19

تفسير الميزان ج19

تفسير الميزان ج19 2306
مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة الطباطبائي

القسم القرآن والحديث والدعاء

المجموعة الميزان في تفسير القرآن


التوضيح

تعرّض العلامة الطباطبائي في هذا الجزء إلى تفسير السور التالية: من الطور إلى الحاقة
/٤۰۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تفسير الميزان ج۱٩

1
  •  

تفسير الميزان ج۱٩

2
  •  

  •  

  • الميزان في تفسير القرآن 

  • الجزء التاسع عشر

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تأليف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سرّه

  •  

  •  

تفسير الميزان ج۱٩

3
  •  

تفسير الميزان ج۱٩

4
  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  •  

  • تمتاز هذه الطبعه عن غیرها بالتحقیق و التصحیح الکامل

  • واضافات و تغییرات هامه من قبل المولف

تفسير الميزان ج۱٩

5
  • (٥٢) سورة الطور مكية، و هي تسع و أربعون آية (٤٩) 

  • [سورة الطور (٥٢): الآیات ١ الی ١٠]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ وَ اَلطُّورِ ١ وَ كِتَابٍ مَسْطُورٍ ٢ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ٣ وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ ٤ وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ ٥ وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ ٦ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ٧ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ٨ يَوْمَ تَمُورُ اَلسَّمَاءُ مَوْراً ٩ وَ تَسِيرُ اَلْجِبَالُ سَيْراً ١٠} 

  • (بيان) 

  • غرض السورة إنذار أهل التكذيب و العناد من الكفار بالعذاب الذي أعد لهم يوم القيامة فتبدأ بالإنباء عن وقوع العذاب الذي أنذروا به و تحققه يوم القيامة بأقسام مؤكدة و أيمان مغلظة، و أنه غير تاركهم يومئذ حتى يقع بهم و لا مناص. 

  • ثم تذكر نبذة من صفة هذا العذاب و الويل الذي يعمهم و لا يفارقهم ثم تقابل ذلك بشمة من نعيم أهل النعيم يومئذ و هم المتقون الذين كانوا في الدنيا مشفقين في أهلهم يدعون الله مؤمنين به موحدين له. 

  • ثم تأخذ في توبيخ المكذبين على ما كانوا يرمون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و ما أنزل عليه من القرآن و ما أتي به من الدين الحق. 

تفسير الميزان ج۱٩

6
  • و تختم الكلام بتكرار التهديد و الوعيد و أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بتسبيح ربه. و السورة مكية كما يشهد بذلك سياق آياتها. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلطُّورِ} قيل: الطور مطلق الجبل و قد غلب استعماله في الجبل الذي كلم الله عليه موسى (عليه السلام)، و الأنسب أن يكون المراد به في الآية جبل موسى (عليه السلام) أقسم الله تعالى به لما قدسه و بارك فيه كما أقسم به في قوله: {وَ طُورِ سِينِينَ} التين: ٢، و قال: {وَ نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنِ} مريم: ٥٢، و قال في خطابه لموسى (عليه السلام): {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً} طه: ١٢، و قال: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ اَلْوَادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبَارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ} القصص: ٣٠. 

  • و قيل: المراد مطلق الجبل أقسم الله تعالى به لما أودع فيه من أنواع نعمه قال تعالى: {وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَ بَارَكَ فِيهَا} حم السجدة: ١٠. 

  • قوله تعالى: {وَ كِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} قيل: الرق‌ مطلق ما يكتب فيه و قيل: هو الورق، و قيل: الورق المأخوذ من الجلد، و النشر هو البسط، و التفريق. 

  • و المراد بهذا الكتاب قيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه ما كان و ما يكون و ما هو كائن تقرؤه ملائكة السماء، و قيل: المراد به صحائف الأعمال تقرؤه حفظة الأعمال من الملائكة، و قيل: هو القرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ، و قيل: هو التوراة و كانت تكتب في الرق و تنشر للقراءة. 

  • و الأنسب بالنظر إلى الآية السابقة هو القول الأخير. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ} قيل: المراد به الكعبة المشرفة فإنها أول بيت وضع للناس و لم يزل معمورا منذ وضع إلى يومنا هذا قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَ هُدىً لِلْعَالَمِينَ} آل عمران: ٩٦. 

  • و في الروايات المأثورة أن البيت المعمور بيت في السماء بحذاء الكعبة تزوره الملائكة. 

  • و تنكير {كِتَابٍ} للإيماء إلى استغنائه عن التعريف فهو تنكير يفيد التعريف و يستلزمه. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ} هو السماء. 

تفسير الميزان ج۱٩

7
  • قوله تعالى: {وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ} قال الراغب: السجر تهييج النار، و في المجمع: المسجور المملوء يقال: سجرت التنور أي ملأتها نارا، و قد فسرت الآية بكل من المعنيين و يؤيد المعنى الأول قوله: {وَ إِذَا اَلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} التكوير: ٦، أي سعرت و قد ورد في الحديث أن البحار تسعر نارا يوم القيامة، و قيل: المراد أنها تغيض مياهها بتسجير النار فيها. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} جواب القسم السابق و المراد بالعذاب المخبر بوقوعه عذاب يوم القيامة الذي أوعد الله به الكفار المكذبين كما تشير إليه الآية التالية، و في قوله: {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} دلالة على أنه من القضاء المحتوم الذي لا محيص عن وقوعه قال تعالى: {وَ أَنَّ اَلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَ أَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ} الحج: ٧. 

  • و في قوله: {عَذَابَ رَبِّكَ} بنسبة العذاب إلى الرب المضاف إلى ضمير الخطاب دون أن يقال: عذاب الله تأييد للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على مكذبي دعوته و تطييب لنفسه أن ربه لا يخزيه يومئذ كما قال: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اَللَّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم: ٨. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ اَلسَّمَاءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ اَلْجِبَالُ سَيْراً} ظرف لقوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}

  • و المور - على ما في المجمع - تردد الشي‌ء بالذهاب و المجي‌ء كما يتردد الدخان ثم يضمحل، و يقرب منه قول الراغب: إنه الجريان السريع. 

  • و على أي حال فيه إشارة إلى انطواء العالم السماوي كما يذكره تعالى في مواضع من كلامه كقوله: {إِذَا اَلسَّمَاءُ اِنْفَطَرَتْ وَ إِذَا اَلْكَوَاكِبُ اِنْتَثَرَتْ} الانفطار: ٢، و قوله: {يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمَاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} الأنبياء: ١٠٤، و قوله: {وَ اَلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} الزمر: ٦٧. 

  • كما أن قوله: {وَ تَسِيرُ اَلْجِبَالُ سَيْراً} إشارة إلى زلزلة الساعة في الأرض التي يذكرها تعالى في مواضع من كلامه كقوله: {إِذَا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا وَ بُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} الواقعة: ٦، و قوله: {وَ سُيِّرَتِ اَلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} النبأ: ٢٠. 

تفسير الميزان ج۱٩

8
  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ اَلطُّورِ وَ كِتَابٍ مَسْطُورٍ} قال: الطور جبل بطور سيناء. 

  • و في المجمع {وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ} و هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة يعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة: عن ابن عباس و مجاهد، و روي أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا. 

  • أقول: كون البيت المعمور بيتا في السماء يطوف عليه الملائكة واقع في عدة أحاديث من طرق الفريقين غير أنها مختلفة في محله ففي أكثرها أنه في السماء الرابعة و في بعضها أنه في السماء الأولى، و في بعضها السابعة. 

  • و فيه: {وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ} و هو السماء عن علي (عليه السلام).

  • و في تفسير القمي {وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ} قال: السماء، {وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ} قال: تسجر يوم القيامة. 

  • و في المجمع {وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ} أي المملوء. عن قتادة، و قيل: هو الموقد المحمي بمنزلة التنور. عن مجاهد و الضحاك و الأخفش و ابن زيد. ثم قيل: إنه تحمى البحار يوم القيامة فتجعل نيرانا ثم تفجر بعضها في بعض ثم تفجر إلى النار.ورد به الحديث. 

  •  

  • [سورة الطور (٥٢): الآیات ١١ الی ٢٨]

  • {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١١ اَلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ١٢ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلىَ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣ هَذِهِ اَلنَّارُ اَلَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤ أَ فَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ١٥ اِصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٦ إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ ١٧ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَ وَقَاهُمْ 

تفسير الميزان ج۱٩

9
  • رَبُّهُمْ عَذَابَ اَلْجَحِيمِ ١٨ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٩ مُتَّكِئِينَ عَلى‌ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَ زَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ٢٠وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ٢١ وَ أَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٢٢ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ ٢٣ وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ٢٤ وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ٢٥ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ٢٦ فَمَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا وَ وَقَانَا عَذَابَ اَلسَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْبَرُّ اَلرَّحِيمُ ٢٨} 

  • (بيان) 

  • تذكر الآيات من يقع عليهم هذا العذاب الذي لا ريب في تحققه و وقوعه، و تصف حالهم إذ ذاك، و هذا هو الغرض الأصيل في السورة كما تقدمت الإشارة إليه و أما ما وقع في الآيات من وصف حال المتقين يومئذ فهو من باب التطفل لتأكيد الإنذار المقصود. 

  • قوله تعالى: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} تفريع على ما دلت عليه الآيات السابقة من تحقق وقوع العذاب يوم القيامة أي إذا كان الأمر كما ذكر و لم يكن محيص عن وقوع العذاب فويل لمن يقع عليه و هم المكذبون لا محالة فالجملة تدل على كون المعذبين هم المكذبين بالاستلزام و على تعلق الويل بهم بالمطابقة. 

  • أو التقدير إذا كان العذاب واقعا لا محالة و لا محالة لا يقع إلا على المكذبين لأنهم الكافرون بالله المكذبون ليوم القيامة فويل يومئذ لهم، فالدال على تعلق العذاب بالمكذبين 

تفسير الميزان ج۱٩

10
  • هو قوله: {عَذَابَ رَبِّكَ} لأن عذاب الله إنما يقع على من دعاه فلم يجبه و كذب دعوته. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} الخوض‌ هو الدخول في باطل القول قال الراغب: الخوض‌ هو الشروع في الماء و المرور فيه، و يستعار في الأمور و أكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه انتهى، و تنوين التنكير في {خَوْضٍ} يدل على صفة محذوفة أي في خوض عجيب. 

  • و لما كان الاشتغال بباطل القول لا يفيد نتيجة حقة إلا نتيجة خيالية يزينها الوهم للخائض سماه لعبا - و اللعب من الأفعال ما ليس له إلا الأثر الخيالي -. 

  • و المعنى: الذين هم مستمرون في خوض عجيب يلعبون بالمجادلة في آيات الله و إنكارها و الاستهزاء بها. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‌ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} الدع‌ هو الدفع الشديد، و الظاهر أن {يَوْمَ} بيان لقوله: {يَوْمَئِذٍ}

  • قوله تعالى: {هَذِهِ اَلنَّارُ اَلَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون، و المراد بالتكذيب بالنار التكذيب بما أخبر به الأنبياء (عليه السلام) بوحي من الله من وجود هذه النار و أنه سيعذب بها المجرمون و محصل المعنى هذه مصداق ما أخبر به الأنبياء فكذبتم به. 

  • قوله تعالى: {أَ فَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} تفريع على قوله: {هَذِهِ اَلنَّارُ اَلَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} و الاستفهام للإنكار تفريعا لهم أي إذا كانت هذه هي تلك النار التي كنتم تكذبون بها فليس هذا سحرا كما كنتم ترمون إخبار الأنبياء بها أنه سحر و ليس هذا أمرا موهوما خرافيا كما كنتم تتفوهون به بل أمر مبصر معاين لكم فالآية في معنى قوله تعالى: {وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنَّارِ أَ لَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} الأحقاف: ٣٤. 

  • و بما مر من المعنى يظهر أن {أَمْ} في قوله: {أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} متصلة و قيل: منقطعة و لا يخلو من بعد. 

  • قوله تعالى: {اِصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، الصلي‌ بالفتح فالسكون مقاساة حرارة النار فمعنى اصلوها قاسوا حرارة نار جهنم. 

تفسير الميزان ج۱٩

11
  • و قوله: {فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا} تفريع على الأمر بالمقاساة، و الترديد بين الأمر و النهي كناية عن مساواة الفعل و الترك، و لذا أتبعه بقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} أي هذه المقاساة لازمة لكم لا تفارقكم سواء صبرتم أو لم تصبروا فلا الصبر يرفع عنكم العذاب أو يخففه و لا الجزع و ترك الصبر ينفع لكم شيئا. 

  • و قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} خبر مبتدإ محذوف أي هما سواء و إفراد {سَوَاءٌ} لكونه مصدرا في الأصل. 

  • و قوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في مقام التعليل لما ذكر من ملازمة العذاب و مساواة الصبر و الجزع. 

  • و المعنى: إنما يلازمكم هذا الجزاء السيئ و لا يفارقكم لأنكم تجزون بأعمالكم التي كنتم تعملونها و لا تسلب نسبة العمل عن عامله فالعذاب يلازمكم أو إنما تجزون بتبعات ما كنتم تعملون و جزائه. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَعِيمٍ} الجنة البستان تجنيه الأشجار و تستره، و النعيم‌ النعمة الكثيرة أي إن المتصفين بتقوى الله يومئذ في جنات يسكنون فيها و نعمة كثيرة تحيط بهم. 

  • قوله تعالى: {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَ وَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ اَلْجَحِيمِ} الفاكهة مطلق الثمرة، و قيل: هي الثمرة غير العنب و الرمان، و يقال: تفكه و فكه إذا تعاطى الفكاهة، و تفكه و فكه إذا تناول الفاكهة، و قد فسرت الآية بكل من المعنيين فقيل: 

  • المعنى: يتحدثون بما آتاهم ربهم من النعيم، و قيل: المعنى: يتناولون الفواكه و الثمار التي آتاهم ربهم، و قيل: المعنى: يتلذذون بإحسان ربهم و مرجعه إلى المعنى الأول، و قيل: معناه فاكهين معجبين بما آتاهم ربهم، و لعل مرجعه إلى المعنى الثاني. 

  • و تكرار {رَبُّهُمْ} في قوله: {وَ وَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ اَلْجَحِيمِ} لإفادة مزيد العناية بهم. 

  • قوله تعالى: {كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال لهم: كلوا و اشربوا أكلا و شربا هنيئا أو طعاما و شرابا هنيئا، فهنيئا وصف قائم مقام مفعول مطلق أو مفعول به. 

  • و قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} متعلق بقوله: {كُلُوا وَ اِشْرَبُوا} أو بقوله: {هَنِيئاً}

تفسير الميزان ج۱٩

12
  • قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى‌ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَ زَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} الاتكاء الاعتماد على الوسادة و نحوها، و السرر جمع سرير، و مصفوفة من الصف أي مصطفة موصولة بعضها ببعض، و المعنى: متكئين على الوسائد و النمارق قاعدين على سرر مصطفة. 

  • و قوله: {وَ زَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} المراد بالتزويج القرن أي قرناهم بهن دون النكاح بالعقد، و الدليل عليه تعديه بالباء فإن التزويج بمعنى النكاح بالعقد متعد بنفسها، قال تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} الأحزاب: ٣٧ كذا قيل. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} إلخ، قيل: الفرق بين الاتباع و اللحوق مع اعتبار التقدم و التأخر فيهما جميعا أنه يعتبر في الاتباع اشتراك بين التابع و المتبوع في مورد الاتباع بخلاف اللحوق فاللاحق لا يشارك الملحوق في ما لحق به فيه. 

  • و لات و ألات‌ بمعنى نقص فمعنى ما ألتناهم ما نقصناهم شيئا من عملهم بالإلحاق. 

  • و ظاهر الآية أنها في مقام الامتنان فهو سبحانه يمتن على الذين آمنوا أنه سيلحق بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان فتقر بذلك أعينهم، و هذا هو القرينة على أن التنوين في {بِإِيمَانٍ} للتنكير دون التعظيم. 

  • و المعنى: اتبعوهم بنوع من الإيمان و إن قصر عن درجة إيمان آبائهم إذ لا امتنان لو كان إيمانهم أكمل من إيمان آبائهم أو مساويا له. 

  • و إطلاق الاتباع في الإيمان منصرف إلى اتباع من يصح منه في نفسه الإيمان ببلوغه حدا يكلف به فالمراد بالذرية الأولاد الكبار المكلفون بالإيمان فالآية لا تشمل الأولاد الصغار الذين ماتوا قبل البلوغ، و لا ينافي ذلك كون صغار أولاد المؤمنين محكومين بالإيمان شرعا. 

  • اللهم إلا أن يستفاد العموم من تنكير الإيمان و يكون المعنى: و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ما سواء كان إيمانا في نفسه أو إيمانا بحسب حكم الشرع. 

  • و كذا الامتنان قرينة على أن الضمير في قوله: {وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} للذين آمنوا كالضميرين في قوله: {وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} إذ قوله: {وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} مسوق حينئذ لدفع توهم ورود النقص في الثواب على تقرير الإلحاق و هو ينافي 

تفسير الميزان ج۱٩

13
  • الامتنان و من المعلوم أن الذي ينافي الامتنان هو النقص في ثواب الآباء الملحق بهم دون الذرية. 

  • فتحصل أن قوله: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا} إلخ، استئناف يمتن تعالى فيه على الذين آمنوا بأنه سيلحق بهم أولادهم الذين اتبعوهم بنوع من الإيمان و إن كان قاصرا عن درجة إيمانهم لتقر به أعينهم، و لا ينقص مع ذلك من ثواب عمل الآباء بالإلحاق شي‌ء بل يؤتيهم مثل ما آتاهم أو بنحو لا تزاحم فيه على ما هو أعلم به. 

  • و في معنى الآية أقوال أخر لا تخلو من سخافة كقول بعضهم إن قوله: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا} معطوف على {بِحُورٍ عِينٍ} و المعنى: و زوجناهم بحور عين و بالذين آمنوا يتمتعون من الحور العين بالنكاح و بالذين آمنوا بالرفاقة و الصحبة، و قول بعضهم: إن المراد بالذرية صغار الأولاد فقط، و قول بعضهم: إن الضميرين في {وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} للذرية و المعنى: و ما نقصنا الذرية من عملهم شيئا بسبب إلحاقهم بآبائهم بل نوفيهم أعمالهم من خير أو شر ثم نلحقهم بآبائهم. 

  • و قوله: {كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} تعليل لقوله: {وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} على ما يفيده السياق، و الرهن و الرهين و المرهون‌ ما يوضع وثيقة للدين على ما ذكره الراغب قال: و لما كان الرهن يتصور منه حبسه أستعير ذلك لحبس أي شي‌ء كان. انتهى. 

