموافقة لطباع الناس حتى تترجح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة في الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانية إلى عصرنا هذا من سنن البداوة و الحضارة تشترك في أن الناس يرجحونها على الدين الداعي إلى الحق في أول ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنية المادية. 

  • و لو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الاجتماع، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقة الفنية. 

  • و الذي ذكرناه من بناء السنة الإسلامية على اتباع الحق دون موافقة الطبع من أوضح الواضحات في بيانات القرآن قال تعالى: {هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىَ وَ دِينِ اَلْحَقِّ}: «التوبة: ٣٣» و قال تعالى: {وَ اَللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ}: «المؤمن: ٢٠» و قال في وصف المؤمنين: {وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}: «العصر: ٣» و قال: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}: «الزخرف: ٧٨» فاعترف بأن الحق لا يوافق طباع الأكثرين و أهواءهم، ثم رد لزوم موافقة أهواء الأكثرية بأنه يئول إلى الفساد فقال: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ 

تفسير الميزان ج٤

103
  •  وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَ لَوِ اِتَّبَعَ اَلْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}: «المؤمنون: ٧١» و لقد صدق جريان الحوادث و تراكم الفساد يوما فيوما ما بينه تعالى في هذه الآية. و قال تعالى: {فَمَا ذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}: «يونس: ٣٢» و الآيات في هذا المعنى و ما يقرب منه كثيرة جدا و إن شئت زيادة تبصر فيه فراجع سورة يونس فقد كرر فيه ذكر الحق بضعا و عشرين مرة. 

  • و أما قولهم: إن اتباع الأكثر سنة جارية في الطبيعة، فلا ريب أن الطبيعة تتبع الأكثر في آثارها إلا أنها ليست بحيث تبطل أو تعارض وجوب اتباع الحق فإنها نفسها بعض مصاديق الحق فكيف تبطل نفسها. 

  • توضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور: أحدها أن الأمور الخارجية التي هي أصول عقائد الإنسان العلمية و العملية تتبع في تكونها و أقسام تحولها نظام العلية و المعلولية و هو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء أطبق على ذلك المحصلون من أهل العلم و النظر و شهد به القرآن على ما مر۱، فالجريان الخارجي لا يتخلف عن الدوام و الثبات حتى أن الحوادث الأكثرية الوقوع التي هي قياسية هي في أنها أكثرية دائمة ثابتة، مثلا النار التي تفعل السخونة غالبا بالقياس إلى جميع مواردها «سخونتها الغالبية» أثر دائم لها و هكذا، و هذا هو الحق. 

  • و الثاني: أن الإنسان بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمرا واقعيا خارجيا بنحو فهو يتبع الحق بحسب الفطرة حتى أن من ينكر وجود العلم الجازم إذا ألقي إليه قول لا يجد من نفسه التردد فيه خضع له بالقبول. 

  • و الثالث: أن الحق كما عرفت هو الأمر الخارجي الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتبعه في عمله، و أما نظر الإنسان و إدراكه فإنما هو وسيلة يتوسل بها إليه كالمرآة بالنسبة إلى المرئي. 

  • إذا عرفت هذه الأمور تبين لك أن الحقية و هي دوام الوقوع أو أكثرية الوقوع 

    1. في الكلام على الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب‌

تفسير الميزان ج٤

104
  • في الطبيعة الراجعة إلى الدوام و الثبات أيضا إنما هي صفة الخارج الواقع وقوعا دائميا أو أكثريا دون العلم و الإدراك، و بعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم، فالوقوع الدائمي و الأكثري أيضا بوجه من الحق، و أما آراء الأكثرين و أنظارهم و اعتقاداتهم في مقابل الأقلين فليست بحق دائما بل ربما كانت حقا إذا طابقت الواقع و ربما لم تكن إذا لم تطابق و حينئذ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان و لا أنه يخضع لها لو تنبه للواقع فإنك إذا أيقنت بأمر ثم خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم و إن اتبعتهم فيه ظاهرا فإنما تتبعهم لخوف أو حياء أو عامل آخر لا لأنه حق واجب الاتباع في نفسه، و من أحسن البيان في أن رأي الأكثر و نظرهم لا يجب أن يكون حقا واجب الاتباع قوله تعالى: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}: «المؤمنون: ٧٠» فلو كان كل ما يراه الأكثر حقا لم يمكن أن يكرهوا الحق و يعارضوه. 

  • و بهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثرية على سنة الطبيعة فإن هذه السنة جارية في الخارج الذي يتعلق به العلم دون نفس العلم و الفكر و الذي يتبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته و حركاته إنما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع لا ما اعتقده الأكثرون أعني أنه يبني أفعاله و أعماله على الصلاح الأكثري و عليه جرى القرآن في حكم تشريعاته و مصالحها، قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: «المائدة: ٦»، و قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: «البقرة: ١٨٣» إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرعة. 

  • و أما قولهم: إن المدنية الحاضرة سمحت للممالك المترقية سعادة المجتمع و هذب الأفراد طهرهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع فكلام غير خال من الخلط و الاشتباه. 

  • و كان مرادهم من السعادة الاجتماعية تفوق المجتمع في عدتها و قوتها و تعاليها في استفادتها من المنابع المادية و قد عرفت كرارا أن الإسلام لا يعد ذلك سعادة و البحث البرهاني أيضا يؤيده بل السعادة الإنسانية أمر مؤلف من سعادة الروح و البدن و هي تنعم الإنسان من النعم المادية و تحليه بفضائل الأخلاق و المعارف الحقة الإلهية و هي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا و الحياة الأخرى و أما الانغمار في لذائذ المادة مع إهمال سعادة الروح فليس عنده إلا شقاء. 

تفسير الميزان ج٤

105
  • و أما استعجابهم بما يرون من الصدق و الصفاء و الأمانة و البشر و غير ذلك فيما بين أفراد الملل المترقية فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه، و ذلك أن جل المتفكرين من باحثينا معاشر الشرقيين لا يقدرون على التفكر الاجتماعي و إنما يتفكرون تفكرا فرديا فالذي يراه الواحد منا نصب العين أنه موجود إنساني مستقل عن كل الأشياء غير مرتبط بها ارتباطا تبطل استقلاله الوجودي (مع أن الحق خلافه) ثم لا يتفكر في حياته إلا لجلب المنافع إلى نفسه و دفع المضار عن نفسه فلا يشتغل إلا بشأن نفسه و هو التفكر الفردي، و يستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال. 

  • و هذا القضاء إن صح فإنما يصح فيمن يجري في تفكره هذا المجرى و أما من يتفكر تفكرا اجتماعيا ليس نصب عينيه إلا أنه جزء غير منفك و لا مستقل عن المجتمع و أن منافعه جزء من منافع مجتمعة يرى خير المجتمع خير نفسه و شره شر نفسه و كل وصف و حال له وصفا و حالا لنفسه فهذا الإنسان يتفكر نحوا آخر من التفكر و لا يشتغل في الارتباط بغيره إلا بمن هو خارج عن مجتمعة و أما اشتغاله بأجزاء مجتمعة فلا يهتم به و لا يقدره شيئا. 

  • و استوضح ذلك بما نورده من المثال: الإنسان مجموع مؤلف من أعضاء و قوى عديدة تجتمع الجميع نوع اجتماع يعطيها وحدة حقيقية نسميها الإنسانية يوجب ذلك استهلاك الجميع ذاتا و فعلا تحت استقلاله فالعين و الأذن و اليد و الرجل تبصر و تسمع و تبطش و تمشي للإنسان، و إنما يلتذ كل بفعله في ضمن التذاذ الإنسان به، و كل واحدة من هذه الأعضاء و القوى همها أن ترتبط بالخارج الذي يريد الإنسان الواحد الارتباط به بخير أو شر فالعين أو الأذن أو اليد أو الرجل إنما تريد الإحسان أو الإساءة إلى من يريد الإنسان الإحسان أو الإساءة إليه من الناس مثلا، و أما معاملة بعضها مع بعض و الجميع تحت لواء الإنسانية الواحدة فقلما يتفق أن يسي‌ء بعضها إلى بعض أو يتضرر بعضها ببعض. 

  • فهذا حال أجزاء الإنسان و هي تسير سيرا واحدا اجتماعيا، و في حكمه حال أفراد مجتمع إنساني إذا تفكروا تفكرا اجتماعيا فصلاحهم و تقواهم أو فسادهم و إجرامهم و إحسانهم و إساءتهم إنما هي ما لمجتمعهم من هذه الأوصاف إذا أخذ ذا شخصية واحدة.

  • و هكذا صنع القرآن في قضائه على الأمم و الأقوام التي ألجأتهم التعصبات المذهبية 

تفسير الميزان ج٤

106
  • أو القومية أن يتفكروا تفكرا اجتماعيا كاليهود و الأعراب و عدة من الأمم السالفة فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين، و يعاتب الحاضرين و يوبخهم بأعمال الغائبين و الماضين كل ذلك لأنه القضاء الحق فيمن يتفكر فكرا اجتماعيا، و في القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها. 

  • نعم مقتضى الأخذ بالنصفة أن لا يضطهد حق الصالحين من الأفراد بذلك إن وجدوا في مجتمع واحد فإنهم و إن عاشوا بينهم و اختلطوا بهم إلا أن قلوبهم غير متقذرة بالفكر الفاسد و المرض المتبطن الفاشي في مثل هذا المجتمع، و أشخاصهم كالأجزاء الزائدة في هيكله و بنيته، و هكذا فعل القرآن في آيات العتاب العام فاستثنى الصلحاء و الأبرار. 

  • و يتبين مما ذكرنا أن القضاء بالصلاح و الطلاح على أفراد المجتمعات المتمدنة الراقية على خلاف أفراد الأمم الأخرى لا ينبغي أن يبنى على ما يظهر من معاشرتهم و مخالطتهم فيما بينهم و عيشتهم الداخلية بل بالبناء على شخصيتهم الاجتماعية البارزة في مماستها و مصاكتها سائر الأمم الضعيفة و مخالطتها الحيوية سائر الشخصيات الاجتماعية في العالم. 

  • فهذه هي التي يجب أن تراعى و تعتبر في القضاء بصلاح المجتمع و طلاحه و سعادته و شقائه و على هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا ثم إن شاءوا فليستعجبوا و إن شاءوا فليتعجبوا. 

  • و لعمري لو طالع المطالع المتأمل تاريخ حياتهم الاجتماعية من لدن النهضة الحديثة الأوربية و تعمق فيما عاملوا به غيرهم من الأمم و الأجيال المسكينة الضعيفة لم يلبث دون أن يرى أن هذه المجتمعات التي يظهرون أنهم امتلئوا رأفة و نصحا للبشر يفدون بالدماء و الأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع و إعطاء الحرية و الأخذ بيد المظلوم المهضوم حقا و إلغاء سنة الاسترقاق و الأسر يرى أنهم لا هم لهم إلا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلا بما وجدوا إليه من سبيل فيوما بالقهر، و يوما بالاستعمار، و يوما بالاستملاك، و يوما بالقيمومة، و يوما باسم حفظ المنافع المشتركة، و يوما باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، و يوما باسم حفظ الصلح و دفع ما يهدده، و يوما باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة و يوما... و يوما... 

تفسير الميزان ج٤

107
  • و المجتمعات التي هذا شأنها لا ترتضي الفطرة الإنسانية السليمة أن تصفها بالصلاح أو تذعن لها بالسعادة و إن أغمضت النظر عما يشخصه قضاء الدين و حكم الوحي و النبوة من معنى السعادة. 

  • و كيف ترضى الطبيعة الإنسانية أن تجهز أفرادها بما تجهزها على السواء ثم تناقض نفسها فتعطي بعضا منهم عهدا أن يتملكوا الآخرين تملكا يبيح لهم دماءهم و أعراضهم و أموالهم، و يسوي لهم الطريق إلى اللعب بمجامع حياتهم و وجودهم و التصرف في إدراكهم و إرادتهم بما لم يلقه و لا قاساه إنسان القرون الأولى، و المعول في جميع ما نذكره تواريخ حياة هؤلاء الأمم و ما يقاسيه الجيل الحاضر من أيديهم فإن سمي ما عندهم سعادة و صلاحا فلتكن بمعنى التحكم و إطلاق المشية. 

  • ٦ بما ذا يتكون و يعيش الاجتماع الإسلامي‌؟ 

  • لا ريب أن الاجتماع أي اجتماع كان إنما يتحقق و يحصل بوجود غاية واحدة مشتركة بين أفراده المتشتتة و هو الروح الواحدة السارية في جميع أطرافه التي تتحد بها نوع اتحاد، و هذه الغاية و الغرض في نوع الاجتماعات المتكونة غير الدينية إنما هي غاية الحياة الدنيوية للإنسان لكن على نحو الاشتراك بين الأفراد لا على نحو الانفراد و هي التمتع من مزايا الحياة المادية على نحو الاجتماع. 

  • و الفرق بين التمتع الاجتماعي و الانفرادي من حيث الخاصية أن الإنسان لو استطاع أن يعيش وحده كان مطلق العنان في كل واحد من تمتعاته حيث لا معارض له و لا رقيب إلا ما قيد به بعض جهازاته بعضا فإنه لا يقدر أن يستنشق كل الهواء فإن الرئة لا تسعه و إن اشتهاه، و لا يسعه أن يأكل من المواد الغذائية لا إلى حد فإن جهاز الهاضمة لا يتحمله فهذا حاله بقياس بعض قواه و أعضائه إلى بعض، و أما بالنسبة إلى إنسان آخر مثله فإذ كان لا شريك له في ما يستفيد منه من المادة على الفرض فلا سبب هناك يقتضي تضييق ميدان عمله، و لا تحديد فعل من أفعاله و عمل من أعماله. 

  • و هذا بخلاف الإنسان الواقع في ظرف الاجتماع و ساحته فإنه لو كان مطلق العنان في إرادته و أعماله لأدى ذلك إلى التمانع و التزاحم الذي فيه فساد العيش و هلاك النوع و قد بينا ذلك في مباحث النبوة السابقة أوفى بيان. 

تفسير الميزان ج٤

108
  • و هذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجاري في المجتمع غير أن المجتمعات الهمجية لا تتنبه لوضعها عن فكر و رؤية و إنما يكون الآداب و السنن فيها المشاجرات و المنازعات المتوفرة بين أفرادها فتضطر الجميع إلى رعاية أمور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ، و لما لم تكن مبنية على أساس مستحكم كانت في معرض النقض و الإبطال تتغير سريعا و تنقرض، و لكن المجتمعات المتمدنة تبنيه على أساس قويم بحسب درجاتهم في المدنية و الحضارة فيرفعون به التضاد و التمانع الواقع بين الإرادات و أعمال المجتمع بتعديلها بوضع حدود و قيود لها ثم ركز القدرة و القوة في مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون. 

  • و من هنا يظهر أولا: أن القانون حقيقة هو ما تعدل به إرادات الناس و أعمالهم برفع التزاحم و التمانع من بينهما بتحديدها. 

  • و ثانيا: أن أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون أحرار فيما وراءه كما هو مقتضى تجهز الإنسان بالشعور و الإرادة بعد التعديل، و لذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرض لأمر المعارف الإلهية و الأخلاق، و صار هذان المهمان يتصوران بصورة يصورهما بها القانون فيتصالحان و يتوافقان معه على ما هو حكم التبعية فيعودان عاجلا أو آجلا رسوما ظاهرية فاقدة للصفاء المعنوي، و لذلك السبب أيضا ما نشاهده من لعب السياسة بالدين فيوما تقضي عليه و تدحضه، و يوما تميل إليه فتبالغ في إعلاء كلمته، و يوما تطوي عنه كشحا فتخليه و شأنه. 

  • و ثالثا: أن هذه الطريقة لا تخلو عن نقص فإن القانون و إن حمل ضمان إجرائه على القدرة التي ركزها في فرد أو أفراد لكن لا ضمان على إجرائه بالآخرة بمعنى أن منبع القدرة و السلطان لو مال عن الحق و حول سلطة النوع على النوع إلى سلطة شخصه على النوع و انقلبت الدائرة على القانون لم يكن هناك ما يقهر هذا القاهر فيحوله إلى مجراه العدل، و على هذا القول شواهد كثيرة مما شاهدناه في زماننا هذا و هو زمان الثقافة و المدنية فضلا عما لا يحصى من الشواهد التاريخية، و أضف إلى هذا النقص نقصا آخر و هو خفاء نقض القانون على القوة المجرية أحيانا أو خروجه عن حومة قدرته، (و لنرجع إلى أول الكلام). 

  • و بالجملة الاجتماعات المدنية توحدها الغاية الواحدة التي هي التمتع من مزايا الحياة. 

تفسير الميزان ج٤

109
  • الدنيا و هي السعادة عندهم، لكن الإسلام لما كان يرى أن الحياة الإنسانية أوسع مدارا من الحياة الدنيا المادية بل في مدار حياته الحياة الأخروية التي هي الحياة، و يرى أن هذه الحياة لا تنفع فيها إلا المعارف الإلهية التي تنحل بجملتها إلى التوحيد، و يرى أن هذه المعارف لا تنحفظ إلا بمكارم الأخلاق و طهارة النفس من كل رذيلة، و يرى أن هذه الأخلاق لا تتم و لا تكمل إلا بحياة اجتماعية صالحة معتمدة على عبادة الله سبحانه و الخضوع لما تقتضيه ربوبيته و معاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي أخذ (أعني الإسلام) الغاية التي يتكون عليها المجتمع البشري و يتوحد بها دين التوحيد ثم وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد، و لم يكتف فيه على تعديل الإرادات و الأفعال فقط بل تممه بالعباديات و أضاف إليها المعارف الحقة و الأخلاق الفاضلة. 

  • ثم جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلامية أولا، ثم في عهدة المجتمع ثانيا، و ذلك بالتربية الصالحة علما و عملا و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. 

  • و من أهم ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطا يؤدي إلى الوحدة التامة بينها بمعنى أن روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، و روح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلف بها أفراد المجتمع، فالجميع من أجزاء الدين الإسلامي ترجع بالتحليل إلى التوحيد، و التوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق و الأعمال، فلو نزل لكان هي و لو صعدت لكانت هو، إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه. 

  • فإن قلت: ما أورد من النقص على القوانين المدنية فيما إذا عصت القوة المجرية عن إجرائها أو فيما يخفى عليها من الخلاف مثلا وارد بعينه على الإسلام و أوضح الدليل عليه ما نشاهده من ضعف الدين و زوال سيطرته على المجتمع الإسلامي، و ليس إلا لفقدانه من يحمل نواميسه على الناس يوما!. 

  • قلت: حقيقة القوانين العامة سواء كانت إلهية أو بشرية ليست إلا صورا ذهنية في أذهان الناس و علوما تحفظها الصدور و إنما ترد مورد العمل و تقع موقع الحس بالإرادات الإنسانية تتعلق بها، فمن الواضح أن لو عصت الإرادات لم توجد في الخارج ما تنطبق عليه القوانين، و إنما الشأن فيما يحفظ به تعلق هذه الإرادات بالوقوع 

تفسير الميزان ج٤

110
  • حتى تقوم القوانين على ساقها و القوانين المدنية لا تهتم بأزيد من تعليق الأفعال بالإرادات أعني إرادة الأكثرية ثم لم يهتموا بما تحفظ هذه الإرادة، فمهما كانت الإرادة حية شاعرة فاعلة جرى بها القانون و إذا ماتت من جهة انحطاط يعرض لنفوس الناس و هرم يطرأ على بنية المجتمع، أو كانت حية لكنها فقدت صفة الشعور و الإدراك لانغمار المجتمع في الملاهي و توسعه في الإتراف و التمتع، أو كانت حية شاعرة لكنها فقدت التأثير لظهور قوة مستبدة فائقة غالبة تقهر إرادتها إرادة الأكثرية. و كذا في الحوادث التي لا سبيل للقوة المجرية على الوقوف عليها كالجنايات السرية أو لا سبيل لها إلى بسط سيطرتها عليها كالحوادث الخارجة عن منطقة نفوذها ففي جميع هذه الموارد لا تنال الأمة أمنيتها من جريان القانون و انحفاظ المجتمع عن التفاسد و التلاشي، و عمدة الانشعابات الواقعة في الأمم الأوربية بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى و الثانية من أحسن الأمثلة في هذا الباب. 

  • و ليس ذلك (أعني انتقاض القوانين و تفاسد المجتمع و تلاشيه) إلا لأن المجتمع لم يهتم بالسبب الحافظ لإرادات الأمة على قوتها و سيطرتها و هي الأخلاق العالية إذ لا تستمد الإرادة في بقائها و استدامة حياتها إلا من الخلق المناسب لها كما بين ذلك في علم النفس فلو لا استقرار السنة القائمة في المجتمع و اعتماد القانون الجاري فيه على أساس قويم من الأخلاق العالية كانت كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. 

  • و اعتبر في ذلك ظهور الشيوعية فليست إلا من مواليد الديمقراطية أنتجها إتراف طبقة من طبقات المجتمع و حرمان آخرين فكان بعدا شاسعا بين نقطتي القساوة و فقد النصفة، و السخط و تراكم الغيظ و الحنق، و كذا في الحرب العالمية التي وقعت مرة بعد مرة و هي تهدد الإنسانية ثالثة و قد أفسدت الأرض و أهلكت الحرث و النسل و لا عامل لها إلا غريزة الاستكبار و الشره و الطمع، هذا. 

  • و لكن الإسلام بنى سنته الجارية و قوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق و بالغ في تربية الناس عليها لكون القوانين الجارية في الأعمال في ضمانها و على عهدتها فهي مع الإنسان في سره و علانيته و خلوته و جلوته تؤدي وظيفتها و تعمل عملها أحسن مما يؤديه شرطي مراقب أو أي قوة تبذل عنايتها في حفظ النظم. 

  • نعم تعتني المعارف العمومية في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة 

تفسير الميزان ج٤

111
  • و تبذل جهدها في حض الناس و ترغيبهم إليها لكن لا ينفعهم ذلك شيئا. 

  • أما أولا فلأن المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ليس إلا الإسراف و الإفراط في التمتع المادي و الحرمان البالغ فيه، و قد أعطت القوانين للناس الحرية التامة فيه فأمتعت بعضا و حرمت آخرين فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق و الترغيب عليها إلا دعوة إلى المتناقضين أو طلبا للجمع بين الضدين؟ 

  • على أن هؤلاء كما عرفت يفكرون تفكرا اجتماعيا، و لا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة و دحض حقوقهم، و التمتع بما في أيديهم، و استرقاق نفوسهم، و التوسع في التحكم عليهم ما قدروا، و الدعوة إلى الصلاح و التقوى مع هذه الخصيصة ليست إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة. 

  • و أما ثانيا: فلأن الأخلاق الفاضلة أيضا تحتاج في ثباتها و استقرارها إلى ضامن يضمن حفظها و كلاءتها و ليس إلا التوحيد أعني القول بأن للعالم إلها واحدا ذا أسماء حسنى خلق الخلق لغاية تكميلهم و سعادتهم و هو يحب الخير و الصلاح، و يبغض الشر و الفساد و سيجمع الجميع لفصل القضاء و توفية الجزاء فيجازي المحسن بإحسانه و المسي‌ء بإساءته، و من الواضح أن لو لا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتباع الهوى و الكف عن حظوظ النفس الطبيعية فإنما الطبيعة الإنسانية تريد و تشتهي مشتهيات نفسها لا ما ينتفع به غيرها كطبيعة الفرد الآخر إلا إذا رجع بنحو إلى مشتهى نفسها (أحسن التأمل فيه). 

  • ففيما كان للإنسان مثلا تمتع في إماتة حق من حقوق الغير و لا رادع يردعه و لا مجازي يجازيه و لا لائم معاتب يلومه و يعاتبه فأي مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة و ارتكاب المظلمة و إن عظمت ما عظمت؟ و أما ما يتوهم و كثيرا ما يخطئ فيه الباحث من الروادع المختلفة كالتعلق بالوطن و حب النوع و الثناء الجميل و نحو ذلك فإنما هي عواطف قلبية و نزوعات باطنية لا سبب حافظا عليها إلا التعليم و التربية من غير استنادها إلى السبب الموجب فهي إذن أوصاف اتفاقية و أمور عادية لا مانع معها يمنع من زوالها فلما ذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتع بالعيش بعده و هو يرى أن الموت فناء و بطلان؟ و الثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين و لا لذة يلتذ به الفادي بعد بطلان ذاته. 

تفسير الميزان ج٤

112
  • و بالجملة لا يرتاب المتفكر البصير في أن الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء و لا يعود إليه منه نفع، و الذي يعده و يمنيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن و الثناء الجميل الخالد و الفخر الباقي ببقاء الدهر فإنما هو غرور يغتر به و خدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته و عواطفه فيخيل إليه أنه بعد موته و بطلان ذاته حاله كحاله قبل موته فيشعر بذكره الجميل فيلتذ به و ليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخر بهيجان إحساساته فيعفو و يبذل من نفسه و عرضه و ماله أو كل كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا و عقل، و هو سكران لا يعقل و يعد ذلك فتوة و هو سفه و جنون. 

  • فهذه العثرات و أمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه و لذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءا من طريقته الجارية على أساس التوحيد الذي من شئونه القول بالمعاد، و لازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان و يجتنب الإساءة أينما كان و متى ما كان سواء علم به أو لم يعلم، و سواء حمده حامد أو لم يحمد، و سواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن فإن معه الله العليم الحفيظ القائم على كل نفس بما كسبت و وراءه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء، و فيه تجزى كل نفس بما كسبت.

  • ٧ منطقان منطق التعقل و منطق الإحساس

  • أما منطق الإحساس فهو يدعو إلى النفع الدنيوي و يبعث إليه فإذا قارن الفعل نفع و أحس به الإنسان فالإحساس متوقد شديد التوقان في بعثه و تحريكه، و إذا لم يحس الإنسان بالنفع فهو خامد هامد، و أما منطق التعقل فإنما يبعث إلى اتباع الحق و يرى أنه أحسن ما ينتفع به الإنسان أحس مع الفعل بنفع مادي أو لم يحس فإن ما عند الله خير و أبقى، و قس في ذلك بين قول عنترة و هو على منطق الإحساس: 

  • و قولي كلما جشأت و جاشت***مكانك تحمدي أو تستريحي‌
  • يريد أني استثبت نفسي كلما تزلزلت في الهزاهز و المواقف المهولة من القتال بقولي لها: اثبتي فإن قتلت يحمدك الناس على الثبات و عدم الانهزام، و إن قتلت العدو استرحت و نلت بغيتك فالثبات خير على أي حال، و بين قوله تعالى و هو على منطق التعقل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ 

تفسير الميزان ج٤

113
  • قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اَللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}: «التوبة: ٥٢»، يريد أن أمر ولايتنا و انتصارنا إلى الله سبحانه لا نريد في شي‌ء مما يصيبنا من خير أو شر إلا ما وعدنا من الثواب على الإسلام له و الالتزام لدينه كما قال تعالى: {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاَ نَصَبٌ وَ لاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفَّارَ وَ لاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ وَ لاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً وَ لاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اَللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: «التوبة: ١٢١». 

  • و إذا كان كذلك فإن قتلتمونا أو أصابنا منكم شي‌ء كان لنا عظيم الأجر و العاقبة الحسنى عند ربنا و إن قتلناكم أو أصبنا منكم شيئا كان لنا عظيم الثواب و العاقبة الحسنى و التمكن في الدنيا من عدونا، فنحن على أي حال سعداء مغبوطون و لا تتحفون لنا في قتالنا و لا تتربصون بنا في أمرنا إلا إحدى الحسنيين فنحن على الحسنى و السعادة على أي حال و أنتم على السعادة و نيل البغية بعقيدتكم على أحد التقديرين، و في إحدى الحالين و هو كون الدائرة لكم علينا فنحن نتربص بكم ما يسوؤكم و أنتم لا تتربصون بنا إلا ما يسرنا و يسعدنا. 

  • فهذان منطقان أحدهما يعني الثبات و عدم الزوال على مبني إحساسي و هو أن للثابت أحد نفعين: إما حمد الناس و أما الراحة من العدو، هذا إذا كان هناك نفع عائد إلى الإنسان المقاتل الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة، أما إذا لم يكن هناك نفع عائد كما لو لم يحمده الناس لعدم تقديرهم قدر الجهاد و تساوى عندهم الخدمة و الخيانة، أو كانت الخدمة مما ليس من شأنه أن يظهر لهم البتة أو لا هي و لا الخيانة، أو لم يسترح الإحساس بفناء العدو بل إنما يستريح به الحق فليس لهذا المنطق إلا العي و اللكنة. 

  • و هذه الموارد المعدودة هي الأسباب العامة في كل بغي و خيانة و جناية يقول الخائن المساهل في أمر القانون: أن خدمته لا تقدر عند الناس بما يعدلها و إن الخادم و الخائن عندهم سواء بل الخائن أحسن حالا و أنعم عيشا، و يرى كل باغ و جان أنه سيتخلص من قهر القانون و أن القوى المراقبة لا يقدرون على الحصول عليه فيخفي أمره و يلتبس 

تفسير الميزان ج٤

114
  • على الناس شخصه، و يعتذر كل من يتثبط و يتثاقل في إقامة الحق و الثورة على أعدائه و يداهنهم بأن القيام على الحق يذلله بين الناس، و يضحك منه الدنيا الحاضرة، و يعدونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الأساطير فإن ذكرته بشرافة النفس و طهارة الباطن رد عليك قائلا: ما أصنع بشرافة النفس إذا جرت إلى نكد العيش و ذلة الحياة هذا. 

  • و أما المنطق الآخر و هو منطق الإسلام فهو يبني أساسه على اتباع الحق و ابتغاء الأجر و الجزاء من الله سبحانه و إنما يتعلق الغرض بالغايات و المقاصد الدنيوية في المرتبة التالية و بالقصد الثاني، و من المعلوم أنه لا يشذ عن شموله مورد من الموارد، و لا يسقط كليته من العموم و الاطراد، فالعمل أعم من الفعل و الترك إنما يقع لوجهه تعالى و إسلاما له و اتباعا للحق الذي أراده و هو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم، و لا عاصم منه و لا يخفى عليه شي‌ء في الأرض و لا في السماء و الله بما تعملون خبير. 

  • فعلى كل نفس فيما وردت مورد عمل أو صدرت، رقيب شهيد قائم بما كسبت، سواء شهده الناس أو لا، حمدوه أو لا، قدروا فيه على شي‌ء أو لا. 

  • و قد بلغ من حسن تأثير التربية الإسلامية أن الناس كانوا يأتون رسول الله ص فيعترفون عنده بجرائمهم و جناياتهم بالتوبة و يذوقون مر الحدود التي تقام عليهم (القتل فما دونه) ابتغاء رضوان الله و تطهيرا لأنفسهم من قذارة الذنوب و درن السيئات، و بالتأمل في هذه النوادر الواقعة يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب تأثير البيان الديني في نفوس الناس و تعويده لهم السماحة في ألذ الأشياء و أعزها عندهم و هي الحياة و ما في تلوها و لو لا أن البحث قرآني لأوردنا طرفا من الأمثلة التاريخية فيه.

  • ٨ ما معنى ابتغاء الأجر عند الله و الإعراض عن غيره؟ 

  • ربما يتوهم المتوهم أن جعل الأجر الأخروي و هو الغرض العام في حياة الإنسان الاجتماعية يوجب سقوط الأغراض الحيوية التي تدعو إليه البنية الطبيعية الإنسانية و فيه فساد نظام الاجتماع، و الانحطاط إلى منحط الرهبانية، و كيف يمكن الانقطاع إلى مقصد من المقاصد مع التحفظ على المقاصد المهمة الأخرى؟ و هل هذا إلا تناقض؟

  • لكنه توهم ناش من الجهل بالحكمة الإلهية و الأسرار التي تكشف عنها المعارف القرآنية فإن الإسلام يبني تشريعه على أصل التكوين كما مر ذكره مرارا في المباحث 

تفسير الميزان ج٤

115
  • السابقة من هذا الكتاب، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ}: الروم: ٣٠. 

  • و حاصلة: أن سلسلة الأسباب الواقعية التكوينية تعاضدت على إيجاد النوع الإنساني في ذيلها و توفرت على سوقه نحو الغاية الحيوية التي هيئت له فيجب له أن يبني حياته في ظرف الكدح و الاختيار على موافقة الأسباب فيما تريد منه و تسوقه إليه حتى لا تناقضها حياته فيؤديه ذلك إلى الهلاك و الشقاء و هذا (لو تفهمه المتوهم) هو الدين الإسلامي بعينه و لما كان هناك فوق الأسباب سبب وحيد هو الموجد لها المدبر لأمرها فيما دق و جل و هو الله سبحانه الذي هو السبب التام فوق كل سبب بتمام معنى الكلمة كان الواجب على الإنسان الإسلام له و الخضوع لأمره و هذا معنى كون التوحيد هو الأساس الوحيد للدين الإسلامي. 

  • و من هنا يظهر أن حفظ كلمة التوحيد و الإسلام لله و ابتغاء وجهه في الحياة جرى على موافقة الأسباب طرا و إعطاء كل ذي حق منها حقه من غير شرك و لا غفلة فعند المرء المسلم غايات و أغراض دنيوية و أخرى أخروية و له مقاصد مادية و أخرى معنوية لكنه لا يعتنى في أمرها بأزيد مما ينبغي من الاعتناء و الاهتمام و لذلك بعينه نرى أن الإسلام يندب إلى توحيد الله سبحانه و الانقطاع إليه و الإخلاص له و الإعراض عن كل سبب دونه و مبتغي غيره و مع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة و الجري على المجاري الطبيعية. 

  • و من هنا يظهر أن أفراد المجتمع الإسلامي هم السعداء بحقيقة السعادة في الدنيا و في الآخرة و أن غايتهم و هو ابتغاء وجه الله في الأعمال لا تزاحم سائر الغايات الحيوية إذا ظهرت و استوثرت. 

  • و من هنا يظهر أيضا فساد توهم آخر و هو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين أن حقيقة الدين و الغرض الأصلي منه هو إقامة العدالة الاجتماعية و العباديات فروع متفرعة عليها فالذي يقيمها فهو على الدين و لو لم يتلبس بعقيدة و لا عبودية. 

  • و الباحث المتدبر في الكتاب و السنة و خاصة في السيرة النبوية لا يحتاج في الوقوف على بطلان هذا التوهم إلى مئونة زائدة و تكلف استدلال على أن هذا الكلام الذي 

تفسير الميزان ج٤

116
  • يتضمن إسقاط التوحيد و كرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينية فيه إرجاع للغاية الدينية التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنية التي هي التمتع، و قد عرفت أنهما غايتان مختلفتان لا ترجع إحداهما إلى الأخرى لا في أصلها و لا في فروعها و ثمراتها. 

  • ٩ ما معنى الحرية في الإسلام‌؟ 

  • كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدة قرون و لعل السبب المبتدع لها هي النهضة المدنية الأوربية قبل بضعة قرون لكن معناها كان جائيا في الأذهان و أمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة. 

  • و الأصل الطبيعي التكويني الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إياه على العمل فإنها حالة نفسية في إبطالها إبطال الحس و الشعور المنجر إلى إبطال الإنسانية. 

  • غير أن الإنسان لما كان موجودا اجتماعيا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع و إلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات و فعله في الأفعال المنجر إلى الخضوع لقانون يعدل الإرادات و الأعمال بوضع حدود لها فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة و العمل هي بعينها تحدد الإرادة و العمل و تقيد ذلك الإطلاق الابتدائي و الحرية الأولية. 

  • و القوانين المدنية الحاضرة لما وضعت بناء أحكامها على أساس التمتع المادي كما عرفت أنتج ذلك حرية الأمة في أمر المعارف الأصلية الدينية من حيث الالتزام بها و بلوازمها، و في أمر الأخلاق و في ما وراء القوانين من كل ما يريده و يختاره الإنسان من الإرادات و الأعمال فهذا هو المراد بالحرية عندهم. 

  • و أما الإسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد كما عرفت ثم في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة ثم تعرضت لكل يسير و خطير من الأعمال الفردية و الاجتماعية كائنة ما كانت فلا شي‌ء مما يتعلق بالإنسان أو يتعلق به الإنسان إلا و للشرع الإسلامي فيه قدم أو أثر قدم فلا مجال و لا مظهر للحرية بالمعنى المتقدم فيه. 

  • نعم للإنسان فيه الحرية عن قيد عبودية غير الله سبحانه و هذا و إن كان لا يزيد على كلمة واحدة غير أنه وسيع المعنى عند من بحث بحث تعمق في السنة الإسلامية 

تفسير الميزان ج٤

117
  • و السيرة العملية التي تندب إليها و تقرها بين أفراد المجتمع و طبقاته ثم قاس ذلك إلى ما يشاهد من سنن السؤدد و السيادة و التحكمات في المجتمعات المتمدنة بين طبقاتها و أفرادها أنفسها و بين كل أمة قوية و ضعيفة. 

  • و أما من حيث الأحكام فالتوسعة فيما أباحه الله من طيبات الرزق و مزايا الحياة المعتدلة من غير إفراط أو تفريط قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ اَلطَّيِّبَاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ} (الآية): «الأعراف: ٣٢»، و قال تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً}: «البقرة: ٢٩»، و قال تعالى: {وَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ}: «الجاثية: ١٣». 

  • و من عجيب الأمر ما رامه بعض الباحثين و المفسرين و تكلف فيه من إثبات حرية العقيدة في الإسلام بقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ}: «البقرة: ٢٥٦»، و ما يشابهه من الآيات الكريمة. 

  • و قد مر البحث التفسيري عن معنى الآية في سورة البقرة و الذي نضيف إليها هاهنا أنك عرفت أن التوحيد أساس جميع النواميس الإسلامية و مع ذلك كيف يمكن أن يشرع حرية العقائد؟ و هل ذلك إلا التناقض الصريح؟ فليس القول بحرية العقيدة إلا كالقول بالحرية عن حكومة القانون في القوانين المدنية بعينه. 

  • و بعبارة أخرى العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقي ينعقد في ذهن الإنسان ليس عملا اختياريا للإنسان حتى يتعلق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير، و إنما الذي يقبل الحظر و الإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال كالدعوة إلى العقيدة و إقناع الناس بها و كتابتها و نشرها و إفساد ما عند الناس من العقيدة و العمل المخالفين لها، فهذه هي التي تقبل المنع و الجواز، و من المعلوم أنها إذا خالفت مواد قانون دائر في المجتمع أو الأصل الذي يتكي عليه القانون لم يكن مناص من منعها من قبل القانون و لم يتك الإسلام في تشريعه على غير دين التوحيد (التوحيد و النبوة و المعاد) و هو الذي يجتمع عليه المسلمون و اليهود و النصارى و المجوس (أهل الكتاب) فليست الحرية إلا فيها و ليست فيما عداها إلا هدما لأصل الدين، نعم هاهنا حرية أخرى و هي الحرية من حيث إظهار العقيدة في مجرى البحث و سنبحث عنها في الفصل ١٤ الآتي. 

  • ١٠ما هو الطريق إلى التحول و التكامل في المجتمع الإسلامي‌؟ 

  • ربما أمكن 

تفسير الميزان ج٤

118
  • أن يقال: هب أن السنة الإسلامية سنة جامعة للوازم الحياة السعيدة، و المجتمع الإسلامي مجتمع سعيد مغبوط لكن هذه السنة لجامعيتها و انتفاء حرية العقيدة فيها تستوجب ركود المجتمع و وقوفه عن التحول و التكامل و هو من عيوب المجتمع الكامل كما قيل فإن السير التكاملي يحتاج إلى تحقق القوى المتضادة في الشي‌ء و تفاعلها حتى تولد بالكسر و الانكسار مولودا جديدا خاليا من نواقص العوامل المولدة التي زالت بالتفاعل فإذا فرض أن الإسلام يرفع الأضداد و النواقص و خاصة العقائد المتضادة من أصلها فلازمه أن يتوقف المجتمع الذي يكونه عن السير التكاملي. 

  • أقول: و هو من إشكالات المادية التحولية (ماترياليسم ديالكتيك) و فيه خلط عجيب فإن العقائد و المعارف الإنسانية على نوعين نوع يقبل التحول و التكامل و هو العلوم الصناعية التي تستخدم في طريق ترفيع قواعد الحياة المادية و تذليل الطبيعة العاصية للإنسان كالعلوم الرياضية و الطبيعية و غيرهما، و هذه العلوم و الصناعات و ما في عدادها كلما تحولت من النقص إلى الكمال أوجب ذلك تحول الحياة الاجتماعية لذلك. 

  • و نوع آخر لا يقبل التحول و إن كان يقبل التكامل بمعنى آخر و هو العلوم و المعارف العامة الإلهية التي تقضي في المبدإ و المعاد و السعادة و الشقاء و غير ذلك قضاء قاطعا واقفا غير متغير و لا متحول و إن قبلت الارتقاء و الكمال من حيث الدقة و التعمق و هذه العلوم و المعارف لا تؤثر في الاجتماعات و سنن الحياة إلا بنحو كلي فوقوف هذه المعارف و الآراء و ثبوتها على حال واحد لا يوجب وقوف الاجتماعات عن سيرها الارتقائي كما نشاهد أن عندنا آراء كثيرة كلية ثابتة على حال واحد من غير أن يقف اجتماعنا لذلك عن سيره كقولنا: إن الإنسان يجب أن ينبعث إلى العمل لحفظ حياته، و إن العمل يجب أن يكون لنفع عائد إلى الإنسان، و إن الإنسان يجب أن يعيش في حال الاجتماع، و قولنا: إن العالم موجود حقيقة لا وهما و إن الإنسان جزء من العالم، و إن الإنسان جزء من العالم الأرضي و إن الإنسان ذو أعضاء و أدوات و قوى إلى غير ذلك من الآراء و المعلومات الثابتة التي لا يوجب ثبوتها و وقوفها وقوف الاجتماعات و ركودها و من هذا القبيل القول بأن للعالم إلها واحدا شرع للناس شرعا جامعا لطرق السعادة من طريق النبوة و سيجمع الجميع إلى يوم يوفيهم فيه جزاء أعمالهم، و هذه هي الكلمة الوحيدة التي بني عليها الإسلام مجتمعة و تحفظ عليها كل التحفظ و من المعلوم أنه مما لا يوجب 

تفسير الميزان ج٤

119
  • باصطكاك ثبوته و نفيه و إنتاج رأي آخر فيه إلا انحطاط المجتمع كما بين مرارا و هذا شأن جميع الحقائق الحقة المتعلقة بما وراء الطبيعة فإنكارها بأي وجه لا يفيد للمجتمع إلا انحطاطا و خسة. 

  • و الحاصل أن المجتمع البشري لا يحتاج في سيره الارتقائي إلا إلى التحول و التكامل يوما فيوما في طرق الاستفادة من مزايا الطبيعة، و هذا إنما يتحقق بالبحث الصناعي المداوم و تطبيق العمل على العلم دائما و الإسلام لا يمنع من ذلك شيئا. 

  • و أما تغير طريق إدارة المجتمعات و سنن الاجتماع الجارية كالاستبداد الملوكي و الديمقراطية و الكمونيزم و نحوها فليس بلازم إلا من جهة نقصها و قصورها عن إيفاء الكمال الإنساني الاجتماعي المطلوب لا من جهة سيرها من النقص إلى الكمال فالفرق بينها لو كان فإنما هو فرق الغلط و الصواب لا فرق الناقص و الكمال فإذا استقر أمر السنة الاجتماعية على ما يقصده الإنسان بفطرته و هو العدالة الاجتماعية و استظل الناس تحت التربية الجيدة بالعلم النافع و العمل الصالح ثم أخذوا يسيرون مرتاحين ناشطين نحو سعادتهم بالارتقاء في مدارج العلم و العمل و لا يزالون يتكاملون و يزيدون تمكنا و اتساعا في السعادة فما حاجتهم إلى تحول السنة الاجتماعية زائدا على ذلك؟ و مجرد وجوب التحول على الإنسان من كل جهة حتى فيما لا يحتاج فيه إلى التحول مما لا ينبغي أن يقضي به ذو نظر و بصيرة. 

  • فإن قلت: لا مناص من عروض التحول في جميع ما ذكرت أنه مستغن عنه كالاعتقادات و الأخلاق الكلية و نحوها فإنها جميعا تتغير بتغير الأوضاع الاجتماعية و المحيطات المختلفة و مرور الأزمنة فلا يجوز أن ينكر أن الإنسان الجديد تغاير أفكاره أفكار الإنسان القديم، و كذا الإنسان يختلف نحو تفكره بحسب اختلاف مناطق حياته كالأراضي الإستوائية و القطبية و النقاط المعتدلة، و كذا بتفاوت أوضاع حياته من خادم و مخدوم و بدوي و حضري و مثر و معدم و فقير و غني و نحو ذلك، فالأفكار و الآراء تختلف باختلاف العوامل و تتحول بتحول الأعصار بلا شك كائنة ما كانت. 

  • قلت: الإشكال مبني على نظرية نسبية العلوم و الآراء الإنسانية و لازمها كون الحق و الباطل و الخير و الشر أمورا نسبية إضافية فالمعارف الكلية النظرية المتعلقة بالمبدإ و المعاد و كذا الآراء الكلية العملية كالحكم بكون الاجتماع خيرا للإنسان و كون 

تفسير الميزان ج٤

120
  • العدل خيرا (حكما كليا لا من حيث انطباقه على المورد) تكون أحكاما نسبية متغيرة بتغير الأزمنة و الأوضاع و الأحوال، و قد بينا في محله فساد هذه النظرية من حيث كليتها. 

  • و حاصل ما ذكرناه هناك أن النظرية غير شاملة للقضايا الكلية النظرية و قسم من الآراء الكلية العملية. 

  • و كفى في بطلان كليتها أنها لو صحت (أي كانت كلية مطلقة ثابتة) أثبتت قضية مطلقة غير نسبية و هي نفسها، و لو لم تكن كلية مطلقة بل قضية جزئية أثبتت بالاستلزام قضية كلية مطلقة فكليتها باطلة على أي حال، و بعبارة أخرى لو صح أن «كل رأي و اعتقاد يجب أن يتغير يوما» وجب أن يتغير نفس هذا الرأي يوما أي لا يتغير بعض الاعتقادات أبدا فافهم ذلك.

  • ١١ هل الإسلام بشريعته يفي بإسعاد هذه الحياة الحاضرة؟

  • ربما يقال: هب أن الإسلام لتعرضه لجميع شئون الإنسانية الموجودة في عصر نزول القرآن كان يكفي في إيصاله مجتمع ذاك العصر إلى سعادتهم الحقيقية و جميع أمانيهم في الحياة لكن مرور الزمان غير طرق الحياة الإنسانية فالحياة الثقافية و العيشة الصناعية في حضارة اليوم لا تشبه الحياة الساذجة قبل أربعة عشر قرنا المقتصرة على الوسائل الطبيعية الابتدائية فقد بلغ الإنسان إثر مجاهداته الطويلة الشاقة مبلغا من الارتقاء و التكامل المدني لو قيس إلى ما كان عليه قبل عدة قرون كان كالقياس بين نوعين متباينين فكيف تفي القوانين الموضوعة لتنظيم الحياة في ذلك العصر للحياة المتشكلة العبقرية اليوم؟ و كيف يمكن أن تحمل كل من الحياتين أثقال الأخرى. 

  • و الجواب: أن الاختلاف بين العصرين من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كليات شئونها، و إنما هو من حيث المصاديق و الموارد و بعبارة أخرى يحتاج الإنسان في حياته إلى غذاء يتغذى به، و لباس يلبسه، و دار يقطن فيه و يسكنه، و وسائل تحمله و تحمل أثقاله و تنقلها من مكان إلى مكان، و مجتمع يعيش بين أفراده، و روابط تناسلية و تجارية و صناعية و عملية و غير ذلك، و هذه حاجة كلية غير متغيرة ما دام الإنسان إنسانا ذا هذه الفطرة و البنية و ما دام حياته هذه الحياة الإنسانية، و الإنسان الأولي و إنسان هذا اليوم في ذلك على حد سواء. 

  • و إنما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادية و من حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبه لها و بوسائل رفعها. 

تفسير الميزان ج٤

121
  • فقد كان الإنسان الأولي مثلا يتغذى بما يجده من الفواكه و النبات و لحم الصيد على وجه بسيط ساذج، و هو اليوم يهيئ منها ببراعته و ابتداعه ألوفا من ألوان الطعام و الشراب ذات خواص تستفيد منها طبيعته، و ألوان يستلذ منها بصره، و طعوم يستطيبها ذوقه، و كيفيات يتنعم بها لمسه، و أوضاع و أحوال أخرى يصعب إحصاؤها و هذا الاختلاف الفاحش لا يفرق الثاني من الأول من حيث إن الجميع غذاء يتغذى به الإنسان لسد جوعة و إطفاء نائرة شهوته. 

  • و كما أن هذه الاعتقادات الكلية التي كانت عند الإنسان أولا لم تبطل بعد تحوله من عصر إلى عصر بل انطبق الأول على الآخر انطباقا، كذلك القوانين الكلية الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة و استدعاء السعادة لا تبطل بظهور وسيلة مكان وسيلة ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظا من غير تغير و انحراف و أما مع المخالفة فالسنة الإسلامية لا توافقها سواء في ذلك العصر القديم و العصر الحديث. 

  • و أما الأحكام الجزئية المتعلقة بالحوادث الجارية التي تحدث زمانا و زمانا و تتغير سريعا بالطبع كالأحكام المالية و الانتظامية المتعلقة بالدفاع و طرق تسهيل الارتباطات و المواصلات و الانتظامات البلدية و نحوها فهي مفوضة إلى اختيار الوالي و متصدي أمر الحكومة فإن الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته فله أن يعزم و يجري فيها ما لرب البيت أن يتصرف به في بيته و فيما أمره إليه، فلولي الأمر أن يعزم على أمور من شئون المجتمع في داخله أو خارجه مما يتعلق بالحرب أو السلم مالية أو غير مالية يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين كما قال تعالى: {وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ}: «آل عمران: ١٥٩»، كل ذلك في الأمور العامة. 

  • و هذه أحكام و عزمات جزئية تتغير بتغير المصالح و الأسباب التي لا تزال يحدث منها شي‌ء و يزول منها شي‌ء غير الأحكام الإلهية التي يشتمل عليها الكتاب و السنة و لا سبيل للنسخ إليها و لبيانه التفصيلي محل آخر.

  • ١٢ من الذي يتقلد ولاية المجتمع في الإسلام و ما سيرته‌؟ 

  • كان ولاية أمر المجتمع الإسلامي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و افتراض طاعته (صلى الله عليه وآله و سلم) على الناس و اتباعه صريح القرآن الكريم. 

تفسير الميزان ج٤

122
  • قال تعالى{وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ}: «التغابن: ١٢»، و قال تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اَللَّهُ}: «النساء: ١٠٥»، و قال تعالى: {اَلنَّبِيُّ أَوْلى‌ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: «الأحزاب: ٦»، و قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ}: «آل عمران: ٣١»، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يتضمن كل منها بعض شئون ولايته العامة في المجتمع الإسلامي أو جميعها. 

  • و الوجه الوافي لغرض الباحث في هذا الباب أن يطالع سيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) و يمتلئ منه نظرا ثم يعود إلى مجموع ما نزلت من الآيات في الأخلاق و القوانين المشرعة في الأحكام العبادية و المعاملات و السياسات و سائر المرابطات و المعاشرات، فإن هذا الدليل المتخذ بنحو الانتزاع من ذوق التنزيل الإلهي له من اللسان الكافي و البيان الوافي ما لا يوجد في الجملة و الجملتين من الكلام البتة. 

  • و هاهنا نكتة أخرى يجب على الباحث الاعتناء بأمرها، و هو أن عامة الآيات المتضمنة لإقامة العبادات و القيام بأمر الجهاد و إجراء الحدود و القصاص و غير ذلك توجه خطاباتها إلى عامة المؤمنين دون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خاصة، كقوله تعالى: {وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ}: «النساء: ٧٧»، و قوله: {وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ}: «البقرة: ١٩٥»، و قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيَامُ}: «البقرة: ١٨٣»، و قوله: {وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ}: «آل عمران: ١٠٤»، و قوله: {وَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ}: «المائدة: ٣٥»، و قوله: {وَ جَاهِدُوا فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}: «الحج: ٧٨»، و قوله: {اَلزَّانِيَةُ وَ اَلزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}: «النور: ٢»، و قوله: {وَ اَلسَّارِقُ وَ اَلسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}: «المائدة: ٣٨»، و قوله: {وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}: «البقرة: ١٧٩»، و قوله: {وَ أَقِيمُوا اَلشَّهَادَةَ لِلَّهِ}: «الطلاق: ٢»، و قوله: {وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا}: «آل عمران: ١٠٣» و قوله: {أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}: «الشورى: ١٣»، و قوله: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‌ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ}: «آل عمران: ١٤٤» إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. 

  • و يستفاد من الجميع أن الدين صبغة اجتماعية حمله الله على الناس و لا يرضى لعباده الكفر، و لم يرد إقامته إلا منهم بأجمعهم، فالمجتمع المتكون منهم أمره إليهم من غير 

تفسير الميزان ج٤

123
  • مزية في ذلك لبعضهم و لا اختصاص منهم ببعضهم، و النبي و من دونه في ذلك سواء، قال تعالى: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‌ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}«آل عمران: ١٩٥»، فإطلاق الآية يدل على أن التأثير الطبيعي الذي لأجزاء المجتمع الإسلامي في مجتمعهم مراعى عند الله سبحانه تشريعا كما راعاه تكوينا و أنه تعالى لا يضيعه، و قال تعالى: {إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}: «الأعراف: ١٢٨». 

  • نعم لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الدعوة و الهداية و التربية، قال تعالى: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ}: «الجمعة: ٢»، فهو (صلى الله عليه وآله و سلم) المتعين من عند الله للقيام على شأن الأمة و ولاية أمورهم في الدنيا و الآخرة و للإمامة لهم ما دام حيا. 

  • لكن الذي يجب أن لا يغفل عنه الباحث أن هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التي تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش و عباد الله أرقاء له يفعل بهم ما يشاء و يحكم فيهم ما يريد و ليست هي من الطرق الاجتماعية التي وضعت على أساس التمتع المادي من الديمقراطية و غيرها فإن بينها و بين الإسلام فروقا بينة مانعة من التشابه و التماثل. 

  • و من أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت على أساس التمتع المادي نفخت في قالبها روح الاستخدام و الاستثمار و هو الاستكبار الإنساني الذي يجعل كل شي‌ء تحت إرادة الإنسان و عمله حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان، و يبيح له طريق الوصول إليه و التسلط على ما يهواه و يأمله منه لنفسه، و هذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في الأعصار السالفة و قد ظهرت في زي الاجتماع المدني على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القوية و إجحافاتهم و تحكماتهم بالنسبة إلى الأمم الضعيفة و على ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ. 

  • فقد كان الواحد من الفراعنة و القياصرة و الأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكمه و لعبه كل ما يريده و يهواه. و يعتذر لو اعتذر إن ذلك من شئون السلطنة و لصلاح المملكة و تحكيم أساس الدولة، و يعتقد أن ذلك حق نبوغه و سيادته، و يستدل عليه بسيفه، كذلك إذا تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين أقوياء 

تفسير الميزان ج٤

124
  • الأمم و ضعفائهم اليوم وجدت أن التاريخ و حوادثه كرت علينا و لن تزال تكر غير أنها أبدلت الشكل السابق الفردي بالشكل الحاضر الاجتماعي و الروح هي الروح و الهوى هو الهوى و أما الإسلام فطريقته بريئة من هذه الأهواء و دليله السيرة النبوية في فتوحاته و عهوده. 

  • و منها أن أقسام الاجتماعات على ما هو مشهود و مضبوط في تاريخ هذا النوع لا تخلو عن وجود تفاضل بين أفرادها مؤد إلى الفساد فإن اختلاف الطبقات بالثروة أو الجاه و المقام المؤدي بالآخرة إلى بروز الفساد في المجتمع من لوازمها لكن المجتمع الإسلامي مجتمع متشابه الأجزاء لا تقدم فيها للبعض على البعض و لا تفاضل و لا تفاخر و لا كرامة و إنما التفاوت الذي تستدعيه القريحة الإنسانية و لا تسكت عنه إنما هو في التقوى و أمره إلى الله سبحانه لا إلى الناس قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‌ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}«الحجرات: ١٣»، و قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ}: «البقرة: ١٤٨» فالحاكم و المحكوم و الأمير و المأمور و الرئيس و المرؤوس و الحر و العبد و الرجل و المرأة و الغني و الفقير و الصغير و الكبير في الإسلام في موقف سواء من حيث جريان القانون الديني في حقهم و من حيث انتفاء فواصل الطبقات بينهم في الشئون الاجتماعية على ما تدل عليه السيرة النبوية على سائرها السلام و التحية. 

  • و منها أن القوة المجرية في الإسلام ليست هي طائفة متميزة في المجتمع بل تعم جميع أفراد المجتمع فعلى كل فرد أن يدعو إلى الخير و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و هناك فروق أخر لا يخفى على الباحث المتتبع. 

  • هذا كله في حياة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و أما بعده فالجمهور من المسلمين على أن انتخاب الخليفة الحاكم في المجتمع إلى المسلمين و الشيعة من المسلمين على أن الخليفة منصوص من جانب الله و رسوله و هم اثنا عشر إماما على التفصيل المودوع في كتب الكلام. 

  • و لكن على أي حال أمر الحكومة الإسلامية بعد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و بعد غيبة الإمام كما في زماننا الحاضر إلى المسلمين من غير إشكال، و الذي يمكن أن يستفاد من الكتاب في ذلك أن عليهم تعيين الحاكم في المجتمع على سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و هي سنة الإمامة دون الملوكية و الإمبراطورية و السير فيهم بحفاظة الأحكام من غير تغيير، 

تفسير الميزان ج٤

125
  • و التولي بالشور في غير الأحكام من حوادث الوقت و المحل كما تقدم و الدليل على ذلك كله جميع ما تقدم من الآيات في ولاية النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مضافة إلى قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}: «الأحزاب: ٢١».

  • ١٣ ثغر المملكة الإسلامية هو الاعتقاد دون الحدود الطبيعية أو الاصطلاحية 

  • ألغى الإسلام أصل الانشعاب القومي من أن يؤثر في تكون المجتمع أثره ذاك الانشعاب الذي عامله الأصلي البدوية و العيش بعيشة القبائل و البطون أو اختلاف منطقة الحياة و الوطن الأرضي، و هذان أعني البدوية و اختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانوية من حرارة و برودة و جدب و خصب و غيرهما هما العاملان الأصليان لانشعاب النوع الإنساني شعوبا و قبائل و اختلاف ألسنتهم و ألوانهم على ما بين في محله. 

  • ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض على حسب مساعيهم في الحياة و بأسهم و شدتهم و تخصيصها بأنفسهم و تسميتها وطنا يألفونه و يذبون عنه بكل مساعيهم. 

  • و هذا و إن كان أمرا ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعية التي تدفعهم الفطرة إلى رفعها غير أن فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد، فإن من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتتة و تألفها و تقويها بالتراكم و التوحد لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم و أصلح، و هذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية حتى تصير عنصرا ثم... ثم نباتا ثم حيوانا ثم إنسانا. 

  • و الانشعابات بحسب الأوطان تسوق الأمة إلى توحد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنية الأخرى فيصير واحدا منفصل الروح و الجسم عن الآحاد الوطنية الأخرى فتنعزل الإنسانية عن التوحد و التجمع و تبتلي من التفرق و التشتت بما كانت تفر منه و يأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة (أعني الآحاد الاجتماعية) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام و استثمار و غير ذلك، و التجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك و ما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم. 

  • و هذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابات و التشتتات و التميزات، 

تفسير الميزان ج٤

126
  • و بنى الاجتماع على العقيدة دون الجنسية و القومية و الوطن و نحو ذلك، حتى في مثل الزوجية و القرابة في الاستمتاع و الميراث، فإن المدار فيهما على الاشتراك في التوحيد لا المنزل و الوطن مثلا. 

  • و من أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند البحث عن شرائع هذا الدين أنه لم يهمل أمره في حال من الأحوال، فعلى المجتمع الإسلامي عند أوج عظمته و اهتزاز لواء غلبته أن يقيموا الدين و لا يتفرقوا فيه، و عليه عند الاضطهاد و المغلوبية ما يستطيعه من إحياء الدين و إعلاء كلمته و على هذا القياس حتى أن المسلم الواحد عليه أن يأخذ به و يعمل منه ما يستطيعه و لو كان بعقد القلب في الاعتقاديات و الإشارة في الأعمال المفروضة عليه. 

  • و من هنا يظهر أن المجتمع الإسلامي قد جعل جعلا يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال و على كل التقادير من حاكمية و محكومية و غالبية و مغلوبية و تقدم و تأخر و ظهور و خفاء و قوة و ضعف. و يدل عليه من القرآن آيات التقية بالخصوص قال تعالى: 

  • {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (الآية): «النحل: ١٠٦» و قوله: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}: «آل عمران: ٢٨» و قوله: {فَاتَّقُوا اَللَّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ}۱ و قوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}: «آل عمران: ١٠٢». 

  • ١٤ الإسلام اجتماعي بجميع شئونه

  • يدل على ذلك قوله تعالى: {وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الآية) على ما مر بيانه و آيات أخر كثيرة. 

  • و صفة الاجتماع مرعية مأخوذة في الإسلام في جميع ما يمكن أن يؤدي بصفة الاجتماع من أنواع النواميس و الأحكام بحسب ما يليق بكل منها من نوع الاجتماع و بحسب ما يمكن فيه من الأمر و الحث الموصل إلى الغرض فينبغي للباحث أن يعتبر الجهتين معا في بحثه: 

  • فالجهة الأولى من الاختلاف ما نرى أن الشارع شرع الاجتماع مستقيما في الجهاد إلى حد يكفي لنجاح الدفاع و هذا نوع، و شرع وجوب الصوم و الحج مثلا للمستطيع غير المعذور و لازمه اجتماع الناس للصيام و الحج و تمم ذلك بالعيدين: الفطر و الأضحى، 

    1. سورة التغابن: ١٦

تفسير الميزان ج٤

127
  • و الصلاة المشروعة فيهما، و شرع وجوب الصلوات اليومية عينيا لكل مكلف من غير أن يوجب فيها جماعة و تدارك ذلك بوجوب الجماعة في صلاة الجمعة في كل أسبوع مرة صلاة جماعة واحدة في كل أربعة فراسخ. و هذا نوع آخر. 