  • و لعل هذا المعنى الاستعاري هو المراد في الآية و المرء رهن مقبوض و محفوظ عند الله سبحانه بما كسبه من خير أو شر حتى يوفيه جزاء ما عمله من ثواب أو عقاب فلو نقص شيئا من عمله و لم يوفه ذلك لم يكن رهين ما كسب بل رهين بعض ما عمل و امتلك بعضه الآخر غيره كذريته الملحقين به. 

  • و أما قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اَلْيَمِينِ} المدثر: ٣٩، فالمراد كونها رهينة العذاب يوم القيامة كما يشهد به سياق ما بعده من قوله: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ} المدثر: ٤١. 

  • و قيل: المراد كون المرء رهين عمله السيئ كما تدل عليه آية سورة المدثر المذكورة آنفا بشهادة استثناء أصحاب اليمين، و الآية أعني قوله: {كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} جملة معترضة من صفات أهل النار اعترضت في صفات أهل الجنة. 

تفسير الميزان ج۱٩

14
  • و حمل صاحب الكشاف الآية على نوع من الاستعارة فرفع به التنافي بين الآيتين قال: كان نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه فإن عمل صالحا فكها و خلصها و إلا أوبقها. انتهى. 

  • و أنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا يوجه اتصال الجملة أعني قوله: {كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} بما قبلها. 

  • قوله تعالى: {وَ أَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} بيان لبعض تتماتهم و تمتعاتهم في الجنة المذكورة إجمالا في قوله السابق: {كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً} إلخ. 

  • و الإمداد الإتيان بالشي‌ء وقتا بعد وقت و يستعمل في الخير كما أن المد يستعمل في الشر قال تعالى: {وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ اَلْعَذَابِ مَدًّا} مريم: ٧٩. 

  • و المعنى: أنا نرزقهم بالفاكهة و ما يشتهونه من اللحم رزقا بعد رزق و وقتا بعد وقت من غير انقطاع. 

  • قوله تعالى: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ} التنازع‌ في الكأس تعاطيها و الاجتماع على تناولها، و الكأس‌ القدح و لا يطلق الكأس إلا فيما كان فيها الشراب. 

  • و المراد باللغو لغو القول الذي يصدر من شاربي الخمر في الدنيا، و التأثيم‌ جعل الشخص ذا إثم و هو أيضا من آثار الخمر في الدنيا، و نفي اللغو و التأثيم هو القرينة على أن المراد بالكأس التي يتنازعون فيها كأس الخمر. 

  • قوله تعالى: {وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} المراد به طوافهم عليهم للخدمة قال بعضهم: قيل: {غِلْمَانٌ لَهُمْ} بالتنكير و لم يقل: غلمانهم لئلا يتوهم أن المراد بهم غلمانهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فهم كالحور من مخلوقات الجنة كأنهم لؤلؤ مكنون مخزون في الحسن و الصباحة و الصفا. 

  • قوله تعالى: {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} أي يسأل كل منهم غيره عن حاله في الدنيا و ما الذي ساقه إلى الجنة و النعيم؟. 

  • قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} قال الراغب: و الإشفاق‌ عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه و يخاف ما يلحقه قال تعالى: {وَ هُمْ مِنَ اَلسَّاعَةِ 

تفسير الميزان ج۱٩

15
  •  مُشْفِقُونَ} فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، و إذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ}، انتهى. 

  • فالمعنى: أنا كنا في الدنيا ذوي إشفاق في أهلنا نعتني بسعادتهم و نجاتهم من مهلكة الضلال فنعاشرهم بجميل المعاشرة و نسير فيهم ببث النصيحة و الدعوة إلى الحق. 

  • قوله تعالى: {فَمَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا وَ وَقَانَا عَذَابَ اَلسَّمُومِ} المن‌ على ما ذكره الراغب الإنعام بالنعمة الثقيلة و يكون بالفعل و هو حسن، و بالقول و هو قبيح من غيره تعالى، قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الحجرات: ١٧. 

  • و منه تعالى على أهل الجنة إسعاده إياهم لدخولها بالرحمة و تمامه بوقايتهم عذاب السموم. 

  • و السموم - على ما ذكره الطبرسي - الحر الذي يدخل في مسام البدن يتألم به و منه ريح السموم. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْبَرُّ اَلرَّحِيمُ} تعليل لقوله: {فَمَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا} إلخ، كما أن قوله: {إِنَّهُ هُوَ اَلْبَرُّ اَلرَّحِيمُ} تعليل له. 

  • و تفيد هذه الآية مع الآيتين قبلها أن هؤلاء كانوا في الدنيا يدعون الله بتوحيده للعبادة و التسليم لأمره و كانوا مشفقين في أهلهم يقربونهم من الحق و يجنبونهم الباطل فكان ذلك سببا لمن الله عليهم بالجنة و وقايتهم من عذاب السموم، و إنما كان ذلك سببا لذلك لأنه تعالى بر رحيم فيحسن لمن دعاه و يرحمه. 

  • فالآيات الثلاث في معنى قوله: {إِنَّ اَلْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر: ٣. 

  • و البر من أسماء الله تعالى الحسنى، و هو من البر بمعنى الإحسان، و فسره بعضهم باللطيف. 

  • (بحث روائي) 

  • في الكافي، بإسناده عن أبي بكر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: فقال: قصرت الأبناء 

تفسير الميزان ج۱٩

16
  • عن عمل الآباء فألحقوا الأبناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم. 

  • أقول: و رواه أيضا في التوحيد، بإسناده إلى أبي بكر الحضرمي عنه (عليه السلام).

  • و في تفسير القمي، حدثني أبي عن سليمان الديلمي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أطفال شيعتنا من المؤمنين تربيهم فاطمة (عليها السلام)، و قوله: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: يهدون إلى آبائهم يوم القيامة. 

  • أقول: و روي في المجمع، ذيل الحديث عنه (عليه السلام) مرسلا. 

  • و في التوحيد، بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا مات الطفل من أطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت السماوات و الأرض ألا إن فلان بن فلان قد مات فإن كان قد مات والداه أو أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين دفع إليه يغذوه، و إلا دفع إلى فاطمة تغذوه حتى يقدم أبواه أو أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين فيدفعه إليه.

  • و في الفقيه: و في رواية الحسن بن محبوب عن علي عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك و تعالى كفل إبراهيم و سارة أطفال المؤمنين يغذوانهم بشجرة في الجنة لها أخلاف كأخلاف البقر في قصر من درة فإذا كان يوم القيامة ألبسوا و طيبوا و أهدوا إلى آبائهم فهم ملوك في الجنة مع آبائهم، و هذا قول الله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.

  • و في المجمع، روى زاذان عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن المؤمنين و أولادهم في الجنة، ثم قرأ هذه الآية.

  • و في الدر المنثور، أخرج البزار و ابن مردويه عن ابن عباس رفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في درجته و إن كانوا دونه في العمل ثم قرأ {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ} قال: و ما نقصنا الآباء بما أعطينا الأبناء. 

  • و فيه، أخرج الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه و ذريته و ولده فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك و عملك فيقول: يا رب قد عملت لي و لهم فيؤمر بإلحاقهم به و قرأ ابن عباس: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} (الآية). 

تفسير الميزان ج۱٩

17
  •  أقول: و الآية لا تشمل الآباء المذكورين في الحديث، و الأنسب للدلالة عليه ما ذكره تعالى في دعاء الملائكة {رَبَّنَا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ} (الآية) المؤمن: ٨. 

  • و في تفسير القمي قوله: {لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ} قال: ليس في الجنة غناء و لا فحش، و يشرب المؤمن و لا يأثم {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‌ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} قال: في الجنة. 

  •  

  • [سورة الطور (٥٢): الآیات ٢٩ الی ٤٤]

  • {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَ لاَ مَجْنُونٍ ٢٩ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ ٣٠قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُتَرَبِّصِينَ ٣١ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ٣٢ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ ٣٣ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ٣٤ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ اَلْخَالِقُونَ ٣٥ أَمْ خَلَقُوا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ ٣٦ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ اَلْمُصَيْطِرُونَ ٣٧ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٣٨ أَمْ لَهُ اَلْبَنَاتُ وَ لَكُمُ اَلْبَنُونَ ٣٩ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ٤٠أَمْ عِنْدَهُمُ اَلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ٤١ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اَلْمَكِيدُونَ ٤٢ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اَللَّهِ سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا 

تفسير الميزان ج۱٩

18
  • يُشْرِكُونَ ٤٣ وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ٤٤} 

  • (بيان) 

  • لما أخبر عن العذاب الواقع يوم القيامة و أنه سيصيب المكذبين، و المتقون في جنات و نعيم قريرة العيون أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يمضي في دعوته و تذكرته مشيرا إلى أنه صالح لإقامة الدعوة الحقة، و لا عذر لهؤلاء المكذبين في تكذيبه و رد دعوته. 

  • فنفى جميع الأعذار المتصورة لهم و هي ستة عشر أمرا شطر منها راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لو تحقق شي‌ء منه فيه سلب صلاحيته للاتباع و كان مانعا عن قبول قوله ككونه كاهنا أو مجنونا أو شاعرا أو متقولا مفتريا على الله و كسؤاله الأجر على دعوته و شطر منها راجع إلى المكذبين أنفسهم مثل كونهم خلقوا من غير شي‌ء أو كونهم الخالقين أو أمر عقولهم بالتكذيب إلى غير ذلك و لا تخلو الآيات مع ذلك عن توبيخهم الشديد على التكذيب. 

  • قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَ لاَ مَجْنُونٍ} تفريع على ما مر من الإخبار المؤكد بوقوع العذاب الإلهي يوم القيامة، و أنه سيغشى المكذبين و المتقون في وقاية منه متلذذون بنعيم الجنة. 

  • فالآية في معنى أن يقال: إذا كان هذا حقا فذكر فإنما تذكر و تنذر بالحق و لست كما يرمونك كاهنا أو مجنونا. 

  • و تقييد النفي بقوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} يفيد معنى الامتنان على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خاصة و ليس هذا الامتنان الخاص من جهة مجرد انتفاء الكهانة و الجنون فأكثر الناس على هذه الصفة بل من وجهه تلبسه (صلى الله عليه وآله و سلم) بالنعمة الخاصة به المانع من عروض هذه الصفات عليه من كهانة أو جنون و غير ذلك. 

  • قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ} أم منقطعة، و التربص‌ 

تفسير الميزان ج۱٩

19
  • الانتظار، و في مجمع البيان: التربص‌ الانتظار بالشي‌ء من انقلاب حال له إلى خلافها و المنون‌ المنية و الموت، و الريب‌ القلق و الاضطراب. فريب المنون قلق الموت. 

  • و محصل المعنى: بل يقولون هو أي النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) شاعر ننتظر به الموت حتى يموت و يخمد ذكره و ينسى رسمه فنستريح منه. 

  • قوله تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُتَرَبِّصِينَ} أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يأمرهم بالتربص كما رضوا لأنفسهم ذلك، و هو أمر تهديدي أي تربصوا كما ترون لأنفسكم ذلك فإن هناك أمر من حقه أن ينتظر وقوعه، و أنا أنتظره مثلكم لكنه عليكم لا لكم و هو هلاككم و وقوع العذاب عليكم. 

  • قوله تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا} الأحلام‌ جمع حلم و هو العقل، و أم منقطعة و الكلام بتقدير الاستفهام و الإشارة بهذا إلى ما يقولونه للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و يتربصون به. 

  • و المعنى: بل أ تأمرهم عقولهم أن يقولوا هذا الذي يقولونه و يتربصوا به الموت؟ فأي عقل يدفع الحق بمثل هذه الأباطيل؟. 

  • قوله تعالى: {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي إن عقولهم لم تأمرهم بهذا بل هم طاغون حملهم على هذا طغيانهم. 

  • قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال في المجمع: التقول‌ تكلف القول و لا يقال ذلك إلا في الكذب، و المعنى بل يقولون: افتعل القرآن و نسبه إلى الله كذبا و افتراء. لا بل لا يؤمنون فيرمونه بهذه الفرية. 

  • قوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} جواب عن قولهم: {تَقَوَّلَهُ} بأنه لو كان كلاما للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان كلاما بشريا مماثلا لسائر الكلام و يماثله سائر الكلام فكان يمكنهم أن يأتوا بحديث مثله فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين في دعواهم التقول بل هو كلام إلهي لائحة عليه دلائل الإعجاز يعجز البشر عن إتيان مثله، و قد تقدم الكلام في وجوه إعجاز القرآن في تفسير سورة البقرة الآية ٢٣ تفصيلا. 

  • و يمكن أن تؤخذ الآية ردا لجميع ما تقدم من قولهم المحكي إنه كاهن أو مجنون أو 

تفسير الميزان ج۱٩

20
  • شاعر أو متقول لأن عجز البشر عن الإتيان بمثله يأبى إلا أن يكون كلام الله سبحانه لكن الأظهر ما تقدم. 

  • قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ اَلْخَالِقُونَ} إتيان {شَيْ‌ءٍ} منكرا بتقدير صفة تناسب المقام و التقدير من غير شي‌ء خلق منه غيرهم من البشر. 

  • و المعنى: بل أ خلق هؤلاء المكذبون من غير شي‌ء خلق منه غيرهم من البشر فصلح لإرسال الرسول و الدعوة إلى الحق و التلبس بعبوديته تعالى فهؤلاء لا يتعلق بهم تكليف و لا يتوجه إليهم أمر و لا نهي و لا تستتبع أعمالهم ثوابا و لا عقابا لكونهم مخلوقين من غير ما خلق منه غيرهم. 

  • و في معنى الجملة أقوال أخر. 

  • فقيل: المراد أم أحدثوا و قدروا هذا التقدير البديع من غير مقدر و خالق فلا حاجة لهم إلى خالق يدبر أمرهم. 

  • و قيل: المراد أم خلقوا من غير شي‌ء حي فهم لا يؤمرون و لا ينهون كالجمادات. 

  • و قيل: المعنى أم خلقوا من غير علة و لا لغاية ثواب و عقاب فهم لذلك لا يسمعون. 

  • و قيل: المعنى أم خلقوا باطلا لا يحاسبون و لا يؤمرون و لا ينهون. 

  • و ما قدمناه من المعنى أقرب إلى لفظ الآية و أشمل. 

  • و قوله: {أَمْ هُمُ اَلْخَالِقُونَ} أي لأنفسهم فليسوا مخلوقين لله سبحانه حتى يربهم و يدبر أمرهم بالأمر و النهي. 

  • قوله تعالى: {أَمْ خَلَقُوا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ} أي أم أخلقوا العالم حتى يكونوا أربابا آلهة و يجلوا من أن يستعبدوا و يكلفوا بتكليف العبودية بل هم قوم لا يوقنون. 

  • قوله تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ اَلْمُصَيْطِرُونَ} أي بل أ عندهم خزائن ربك حتى يرزقوا النبوة من شاءوا و يمسكوها عمن شاءوا فيمنعوك النبوة و الرسالة. 

  • و قوله: {أَمْ هُمُ اَلْمُصَيْطِرُونَ} السيطرة و ربما يقلب سينها صادا الغلبة و القهر و المعنى: بل أ هم الغالبون القاهرون على الله سبحانه حتى يسلبوا عنك ما رزقك الله من النبوة و الرسالة. 

تفسير الميزان ج۱٩

21
  • قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} السلم‌ المرقاة ذات الدرج التي يتوسل بالصعود فيه إلى الأمكنة العالية، و الاستماع مضمن معنى الصعود، و السلطان‌ الحجة و البرهان. 

  • و المعنى: بل أ عندهم سلم يصعدون فيه إلى السماء فيستمعون بالصعود فيه الوحي فيأخذون ما يوحى إليهم و يردون غيره؟ فليأت مستمعهم أي المدعي للاستماع منهم بحجة ظاهرة. 

  • قوله تعالى: {أَمْ لَهُ اَلْبَنَاتُ وَ لَكُمُ اَلْبَنُونَ} قيل: فيه تسفيه لعقولهم حيث نسبوا إليه تعالى ما أنفوا منه. 

  • قوله تعالى: {أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} قال الراغب: الغرم -‌ بالضم فالسكون - ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه أو خيانة انتهى و الإثقال تحميل الثقل و هو كناية عن المشقة. 

  • و المعنى: بل أ تسألهم أجرا على تبليغ رسالتك فهم يتحرجون عن تحمل الغرم الذي ينوبهم بتأدية الأجر؟. 

  • قوله تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمُ اَلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} ذكر بعضهم أن المراد بالغيب اللوح المحفوظ المكتوب فيه الغيوب و المعنى: بل أ عندهم اللوح المحفوظ يكتبون منه و يخبرون به الناس فما أخبروا به عنك من الغيب الذي لا ريب فيه. 

  • و قيل: المراد بالغيب علم الغيب، و بالكتابة الإثبات و المعنى: بل أ عندهم علم الغيب فهم يثبتون ما علموه شرعا للناس عليهم أن يطيعوهم فيما أثبتوا، و قيل: يكتبون بمعنى يحكمون. 

  • قوله تعالى: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اَلْمَكِيدُونَ} الكيد ضرب من الاحتيال على ما ذكره الراغب، و في المجمع: الكيد هو المكر، و قيل: هو فعل ما يوجب الغيظ في خفية. انتهى. 

  • ظاهر السياق أن المراد بكيدهم هو مكرهم بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بما رموه به من الكهانة و الجنون و الشعر و التقول ليعرض عنه الناس و يبتعدوا عنه فتبطل بذلك دعوته و ينطفئ نوره، و هذا كيد منهم و مكر بأنفسهم حيث يحرمون لها السعادة الخالدة و الركوب على 

تفسير الميزان ج۱٩

22
  • صراط الحق بذلك بل كيد من الله بقطع التوفيق عنهم و الطبع على قلوبهم. 

  • و قيل: المراد بالكيد الذي يريدونه هو ما كان منهم في حقه (صلى الله عليه وآله و سلم) في دار الندوة و المراد بالذين كفروا المذكورون من المكذبين و هم أصحاب دار الندوة، و قد قلب الله كيدهم إلى أنفسهم فقتلهم يوم بدر، و الكلام على هذا من الإخبار بالغيب لنزول السورة قبل ذلك بكثير، و هو بعيد من السياق. 

  • قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اَللَّهِ سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإنهم إذا كان لهم إله غير الله كان هو الخالق لهم و المدبر لأمرهم فاستغنوا بذلك عن الله سبحانه و استجابة دعوة رسوله و نصرهم إلههم و دفع عنهم عذاب الله الذي أوعد به المكذبين و أنذرهم به رسوله. 

  • و قوله: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له تعالى أن يكون له شريك كما يدعون، و ما في قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} مصدرية أي سبحانه عن شركهم. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} الكسف‌ بالكسر فالسكون القطعة، و المركوم‌ المتراكم الواقع بعضه على بعض. 

  • و المعنى: أن كفرهم و إصرارهم على تكذيب الدعوة الحقة بلغ إلى حيث لو رأوا قطعة من السماء ساقطا عليهم لقالوا سحاب متراكم ليست من آية العذاب في شي‌ء فهو كقوله: {وَ لَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ اَلسَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } الحجر: ١٥. 

  •  

  • [سورة الطور (٥٢): الآیات ٤٥ الی ٤٩]

  • {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ اَلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ٤٥ يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ٤٦ وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٤٧ وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨ وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبَارَ اَلنُّجُومِ ٤٩} 

تفسير الميزان ج۱٩

23
  • (بيان) 

  • الآيات تختم السورة و تأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يترك أولئك المكذبين و شأنهم و لا يتعرض لحالهم، و أن يصبر لحكم ربه و يسبح بحمده، و في خلالها مع ذلك تكرار إيعادهم بما أوعدهم به في أول السورة من عذاب واقع ليس له من دافع، و تضيف إليه الإيعاد بعذاب آخر دون ذلك للذين ظلموا. 

  • قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ اَلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} ذرهم‌ أمر بمعنى اتركهم و هو فعل لم يستعمل من تصريفاته إلا المستقبل و الأمر، و «يصعقون» من الإصعاق بمعنى الإماتة و قيل: من الصعق بمعنى الإماتة. 

  • لما أنذر سبحانه المكذبين لدعوته بعذاب واقع لا ريب فيه ثم رد جميع ما تعلل به أو يفرض أن يتعلل به أولئك المكذبون، و ذكر أنهم في الإصرار على الباطل بحيث لو عاينوا أوضح آية للحق أولوه و ردوه، أمر نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يتركهم و شأنهم، و هو تهديد كنائي بشمول العذاب لهم و حالهم هذه الحال. 

  • و المراد باليوم الذي فيه يصعقون يوم نفخ الصور الذي يصعق فيه من في السماوات و الأرض و هو من أشراط الساعة قال تعالى: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ} الزمر: ٦٨. 

  • و يؤيد هذا المعنى قوله في الآية التالية: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} فإن انتفاء إغناء الكيد و النصر من خواص يوم القيامة الذي يسقط فيه عامة الأسباب و الأمر يومئذ لله. 

  • و استشكل بأنه لا يصعق يوم النفخ إلا من كان حيا و هؤلاء ليسوا بأحياء يومئذ و الجواب أنه يصعق فيه جميع من في الدنيا من الأحياء و من في البرزخ من الأموات و هؤلاء إن لم يكونوا في الدنيا ففي البرزخ. 

  • على أنه يمكن أن يكون ضمير {يُصْعَقُونَ} راجعا إلى الأحياء يومئذ، و التهديد إنما هو بالعذاب الواقع في هذا اليوم لا بالصعقة التي فيه. 

  • و قيل: المراد به يوم بدر و هو بعيد، و قيل: المراد به يوم الموت، و فيه أنه لا - 

تفسير الميزان ج۱٩

24
  • يلائم السياق الظاهر في التهديد بما وقع في أول السورة و هو عذاب يوم القيامة لا عذاب يوم الموت. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يبعد أن يكون المراد به عذاب القبر، و قوله: {وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} مشعر بأن فيهم من يعلم ذلك لكنه يصر على كفره و تكذيبه عنادا و قيل: المراد به يوم بدر لكن ذيل الآية لا يلائمه تلك الملاءمة. 

  • قوله تعالى: {وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} عطف على قوله: {فَذَرْهُمْ} و ظاهر السياق أن المراد بالحكم حكمه تعالى في المكذبين بالإمهال و الإملاء و الطبع على قلوبهم، و في النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يدعو إلى الحق بما فيه من الأذى في جنب الله فالمراد بقوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} إنك بمرأى منا نراك بحيث لا يخفى علينا شي‌ء من حالك و لا نغفل عنك ففي تعليل الصبر بهذه الجملة تأكيد للأمر بالصبر و تشديد للخطاب. 

  • و قيل: المراد بقوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} إنك في حفظنا و حراستنا فالعين مجاز عن الحفظ، و لعل المعنى المتقدم أنسب للسياق. 

  • قوله تعالى: {وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبَارَ اَلنُّجُومِ} الباء في {بِحَمْدِ} للمصاحبة أي سبح ربك و نزهه حال كونه مقارنا لحمده. 

  • و المراد بقوله: {حِينَ تَقُومُ} قيل هو القيام من النوم، و قيل: هو القيام من القائلة، فهو صلاة الظهر، و قيل: هو القيام من المجلس، و قيل: هو كل قيام، و قيل: هو القيام إلى الفريضة و قيل: هو القيام إلى كل صلاة، و قيل: هو الركعتان قبل فريضة الصبح سبعة أقوال كما ذكره الطبرسي. 

  • و قوله: {وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي من الليل فسبح ربك فيه، و المراد به صلاة الليل، و قيل: المراد صلاتا المغرب و العشاء الآخرة. 

  • و قوله: {وَ إِدْبَارَ اَلنُّجُومِ} قيل: المراد به وقت إدبار النجوم و هو اختفاؤها بضوء الصبح، و هو الركعتان قبل فريضة الصبح، و قيل: المراد فريضة الصبح، و قيل: المراد تسبيحه تعالى صباحا و مساء من غير غفلة عن ذكره. 

تفسير الميزان ج۱٩

25
  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال: لصلاة الليل {فَسَبِّحْهُ} قال: صلاة الليل. 

  • أقول: و روي هذا المعنى في مجمع البيان، عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام).

  • و فيه، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: أدبار السجود أربع ركعات بعد المغرب و إدبار النجوم ركعتان قبل صلاة الصبح. 

  • أقول: و روي ذيله في المجمع، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام)، و القمي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). 

  • و قد ورد من طرق أهل السنة في عدة من الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان إذا قام من مجلسه سبح الله و حمده و يقول: إنه كفارة المجلس‌ لكنها غير ظاهرة في كونها تفسيرا للآية. 

  •  

  • (٥٣) سورة النجم مكية و هي اثنان و ستون آية (٦٢) 

  • [سورة النجم (٥٣): الآیات ١ الی ١٨]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ وَ اَلنَّجْمِ إِذَا هَوىَ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوىَ ٢ وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىَ ٣ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‌ ٤ عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوى‌٥ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‌ ٦ وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلى‌ ٧ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‌ ٩ فَأَوْحى‌ إِلى‌ عَبْدِهِ مَا أَوْحى‌ ١٠مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ 

تفسير الميزان ج۱٩

26
  • مَا رَأى‌ ١١ أَ فَتُمَارُونَهُ عَلى‌ مَا يَرى‌ ١٢ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‌ ١٣ عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‌ ١٤ عِنْدَهَا جَنَّةُ اَلْمَأْوى‌ ١٥ إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مَا يَغْشى‌ ١٦ مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَ مَا طَغى‌ ١٧ لَقَدْ رَأى‌ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‌ ١٨} 

  • (بيان) 

  • غرض السورة تذكير الأصول الثلاثة: وحدانيته تعالى في ربوبيته و المعاد و النبوة فتبدأ بالنبوة فتصدق الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و تصفه ثم تتعرض للوحدانية فتنفي الأوثان و الشركاء أبلغ النفي ثم تصف انتهاء الخلق و التدبير إليه تعالى من إحياء و إماتة و إضحاك و إبكاء و إغناء و إقناء و إهلاك و تعذيب و دعوة و إنذار، و تختم الكلام بالإشارة إلى المعاد و الأمر بالسجدة و العبادة. 

  • و السورة مكية بشهادة سياق آياتها و لا يصغي إلى قول بعضهم بكون بعض آياتها أو كلها مدنية، و قد قيل: إنها أول سورة أعلن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بقراءتها فقرأها على المؤمنين و المشركين جميعا، و من غرر الآيات فيها قوله تعالى: {وَ أَنَّ إِلى‌ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‌} و قوله: {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى‌}

  • و ما أوردناه من الآيات هي الفصل الأول من فصول السورة الثلاثة و هي الآيات اللاتي تصدق الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و تصفه، لكن هناك روايات مستفيضة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌ ناصة على أن المراد بالآيات ليس بيان صفة كل وحي بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه إلى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) ليلة المعراج فالآيات متضمنة لقصة المعراج و ظاهر الآيات لا يخلو من تأييد لهذه الروايات و هو المستفاد أيضا من أقوال بعض الصحابة كابن عباس و أنس و أبي سعيد الخدري و غيرهم على ما روي عنهم و على ذلك جرى كلام المفسرين و إن اشتد الخلاف بينهم في تفسير مفرداتها و جملها. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلنَّجْمِ إِذَا هَوى‌} ظاهر الآية أن المراد بالنجم هو مطلق الجرم 

تفسير الميزان ج۱٩

27
  • السماوي المضي‌ء و قد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه و منها عدة من الأجرام السماوية كالشمس و القمر و سائر السيارات، و على هذا فالمراد بهوى النجم سقوطه للغروب. 

  • و قيل: المراد بالنجم القرآن لنزوله نجوما، و قيل: الثريا، و قيل: الشعري، و قيل: الشهاب الذي يرمى به شياطين الجن لأن العرب تسميه نجما، و للهوى ما يناسب لكل من هذه الأقوال من المعنى، لكن لفظ الآية لا يساعد على شي‌ء من هذه المعاني. 

  • قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوى‌} الضلال‌ الخروج و الانحراف عن الصراط المستقيم، و الغي‌ خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع، قال الراغب: الغي‌ جهل من اعتقاد فاسد، و ذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا و لا فاسدا و قد يكون من اعتقاد شي‌ء فاسد، و هذا النحو الثاني يقال له غي، قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوى‌}. انتهى. و المراد بالصاحب هو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و المعنى: ما خرج صاحبكم عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة و لا أخطأ في اعتقاده و رأيه فيها، و يرجع المعنى إلى أنه لم يخطئ لا في الغاية المطلوبة التي هي السعادة الإنسانية و هو عبوديته تعالى، و لا في طريقها التي تنتهي إليها. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‌ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‌} المراد بالهوى هوى النفس و رأيها، و النطق و إن كان مطلقا ورد عليه النفي و كان مقتضاه نفي الهوى عن مطلق نطقه (صلى الله عليه وآله و سلم) لكنه لما كان خطابا للمشركين و هم يرمونه في دعوته و ما يتلو عليهم من القرآن بأنه كاذب متقول مفتر على الله سبحانه كان المراد بقرينة المقام أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) ما ينطق فيما يدعوكم إلى الله أو فيما يتلوه عليكم من القرآن عن هوى نفسه و رأيه بل ليس ذلك إلا وحيا يوحى إليه من الله سبحانه. 

  • قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوى‌} ضمير {عَلَّمَهُ} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو للقرآن بما هو وحي أو لمطلق الوحي و المفعول الآخر لعلمه محذوف على أي حال و التقدير علم النبي الوحي أو علم القرآن أو الوحي إياه. 

  • و المراد بشديد القوى - على ما قالوا - جبريل و قد وصفه الله بالقوة في قوله: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ} التكوير: ٢٠، و قيل: المراد به هو الله سبحانه. 

  • قوله تعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‌} المرة بكسر الميم الشدة، و حصافة العقل 

تفسير الميزان ج۱٩

28
  • و الرأي و بناء نوع عن المرور و قد فسرت المرة في الآية بكل من المعاني الثلاثة مع القول بأن المراد بذي مرة جبريل، و المعنى: هو أي جبريل ذو شدة في جنب الله أو هو ذو حصافة في عقله و رأيه، أو هو ذو نوع من المرور بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو في الهواء. 

  • و قيل: المراد بذو مرة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فهو ذو شدة في جنب الله أو ذو حصافة في عقله و رأيه أو ذو نوع من المرور عرج فيه إلى السماوات. 

  • و قوله: {فَاسْتَوى‌} بمعنى استقام أو استولى و ضمير الفاعل راجع إلى جبريل و المعنى: فاستقام جبريل على صورته الأصلية التي خلق عليها على ما روي أن جبريل كان ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في صور مختلفة، و إنما ظهر له في صورته الأصلية مرتين أو المعنى: فاستولى جبريل بقوته على ما جعل له من الأمر. 

  • و إن كان الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فالمعنى فاستقام و استقر. 

  • قوله تعالى: {وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلى‌} الأفق‌ الناحية قيل: المراد بالأفق الأعلى ناحية الشرق من السماء لأن أفق المشرق فوق المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء و هو كما ترى و الظاهر أن المراد به أفق أعلى من السماء من غير اعتبار كونه أفقا شرقيا. 

  • و ضمير هو في الآية راجع إلى جبريل أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و الجملة حال من ضمير {فَاسْتَوى‌}

  • قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} الدنو القرب، و التدلي‌ التعلق بالشي‌ء و يكنى به عن شدة القرب، و قيل: الامتداد إلى جهة السفل مأخوذ من الدلو. 

  • و المعنى: على تقدير رجوع الضميرين لجبريل: ثم قرب جبريل فتعلق بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليعرج به إلى السماوات، و قيل: ثم تدلى جبريل من الأفق الأعلى فدنا من النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليعرج به. 

  • و المعنى: على تقدير رجوع الضميرين إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): ثم قرب النبي من الله سبحانه و زاد في القرب. 

  • قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‌} قال في المجمع: القاب و القيب و القاد و القيد عبارة عن مقدار الشي‌ء انتهى. و القوس‌ معروفة و هي آلة الرمي، و يقال قوس على الذراع في لغة أهل الحجاز على ما قيل. 

تفسير الميزان ج۱٩

29
  • و المعنى: فكان البعد قدر قوسين أو قدر ذراعين أو أقرب من ذلك. 

  • و قيل: القاب ما بين مقبض القوس و سيتها ففي الكلام قلب و المعنى: فكان قابي قوس، و اعترض عليه بأن قابي قوس و قاب قوسين واحد فلا موجب للقلب. 

  • قوله تعالى: {فَأَوْحى‌ إِلى‌ عَبْدِهِ مَا أَوْحى‌} ضمير أوحى في الموضعين لجبريل على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى جبريل، و المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله و هو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ما أوحى، قيل: و لا ضير في رجوع الضمير إليه تعالى من عدم سبق الذكر لكونه في غاية الوضوح. أو الضمائر الثلاث لله و المعنى: فأوحى الله بتوسط جبريل إلى عبده ما أوحى أو الضمير الأول لجبريل و الثاني و الثالث لله و المعنى فأوحى جبريل ما أوحى الله إليه إلى عبد الله. 

  • و الضمائر الثلاث كلها لله على تقدير رجوع الضمائر السابقة إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المعنى: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، و هذا المعنى أقرب إلى الذهن من المعنى السابق الذي لا يرتضيه الذوق السليم و إن كان صحيحا. 

  • قوله تعالى: {مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأى‌} الكذب‌ خلاف الصدق يقال: كذب فلان في حديثه، و يقال: كذبه الحديث بالتعدي إلى مفعولين أي حدثه كذبا، و الكذب كما يطلق على القول و الحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطاء القوة المدركة يقال: كذبته عينه أي أخطأت في رؤيتها. 

  • و نفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازما و التقدير ما كذب الفؤاد فيما رأى أو متعديا إلى مفعولين، و التقدير ما كذب الفؤاد فؤاد النبي النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة. 

  • و على هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و ضمير الفاعل في {مَا رَأى‌} راجع إلى الفؤاد و الرؤية رؤيته. 

  • و لا بدع في نسبة الرؤية و هي مشاهدة العيان إلى الفؤاد فإن للإنسان نوعا من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة و التخيل و التفكر بالقوى الباطنة كما إننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى و ليست هذه المشاهدة العيانية إبصارا بالبصر و لا معلوما بفكر، و كذا نرى من أنفسنا أننا نسمع و نشم و نذوق و نلمس و نشاهد أننا 

تفسير الميزان ج۱٩

30
  • نتخيل و نتفكر و ليست هذه الرؤية ببصر أو بشي‌ء من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منا لمدركها و ليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد. 

  • و ليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه و أنه لمرئي له (صلى الله عليه وآله و سلم) بل المرئي هو الأفق الأعلى و الدنو و التدلي و أنه أوحى إليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة و هي آيات له تعالى، و يؤيد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله: {مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَ مَا طَغى‌ لَقَدْ رَأى‌ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‌}

  • على أنها لو دلت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنها رؤية القلب و رؤية القلب غير رؤية البصر الحسية التي تتعلق بالأجسام و يستحيل تعلقها به تعالى و قد قدمنا كلاما في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف الآية ١٤٣. 

  • و ما قيل: إن ضمير {مَا رَأى‌} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المعنى: ما قال فؤاده (صلى الله عليه وآله و سلم) لما رآه ببصره لم أعرفك و لو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، و محصله أن فؤاده صدق بصره فيما رآه. 

  • و كذا ما قيل: إن المعنى أن فؤاده لم يكذب بصره فيما رآه بل صدقه و اعتقد به، و يؤيده قراءة من قرأ {مَا كَذَبَ} بتشديد الذال. 

  • ففيه أن الذي يعطيه سياق الآيات تأييده تعالى صدق النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيما يدعيه من الوحي و رؤية آيات الله الكبرى، و لو كان ضمير {مَا رَأى‌} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان محصل معنى الآية الاحتجاج على صدق رؤيته باعتقاده ذلك بفؤاده و هو بعيد من دأب القرآن و هذا بخلاف ما لو رجع ضمير {مَا رَأى‌} إلى الفؤاد فإن محصل معناه تصديقه تعالى لفؤاده فيما رآه و يجري الكلام على السياق السابق الأخذ من قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوى‌ }{إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‌} إلخ. 

  • فإن قلت: إنه تعالى يحتج في الآية التالية {أَ فَتُمَارُونَهُ عَلى‌ مَا يَرى‌} برؤيته (صلى الله عليه وآله و سلم) على صدقه فيما يدعيه فليكن مثله الاحتجاج باعتقاد فؤاده بما يراه بعينه. 

  • قلت: ليس قوله: {أَ فَتُمَارُونَهُ عَلى‌ مَا يَرى‌} مسوقا للاحتجاج برؤيته على صدقه بل توبيخ على مماراتهم إياه (صلى الله عليه وآله و سلم) على أمر يراه و يبصره و مجادلتهم إياه فيه، و المماراة و المجادلة 

تفسير الميزان ج۱٩

31
  • إنما تصح - لو صحت - في الآراء النظرية و الاعتقادات الفكرية و أما فيما يرى و يشاهد عيانا فلا معنى للمماراة و المجادلة فيه، و هو (صلى الله عليه وآله و سلم) إنما كان يخبرهم بما يشاهده عيانا لا عن فكر و تعقل. 