  • و الجهة الثانية ما نرى أن الشارع شرع وجوب الاجتماع في أشياء بلا واسطة كما عرفت و ألزم على الاجتماع في أمور أخرى غير واجبة لم يوجب الاجتماع فيها مستقيما كصلاة الفريضة مع الجماعة فإنها مسنونة مستحبة غير أن السنة جرت على أدائها جماعة و على الناس أن يقيموا السنة۱. و قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): في قوم من المسلمين تركوا الحضور في الجماعة: ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم. و هذا هو السبيل في جميع ما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فيجب حفظ سنته على المسلمين بأي وسيلة أمكنت لهم و بأي قيمة حصلت. 

  • و هذه أمور سبيل البحث فيها الاستنباط الفقهي من الكتاب و السنة و المتصدي لبيانها الفقه الإسلامي. 

  • و أهم ما يجب هاهنا هو عطف عنان البحث إلى جهة أخرى و هي اجتماعية الإسلام في معارفه الأساسية بعد الوقوف على أنه يراعي الاجتماع في جميع ما يدعو الناس إليه من قوانين الأعمال (العبادية و المعاملية و السياسية) و من الأخلاق الكريمة و من المعارف الأصلية. 

  • نرى الإسلام يدعو الناس إلى دين الفطرة بدعوى أنه الحق الصريح الذي لا مرية فيه و الآيات القرآنية الناطقة بذلك كثيرة مستغنية عن الإيراد، و هذا أول التآلف و التآنس مع مختلف الأفهام فإن الأفهام على اختلافها و تعلقها بقيود الأخلاق و الغرائز لا تختلف في أن «الحق يجب اتباعه». 

  • ثم نراه يعذر من لم تقم عليه البينة و لم تتضح له المحجة و إن قرعت سمعه الحجة قال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‌َ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}: «الأنفال: ٤٢» و قال تعالى: {إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجَالِ وَ اَلنِّسَاءِ وَ اَلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كَانَ اَللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً}: «النساء: ٩٩» انظر إلى إطلاق الآية و مكان قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}، و هذا يعطي الحرية 

    1.  باب كراهة ترك حضور الجماعة من كتاب الصلاة من الوسائل‌

تفسير الميزان ج٤

128
  • التامة لكل متفكر يرى نفسه صالحة للتفكر مستعدة للبحث و التنقير أن يتفكر فيما يتعلق بمعارف الدين و يتعمق في تفهمها و النظر فيها. على أن الآيات القرآنية مشحونة بالحث و الترغيب في التفكر و التعقل و التذكر. 

  • و من المعلوم أن اختلاف العوامل الذهنية و الخارجية مؤثرة في اختلاف الأفهام من حيث تصورها و تصديقها و نيلها و قضائها و هذا يؤدي إلى الاختلاف في الأصول التي بني على أساسها المجتمع الإسلامي كما تقدم. 

  • إلا أن الاختلاف بين إنسانين في الفهم على ما يقضي به فن معرفة النفس و فن الأخلاق و فن الاجتماع يرجع إلى أحد أمور إما إلى اختلاف الأخلاق النفسانية و الصفات الباطنة من الملكات الفاضلة و الردية فإن لها تأثيرا وافرا في العلوم و المعارف الإنسانية من حيث الاستعدادات المختلفة التي تودعها في الذهن فما إدراك الإنسان المنصف و قضاؤه الذهني كإدراك الشموس المتعسف، و لا نيل المعتدل الوقور للمعارف كنيل العجول و المتعصب و صاحب الهوى و الهمجي الذي يتبع كل ناعق و الغوي الذي لا يدري أين يريد؟ و لا أنى يراد به، و التربية الدينية تكفي مئونة هذا الاختلاف فإنها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينية من المعارف و العلوم، و تستولد من الأخلاق ما يناسب تلك الأصول و هي مكارم الأخلاق قال تعالى: {كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسىَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلى‌َ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ}: «الأحقاف: ٣٠» و قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: «المائدة: ١٦» و قال تعالى: {وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ}: «العنكبوت: ٦٩» و انطباق الآيات على مورد الكلام ظاهر. 

  • و إما أن يرجع إلى اختلاف الأفعال فإن الفعل المخالف للحق كالمعاصي و أقسام التهوسات الإنسانية و من هذا القبيل أقسام الإغواء و الوساوس يلقن الإنسان و خاصة العامي الساذج الأفكار الفاسدة و يعد ذهنه لدبيب الشبهات و تسرب الآراء الباطلة فيه و تختلف إذ ذاك الأفهام و تتخلف عن اتباع الحق! و قد كفى مئونة هذا أيضا الإسلام حيث أمر المجتمع بإقامة الدعوة الدينية دائما أولا، و كلف المجتمع بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ثانيا، و أمر بهجرة أرباب الزيغ و الشبهات ثالثا. قال تعالى: 

تفسير الميزان ج٤

129
  • {وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ} (الآية): «آل عمران: ١٠٤» فالدعوة إلى الخير تستثبت الاعتقاد الحق و تقرها في القلوب بالتلقين و التذكير، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يمنعان من ظهور الموانع من رسوخ الاعتقادات الحقة في النفوس، و قال تعالى: {وَ إِذَا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‌ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ لَكِنْ ذِكْرى‌َ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} (الآيات): «الأنعام: ٧٠»، ينهى الله تعالى عن المشاركة في الحديث الذي فيه خوض في شي‌ء من المعارف الإلهية و الحقائق الدينية بشبهة أو اعتراض أو استهزاء و لو بنحو الاستلزام أو التلويح، و يذكر أن ذلك من فقدان الإنسان أمر الجد في معارفه، و أخذه بالهزل و اللعب و اللهو، و أن منشأه الاغترار بالحياة الدنيا، و أن علاجه التربية الصالحة و التذكير بمقامه تعالى. 

  • و إما أن يكون الاختلاف من جهة العوامل الخارجية كبعد الدار و عدم بلوغ المعارف الدينية إلا يسيرة أو محرفة أو قصور فهم الإنسان عن تعقل الحقائق الدينية تعقلا صحيحا كالجربزة و البلادة المستندتين إلى خصوصية المزاج و علاجه تعميم التبليغ و الإرفاق في الدعوة و التربية، و هذان من خصائص السلوك التبليغي في الإسلام، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلى‌ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي}: «يوسف: ١٠٨»، و من المعلوم أن البصير بالأمر يعرف مبلغ وقوعه في القلوب و أنحاء تأثيراته المختلفة باختلاف المتلقين و المستمعين فلا يبذل أحد إلا مقدار ما يعيه منه، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما رواه الفريقان: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم‌، و قال تعالى: {فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}: «التوبة: ١٢٢»، فهذه جمل ما يتقى به وقوع الاختلاف في العقائد أو يعالج به إذا وقع. 

  • و قد قرر الإسلام لمجتمعه دستورا اجتماعيا فوق ذلك يقيه عن دبيب الاختلاف المؤدي إلى الفساد و الانحلال فقد قال تعالى: {وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ 

تفسير الميزان ج٤

130
  • تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: «الأنعام: ١٥٣» فبين أن اجتماعهم على اتباع الصراط المستقيم و تحذرهم عن اتباع سائر السبل يحفظهم عن التفرق و يحفظ لهم الاتحاد و الاتفاق، ثم قال: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا}: «آل عمران: ١٠٣» و قد مر أن المراد بحبل الله هو القرآن المبين لحقائق معارف الدين، أو هو و الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما يظهر من قوله تعالى قبله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‌ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اَللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‌ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: «آل عمران: ١٠١». 

  • تدل الآيات على لزوم أن يجتمعوا على معارف الدين و يرابطوا أفكارهم و يمتزجوا في التعليم و التعلم فيستريحوا في كل حادث فكري أو شبهة ملقاة إلى الآيات المتلوة عليهم و التدبر فيها لحسم مادة الاختلاف و قد قال تعالى: {أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً}: «النساء: ٨٢»، و قال: {وَ تِلْكَ اَلْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ اَلْعَالِمُونَ}: «العنكبوت: ٤٣» و قال: {فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}: «النحل: ٤٣» فأفاد أن التدبر في القرآن أو الرجوع إلى من يتدبر فيه يرفع الاختلاف من البين. 

  • و تدل على أن الإرجاع إلى الرسول و هو الحامل لثقل الدين يرفع من بينهم الاختلاف و يبين لهم الحق الذي يجب عليهم أن يتبعوه، قال تعالى: {وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}: «النحل: ٤٤»، و قريب منه قوله تعالى: {وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى‌ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}: «النساء: ٨٣»، و قوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً}: «النساء: ٥٩»، فهذه صورة التفكر الاجتماعي في الإسلام. 

  • و منه يظهر أن هذا الدين كما يعتمد بأساسه على التحفظ على معارفه الخاصة الإلهية كذلك يسمح للناس بالحرية التامة في الفكر، و يرجع محصله إلى أن من الواجب على المسلمين أن يتفكروا في حقائق الدين و يجتهدوا في معارفه تفكرا و اجتهادا بالاجتماع و المرابطة، و إن حصلت لهم شبهة في شي‌ء من حقائقه و معارفه أو لاح لهم ما يخالفها 

تفسير الميزان ج٤

131
  • فلا بأس به و إنما يجب على صاحب الشبهة أو النظر المخالف أن يعرض ما عنده على كتاب الله بالتدبر في بحث اجتماعي، فإن لم يداو داءه عرضه على الرسول أو من أقامه مقامه حتى تنحل شبهته أو يظهر بطلان ما لاح له إن كان باطلا، قال تعالى {اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ هَدَاهُمُ اَللَّهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ}: «الزمر: ١٨». 

  • و الحرية في العقيدة و الفكر على النحو الذي بيناه غير الدعوة إلى هذا النظر و إشاعته بين الناس قبل العرض فإنه مفض إلى الاختلاف المفسد لأساس المجتمع القويم. 

  • هذا أحسن ما يمكن أن يدبر به أمر المجتمع في فتح باب الارتقاء الفكري على وجهه مع الحفظ على حياته الشخصية، و أما تحميل الاعتقاد على النفوس و الختم على القلوب و إماتة غريزة الفكرة في الإنسان عنوة و قهرا و التوسل في ذلك بالسوط أو السيف أو بالتكفير و الهجرة و ترك المخالطة فحاشا ساحة الحق و الدين القويم أن يرضى به أو يشرع ما يؤيده، و إنما هو خصيصة نصرانية و قد امتلأ تاريخ الكنيسة من أعمالها و تحكماتها في هذا الباب و خاصة فيما بين القرن الخامس و بين القرن السادس عشر الميلاديين بما لا يوجد نظائره في أشنع ما عملته أيدي الجبابرة و الطواغيت و أقساه. 

  • و لكن من الأسف أنا معاشر المسلمين سلبنا هذه النعمة و ما لزمها (الاجتماع الفكري و حرية العقيدة) كما سلبنا كثيرا من النعم العظام التي كان الله سبحانه أنعم علينا بها لما فرطنا في جنب الله (و {إِنَّ اَللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فحكمت فينا سيرة الكنيسة و استتبع ذلك أن تفرقت القلوب و ظهر الفتور و تشتت المذاهب و المسالك يغفر الله لنا و يوفقنا لمرضاته و يهدينا إلى صراطه المستقيم. 

  • ١٥ الدين الحق هو الغالب على الدنيا بالآخرة 

  • و العاقبة للتقوى فإن النوع الإنساني بالفطرة المودوعة فيه تطلب سعادته الحقيقية و هو استواؤه على عرش حياته الروحية و الجسمية معا حياة اجتماعية بإعطاء نفسه حظه من السلوك الدنيوي و الأخروي و قد عرفت أن هذا هو الإسلام و دين التوحيد. 

  • و أما الانحرافات الواقعة في سير الإنسانية نحو غايته و في ارتقائه إلى أوج كماله فإنما هو من جهة الخطإ في التطبيق لا من جهة بطلان حكم الفطرة، و الغاية التي يعقبها 

تفسير الميزان ج٤

132
  • الصنع و الإيجاد لا بد أن تقع يوما معجلا أو على مهل، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(يريد أنهم لا يعلمون ذلك علما تفصيليا و إن علمته فطرتهم إجمالا)، «إلى أن قال»: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}،» إلى أن قال»: {ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: «الروم: ٣٠٤١»، و قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ}: «المائدة: ٥٤»، و قال تعالى: {وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ}: «الأنبياء: ١٠٥» و قال تعالى: {وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوى‌}: «طه: ١٣٢» فهذه و أمثالها آيات تخبرنا أن الإسلام سيظهر ظهوره التام فيحكم على الدنيا قاطبة. 

  • و لا تصغ إلى قول من يقول: إن الإسلام و إن ظهر ظهورا ما و كانت أيامه حلقة من سلسلة التاريخ فأثرت أثرها العام في الحلقات التالية و اعتمدت عليها المدنية الحاضرة شاعرة بها أو غير شاعرة لكن ظهوره التام أعني حكومة ما في فرضية الدين بجميع موادها و صورها و غاياتها مما لا يقبله طبع النوع الإنساني و لن يقبله أبدا و لم يقع عليه بهذه الصفة تجربة حتى يوثق بصحة وقوعه خارجا و حكومته على النوع تامة. 

  • و ذلك أنك عرفت أن الإسلام بالمعنى الذي نبحث فيه غاية النوع الإنساني و كماله الذي هو بغريزته متوجه إليه شعر به تفصيلا أو لم يشعر و التجارب القطعية الحاصلة في أنواع المكونات يدل على أنها متوجهة إلى غايات مناسبة لوجوداتها يسوقها إليها نظام الخلقة، و الإنسان غير مستثنى من هذه الكلية. 

  • على أن شيئا من السنن و الطرائق الدائرة في الدنيا الجارية بين المجتمعات الإنسانية لم يتك في حدوثه و بقائه و حكومته على سبق تجربة قاطعة فهذه شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ظهرت حينما ظهرت ثم جرت بين الناس، و كذا ما أتى به برهما و بوذا و ماني و غيرهم، و تلك سنن المدنية المادية كالديمقراطية و الكمونيسم و غيرهما كل ذلك جرى في المجتمعات الإنسانية المختلفة بجرياناتها المختلفة من غير سبق تجربة. 

  • و إنما تحتاج السنن الاجتماعية في ظهورها و رسوخها في المجتمع إلى عزائم قاطعة و همم عالية من نفوس قوية لا يأخذها في سبيل البلوغ إلى مآربها عي و لا نصب، و لا 

تفسير الميزان ج٤

133
  • تذعن بأن الدهر قد لا يسمح بالمراد و المسعى قد يخيب، و لا فرق في ذلك بين الغايات و المآرب الرحمانية و الشيطانية.

  • (بحث روائي‌) 

  • في المعاني عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا} (الآية): اصبروا على المصائب، و صابروهم على الفتنة، و رابطوا على من تقتدون به. 

  • و في تفسير العياشي عنه (عليه السلام): اصبروا على دينكم، و صابروا عدوكم، و رابطوا إمامكم.

  • أقول: و روي ما يقرب منه من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في الكافي عنه (عليه السلام): اصبروا على الفرائض، و صابروا على المصائب و رابطوا على الأئمة. 

  • و في المجمع عن علي (عليه السلام): رابطوا الصلوات قال أي انتظروها لأن المرابطة لم تكن حينئذ. 

  • أقول: اختلاف الروايات مستند إلى ما تقدم من إطلاق الأوامر. 

  • و في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن حيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أ لا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، و يكفر به الذنوب؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، و كثرة الخطى إلى المساجد، و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط.

  • أقول: و رواه بطرق أخرى عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و الأخبار في فضيلة المرابطة أكثر من أن تحصى 

تفسير الميزان ج٤

134
  • (٤)سورة النساء مدنية و هي مائة و ست و سبعون آية (١٧٦) 

  • [سورة النساء (٤): آیة ۱]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ}{يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ١} 

  • (بيان‌) 

  • غرض السورة كما يلوح إليه هذا الصدر بيان أحكام الزواج كعدد الزوجات و محرمات النكاح و غير ذلك، و أحكام المواريث، و فيها أمور أخرى من أحكام الصلاة و الجهاد و الشهادات و التجارة و غيرها، و تعرض لحال أهل الكتاب. 

  • و مضامين آياتها تشهد أنها مدنية نزلت بعد الهجرة، و ظاهرها أنها نزلت نجوما لا دفعة واحدة و إن كانت أغلب آياتها غير فاقدة للارتباط فيما بينها. 

  • و أما هذه الآية في نفسها فهي و عدة من الآيات التالية لها المتعرضة لحال اليتامى و النساء كالتوطئة لما سيبين من أمر المواريث و المحارم و أما عدد الزوجات الواقعة في الآية الثالثة فإنه و إن كان من مهمات السورة إلا أنه ذكر في صورة التطفل بالاستفادة من الكلام المقدمي الذي وقع في الآية كما سيجي‌ء بيانه. 

  • قوله تعالى{يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ} إلى قوله: {وَ نِسَاءً} يريد دعوتهم إلى تقوى ربهم في أمر أنفسهم و هم ناس متحدون في الحقيقة الإنسانية من غير اختلاف فيها بين الرجل منهم و المرأة و الصغير و الكبير و العاجز و القوي حتى لا يجحف الرجل منهم بالمرأة و لا يظلم كبيرهم الصغير في مجتمعهم الذي هداهم الله إليه لتتميم سعادتهم و الأحكام و القوانين المعمولة بينهم التي ألهمهم إياها لتسهيل طريق حياتهم، و حفظ 

تفسير الميزان ج٤

135
  • وجودهم و بقائهم فرادى و مجتمعين. 

  • و من هناك تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصة و كذا تعليق التقوى بربهم دون أن يقال: {اِتَّقُوا اَللَّهَ} و نحوه فإن الوصف الذي ذكروا به أعني قوله: {اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}«إلخ» يعم جميع الناس من غير أن يختص بالمؤمنين، و هو من أوصاف الربوبية التي تتكفل أمر التدبير و التكميل لا من شئون الألوهية. 

  • و أما قوله تعالى: {اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}«إلخ» فالنفس‌ على ما يستفاد من اللغة عين الشي‌ء يقال: جاءني فلان نفسه و عينه و إن كان منشأ تعين الكلمتين النفس و العين لهذا المعنى (ما به الشي‌ء شي‌ء) مختلفا، و نفس الإنسان هو ما به الإنسان إنسان، و هو مجموع روح الإنسان و جسمه في هذه الحياة الدنيا و الروح وحدها في الحياة البرزخية على ما تحقق فيما تقدم من البحث في قوله تعالى: {وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ} (الآية): «البقرة: ١٥٤». 

  • و ظاهر السياق أن المراد بالنفس الواحدة آدم (عليه السلام)، و من زوجها زوجته، و هما أبوا هذا النسل الموجود الذي نحن منه و إليهما ننتهي جميعا على ما هو ظاهر القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: «الزمر: ٦» و قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ}: «الأعراف: ٢٧»، و قوله تعالى: حكاية عن إبليس: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىَ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}: «إسراء: ٦٢». 

  • و أما ما احتمله بعض المفسرين أن المراد بالنفس الواحدة و زوجها في الآية مطلق الذكور و الإناث من الإنسان الزوجين اللذين عليهما مدار النسل فيئول المعنى إلى نحو قولنا: خلق كل واحد منكم من أب و أم بشرين من غير فرق في ذلك بينكم فيناظر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: «الحجرات: ١٣»، حيث إن ظاهره نفي الفرق بين الأفراد من جهة تولد كل واحد منهم من زوجين من نوعه: ذكر و أنثى. 

  • ففيه فساد ظاهر و قد فاته أن بين الآيتين أعني آية النساء و آية الحجرات فرقا بينا فإن آية الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانية، 

تفسير الميزان ج٤

136
  • و نفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكون كل واحد منهم إلى أب و أم إنسانين فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين و لا يتكرم إلا بالتقوى، و أما آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة، و أنهم على كثرتهم رجالا و نساء إنما اشتقوا من أصل واحد و تشعبوا من منشإ واحد فصاروا كثيرا على ما هو ظاهر قوله: {وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً}، و هذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المراد من النفس الواحدة و زوجها مطلق الذكر و الأنثى الناسلين من الإنسان على أنه لا يناسب غرض السورة أيضا كما تقدم بيانه. 

  • و أما قوله: {وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} فقد قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر و الأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج‌، و لكل قرينين فيها و في غيرها: زوج كالخف و النعل، و لكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج، إلى أن قال: و زوجه لغة رديئة، انتهى. 

  • و ظاهر الجملة أعني قوله: {وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أنها بيان لكون زوجها من نوعها بالتماثل و أن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعا إلى فردين متماثلين متشابهين فلفظة من نشوئية و الآية في مساق قوله تعالى: {وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً}: الروم ٢١، و قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً}: النحل- ٧٢، و قوله تعالى: {فَاطِرُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَ مِنَ اَلْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}: الشورى- ١١، و نظيرها قوله: {وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}: الذاريات -٤٩، فما في بعض التفاسير: أن المراد بالآية كون زوج هذه النفس مشتقة منها و خلقها من بعضها وفاقا لما في بعض الأخبار: أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه مما لا دليل عليه من الآية. 

  • و أما قوله: {وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً}، البث‌ هو التفريق بالإثارة و نحوها قال تعالى: {فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا}: الواقعة -٦، و منه بث الغم و لذلك ربما يطلق البث و يراد به الغم لأنه مبثوث يبثه الإنسان بالطبع، قال تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اَللَّهِ}: يوسف- ٨٦، أي غمي و حزني. 

  • و ظاهر الآية أن النسل الموجود من الإنسان ينتهي إلى آدم و زوجته من غير 

تفسير الميزان ج٤

137
  • أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و لم يقل: منهما و من غيرهما، و يتفرع عليه أمران: 

  • أحدهما: أن المراد بقوله: {رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً} أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: و بثكم منهما أيها الناس. 

  • و ثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم و زوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة و الأخوات (ازدواج البنين بالبنات) إذ الذكور و الإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ، و لا ضير فيه فإنه حكم تشريعي راجع إلى الله سبحانه فله أن يبيحه يوما و يحرمه آخر، قال تعالى: {وَ اَللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}: الرعد -٤١، و قال: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}: يوسف- ٤٠، و قال: {وَ لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}: الكهف- ٢٦، و قال: {وَ هُوَ اَللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْأُولىَ وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُ اَلْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: القصص- ٧٠. 

  • قوله تعالى{وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ} المراد بالتساؤل‌ سؤال بعض الناس بعضا بالله، يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا و كذا هو إقسام به تعالى، و التساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظما عندهم محبوبا لديهم فإن الإنسان إنما يقسم بشي‌ء يعظمه و يحبه. 

  • و أما قوله: {وَ اَلْأَرْحَامَ} فظاهره أنه معطوف على لفظ الجلالة، و المعنى: و اتقوا الأرحام، و ربما قيل: إنه معطوف على محل الضمير في قوله: به و هو النصب يقال: مررت بزيد و عمرا، و ربما أيدته قراءة حمزة: و الأرحام بالجر عطفا على الضمير المتصل المجرور و إن ضعفه النحاة فيصير المعنى: و اتقوا الله الذي تساءلون به و بالأرحام يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله و أسألك بالرحم، هذا ما قيل، لكن السياق و دأب القرآن في بياناته لا يلائمانه فإن قوله: {وَ اَلْأَرْحَامَ} إن جعل صلة مستقلة للذي، و كان تقدير الكلام: و اتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام كان خاليا من الضمير و هو غير جائز، و إن كان المجموع منه و مما قبله صلة واحدة للذي كان فيه تسوية بين الله عز اسمه و بين الأرحام في أمر العظمة و العزة و هي تنافي أدب القرآن. 

  • و أما نسبة التقوى إلى الأرحام كنسبته إليه تعالى فلا ضير فيها بعد انتهاء 

تفسير الميزان ج٤

138
  • الأرحام إلى صنعه و خلقه تعالى، و قد نسب التقوى في كلامه تعالى إلى غيره كما في قوله: {وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ}: «البقرة: ٢٨١»، و قوله: {وَ اِتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: «آل عمران: ١٣١»، و قوله: {وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}: «الأنفال: ٢٥». 

  • و كيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق و التضييق بعد التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه أعني قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا} إلى قوله: {وَ نِسَاءً}، فإن محصل معنى الشطر الأول: أن اتقوا الله من جهة ربوبيته لكم، و من جهة خلقه و جعله إياكم معاشر أفراد الإنسان من سنخ واحد محفوظ فيكم و مادة محفوظة متكثرة بتكثركم، و ذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية، و محصل معنى هذا الشطر: أن اتقوا الله من جهة عظمته و عزته عندكم (و ذلك من شئون الربوبية و فروعها) و اتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم (و الرحم شعبة من شعب الوحدة و السنخية السارية بين أفراد الإنسان). 

  • و من هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى و إعادته ثانيا في الجملة الثانية فإن الجملة الثانية في الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة و هي إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام. 

  • و الرحم‌ في الأصل رحم المرأة و هي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة وليدا، ثم أستعير للقرابة بعلاقة الظرف و المظروف لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة، فالرحم هو القريب و الأرحام الأقرباء، و قد اعتنى القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم و الأمة، فإن الرحم مجتمع صغير كما أن القوم مجتمع كبير، و قد اعتنى القرآن بأمر المجتمع و عده حقيقة ذات خواص و آثار كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان و عده حقيقة ذات خواص و آثار تستمد من الوجود، قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}: «الفرقان: ٥٤» و قال تعالى: {وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}: «الحجرات: ١٣»، و قال تعالى: {وَ أُولُوا اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اَللَّهِ}: «الأحزاب: ٦»، و قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}: «سورة محمد: ٢٢»، 

تفسير الميزان ج٤

139
  • و قال تعالى: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} (الآية): «النساء: ٩»، إلى غير ذلك من الآيات. 

  • قوله تعالى{إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}الرقيب‌ الحفيظ و المراقبة المحافظة، و كأنه مأخوذ من الرقبة بعناية أنهم كانوا يحفظون رقاب عبيدهم، أو أن الرقيب كان يتطلع على من كان يرقبه برفع رقبته و مد عنقه، و ليس الرقوب مطلق الحفظ بل هو الحفظ على أعمال المرقوب من حركاته و سكناته لإصلاح موارد الخلل و الفساد أو ضبطها، فكأنه حفظ الشي‌ء مع العناية به علما و شهودا و لذا يستعمل بمعنى الحراسة و الانتظار و المحاذرة و الرصد، و الله سبحانه رقيب لأنه يحفظ على العباد أعمالهم ليجزيهم بها، قال تعالى: {وَ رَبُّكَ عَلىَ كُلِّ شَيْ‌ءٍ حَفِيظٌ}: «سبأ: ٢١»، و قال: {اَللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}: «الشورى: ٦»، و قال: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}: «الفجر: ١٤». 

  • و في تعليل الأمر بالتقوى في الوحدة الإنسانية السارية بين أفراده و حفظ آثارها اللازمة لها، بكونه تعالى رقيبا أعظم التحذير و التخويف بالمخالفة، و بالتدبر فيه يظهر ارتباط الآيات المتعرضة لأمر البغي و الظلم و الفساد في الأرض و الطغيان و غير ذلك، و ما وقع فيها من التهديد و الإنذار، بهذا الغرض الإلهي و هو وقاية الوحدة الإنسانية من الفساد و السقوط.

  • كلام في عمر النوع الإنساني و الإنسان الأولي 

  • يذكر تاريخ اليهود أن عمر هذا النوع لا يزيد على ما يقرب من سبعة آلاف سنة و الاعتبار يساعده فإنا لو فرضنا ذكرا و أنثى زوجين اثنين من هذا النوع و فرضناهما عائشين زمانا متوسطا من العمر في مزاج متوسط في وضع متوسط من الأمن و الخصب و الرفاهية و مساعدة سائر العوامل و الشرائط المؤثرة في حياة الإنسان ثم فرضناهما و قد تزوجا و تناسلا و توالدا في أوضاع متوسطة متناسبة ثم جعلنا الفرض بعينه مطردا فيما أولدا من البنين و البنات على ما يعطيه متوسط الحال في جميع ذلك وجدنا ما فرضناه من العدد أولا و هو اثنان فقط يتجاوز في قرن واحد (رأس المائة) الألف أي إن كل نسمة يولد في المائة سنة ما يقرب من خمس مائة نسمة. 

تفسير الميزان ج٤

140
  • ثم إذا اعتبرنا ما يتصدم به الإنسان من العوامل المضادة له في الوجود و البلايا العامة لنوعه من الحر و البرد و الطوفان و الزلزلة و الجدب و الوباء و الطاعون و الخسف و الهدم و المقاتل الذريعة و المصائب الأخرى غير العامة، و أعطيناها حظها من هذا النوع أوفر حظ، و بالغنا في ذلك حتى أخذنا الفناء يعم الأفراد بنسبة تسعمائة و تسعة و تسعين إلى الألف، و أنه لا يبقى في كل مائة سنة من الألف إلا واحد أي إن عامل التناسل في كل مائة سنة يزيد على كل اثنين بواحد و هو واحد من ألف. 

  • ثم إذا صعدنا بالعدد المفروض أولا بهذا الميزان إلى مدة سبعة آلاف سنة (٧٠قرنا) وجدناه تجاوز بليونين و نصفا، و هو عدد النفوس الإنسانية اليوم على ما يذكره الإحصاء العالمي. 

  • فهذه الاعتبار يؤيد ما ذكر من عمر نوع الإنسان في الدنيا لكن علماء الجيولوجي (علم طبقات الأرض) ذكروا أن عمر هذا النوع يزيد على مليونات من السنين، و قد وجدوا من الفسيلات الإنسانية و الأجساد و الآثار ما يتقدم عهده على خمس مائة ألف سنة على ما استظهروه، فهذا ما عندهم، غير أنه لا دليل معهم يقنع الإنسان و يرضي النفس باتصال النسل بين هذه الأعقاب الخالية و الأمم الماضية من غير انقطاع، فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه الأرض ثم كثر و نما و عاش ثم انقرض ثم تكرر الظهور و الانقراض و دار الأمر على ذلك عدة أدوار، على أن يكون نسلنا الحاضر هو آخر هذه الأدوار. 

  • و أما القرآن الكريم فإنه لم يتعرض تصريحا لبيان أن ظهور هذا النوع هل ينحصر في هذه الدورة التي نحن فيها أو أن له أدوارا متعددة نحن في آخرها؟ و إن كان ربما يستشم من قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ} (الآية): «البقرة: ٣٠»، سبق دورة إنسانية أخرى على هذه الدورة الحاضرة، و قد تقدمت الإشارة إليه في تفسير الآية. 

  • نعم في بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) ما يثبت للإنسانية أدوارا كثيرة قبل هذه الدورة و سيجي‌ء في البحث الروائي. 