  • قوله تعالى: {أَ فَتُمَارُونَهُ عَلى‌ مَا يَرى‌} الاستفهام للتوبيخ و الخطاب للمشركين و الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و المماراة الإصرار على المجادلة، و المعنى: أ فتصرون في جدالكم على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يذعن بخلاف ما يدعيه و يخبركم به و هو يشاهد ذلك عيانا. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‌} النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد، و تدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر و الآيات السابقة تقص نزولا آخر غيره. 

  • و قد قالوا: إن ضمير الفاعل المستكن في قوله {رَآهُ} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و ضمير المفعول لجبريل، و على هذا فالنزلة نزول جبريل عليه (صلى الله عليه وآله و سلم) ليعرج به إلى السماوات، و قوله: {عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‌} ظرف للرؤية لا للنزلة، و المراد برؤيته رؤيته و هو في صورته الأصلية. 

  • و المعنى: أنه نزل عليه (صلى الله عليه وآله و سلم) نزلة أخرى و عرج به إلى السماوات و تراءى له (صلى الله عليه وآله و سلم) عند سدرة المنتهى و هو في صورته الأصلية. 

  • و قد ظهر مما تقدم صحة إرجاع ضمير المفعول إليه تعالى و المراد بالرؤية رؤية القلب و المراد بنزلة أخرى نزلة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عند سدرة المنتهى في عروجه إلى السماوات فالمفاد أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) نزل نزلة أخرى أثناء معراجه عند سدرة المنتهى فرآه بقلبه كما رآه في النزلة الأولى. 

  • قوله تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‌ عِنْدَهَا جَنَّةُ اَلْمَأْوى‌ إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مَا يَغْشى‌} السدر شجر معروف و التاء للوحدة و المنتهى كأنه اسم مكان و لعل المراد به منتهى السماوات بدليل كون الجنة عندها و الجنة في السماء، قال تعالى: {وَ فِي اَلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ} الذاريات: ٢٢. 

  • و لا يوجد في كلامه تعالى ما يفسر هذه الشجرة، و كان البناء على الإبهام كما يؤيده قوله بعد: {إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مَا يَغْشى‌} و قد فسر في الروايات أيضا بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم و ستمر ببعض هذه الروايات. 

  • و قوله: {عِنْدَهَا جَنَّةُ اَلْمَأْوى‌} أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون و هي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث، قال تعالى: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ اَلْمَأْوى‌ 

تفسير الميزان ج۱٩

32
  • نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: ١٩، و قوله: {فَإِذَا جَاءَتِ اَلطَّامَّةُ اَلْكُبْرى‌ } - إلى أن قال - {فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‌} النازعات: ٤١ و هي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى: {وَ فِي اَلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ} الذاريات: ٢٢ و قيل: المراد بها جنة البرزخ. 

  • و قوله: {إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مَا يَغْشى‌} غشيان‌ الشي‌ء الإحاطة به، و {مَا} موصولة و المعنى: إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها، و قد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة و لم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة إليه. 

  • قوله تعالى: {مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَ مَا طَغى‌} الزيغ‌ الميل عن الاستقامة، و الطغيان‌ تجاوز الحد في العمل، و زيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه، و طغيانه إدراكه ما لا حقيقة له، و المراد بالبصر بصر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و المعنى: أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية و لا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطئ في إبصاره. 

  • و المراد بالإبصار رؤيته (صلى الله عليه وآله و سلم) بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله: {وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‌} المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله: {مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأى‌ أَ فَتُمَارُونَهُ عَلى‌ مَا يَرى‌} فافهم و لا تغفل. 

  • قوله تعالى: {لَقَدْ رَأى‌ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‌} {مِنْ} للتبعيض، و المعنى: أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه، و بذلك تم مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلا ذا الآية و لا تحكي عن نفسه شيئا و إلا لم تكن من تلك الجهة آية. 

  • و أما مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسط آية و تخلل حجاب فمن المستحيل ذلك قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} طه: ١١٠. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ اَلنَّجْمِ إِذَا هَوىَ} قال: النجم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) {إِذَا هَوى‌} لما أسري به إلى السماء و هو في الهوي. 

تفسير الميزان ج۱٩

33
  • أقول: و روي تسميته (صلى الله عليه وآله و سلم) بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام)، و هو من البطن. 

  • و في الكافي، عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله عز و جل: {وَ اَللَّيْلِ إِذَا يَغْشىَ} {وَ اَلنَّجْمِ إِذَا هَوىَ} و ما أشبه ذلك؟ قال: إن لله عز و جل أن يقسم من خلقه بما شاء، و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به. 

  • أقول: و في الفقيه، عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني مثله. 

  • و في المجمع، و روت العامة عن جعفر الصادق أنه قال: إن محمدا (صلى الله عليه وآله و سلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج و لما نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و طلق ابنته و تفل في وجهه و قال: كفرت بالنجم و رب النجم، فدعا (صلى الله عليه وآله و سلم) عليه و قال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. 

  • فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق و ألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلا ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس. 

  • أقول: ثم أورد الطبرسي شعر حسان في ذلك، و روي في الدر المنثور، القصة بطرق مختلفة. 

  • و في الكافي، بإسناده إلى هشام و حماد و غيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي و حديث أبي حديث جدي و حديث جدي حديث الحسين و حديث الحسين حديث الحسن و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قول الله عز و جل.

  • و في تفسير القمي، بإسناده إلى ابن سنان في حديث: قال أبو عبد الله (عليه السلام): و ذلك أنه يعني النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أقرب الخلق إلى الله تعالى و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أسري به إلى السماء: تقدم يا محمد فقد وطأت موطئا لم يطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل، و لو لا أن روحه و نفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، و كان من الله عز و جل كما قال الله عز و جل: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‌} أي بل أدنى.

  • و في الاحتجاج، عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث طويل: أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى. 

تفسير الميزان ج۱٩

34
  • أقول: و قد ورد هذا المعنى في كثير من روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن المنذر و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: أ لم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر؟ 

  • و فيه، أخرج ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} قال: هو محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) دنا فتدلى إلى ربه عز و جل. 

  • و في المجمع، و روي مرفوعا عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‌} قال: قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {فَأَوْحى‌ إِلى‌ عَبْدِهِ مَا أَوْحى‌} قال: وحي مشافهة. 

  • و في التوحيد، بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ربه عز و جل؟ فقال: نعم بقلبه رآه، أ ما سمعت الله عز و جل يقول: {مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأى‌}؟ لم يره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد. 

  • و في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: قالوا: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: لم أره بعيني و رأيته بفؤادي مرتين ثم تلا {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}

  • أقول: و روى هذا المعنى النسائي عن أبي ذر - على ما في الدر المنثور - و لفظه: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ربه بقلبه و لم يره ببصره. 

  • و عن صحيح مسلم، و الترمذي و ابن مردويه عن أبي ذر قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): هل رأيت ربك؟ فقال: نوراني أراه. 

  • أقول: «نوراني» منسوب إلى النور على خلاف القياس كجسماني في النسبة إلى جسم، و قرئ «نور إني أراه» بتنوين الراء و كسر الهمزة و تشديد النون ثم ياء المتكلم، و الظاهر أنه تصحيف و إن أيد برواية أخرى‌ عن مسلم في صحيحة و ابن مردويه عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورا. 

  • و كيف كان فالمراد بالرؤية رؤية القلب فلا الرؤية رؤية حسية و لا النور نور حسي. 

  • و في الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى 

تفسير الميزان ج۱٩

35
  • أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام. إلى قوله: قال أبو قرة: فإنه يقول: {وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىَ} فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: {مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأىَ} يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأى فقال: {لَقَدْ رَأى‌ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‌} و آيات الله غير الله.

  •  أقول: الظاهر أن كلامه (عليه السلام) مسوق لإلزام أبي قرة حيث كان يريد إثبات رؤيته تعالى بالعين الحسية فألزمه بأن الرؤية إنما تعلقت بالآيات و آيات الله غير الله و لا ينافي ذلك كون رؤية الآيات بما هي آياته رؤيته و إن كانت آياته غيره، و هذه الرؤية إنما كانت بالقلب كما مرت عدة من الروايات في هذا المعنى. 

  • و في تفسير القمي، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): انتهيت إلى سدرة المنتهى و إذا الورقة منها تظل أمة من الأمم فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى.

  • و في الدر المنثور، أخرج أحمد و ابن جرير عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): انتهيت إلى السدرة فإذا نبقها مثل الجراد، و إذا ورقها مثل آذان الفيلة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا و زمردا و نحو ذلك. 

  • و في تفسير القمي، بإسناده إلى إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل: فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): في هذا الموضع تخذلني؟ فقال: تقدم أمامك فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي و حال بيني و بينه السبحة. 

  • قلت: و ما السبحة جعلت فداك؟ فأومى بوجهه إلى الأرض و أومأ بيده إلى السماء و هو يقول: جلال ربي جلال ربي ثلاث مرات. 

  • أقول: السبحة الجلال كما فسر في الرواية، و السبحة ما يدل على تنزهه تعالى من خلقه و مرجعه إلى المعنى الأول، و محصل ذيل الرواية أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) رأى ربه برؤية آياته. 

  • و فيه في قوله تعالى: {وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‌ عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‌} قال: في السماء السابعة. 

تفسير الميزان ج۱٩

36
  • و فيه في قوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ مَا يَغْشى‌} قال: لما رفع الحجاب بينه و بين رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) غشي نور السدرة.

  •  أقول: و في المعاني السابقة روايات أخرى و قد تقدم في أول تفسير سورة الإسراء روايات جامعة لقصة معراجه (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و قد نقلنا هناك في ذيل الروايات الاختلاف في كيفية معراجه (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه كان في المنام أو في اليقظة و على الثاني بجسمه و روحه معا أو بروحه فحسب، و نقلنا عن صاحب المناقب أن الإمامية ترى أن إسراءه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بالروح و الجسم معا على ما تدل عليه آية الإسراء، و أما من المسجد الأقصى إلى السماوات فقد قال قوم بكونه بالروح و الجسم معا أيضا و وافقهم كثير من الشيعة و مال بعضهم إلى كونه بالروح و مال إليه بعض المتأخرين. 

  • و لا ضير في القول به لو أيدته القرائن الحافة بالآيات و الروايات غير أن من الواجب حينئذ أن يحمل قوله تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ اَلْمَأْوى‌} على جنة البرزخ ليحمل كونها عندها على نحو من التعلق كما ورد أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، أو توجه الآية بما لا ينافي كون العروج في السماوات روحيا. 

  • و أما كون الإسراء في المنام فقد تقدم في تفسير آية الإسراء أنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. 

  • و أما تطبيق الإسراء إلى السماوات على تسييره (صلى الله عليه وآله و سلم) ليلا في الكواكب الأخرى غير الأرض من منظومتنا الشمسية أو في منظومات أخرى غير منظومتنا أو في مجرات أخرى غير مجرتنا فمما لا يلائمه الأخبار الواردة في تفصيل القصة البتة بل و لا محصل مضامين الآيات المتقدمة. 

  •  

  • [سورة النجم (٥٣): الآیات ١٩ الی ٣٢]

  • {أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاَّتَ وَ اَلْعُزَّى ١٩ وَ مَنَاةَ اَلثَّالِثَةَ اَلْأُخْرى ٢٠أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ وَ لَهُ اَلْأُنْثى‌ ٢١ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‌ ٢٢ إِنْ 

تفسير الميزان ج۱٩

37
  • هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‌ ٢٣ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ٢٤ فَلِلَّهِ اَلْآخِرَةُ وَ اَلْأُولى‌ ٢٥ وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى‌ ٢٦ إِنَّ اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ اَلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ اَلْأُنْثى‌ ٢٧ وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنَّ اَلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً ٢٨ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا ٢٩ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‌ ٣٠وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسَاؤُا بِمَا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ٣١ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوَاحِشَ إِلاَّ اَللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى‌ ٣٢} 

  • (بيان) 

  • شطر من آيات الفصل الثاني من الفصول الثلاثة في السورة تتعرض لأمر الأوثان و عبادتها بدعوى أنها ستشفع لهم و الرد عليهم أبلغ الرد، و فيها إشارة إلى أمر المعاد و هو مقصد الفصل الثالث.

تفسير الميزان ج۱٩

38
  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاَّتَ وَ اَلْعُزَّى وَ مَنَاةَ اَلثَّالِثَةَ اَلْأُخْرى‌} لما سجل في الآيات السابقة صدق النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أنه وحي يوحى إليه و ترتب عليه حقية النبوة المبنية على التوحيد و نفي الشركاء، فرع عليه الكلام في الأوثان: اللات و العزى و مناة و هي عند المشركين تماثيل للملائكة بدعوى أنهم إناث أو بعضها للملائكة و بعضها للإنسان كما قاله بعضهم و نفي ربوبيتها و ألوهيتها و استقلال الملائكة الذين هم أرباب الأصنام في الشفاعة و أنوثيتهم و أشار إلى حقائق أخرى تنتج المعاد و جزاء الأعمال. 

  • و اللات و العزى و مناة أصنام ثلاث كانت معبودة لعرب الجاهلية، و قد اختلفوا في وصف صورها، و في موضعها الذي كانت منصوبة عليه، و في من يعبدها من العرب، و في الأسباب التي أوجبت عبادتهم لها، و هي أقوال متدافعة لا سبيل إلى الاعتماد على شي‌ء منها، و المتيقن منها ما أوردناه. 

  • و المعنى: إذا كان الأمر على ما ذكرناه من حقية الدعوة و صدق النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في دعوى الوحي و الرسالة من عند الله سبحانه فأخبروني عن اللات و العزى و مناة التي هي ثالثة الصنمين و غيرهما - و هي التي تدعون أنها أصنام الملائكة الذين هم بنات الله على زعمكم -. 

  • قوله تعالى: {أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ وَ لَهُ اَلْأُنْثى‌ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‌} استفهام إنكاري مشوب بالاستهزاء، و قسمة ضيزى أي جائرة غير عادلة. 

  • و المعنى: إذا كان كذلك و كانت أرباب هذه الأصنام من الملائكة بنات الله، و أنتم لا ترضون لأنفسكم إلا الذكر من الأولاد فهل لكم الذكر و لله سبحانه الأنثى من الأولاد؟ تلك القسمة إذا قسمة جائرة غير عادلة - استهزاء -. 

  • قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} إلخ، ضمير {هِيَ} للات و العزى و مناة أو لها بما هي أصنام، و ضمير {سَمَّيْتُمُوهَا} للأسماء و تسمية الأسماء جعلها أسماء، و المراد بالسلطان البرهان. 

  • و المعنى: ليست هذه الأصنام الآلهة إلا أسماء جعلتموها أسماء لها أنتم و آباؤكم ليست لهذه الأسماء وراءها مصاديق و مسميات ما أنزل الله معها برهانا يستدل به على ربوبيتها و ألوهيتها. 

  • و محصل الآية الرد على المشركين بعدم الدليل على ألوهية آلهتهم. 

  • و قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ} ما موصولة و الضمير العائد 

تفسير الميزان ج۱٩

39
  • إليها محذوف أي الذي تهواه النفس، و قيل: مصدرية و التقدير هوى النفس و الهوى الميل الشهواني للنفس و الجملة مسوقة لذمهم في اتباع الباطل و تأكيد لما تقدم من أنه لا برهان لهم على ذلك. 

  • و يؤكده قوله: {وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‌} و الجملة حالية. 

  • و المعنى: إن يتبع هؤلاء المشركون في أمر آلهتهم إلا الظن و ما يميل إليه أنفسهم شهوة يتبعون ذلك و الحال أنه قد جاءهم من الله و هو ربهم الهدى و هي الدعوة الحقة أو القرآن الذي يهديهم إلى الحق. 

  • و الالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة للإشعار بأنهم أحط فهما من أن يخاطبوا بهذا الكلام على أنهم غير مستعدين لأن يخاطبوا بكلام برهاني و هم أتباع الظن و الهوى. 

  • قوله تعالى: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} أم منقطعة و الاستفهام إنكاري، و الكلام مسوق لنفي أن يملك الإنسان ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه أي ليس يملك الإنسان ما يتمناه بمجرد أنه يتمناه حتى يملك المشركون ما يتمنونه بهوى أنفسهم من شفاعة الملائكة الذين هم أرباب أصنامهم و بنات لله بزعمهم أو يملكوا ألوهية آلهتهم بمجرد التمني. 

  • و في الكلام تلويح إلى أنهم ليس لهم للدلالة على صحة ألوهية آلهتهم أو شفاعتهم إلا التمني، و لا يملك شي‌ء بالتمني. 

  • قوله تعالى: {فَلِلَّهِ اَلْآخِرَةُ وَ اَلْأُولى‌} تفريعه على سابقه من تفريع العلة للمعلول للدلالة على التعلق و الارتباط ففيه تعليل للجملة السابقة، و المعنى: ليس يملك الإنسان ما تمناه بمجرد التمني لأن الآخرة و الأولى لله سبحانه و لا شريك له في ملكه. 

  • قوله تعالى: {وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى‌} الفرق بين الإذن و الرضا أن الإذن إعلام ارتفاع المانع من قبل الآذن، و الرضا ملاءمة نفس الراضي للشي‌ء و عدم امتناعها فربما تحقق الإذن بشي‌ء مع عدم الرضا و لا يتحقق رضا إلا مع الإذن بالفعل أو بالقوة. 

  • و الآية مسوقة لنفي أن يملك الملائكة من أنفسهم الشفاعة مستغنين في ذلك عن الله سبحانه كما يروم إليه عبدة الأصنام فإن الأمر مطلقا إلى الله تعالى فإنما يشفع من يشفع منهم بعد إذنه تعالى له في الشفاعة و رضاه بها. 

  • و على هذا فالمراد بقوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} الملائكة، و معنى الآية: و كثير من الملائكة 

تفسير الميزان ج۱٩

40
  • في السماوات لا تؤثر شفاعتهم أثرا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم أي من الملائكة و يرضى بشفاعته. 

  • و قيل: المراد بمن يشاء و يرضى الإنسان، و المعنى: إلا من بعد أن يأذن الله في شفاعة من يشاء أن يشفع له من الإنسان و يرضى، و كيف يأذن و يرضى بشفاعة من كفر به و عبد غيره؟. 

  • و الآية تثبت الشفاعة للملائكة في الجملة، و تقيد شفاعتهم بالإذن و الرضا من الله سبحانه. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ اَلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ اَلْأُنْثى‌ } رد لقولهم بأنوثية الملائكة بعد رد قولهم بشفاعتهم. 

  • و المراد بتسميتهم الملائكة تسمية الأنثى قولهم: إن الملائكة بنات الله فالمراد بالأنثى الجنس أعم من الواحد و الكثير. 

  • و قيل: إن الملائكة في معنى استغراق المفرد فيكون التقدير ليسمون كل واحد من الملائكة تسمية الأنثى أي يسمونه بنتا فالكلام على وزان كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة. 

  • قال بعضهم: في تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في الشناعة و الفظاعة و استتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن بها رأسا. انتهى. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنَّ اَلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً} العلم‌ هو التصديق المانع من النقيض، و الظن‌ هو التصديق الراجح و يسمى المرجوح وهما، و قولهم بأنوثية الملائكة كما لم يكن معلوما لهم كذلك لم يكن مظنونا إذ لا سبيل إلى ترجيح القول به على خلافه لكنه لما كان عن هوى أنفسهم أثبته الهوى في أنفسهم و زينه لهم فلم يلتفتوا إلى خلافه، و كلما لاح لهم لائح خلافه أعرضوا عنه و تعلقوا بما يهوونه، و بهذه العناية سمي ظنا و هو في الحقيقة تصور فقط. 

  • و بهذا يظهر استقامة قول من قال: إن الظن في هذه الآية و في قوله السابق: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ} بمعنى التوهم دون الاعتقاد الراجح و أيد بما يظهر من كلام الراغب: إن الظن ربما يطلق على التوهم. 

  • و قوله: {إِنَّ اَلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً} الحق‌ ما هو عليه الشي‌ء و ظاهر أنه لا يدرك إلا بالعلم الذي هو الاعتقاد المانع من النقيض لا غير و أما غير العلم مما فيه احتمال 

تفسير الميزان ج۱٩

41
  • الخلاف فلا يتعين فيه المدرك على ما هو عليه في الواقع فلا مجوز لأن يعتمد عليه في الحقائق قال تعالى: {وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} إسراء: ٣٦. 

  • و أما العمل بالظن في الأحكام العملية فإنما هو لقيام دليل عليه يقيد به إطلاق الآية، و تبقى الأمور الاعتقادية تحت إطلاق الآية. 

  • قال بعضهم: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {إِنَّ اَلظَّنَّ لاَ يُغْنِي} ليجري الكلام مجرى المثل. 

  • قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا} تفريع على اتباعهم الظن و هوى الأنفس، فقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ} إلخ، أمر بالإعراض عنهم و إنما لم يقل: فأعرض عنهم، و وضع قوله: {مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} إلخ، موضع الضمير للدلالة على علة الأمر بالإعراض كأنه قيل: إن هؤلاء يتركون العلم و يتبعون الظن و ما تهوى الأنفس و إنما فعلوا ذلك لأنهم تولوا عن الذكر و أرادوا الحياة الدنيا فلا هم لهم إلا الدنيا فهي مبلغهم من العلم، و إذا كان كذلك فأعرض عنهم لأنهم في ضلال. 

  • و المراد بالذكر إما القرآن الذي يهدي متبعيه إلى الحق الصريح و يرشدهم إلى سعادة الدار الآخرة التي وراء الدنيا بالحجج القاطعة و البراهين الساطعة التي لا تبقى معها وصمة شك. 

  • و إما ذكر الله بالمعنى المقابل للغفلة فإن ذكره تعالى بما يليق بذاته المتعالية من الأسماء و الصفات يهدي إلى سائر الحقائق العلمية في المبدأ و المعاد هداية علمية لا ريب معها. 

  • قوله تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‌} الإشارة بذلك إلى أمر الدنيا و هو معلوم من الآية السابقة و كونه مبلغ علمهم من قبيل الاستعارة كان العلم يسير إلى المعلوم و ينتهي إليه و علمهم انتهى في مسيره إلى الدنيا و بلغها و وقف عندها و لم يتجاوزها، و لازم ذلك أن تكون الدنيا متعلق إرادتهم و طلبهم، و موطن همهم، و غاية آمالهم لا يطمئنون إلى غيرها و لا يقبلون إلا عليها. 

  • و قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ} إلخ، تأكيد لمضمون الجملة السابقة و شهادة منه تعالى عليه. 

  • قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسَاؤُا بِمَا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} يمكن أن يكون صدر الآية حالا من فاعل {أَعْلَمُ} في الآية السابقة و الواو للحال، و المعنى: أن ربك هو أعلم بالفريقين الضالين و المهتدين و الحال أنه يملك ما في السماوات و ما في الأرض فكيف يمكن أن لا يعلم بهم و هو مالكهم؟. 

تفسير الميزان ج۱٩

42
  • و على هذا فالظاهر تعلق قوله: {لِيَجْزِيَ} إلخ، بقوله السابق: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى} إلخ، و المعنى: أعرض عنهم و كل أمرهم إلى الله ليجزيهم كذا و كذا و يجزيك و يجزي المحسنين كذا و كذا. 

  • و يمكن أن يكون قوله: {وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ} إلخ، كلاما مستأنفا للدلالة على أن الأمر بالإعراض عنهم لا لإهمالهم و تركهم سدى بل الله سبحانه يجزي كلا بعمله إن سيئا و إن حسنا، و وضع اسم الجلالة و هو ظاهر موضع الضمير للدلالة على كمال العظمة. 

  • و قوله: {لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} إشارة إلى ملكه تعالى للكل و معناه قيام الأشياء به تعالى لكونه خالقهم الموجد لهم فالملك ناشئ من الخلق و هو مع ذلك منشأ للتدبير فالجملة دالة على الخلق و التدبير كأنه قيل: و لله الخلق و التدبير. 

  • و بهذا المعنى يتعلق قوله: {لِيَجْزِيَ} إلخ، و اللام للغاية، و المعنى: له الخلق و التدبير و غاية ذلك و الغرض منه أن يجزي الذين أساءوا إلخ، و المراد بالجزاء ما يخبر عنه الكتاب من شئون يوم القيامة، و المراد بالإساءة و الإحسان المعصية و الطاعة، و المراد بما عملوا جزاء ما عملوا أو نفس ما عملوا، و بالحسنى المثوبة الحسنى. 

  • و المعنى: ليجزي الله الذين عصوا بمعصيتهم أو بجزاء معصيتهم و يجزي الذين أطاعوا بالمثوبة الحسنى، و قد أوردوا في الآية احتمالات أخرى و ما قدمناه هو أظهرها. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوَاحِشَ إِلاَّ اَللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ} إلخ، الإثم‌ هو الذنب و أصله - كما ذكره الراغب - الفعل المبطئ عن الثواب و الخير، و كبائر الإثم المعاصي الكبيرة و هو على ما في الرواية۱ ما أوعد الله عليه النار، و قد تقدم البحث عنها في تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية: النساء: ٣١. 

  • و الفواحش‌ الذنوب الشنيعة الفظيعة، و قد عد تعالى في كلامه الزنا و اللواط من الفواحش و لا يبعد أن يستظهر من الآية اتحادها مع الكبائر. 

  • و أما اللمم‌ فقد اختلفوا في معناه فقيل: هو الصغيرة من المعاصي، و عليه فالاستثناء منقطع، و قيل: هو أن يلم بالمعصية و يقصدها و لا يفعل و الاستثناء أيضا منقطع، و قيل: 

  •  

    1. رواها في ثواب الأعمال عن عباد بن كثير النوا عن أبي جعفر عليه السلام.

تفسير الميزان ج۱٩

43
  • هو المعصية حينا بعد حين من غير عادة أي المعصية على سبيل الاتفاق فيكون أعم من الصغيرة و الكبيرة و ينطبق مضمون الآية على معنى قوله تعالى في وصف المتقين المحسنين: {وَ اَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اَللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‌ مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران: ١٣٥. 

  • و قد فسر في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌ بثالث المعاني‌۱

  • و الآية تفسر ما في الآية السابقة من قوله: {اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا} فهم الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و من الجائز أن يقع منهم لمم. 

  • و في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ} تطميعهم في التوبة رجاء المغفرة. 

  • و قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ} قال الراغب: النش‌ء و النشأة إحداث الشي‌ء و تربيته. انتهى. فأنشئوهم من الأرض ما جرى عليهم في بدء خلقهم طورا بعد طور من أخذهم من المواد العنصرية إلى أن يتكونوا في صورة المني و يردوا الأرحام. 

  • و قوله: {وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} الأجنة جمع جنين، و الكلام معطوف على {إِذْ} السابق أي و هو أعلم بكم إذ كنتم أجنة في أرحام أمهاتكم يعلم ما حقيقتكم و ما أنتم عليه من الحال و ما في سركم و إلى ما يئول أمركم. 

  • و قوله: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} تفريع على العلم أي إذا كان الله أعلم من أول أمر فلا تزكوا أنفسكم بنسبتها إلى الطهارة هو أعلم بمن اتقى.

  •  

  • [سورة النجم (٥٣): الآیات ٣٣ الی ٦٢]

  •  {أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلَّى ٣٣ وَ أَعْطى‌ قَلِيلاً وَ أَكْدى‌ ٣٤ أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ فَهُوَ يَرى‌ ٣٥ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسى‌ ٣٦ وَ إِبْرَاهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى ٣٧ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ} 

    1. ففي أصول الكافي عن ابن عمار عن الصادق عليه السلام: اللم الرجل يلم بالذنب فيستغفر اللَّه منه، و فيه بإسناده عن محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: هو الذنب يلم به الرجل فيمكث ما شاء الله ثم يلم به بعد، و فيه بإسناده عن ابن عمار عن الصادق عليه السلام عليه قته الذي يلم بالذنب بعد الذنب ليس من سليقته أي من طبعه. 

تفسير الميزان ج۱٩

44
  • {أُخْرىَ ٣٨ وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعىَ ٣٩ وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىَ ٤٠ثُمَّ يُجْزَاهُ اَلْجَزَاءَ اَلْأَوْفى‌ ٤١ وَ أَنَّ إِلىَ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‌ ٤٢ وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‌ ٤٣ وَ أَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَ أَحْيَا ٤٤ وَ أَنَّهُ خَلَقَ اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‌ ٤٥ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنى‌ ٤٦ وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‌ ٤٧ وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‌ وَ أَقْنى‌ ٤٨ وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ اَلشِّعْرى‌ ٤٩ وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً اَلْأُولى‌ ٥٠وَ ثَمُودَ فَمَا أَبْقى‌ ٥١ وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى‌ ٥٢ وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‌ ٥٣ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ٥٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارى‌ ٥٥ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ اَلنُّذُرِ اَلْأُولى‌ ٥٦ أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ ٥٧ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اَللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨ أَ فَمِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ٥٩ وَ تَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ ٦٠وَ أَنْتُمْ سَامِدُونَ ٦١ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اُعْبُدُوا ٦٢} 

  • (بيان) 

  • سياق التسع آيات الواقعة في صدر هذا الفصل يصدق ما ورد في أسباب النزول أن رجلا من المسلمين كان ينفق من ماله في سبيل الله فلامه بعض الناس على كثرة الإنفاق و حذره و خوفه بنفاد المال و الفقر و ضمن حمل خطاياه و ذنوبه فأمسك عن الإنفاق فنزلت الآيات. 

  • أشار سبحانه بالتعرض لهذه القصة و نقل ما نقل من صحف إبراهيم و موسى (عليهما 

تفسير الميزان ج۱٩

45
  • السلام) إلى بيان وجه الحق فيها، و إلى ما هو الحق الصريح فيما تعرض له الفصل السابق من أباطيل المشركين من أنهم إنما يعبدون الأصنام لأنها تماثيل الملائكة الذين هم بنات الله يعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله سبحانه و قد أبطلتها الآيات السابقة أوضح الإبطال. 

  • و قد أوضحت هذه الآيات ما هو وجه الحق في الربوبية و الألوهية و هو أن الخلق و التدبير لله سبحانه، إليه ينتهي كل ذلك، و أنه خلق ما خلق و دبر ما دبر خلقا و تدبيرا يستعقب نشأة أخرى فيها جزاء الكافر و المؤمن و المجرم و المتقي و من لوازمه تشريع الدين و توجيه التكاليف و قد فعل، و من شواهده إهلاك من أهلك من الأمم الدارجة الطاغية كقوم نوح و عاد و ثمود و المؤتفكة. 

  • ثم عقب سبحانه هذا الذي نقله عن صحف النبيين الكريمين بالتنبيه على أن هذا النذير من النذر الأولى الخالية و أن الساعة قريبة، و خاطبهم بالأمر بالسجود لله و العبادة، و بذلك تختتم السورة. 

  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلَّى وَ أَعْطى‌ قَلِيلاً وَ أَكْدى‌} التولي‌ هو الإعراض و المراد به بقرينة الآية التالية الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله، و الإعطاء الإنفاق و الإكداء قطع العطاء، و التفريع الذي في قوله: {أَ فَرَأَيْتَ} مبني على ما قدمنا من تفرع مضمون هذه الآيات على ما قبلها. 

  • و المعنى: فأخبرني عمن أعرض عن الإنفاق و أعطى قليلا من المال و أمسك بعد ذلك أشد الإمساك. 

  • قوله تعالى: {أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ فَهُوَ يَرى‌} الضمائر لمن تولى و الاستفهام للإنكار و المعنى: أ يعلم الغيب فيترتب عليه أن يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ذنوبه و يعذب مكانه يوم القيامة لو استحق العذاب. كذا فسروا. 

  • و الظاهر أن المراد نفي علمه بما غاب عنه من مستقبل حاله في الدنيا و المعنى: أ يعلم الغيب فهو يعلم أنه لو أنفق و دام على الإنفاق نفد ماله و ابتلي بالفقر و أما تحمل الذنوب و العذاب فالمتعرض له قوله الآتي: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‌}

  • قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسى‌ وَ إِبْرَاهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى} صحف موسى التوراة، و صحف إبراهيم. ما نزل عليه من الكتاب و الجمع للإشارة إلى كثرته بكثرة أجزائه. 

  • و التوفية تأدية الحق بتمامه و كماله، و توفيته (عليه السلام) تأديته ما عليه من الحق في العبودية 

تفسير الميزان ج۱٩

46
  • أتم التأدية و أبلغها قال تعالى: {وَ إِذِ اِبْتَلى‌ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} البقرة: ١٢٤. 

  • و ما نقله الله سبحانه في الآيات التالية من صحف إبراهيم و موسى (عليه السلام) و إن لم يذكر في القرآن بعنوان أنه من صحفهما قبل هذه الآيات لكنه مذكور بعنوان الحكم و المواعظ و القصص و العبر فمعنى الآيتين: أم لم ينبأ بهذه الأمور و هي في صحف إبراهيم و موسى. 

  • قوله تعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‌} الوزر الثقل و كثر استعماله في الإثم، و الوازرة النفس التي من شأنها أن تحمل الإثم، و الآية بيان ما في صحف إبراهيم و موسى (عليه السلام)، و كذا سائر الآيات المصدرة بأن و أن إلى تمام سبع عشرة آية. 

  • و المعنى: ما في صحفهما هو أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى أي لا تتأثم نفس بما لنفس أخرى من الإثم فلا تؤاخذ نفس بإثم نفس أخرى. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى‌} قال الراغب: السعي‌ المشي السريع و هو دون العدو، و يستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا قال تعالى: {وَ سَعى‌ فِي خَرَابِهَا}. انتهى و استعماله في الجد في الفعل استعمال استعاري. 

  • و معنى اللام في قوله: {لِلْإِنْسَانِ} الملك الحقيقي الذي يقوم بصاحبه قياما باقيا ببقائه يلازمه و لا يفارقه بالطبع و هو الذي يكتسبه الإنسان بصالح العمل أو طالحه من خير أو شر، و أما ما يراه الإنسان مملوكا لنفسه و هو في ظرف الاجتماع من مال و بنين و جاه و غير ذلك من زخارف الحياة الدنيا و زينتها فكل ذلك من الملك الاعتباري الوهمي الذي يصاحب الإنسان ما دام في دار الغرور و يودعه عند ما أراد الانتقال إلى دار الخلود و عالم الآخرة. 

  • فالمعنى: و أنه لا يملك الإنسان ملكا يعود إليه أثره من خير أو شر أو نفع أو ضر حقيقة إلا ما جد فيه من عمل فله ما قام بفعله بنفسه و أما ما قام به غيره من عمل فلا يلحق بالإنسان أثره خيرا أو شرا. 

  • و أما الانتفاع من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك سعي جميل حيث دخلوا في حضيرة الإيمان بالله و آياته، و كذا استفادة المؤمن بعد موته من استغفار المؤمنين له، و الأعمال الصالحة التي تهدي إليه مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين و تكثير سوادهم و تأييد إيمانهم الذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصالحة. 

تفسير الميزان ج۱٩

47
  • و كذا من سن سنة حسنة فله ثوابها و ثواب من عمل بها، و من سن سنة سيئة كان له وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن له سعيا في عملهم حيث سن السنة و توسل بها إلى أعمالهم كما تقدم في تفسير قوله تعالى: {وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ} يس: ١٢، و قد تقدم في تفسير قوله: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ» } النساء: ٩، و تفسير قوله: {لِيَمِيزَ اَللَّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ} الأنفال: ٣٧، كلام نافع في هذا المقام. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‌} المراد بالسعي ما سعى فيه من العمل و بالرؤية المشاهدة، و ظرف المشاهدة يوم القيامة بدليل تعقيبه بالجزاء فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} آل عمران: ٣٠، و قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزال: ٨. 

  • و إتيان قوله: {سَوْفَ يُرى‌} مبنيا للمفعول لا يخلو من إشعار بأن هناك من يشاهد العمل غير عامله. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ يُجْزَاهُ اَلْجَزَاءَ اَلْأَوْفى‌} الوفاء بمعنى التمام لأن الشي‌ء التام يفي بجميع ما يطلب من صفاته، و الجزاء الأوفى الجزاء الأتم. 

  • و ضمير {يُجْزَاهُ} للسعي الذي هو العمل و المعنى: ثم يجزي الإنسان عمله أي بعمله أتم الجزاء. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّ إِلى‌ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‌} المنتهى‌ مصدر ميمي بمعنى الانتهاء و قد أطلق إطلاقا فيفيد مطلق الانتهاء، فما في الوجود من شي‌ء موجود إلا و ينتهي في وجوده و آثار وجوده إلى الله سبحانه بلا واسطة أو مع الواسطة، و لا فيه أمر من التدبير و النظام الجاري جزئيا أو كليا إلا و ينتهي إليه سبحانه إذ ليس التدبير الجاري بين الأشياء إلا الروابط الجارية بينها القائمة بها و موجد الأشياء هو الموجد لروابطها المجري لها بينها فالمنتهى المطلق لكل شي‌ء هو الله سبحانه. 

  • قال تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ } الزمر: ٦٣، و قال: {أَلاَ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ} الأعراف: ٥٤. 