تفسير الميزان ج٤

141
  • كلام في أن النسل الحاضر ينتهي إلى آدم و زوجته 

  • ربما قيل: إن اختلاف الألوان في أفراد الإنسان و عمدتها البياض كلون أهل النقاط المعتدلة من آسيا و أوربا، و السواد كلون أهل إفريقيا الجنوبية، و الصفرة كلون أهل الصين و اليابان، و الحمرة كلون الهنود الأمريكيين يقضي بانتهاء النسل في كل لون إلى غير ما ينتهي إليه نسل اللون الآخر لما في اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء و على هذا فالمبادي الأول لمجموع الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة. 

  • و ربما يستدل عليه بأن قارة أمريكا انكشفت و لها أهل و هم منقطعون عن الإنسان القاطن في نصف الكرة الشرقي بالبعد الشاسع الذي بينهما انقطاعا لا يرجى و لا يحتمل معه أن النسلين يتصلان بانتهائهما إلى أب واحد و أم واحدة، و الدليلان كما ترى مدخولان: 

  • أما مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان فلأن الأبحاث الطبيعية اليوم مبنية على فرضية التطور في الأنواع، و مع هذا البناء كيف يطمأن بعدم استناد اختلاف الدماء فاختلاف الألوان إلى وقوع التطور في هذا النوع و قد جزموا بوقوع تطورات في كثير من الأنواع الحيوانية كالفرس و الغنم و الفيل و غيرها، و قد ظفر البحث و الفحص بآثار أرضية كثيرة يكشف عن ذلك؟ على أن العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء۱

  • و أما مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار فإن العهد الإنساني على ما يذكره علماء الطبيعة يزهو إلى ملايين من السنين، و الذي يضبطه التاريخ النقلي لا يزيد على ستة آلاف سنة، و إذا كان كذلك فما المانع من حدوث حوادث فيما قبل التاريخ تجزي قارة أمريكا عن سائر القارات، و هناك آثار أرضية كثيرة تدل على تغييرات هامة في سطح الأرض بمرور الدهور من تبدل بحر إلى بر و بالعكس، و سهل إلى جبل و بالعكس، و ما هو أعظم من ذلك كتبدل القطبين و المنطقة على ما يشرحه علوم 

    1.  و قد ورد في الجرائد في هذه الأيام: أن جمعا من الأطباء قد اكتشفوا فورمول طبي يغير به لون بشرة الإنسان كالسواد إلى البياض مثلا.

تفسير الميزان ج٤

142
  • طبقات الأرض و الهيئة و الجغرافيا فلا يبقى لهذا المستدل إلا الاستبعاد فقط هذا. 

  • و أما القرآن فظاهره القريب من النص أن هذا النسل الحاضر المشهود من الإنسان ينتهي بالارتقاء إلى ذكر و أنثى هما الأب و الأم لجميع الأفراد أما الأب فقد سماه الله تعالى في كتابه بآدم، و أما زوجته فلم يسمها في كتابه و لكن الروايات تسميها حواء كما في التوراة الموجودة، قال تعالى: {وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}: «الم السجدة: ٨» و قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسىَ عِنْدَ اَللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: «آل عمران: ٥٩» و قال تعالى: {وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (الآية): «البقرة: ٣١» و قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (الآيات): «ص: ٧٢» فإن الآيات كما ترى تشهد بأن سنة الله في بقاء هذا النسل أن يتسبب إليه بالنطفة لكنه أظهره حينما أظهره بخلقه من تراب، و أن آدم خلق من تراب و أن الناس بنوه، فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم و زوجته مما لا ريب فيه و إن لم تمتنع من التأويل. 

  • و ربما قيل: إن المراد بآدم في آيات الخلقة و السجدة آدم النوعي دون الشخصي كان مطلق الإنسان من حيث انتهاء خلقه إلى الأرض و من حيث قيامه بأمر النسل و الإيلاد سمي بآدم، و ربما استظهر ذلك من قوله تعالى: {وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ}: «الأعراف: ١١» فإنه لا يخلو عن إشعار بأن الملائكة إنما أمروا بالسجدة لمن هيأه الله لها بالخلق و التصوير و قد ذكرت الآية أنه جميع الأفراد لا شخص إنساني واحد معين حيث قال: {وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}، و هكذا قوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}«إلى أن قال»: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}«إلى أن قال»: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ}: «ص: ٨٣» حيث أبدل ما ذكره مفردا أولا من الجمع ثانيا. 

  • و يرده مضافا إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلناه من الآيات ظاهر قوله تعالى بعد سرد قصة آدم و سجدة الملائكة و إباء إبليس في سورة الأعراف‌{يَا بَنِي آدَمَ 

تفسير الميزان ج٤

143
  • لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا}: «الأعراف: ٢٧» فظهور الآية في شخصية آدم مما لا ينبغي أن يرتاب فيه. 

  • و كذا قوله تعالى: {وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَ رَأَيْتَكَ هَذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‌َ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}: «إسراء: ٦٢»، و كذا الآية المبحوث عنها{يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً} (الآية)، بالتقريب الذي مر بيانه. 

  • فالآيات كما ترى تأبى أن يسمى الإنسان آدم باعتبار و ابن آدم باعتبار آخر، و كذا تأبى أن تنسب الخلقة إلى التراب باعتبار و إلى النطفة باعتبار آخر و خاصة في مثل قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسىَ عِنْدَ اَللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (الآية)، و إلا لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية. فالقول بآدم النوعي في حد التفريط، و الإفراط الذي يقابله قول بعضهم: إن القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنة.

  • كلام في أن الإنسان نوع مستقل غير متحول من نوع آخر 

  • الآيات السابقة تكفي مئونة هذا البحث فإنها تنهي هذا النسل الجاري بالنطفة إلى آدم و زوجته و تبين أنهما خلقا من تراب فالإنسانية تنتهي إليهما و هما لا يتصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما و إنما حدثا حدوثا. 

  • و الشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أن الإنسان الأول فرد تكامل إنسانا و هذه الفرضية بخصوصها و إن لم يتسلمها الجميع تسلما يقطع الكلام و اعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب لكن أصل الفرضية و هي «أن الإنسان حيوان تحول إنسانا» مما تسلموه و بنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان. 

  • فإنهم فرضوا أن الأرض و هي أحد الكواكب السيارة قطعة من الشمس 

تفسير الميزان ج٤

144
  • مشتقة منها و قد كانت في حال الاشتعال و الذوبان ثم أخذت في التبرد من تسلط عوامل البرودة، و كانت تنزل عليها أمطار غزيرة و تجري عليها السيول و تتكون فيها البحار ثم حدثت تراكيب مائية و أرضية فحدثت النباتات المائية ثم حدثت بتكامل النبات و اشتمالها على جراثيم الحياة السمك و سائر الحيوان المائي ثم السمك الطائر ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان، كل ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة يتحول به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة فالنبات ثم الحيوان المائي ثم الحيوان ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان على الترتيب هذا. 

  • كل ذلك لما يشاهد من الكمال المنظم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال و لما يعطيه التجريب في موارد جزئية التطور. 

  • و هذه فرضية افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص و الآثار من غير قيام دليل عليها بالخصوص و نفي ما عداها مع إمكان فرض هذه الأنواع متباينة من غير اتصال بينها بالتطور و قصر التطور على حالات هذه الأنواع دون ذواتها و هي التي جرى فيها التجارب فإن التجارب لم يتناول فردا من أفراد هذه الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان و إنما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصها و لوازمها و أعراضها. 

  • و استقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع، و إنما المقصود الإشارة إلى أنه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل قاطع فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعا مفصولا عن سائر الأنواع غير معارضة بشي‌ء علمي. 

  • كلام في تناسل الطبقة الثانية من الإنسان‌ 

  • الطبقة الأولى من الإنسان و هي آدم و زوجته تناسلت بالازدواج فأولدت بنين و بنات (إخوة و أخوات) فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم و هم إخوة و أخوات أو بطريق غير ذلك؟ ظاهر إطلاق قوله تعالى: {وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً} (الآية) على ما تقدم من التقريب أن النسل الموجود من الإنسان إنما ينتهي إلى آدم و زوجته من 

تفسير الميزان ج٤

145
  • غير أن يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أنثى و لم يذكر القرآن للبث إلا إياهما، و لو كان لغيرهما شركة في ذلك لقال: {وَ بَثَّ مِنْهُمَا} و من غيرهما، أو ذكر ذلك بما يناسبه من اللفظ، و من المعلوم أن انحصار مبدإ النسل في آدم و زوجته يقضي بازدواج بنيهما من بناتهما. 

  • و أما الحكم بحرمته في الإسلام و كذا في الشرائع السابقة عليه على ما يحكى فإنما هو حكم تشريعي يتبع المصالح و المفاسد لا تكويني غير قابل للتغيير، و زمامه بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد فمن الجائز أن يبيحه يوما لاستدعاء الضرورة ذلك ثم يحرمه بعد ذلك لارتفاع الحاجة و استيجابه انتشار الفحشاء في المجتمع. 

  • و القول بأنه على خلاف الفطرة و ما شرعه الله لأنبيائه دين فطري، قال تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ}«الروم: ٣٠»، فاسد فإن الفطرة لا تنفيه و لا تدعو إلى خلافه من جهة تنفرها عن هذا النوع من المباشرة (مباشرة الأخ الأخت) و إنما تبغضه و تنفيه من جهة تأديته إلى شيوع الفحشاء و المنكر و بطلان غريزة العفة بذلك و ارتفاعها عن المجتمع الإنساني، و من المعلوم أن هذا النوع من التماس و المباشرة إنما ينطبق عليه عنوان الفجور و الفحشاء في المجتمع العالمي اليوم، و أما المجتمع يوم ليس هناك بحسب ما خلق الله سبحانه إلا الإخوة و الأخوات و المشية الإلهية متعلقه بتكثرهم و انبثاثهم فلا ينطبق عليه هذا العنوان. 

  • و الدليل على أن الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزية تداوله بين المجوس أعصارا طويلة (على ما يقصه التاريخ) و شيوعه قانونيا في روسيا (على ما يحكى) و كذا شيوعه سفاحا من غير طريق الازدواج القانوني في أوربا۱

  • و ربما يقال: إنه مخالف للقوانين الطبيعية و هي التي تجري في الإنسان قبل عقده 

    1.  من العادات الرائجة في هذه الأزمنة في الملل المتمدنة من أوربا و أمريكا: أن الفتيات يزلن بكارتهن قبل الازدواج القانوني و البلوغ إلى سنه و قد أنتج الإحصاء أن بعضها إنما هو من ناحية آبائهن أو إخوانهن.

تفسير الميزان ج٤

146
  • المجتمع الصالح لإسعاده فإن الاختلاط و الاستيناس في المجتمع المنزلي يبطل غريزة التعشق و الميل الغريزي بين الإخوة و الأخوات كما ذكره بعض علماء الحقوق‌۱

  • و فيه أنه ممنوع كما تقدم أولا، و مقصور في صورة عدم الحاجة الضرورية ثانيا، و مخصوص بما لا تكون القوانين الوضعية غير الطبيعية حافظة للصلاح الواجب الحفظ في المجتمع، و متكفلة لسعادة المجتمعين و إلا فمعظم القوانين المعمولة و الأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعية. 

  • (بحث روائي)

  • في التوحيد عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: لعلك ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم؟ بلى و الله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين. 

  • أقول: و نقل ابن ميثم في شرح نهج البلاغة عن الباقر (عليه السلام) ما في معناه، و رواه الصدوق في الخصال أيضا. 

  • و في الخصال عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله تعالى خلق اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات و سبع أرضين ما يرى عالم منهم أن الله عز و جل عالما غيرهم. 

  • و فيه عن أبي جعفر (عليه السلام): لقد خلق الله عز و جل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه ثم خلق الله عز و جل آدم أبا البشر و خلق ذريته منه، الحديث. 

  • و في نهج البيان للشيباني عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): من أي شي‌ء خلق الله حواء؟ فقال (عليه السلام): أي شي‌ء يقولون هذا الخلق؟ قلت يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال: كذبوا أ كان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟ فقلت: جعلت فداك من أي شي‌ء خلقها؟ فقال: أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن الله تبارك و تعالى قبض قبضة من طين فخلطها 

    1. مونتسكيو في كتابه روح القوانين.

تفسير الميزان ج٤

147
  • بيمينه و كلتا يديه يمين فخلق منها آدم، و فضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء.

  • أقول: و رواه الصدوق عن عمرو مثله‌، و هناك روايات أخر تدل على أنها خلقت من خلف آدم و هو أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر، و كذا ورد في التوراة في الفصل الثاني من سفر التكوين، و هذا المعنى و إن لم يستلزم في نفسه محالا إلا أن الآيات القرآنية خالية عن الدلالة عليها كما تقدم. 

  • و في الإحتجاج عن السجاد (عليه السلام) في حديث له مع قرشي يصف فيه تزويج هابيل بلوزا أخت قابيل و تزويج قابيل بإقليما أخت هابيل، قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟ قال: نعم، فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال: إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، ثم قال له: لا تنكر هذا إنما هي شرائع الله جرت، أ ليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك، الحديث. 

  • أقول: و هذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب و الاعتبار، و هناك روايات أخر تعارضها و هي تدل على أنهم تزوجوا بمن نزل إليهم من الحور و الجان و قد عرفت الحق في ذلك. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ}، عن الباقر (عليه السلام): و اتقوا الأرحام أن تقطعوها.

  • أقول: و بناؤه على قراءة النصب. 

  • و في الكافي و تفسير العياشي: هي أرحام الناس إن الله عز و جل أمر بصلتها و عظمها، أ لا ترى أنه جعلها معه؟

  • أقول: قوله: أ لا ترى «إلخ» بيان لوجه التعظيم، و المراد بجعلها معه الاقتران الواقع في قوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ}

  • و في الدر المنثور أخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: {اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ} قال: قال ابن عباس: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): يقول الله تعالى: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا و خير لكم في آخرتكم. 

تفسير الميزان ج٤

148
  • أقول: قوله: فإنه أبقى لكم «إلخ»، إشارة إلى ما ورد مستفيضا: أن صلة الرحم تزيد في العمر و قطعها بالعكس من ذلك، و يمكن أن يستأنس لوجهه بما سيأتي في تفسير قوله تعالى: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} (الآية): «النساء: ٩». 

  • و يمكن أن يكون المراد بكونه أبقى كون الصلة أبقى للحياة من حيث أثرها فإن الصلة تحكم الوحدة السارية بين الأقارب فيتقوى بذلك الإنسان قبال العوامل المخالفة لحياته المضادة لرفاهية عيشه من البلايا و المصائب و الأعداء. 

  • و في تفسير العياشي عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه فإن الرحم إذا مستها الرحم استقرت، و إنها متعلقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد فتنادي: اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني و ذلك قول الله في كتابه: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، و أيما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض من فوره فإنه يذهب رجز الشيطان.

  • أقول: و الرحم كما عرفت هي جهة الوحدة الموجودة بين أشخاص الإنسان من حيث اتصال مادة وجودهم في الولادة من أب و أم أو أحدهما، و هي جهة حقيقية سائرة بين أولي الأرحام لها آثار حقيقية خلقية و خلقية، و روحية و جسمية غير قابلة الإنكار و إن كان ربما توجد معها عوامل مخالفة تضعف أثرها أو تبطله بعض الإبطال حتى يلحق بالعدم و لن يبطل من رأس. 

  • و كيف كان فالرحم من أقوى أسباب الالتيام الطبيعي بين أفراد العشيرة، مستعدة للتأثير أقوى الاستعداد، و لذلك كان ما ينتجه المعروف بين الأرحام أقوى و أشد مما ينتجه ذلك بين الأجانب، و كذلك الإساءة في مورد الأقارب أشد أثرا منها في مورد الأجانب. 

  • و بذلك يظهر معنى قوله (عليه السلام): فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه «إلخ»، فإن الدنو من ذي الرحم رعاية لحكمها و تقوية لجانبها فتتنبه بسببه و تحرك لحكمها و يتجدد أثرها بظهور الرأفة و المحبة. 

تفسير الميزان ج٤

149
  • و كذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: و أيما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض «إلخ»، فإن الغضب إذا كان عن طيش النفس و نزقها كان في ظهوره و غليانه مستندا إلى هواها و إغفال الشيطان إياها و صرفها إلى أسباب واهية وهمية، و في تغيير الحال من القيام إلى القعود صرف النفس عن شأن إلى شأن جديد يمكنها بذلك أن تشتغل بالسبب الجديد فتنصرف عن الغضب بذلك لأن نفس الإنسان بحسب الفطرة أميل إلى الرحمة منها إلى الغضب و لذلك بعينه ورد في بعض الروايات مطلق تغيير الحال في حال الغضب كما في المجالس عن الصادق عن أبيه (عليه السلام): أنه ذكر الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبدا، و يدخل بذلك النار، فأيما رجل غضب و هو قائم فليجلس فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، و إن كان جالسا فليقم، و أيما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه و ليدن منه و ليمسه فإن الرحم إذا مست الرحم سكنت‌.

  • أقول: و تأثيره محسوس مجرب. 

  • قوله (عليه السلام): و إنها متعلقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد «إلخ» أي تحدث فيه صوتا مثل ما يحدث في الحديد بالنقر، و في الصحاح: الإنقاض‌ صويت مثل النقر، و قد تقدم في الكلام على الكرسي إشارة إجمالية سيأتي تفصيلها في الكلام على العرش: أن المراد بالعرش مقام العلم الإجمالي الفعلي بالحوادث و هو من الوجود المرحلة التي تجتمع عندها شتات أزمة الحوادث و متفرقات الأسباب و العلل الكونية فهي تحرك وحدها سلاسل العلل و الأسباب المختلفة المتفرقة أي تتعلق بروحها الساري فيها المحرك لها كما أن أزمة المملكة على اختلاف جهاتها و شئونها و أشكالها تجتمع في عرش الملك و الكلمة الواحدة الصادرة منه تحرك سلاسل القوى و المقامات الفعالة في المملكة و تظهر في كل مورد بما يناسبه من الشكل و الأثر. 

  • و الرحم كما عرفت حقيقة هي كالروح السالب في قوالب الأشخاص الذين يجمعهم جامع القرابة فهي من متعلقات العرش فإذا ظلمت و اضطهدت لاذت بما تعلقت به و استنصرت، و هو قوله (عليه السلام): تنقضه انتقاض الحديد، و هو من أبدع التمثيلات شبه فيه ما يحدث في هذا الحال بالنقر الواقع على الحديد الذي يحدث فيه رنينا يستوعب بالارتعاش و الاهتزاز جميع جسامة الحديد كما في نقر الأجراس و الجامات و غيرها. 

تفسير الميزان ج٤

150
  • قوله (عليه السلام): فتنادي اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني، حكاية لفحوى التجائها و استنصارها، و في الروايات الكثيرة أن صلة الرحم تزيد في العمر و أن قطعها يقطعه و قد مر في البحث عن ارتباط الأعمال و الحوادث الخارجية من أحكام الأعمال في الجزء الثاني من الكتاب أن مدير هذا النظام الكوني يسوقه نحو الأغراض و الغايات الصالحة، و لن يهمل في ذلك، و إذا فسد جزء أو أجزاء منه عالج ذلك إما بإصلاح أو بالحذف و الإزالة، و قاطع الرحم يحارب الله في تكوينه فإن لم يصلح بالاستصلاح بتر الله عمره و قطع دابره، و أما أن الإنسان اليوم لا يحس بهذه الحقيقة و أمثالها فلا غرو لأن الأدواء قد أحاطت بجثمان الإنسانية فاختلطت و تشابهت و أزمنت فالحس لا يجد فراغا يقوى به على إدراك الألم و العذاب. 

  •  

  • [سورة النساء (٤): الآیات ٢ الی ٦ ]

  • {وَ آتُوا اَلْيَتَامى‌ أَمْوَالَهُمْ وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلى‌ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ٢ وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامى‌ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ مَثْنى‌ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنى‌ أَلاَّ تَعُولُوا ٣ وَ آتُوا اَلنِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ٤ وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ٥ وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتَامى‌ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَ لاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَ بِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ

تفسير الميزان ج٤

151
  • فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى‌ بِاللَّهِ حَسِيباً ٦}

  • (بيان‌) 

  • الآيات تتمة التمهيد و التوطئة التي وضعت في أول السورة لبيان أحكام المواريث و عمدة أحكام التزويج كعدد النساء و تعيين المحارم و هذان البابان من أكبر أبواب القوانين الحاكمة في المجتمع الإنساني و أعظمها، و لهما أعظم التأثير في تكون المجتمع و بقائه فإن النكاح يتعين به وضع المواليد من الإنسان الذين هم أجزاء المجتمع و العوامل التي تكونه، و الإرث يتعلق بتقسيم الثروة الموجودة في الدنيا التي يبتني عليها بنية المجتمع في عيشته و بقائه. 

  • و قد تعرضت الآيات في ضمن بيانها للنهي عن الزنى و السفاح و النهي عن أكل المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض و عند ذلك تأسس أساسان قيمان لأمر المجتمع في أهم ما يشكله و هو أمر المواليد و أمر المال. 

  • و من هنا يظهر وجه العناية بالتمهيد المسوق لبيان هذه الأحكام التي تعلقت بالاجتماع الإنساني و نشبت في أصوله و جذوره. و صرف الناس عما اعتادت عليه جماعتهم، و التحمت عليه أفكارهم، و نبتت عليه لحومهم، و مات عليه أسلافهم، و نشأ عليه أخلافهم عسير كل العسر. 

  • و هذا شأن ما شرع في صدر هذه السورة من الأحكام المذكورة، يتضح ذلك بتأمل إجمالي في وضع العالم الإنساني يومئذ بالعموم و في وضع العالم العربي و (دارهم دار نزول القرآن و ظهور الإسلام) بالخصوص، و في كيفية تدرج القرآن في نزوله و ظهور الأحكام الإسلامية في تشريعها.

  • كلام في الجاهلية الأولى‌ 

  • القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية، و ليس إلا إشارة منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم، و المسيطر عليهم في كل شي‌ء الباطل 

تفسير الميزان ج٤

152
  •  و سفر الرأي دون الحق، و كذلك كانوا على ما يقصه القرآن من شئونهم، قال تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجَاهِلِيَّةِ}: آل عمران- ١٥٤، و قال: {أَ فَحُكْمَ اَلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}: المائدة -٥٠، و قال: {إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجَاهِلِيَّةِ}: الفتح- ٢٦، و قال: {وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجَاهِلِيَّةِ اَلْأُولىَ}: الأحزاب- ٣٣. 

  • كانت العرب يومئذ تجاور في جنوبها الحبشة و هي نصرانية، و في مغربها إمبراطورية الروم و هي نصرانية، و في شمالها الفرس و هم مجوس، و في غير ذلك الهند و مصر و هما وثنيتان و في أرضهم طوائف من اليهود، و هم أعني العرب مع ذلك وثنيون يعيش أغلبهم عيشة القبائل، و هذا كله هو الذي أوجد لهم اجتماعا همجيا بدويا فيه أخلاط من رسوم اليهودية و النصرانية و المجوسية و هم سكارى جهالتهم، قال تعالى: {وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}: الأنعام- ١١٦. 

  • و قد كانت العشائر و هم البدو على ما لهم من خساسة العيش و دناءته يعيشون بالغزوات و شن الغارات و اختطاف كل ما في أيدي آخرين من متاع أو عرض فلا أمن بينهم و لا أمانة، و لا سلم و لا سلامة، و الأمر إلى من غلب و الملك لمن وضع عليه يده. 

  • أما الرجال فالفضيلة بينهم سفك الدماء و الحمية الجاهلية و الكبر و الغرور و اتباع الظالمين و هضم حقوق المظلومين و التعادي و التنافس و القمار و شرب الخمر و الزنا و أكل الميتة و الدم و حشف التمر. 

  • و أما النساء فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسهن إرادة و لا من أعمالهن عملا و لا يملكن ميراثا و يتزوج بهن الرجال من غير تحديد بحد كما عند اليهود و بعض الوثنية و مع ذلك فقد كن يتبرجن بالزينة و يدعون من أحببن إلى أنفسهن و فشا فيهن الزنا و السفاح حتى في المحصنات المزوجات منهن، و من عجيب بروزهن أنهن ربما كن يأتين بالحج عاريات. 

  • و أما الأولاد فكانوا ينسبون إلى الآباء لكنهم لا يورثون صغارا و يذهب الكبار بالميراث و من الميراث زوجة المتوفى، و يحرم الصغار ذكورا و إناثا و النساء. 

  • غير أن المتوفى لو ترك صغيرا ورثه لكن الأقوياء يتولون أمر اليتيم و يأكلون 

تفسير الميزان ج٤

153
  • ماله، و لو كان اليتيم بنتا تزوجوها و أكلوا مالها ثم طلقوها و خلوا سبيلها فلا مال تقتات به و لا راغب في نكاحها ينفق عليها و الابتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لمكان دوام الحروب و الغزوات و الغارات فبالطبع كان القتل شائعا بينهم. 

  • و كان من شقاء أولادهم أن بلادهم الخربة و أراضيهم القفر البائرة كان يسرع الجدب و القحط إليها فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق «الأنعام آية- ١٥١»، و كانوا يئدون البنات «التكويرآية- ٨»، و كان من أبغض الأشياء عند الرجل أن يبشر بالأنثى «الزخرف آية- ١٧». 

  • و أما وضع الحكومة بينهم فأطراف شبه الجزيرة و إن كانت ربما ملك فيها ملوك تحت حماية أقوى الجيران و أقربها كإيران لنواحي الشمال و الروم لنواحي الغرب و الحبشة لنواحي الجنوب إلا أن قرى الأوساط كمكة و يثرب و الطائف و غيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهورية و ليس بها، و العشائر في البدو بل حتى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها و شيوخها و ربما تبدل الوضع بالسلطنة. 

  • فهذا هو الهرج العجيب الذي كان يبرز في كل عدة معدودة منهم بلون، و يظهر في كل ناحية من أرض شبه الجزيرة في شكل مع الرسوم العجيبة و الاعتقادات الخرافية الدائرة بينهم، و أضف إلى ذلك بلاء الأمية و فقدان التعليم و التعلم في بلادهم فضلا عن العشائر و القبائل. 

  • و جميع ما ذكرناه من أحوالهم و أعمالهم و العادات و الرسوم الدائرة بينهم مما يستفاد من سياق الآيات القرآنية و الخطابات التي تخاطبهم بها أوضح استفادة، فتدبر في المقاصد التي ترومها الآيات و البيانات التي تلقيها إليهم بمكة أولا ثم بعد ظهور الإسلام و قوته بالمدينة ثانيا، و في الأوصاف التي تصفهم بها، و الأمور التي تذمها منهم و تلومهم عليها، و النواهي المتوجهة إليهم في شدتها و ضعفها، إذا تأملت كل ذلك تجد صحة ما تلوناه عليك. على أن التاريخ يذكر جميع ذلك و يتعرض من تفاصيلها ما لم نذكره لإجمال الآيات الكريمة و إيجازها القول فيه. و أوجز كلمة و أوفاها لإفادة جمل هذه المعاني ما سمى القرآن هذا العهد بعهد الجاهلية فقد أجمل في معناها جميع هذه التفاصيل. هذا حال عالم العرب ذلك اليوم. 

تفسير الميزان ج٤

154
  • و أما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الروم و الفرس و الحبشة و الهند و غيرهم فالقرآن يجمل القول فيه. أما أهل الكتاب منهم أعني اليهود و النصارى و من يلحق بهم فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبدادية و التحكمات الفردية من الملوك و الرؤساء و الحكام و العمال فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين طبقة حاكمة فعالة لما تشاء تعبث بالنفس و العرض و المال، و طبقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال و عرض و نفس، و لا حرية إرادة إلا ما وافق من يفوقها، و قد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين و حملة الشرع و أتلفت بهم، و أخذت مجامع قلوب العامة و أفكارهم بأيديهم فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس و دنياهم تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء و أقلامهم و في دنياهم بالسوط و السيف. 

  • و قد اقتسمت الطبقة المحكومة أيضا على حسب قوتها في السطوة و الجدة فيما بينهم نظير الاقتسام الأول (و الناس على دين ملوكهم) إلى طبقتي الأغنياء المترفين و الضعفاء و العجزة و العبيد، و كذا إلى رب البيت و مربوبيه من النساء و الأولاد، و كذا إلى الرجال المالكين لحرية الإرادة و العمل في جميع شئون الحياة و النساء المحرومات من جميع ذلك التابعات للرجال محضا الخادمات لهم في ما أرادوه منهن من غير استقلال و لو يسيرا. 

  • و جوامع هذه الحقائق التاريخية ظاهرة من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلى‌َ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللَّهَ وَ لاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}: «آل عمران: ٦٤» و قد أدرجها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في كتابه إلى هرقل عظيم الروم، و قد قيل إنه كتب بها أيضا إلى عظيم مصر و عظيم الحبشة و ملك الفرس و إلى نجران. 

  • و كذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: «الحجرات: ١٣»، و قوله في ما وصى به التزوج بالإماء و الفتيات: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}: «النساء: ٢٥، و قوله في النساء: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥»، إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و أما غير أهل الكتاب و هم يومئذ الوثنية و من يلحق بهم فقد كان الوضع فيهم أردأ و أشأم من وضع أهل الكتاب، و الآيات النازلة في الاحتجاج عليهم تكشف عن 

تفسير الميزان ج٤

155
  • خيبة سعيهم و خسران صفقتهم في جميع شئون الحياة و ضروب السعادة، قال تعالى: {وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ قُلْ إِنَّمَا يُوحى‌َ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلىَ سَوَاءٍ}: «الأنبياء: ١٠٩»، و قال تعالى: {وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ}: «الأنعام: ١٩».

  • كيف ظهرت الدعوة الإسلامية؟ 

  • كان وضع المجتمع الإنساني يومئذ (عهد الجاهلية) ما سمعته من إكباب الناس على الباطل و سلطة الفساد و الظلم عليهم في جميع شئون الحياة، و هو ذا دين التوحيد و هو الدين الحق يريد أن يؤمر الحق و يوليه عليهم تولية مطلقة، و يطهر قلوبهم من ألواث الشرك، و يزكي أعمالهم و يصلح مجتمعهم بعد ما تعرق الفساد في جذوره و أغصانه و باطنه و ظاهره. 

  • و بالجملة يريد الله ليهديهم إلى الحق الصريح، و ما يريد ليجعل عليهم من حرج و لكن يريد ليطهرهم و ليتم نعمته عليهم، فما هم عليه من الباطل و ما يريد منهم كلمة الحق في نقطتين متقابلتين و قطبين متخالفين، فهل كان يجب أن يستمال منهم البعض و يصلح بهم الباقين من أهل الباطل، ثم بالبعض البعض حرصا على ظهور الحق مهما كان و بأي وسيلة تيسر كما قيل: إن أهمية الغاية تبيح المقدمة و لو كانت محظورة، و هذا هو السلوك السياسي الذي يستعمله أهل السياسة. 