  • و الآية تثبت الربوبية المطلقة لله سبحانه بإنهاء كل تدبير و كل التدبير إليه و تشمل 

تفسير الميزان ج۱٩

48
  • انتهاء الأشياء إليه من حيث البدء و هو الفطر، و انتهاءها إليه من حيث العود و الرجوع و هو الحشر. 

  • و مما تقدم يظهر ضعف ما قيل في تفسير الآية أن المراد بذلك رجوع الخلق إليه سبحانه يوم القيامة، و كذا ما قيل: إن المعنى أن إلى ثواب ربك و عقابه آخر الأمر، و كذا ما قيل: المعنى أن إلى حساب ربك منتهاهم، و كذا ما قيل: إليه سبحانه ينتهي الأفكار و تقف دونه، ففي جميع هذه التفاسير تقييد الآية من غير مقيد. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‌} الآية و ما يتلوها إلى تمام اثنتي عشرة آية بيان لموارد من انتهاء الخلق و التدبير إلى الله سبحانه. 

  • و السياق في جميع هذه الآيات سياق الحصر، و تفيد انحصار الربوبية فيه تعالى و انتفاء الشريك، و لا ينافي ما في هذه الموارد من الحصر توسط أسباب أخر طبيعية أو غير طبيعية فيها كتوسط السرور و الحزن و أعضاء الضحك و البكاء من الإنسان في تحقق الضحك و البكاء، و كذا توسط الأسباب المناسبة الطبيعية و غير الطبيعية في الإحياء و الإماتة و خلق الزوجين و الغنى و القنى و إهلاك الأمم الهالكة و ذلك أنها لما كانت مسخرة لأمر الله غير مستقلة في نفسها و لا منقطعة عما فوقها كانت وجوداتها و آثار وجوداتها و ما يترتب عليها لله وحده لا يشاركه في ذلك أحد. 

  • فمعنى قوله: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‌} إنه تعالى هو أوجد الضحك في الضاحك و أوجد البكاء في الباكي لا غيره تعالى: 

  • و لا منافاة بين انتهاء الضحك و البكاء في وجودهما إلى الله سبحانه و بين انتسابهما إلى الإنسان و تلبسه بهما لأن نسبة الفعل إلى الإنسان بقيامه به و نسبة الفعل إليه تعالى بالإيجاد و كم بينهما من فرق. 

  • و لا أن تعلق الإرادة الإلهية بضحك الإنسان مثلا يوجب بطلان إرادة الإنسان للضحك و سقوطها عن التأثير لأن الإرادة الإلهية لم تتعلق بمطلق الضحك كيفما كان و إنما تعلقت بالضحك الإرادي الاختياري من حيث إنه صادر عن إرادة الإنسان و اختياره فإرادة الإنسان سبب لضحكه في طول إرادة الله سبحانه لا في عرضها حتى تتزاحما و لا تجتمعا معا فنضطر إلى القول بأن أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لله و لا صنع للإنسان فيها كما يقوله الجبري أو أنها مخلوقة للإنسان و لا صنع لله سبحانه فيها كما يقوله المعتزلي. 

تفسير الميزان ج۱٩

49
  • و مما تقدم يظهر فساد قول بعضهم: إن معنى الآية أنه خلق قوتي الضحك و البكاء، و قول آخرين: إن المعنى أنه خلق السرور و الحزن، و قول آخرين: إن المعنى أنه أضحك الأرض بالنبات و أبكى السماء بالمطر، و قول آخرين: إن المعنى أنه أضحك أهل الجنة و أبكى أهل النار. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَ أَحْيَا} الكلام في انتساب الموت و الحياة إلى أسباب أخر طبيعية و غير طبيعية كالملائكة كالكلام في انتساب الضحك و البكاء إلى غيره تعالى مع انحصار الإيجاد فيه تعالى، و كذا الكلام في الأمور المذكورة في الآيات التالية. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ خَلَقَ اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‌ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنى‌} النطفة ماء الرجل و المرأة الذي يخلق منه الولد، و أمنى‌ الرجل أي صب المني، و قيل: معناه التقدير، و قوله: {اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‌} بيان للزوجين. 

  • قيل: لم يذكر الضمير في الآية على طرز ما تقدم - أنه هو - لأنه لا يتصور نسبة خلق الزوجين إلى غيره تعالى. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‌} النشأة الأخرى الخلقة الأخرى الثانية و هي الدار الآخرة التي فيها جزاء، و كون ذلك عليه تعالى قضاؤه قضاء حتم و قد وعد به و وصف نفسه بأنه لا يخلف الميعاد. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‌ وَ أَقْنى‌} أي أعطى الغنى و أعطى القنية، و القنية ما يدوم من الأموال و يبقى ببقاء نفسه كالدار و البستان و الحيوان، و على هذا فذكر {أَقْنى‌} بعد {أَغْنى‌} من التعرض للخاص بعد العام لنفاسته و شرفه. 

  • و قيل: الإغناء التمويل و الإقناء الإرضاء بذلك، و قال بعضهم: معنى الآية أنه هو أغنى و أفقر. 

  • قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ اَلشِّعْرى‌} كان المراد بالشعرى الشعرى اليمانية و هي كوكبة مضيئة من الثوابت شرقي صورة الجبار في السماء. 

  • قيل: كانت الخزاعة و حمير تعبد هذه الكوكبة، و ممن كان يعبده أبو كبشة أحد أجداد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من جهة أمه، و كان المشركون يسمونه (صلى الله عليه وآله و سلم) ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في الدين كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى. 

تفسير الميزان ج۱٩

50
  •  قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً اَلْأُولى‌} و هم قوم هود النبي (عليه السلام) و وصفوا بالأولى لأن هناك عادا ثانية هم بعد عاد الأولى. 

  • قوله تعالى: {وَ ثَمُودَ فَمَا أَبْقى‌} و هم قوم صالح النبي (عليه السلام) أهلك الله الكفار منهم عن آخرهم، و هو المراد من قوله: {فَمَا أَبْقى‌} و إلا فهو سبحانه نجى المؤمنين منهم من الهلاك كما قال: {وَ نَجَّيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ} فصلت: ١٨. 

  • قوله تعالى: {وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى‌} عطف كسابقه على قوله: {عَاداً} و الإصرار بالتأكيد على كونهم أظلم و أطغى، أي من القومين عاد و ثمود على ما يعطيه السياق لأنهم لم يجيبوا دعوة نوح (عليه السلام) و لم يتعظوا بموعظته فيما يقرب من ألف سنة و لم يؤمن منهم معه إلا أقل قليل. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‌ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} قيل: إن المؤتفكة قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها أي انقلبت و الائتفاك‌ الانقلاب، و الأهواء الإسقاط. 

  • و المعنى: و أسقط القرى المؤتفكة إلى الأرض بقلبها و خسفها فشملها و أحاط بها من العذاب ما شملها و أحاط بها. 

  • و احتمل أن يكون المراد بالمؤتفكة ما هو أعم من قرى قوم لوط و هي كل قرية نزل عليها العذاب فباد أهلها فبقيت خربة داثرة معالمها خاوية على عروشها. 

  • قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكَ تَتَمَارى‌} الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة، و التماري‌ التشكك، و الجملة متفرعة على ما تقدم ذكره مما ينسب إليه تعالى من الأفعال. 

  • و المعنى: إذا كان الله سبحانه هو الذي نظم هذا النظام البديع من صنع و تدبير بالإضحاك و الإبكاء و الإماتة و الإحياء و الخلق و الإهلاك إلى آخر ما قيل فبأي نعم ربك تتشكك و في أيها تريب؟. 

  • و عد مثل الإبكاء و الإماتة و إهلاك الأمم الطاغية نعما لله سبحانه لما فيها من الدخل في تكون النظام الأتم الذي يجري في العالم و تنساق به الأمور في مرحلة استكمال الخلق و رجوع الكل إلى الله سبحانه. 

  • و الخطاب في الآية للذي تولى و أعطى قليلا و أكدى أو للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من باب إياك أعني و اسمعي يا جارة، و الاستفهام للإنكار. 

تفسير الميزان ج۱٩

51
  • قوله تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ اَلنُّذُرِ اَلْأُولى‌} قيل: النذير يأتي مصدرا بمعنى الإنذار و وصفا بمعنى المنذر و يجمع على النذر بضمتين على كلا المعنيين و الإشارة بهذا إلى القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • قوله تعالى: {أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ} أي قربت القيامة و الآزفة من أسماء القيامة قال تعالى: {وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْآزِفَةِ} المؤمن: ١٨. 

  • قوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اَللَّهِ كَاشِفَةٌ} أي نفس كاشفة و المراد بالكشف إزالة ما فيها من الشدائد و الأهوال، و المعنى: ليس نفس تقدر على إزالة ما فيها من الشدائد و الأهوال إلا أن يكشفها الله سبحانه. 

  • قوله تعالى: {أَ فَمِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سَامِدُونَ} الإشارة بهذا الحديث إلى ما تقدم من البيان، و السمود اللهو، و الآية متفرعة على ما تقدم من البيان، و الاستفهام للتوبيخ. 

  • و المعنى: إذا كان الله هو ربكم الذي ينتهي إليه كل أمر و عليه النشأة الأخرى و كانت القيامة قريبة و ليس لها من دون الله كاشفة كان عليكم أن تبكوا لما فرطتم في جنب الله، و تعرضتم للشقاء الدائم أ فمن هذا البيان الذي يدعوكم إلى النجاة تعجبون إنكارا و تضحكون استهزاء و لا تبكون؟. 

  • قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اُعْبُدُوا} تفريع آخر على ما تقدم من البيان و المعنى: إذا كان كذلك فعليكم أن تسجدوا لله و تعبدوه ليكشف عنكم ما ليس له من دونه كاشفة. 

  • (بحث روائي) 

  • في الكشاف في قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلَّى} إلخ، روي أن عثمان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح و هو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شي‌ء فقال عثمان: إن لي ذنوبا و خطايا، و إني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى و أرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها و أنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه و أشهد عليه و أمسك عن العطاء فنزلت، و معنى: {تَوَلَّى} ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك و أجمل. 

تفسير الميزان ج۱٩

52
  •  أقول: و أورد القصة في مجمع البيان و نسبها إلى ابن عباس و السدي و الكلبي و جماعة من المفسرين، و في انطباق «تولى» على تركه المركز يوم أحد نظر و الآيات مكية. 

  • و في الدر المنثور، أخرج الفاريابي و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مجاهد: في قوله: {أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلَّى} قال: الوليد بن المغيرة كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أبا بكر فسمع ما يقولان و ذلك ما أعطى من نفسه، أعطى الاستماع {وَ أَكْدىَ} قال: انقطع عطاؤه نزل في ذلك {أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ} قال: الغيب القرآن أ رأى فيه باطلا أنفذه ببصره إذ كان يختلف إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أبي بكر.

  • أقول: و أنت خبير بأن الآيات بظاهرها لا تنطبق على ما ذكره. 

  • و روي: أنها نزلت في العاص بن وائل، و روي أنها نزلت في رجل لم يذكر اسمه. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ إِبْرَاهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى} قال: وفى بما أمره الله به من الأمر و النهي و ذبح ابنه. 

  • و في الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحج فيجعل حجته و عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله و هو عنه غائب في بلد آخر؟ قال: قلت: فينتقص ذلك من أجره؟ قال: هي له و لصاحبه و له أجر سوى ذلك بما وصل. قلت: و هو ميت أ يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع له. قلت: فيعلم هو في مكانه أنه عمل ذلك لحقه؟ قال: نعم. قلت: و إن كان ناصبا ينفعه ذلك؟ قال: نعم يخفف عنه. 

  • أقول: مورد الرواية إهداء ثواب العمل دون العمل نيابة عن الميت. 

  • و فيه، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): يقول الله عز و جل للملك الموكل بالمؤمن إذا مرض: اكتب له ما كنت تكتب له في صحته فإني أنا الذي صيرته في حبالي‌۱

  • و في الخصال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم القيامة صدقة 

    1. الحبالة: الوثاق. 

تفسير الميزان ج۱٩

53
  • موقوفة لا تورث، و سنة هدى سنها و كان يعمل بها و عمل بها من بعده غيره، و ولد صالح يستغفر له. 

  • أقول: و هذه الروايات الثلاث - و في معناها روايات كثيرة جدا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) -‌ توسع معنى السعي في قوله تعالى: {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى‌} و قد تقدمت إشارة إليها. 

  • و في أصول الكافي، بإسناده إلى سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله يقول: {وَ أَنَّ إِلى‌ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‌} فإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا.

  • أقول: و هو من التوسعة في معنى الانتهاء. 

  • و فيه، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا زياد إياك و الخصومات فإنها تورث الشك، و تحبط العمل، و تردي صاحبها، و عسى أن يتكلم بالشي‌ء فلا يغفر له. أنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، و طلبوا علم ما كفوه حتى انتهى كلامهم إلى الله فتحيروا حتى كان الرجل يدعى من بين يديه فيجيب من خلفه، و يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه. قال: و في رواية أخرى: حتى تاهوا في الأرض. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله فتهلكوا. 

  • أقول: و في النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين، و النهي إرشادي متعلق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة فيكون خوضه فيها تعرضا للهلاك الدائم. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‌} قال: أبكى السماء بالمطر، و أضحك الأرض بالنبات. 

  • أقول: هو من التوسعة في معنى الإبكاء و الإضحاك. 

  • و في المعاني، بإسناده إلى السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائهم (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في قول الله عز و جل: {وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‌ وَ أَقْنى‌} قال: أغنى كل إنسان بمعيشته، و أرضاه بكسب يده. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى‌: {وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ اَلشِّعْرىَ} قال: النجم في السماء يسمى الشعرى كانت قريش و قوم من العرب يعبدونه، و هو نجم يطلع في آخر الليل. 

تفسير الميزان ج۱٩

54
  •  أقول: الظاهر أن قوله: و هو نجم يطلع في آخر الليل تعريف له بحسب زمان صدور الحديث و كان في الصيف و إلا فهو يستوفي في مجموع السنة جميع ساعات الليل و النهار. 

  • و فيه في قوله تعالى: {أَزِفَتِ اَلْآزِفَةُ} قال قربت القيامة. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {أَ فَمِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} يعني بالحديث ما تقدم من الأخبار. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) {أَ فَمِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ} فما رئي النبي بعدها ضاحكا حتى ذهب من الدنيا. 

  •  

  • (٥٤) سورة القمر مكية و هي خمس و خمسون آية (٥٥) 

  • [سورة القمر (٥٤): الآیات ١ الی ٨ ]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ ١ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ٢ وَ كَذَّبُوا وَ اِتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ٣ وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ٤ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ ٥ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ إِلى‌ شَيْ‌ءٍ نُكُرٍ ٦ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ٧ مُهْطِعِينَ إِلَى اَلدَّاعِ يَقُولُ اَلْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ٨} 

تفسير الميزان ج۱٩

55
  • (بيان) 

  • سورة ممحضة في الإنذار و التخويف إلا آيتين من آخرها تبشران المتقين بالجنة و الحضور عند ربهم. 

  • تبدأ السورة بالإشارة إلى آية شق المقر التي أتى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عن اقتراح من قومه، و تذكر رميهم له بالسحر و تكذيبهم به و اتباعهم الأهواء مع ما جاءهم أنباء زاجرة من أنباء يوم القيامة و أنباء الأمم الماضين الهالكين ثم يعيد تعالى عليهم نبذة من تلك الأنباء إعادة ساخط معاتب فيذكر سيئ حالهم يوم القيامة عند خروجهم من الأجداث و حضورهم للحساب. 

  • ثم تشير إلى قصص قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون و ما نزل بهم من أليم العذاب إثر تكذيبهم بالنذر و ليس قوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بأعز عند الله منهم و ما هم بمعجزين، و تختتم السورة ببشرى للمتقين. 

  • و السورة مكية بشهادة سياق آياتها، و لا يعبأ بما قيل: إنها نزلت ببدر، و كذا بما قيل: إن بعض آياتها مدنية، و من غرر آياتها ما في آخرها من آيات القدر. 

  • قوله تعالى: {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} الاقتراب‌ زيادة في القرب فقوله: {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ} أي قربت جدا، و الساعة هي الظرف الذي تقوم فيه القيامة. 

  • و قوله: {وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} أي انفصل بعضه عن بعض فصار فرقتين شقتين تشير الآية إلى آية شق القمر التي أجراها الله تعالى على يد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بمكة قبل الهجرة إثر سؤال المشركين من أهل مكة، و قد استفاضت الروايات على ذلك، و اتفق أهل الحديث و المفسرون على قبولها كما قيل. و لم يخالف فيه منهم إلا الحسن و عطاء و البلخي حيث قالوا: معنى قوله: {اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} سينشق القمر عند قيام الساعة و إنما عبر بلفظ الماضي لتحقق الوقوع. 

  • و هو مزيف مدفوع بدلالة الآية التالية {وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} فإن سياقها أوضح شاهد على أن قوله {آيَةً} مطلق شامل لانشقاق القمر فعند وقوعه إعراضهم و قولهم: سحر مستمر و من المعلوم أن يوم القيامة يوم يظهر فيه الحقائق و يلجئون فيه إلى المعرفة، و لا معنى حينئذ لقولهم في آية ظاهرة: أنها سحر مستمر فليس إلا أنها 

تفسير الميزان ج۱٩

56
  • آية قد وقعت للدلالة على الحق و الصدق و تأتي لهم أن يرموها عنادا بأنها سحر. 

  • و مثله في السقوط ما قيل: إن الآية إشارة إلى ما ذهب إليه الرياضيون أخيرا أن القمر قطعة من الأرض كما أن الأرض جزء منفصل من الشمس فقوله: {وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} إشارة إلى حقيقة علمية لم ينكشف يوم النزول بعد. 

  • و ذلك أن هذه النظرية على تقدير صحتها لا يلائمها قوله: {وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} إذ لم ينقل عن أحد أنه قال للقمر: هو سحر مستمر. 

  • على أن انفصال القمر عن الأرض اشتقاق و الذي في الآية الكريمة انشقاق، و لا يطلق الانشقاق إلا على تقطع الشي‌ء في نفسه قطعتين دون انفصاله من شي‌ء بعد ما كان جزء منه. 

  • و مثله في السقوط ما قيل: إن معنى انشقاق القمر انكشاف الظلمة عند طلوعه و كذا ما قيل: إن انشقاق القمر كناية عن ظهور الأمر و وضوح الحق. 

  • و الآية لا تخلو من إشعار بأن انشقاق القمر من لوازم اقتراب الساعة. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} الاستمرار من الشي‌ء مرور منه بعد مرور مرة بعد مرة، و لذا يطلق على الدوام و الاطراد فقولهم: سحر مستمر أي سحر بعد سحر مداوما. 