  • و هذا النحو من السلوك إلى الغرض قلما يتخلف عن الإيصال إلى المقاصد في أي باب جرى غير أنه لا يجري في باب الحق الصريح و هو الذي تؤمه الدعوة الإسلامية فإن الغاية وليدة مقدماتها و وسائلها و كيف يمكن أن يلد الباطل حقا و ينتج السقيم صحيحا و الوليد مجموعة مأخوذة من اللذين يلدانه؟ 

  • و بغية السياسة و هواها أن تبلغ السلطة و السيطرة، و تحوز السبق و التصدر و التعين و التمتع بأي نحو اتفق، و على أي وصف من أوصاف الخير و الشر و الحق و الباطل انطبق، و لا هوى لها في الحق، و لكن الدعوة الحقة لا تبتغي إلا الغرض 

تفسير الميزان ج٤

156
  • الحق، و لو توسلت إليه بباطل لكان ذلك منها إمضاء و إنفاذا للباطل فتصير دعوة باطلة لا دعوة حقة. 

  • و لهذه الحقيقة ظهورات بارزة في سيرة رسول الله ص و الطاهرين من آله (عليه السلام). 

  • و بذلك أمره (صلى الله عليه وآله و سلم) ربه و نزل به القرآن في مواطن راودوه فيها للمساهلة أو المداهنة (و لو يسيرا) في أمر الدين، قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَ لاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَ لاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ وَ لاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ}: «سورة الكافرون: ٦١» و قال تعالى و فيه لحن التهديد{وَ لَوْ لاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ اَلْحَيَاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمَاتِ}: «الإسراء: ٧٥» و قال تعالى: {وَ مَا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً}: «الكهف: ٥١» و قال تعالى و هو مثل وسيع المعنى {وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}: «الأعراف: ٥٨». 

  • و إذا كان الحق لا يمازج الباطل و لا يلتئم به فقد أمره الله سبحانه حينما أعبأه ثقل الدعوة بالرفق و التدرج في أمرها بالنظر إلى نفس الدعوة و المدعو و المدعو إليه من ثلاث جهات. 

  • الأولى: من جهة ما اشتمل عليه الدين من المعارف الحقة و القوانين المشرعة التي من شأنها إصلاح شئون المجتمع الإنساني، و قطع منابت الفساد فإن من الصعب المستصعب تبديل عقائد الناس و لا سيما إذا كانت ناشبة في الأخلاق و الأعمال و قد استقرت عليها العادات، و دارت عليها القرون، و سارت عليها الأسلاف، و نشأت عليها الأخلاف و لا سيما إذا عمت كلمة الدين و دعوته جميع شئون الحياة، و استوعبت جميع الحركات الإنسانية و سكناتها في ظاهرها و باطنها في جميع أزمنتها و لجميع أشخاصها و أفرادها و مجتمعاتها من غير استثناء (كما أنه شأن الإسلام) فإن ذلك مما يدهش الفكرة تصوره أو هو محال عادي. 

  • و صعوبة هذا الأمر و مشقته في الأعمال أزيد منها في الاعتقادات فإن استيناس الإنسان و اعتياده و مساسه بالعمل أقدم منه بالاعتقاد، و هو أظهر لحسه و آثر عند 

تفسير الميزان ج٤

157
  • شهواته و أهوائه، و لذلك أظهرت الدعوة الاعتقادات الحقة في أول أمرها جملة لكن القوانين و الشرائع الإلهية ظهرت بالتدريج حكما فحكما. 

  • و بالجملة تدرجت الدعوة في إلقاء مضمراتها إلى الناس لئلا يشمس عن تلقيها الطباع و لا تتزلزل النفوس في نضد بعض أجزاء الدعوة على بعض، و هذا الذي ذكرناه ظاهر للمتدبر الباحث في هذه الحقائق فإنه يجد الآيات القرآنية مختلفة في إلقاء المعارف الإلهية و القوانين المشرعة في مكيتها و مدنيتها. الآيات المكية تدعو إلى كليات أجمل فيها القول، و المدنية و نعني بها ما نزلت بعد الهجرة أينما نزلت تفصل القول و تأتي بالتفاصيل من الأحكام التي سبقت في المكية كلياتها و مجملاتها، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ اَلْإِنْسَانَ لَيَطْغى‌َ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‌َ إِنَّ إِلى‌َ رَبِّكَ اَلرُّجْعى‌َ أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‌َ عَبْداً إِذَا صَلَّى أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى اَلْهُدى‌َ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى‌َ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللَّهَ يَرى‌َ}: «العلق: ١٤» و الآيات نازلة في أول الرسالة بعد النبوة على ما مرت إليه الإشارة في آيات الصوم من الجزء الثاني، و فيها إجمال التوحيد و المعاد، و إجمال أمر التقوى و العبادة. 

  • و قال تعالى{يَا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ}: «المدثر: ٣» و هي أيضا من الآيات النازلة في أول البعثة، و قال تعالى: {وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}: «الشمس: ١٠»، و قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}: «الأعلى: ١٥» و قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىَ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اِسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}: «حم السجدة: ٨» و هذه الآيات أيضا من الآيات النازلة في أوائل البعثة. 

  • و قال تعالى{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لاَ تَقْرَبُوا اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ لاَ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ لاَ تَقْرَبُوا مَالَ اَلْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ اَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَ إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبى‌َ وَ بِعَهْدِ اَللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: «الأنعام: ١٥٣» 

تفسير الميزان ج٤

158
  • فانظر إلى سياق الآيات الشريفة كيف أجمل القول فيها في النواهي الشرعية أولا، و في الأوامر الشرعية ثانيا، و إنما أجمل بجمع الجميع تحت وصف لا يستنكف حتى العقل العامي من قبوله فإن الفواحش لا يتوقف في شناعتها و لزوم اجتنابها و الكف عنها ذو مسكة، و كذا الاجتماع على صراط مستقيم يؤمن به التفرق و الضعف و الوقوع في الهلكة و الردى لا يرتاب فيه أحد بحكم الغريزة فقد استمد في هذه الدعوة من غرائز المدعوين، و لذلك بعينه ذكر ما ذكر من المحرمات بعنوان التفصيل كعقوق الوالدين و الإساءة إليهما، و قتل الأولاد من إملاق، و قتل النفس المحترمة، و أكل ما اليتيم إلى آخر ما ذكر فإن العواطف الغريزية من الإنسان تؤيد الدعوة في أمرها لاشمئزازها في حالها العادي عن ارتكاب هذه الجرائم و المعاصي، و هناك آيات أخر يعثر عليها المتدبر و يرى أن الحال فيها نظير ما ذكرناه فيما نقلنا من الآيات. 

  • و كيف كان فالآيات المكية شأنها الدعوة إلى مجملات فصلتها بعد ذلك الآيات المدنية، و مع ذلك فالآيات المدنية نفسها لا تخلو عن مثل هذا التدرج فما جميع الأحكام و القوانين الدينية نزلت في المدينة دفعة واحدة بل تدريجا و نجوما. 

  • و يكفيك التدبر في أنموذج منها قد تقدمت الإشارة إليها و هي آيات حرمة الخمر فقد قال تعالى: {وَ مِنْ ثَمَرَاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً}: «النحل: ٦٧»، و الآية مكية ذكر فيها أمر الخمر و سكت عنه إلا ما في قوله: {وَ رِزْقاً حَسَناً} من الإيماء إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن ثم قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ}: «الأعراف: ٣٣» و الآية أيضا مكية تحرم الإثم صريحا لكن لم تبين أن شرب الخمر إثم إرفاقا في الدعوة إلى ترك عادة سيئة اجتذبتهم إليها شهواتهم و نبتت عليها لحومهم و شدت عظامهم، ثم قال: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}: البقرة - ٢١٩، و الآية مدنية تبين أن شرب الخمر من الإثم الذي حرمته آية الأعراف، و لسان الآية كما ترى لسان رفق و نصح، ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصَابُ وَ اَلْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ اَلشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدَاوَةَ وَ اَلْبَغْضَاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ وَ عَنِ اَلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}: «المائدة: ٩١»، و الآية مدنية ختم بها أمر التحريم. 

تفسير الميزان ج٤

159
  • و نظيرها الإرث فقد آخى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أولا بين أصحابه و ورث أحد الأخوين الآخر في أول الأمر إعدادا لهم لما سيشرعه الله في أمر الوراثة، ثم نزل قوله تعالى: {وَ أُولُوا اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اَللَّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهَاجِرِينَ}: «الأحزاب: ٦» و على هذا النحو غالب الأحكام المنسوخة و الناسخة. 

  • ففي جميع هذه الموارد و أشباهها تدرجت الدعوة في إظهار الأحكام و إجرائها أخذا بالإرفاق لحكمة الحفظ لسهولة التحميل و حسن التلقي بالقبول، قال تعالى: {وَ قُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنَّاسِ عَلىَ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}: «الإسراء: ١٠٦» و لو كان القرآن نزل عليه (صلى الله عليه وآله و سلم) دفعة واحدة ثم بين الرسول تفاصيل شرائعه على ما يوظفه عليه قوله تعالى: {وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}: «النحل: ٤٤»، فأتى ببيان جميع معارفه الاعتقادية و الأخلاقية و كليات الأحكام العبادية و القوانين الجارية في المعاملات و السياسات و هكذا لم تستطع الأفهام عندئذ تصورها و حملها فضلا عن قبول الناس لها و عملهم بها و حكومتها على قلوبهم في إرادتها، و على جوارحهم و أبدانهم في فعلها فتنزيله على مكث هو الذي هيأ للدين إمكان القبول و الوقوع في القلوب و قال تعالى: {وَ قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}: «الفرقان: ٣٢» و في الآية دلالة على أنه سبحانه كان يرفق برسوله (صلى الله عليه وآله و سلم) في إنزال القرآن نجوما كما أرفق بأمته فتدبر في ذلك و تأمله و في ذيل الآية قوله: و رتلناه ترتيلا. 

  • و من الواجب أن يتذكر أن السلوك من الإجمال إلى التفصيل و التدرج في إلقاء الأحكام إلى الناس من باب الإرفاق و حسن التربية و رعاية المصلحة غير المداهنة و المساهلة و هو ظاهر. 

  • الثانية: السلوك التدريجي من حيث انتخاب المدعوين و أخذ الترتيب فيهم فمن المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان مبعوثا إلى كافة البشر من غير اختصاص دعوته بقوم دون قوم، و لا بمكان دون مكان، و لا بزمان دون زمان (و مرجع الأخيرين إلى الأول في الحقيقة) البتة قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}: «الأعراف: ١٥٨» و قال تعالى: {وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ}: «الأنعام: ١٩» و قال تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}: «الأنبياء: ١٠٧». 

تفسير الميزان ج٤

160
  • على أن التاريخ يحكي دعوته (صلى الله عليه وآله و سلم) اليهود و هم من بني إسرائيل، و الروم و العجم و الحبشة و مصر و ليسوا من العرب، و قد آمن به من المشاهير سلمان و هو من العجم و مؤذنه بلال و هو من الحبشة و صهيب و هو من الروم، فعموم نبوته (صلى الله عليه وآله و سلم) في زمانه لا ريب فيه، و الآيات السابقة تشمل بعمومها الأزمان و الأمكنة أيضا. 

  • على أن قوله تعالى: {وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}: «حم السجدة: ٤٢» و قوله تعالى: {وَ لَكِنْ رَسُولَ اَللَّهِ وَ خَاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ}: «الأحزاب: ٤٠» تدلان على عموم النبوة و شمولها للأمكنة و الأزمنة أيضا، و البحث التفصيلي عن هذه الآيات يطلب من تفسيرها في مواردها. 

  • و كيف كان فالنبوة عامة، و المتأمل في سعة المعارف و القوانين الإسلامية و ما كان عليه الدنيا يوم ظهر الإسلام من ظلمة الجهل و قذارة الفساد و البغي لا يرتاب في عدم إمكان مواجهة الدنيا و مكافحة الشرك و الفساد حينئذ دفعة. 

  • بل كان من الواجب في الحكمة أن تبدأ الدعوة بالبعض و أن يكون ذلك البعض هو قوم رسول الله ص ثم يظهر بركوز الدين فيهم على غيرهم و هكذا كان، قال تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}: «إبراهيم: ٤» و قال: {وَ لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلىَ بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}: «الشعراء: ١٩٩» و الآيات التي تدل على ارتباط الدعوة و الإنذار بالعرب لا تدل على أزيد من كونهم بعض من تعلقت بهم الدعوة و الإنذار، و كذا الآيات النازلة في التحدي بالقرآن لو كان فيها ما ينحصر تحديه بالبلاغة فحسب إنما هي لكون البلاغة إحدى جهات التحدي بالإعجاز، و لا دليل في ذلك على كون الأمة العربية هي المقصودة بالدعوة فقط نعم اللسان مقصود بالاستقلال للبيان كما مر من قوله: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (الآية)، و قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا اَلْقُرْآنَ}: «يوسف: ٣» و قوله: {وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}: «الشعراء: ١٩٥» فاللسان العربي هو المظهر للمعاني و المقاصد الذهنية أتم إظهار، و لذلك اختاره الله سبحانه لكتابه العزيز من بين الألسن و قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: «الزخرف: ٣». 

  • و بالجملة أمره الله تعالى بعد القيام بأصل الدعوة أن يبدأ بعشيرته فقال: {وَ أَنْذِرْ 

تفسير الميزان ج٤

161
  •  عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ}: «الشعراء: ٢١٤» فامتثل أمره و جمع عشيرته و دعاهم إلى ما بعث له و وعدهم أن أول من لباه فهو خليفته من بعده فأجابه إلى ذلك علي (عليه السلام) فشكر له ذلك و استهزأ به الباقون على ما في صحاح الروايات‌۱ و كتب التاريخ و السير، ثم لحق به أناس من أهله كخديجة زوجته و عمه حمزة بن عبد المطلب و عبيد و عمه أبي طالب على ما روته الشيعة و في أشعاره تصريحات و تلويحات بذلك ٢(و إنما لم يتظاهر بالإيمان ليتمكن من حمايته (صلى الله عليه وآله و سلم)). 

  • ثم أمره الله سبحانه أن يوسع الدعوة لقومه على ما يظهر من قوله: {وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرىَ وَ مَنْ حَوْلَهَا}: «الشورى: ٧» و قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}: «الم السجدة: ٣» و قوله: {وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ}، و هذه الآية من الشواهد على أن الدعوة غير مقصورة عليهم، و إنما بدأ بهم حكمة و مصلحة. 

  • ثم أمره الله سبحانه بتوسعة الدعوة للدنيا من جميع المليين و غيرهم كما يدل عليه الآيات السابقة كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} و قوله: {وَ لَكِنْ رَسُولَ اَللَّهِ وَ خَاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ} و غيرهما مما تقدم. 

  • الثالثة: الأخذ بالمراتب من حيث الدعوة و الإرشاد و الإجراء، و هي الدعوة بالقول و الدعوة السلبية و الجهاد. 

  • أما الدعوة بالقول فهي مما يستفاد من جميع القرآن بالبداهة، و قد أمره الله سبحانه برعاية الكرامات الإنسانية و الأخلاق الحسنة في ذلك قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىَ إِلَيَّ}: «الكهف: ١١٠» و قال: {وَ اِخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}: «الحجر: ٨٨» و قال: {وَ لاَ تَسْتَوِي اَلْحَسَنَةُ وَ لاَ اَلسَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}: «حم السجدة: ٣٤» و قال: {وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}: «المدثر: ٦» إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. 

  •  

    1.  راجع سادس البحار، و سيرة ابن هشام و غيرهما.
    2.  راجع ديوان أبي طالب.

تفسير الميزان ج٤

162
  • و أمره (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يستعمل جميع فنون البيان على حسب اختلاف الأفهام و استعدادات الأشخاص، قال تعالى: {اُدْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: «النحل: ١٢٥». 

  • و أما الدعوة السلبية فهو اعتزال المؤمنين الكافرين في دينهم و أعمالهم و تكوين مجتمع إسلامي لا يمازجه دين غيرهم ممن لا يوحد الله سبحانه و لا أعمال غير المسلمين من المعاصي و سائر الرذائل الأخلاقية إلا ما أوجبته ضرورة الحياة من المخالطة، قال تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ}: «الكافرون: ٦» و قال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ وَ لاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ}: «هود: ١١٣» و قال: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَ اِسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ لاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اَللَّهُ رَبُّنَا وَ رَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمُ اَللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ}: «الشورى: ١٥» و قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ}«إلى أن قال»: {لاَ يَنْهَاكُمُ اَللَّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اَللَّهُ عَنِ اَلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهَرُوا عَلىَ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ اَلظَّالِمُونَ}: «الممتحنة: ٩» و الآيات في معنى التبري و الاعتزال عن أعداء الدين كثيرة، و هي كما ترى تشرح معنى هذا التبري و كيفيته و خصوصيته. 

  • و أما الجهاد فقد تقدم الكلام فيه في ذيل آيات الجهاد من سورة البقرة و هذه المراتب الثلاث من مزايا الدين الإسلامي و مفاخره و المرتبة الأولى لازمة في الأخيرتين و كذا الثانية في الثالثة، فقد كانت من سيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) الدعوة و الموعظة في غزواته قبل الشروع فيها على ما أمره به ربه سبحانه فقال: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلىَ سَوَاءٍ}

  • و من أخنى القول ما نبذوا به الإسلام: أنه دين السيف دون الدعوة مع أن الكتاب و السيرة و التاريخ تشهد به و تنوره و لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور. 

  • و هؤلاء المنتقدون بعضهم من أهل الكنيسة التي كانت عقدت منذ قرون فيها محكمة دينية تقضي على المنحرفين عن الدين بالنار تشبها بالمحكمة الإلهية يوم القيامة 

تفسير الميزان ج٤

163
  • فكان عمالها يجولون في البلاد فيجلبون إليها من الناس من اتهموه بالردة و لو بالأقوال الحديثة في الطبيعيات و الرياضيات مما لم يقل به الفلسفة الإسكولاستيكية التي كانت الكنيسة تروجها. 

  • فليت شعري هل بسط التوحيد و قطع منابت الوثنية و تطهير الدنيا من قذارة الفساد أهم عند العقل السليم أو تخنيق من قال بمثل حركة الأرض أو نفي الفلك البطلميوسي و رد أنفاسه إلى صدره، و الكنيسة هي التي أثارت العالم المسيحي على المسلمين باسم الجهاد مع الوثنية فأقامت الحروب الصليبية على ساقها مائتي سنة تقريبا و خربت البلاد و أفنت الملايين من النفوس و أباحت الأعراض. 

  • و بعضهم من غير أهل الكنيسة من المدعين للتمدن و الحرية!! و هؤلاء هم الذين يوقدون نار الحروب العالمية و يقلبون الدنيا ظهر البطن كلما هتفت بهم مزاعمهم توجه خطر يسير على بعض منافعهم المادية فهل استقرار الشرك في الدنيا و انحطاط الأخلاق و موت الفضائل و إحاطة الشؤم و الفساد على الأرض و من فيها أضر أم زوال السلطة على أشبار من الأرض أو الخسارة في دريهمات يسيرة؟! نعم‌ إن الإنسان لربه لكنود. 

  • و يعجبني نقل ما ذكره بعض المحققين الأعاظم‌۱ في هذا الباب في بعض رسائله قال رحمه الله: الوسائل المتبعة للإصلاح الاجتماعي و تحقيق العدل و تمزيق الظلم و مقاومة الشر و الفساد تكاد تنحصر في ثلاثة أنواع: 

  • ١ وسائل الدعوة و الإرشاد بالخطب و المقالات و المؤلفات و النشرات، و هذه هي الخطة الشريفة التي أشار إليها الحق جل شأنه بقوله: {اُدْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، و قوله: {اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} و هذه هي الطريقة التي استعملها الإسلام في أول البعثة، إلى أن قال: 

  • ٢ وسائل المقاومة السلمية و السلبية كالمظاهرات و الإضرابات و المقاطعة الاقتصادية و عدم التعاون مع الظالمين، و عدم الاشتراك في أعمالهم و حكومتهم، 

    1. الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في رسالة: المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون.

تفسير الميزان ج٤

164
  • و أصحاب هذه الطريقة لا يبيحون اتخاذ طريق الحرب و القتل و العنف، و هي المشار إليها بقوله تعالى: {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنَّارُ}، و {لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصَارىَ أَوْلِيَاءَ} و في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير إلى هذه الطريقة، و أشهر من دعا إلى هذه الطريقة و أكد عليها النبي الهندي بوذا، و المسيح (عليه السلام)، و الأديب الروسي «تولستوي» و الزعيم الهندي الروحي «غاندي». 

  • ٣ الحرب و الثورة و القتال. 

  • و الإسلام يتدرج في هذه الأساليب الثلاثة: «الأولى» الموعظة الحسنة و الدعوة السليمة فإن لم ينجح في دفع الظالمين و درء فسادهم و استبدادهم «فالثانية» المقاطعة السلمية أو السلبية و عدم التعاون و المشاركة معهم فإن لم تجد و تنفع «فالثالثة» الثورة المسلحة فإن الله لا يرضى بالظلم أبدا بل و الراضي الساكت شريك الظالم. 

  • الإسلام عقيدة، و قد غلط و ركب الشطط من قال: إن الإسلام نشر دعوته بالسيف و القتال فإن الإسلام إيمان و عقيدة، و العقيدة لا تحصل بالجبر و الإكراه و إنما تخضع للحجة و البرهان، و القرآن المجيد ينادي بذلك في عدة آيات منها {لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ}

  • و الإسلام إنما استعمل السيف و شهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات و البراهين استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة إلى الحق، أجهز السلاح لدفع شر المعاندين لا إلى إدخالهم في حظيرة الإسلام يقول جل شأنه: {قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فالقتال إنما هو لدفع الفتنة لا لاعتناق الدين و العقيدة. 

  • فالإسلام لا يقاتل عبطة و اختيارا و إنما يحرجه الأعداء فيلتجئ إليه اضطرارا و لا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة فيحرم في الحرب و السلم التخريب و الإحراق و السم و قطع الماء عن الأعداء كما يحرم قتل النساء و الأطفال و قتل الأسرى و يوصي بالرفق بهم و الإحسان إليهم مهما كانوا من العداء و البغضاء للمسلمين و يحرم الاغتيال في الحرب و السلم و يحرم قتل الشيوخ و العجزة و من لم يبدأ بالحرب و يحرم الهجوم على العدو ليلا «فانبذ إليهم على سواء» و يحرم القتل على الظنة و التهمة و العقاب قبل ارتكاب الجريمة إلى أمثال ذلك من الأعمال التي يأباها الشرف و المروءة و التي تنبعث من الخسة و القسوة و الدناءة و الوحشية. 

تفسير الميزان ج٤

165
  • كل تلك الأعمال التي أبى شرف الإسلام ارتكاب شي‌ء منها مع الأعداء في كل ما كان له من المعارك و الحروب قد ارتكبتها بأفظع صورها و أهول أنواعها الدول المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور نعم أباح عصر النور قتل النساء و الأطفال و الشيوخ و المرضى و التبييت ليلا و الهجوم ليلا بالسلاح و القنابل على العزل و المدنيين الآمنين، و أباح القتل بالجملة. 

  • أ لم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية إلى لندن فهدمت المباني و قتلت النساء و الأطفال و السكان الآمنين؟! أ لم يقتل الألمان ألوف الأسرى؟! أ لم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات إلى ألمانيا لتخريب مدنها؟! أ لم يرم الأمريكان القنابل الذرية على المدن اليابانية؟!.

  • و بعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ و القنابل الذرية و الهيدروجينية لا يعلم إلا الله ما ذا يحل بالأرض من عذاب و خراب و مآسي و آلام إذا حدثت حرب عالمية ثالثة و لجأت الدول المتحاربة إلى استعمال تلك الوسائل، أرشد الله الإنسان إلى طريق الصواب و هداه الصراط المستقيم، انتهى. 

  • (بيان‌) 

  • قوله تعالى{وَ آتُوا اَلْيَتَامى‌ أَمْوَالَهُمْ} إلى آخر الآية، أمر بإيتاء اليتامى أموالهم و هو توطئة للجملتين اللاحقتين: {وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا}«إلخ» أو الجملتان كالمفسر لهذه الجملة غير أن التعليل الذي في آخر الآية لكونه راجعا إلى الجملتين أو الجملة الأخيرة يؤيد أن الجملة الأولى موضوعة في الكلام تمهيدا للنهي الذي في الجملتين اللاحقتين. 

  • و أصل النهي عن التصرف المضار في أموال اليتامى كما تقدم بيانه توطئة و تمهيد لما سيذكر من أحكام الإرث، و لما سيذكر في الآية التالية من حكم التزوج. 

  • و أما قوله تعالى: {وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} أي لا تتبدلوا الخبيث من أموالكم من الطيب من أموالهم بأن يكون لهم عندكم مال طيب فتعزلوه لأنفسكم و تردوا إليهم ما يعادله من ردي أموالكم. و يمكن أن يكون المراد: لا تتبدلوا أكل الحرام من أكل الحلال كما قيل لكن المعنى الأول أظهر فإن الظاهر أن كلا من الجملتين أعني قوله: {وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا} إلخ و قوله: {وَ لاَ تَأْكُلُوا} إلخ بيان لنوع خاص من التصرف غير الجائز و قوله: {وَ آتُوا اَلْيَتَامى‌} إلخ تمهيد لبيانهما معا، و أما قوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} 

تفسير الميزان ج٤

166
  • الحوب‌ الإثم مصدر و اسم مصدر. 

  • قوله تعالى{وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامىَ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ} قد مرت الإشارة فيما مر إلى أن أهل الجاهلية من العرب و كانوا لا يخلون في غالب الأوقات عن الحروب و المقاتل و الغيلة و الغارة و كان يكثر فيهم حوادث القتل كان يكثر فيهم الأيتام، و كانت الصناديد و الأقوياء منهم يأخذون إليهم يتامى النساء و أموالهن‌ فيتزوجون بهن و يأكلون أموالهن إلى أموالهم ثم لا يقسطون فيهن و ربما أخرجوهن بعد أكل مالهن فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهن يرتزقن به و لا راغب فيهن فيتزوج بهن و ينفق عليهن، و قد شدد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث و الظلم الفاحش، و أكد النهي عن ظلم اليتامى و أكل أموالهم كقوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}: «النساء: ١٠»، و قوله تعالى: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ أَمْوَالَهُمْ وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلىَ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (الآية): «النساء: ٢» فأعقب ذلك أن المسلمين أشفقوا على أنفسهم كما قيل و خافوا خوفا شديدا حتى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفا من الابتلاء بأموالهم و التفريط في حقهم، و من أمسك يتيما عنده أفرز حظه من الطعام و الشراب و كان إذا فضل من غذائهم شي‌ء لم يدنوا منه حتى يبقى و يفسد فأصبحوا متحرجين من ذلك و سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عن ذلك و شكوا إليه فنزل: {وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَامىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ وَ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: «البقرة: ٢٢٠»، فأجاز لهم أن يأووهم و يمسكوهم إصلاحا لشأنهم و أن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم و فرج همهم. 

  • إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى: {وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامىَ فَانْكِحُوا}«إلخ» و هو واقع عقيب قوله: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ أَمْوَالَهُمْ} (الآية) اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية السابقة و المعنى و الله أعلم: اتقوا أمر اليتامى، و لا تتبدلوا خبيث أموالكم من طيب أموالهم، و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنكم إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات منهم و لم تطب نفوسكم أن تنكحوهن و تتزوجوا بهن فدعوهن و انكحوا نساء غيرهن ما 

تفسير الميزان ج٤

167
  • طاب لكم مثنى و ثلاث و رباع. 

  • فالشرطية أعني قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامىَ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ}، في معنى قولنا إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهن و انكحوا نساء غيرهن فقوله: فانكحوا ساد مسد الجزاء الحقيقي، و قوله: {مَا طَابَ لَكُمْ}، يغني عن ذكر وصف النساء أعني لفظ غيرهن، و قد قيل: {مَا طَابَ لَكُمْ} و لم يقل: من طاب لكم إشارة إلى العدد الذي سيفصله بقوله: {مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ} إلخ و وضع قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} موضع عدم طيب النفس من وضع السبب موضع المسبب مع الإشعار بالمسبب في الجزاء بقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ}، هذا. 

  • و قد قيل في معنى الآية أمور أخر غير ما مر على ما ذكر في مطولات التفاسير و هي كثيرة، منها: أنه كان الرجل منهم يتزوج بالأربع و الخمس و أكثر و يقول: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان، فإذا فني ماله مال إلى مال اليتيم الذي في حجره فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ظلما. 

  • و منها: أنهم كانوا يشددون في أمر اليتامى و لا يشددون في أمر النساء فيتزوجون منهن عددا كثيرا و لا يعدلون بينهن، فقال تعالى: إن كنتم تخافون أمر اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا منهن واحدة إلى أربع. 

  • و منها: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى و أكل أموالهم فقال سبحانه: إن كنتم تحرجتم من ذلك فكذلك تحرجوا من الزنا {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ}

  • و منها: أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجوركم {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ} مما أحل لكم من يتامى قرباتكم {مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ}

  • و منها: أن المعنى إن كنتم تتحرجون عن مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من الجمع بين النساء و أن لا تعدلوا بينهن و لا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور، فهذه وجوه ذكروها لكنك بصير بأن شيئا منها لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق فالمصير إلى ما قدمناه. 

  • قوله تعالى{مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ} بناء مفعل و فعال‌ في الأعداد تدلان على تكرار المادة فمعنى مثنى و ثلاث و رباع اثنتين اثنتين و ثلاثا ثلاثا و أربعا أربعا، و لما 

تفسير الميزان ج٤

168
  • كان الخطاب متوجها إلى أفراد الناس و قد جي‌ء بواو التفصيل بين {مَثْنىَ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ} الدال على التخيير أفاد الكلام أن لكل واحد من المؤمنين أن يتخذ لنفسه زوجتين أو ثلاثا أو أربعا فيصرن بالإضافة إلى الجميع مثنى و ثلاث و رباع. 

  • و بذلك و بقرينة قوله بعده: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} و كذا آية المحصنات بجميع ذلك يدفع أن يكون المراد بالآية أن تنكح الاثنتان بعقد واحد أو الثلاث بعقد واحد مثلا، أو يكون المراد أن تنكح الاثنتان معا ثم الاثنتان معا و هكذا، و كذا في الثلاث و الأربع، أو يكون المراد اشتراك أزيد من رجل واحد في الزوجة الواحدة مثلا فهذه محتملات لا تحتملها الآية. 

  • على أن الضرورة قاضية أن الإسلام لا ينفذ الجمع بين أزيد من أربع نسوة أو اشتراك أزيد من رجل في زوجة واحدة. 

  • و كذا يدفع بذلك احتمال أن يكون الواو للجمع فيكون في الكلام تجويز الجمع بين تسع نسوة لأن مجموع الاثنتين و الثلاث و الأربع تسع، و قد ذكر في المجمع: أن الجمع بهذا المعنى غير محتمل البتة فإن من قال: دخل القوم البلد مثنى و ثلاث و رباع لم يلزم منه اجتماع الأعداد فيكون دخولهم تسعة تسعة، و لأن لهذا العدد لفظا موضوعا و هو تسع فالعدول عنه إلى مثنى و ثلاث و رباع نوع من العي جل كلامه عن ذلك و تقدس . 