  • و قوله: {آيَةً} نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، و المعنى و كل آية يشاهدونها يقولون فيها أنها سحر بعد سحر، و فسر بعضهم المستمر بالمحكم الموثق، و بعضهم بالذاهب الزائل، و بعضهم بالمستبشع المنفور، و هي معان بعيدة. 

  • قوله تعالى: {وَ كَذَّبُوا وَ اِتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} متعلق التكذيب بقرينة ذيل الآية هو النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و ما أتى به من الآيات أي و كذبوا بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و ما أتى به من الآيات و الحال أن كل أمر مستقر سيستقر في مستقره فيعلم أنه حق أو باطل و صدق أو كذب فسيعلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) صادق أو كاذب، على الحق أو لا فقوله: {وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} في معنى قوله: {وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} ص: ٨٨. 

  • و قيل متعلق التكذيب انشقاق القمر و المعنى: و كذبوا بانشقاق القمر و اتبعوا أهواءهم، و جملة {وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} لا تلائمه تلك الملاءمة. 

  • قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} المزدجر مصدر ميمي و هو الاتعاظ، و قوله: {مِنَ اَلْأَنْبَاءِ} بيان لما فيه مزدجر، و المراد بالأنباء أخبار الأمم 

تفسير الميزان ج۱٩

57
  • الدارجة الهالكة أو أخبار يوم القيامة و قد احتمل كل منهما، و الظاهر من تعقيب الآية بأنباء يوم القيامة ثم بأنباء عدة من الأمم الهالكة أن المراد بالأنباء التي فيها مزدجر جميع ذلك. 

  • قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ} الحكمة كلمة الحق التي ينتفع بها، و البلوغ‌ وصول الشي‌ء إلى ما تنتهي إليه المسافة و يكنى به عن تمام الشي‌ء و كماله فالحكمة البالغة هي الحكمة التامة الكاملة التي لا نقص فيها من حيث نفسها و من حيث أثرها. 

  • و قوله: {فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ} الفاء فيه فصيحة تفصح عن جملة مقدرة تترتب عليها الكلام، و النذر جمع نذير بمعنى المنذر أو بمعنى الإنذار و الكل صحيح و إن كان الأول أقرب إلى الفهم. 

  • و المعنى: هذا القرآن أو الذي يدعون إليه حكمة بالغة كذبوا بها و اتبعوا أهواءهم فما تغني المنذرون أو الإنذارات؟. 

  • قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ إِلى‌ شَيْ‌ءٍ نُكُرٍ} التولي‌ الإعراض و الفاء في {فَتَوَلَّ} لتفريع الأمر بالتولي على ما تقدمه من وصف حالهم أي إذا كانوا مكذبين بك متبعين أهواءهم لا يغني فيهم النذر و لا تؤثر فيهم الزواجر فتول عنهم و لا تلح عليهم بالدعوة. 

  • و قوله: {يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ إِلى‌ شَيْ‌ءٍ نُكُرٍ} قال الراغب: الإنكار ضد العرفان يقال: أنكرت كذا و نكرت، و أصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، و ذلك ضرب من الجهل قال تعالى: {فَلَمَّا رَأى‌ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}. قال: و النكر الدهاء و الأمر الصعب الذي لا يعرف. انتهى. 

  • و قد تم الكلام في قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} ببيان حالهم تجاه الحكمة البالغة التي ألقيت إليهم و الزواجر التي ذكروا بها على سبيل الإنذار، ثم أعاد سبحانه نبذة من تلك الزواجر التي هي أنباء من حالهم يوم القيامة و من عاقبة حال الأمم المكذبين من الماضين في لحن العتاب و التوبيخ الشديد الذي تهز قلوبهم للانتباه و تقطع منابت أعذارهم في الإعراض. 

  • فقوله: {يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ} إلخ، كلام مفصول عما قبله لذكر الزواجر التي أشير إليها سابقا في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} سئل فقيل: فإلى م يئول أمرهم؟ فقيل: {يَوْمَ يَدْعُ} إلخ، أي هذه حال آخرتهم و تلك عاقبة دنيا أشياعهم و أمثالهم من قوم نوح و عاد و ثمود و غيرهم، و ليسوا خيرا منهم. 

  • و على هذا فالظرف في {يَوْمَ يَدْعُ} متعلق بما سيأتي من قوله: {يَخْرُجُونَ} و المعنى: 

تفسير الميزان ج۱٩

58
  • يخرجون من الأجداث يوم يدعو الداعي إلى شي‌ء نكر، إلخ و إما متعلق بمحذوف، و التقدير اذكر يوم يدعو الداعي، و المحصل اذكر ذاك اليوم و حالهم فيه، و الآية في معنى قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ} الزخرف: ٦٦، و قوله: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} يونس: ١٠٢. 

  • و لم يسم سبحانه هذا الداعي من هو؟ و قد نسب الدعوة في موضع من كلامه إلى نفسه فقال: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} إسراء: ٥٢. 

  • و إنما أورد من أنباء القيامة نبأ دعوتهم للخروج من الأجداث و الحضور لفصل القضاء و خروجهم منها خشعا أبصارهم مهطعين إلى الداعي ليحاذي به دعوتهم في الدنيا إلى الإيمان بالآيات و إعراضهم و قولهم: سحر مستمر. 

  • و معنى الآية: اذكر يوم يدعو الداعي إلى أمر صعب عليهم و هو القضاء و الجزاء. 

  • قوله تعالى: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} الخشع‌ جمع خاشع و الخشوع نوع من الذلة و نسب إلى الأبصار لأن ظهوره فيها أتم. 

  • و الأجداث‌ جمع جدث و هو القبر، و الجراد حيوان معروف، و تشبيههم في الخروج من القبور بالجراد المنتشر من حيث إن الجراد في انتشاره يدخل البعض منه في البعض و يختلط البعض بالبعض في جهات مختلفة فكذلك هؤلاء في خروجهم من القبور، قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلى‌ نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} المعارج: ٤٤. 

  • قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى اَلدَّاعِ يَقُولُ اَلْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} أي حال كونهم مسرعين إلى الداعي مطيعين مستجيبين دعوته يقول الكافرون: هذا يوم عسر أي صعب شديد. 

  • (بحث روائي) 

  • في تفسير القمي {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ} قال: اقتربت القيامة فلا يكون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلا القيامة و قد انقضت النبوة و الرسالة. 

  • و قوله: {وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} فإن قريشا سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يريهم آية فدعا الله فانشق القمر نصفين حتى نظروا إليه ثم التأم فقالوا: هذا سحر مستمر أي صحيح. 

تفسير الميزان ج۱٩

59
  • و في أمالي الشيخ، بإسناده عن عبيد الله بن علي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: انشق القمر بمكة فلقتين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): اشهدوا اشهدوا.

  •  أقول: ورد انشقاق القمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌ كثيرا و قد تسلمه محدثوهم و العلماء من غير توقف. 

  • و في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و أحمد و عبد بن حميد و مسلم و ابن جرير و ابن المنذر و الترمذي و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} إلى قوله: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أي ذاهب. 

  • و فيه، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقي و كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه فأنزل الله {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ}

  • و فيه، أخرج مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و الحاكم و البيهقي و أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عمر في قوله: {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} قال: كان ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) انشق فرقتين: فرقة من دون الجبل و فرقة خلفه فقال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): اللهم اشهد. 

  • و فيه، أخرج أحمد و عبد بن حميد و الترمذي و ابن جرير و الحاكم و أبو نعيم و البيهقي عن جبير بن مطعم في قوله: {وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} قال: انشق القمر و نحن بمكة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حتى صار فرقتين: فرقة على هذا الجبل و فرقة على هذا الجبل فقال الناس: سحرنا محمد فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. 

  • و فيه، أخرج ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} قال: قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه. 

  • و فيه، أخرج ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد و ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن 

تفسير الميزان ج۱٩

60
  • فحمد الله و أثنى عليه. ثم قال: اقتربت الساعة و انشق القمر ألا و إن الساعة قد اقتربت. ألا و إن القمر قد انشق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم). ألا و إن الدنيا قد آذنت بفراق. ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق. 

  • أقول: و قد روي انشقاق القمر بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بطرق مختلفة كثيرة عن هؤلاء النفر من الصحابة و هم أنس، و عبد الله بن مسعود، و ابن عمر، و جبير بن مطعم، و ابن عباس، و حذيفة بن اليمان، و عد في روح المعاني ممن روي عنه الحديث من الصحابة عليا (عليه السلام) ثم نقل عن السيد الشريف في شرح المواقف و عن ابن السبكي في شرح المختصر أن الحديث متواتر لا يمترى في تواتره. هذه حال الحديث عند أهل السنة و قد عرفت حاله عند الشيعة. 

  • (كلام فيه إجمال القول في شق القمر) 

  • آية شق القمر بيد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بمكة قبل الهجرة باقتراح من المشركين مما تسلمها المسلمون بلا ارتياب منهم. 

  • و يدل عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى: {اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} القمر: ٢، فالآية الثانية تأبى إلا أن يكون مدلول قوله: {وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ} آية واقعة قريبة من زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها و قالوا: سحر مستمر. 

  • و يدل عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة رواها الفريقان و تسلمها المحدثون، و قد تقدمت نماذج منها في البحث الروائي. 

  • فالكتاب و السنة يدلان عليها و انشقاق كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه لا دليل على استحالته العقلية، و وقوع الحوادث الخارقة للعادة و منها الآيات المعجزات جائز و قد قدمنا في الجزء الأول من الكتاب تفصيل الكلام فيها إمكانا و وقوعا و من أوضح الشواهد عليه القرآن الكريم فمن الواجب قبول هذه الآية و إن لم يكن من ضروريات الدين. 

  • و اعترض عليها بأن صدور الآية المعجزة منه (صلى الله عليه وآله و سلم) باقتراح من الناس ينافي قوله تعالى: {وَ مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنَا ثَمُودَ اَلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَ مَا 

تفسير الميزان ج۱٩

61
  •  نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} إسراء: ٥٩ فإن مفاد الآية إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الأمة لأن الأمم السابقة كذبوا بها و هؤلاء يماثلونهم في طباعهم فيكذبون بها، و لا فائدة في الإرسال مع عدم ترتب أثر عليه أو المفاد أنا لا نرسل بها لأنا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها فعذبوا و أهلكوا و لو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها و عذبوا عذاب الاستئصال لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب، و على أي حال لا يرسل بالآيات إلى هذه الأمة كما كانت ترسل إلى الأمم الدارجة. 

  • نعم هذا في الآيات المرسلة باقتراح من الناس دون الآيات التي تؤيد بها الرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و كآيتي العصا و اليد لموسى (عليه السلام) و آية إحياء الموتى و غيرها لعيسى (عليه السلام)، و كذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لا عن اقتراح منهم. 

  • و مثل الآية السابقة قوله تعالى: {وَ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً} - إلى أن قال - {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} إسراء: ٩٣ و غير ذلك من الآيات. 

  • و الجواب عن هذا الاعتراض يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بعث رسولا إلى أهل الدنيا كافة بنبوة خاتمة كما يدل عليه قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} الأعراف: ١٥٨، و قوله: {وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ } الأنعام: ١٩، و قوله: {وَ لَكِنْ رَسُولَ اَللَّهِ وَ خَاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ} الأحزاب: ٤٠إلى غير ذلك من الآيات. 

  • و قد بدأ (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو بمكة بدعوة قومه من أهل مكة و حواليها فقابلوه بما استطاعوا من الشقاق و الإيذاء و الاستهزاء و هموا بإخراجه أو إثباته أو قتله حتى أمره ربه بالهجرة غير أنه آمن به و هو بمكة جمع كثير منهم و إن كانت عامتهم على الكفر و المؤمنون و إن كانوا قليلين بالنسبة إلى المشركين مضطهدين مفتنين لكنهم كانوا في أنفسهم جمعا ذا عدد كما يدل عليه قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ} النساء: ٧٧ فقد استجازوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يقاتلوا المشركين فلم يأذن الله لهم في ذلك على ما روي في سبب نزول الآية و هذا يدل على أنهم كانوا ذوي عدة و عدة في الجملة و لم يزالوا يزيدون جمعا. 

تفسير الميزان ج۱٩

62
  • ثم هاجر (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى المدينة و بسط هنالك الدعوة و نشر الإسلام فيها و في حواليها و في القبائل و في اليمن و سائر أقطار الجزيرة ما عدا مكة و حواليها ثم بسط الدعوة على غير الجزيرة فكاتب الملوك و العظماء من فارس و الروم و مصر سنة ست من الهجرة ثم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة و قد أسلم ما بين الهجرة و الفتح جمع من أهلها و حواليها. 

  • ثم ارتحل (صلى الله عليه وآله و سلم) و كان من انتشار الإسلام ما كان، و لم يزل الإسلام يزيد جمعا و ينتشر صيتا إلى يومنا هذا و قد بلغوا خمس أهل الأرض عددا. 

  • إذا تمهد هذا فنقول: كانت آية انشقاق القمر آية اقتراحية تستعقب العذاب لو كذبوا بها و قد كذبوا و قالوا سحر مستمر و ما كان الله ليهلك بها جميع من أرسل إليهم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هم أهل الأرض جميعا لعدم تمام الحجة عليهم يومئذ و قد كان الانشقاق سنة خمس قبل الهجرة، و قد قال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} الأنفال: ٤٢. 

  • و ما كان الله ليهلك جميع أهل مكة و حواليها خاصة و بينهم جمع من المسلمين كما قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اَللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} الفتح: ٢٥. 

  • و ما كان الله سبحانه لينجي المؤمنين و يهلك كفارهم و قد آمن جمع كثير منهم فيما بين سنة خمس قبل الهجرة و سنة ثمان بعد الهجرة عام فتح مكة ثم آمنت عامتهم يوم الفتح و الإسلام كان يكتفي منهم بظاهر الشهادتين. 

  • و لم تكن عامة أهل مكة و حواليها أهل عناد و جحود و إنما كان أهل الجحود و العناد عظماؤهم و صناديدهم المستهزئين بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) المعذبين للمؤمنين، المقترحين عليه بالآيات و هم الذين يقول تعالى فيهم: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} البقرة: ٦، و قد أوعد الله هؤلاء الجاحدين المقترحين بتحريم الإيمان و الهلاك في مواضع من كلامه فلم يؤمنوا و أهلكهم الله يوم بدر و تمت كلمة الرب صدقا و عدلا. 

  • و أما التمسك لنفي إرسال الآيات مطلقا بقوله تعالى: {وَ مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ} فالآية لا تشمل قطعا الآيات المؤيدة للرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و كذا الآيات النازلة لطفا كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من الإخبار بالمغيبات و شفاء المرضى بدعائه و غير ذلك. 

  • فلو كانت مطلقة فإنما تشمل الآيات الاقتراحية و تفيد أن الله سبحانه لم يرسل الآيات 

تفسير الميزان ج۱٩

63
  • التي اقترحتها قريش أو لم‌۱ يرسل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالآيات التي اقترحوها لأن الأمم السابقة كذبوا بها و طباع هؤلاء المقترحين طباعهم يكذبون بها و لازمها نزول العذاب و الله لا يريد أن يعذبهم عاجلا. 

  • و قد أوضح سبحانه سبب عدم معاجلتهم بالعذاب بقوله: {وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الأنفال: ٣٣، و استبان بذلك أن المانع من عذابهم وجود الرسول فيهم كما يفيده أيضا قوله تعالى: {وَ إِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ اَلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَ إِذاً لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} إسراء: ٧٦. 

  • ثم قال تعالى: {وَ مَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اَللَّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ وَ مَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَ مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَ تَصْدِيَةً فَذُوقُوا اَلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} الأنفال: ٣٥ و الآيات نزلت عقيب غزوة بدر. 

  • و الآيات تبين أنه لم يكن من قبلهم مانع من نزول العذاب غير وجود النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بينهم فإذا زال المانع بخروجه من بينهم فليذوقوا العذاب و هو ما أصابهم في وقعة بدر من القتل الذريع. 

  • و بالجملة كان المانع من إرسال الآيات تكذيب الأولين و مماثلتهم لهم في خصيصة التكذيب و وجود النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بينهم المانع من معاجلة العذاب فإذا وجد مقتض للعذاب كالصد و المكاء و التصدية و زال أحد ركني المانع و هو كونه (صلى الله عليه وآله و سلم) فيهم فلا مانع من العذاب و لا مانع من نزول الآية و إرسالها ليحق عليهم القول فيعذبوا بسبب تكذيبهم لها و بسبب مقتضيات أخر كالصد و نحوه. 

  • فتحصل أن قوله تعالى: {وَ مَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ} إلخ، إنما يفيد الإمساك عن إرسال الآيات ما دام النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيهم و أما إرسالها و تأخير العذاب إلى خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه و قد صرح سبحانه بأن وقعة بدر كانت آية و ما أصابهم فيها كان عذابا، و كذا لو كان مفاد الآية هو الامتناع عن الإرسال لكونه لغوا بسبب كونهم مجبولين على التكذيب فإن إرسالها مع تأخير العذاب و النكال إلى خروج النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من 

    1. أول شقي الترديد مبني على كون الباء في قوله: «نرسل بالآيات» زائدة و الآيات مفعول نرسل، و الثاني مبني على كونها بمعنى المصاحبة و المفعول محذوفا.

تفسير الميزان ج۱٩

64
  • بينهم من الفائدة ليحق الله الحق و يبطل الباطل فلتكن آية انشقاق القمر من الآيات النازلة التي من فائدتها نزول العذاب عليهم بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من بينهم. 

  • و أما قوله تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} فليس مدلوله نفي تأييد النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالآيات المعجزة و إنكار نزولها من أصلها كيف؟ و هو ينفيها عن نفسه بما أنه بشر رسول، و لو كان المراد ذلك لأفاد إنكار معجزات الأنبياء جميعا لكون كل منهم بشرا رسولا، و صريح القرآن فيما حدث من قصص الأنبياء و أخبر عن آياتهم يناقض ذلك، و أوضح من الجميع في مناقضة ذلك نفس الآية التي هي من القرآن المتحدي بالإعجاز. 

  • بل مدلوله أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بشر رسول غير قادر من حيث نفسه على شي‌ء من الآيات التي يقترحون عليه، و إنما الأمر إلى الله سبحانه إن شاء أنزلها و إن لم يشأ لم يفعل قال تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا اَلْآيَاتُ عِنْدَ اَللَّهِ وَ مَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} الأنعام: ١٠٩، و قال حاكيا عن قوم نوح: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللَّهُ إِنْ شَاءَ} هود: ٣٣، و قال: {وَ مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} المؤمن: ٧٨، و الآيات في هذا المعنى كثيرة. 