  • قوله تعالى{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} أي فانكحوا واحدة لا أزيد، و قد علقه تعالى على الخوف من ذلك دون العلم لأن العلم في هذه الأمور و لتسويل النفس فيها أثر بين لا يحصل غالبا فتفوت المصلحة. 

  • قوله تعالى{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} و هي الإماء فمن خاف ألا يقسط فيهن فعليه أن ينكح واحدة، و إن أحب أن يزيد في العدد فعليه بالإماء إذ لم يشرع القسم في الإماء. 

  • و من هنا يظهر أن ليس المراد التحضيض على الإماء بتجويز الظلم و التعدي عليهن فإن الله لا يحب الظالمين و ليس بظلام للعبيد بل لما لم يشرع القسم فيهن فأمر العدل فيهن أسهل، و لهذه النكتة بعينها كان المراد بذكر ملك اليمين الاكتفاء باتخاذهن و إتيانهن بملك اليمين دون نكاحهن بما يبلغ العدد أو يكثر عليه فإن مسألة نكاحهن 

تفسير الميزان ج٤

169
  • سيتعرض لها في ما سيجي‌ء من قوله: {وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنَاتِ اَلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنَاتِ} (الآية): «النساء: ٢٥». 

  • قوله تعالى{ذَلِكَ أَدْنىَ أَلاَّ تَعُولُوا} العول‌ هو الميل أي هذه الطريقة على ما شرعت أقرب من ألا تميلوا عن العدل‌ و لا تتعدوا عليهن في حقوقهن، و ربما قيل: إن العول بمعنى الثقل و هو بعيد لفظا و معنى. 

  • و في ذكر هذه الجملة التي تتضمن حكمة التشريع دلالة على أن أساس التشريع في أحكام النكاح على القسط و نفي العول و الإجحاف في الحقوق. 

  • قوله تعالى{وَ آتُوا اَلنِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} الصدقة بضم الدال و فتحها و الصداق هو المهر، و النحلة هي العطية من غير مثامنة. 

  • و في إضافة الصدقات إلى ضمير هن دلالة على أن الحكم بوجوب الإيتاء مبني على المتداول بين الناس في سنن الازدواج من تخصيص شي‌ء من المال أو أي شي‌ء له قيمة مهرا لهن كأنه يقابل به البضع مقابلة الثمن المبيع فإن المتداول بين الناس أن يكون الطالب الداعي للازدواج هو الرجل على ما سيأتي في البحث العلمي التالي، و هو الخطبة كما أن المشتري يذهب بالثمن إلى البائع ليأخذ سلعته، و كيف كان ففي الآية إمضاء هذه العادة الجارية عند الناس. 

  • و لعل إمكان توهم عدم جواز تصرف الزوج في المهر أصلا حتى برضا من الزوجة هو الموجب للإتيان بالشرط في قوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} مع ما في اشتراط الأكل بطيب النفس من تأكيد الجملة السابقة المشتملة على الحكم، و الدلالة على أن الحكم وضعي لا تكليفي. 

  • و الهناء سهولة الهضم و قبول الطبع و يستعمل في الطعام، و المري من الري‌ و هو في الشراب كالهني‌ء في الطعام غير أن الهناء يستعمل في الطعام و الشراب معا، فإذا قيل: هنيئا مريئا اختص الهناء بالطعام و الري بالشراب. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}السفه‌ خفة العقل، و كان الأصل في معناه مطلق الخفة فيما من شأنه أن لا يخف و منه الزمام السفيه أي كثير الاضطراب و ثوب سفيه أي ردي‌ء النسج ثم غلب في خفة النفس و اختلف 

تفسير الميزان ج٤

170
  • باختلاف الأغراض و المقاصد فقيل سفيه لخفيف الرأي في الأمور الدنيوية و سفيه للفاسق غير المبالي في أمر دينه و هكذا. 

  • و ظاهر ما يتراءى من الآية أنه نهي عن الإكثار في الإنفاق على السفهاء و إعطائهم من المال أزيد من حاجاتهم الضرورية في الارتزاق، غير أن وقوع الآية في سياق الكلام في أموال اليتامى التي يتولى أمر إدارتها و إنمائها الأولياء قرينة معينة على كون المراد بالسفهاء هم السفهاء من اليتامى، و أن المراد بقوله: {أَمْوَالَكُمُ}، في الحقيقة أموالهم أضيف إلى الأولياء بنوع من العناية كما يشهد به أيضا قوله بعد: {وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ}، و إن كان و لا بد من دلالة الآية على أمر سائر السفهاء غير اليتامى، فالمراد بالسفهاء ما يعم اليتيم و غير اليتيم لكن الأول أرجح. 

  • و كيف كان فلو كان المراد بالسفهاء سفهاء اليتامى، فالمراد بقوله: {أَمْوَالَكُمُ}، أموال اليتامى و إنما أضيفت إلى الأولياء المخاطبين بعناية أن مجموع المال و الثروة الموجودة في الدنيا لمجموع أهلها و إنما اختص بعض أفراد المجتمع ببعض منه و آخر بآخر للصلاح العام الذي يبتني عليه أصل الملك و الاختصاص فيجب أن يتحقق الناس بهذه الحقيقة و يعلموا أنهم مجتمع واحد و المال كله لمجتمعهم، و على كل واحد منهم أن يكلأه و يتحفظ به و لا يدعه يضيع بتبذير نفوس سفيهة، و تدبير كل من لا يحسن التدبير كالصغير و المجنون، و هذا من حيث الإضافة كقوله تعالى: {وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنَاتِ اَلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ}: «النساء: ٢٥»، و من المعلوم أن المراد بالفتيات ليس الإماء اللاتي يملكها من يريد النكاح. 

  • ففي الآية دلالة على حكم عام موجه إلى المجتمع و هو أن المجتمع ذو شخصية واحدة له كل المال الذي أقام الله به صلبه و جعله له معاشا فيلزم على المجتمع أن يدبره و يصلحه و يعرضه معرض النماء و يرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا و يحفظه عن الضيعة و الفساد، و من فروع هذا الأصل أنه يجب على الأولياء أن يتولوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي أن توضع فيه بل عليهم أن يحبسوها عنهم و يصلحوا شأنها، و ينموها بالكسب و الاتجار و الاسترباح و يرزقوا أولئك السفهاء من فوائدها و نمائها دون أصلها حتى لا ينفد رويدا رويدا و ينتهي إلى مسكنة صاحب المال و شقوته. 

تفسير الميزان ج٤

171
  • و من هنا يظهر أن المراد بقوله: {وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ}، أن يرتزق السفيه في المال بأن يعيش من نمائه و نتاجه و أرباحه لا من المال بأن يشرع في الأكل من أصله على ركود منه من غير جريان و دوران فينفد عن آخره، و هذه هي النكتة في قوله: {فِيهَا} دون أن يقول: «منها» كما ذكره الزمخشري. 

  • و لا يبعد أن يستفاد من الآية عموم ولاية المحجور عليهم بمعنى أن الله لا يرضى بإهمال أمر هؤلاء بل على المجتمع الإسلامي تولي أمرهم فإن كان هناك واحد من الأولياء الأقربين كالأب و الجد فعليه التولي و المباشرة، و إلا فعلى الحكومة الشرعية أو على المؤمنين أن يقوموا بالأمر على التفصيل المذكور في الفقه.

  • كلام في أن جميع المال لجميع الناس 

  • هذه حقيقة قرآنية هي أصل لأحكام و قوانين هامة في الإسلام‌ أعني ما تفيده هذه الآية: أن المال لله ملكا حقيقيا جعله قياما و معاشا للمجتمع الإنساني من غير أن يقفه على شخص دون شخص وقفا لا يتغير و لا يتبدل و هبة تنسلب معها قدرة التصرف التشريعي ثم أذن في اختصاصهم بهذا الذي خوله الجميع على طبق نسب مشرعة كالوراثة و الحيازة و التجارة و غير ذلك و شرط لتصرفهم أمورا كالعقل و البلوغ و نحو ذلك. 

  • و الأصل الثابت الذي يراعى حاله و يتقدر به فروعه هو كون الجميع للجميع، فإنما تراعى المصالح الخاصة على تقدير انحفاظ المصلحة العامة التي تعود إلى المجتمع و عدم المزاحمة، و أما مع المزاحمة و المفاوتة فالمقدم هو صلاح المجتمع من غير تردد. 

  • و يتفرع على هذا الأصل الأصيل في الإسلام فروع كثيرة هامة كأحكام الإنفاق و معظم أحكام المعاملات و غير ذلك، و قد أيده الله تعالى في موارد من كتابه كقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً}: «البقرة: ٢٩»، و قد أوردنا بعض الكلام المتعلق بهذا المقام في البحث عن آيات الإنفاق من سورة البقرة فليراجع هناك. 

  • (بيان) 

  • قوله تعالى{وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} قد تقدم استيفاء الكلام في معنى الرزق في قوله تعالى: {وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}: «آل عمران: ٢٧». 

  • و قوله: {وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ}، كقوله: {وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ}

تفسير الميزان ج٤

172
  • «البقرة: ٢٣٣» فالمراد بالرزق‌ هو الغذاء الذي يغتذي به الإنسان و الكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر و البرد (غير أن لفظ الرزق‌ و الكسوة في عرف القرآن كالكسوة و النفقة في لساننا) كالكناية يكنى بها عن مجموع ما ترتفع به حوائج الإنسان المادية الحيوية فيدخل فيه سائر ما يحتاج إليه الإنسان كالمسكن و نحوه كما أن الأكل ذو معنى خاص بحسب أصله ثم يكنى به عن مطلق التصرفات كقوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} (الآية). 

  • و أما قوله: {وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} فإنما هو كلمة أخلاقية يصلح بها أمر الولاية فإن هؤلاء و إن كانوا سفهاء محجورين عن التصرف في أموالهم غير أنهم ليسوا حيوانا أعجم و لا من الأنعام السائمة بل بشر يجب أن يعامل معهم معاملة الإنسان فيكلموا بما يكلم به الإنسان لا بالمنكر من القول و يعاشروا بما يعاشر به الإنسان. 

  • و من هنا يظهر أن من الممكن أن يكون قوله: {وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}. كناية عن المعاملة الحسنة و المعاشرة الممدوحة غير المذمومة كما في قوله تعالى: {وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}: «البقرة: ٨٣». 

  • قوله تعالى{وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتَامىَ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ} إلى قوله: {أَمْوَالَهُمْ} الابتلاء الامتحان و المراد من بلوغ النكاح بلوغ أوانه ففيه مجاز عقلي و الإيناس المشاهدة و فيه شوب من معنى الألفة فإن مادته الأنس، و الرشد خلاف الغي‌ و هو الاهتداء إلى مقاصد الحياة، و دفع مال اليتيم إليه كناية عن إعطائه إياه و إقباضه له كأن الولي يدفعه إليه و يبعده من نفسه فهو على ابتذاله كناية لطيفة. 

  • و قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ}، متعلق بقوله: {وَ اِبْتَلُوا}، ففيه دلالة ما على الاستمرار بأن يشرع الولي في ابتلائه من أول ما يأخذ في التمييز و يصلح للابتلاء حتى ينتهي إلى أوان النكاح و يبلغ مبلغ الرجال، و من طبع هذا الحكم ذلك فإن إيناس الرشد لا يحصل بابتلاء الصبي في واقعة أو واقعتين بل يجب تكراره إلى أن يحصل الإيناس و يتمشى بالطبع في مدة مديدة حتى يبلغ الرهاق ثم النكاح. 

  • و قوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ} إلخ تفريع على قوله: {وَ اِبْتَلُوا} و المعنى: و امتحنوهم فإن آنستم منهم الرشد فادفعوا إليهم أموالهم و الكلام يؤذن بأن بلوغ النكاح بمنزلة المقتضي لدفع 

تفسير الميزان ج٤

173
  • المال إلى اليتيم و استقلاله بالتصرف في مال نفسه و الرشد شرط لنفوذ التصرف، و قد فصل الإسلام النظر في أمر البلوغ من الإنسان فاكتفى في أمر العبادات و أمثال الحدود و الديات بمجرد السن الشرعي الذي هو سن النكاح و اشترط في نفوذ التصرفات المالية و الأقارير و نحوها مما تفصيل بيانه في الفقه مع بلوغ النكاح الرشد، و ذلك من لطائف سلوكه في مرحلة التشريع فإن إهمال أمر الرشد و إلغاءه في التصرفات المالية و نحوها مما يختل به نظام الحياة الاجتماعية في قبيل الأيتام و يكون نفوذ تصرفاتهم و أقاريرهم مفضيا إلى غرور الأفراد الفاسدة إياهم و إخراج جميع وسائل الحياة من أيديهم بأدنى وسيلة بالكلمات المزيفة و المواعيد الكاذبة و المعاملات الغررية إلى ذلك فالرشد لا محيص من اشتراطه في هذا النوع من الأمور، و أما أمثال العبادات فعدم الحاجة فيها إلى الاشتراط ظاهر، و كذا أمثال الحدود و الديات فإن إدراك قبح هذه الجنايات و المعاصي و فهم وجوب الكف عنها لا يحتاج فيه إلى الرشد بل الإنسان يقوى على تفهم ذلك قبله و لا يختلف حاله في ذلك قبل الرشد و بعده. 

  • قوله تعالى{وَ لاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَ بِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا} اه ، الإسراف‌ هو التعدي عن الاعتدال في العمل، و البدار هو المبادرة إلى الشي‌ء و قوله {وَ بِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا} في معنى حذر أن يكبروا فلا يدعوكم أن تأكلوا، و حذف النفي أو ما في معناه قبل أن و أن قياسي على ما ذكره النحاة قال تعالى: {يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}: «النساء: ١٧٦» أي لئلا تضلوا أو حذر أن تضلوا. 

  • و التقابل الواقع بين الأكل إسرافا و الأكل بدارا أن يكبروا يعطي أن الأكل إسرافا هو التعدي إلى أموالهم من غير حاجة و لا شائبة استحقاق بل إجحافا من غير مبالاة و الأكل بدارا أن يأكل الولي منها مثل ما يعد أجرة لعمله فيها عادة غير أن اليتيم‌ لو كبر أمكن أن يمنعه عن مثل هذا الأكل فالجميع ممنوع إلا أن يكون الولي فقيرا لا محيص له من أن يشتغل بالاكتساب لسد جوعة أو يعمل لليتيم و يسد حاجته الضرورية من ماله و هذا بالحقيقة يرجع إلى ما يأخذ العامل للتجارة و البناية و نحوهما و هو الذي ذكره بقوله: {مَنْ كَانَ غَنِيًّا} أي لا يحتاج في معاشه إلى الأخذ من مال اليتيم {فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي ليطلب طريق العفة و ليلزمه فلا يأخذ من أموالهم {وَ مَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ} منها {بِالْمَعْرُوفِ}، و ذكر بعض المفسرين أن المعنى: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} من مال نفسه لا من 

تفسير الميزان ج٤

174
  • أموالهم و هو لا يلائم التفصيل بين الغني و الفقير. 

  • و أما قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} فتشريع للاستشهاد عند الدفع تحكيما للأمر و رفعا لغائلة الخلاف و النزاع فمن الممكن أن يدعي اليتيم بعد الرشد و أخذ المال من الولي عليه، ثم ذيل الجميع بقوله تعالى: {وَ كَفى‌َ بِاللَّهِ حَسِيباً} ربطا للحكم بمنشئه الأصلي الأولي أعني محتد كل حكم من أسمائه و صفاته تعالى فإنه تعالى لما كان حسيبا لم يكن ليخلي أحكام عباده من غير حساب دقيق و هو تشريعه المحكم، و تتميما للتربية الدينية الإسلامية فإن الإسلام يأخذ في تربية الناس على أساس التوحيد إذ الإشهاد و إن كان رافعا غالبا للخلاف و النزاع لكن ربما تخلف عنه لانحراف من الشهود في عدالتهم أو غير ذلك من متفرقات العوامل لكن السبب المعنوي العالي القوي هو تقوى الله الذي كفى به حسيبا فلو جعل الولي و الشهود و اليتيم الذي دفع إليه المال هذا المعنى نصب أعينهم لم يقع هناك اختلاف و لا نزاع البتة. 

  • فانظر إلى الآيتين كيف أبدعتا في البيان فقد بينتا أولا رؤوس مسائل الولاية على أموال اليتامى و المحجور عليهم و مهماتها: من كيفية الأخذ و الحفظ و الإنماء و التصرف و الرد و وقت الأخذ و الدفع و تحكيم مبناه ببيان وجه المصلحة العامة في ذلك كله و هو أن المال لله جعله قياما للإنسان على ما تقدم بيانه. 

  • و ثانيا الأصل الأخلاقي الذي يربي الإنسان على وفق هذه الشرائع و هو الذي ذكره تعالى بقوله: {وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}

  • و ثالثا ببناء الجميع على أصل التوحيد الحاكم بوحدته في جميع الأحكام العملية و الأخلاقية و الباقي على حسن تأثيره في جميع الموارد لو فرض ضعف الأحكام العملية و الدستورات الأخلاقية من حيث الأثر، و هو الذي ذكره بقوله: {وَ كَفىَ بِاللَّهِ حَسِيباً}.

  • بحث روائي‌ 

  • في الدر المنثور، في قوله تعالى: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ أَمْوَالَهُمْ} (الآية) أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه فخاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فنزلت الآية: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ 

تفسير الميزان ج٤

175
  • أَمْوَالَهُمْ}، الحديث. 

  • و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام): لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر. 

  • و في الكافي عنه (عليه السلام): إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق.

  • أقول: و الروايات في الباب كثيرة. 

  • و في العلل، بإسناده عن محمد بن سنان: أن الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله علة تزويج الرجل أربع نسوة و تحريم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه، و المرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو؟ إذ هم مشتركون في نكاحها و في ذلك فساد الأنساب و المواريث و المعارف، قال محمد بن سنان: و من علل النساء الحرائر۱و تحليل أربع نسوة لرجل واحد أنهن أكثر من الرجال فلما نظر و الله أعلم يقول الله عز و جل: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ مَثْنى‌َ وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ}، فذلك تقدير قدره الله تعالى ليتسع فيه الغني و الفقير فيتزوج الرجل على قدر طاقته، الحديث. 

  • و في الكافي عن الصادق (عليه السلام): في حديث قال: و الغيرة للرجال، و لذلك حرم على المرأة إلا زوجها و أحل للرجل أربعا فإن الله أكرم من أن يبتليهن بالغيرة و يحل للرجل معها ثلاثا.

  • أقول: و يوضح ذلك أن الغيرة هي إحدى الأخلاق الحميدة و الملكات الفاضلة و هي تغير الإنسان عن حاله المعتاد، و نزوعه إلى الدفاع و الانتقام عند تعدي الغير إلى بعض ما يحترمه لنفسه من دين أو عرض أو جاه و يعتقد كرامته عليه، و هذه الصفة الغريزية لا يخلو عنها في الجملة إنسان أي إنسان فرض فهي من فطريات الإنسان، و الإسلام دين مبني على الفطرة تؤخذ فيه الأمور التي تقضي بها فطرة الإنسان فتعدل بقصرها فيما هو صلاح الإنسان في حياته، و يحذف عنها ما لا حاجة إليه فيها من وجوه الخلل و الفساد كما في اقتناء المال و المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و غير ذلك. 

  •  

    1. كذا في النسخ.

تفسير الميزان ج٤

176
  • فإذا فرض أن الله سبحانه أحل للرجل مع المرأة الواحدة ثلاثا أخر و الدين مبني على رعاية حكم الفطرة كان لازم ذلك أن يكون ما يتراءى من حال النساء و تغيرهن على الرجال في أمر الضرائر حسدا منهن لا غيرة و سيتضح مزيد اتضاح في البحث الآتي عن تعدد الزوجات أن هذا الحال حال عرضي طار عليهن لا غريزي فطري. 

  • و في الكافي بإسناده عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته، و لا المرأة فيما تهب لزوجها جيزت أو لم تجز أ ليس الله تبارك و تعالى يقول: {وَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}؟ و قال: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً}؟ و هذا يدخل في الصداق و الهبة. 

  • و في تفسير العياشي عن عبد الله بن القداح عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين بي وجع في بطني فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) أ لك زوجة؟ قال: نعم قال استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله يقول في كتابه: {وَ نَزَّلْنَا مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً}، و قال: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}، و قال: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً}، شفيت إن شاء الله تعالى، قال: ففعل ذلك فشفي.

  • أقول: و رواه أيضا في الدر المنثور عن عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عنه (عليه السلام) و هو نوع من الاستفادة لطيف، و بناؤه على التوسعة في المعنى و يوجد له نظائر في الأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) سنورد بعضها في الموارد المناسبة له. 

  • و في الكافي عن الباقر (عليه السلام): إذا حدثتكم بشي‌ء فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) نهى عن القيل و القال، و فساد المال، و كثيرة السؤال، فقيل له: يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله عز و جل يقول: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ اَلنَّاسِ}، و قال: {وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ اَلَّتِي‌ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}، و قال: {لاَ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}

تفسير الميزان ج٤

177
  • و في تفسير العياشي عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: {وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}، قال: من لا تثق به. 

  • و فيه عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية {وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} قال: كل من يشرب الخمر فهو سفيه.

  • و فيه عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: {وَ لاَ تُؤْتُوا اَلسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} قال: هم اليتامى لا تعطوهم أموالهم حتى تعرفوا منهم الرشد فقلت: فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ قال: إذا كنت أنت الوارث لهم.

  • و في تفسير القمي عن الباقر (عليه السلام): في الآية: فالسفهاء النساء و الولد إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة و ولده سفيه مفسد لم ينبغ له أن يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعل الله له قياما يقول: معاشا الحديث.

  • أقول: و الروايات في هذه المعاني كثيرة، و هي تؤيد ما قدمناه أن للسفه معنى وسيع ذو مراتب كالسفيه المحجور عليه و الصبي قبل أن يرشد و المرأة المتلهية المتهوسة و شارب الخمر و مطلق من لا تثق به، و بحسب اختلاف هذه‌ المصاديق يختلف معنى إيتاء المال، و كذا معنى إضافة «أموالكم» و عليك بالتطبيق و الاعتبار. 

  • و قوله في رواية ابن أبي حمزة: إذا كنت أنت الوارث لهم إشارة إلى ما قدمناه أن المال كله للمجتمع بحسب الأصل ثم لكل من الأشخاص ثانيا و للمصالح الخاصة فإن اشتراك المجتمع في المال أولا هو الموجب لانتقاله من واحد إلى آخر. 

  •  و في الفقيه عن الصادق (عليه السلام): انقطاع يتم اليتيم الاحتلام و هو أشده، و إن احتلم و لم يؤنس منه رشد و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله. 

  • و فيه عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: {وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتَامىَ} (الآية) قال: إيناس الرشد حفظ المال.

  • أقول: و قد تقدم وجه دلالة الآية عليه. 

  • و في التهذيب عنه (عليه السلام): في قول الله: {وَ مَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: فذاك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا. 

  • و في الدر المنثور أخرج أحمد و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و ابن أبي حاتم 

تفسير الميزان ج٤

178
  • و النحاس في ناسخه عن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال: ليس لي مال و لي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف و لا مبذر و لا متأثل مالا و من غير أن تقي مالك بماله. أقول: و الروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق أهل البيت (عليه السلام) و غيرهم، و هناك مباحث فقهية و أخبار ناظرة إليها من أرادها فعليه بجوامع الحديث و كتب الفقه. 

  • و في تفسير العياشي عن رفاعة عنه (عليه السلام): في قوله تعالى: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، قال (عليه السلام): كان أبي يقول: إنها منسوخة. 

  • و في الدر المنثور أخرج أبو داود و النحاس كلاهما في الناسخ و ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس: {وَ مَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: نسختها: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً} (الآية). 

  • أقول: و كون الآية منسوخة لا يلائم ميزان النسخ إذ ليس بين الآيات الكريمة ما نسبتها إلى هذه الآية نسبة الناسخة إلى المنسوخة، و أما قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً} (الآية) فهو لا ينافي بمضمونه مضمون هذه الآية فإن الأكل في هذه الآية المجوزة مقيد بالمعروف، و في تلك الآية المحرمة بالظلم و لا تنافي بين تجويز الأكل بالمعروف و تحريم الأكل ظلما، فالحق أن الآية غير منسوخة، و الروايتان لا توافقان الكتاب على ما فيهما من الضعف. 

  • و في تفسير العياشي عن عبد الله بن المغيرة عن جعفر بن محمد (عليه السلام): في قول الله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} قال: فقال: إذا رأيتموهم يحبون آل محمد فارفعوهم درجة. 

  • أقول: و هو من الجري من باطن التنزيل فإن أئمة الدين آباء المؤمنين و المؤمنون أيتام المعارف عند انقطاعهم عنهم فإذا صح انتسابهم إليهم بالحب فليرفعوا درجة بتعليم المعارف الحقة التي هي ميراث آبائهم. 

  • بحث علمي في فصول ثلاثة 

  • ١ النكاح من مقاصد الطبيعة

  • أصل التواصل بين الرجل و المرأة مما تبينه 

تفسير الميزان ج٤

179
  • الطبيعة الإنسانية بل الحيوانية بأبلغ بيانها، و الإسلام دين الفطرة فهو مجوزه لا محالة. 

  • و أمر الإيلاد و الإفراخ الذي هو بغية الطبيعة و غرض الخلقة في هذا الاجتماع هو السبب الوحيد و العامل الأصلي في تقليب هذا العمل في قالب الازدواج و إخراجه من مطلق الاختلاط للسفاد و المقاربة إلى شكل النكاح و الملازمة و لهذا ترى أن الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان معا كالطيور في حضانة بيضها و تغذية أفراخها و تربيتها و كالحيوان الذي يحتاج في الولادة و التربية إلى وكر تحتاج الإناث منه في بنائه و حفظه إلى معاونة الذكور يختار لهذا الشأن الازدواج و هو نوع من الملازمة و الاختصاص بين الزوجين الذكور و الإناث منه فيتواصلان عندئذ و يتشاركان في حفظ بيض الإناث و تدبيرها و إخراج الأفراخ منها و هكذا إلى آخر مدة تربية الأولاد ثم ينفصلان إن انفصلا ثم يتجدد الازدواج و هكذا فعامل النكاح و الازدواج هو الإيلاد و تربية الأولاد و أما إطفاء نائرة الشهوة أو الاشتراك في الأعمال الحيوية كالكسب و جمع المال و تدبير الأكل و الشرب و الأثاث و إدارة البيت فأمور خارجة عن مستوى غرض الطبيعة و الخلقة و إنما هي أمور مقدمية أو فوائد مترتبة. 

  • و من هنا يظهر أن الحرية و الاسترسال من الزوجين بأن‌ يتواصل كل من الزوجين مع غير زوجه أينما أراد و مهما أراد من غير امتناع كالحيوان العجم الذي ينزو الذكور منه على الإناث أينما وجدها على ما يكاد يكون هو السنة الجارية بين الملل المتمدنة اليوم و كذا الزنا و خاصة زنا المحصنة منه. 

  • و كذا تثبيت الازدواج الواقع و تحريم الطلاق و الانفصال بين الزوجين، و ترك الزوج و اتخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما. 

  • و كذا إلغاء التوالد و تربية الأولاد و بناء الازدواج على أساس الاشتراك في الحياة المنزلية على ما هو المتداول اليوم بين الملل الراقية و نظيره إرسال المواليد إلى المعاهد العامة المعدة للرضاع و التربية كل ذلك على خلاف سنة الطبيعة و قد جهز الإنسان بما ينافي هذه السنن الحديثة على ما مرت الإشارة إليه. 

  • نعم الحيوان الذي لا حاجة في ولادته و تربيته إلى أزيد من حمل الأم إياه و إرضاعها له و تربيته بمصاحبتها فلا حاجة طبيعية فيه إلى الازدواج و المصاحبة 

تفسير الميزان ج٤

180
  • و الاختصاص فهذا النوع من الحيوان له حرية السفاد بمقدار ما لا يضر بغرض الطبيعة من جهة حفظ النسل. 

  • و إياك أن تتوهم أن الخروج عن سنة الخلقة و ما تستدعيه الطبيعة لا بأس به بعد تدارك النواقص الطارئة بالفكر و الروية مع ما فيه من لذائذ الحياة و التنعم، فإن ذلك من أعظم الخبط فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية الإنسانية مركبات مؤلفة من أجزاء كثيرة تستوجب بوقوع كل في موقعه الخاص على شرائطه المخصوصة به وضعا هو الملائم لغرض الطبيعة و الخلقة و هو المناسب لكمال النوع كالمعاجين و المركبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف و مقادير و أوزان و شرائط خاصة لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج و انحراف‌ سقط الأثر. 

  • فالإنسان مثلا موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركبة تركيبا خاصا يستتبع أوصافا داخلية و خواص روحية تستعقب أفعالا و أعمالا فإذا حول بعض أفعاله و أعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك انحرافا و تغيرا في صفاته و خواصه الروحية و انحرف بذلك جميع الخواص و الصفات عن مستوى الطبيعة و صراط الخلقة و بطل بذلك ارتباطه بكماله الطبيعي و الغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة. 

  • و إذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم الإنسانية و تحبط أعمال الناس و مساعيهم لنيل الراحة و الحياة السعيدة و تهدد الإنسانية بالسقوط و الانهدام وجدنا أن أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى و تمكن الخرق و القسوة و الشدة و الشره من نفوس الجوامع البشرية و أعظم أسبابه و علله الحرية و الاسترسال و الإهمال في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية و تربية الأولاد فإن سنة الاجتماع المنزلي و تربية الأولاد اليوم تميت قرائح الرأفة و الرحمة و العفة و الحياة و التواضع من الإنسان من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش. 

  • و أما تدارك هذه النواقص بالفكر و الروية فهيهات ذلك فإنما الفكر كسائر لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لرد ما خرج و انحرف عن صراط الطبيعة و التكوين إليه لا لإبطال سعي الطبيعة و الخلقة و قتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها، و لو استعمل الفكر الذي هو أحد وسائل الطبيعة في تأييد ما أفسد من شئون الطبيعة عادت هذه الوسيلة أيضا فاسدة منحرفة كسائر 

تفسير الميزان ج٤

181
  • الوسائل، و لذلك ترى أن الإنسان اليوم كلما أصلح بقوة فكره واحدة من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه أنتج ذلك ما هو أمر و أدهى و زاد البلاء و المصيبة شيوعا و شمولا. 

  • نعم ربما قال القائل من هؤلاء: إن الصفات الروحية التي تسمى‌ فضائل نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير و التوحش لا تلائم حياة الإنسان الراقي اليوم كالعفة و السخاء و الحياء و الرأفة و الصدق فإن العفة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه، و السخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال و ما قاساه من المحن في طريق اكتسابه على أنه تعويد للمسكين بالبطالة في الاكتساب و بسط يده لذل السؤال، و الحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه و إظهار ما في ضميره، و الرأفة تضعف القلب، و الصدق لا يلائم الحياة اليومية، و هذا الكلام بعينه من مصاديق الانحراف الذي ذكرناه. 

  • و لم يدر هذا القائل إن هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات الضرورية التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع بعدها في حال الاجتماع و لا ساعة. 

  • فلو ارتفعت هذه الخصال و تعدى كل فرد إلى ما لكل فرد من مختصات الحقوق و الأموال و الأعراض، و لم يسخ أحد ببذل ما مست إليه حاجة المجتمع، و لم ينفعل أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين و لم يرأف أحد بالعجزة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال و من في تلوهم، و كذب كل أحد لكل أحد في جميع ما يخبر به و يعده و هكذا تلاشى المجتمع الإنساني من حينه. 

  • فينبغي لهذا القائل إن يعلم أن هذه الخصال لا ترتحل و لن ترتحل عن الدنيا، و أن الطبيعة الإنسانية مستمسكة بها حافظة لحياتها ما دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع، و إنما الشأن كل الشأن في تنظيم هذه الصفات و تعديلها بحيث توافق غرض الطبيعة و الخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة، و لو كانت الخصال الدائرة في المجتمع المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل لما أوردت المجتمع مورد الفساد و الهلكة و لأقر الناس في مستقر أمن و راحة و سعادة. 

  • و لنعد إلى ما كنا فيه من البحث فنقول: الإسلام وضع أمر الازدواج فيما ذكرناه موضعه الطبيعي فأحل النكاح و حرم الزنا و السفاح، و وضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة و هو الطلاق، و وضع هذه العلقة على أساس الاختصاص في الجملة على ما 

تفسير الميزان ج٤

182
  • سنشرحه، و وضع عقد هذا الاجتماع على أساس التوالد و التربية، و من الأحاديث النبوية المشهورة قوله (صلى الله عليه وآله و سلم): تناكحوا تناسلوا تكثروا الحديث.

  • ٢ استيلاء الذكور على الإناث

  • ثم إن التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أن للذكور منها شائبة استيلاء على الإناث في هذا الباب فإنا نرى أن الذكر منها كأنه يرى نفسه مالكا للبضع مسلطا على الأنثى، و لذلك ما ترى أن الفحولة منها تتنازع و تتشاجر على الإناث من غير عكس فلا تثور الأنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر بخلاف العكس، و كذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان إنما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث، و ليس إلا أنها ترى بالغريزة أن الذكور في هذا العمل كالفاعل المستعلي و الإناث كالقابل الخاضع، و هذا المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها و يستلذه طبعها فإن ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق و الشهوة و استزادة اللذة، و أما نحو الاستيلاء و الاستعلاء المذكور فإنه عائد إلى قوة الفحولة و إجراء ما تأمر به الطبيعة. 

  • و هذا المعنى أعني لزوم الشدة و البأس لقبيل الذكور و اللين و الانفعال لقبيل الإناث مما يوجد الاعتقاد به قليلا أو كثيرا عند جميع الأمم حتى سرى إلى مختلف اللغات فسمي كل ما هو شديد صعب الانقياد بالذكر و كل لين سهل الانفعال بالأنثى يقال: حديد ذكر و سيف ذكر و نبت ذكر و مكان ذكر و هكذا. 

  • و هذا الأمر جار في نوع الإنسان دائر بين المجتمعات المختلفة و الأمم المتنوعة في الجملة و إن كان ربما لم يخل من الاختلاف زيادة و نقيصة. 

  • و قد اعتبره الإسلام في تشريعه قال الله تعالى: {اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى اَلنِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ}: «النساء: ٣٤» فشرع وجوب إجابتها له إذا دعاها إلى المواقعة إن أمكنت لها.

  • ٣ تعدد الزوجات

  • و أمر الوحدة و التعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير واضح ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث و تختص بالذكور لما أن الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل و حضانة الأفراخ و تربيتها و ربما تغير الوضع الجاري بينها بالصناعة و التدبير و الكفالة أعني بالتأهيل و التربية كما يشاهد من 

تفسير الميزان ج٤

183
  • أمر الديك و الدجاج و الحمام و نحوها. 

  • و أما الإنسان فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنة جارية في غالب الأمم القديمة كمصر و الهند و الصين و الفرس بل و الروم و اليونان فإنهم كانوا ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يصاحبونها بل و كان ذلك عند بعض الأمم‌ لا ينتهي إلى عدد يقف عليه كاليهود و العرب فكان الرجل منهم ربما تزوج العشرة و العشرين و أزيد و قد ذكروا أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء. 

  • و أغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل و من يحذو حذوهم من سكان القرى و الجبال فإن لرب البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع و كثرة الأعضاء فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الاستيلاد ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم و ليكون ذلك وسيلة يتوسلون بها إلى الترؤس و السؤدد في قومهم على ما في كثرة الازدواج من تكثر الأقرباء بالمصاهرة. 

  • و ما ذكره بعض العلماء أن العامل في تعدد الزوجات في القبائل و أهل القرى إنما هو كثرة المشاغل و الأعمال فيهم كأعمال الحمل و النقل و الرعي و الزراعة و السقاية و الصيد و الطبخ و النسج و غير ذلك فهو و إن كان حقا في الجملة إلا أن التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أن هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم، و ما ذكرناه هو الذي يتعلق به قصد الإنسان البدوي أولا و بالذات كما أن شيوع الادعاء و التبني أيضا بينهم سابقا كان من فروع هذا الغرض. 

  • على أنه كان في هذه الأمم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم و هو زيادة عدة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه فإن هذه الأمم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب و الغزوات و قتل الفتك و الغيلة فكان القتل يفني الرجال، و يزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلا بتعدد الزوجات هذا. 

  • و الإسلام شرع الازدواج بواحدة، و أنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد على ما سنشير إليها قال الله تعالى: {وَ لَهُنَّ مِثْلُ اَلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}: «البقرة: ٢٢٨». 

تفسير الميزان ج٤

184
  • و قد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات: 

  • أولا: أنه يضع آثارا سيئة في المجتمع فإنه يقرع قلوب النساء في عواطفهن و يخيب آمالهن و يسكن فورة الحب في قلوبهن فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام فيهملن أمر البيت و يتثاقلن في تربية الأولاد و يقابلن الرجال بمثل ما أساءوا إليهن فيشيع الزنا و السفاح و الخيانة في المال و العرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت. 

  • و ثانيا: أن التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل الطبيعة فإن الإحصاء في الأمم و الأجيال يفيد أن قبيلي الذكورة و الإناث متساويان عددا تقريبا فالذي هيأته الطبيعة هو واحدة لواحد، و خلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة. 

  • و ثالثا: أن في تشريع تعدد الزوجات ترغيبا للرجال إلى الشره و الشهوة، و تقوية لهذه القوة في المجتمع. 

  • و رابعا: أن في ذلك حطا لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال و هو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوى فيه بين مرأتين و رجل كما في الإرث و الشهادة و غيرهما، و لازمه تجويز التزوج باثنتين منهن لا أزيد ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه و هذه الإشكالات مما اعترض بها النصارى على الإسلام أو من يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال و النساء في المجتمع. 

  • و الجواب عن الأول ما تقدم غير مرة في المباحث المتقدمة أن الإسلام وضع بنية المجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية فالمتبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الاجتماعية دون ما تهواه الإحساسات و تنجذب إليه العواطف و ليس في ذلك إماتة العواطف و الإحساسات الرقيقة و إبطال حكم المواهب الإلهية و الغرائز الطبيعية فإن من المسلم في الأبحاث النفسية أن الصفات الروحية و العواطف و الإحساسات الباطنة تختلف كما و كيفا باختلاف التربية و العادة، كما أن كثيرا من الآداب و الرسوم الممدوحة عند الشرقيين مثلا مذمومة عند الغربيين و بالعكس، و كل أمة تختلف مع غيرها في بعضها. 

تفسير الميزان ج٤

185
  • و التربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاما لا تتألم بأمثال ذلك عواطفها. نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة و لقنت بذلك جيلا بعد جيل استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد. و من الدليل على ذلك الاسترسال الفظيع الذي شاعت بين الرجال و النساء في الأمم المتمدنة! اليوم. 

  • أ ليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة من كل من هووها و هوتهم من نسائهم من محارم و غيرها و من بكر أو ثيب و من ذات بعل أو غيرها، حتى أن الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا سواء في ذلك الرجال و النساء و لم يقنعوا بذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعا قل ما يسلم منه فرد حتى بلغ الأمر مبلغا رفعوا قبيل سنة إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط سنة قانونية و ذلك بعد شيوعه بينهم من غير رسمية، و أما النساء و خاصة الأبكار و غير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب و أفظع. 

  • فليت شعري كيف لا تأسف النساء هناك و لا يتحرجن و لا تنكسر قلوبهن و لا تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن؟ و كيف‌ لا تتألم عواطف الرجل و إحساساته حين يبني بفتاة ثم يجدها ثيبا فقدت بكارتها و افترشت لا للواحد و الاثنين من الرجال ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن توفرت عليها رغبات الرجال و تنافس في القضاء منها العشرات و المئات!! و هل هذا إلا أن هذه السيئات تكررت بينهم و نزعة الحرية تمكنت من أنفسهم حتى صارت عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف و الإحساسات و لا تستنكرها النفوس؟ فليس إلا أن السنن الجارية تميل العواطف و الإحساسات إلى ما يوافقها و لا يخالفها. 

  • و أما ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت و تثاقلهن في تربية الأولاد و شيوع الزنا و الخيانة فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك فإن هذا الحكم جرى في صدر الإسلام و ليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتاريخ أن يدعي حصول وقفة في أمر المجتمع من جهته بل كان الأمر بالعكس. 

  • على أن هذه النساء اللاتي يتزوج بهن على الزوجة الأولى في المجتمع الإسلامي و سائر المجتمعات التي ترى ذلك أعني الزوجة الثانية و الثالثة و الرابعة إنما يتزوج بهن عن رضاء و رغبة منهن و هن من نساء هذه المجتمعات، و لم يسترققهن الرجال من مجتمعات 

تفسير الميزان ج٤

186
  • أخرى، و لا جلبوهن للنكاح من غير هذه الدنيا و إنما رغبن في مثل هذا الازدواج لعلل اجتماعية، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدد الزوجات، و لا قلوبهن تتألم منها بل لو كان شي‌ء من ذلك فهو من لوازم أو عوارض الزوجية الأولى أعني أن المرأة إذا توحدت للرجل لا تحب أن ترد عليها و على بيتها أخرى لخوفها أن تميل عنها بعلها أو تترأس عليها غيرها أو يختلف الأولاد و نحو ذلك فعدم الرضاء و التألم فيما كان إنما منشؤه حالة عرضية (التوحد بالبعل) لا غريزة طبيعية. 

  • و الجواب عن الثاني أن الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال و النساء في العدد مختل من وجوه. 

  • منها أن أمر الازدواج لا يتكي على هذا الذي ذكروه فحسب بل هناك عوامل و شرائط أخرى لهذا الأمر فأولا الرشد الفكري و التهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال فالنساء و خاصة في المناطق الحارة إذا جزن التسع صلحن للنكاح، و الرجال لا يتهيئون لذلك غالبا قبل الست عشرة من السنين (و هو الذي اعتبره الإسلام للنكاح). 

  • و من الدليل على ذلك السنة الجارية في فتيات الأمم المتمدنة فمن الشاذ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني فليس إلا أن الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها الرجال لذلك. 

  • و لازم هذه الخاصة أن لو اعتبرنا مواليد ست عشرة سنة من قوم (و الفرض تساوي عدد الذكور و الإناث فيهم) كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال و هي سنة أول الصلوح مواليد سنة واحدة و هم مواليد السنة الأولى المفروضة، و الصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين و هي مواليد السنة الأولى إلى السابعة، و لو اعتبرنا مواليد خمسة و عشرين سنة و هي سن بلوغ الأشد من الرجال حصل في السنة الخامسة و العشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين و من النساء مواليد خمس عشرة سنة، و إذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكل واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة. 

  • و ثانيا أن الإحصاء كما ذكروه يبين أن النساء أطول عمرا من الرجال و لازمه أن 

تفسير الميزان ج٤

187
  • تهيئ سنة الوفاة و الموت عددا من النساء ليس بحذائهن رجال‌۱

  • و ثالثا: أن خاصة النسل و التوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء فالأغلب على النساء أن يئسن من الحمل في سن الخمسين و يمكث ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك، و ربما بقي قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي و هي مائة سنة فيكون عمر صلاحية الرجال للتوليد و هو ثمانون سنة تقريبا ضعفه في المرأة و هو أربعون تقريبا، و إذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أن الطبيعة و الخلقة أباح للرجال التعدي من الزوجة الواحدة إلى غيرها فلا معنى لتهيئة قوة التوليد و المنع عن الاستيلاد من محل شأنه ذلك فإن ذلك مما تأباه سنة العلل و الأسباب الجارية. 

  • و رابعا: أن الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب و المقاتل و غيرهما تحل بالرجال و تفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس كما تقدم أنه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل فهذه الأرامل و النساء العزل لا محيص لهن عن قبول التعدد أو الزنا أو خيبة القوة المودعة في طبائعهن و بطلانها. 

  • و مما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في الألمان الغربي قبل عدة شهور من كتابة هذه الأوراق: أظهرت جمعية النساء العزل تحرجها من فقدان البعولة و سألت الحكومة أن يسمح لهن بسنة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوج من شاء من الرجال بأزيد من واحدة و يرتفع بذلك غائلة الحرمان‌، غير أن الحكومة لم تجبهن في ذلك و امتنعت الكنيسة من قبوله و رضيت بفشو الزنا و شيوعه و فساد النسل به. 

  • و منها أن الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال و النساء في العدد مع 

    1.  و مما يؤيد ذلك ما نشره بعض الجرائد في هذه الأيام (جريدة الاطلاعات المنتشرة في طهران المؤرخة بالثلاثاء ١١ ديماه سنة ١٣٣٥ شمسي) حكاية عن دائرة الإحصاء في فرنسا ما حاصله: قد تحصل بحسب الإحصاء أنه يولد في فرنسا حذاء كل «١٠٠» مولودة من البنات «١٠٥» من البنين، و مع ذلك فإن الإناث يربو عدتهم على عدة الذكور بما يعادل «١٧٦٥٠٠٠» نسمة، و نفوس المملكة «٤٠مليونا تقريبا» و السبب فيه أن البنين أضعف مقاومة من البنات قبال الأمراض و يهلك بها «٥ در صد» الزائد منهم إلي سنة «١٩» من الولادة. 
      ثم يأخذ عدة الذكور في النقص ما بين ٢٥٣٠من السنين حتى إذا بلغوا سني ٦٠٦٥ لم يبق تجاه كل «١٥٠٠٠٠٠» من الإناث إلى «٧٥٠٠٠٠» من الذكور

تفسير الميزان ج٤

188
  • الغض عما تقدم إنما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك و لا يسع ذلك بالطبع إلا لبعضهم دون جميعهم و الإسلام لم يشرع تعدد الزوجات بنحو الفرض و الوجوب على الرجال بل إنما أباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم، و من أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجا و لا فسادا أن سير هذه السنة بين المسلمين و كذا بين سائر الأمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجا من قحط النساء و إعوازهن على الرجال. بل بالعكس من ذلك أعد تحريم التعدد في البلاد التي فيها ذلك ألوفا من النساء حرمن الأزواج و الاجتماع المنزلي و اكتفين بالزنا. 

  • و منها أن الاستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم و لم يعدل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة فقد شرط الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف و في القسم و الفراش و فرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن و لا يتيسر الإنفاق على أربع نسوة مثلا و من يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة و غير ذلك إلا لبعض أولي الطول و السعة من الناس لا لجميعهم. 

  • على أن هناك طرقا دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج على الاقتصار عليها و الإغماض عن التكثير. 

  • و الجواب عن الثالث: أنه مبني على عدم التدبر في نحو التربية الإسلامية و مقاصد هذه الشريعة فإن التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالستر و العفاف و الحياء و عدم الخرق تنمي المرأة و شهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل (على الرغم مما شاع أن شهوة النكاح فيها أزيد و أكثر و استدل عليه بتولعها المفرط بالزينة و الجمال طبعا) و هذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوج بالنساء الناشئات على التربية الدينية فشهوة النكاح في المتوسط من الرجال تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة بل و المرأتين و الثلاث. 

  • و من جهة أخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع و مشتهيات النفس فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل و لا يحرم منها فيدعوه ذلك إلى التعدي إلى الفجور و الفحشاء و المرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث 

تفسير الميزان ج٤

189
  • أوقات المعاشرة و المصاحبة كأيام العادة و بعض أيام الحمل و الوضع و الرضاع و نحو ذلك و الإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما تكرر منا في المباحث السابقة من هذا الكتاب أن الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الاسترسال في الأهواء و الخواطر السوء كحال التعزب و نحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام. 

  • و من جهة أخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثر نسل المسلمين و عمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك و الفساد. 

  • فهذه الجهات و أمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في‌ تشريع تعدد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة و ترغيب الناس إلى الانكباب عليها و لو أنصف هؤلاء المستشكلون كان هذه السنن الاجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للاجتماع على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء و الترغيب إلى الشره من الإسلام الباني للاجتماع على أساس السعادة الدينية. 

  • على أن في تجويز تعدد الزوجات تسكينا لثورة الحرص التي هي من لوازم الحرمان فكل محروم حريص، و لا هم للممنوع المحبوس إلا أن يهتك حجاب المنع و الحبس، فالمسلم و إن كان ذا زوجة واحدة فإنه على سكن و طيب نفس من أنه ليس بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرجت نفسه يوما إليه، و هذا نوع تسكين لطيش النفس، و إحصان لها عن الميل إلى الفحشاء و هتك الأعراض المحرمة. 

  • و قد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال: لم يعمل في إشاعة الزنا و الفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات‌۱

  • و الجواب عن الرابع أنه ممنوع فقد بينا في بعض المباحث السابقة عند الكلام في حقوق‌٢. المرأة في الإسلام: أنه لم يحترم النساء و لم يراع حقوقهن كل المراعاة أي 

    1.  رسالة المسترجان ديون بورت الإنجليزي في الاعتذار إلى حضرة محمد و القرآن ترجمة الفاضل: 
      السعيدي بالفارسية.
    2. البحث العلمي من الجزء الثاني ص ٢٦٠

تفسير الميزان ج٤

190
  • سنة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها و حديثها بمثل ما احترمهن الإسلام و سنزيد في ذلك وضوحا. 

  • و أما تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن الاجتماعي و إماتة حقوقهن و الاستخفاف بموقفهن في الحياة و إنما هو مبني على جهات من المصالح تقدم بيان بعضها. 

  • و قد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي و ما في منعه من المفاسد الاجتماعية و المحاذير الحيوية جمع من باحثي الغرب من الرجال و النساء من أراده فليراجع إلى مظانه. 

  • و أقوى ما تشبث به مخالفوا سنة التعدد من علماء الغرب و زوقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة: ضرتان أو ضرائر فإن هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة و لا عيشة هنيئة، لا تلبث الضرتان من أول يوم حلتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى أنهم سموا الحسد بداء الضرائر، و عندئذ تنقلب جميع العواطف و الإحساسات الرقيقة التي جبلت عليها النساء من الحب و لين الجانب و الرقة و الرأفة و الشفقة و النصح و حفظ الغيب و الوفاء و المودة و الرحمة و الإخلاص بالنسبة إلى الزوج و أولاده من غير الزوجة و بيته و جميع ما يتعلق به إلى أضدادها، فينقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي و تألم الروح و الجسم من مشاق الأعمال و الجهد في المكسب معركة قتال يستباح فيها النفس و العرض و المال و الجاه، لا يؤمن فيه من شي‌ء لشي‌ء، و يتكدر فيه صفو العيش و ترتحل لذة الحياة، و يحل محلها الضرب و الشتم و السب و اللعن و السعاية و النميمة و الرقابة و المكر و المكيدة، و اختلاف الأولاد و تشاجرهم، و ربما انجر الأمر إلى هم الزوجة بإهلاك الزوج، و قتل بعض الأولاد بعضا أو أباهم، و تتبدل القرابة بينهم إلى‌ الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء و هلاك النسل و فساد البيت، أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء و فساد الأخلاق و القسوة و الظلم و البغي و الفحشاء و انسلاب الأمن و الوثوق و خاصة إذا أضيف إلى ذلك جواز الطلاق فإباحة تعدد الزوجات و الطلاق ينشئان في المجتمع رجالا ذواقين مترفين لا هم لهم إلا اتباع الشهوات و الحرص و التولع على أخذ هذه و ترك تلك، و رفع واحدة و وضع أخرى، و ليس فيه إلا تضييع نصف المجتمع و إشقاؤه و هو قبيل النساء، و بذلك 

تفسير الميزان ج٤

191
  • يفسد النصف الآخر. 

  • هذا محصل ما ذكروه، و هو حق غير أنه إنما يرد على المسلمين لا على الإسلام و تعاليمه، و متى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم؟ و قد فقدوا منذ قرون الحكومة الصالحة التي تربي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار التي أسدلها الدين و نقض قوانينه و إبطال حدوده هي طبقة الحكام و الولاة على المسلمين، و الناس على دين ملوكهم، و لو اشتغلنا بقص بعض السير الجارية في بيوت الملوك و الفضائح التي كان يأتي بها ملوك الإسلام و ولاته منذ أن تبدلت الحكومة الدينية بالملك و السلطنة المستبدة لجاء بحياله تأليفا مستقلا، و بالجملة لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمن سعادة عيشتهم و نحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط، و الذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء و الأولاد و إن كان على كل نفس ما اكتسبت من إثم، و ذلك أن سيرة هؤلاء الرجال و تفديتهم سعادة أنفسهم و أهليهم و أولادهم و صفاء جو مجتمعهم في سبيل شرهم و جهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد و المنبت لكل هذه الشقوة المبيدة. 

  • و أما الإسلام فلم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب و الفرض على كل رجل، و إنما نظر في طبيعة الأفراد و ما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة، و اعتبر الصلاح القاطع في ذلك (كما مر تفصيله) ثم استقصى مفاسد التكثير و محاذيره و أحصاها فأباح عند ذلك التعدد حفظا لمصلحة المجتمع الإنساني، و قيده بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة و هو وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن و يعدل فمن وثق من نفسه بذلك و وفق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات، و أما هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم و أهليهم و أولادهم و لا كرامة عندهم إلا ترضية بطونهم و فروجهم، و لا مفهوم للمرأة عندهم إلا أنها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل و لذته فلا شأن للإسلام فيهم، و لا يجوز لهم إلا الازدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك و الحال هذه. 

  • على أن في أصل الإشكال خلطا بين جهتين مفرقتين في الإسلام، و هما جهتا التشريع و الولاية. 

  • توضيح ذلك أن المدار في القضاء بالصلاح و الفساد في القوانين الموضوعة و السنن 

تفسير الميزان ج٤

192
  • الجارية عند الباحثين اليوم هو الآثار و النتائج المرضية أو غير المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع و قبول الجوامع لها بفعليتها الموجودة و عدم قبولها، و ما أظن أنهم على غفلة من أن المجتمع ربما اشتمل على بعض سنن و عادات و عوارض لا تلائم الحكم المبحوث عنه و أنه يجب تجهيز المجتمع بما لا ينافي الحكم أو السنة المذكورة حتى يرى إلى ما يصير أمره؟ و ما ذا يبقى من الأثر خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا؟ إلا أنهم يعتبرون في القوانين الموضوعة ما يريده و يستدعيه المجتمع بحاضر إرادته و ظاهر فكرته كيفما كان، فما وافق إرادتهم و مستدعياتهم فهو القانون الصالح و ما خالف ذلك فهو القانون غير الصالح. 

  • و لذلك لما رأوا المسلمين تائهين في أودية الغي فاسدين في معاشهم و معادهم نسبوا ما يشاهدونه منهم من الكذب و الخيانة و الخنا و هضم الحقوق و فشو البغي و فساد البيوت و اختلال الاجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم زعما منهم أن السنة الإسلامية في جريانها بين الناس و تأثيرها أثرها كسائر السنن الاجتماعية التي تحمل على الناس عن إحساسات متراكمة بينهم، و يستنتجون من ذلك أن الإسلام هو المولد لهذه المفاسد الاجتماعية و منه ينشأ هذا البغي و الفساد (و فيهم أبغى البغي و أخنى الخنا، و كل الصيد في جوف الفراء) و لو كان دينا واقعيا و كانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمنة لصلاح الناس و سعادتهم لأثرت فيهم الآثار المسعدة الجميلة، و لم ينقلب وبالا عليهم!

  • و لكنهم خلطوا بين طبيعة الحكم الصالحة المصلحة، و بين طبيعة الناس الفاسدة المفسدة، و الإسلام مجموع معارف أصلية و أخلاقية و قوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء إذا أفسد بعض أجزائها أوجب ذلك فساد الجميع و انحرافها في التأثير كالأدوية و المعاجين المركبة التي تحتاج في تأثيرها الصحي إلى سلامة أجزائها و إلى محل معد مهيأ لورودها و عملها، و لو أفسد بعض أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط الاستعمال بطل عنها وصف التأثير، و ربما أثرت ما يضاد أثرها المترقب منها. 

  • هب أن السنة الإسلامية لم تقو على إصلاح الناس و محق الذمائم و الرذائل العامة لضعف مبانيها التقنينية فما بال السنة الديمقراطية لا تنجع في بلادنا الشرقية أثرها في 

تفسير الميزان ج٤

193
  • البلاد الأوربية؟ و ما بالنا كلما أمعنا في السير و الكدح بالغنا في الرجوع على أعقابنا القهقرى و لا يشك شاك أن الذمائم و الرذائل اليوم أشد تصلبا و تعرقا فينا و نحن مدنيون متنورون منها قبل نصف قرن و نحن همجيون، و ليس لنا حظ من العدل الاجتماعي و حياة الحقوق البشرية و المعارف العامة العالية و كل سعادة اجتماعية إلا أسماء نسميها و ألفاظا نسمعها. 

  • فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلا بأن هذه السنن المرضية إنما لم تؤثر أثرها لأنكم لا تعملون بها، و لا تهتمون بإجرائها فما بال هذا العذر يجري فيها و ينجع و لا يجري في الإسلام و لا ينجع؟

  • و هب أن الإسلام لوهن أساسها (و العياذ بالله) عجز عن التمكن في قلوب الناس و النفوذ الكامل في أعماق المجتمع فلم تدم حكومته و لم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي فلم يلبث دون أن عاد مهجورا فما بال السنة الديمقراطية و كانت سنة مرضية عالمية ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى عن روسيا و انمحت آثارها و خلفتها السنة الشيوعية؟ و ما بالها انقلبت إلى السنة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين و لتوني و إستوني و ليتواني و رومانيا و المجر و يوغوسلاوي و غيرها، و هي تهدد سائر الممالك و قد نفذت فيها نفوذا؟

  • و ما بال السنة الشيوعية بعد ما عمرت ما يقرب من أربعين سنة، و انبسطت و حكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني و لم يزل دعاتها و أولياؤها يتباهون في فضيلتها أنها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكم الاستبداد و لا استثمار الديمقراطية و أن البلاد التي تعرقت فيها هي الجنة الموعودة ثم لم يلبث هؤلاء الدعاة و الأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدها الوحيد (ستالين) الذي كان يتولى إمامتها و قيادتها منذ ثلاثين سنة، و أوضحوا أن حكومته كانت حكومة تحكم و استبداد و استعباد في صورة الشيوعية، و لا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة و إجرائها و سائر ما يتعلق بذلك فلم ينتش شي‌ء من ذلك إلا عن إرادة مستبدة مستعبدة و حكومة فردية تحيي ألوفا و تميت ألوفا و تسعد أقواما و تشقي 

تفسير الميزان ج٤

194
  • آخرين. و الله يعلم من الذي يأتي بعد هؤلاء و يقضي عليهم بمثل ما قضوا به على من كان قبلهم. 

  • و السنن و الآداب و الرسوم الدائرة في المجتمعات (أعم من الصحيحة و الفاسدة) ثم المرتحلة عنها لعوامل متفرقة أقواها خيانة أولياؤها و ضعف إرادة الأفراد المستنين بها كثيرة يعثر عليها من راجع كتب التواريخ. 

  • فليت شعري ما الفارق بين الإسلام من حيث إنها سنة اجتماعية و بين هذه السنن المتقلبة المتبدلة حيث‌٤٢٠٠يقبل العذر فيها و لا يقبل في الإسلام؟ نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية و جهالة تقليد شرقية فلا سماء تظلها و لا أرض تقلها و على أي حال يجب أن يتنبه مما فصلناه أن تأثير سنة من السنن أثرها في الناس و عدمه و كذا بقاؤها بين الناس و ارتحالها لا يرتبط كل الارتباط بصحتها و فسادها حتى يستدل عليه بذلك بل لسائر العلل و الأسباب تأثير في ذلك فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار و العهود إلا و هي تنتج يوما و تعقم آخر و تقيم بين الناس برهة من الزمان و ترتحل عنهم في أخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها، و تلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء. 

  • و بالجملة القوانين الإسلامية و الأحكام التي فيها، تخالف بحسب المبنى و المشرب سائر القوانين الاجتماعية الدائرة بين الناس فإن القوانين الاجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار و تتبدل بتبدل المصالح لكن القوانين الإسلامية لا تحتمل الاختلاف و التبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح غير أن الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها و كل تصرف له أن يتصرف به أو يدعه فلوالي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم عنها و يتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد و الوالي نفسه المتفكرة المريدة. 

  • فلو كان للإسلام وال أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدد الزوجات و غير ذلك من غير أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته، و إنما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات لمصلحة يراها لا لتغيير في الحكم بل لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه. 

تفسير الميزان ج٤

195
  • بحث علمي آخر ملحق به في تعدد أزواج النبي 

  • و مما اعترضوا عليه تعدد زوجات النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) قالوا: إن تعدد الزوجات لا يخلو في نفسه عن الشره و الانقياد لداعي الشهوة: و هو (صلى الله عليه وآله و سلم) لم يقنع بما شرعه لأمته من الأربع حتى تعدى إلى التسع من النسوة. 

  • و المسألة ترتبط بآيات متفرقة كثيرة في القرآن، و البحث من كل جهة من جهاتها يجب أن يستوفي عند الكلام على الآية المربوطة بها و لذلك أخرنا تفصيل القول إلى محاله المناسبة له و إنما نشير هاهنا إلى ذلك إشارة إجمالية. 

  • فنقول: من الواجب أن يلفت نظر هذا المعترض المستشكل إلى أن قصة تعدد زوجات النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليست على هذه السذاجة (أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) بالغ في حب النساء حتى أنهى عدة أزواجه إلى تسع نسوة) بل كان اختياره لمن اختارها منهن على نهج خاص في مدى حياته فهو (صلى الله عليه وآله و سلم) كان تزوج أول ما تزوج بخديجة رضي الله عنها و عاش معها مقتصرا عليها نيفا و عشرين سنة (و هي ثلثا عمره الشريف بعد الازدواج) منها ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة ثم هاجر إلى المدينة و شرع في نشر الدعوة و إعلاء كلمة الدين، و تزوج بعدها من النساء منهن البكر و منهن الثيب و منهن الشابة و منهن العجوز و المكتهلة و كان على ذلك ما يقرب من عشرة سنين ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه، و من المعلوم أن هذا الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء و الولوع بهن و الوله بالقرب منهن فأول هذه السيرة و آخرها يناقضان ذلك. 

  • على أنا لا نشك بحسب ما نشاهده من العادة الجارية أن المتولع بالنساء المغرم بحبهن و الخلاء بهن و الصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة عشيق للجمال مفتون بالغنج و الدلال حنين إلى الشباب و نضارة السن و طراوة الخلقة، و هذه الخواص أيضا لا تنطبق على سيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنه بنى بالثيب بعد البكر و بالعجوز بعد الفتاة الشابة فقد بنى بأم سلمة و هي مسنة، و بنى بزينب بنت جحش و سنها يومئذ يربو على خمسين بعد ما تزوج بمثل عائشة و أم حبيبة و هكذا. 

تفسير الميزان ج٤

196
  • و قد خير (صلى الله عليه وآله و سلم) نساءه بين التمتيع و السراح الجميل و هو الطلاق إن كن يردن الدنيا و زينتها و بين الزهد في الدنيا و ترك التزيين و التجمل إن كن يردن الله و رسوله و الدار الآخرة على ما يشهد به قوله تعالى في القصة: {يَا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}: الأحزاب ٢٩، و هذا المعنى أيضا كما ترى لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصالهن. 

  • فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف إلا أن يوجه كثرة ازدواجه (صلى الله عليه وآله و سلم) فيما بين أول أمره و آخر أمره بعوامل أخر غير عامل الشره و الشبق و التلهي. 

  • فقد تزوج (صلى الله عليه وآله و سلم) ببعض هؤلاء الأزواج اكتسابا للقوة و ازديادا للعضد و العشيرة، و ببعض هؤلاء استمالة للقلوب و توقيا من بعض الشرور، و ببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق و إدارة المعاش و ليكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل و العجائز من المسكنة و الضيعة، و ببعضها لتثبيت حكم مشروع و إجرائه عملا لكسر السنن المنحطة و البدع الباطلة الجارية بين الناس كما في تزوجه بزينب بنت جحش و قد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم طلقها زيد، و قد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله على نحو التبني و كانت زوجة المدعو ابنا عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب فتزوج بها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و نزل فيها الآيات. 

  • و كان (صلى الله عليه وآله و سلم) تزوج لأول مرة بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة و قد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، و كانت سودة هذه مؤمنة مهاجرة و لو رجعت إلى أهلها و هم يومئذ كفار لفتنوها كما فتنوا غيرها من المؤمنين و المؤمنات بالزجر و القتل و الإكراه على الكفر. 

  • و تزوج بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبد الله بن جحش في أحد و كانت من السيدات الفضليات في الجاهلية تدعى أم المساكين لكثرة برها للفقراء و المساكين و عطوفتها بهم فصان بازدواجها ماء وجهها. 

  • و تزوج بأم سلمة و اسمها هند و كانت من قبل زوجة عبد الله أبي سلمة ابن عمة 

تفسير الميزان ج٤

197
  • النبي و أخيه من الرضاعة أول من هاجر إلى الحبشة و كانت زاهدة فاضلة ذات دين و رأي فلما توفي عنها زوجها كانت مسنة ذات أيتام فتزوج بها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و تزوج بصفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير قتل زوجها يوم خيبر و قتل أبوها مع بني قريظة، و كانت في سبي خيبر فاصطفاها و أعتقها و تزوج بها فوقاها بذلك من الذل و وصل سببه ببني إسرائيل. 

  • و تزوج بجويرية و اسمها برة بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد وقعة بني المصطلق و قد كان المسلمون أسروا منهم مائتي بيت بالنساء و الذراري، فتزوج (صلى الله عليه وآله و سلم) بها فقال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم و أعتقوهم جميعا فأسلم بنو المصطلق بذلك، و لحقوا عن آخرهم بالمسلمين و كانوا جما غفيرا و أثر ذلك أثرا حسنا في سائر العرب. 

  • و تزوج بميمونة و اسمها برة بنت الحارث الهلالية و هي التي وهبت نفسها للنبي ص بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى فاستنكحها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و تزوج بها و قد نزل فيها القرآن. 

  • و تزوج بأم حبيبة و اسمها رملة بنت أبي سفيان و كانت زوجة عبيد الله بن جحش و هاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر عبيد الله هناك و ثبتت هي على الإسلام و أبوها أبو سفيان يجمع الجموع على الإسلام يومئذ فتزوج بها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أحصنها. 

  • و تزوج بحفصة بنت عمر و قد قتل زوجها خنيس بن حذاقة ببدر و بقيت أرملة و تزوج بعائشة بنت أبي بكر و هي بكر. 

  • فالتأمل في هذه الخصوصيات مع ما تقدم في صدر الكلام من جمل سيرته في أول أمره و آخره و ما سار به من الزهد و ترك الزينة و ندبه نساءه إلى ذلك لا يبقى للمتأمل موضع شك في أن ازدواجه (صلى الله عليه وآله و سلم) بمن تزوج بها من النساء لم يكن على حد غيره من عامة الناس، أضف إلى ذلك جمل صنائعه (صلى الله عليه وآله و سلم) في النساء، و إحياء ما كانت قرون الجاهلية و أعصار الهمجية أماتت من حقوقهن في الحياة، و أخسرته من وزنهن في المجتمع الإنساني حتى روي أن آخر ما تكلم به (صلى الله عليه وآله و سلم) هو توصيتهن لجامعة الرجال قال (صلى الله عليه وآله و سلم): «الصلاة الصلاة، و ما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله 

تفسير الميزان ج٤

198
  • في النساء فإنهن عوان في أيديكم» الحديث. 

  • و كانت سيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) في العدل بين نسائه و حسن معاشرتهن و رعاية جانبهن مما يختص به (صلى الله عليه وآله و سلم) (على ما سيأتي شذرة منه في الكلام على سيرته في مستقبل المباحث إن شاء الله) و كان حكم الزيادة على الأربع كصوم الوصال من مختصاته التي منعت عنها الأمة، و هذه الخصال و ظهورها على الناس هي التي منعت أعداءه من الاعتراض عليه بذلك مع تربصهم الدوائر به.

  •  

  • [سورة النساء (٤): الآیات ٧ الی ١٠] 

  • {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ٧ وَ إِذَا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‌ وَ اَلْيَتَامى‌ وَ اَلْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ٨ وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ٩ إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامى‌ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ١٠} 

  • (بيان‌)

  • شروع في تشريع أحكام الإرث بعد تمهيد ما مهدت من المقدمات، و قد قدم بيان جملي لحكم الإرث من قبيل ضرب القاعدة لإيذان أن لا حرمان في الإرث بعد ثبوت الولادة أو القرابة حرمانا ثابتا لبعض الأرحام و القرابات كتحريم صغار الورثة و النساء، و زيد مع ذلك في التحذير عن تحريم الأيتام من الوراثة فإنه يستلزم أكل سائر الورثة أموالهم ظلما و قد شدد الله في النهي عنه. و قد ذكر مع ذلك مسألة رزق 

تفسير الميزان ج٤

199
  • أولي القربى و اليتامى و المساكين إذا حضروا قسمة التركة و لم يكونوا ممن يرث تطفلا. 

  • قوله تعالى{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} (الآية)، النصيب‌ هو الحظ و السهم، و أصله من النصب بمعنى الإقامة لأن كل سهم عند القسمة ينصب على حدته حتى لا يختلط بغيره، و التركة ما بقي من مال الميت بعده كأنه يتركه و يرتحل فاستعماله الأصلي استعمال استعاري ثم ابتذل، و الأقربون‌ هم القرابة الأدنون، و اختيار هذا اللفظ على مثل الأقرباء و أولي القربى و نحوهما لا يخلو من دلالة على أن الملاك في الإرث أقربية الميت من الوارث على ما سيجي‌ء البحث عنه في قوله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}: «النساء: ١١»، و الفرض‌ قطع الشي‌ء الصلب و إفراز بعضه من بعض، و لذا يستعمل في معنى الوجوب لكون إتيانه و امتثال‌ الأمر به مقطوعا معينا من غير تردد، و النصيب المفروض هو المقطوع المعين. 

  • و في الآية إعطاء للحكم الكلي و تشريع لسنة حديثة غير مألوفة في أذهان المكلفين، فإن حكم الوراثة على النحو المشروع في الإسلام لم يكن قبل ذلك مسبوقا بالمثل و قد كانت العادات و الرسوم على تحريم عدة من الوراث عادت بين الناس كالطبيعة الثانية تثير النفوس و تحرك العواطف الكاذبة لو قرع بخلافها أسماعهم. 

  • و قد مهد له في الإسلام أولا بتحكيم الحب في الله و الإيثار الديني بين المؤمنين فعقد الإخوة بين المؤمنين ثم جعل التوارث بين الأخوين، و انتسخ بذلك الرسم السابق في التوارث، و انقلع المؤمنون من الأنفة و العصبية القديمة ثم لما اشتد عظم الدين، و قام صلبه شرع التوارث بين أولي الأرحام في حين كان هناك عدة كافية من المؤمنين يلبون لهذا التشريع أحسن التلبية. 

  • و بهذه المقدمة يظهر أن المقام مقام التصريح و رفع كل لبس متوهم بضرب القاعدة الكلية بقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ}، فالحكم مطلق غير مقيد بحال أو وصف أو غير ذلك أصلا، كما أن موضوعه أعني الرجال عام غير مخصص بشي‌ء متصل فالصغار ذوو نصيب كالكبار. 

  • ثم قال: {وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} و هو كسابقه عام من غير شائبة تخصيص فيعم جميع النساء من غير تخصيص أو تقييد، و قد أظهر في قوله {مِمَّا تَرَكَ 

تفسير الميزان ج٤

200
  • اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} مع أن المقام مقام الإضمار إيفاء لحق التصريح و التنصيص، ثم قال: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} زيادة في التوضيح و أن لا مجال للمسامحة في شي‌ء منه لقلة و حقارة، ثم قال: {نَصِيباً}«إلخ»، و هو حال من النصيب لما فيه من المعنى المصدري، و هو بحسب المعنى تأكيد على تأكيد و زيادة في التنصيص على أن السهام مقطوعة معينة لا تقبل الاختلاط و الإبهام. 

  • و قد استدل بالآية على عموم حكم الإرث لتركة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و غيره، و على بطلان التعصيب في الفرائض. 

  • قوله تعالى{وَ إِذَا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‌َ}«إلخ» ظاهر الآية أن المراد من حضورهم القسمة أن يشهدوا قسمة التركة حينما يأخذ الورثة في اقتسامها لا ما ذكره بعضهم أن المراد حضورهم عند الميت حينما يوصي و نحو ذلك، و هو ظاهر. 

  • و على هذا فالمراد من أولي القربى الفقراء منهم، و يشهد بذلك أيضا ذكرهم مع اليتامى و المساكين، و لحن قوله: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}، الظاهر في الاسترحام و الاسترفاق، و يكون الخطاب حينئذ لأولياء الميت و الورثة. 

  • و قد اختلف في أن الرزق المذكور في الآية على نحو الوجوب أو الندب، و هو بحث فقهي خارج عن وضع هذا الكتاب، كما اختلف في أن الآية هل هي محكمة أو منسوخة بآية المواريث؟ مع أن النسبة بين الآيتين ليست نسبة التناقض لأن آية المواريث تعين فرائض الورثة، و هذه الآية تدل على غيرهم وجوبا أو ندبا في الجملة من غير تعيين سهم فلا موجب للنسخ و خاصة بناء على كون الرزق مندوبا كما أن الآية لا تخلو من ظهور فيه. 

  • قوله تعالى{وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} (الآية) الخشية التأثر القلبي مما يخاف نزوله مع شائبة تعظيم و إكبار، و سداد القول‌ و سدده كونه صوابا مستقيما. 

  • و لا يبعد أن تكون الآية متعلقة نحو تعلق بقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} (الآية) لاشتماله على إرث الأيتام الصغار بعمومه فتكون مسوقة سوق التهديد لمن يسلك مسلك تحريم صغار الورثة من الإرث، و يكون حينئذ قوله: {وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} كناية عن اتخاذ 

تفسير الميزان ج٤

201
  • طريقة التحريم و العمل بها و هضم حقوق الأيتام الصغار، و الكناية بالقول عن الفعل للملازمة بينهما غالبا شائع في اللسان كقوله تعالى: {وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (الآية): البقرة ٨٣، و يؤيده توصيف القول بالسديد دون المعروف و اللين و نحوهما فإن ظاهر السداد في القول كونه قابلا للاعتقاد و العمل به لا قابلا لأن يحفظ به كرامة الناس و حرمتهم. 

  • و كيف كان فظاهر قوله: {اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} إنه تمثيل للرحمة و الرأفة على الذرية الضعاف الذين لا ولي لهم يتكفل أمرهم و يذود عنهم الذل و الهوان، و ليس التخويف و التهديد المستفاد من الآية مخصوصا بمن له ذرية ضعفاء بالفعل لمكان لو في قوله‌{لَوْ تَرَكُوا}، و لم يقل: لو تركوا ذريتهم الضعاف بل هو تمثيل يقصد به بيان الحال، و المراد الذين من صفتهم أنهم كذا أي أن في قلوبهم رحمة إنسانية و رأفة و شفقة على ضعفاء الذرية الذين مات عنهم آباؤهم و هم الأيتام و الذين من صفتهم كذا هم الناس و خاصة المسلمون المتأدبون بأدب الله المتخلقون بأخلاقه فيعود المعنى إلى مثل قولنا: و ليخش الناس و ليتقوا الله في أمر اليتامى فإنهم كأيتام أنفسهم في أنهم ذرية ضعاف‌ يجب أن يخاف عليهم و يعتنى بشأنهم و لا يضطهدوا و لا يهضم حقوقهم فالكلام في مساق قولنا: من خاف الذل و الامتهان فليشتغل بالكسب و كل يخاف ذلك. 

  • و لم يؤمر الناس في الآية بالترحم و الترؤف و نحو ذلك بل بالخشية و اتقاء الله و ليس إلا أنه تهديد بحلول ما أحلوا بأيتام الناس من إبطال حقوقهم و أكل مالهم ظلما بأيتام أنفسهم بعدهم، و ارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ذريتهم بعدهم. 

  • و أما قوله: {فَلْيَتَّقُوا اَللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} فقد تقدم أن الظاهر أن المراد بالقول هو الجري العملي و من الممكن أن يراد به الرأي.

  • كلام في انعكاس العمل إلى صاحبه 

  • من ظلم يتيما في ماله فإن ظلمه سيعود إلى الأيتام من أعقابه، و هذا من الحقائق العجيبة القرآنية، و هو من فروع ما يظهر من كلامه تعالى أن بين الأعمال الحسنة و السيئة و بين الحوادث الخارجية ارتباطا، و قد تقدم بعض الكلام فيه في البحث عن 

تفسير الميزان ج٤

202
  • أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب. 

  • الناس يتسلمون في الجملة أن الإنسان إنما يجني ثمر عمله و أن المحسن الخير من الناس يسعد في حياته، و الظلوم الشرير لا يلبث دون أن يذوق وبال عمله، و في القرآن الكريم آيات تدل على ذلك بإطلاقها كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}: حم السجدة ٤٦، و قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}: الزلزال: ، و كذا قوله تعالى: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ}: يوسف: ٩٠، و قوله: {لَهُ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ}: الحج: ٩، و قوله {وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (الآية): الشورى: ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الخير و الشر من العمل له نوع انعكاس و ارتداد إلى عامله في الدنيا. 

  • و السابق إلى أذهاننا المأنوسة بالأفكار التجربية الدائرة في المجتمع من هذه الآيات أن هذا الانعكاس إنما هو من عمل الإنسان إلى نفسه إلا أن هناك آيات دالة على أن الأمر أوسع من ذلك، و أن عمل الإنسان خيرا أو شرا ربما عاد إليه في ذريته و أعقابه قال تعالى: {وَ أَمَّا اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}: الكهف: ٨٢، فظاهر الآية أن لصلاح أبيهما دخلا فيما أراده الله رحمة بهما، و قال تعالى {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} (الآية). 

  • و على هذا فأمر انعكاس العمل أوسع و أعم، و النعمة أو المصيبة ربما تحلان بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه. 

  • و التدبر في كلامه تعالى يهدي إلى حقيقة السبب‌ في ذلك فقد تقدم في الكلام على الدعاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب في قوله تعالى: {وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}: البقرة: ١٨٦، دلالة كلامه تعالى على أن جميع ما يحل الإنسان من جانبه تعالى إنما هو لمسألة سألها ربه، و أن ما مهده من مقدمة و داخله من الأسباب سؤال منه لما ينتهي إليه من الحوادث و المسببات قال تعالى: {يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}: الرحمن: ٢٩، و قال تعالى: {وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ 

تفسير الميزان ج٤

203
  • اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}: إبراهيم: ٣٤، و لم يقل: و إن تعدوه لا تحصوه لأن فيما سألوه ما ليس بنعمة، و المقام مقام الامتنان بالنعم و اللوم على كفرها و لذا ذكر بعض ما سألوه و هو النعمة. 

  • ثم إن ما يفعله الإنسان لنفسه و يوقعه على غيره من خير أو شر يرتضيه لمن أوقع عليه و هو إنسان مثله فليس إلا أنه يرتضيه لنفسه و يسأله لشخصه فليس هناك إلا الإنسانية و من هاهنا يتضح للإنسان أنه إن أحسن لأحد فإنما سأل الله ذلك الإحسان لنفسه دعاء مستجابا و سؤالا غير مردود، و إن أساء على أحد أو ظلمه فإنما طلب ذلك لنفسه و ارتضاه لها و ما يرتضيه لأولاد الناس و يتاماهم يرتضيه لأولاد نفسه و يسأله لهم من خير أو شر، قال تعالى: {وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ}: البقرة: ١٤٨، فإن معناه أن استبقوا الخيرات لتكون وجهتكم خيرا. 

  • و الاشتراك في الدم و وحدة الرحم يجعل عمود النسب و هو العترة شيئا واحدا فأي حال عرضت لجانب من جوانب هذا الواحد، و أي نازلة نزلت في طرف من أطرافها فإنما عرضت و نزلت على متنه و هو في حساب جميع الأطراف، و قد مر شطر من الكلام في الرحم في أول هذه السورة. 

  • فقد ظهر بهذا البيان أن ما يعامل به الإنسان غيره أو ذرية غيره فلا محيص من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريته إلا أن يشاء الله، و إنما استثنينا لأن في الوجود عوامل و جهات غير محصورة لا يحيط بجميعها إحصاء الإنسان، و من الممكن أن تجري هناك عوامل و أسباب لم نتنبه لها أو لم نطلع عليها توجب خلاف ذلك كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى: {وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}: «الشورى: ٣٠». 

  • قوله تعالى{إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} (الآية) يقال: أكله و أكله في بطنه و هما بمعنى واحد غير أن التعبير الثاني أصرح و الآية كسابقتها متعلقه للمضمون بقوله‌{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} (الآية) و هي تخويف و ردع للناس عن هضم حقوق اليتامى في الإرث. 

  • و الآية مما يدل على تجسم الأعمال على ما مر في الجزء الأول من هذا الكتاب في 

تفسير الميزان ج٤

204
  • قوله تعالى{إِنَ‌ اَللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا}: «البقرة: ٢٦» و لعل هذا مراد من قال من المفسرين إن قوله‌{إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}، كلام على الحقيقة دون المجاز و على هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المفسرين: أن قوله: {يَأْكُلُونَ} أريد به الحال دون الاستقبال بقرينة عطف قوله: {وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} عليه و هو فعل دخل عليه حرف الاستقبال فلو كان المراد به حقيقة الأكل و وقته يوم القيامة لكان من اللازم أن يقال: سيأكلون في بطونهم نارا و يصلون سعيرا فالحق أن المراد به المعنى المجازي، و أنهم في أكل مال اليتيم كمن يأكل في بطنه نارا انتهى ملخصا و هو غفلة عن معنى تجسم الأعمال. 

  • و أما قوله: {وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} فهو إشارة إلى العذاب الأخروي، و السعير من أسماء نار الآخرة يقال صلى النار يصلاها صلى و صليا أي احترق بها و قاسى عذابها.

  • بحث روائي 

  • في المجمع: في قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ} (الآية): اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة، و هو المروي عن الباقر (عليه السلام). 

  • أقول: و عن تفسير علي بن إبراهيم أنها منسوخة بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} (الآية)، و لا وجه له، و قد ظهر في البيان السابق أن الآية بيان كلي لحكم المواريث و لا تنافي بينها و بين سائر آيات الإرث المحكمة حتى يقال بانتساخها بها. 

  • و في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عكرمة: في الآية قال: نزلت في أم كلثوم و ابنة أم كحلة أو أم كحلة و ثعلبة بن أوس و سويد و هم من الأنصار كان أحدهم زوجها و الآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي و تركني و ابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا و لا تنكي عدوا و يكسب عليها و لا تكتسب، فنزلت: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} (الآية). 

  • أقول: و في بعض الروايات عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من الأنصار مات و ترك ابنتين فجاء ابنا عمه و هما عصبته فقالت امرأته تزوجا بهما و كان بهما دمامة 

تفسير الميزان ج٤

205
  • فأبيا فرفعت الأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فنزلت آيات المواريث. الرواية. و لا بأس بتعدد هذه الأسباب كما مر مرارا. 

  • و في المجمع: في قوله تعالى: {وَ إِذَا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبىَ} (الآية): اختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة غير منسوخة قال: و هو المروي عن الباقر (عليه السلام).

  • و في نهج البيان، للشيباني: أنه مروي عن الباقر و الصادق (عليه السلام). 

  • أقول: و في بعض الروايات أنها منسوخة بآية المواريث، و قد تقدم في البيان المتقدم أنها غير صالحة للنسخ. 

  • و في تفسير العياشي عن أبي عبد الله و أبي الحسن (عليه السلام): أن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين: أما إحداهما فعقوبة الآخرة النار، و أما الأخرى فعقوبة الدنيا قوله: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}، قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى.

  • أقول: و روي مثله في الكافي عن الصادق (عليه السلام)، و في المعاني عن الباقر (عليه السلام).

  • و فيه عن عبد الأعلى مولى آل سام قال أبو عبد الله (عليه السلام) مبتدئا: من ظلم سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه، قال: فذكرت في نفسي فقلت: يظلم هو فيسلط على عقبه و عقب عقبه؟ فقال لي قبل أن أتكلم: إن الله يقول: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}

  • و في الدر المنثور أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم و المرأة ايتمه ثم أوصى به، و ابتلاه و ابتلى به.

  • أقول: و الأخبار في أكل مال اليتيم و أنها كبيرة موبقة من طرق الفريقين كثيرة مستفيضة.

  •  {يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ} 

تفسير الميزان ج٤

206
  • [سورة النساء (٤): الآیات ١١ الی ١٤] 

  • {نِسَاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ١١ وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي اَلثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‌ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ١٢ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ١٣ وَ مَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٤} 

تفسير الميزان ج٤

207
  • (بيان‌)

  • قوله تعالى{يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} الإيصاء و التوصية هو العهد و الأمر، و قال الراغب في مفردات القرآن: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، انتهى. 

  • و في العدول عن لفظ الأبناء إلى الأولاد دلالة على أن حكم السهم و السهمين مخصوص بما ولده الميت بلا واسطة، و أما أولاد الأولاد فنازلا فحكمهم حكم من يتصلون به فلبنت الابن سهمان و لابن البنت سهم واحد إذا لم يكن هناك من يتقدم على مرتبتهم كما أن الحكم في أولاد الإخوة و الأخوات حكم من يتصلون به، و أما لفظ الابن فلا يقضي بنفي الواسطة كما أن الأب أعم من الوالد. 

  • و أما قوله تعالى في ذيل الآية: {آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} فسيجي‌ء أن هناك عناية خاصة تستوجب اختيار لفظ الأبناء على الأولاد. 

  • و أما قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} ففي انتخاب هذا التعبير إشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء فكأنه جعل إرث الأنثى مقررا معروفا و أخبر بأن للذكر مثله مرتين أو جعله هو الأصل في التشريع و جعل إرث الذكر محمولا عليه يعرف بالإضافة إليه، و لو لا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر و إذن لا يفيد هذا المعنى و لا يلتئم السياق معه كما ترى هذا ما ذكره بعض العلماء و لا بأس به، و ربما أيد ذلك بأن الآية لا تتعرض بنحو التصريح مستقلا إلا لسهام النساء و إن صرحت بشي‌ء من سهام الرجال فمع ذكر سهامهن معه كما في الآية التالية و الآية التي في آخر السورة. 

  • و بالجملة قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} في محل التفسير لقوله: {يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}، و اللام في الذكر و الأنثيين لتعريف الجنس أي إن جنس الذكر يعادل في السهم أنثيين، و هذا إنما يكون إذا كان هناك في الوراث ذكر و أنثى معا فللذكر ضعفا الأنثى سهما و لم يقل: للذكر مثل حظي الأنثى أو مثلا حظ الأنثى ليدل الكلام على سهم الأنثيين إذا انفردتا بإيثار الإيجاز على ما سيجي‌ء. 

تفسير الميزان ج٤

208
  • و على أي حال إذا تركبت الورثة من الذكور و الإناث كان لكل ذكر سهمان و لكل أنثى سهم إلى أي مبلغ بلغ عددهم. 

  • قوله تعالى{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} ظاهر وقوع هذا الكلام بعد قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} إنه على تقدير معطوف عليه محذوف كأنه قيل: هذا إذا كانوا نساء و رجالا فإن كن نساء «إلخ» و هو شائع في الاستعمال و منه قوله تعالى: {وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ}: «البقرة: ١٩٦» و قوله: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ‌ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىَ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}: «البقرة: ١٨٤». 

  • و الضمير في كن راجع إلى الأولاد في قوله: {فِي أَوْلاَدِكُمْ} و تأنيث الضمير لتأنيث الخبر، و الضمير في قوله: {تَرَكَ} راجع إلى الميت المعلوم من سياق الكلام. 

  • قوله تعالى{وَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ} الضمير إلى الولد المفهوم من السياق و تأنيثه باعتبار الخبر و المراد بالنصف نصف ما ترك فاللام عوض عن المضاف إليه. 

  • و لم يذكر سهم الأنثيين فإنه مفهوم من قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} فإن ذكرا و أنثى إذا اجتمعا كان سهم الأنثى الثلث للآية و سهم الذكر الثلثين و هو حظ الأنثيين فحظ الأنثيين الثلثان فهذا المقدار مفهوم من الكلام إجمالا و ليس في نفسه متعينا للفهم إذ لا ينافي ما لو كان قيل بعده: و إن كانتا اثنتين فلهما النصف أو الجميع مثلا لكن يعينه السكوت عن ذكر هذا السهم و التصريح الذي في قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين، فإنه يشعر بالتعمد في ترك ذكر حظ الأنثيين. 

  • على أن كون حظهما الثلثين هو الذي عمل به النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و جرى العمل عليه منذ عهده (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى عهدنا بين علماء الأمة سوى ما نقل من الخلاف عن ابن عباس. 

  • و هذا أحسن الوجوه في توجيه ترك التصريح بسهم الأنثيين، قال الكليني رحمه الله في الكافي: إن الله جعل حظ الأنثيين الثلثين بقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ}، و ذلك أنه إذا ترك الرجل بنتا و ابنا فللذكر مثل حظ الأنثيين و هو الثلثان فحظ الأنثيين الثلثان، و اكتفى بهذا البيان أن يكون ذكر الأنثيين بالثلثين، انتهى، و نقل مثله عن 

تفسير الميزان ج٤

209
  • أبي مسلم المفسر: أنه يستفاد من قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ} و ذلك أن الذكر مع الأنثى الواحدة يرث الثلثين فيكون الثلثان هما حظ الأنثيين، انتهى و إن كان ما نقل عنهما لا يخلو من قصور يحتاج في التتميم إلى ما أوضحناه آنفا فليتأمل فيه. 

  • و هناك وجوه أخر سخيفة ذكروها في توجيه الآية كقول بعضهم: إن المراد بقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ}، الاثنتان و ما فوقهما فهذه الجملة تتضمن بيان حظ الأنثيين، و النساء فوق اثنتين جميعا. و مثل قول بعضهم: إن حكم البنتين هاهنا معلوم بالقياس إلى حكم الأختين في آخر آية من السورة حيث ذكرت لهما الثلثين إلى غير ذلك مما يجعل عن أمثالها كلامه تعالى. 

  • قوله تعالى: {وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ} إلى قوله: {فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ} في عطف الأبوين في الحكم على الأولاد دلالة على أن الأبوين يشاركان الأولاد في طبقتهم، و قوله: و ورثه أبواه، أي انحصر الوارث فيهما، و في قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}«إلخ» بعد قوله: {فَإِنْ‌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، دلالة على أن الإخوة واقعة في طبقة ثانية لاحقة لطبقة الأبناء و البنات لا ترث مع وجودهم غير أن الإخوة تحجب الأم عن الثلث. 

  • قوله تعالى{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} أما الوصية فهي التي تندب إليها قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ} (الآية): «البقرة: ١٨٠» و لا ينافي تقدمها في الآية على الدين ما ورد في السنة أن الدين مقدم على الوصية لأن الكلام ربما يقدم فيه غير الأهم على الأهم لأن الأهم لمكانته و قوة ثبوته ربما لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من التأكيد و التشديد، و منه التقديم، و على هذا فقوله: {أَوْ دَيْنٍ} في مقام الإضراب و الترقي طبعا. 

  • و بذلك يظهر وجه توصيف الوصية بقوله: يوصي بها ففيه دلالة على التأكيد، و لا يخلو مع ذلك من الإشعار بلزوم إكرام الميت و مراعاة حرمته فيما وصى به كما قال تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} (الآية): «البقرة: ١٨١». 

  • قوله تعالى{آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} الخطاب للورثة أعني لعامة المكلفين من حيث إنهم يرثون أمواتهم، و هو كلام ملقى للإيماء 

تفسير الميزان ج٤

210
  • إلى سر اختلاف السهام في وراثة الآباء و الأبناء و نوع تعليم لهم خوطبوا به بلسان «لا تدرون» و أمثال هذه التعبيرات شائعة في اللسان. 

  • على أنه لو كان الخطاب لغير الورثة أعني للناس‌ من جهة أنهم سيموتون و يورثون آباءهم و أبناءهم لم يكن وجه لقوله: {أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} فإن الظاهر أن المراد بالانتفاع هو الانتفاع بالمال الموروث و هو إنما يعود إلى الورثة دون الميت. 

  • و تقديم الآباء على الأبناء يشعر بكون الآباء أقرب نفعا من الأبناء، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اَلصَّفَا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ}: «البقرة: ١٥٨» و قد مرت الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال: أبدأ بما بدأ الله الحديث. و الأمر على ذلك بالنظر إلى آثار الرحم و اعتبار العواطف الإنسانية فإن الإنسان أرأف بولده منه بوالديه و هو يرى بقاء ولده بقاء لنفسه دون بقاء والديه فآباء الإنسان أقوى ارتباطا و أمس وجودا به من أبنائه، و إذا بني الانتفاع الإرثي على هذا الأصل كان لازمه أن يذهب الإنسان إذا ورث أباه مثلا بسهم أزيد منه إذا ورث ابن