  • و من الاعتراض على آية الانشقاق ما قيل: إن القمر لو انشق كما يقال لرآه جميع الناس و لضبطه أهل الأرصاد في الشرق و الغرب لكونه من أعجب الآيات السماوية و لم يعهد فيما بلغ إلينا من التاريخ و الكتب الباحثة عن الأوضاح السماوية له نظير و الدواعي متوفرة على استماعه و نقله. 

  • و أجيب بما حاصله أن من الممكن أولا: أن يغفل عنه فلا دليل على كون كل حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس محفوظا عندهم يرثه خلف عن سلف. 

  • و ثانيا: أن الحجاز و ما حولها من البلاد العربية و غيرها لم يكن بها مرصد للأوضاع السماوية، و إنما كان ما كان من المراصد بالهند و المغرب من الروم و اليونان و غيرهما و لم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت و هو على ما في بعض الروايات أول الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل الهجرة. 

  • على أن بلاد الغرب التي كانوا معتنين بهذا الشأن بينها و بين مكة من اختلاف الأفق ما 

تفسير الميزان ج۱٩

65
  • يوجب فصلا زمانيا معتدا به و قد كان القمر على ما في بعض الروايات بدرا و انشق في حوالي غروب الشمس حين طلوعه و لم يبق على الانشقاق إلا زمانا يسيرا ثم التأم فيقع طلوعه على بلاد الغرب و هو ملتئم ثانيا. 

  • على أنا نتهم غير المسلمين من أتباع الكنيسة و الوثنية في الأمور الدينية التي لها مساس نفع بالإسلام. 

  • و من الاعتراض عليها ما قيل: إن الانشقاق لا يقع إلا ببطلان التجاذب بين الشقتين و حينئذ يستحيل الالتيام فلو كان منشقا لم يلتئم أبدا. 

  • و الجواب عنه أن الاستحالة العقلية ممنوعة، و الاستحالة العادية بمعنى اختراق العادة لو منعت عن الالتيام بعد الانشقاق لمنعت أولا عن الانشقاق بعد الالتيام و لم تمنع و أصل الكلام مبني على جواز خرق العادة. 

  •  

  • [سورة القمر (٥٤): الآیات ٩ الی ٤٢]

  • {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ ٩ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ١٠فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ اَلسَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ١١ وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمَاءُ عَلى‌ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ١٢ وَ حَمَلْنَاهُ عَلى‌ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَ دُسُرٍ ١٣ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ١٤ وَ لَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ ١٦ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ ١٨ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ١٩ تَنْزِعُ اَلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ٢٠ 

تفسير الميزان ج۱٩

66
  • فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ ٢١ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٢٢ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ٢٣ فَقَالُوا أَ بَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ ٢٤ أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ٢٥ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذَّابُ اَلْأَشِرُ ٢٦ إِنَّا مُرْسِلُوا اَلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ ٢٧ وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ٢٨ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطى‌ فَعَقَرَ ٢٩ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ ٣٠إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ ٣١ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٣٢ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ٣٣ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ٣٤ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ٣٥ وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ٣٦ وَ لَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَ نُذُرِ ٣٧ وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ٣٨ فَذُوقُوا عَذَابِي وَ نُذُرِ ٣٩ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٤٠وَ لَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ اَلنُّذُرُ ٤١ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ٤٢} 

تفسير الميزان ج۱٩

67
  • (بيان) 

  • إشارة إلى بعض ما فيه مزدجر من أنباء الأمم الدارجة خص بالذكر من بينهم قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون فذكرهم بأنبائهم و أعاد عليهم إجمال ما قص عليهم سابقا من قصصهم و ما آل إليه تكذيبهم بآيات الله و رسله من أليم العذاب و هائل العقاب تقريرا لقوله: {وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ اَلْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}

  • و لتوكيد التقرير و تمثيل ما في هذه القصص الزاجرة من الزجر القارع للقلوب عقب كل واحدة من القصص بقوله خطابا لهم: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ} ثم ثناه بذكر الغرض من الإنذار و التخويف فقال: {وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}

  • قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ} التكذيب الأول منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب، و قوله: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} إلخ، تفسيره كما في قوله: {وَ نَادى‌ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ} الخ: هود: ٤٥. 

  • و قيل: المراد بالتكذيب الأول التكذيب المطلق و هو تكذيبهم بالرسل و بالثاني التكذيب بنوح خاصة كقوله في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ} الشعراء: ١٠٥، و المعنى: كذبت قوم نوح المرسلين فترتب عليه تكذيبهم لنوح، و هو وجه حسن. 

  • و قيل: المراد بتفريع التكذب على التكذيب الإشارة إلى كونه تكذيبا إثر تكذيب بطول زمان دعوته فكلما انقرض قرن منهم مكذب جاء بعدهم قرن آخر مكذب، و هو معنى بعيد. 

  • و مثله قول بعضهم: إن المراد بالتكذيب الأول قصده و بالثاني فعله. 

  • و قوله: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} في التعبير عن نوح (عليه السلام) بقوله: {عَبْدَنَا} في مثل المقام تجليل لمقامه و تعظيم لأمره و إشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع إليه تعالى لأنه عبد لا يملك شيئا و ما له فهو لله. 

  • و قوله: {وَ قَالُوا مَجْنُونٌ وَ اُزْدُجِرَ} المراد بالازدجار زجر الجن له أثر الجنون، و المعنى: و لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو مجنون و ازدجره الجن فلا يتكلم إلا عن زجر و ليس كلامه من الوحي السماوي في شي‌ء. 

تفسير الميزان ج۱٩

68
  • و قيل: الفاعل المحذوف للازدجار هو القوم، و المعنى: و ازدجره القوم عن الدعوة و التبليغ بأنواع الإيذاء و التخويف، و لعل المعنى الأول أظهر. 

  • قوله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} الانتصار الانتقام، و قوله: {أَنِّي مَغْلُوبٌ} أي بالقهر و التحكم دون الحجة، و هذا الدعاء تلخيص لتفصيل دعائه، و تفصيل دعائه مذكور في سورة نوح و تفصيل حججه في سورة هود و غيرها. 

  • قوله تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ اَلسَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} قال في المجمع: الهمر صب الدمع و الماء بشدة، و الانهمار الانصباب، انتهى. و فتح أبواب السماء و هي الجو بماء منصب استعارة تمثيلية عن شدة انصباب الماء و جريان المطر متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود يمنع عن انصبابه ففتح الباب فانصب أشد ما يكون. 

  • قوله تعالى: {وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمَاءُ عَلى‌ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} قال في المجمع: التفجير تشقيق الأرض عن الماء، و العيون‌ جمع عين الماء و هو ما يفور من الأرض مستديرا كاستدارة عين الحيوان. انتهى. 

  • و المعنى: جعلنا الأرض عيونا منفجرة عن الماء تجري جريانا متوافقا متتابعا. 

  • و قوله: {فَالْتَقَى اَلْمَاءُ عَلى‌ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي فالتقى الماءان ماء السماء و ماء الأرض مستقرا على أمر قدره الله تعالى أي حسب ما قدر من غير نقيصة و لا زيادة و لا عجل و لا مهل. 

  • فالماء اسم جنس أريد به ماء السماء و ماء الأرض و لذلك لم يثن، و المراد بأمر قد قدر الصفة التي قدرها الله لهذا الطوفان. 

  • قوله تعالى: {وَ حَمَلْنَاهُ عَلى‌ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَ دُسُرٍ} المراد بذات الألواح و الدسر السفينة، و الألواح‌ جمع لوح و هو الخشبة التي يركب بعضها على بعض في السفينة، و الدسر جمع دسار و دسر و هو المسمار الذي تشد بها الألواح في السفينة، و قيل فيه معان أخر لا تلائم الآية تلك الملاءمة. 

  • قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} أي تجري السفينة على الماء المحيط بالأرض بأنواع من مراقبتنا و حفظنا و حراستنا، و قيل: المراد تجري بأعين أوليائنا و من وكلناه بها من الملائكة. 

  • و قوله: {جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} أي جريان السفينة كذلك و فيه نجاة من فيها من الهلاك ليكون جزاء لمن كان كفر به و هو نوح (عليه السلام) كفر به و بدعوته قومه، فالآية في معنى 

تفسير الميزان ج۱٩

69
  • قوله: {وَ نَجَّيْنَاهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ } - إلى أن قال - {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ } الصافات: ٨٠. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ضمير {تَرَكْنَاهَا} للسفينة على ما يفيده السياق و اللام للقسم، و المعنى: أقسم لقد أبقينا تلك السفينة التي نجينا بها نوحا و الذين معه، و جعلناها آية يعتبر بها من اعتبر فهل من متذكر يتذكر بها وحدانيته تعالى و أن دعوة أنبيائه حق، و أن أخذه أليم شديد؟ و لازم هذا المعنى بقاء السفينة إلى حين نزول هذه الآيات علامة دالة على واقعة الطوفان مذكرة لها، و قد قال بعضهم في تفسير الآية على ما نقل: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة۱، انتهى. و قد أوردنا في تفسير سورة هود في آخر الأبحاث حول قصة نوح خبر أنهم عثروا في بعض قلل جبل آراراط و هو الجودي قطعات أخشاب من سفينة متلاشية وقعت هناك، فراجع. 

  • و قيل: ضمير {تَرَكْنَاهَا} لما مر من القصة بما أنها فعله. 

  • قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ} النذر جمع نذير بمعنى الإنذار، و قيل: مصدر بمعنى الإنذار. و الظاهر أن {كَانَ} ناقصة و اسمها {عَذَابِي} و خبرها {فَكَيْفَ}، و يمكن أن تكون تامة فاعلها قوله: {عَذَابِي} و قوله: {فَكَيْفَ} حالا منه. 

  • و كيف كان فالاستفهام للتهويل يسجل به شدة العذاب و صدق الإنذار. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} التيسير التسهيل و تيسير القرآن للذكر هو إلقاؤه على نحو يسهل فهم مقاصده للعامي و الخاصي و الأفهام البسيطة و المتعمقة كل على مقدار فهمه. 

  • و يمكن أن يراد به تنزيل حقائقه العالية و مقاصده المرتفعة عن أفق الأفهام العادية إلى مرحلة التكليم العربي تناله عامة الأفهام كما يستفاد من قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الزخرف: ٤. 

  • و المراد بالذكر ذكره تعالى بأسمائه أو صفاته أو أفعاله، قال في المفردات: الذكر تارة يقال و يراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة و هو كالحفظ 

    1. رواه في الدر المنثور عن عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن قتادة.

تفسير الميزان ج۱٩

70
  • إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، و الذكر يقال اعتبارا باستحضاره و تارة يقال لحضور الشي‌ء القلب أو القول، و لذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب و ذكر باللسان و كل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان و ذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، و كل قول يقال له ذكر. انتهى. 

  • و معنى الآية: و أقسم لقد سهلنا القرآن لأن يتذكر به، فيذكر الله تعالى و شئونه، فهل من متذكر يتذكر به فيؤمن بالله و يدين بما يدعو إليه من الدين الحق؟. 

  • فالآية دعوة عامة إلى التذكر بالقرآن بعد تسجيل صدق الإنذار و شدة العذاب الذي أنذر به. 

  • قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ} شروع في قصة أخرى من القصص التي فيها الازدجار و لم يعطف على ما قبلها و مثلها القصص الآتية لأن كل واحدة من هذه القصص مستقلة كافية في الزجر و الردع و العظة لو اتعظوا بها. 

  • و قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ} مسوق لتوجيه قلوب السامعين إلى ما يلقى إليهم من كيفية العذاب الهائل بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا} إلخ، و ليس مسوقا للتهويل و تسجيل شدة العذاب و صدق الإنذار كسابقه و إلا لتكرر قوله بعد: {فَكَيْفَ كَانَ} إلخ، كذا قيل و هو وجه حسن. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} بيان لما استفهم عنه في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ} و الصرصر على ما في المجمع، الريح الشديدة الهبوب، و النحس‌ بالفتح فالسكون مصدر كالنحوسة بمعنى الشؤم، و {مُسْتَمِرٍّ} صفة لنحس، و معنى إرسال الريح في يوم نحس مستمر إرسالها في يوم متلبس بالنحوسة و الشأمة بالنسبة إليهم المستمرة عليهم لا يرجى فيه خير لهم و لا نجاة. 

  • و المراد باليوم قطعة من الزمان لا اليوم الذي يساوي سبع الأسبوع لقوله تعالى في موضع آخر من كلامه: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} حم السجدة ١٦، و في موضع آخر: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} الحاقة: ٧. 

  • و فسر بعضهم النحس بالبرد. 

  • قوله تعالى: {تَنْزِعُ اَلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} فاعل {تَنْزِعُ} ضمير راجع إلى 

تفسير الميزان ج۱٩

71
  • الريح أي تنزع الريح الناس من الأرض، و أعجاز النخل أسافله، و المنقعر المقلوع من أصله، و المعنى ظاهر، و في الآية إشعار ببسطة القوم أجساما. 

  • قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي } إلى قوله {مُدَّكِرٍ} تقدم تفسير الآيتين. 

  • (كلام في سعادة الأيام و نحوستها و الطيرة و الفأل في فصول) 

  • ١ - في سعادة الأيام و نحوستها

  • نحوسة اليوم أو أي مقدار من الزمان أن لا يعقب الحوادث الواقعة فيه إلا الشر و لا يكون الأعمال أو نوع خاص من الأعمال فيه مباركة لعاملها، و سعادته خلافه. 

  • و لا سبيل لنا إلى إقامة البرهان على سعادة يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة و لا نحوسته و طبيعة الزمان المقدارية متشابهة الأجزاء و الأبعاض، و لا إحاطة لنا بالعلل و الأسباب الفاعلة المؤثرة في حدوث الحوادث و كينونة الأعمال حتى يظهر لنا دوران اليوم أو القطعة من الزمان من علل و أسباب تقتضي سعادته أو نحوسته، و لذلك كانت التجربة الكافية غير متأتية لتوقفها على تجرد الموضوع لأثره حتى يعلم أن الأثر أثره و هو غير معلوم في المقام. 

  • و لما مر بعينه لم يكن لنا سبيل إلى إقامة البرهان على نفي السعادة و النحوسة كما لم يكن سبيل إلى الإثبات و إن كان الثبوت بعيدا فالبعد غير الاستحالة. هذا بحسب النظر العقلي. 

  • و أما بحسب النظر الشرعي ففي الكتاب ذكر من النحوسة و ما يقابلها، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} القمر: ١٩، و قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} حم السجدة: ١٦، لكن لا يظهر من سياق القصة و دلالة الآيتين أزيد من كون النحوسة و الشؤم خاصة بنفس الزمان الذي كانت تهب عليهم فيه الريح عذابا و هو سبع ليال و ثمانية أيام متوالية يستمر عليهم فيها العذاب من غير أن تدور بدوران الأسابيع و هو ظاهر و إلا كان جميع الزمان نحسا، و لا بدوران الشهور و السنين. 

  • و قال تعالى: {وَ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} الدخان: ٣، و المراد بها ليلة القدر التي يصفها الله تعالى بقوله: {لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر: ٣، و ظاهر 

تفسير الميزان ج۱٩

72
  • أن مباركة هذه الليلة و سعادتها إنما هي بمقارنتها نوعا من المقارنة لأمور عظام من الإفاضات الباطنية الإلهية و أفاعيل معنوية كإبرام القضاء و نزول الملائكة و الروح و كونها سلاما، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان: ٤، و قال: {تَنَزَّلُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ} القدر: ٥. 

  • و يئول معنى مباركتها و سعادتها إلى فضل العبادة و النسك فيها و غزارة ثوابها و قرب العناية الإلهية فيها من المتوجهين إلى ساحة العزة و الكبرياء. 

  • و أما السنة فهناك روايات كثيرة جدا في السعد و النحس من أيام الأسبوع و من أيام الشهور العربية و من أيام شهور الفرس و من أيام الشهور الرومية، و هي روايات بالغة في الكثرة مودعة في جوامع الحديث‌۱ أكثرها ضعاف من مراسيل و مرفوعات و إن كان فيها ما لا يخلو من اعتبار من حيث إسنادها. 

  • أما الروايات العادة للأيام النحسة كيوم الأربعاء و الأربعاء لا تدور٢ و سبعة أيام من كل شهر عربي و يومين من كل شهر رومي و نحو ذلك، ففي كثير منها و خاصة فيما يتعرض لنحوسة أيام الأسبوع و أيام الشهور العربية تعليل نحوسة اليوم بوقوع حوادث مرة غير مطلوبة بحسب المذاق الديني كرحلة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و شهادة الحسين (عليه السلام) و إلقاء إبراهيم (عليه السلام) في النار و نزول العذاب بأمة كذا و خلق النار و غير ذلك. 

  • و معلوم أن في عدها نحسة مشئومة و تجنب اقتراب الأمور المطلوبة و طلب الحوائج التي يلتذ الإنسان بالحصول عليها فيها تحكيما للتقوى و تقوية للروح الدينية و في عدم الاعتناء و الاهتمام بها و الاسترسال في الاشتغال بالسعي في كل ما تهواه النفس في أي وقت كان إضرابا عن الحق و هتكا لحرمة الدين و إزراء لأوليائه فتئول نحوسة هذه الأيام إلى جهات من الشقاء المعنوي منبعثة عن علل و أسباب اعتبارية مرتبطة نوعا من الارتباط بهذه الأيام تفيد نوعا من الشقاء الديني على من لا يعتني بأمرها. 

  • و أيضا قد ورد في عدة من هذه الروايات الاعتصام بالله بصدقة أو صوم أو دعاء أو قراءة شي‌ء من القرآن أو غير ذلك لدفع نحوسة هذه الأيام كما عن مجالس ابن الشيخ، بإسناده 

    1. أوردت منها في الجزء الرابع عشر من كتاب البحار أحاديث جمة.
    2. أربعاء لا تدور هي آخر أربعاء في الشهر.

تفسير الميزان ج۱٩

73
  • عن سهل بن يعقوب الملقب بأبي نواس عن العسكري (عليه السلام) في حديث: قلت: يا سيدي في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد لما ذكر فيها من النحس و المخاوف فتدلني على الاحتراز من المخاوف فيها فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها؟ فقال لي: يا سهل إن لشيعتنا بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة و سباسب‌۱ البيداء الغائرة بين سباع و ذئاب و أعادي الجن و الإنس لآمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا، فثق بالله عز و جل و أخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين و توجه حيث شئت و اقصد ما شئت. )الحديث(. 

  • ثم أمره (عليه السلام) بشي‌ء من القرآن و الدعاء أن يقرأه و يدفع به النحوسة و الشأمة و يقصد ما شاء. 

  • و في الخصال، بإسناده عن محمد بن رياح الفلاح قال: رأيت أبا إبراهيم (عليه السلام) يحتجم يوم الجمعة فقلت: جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة؟ قال: أقرأ آية الكرسي فإذا هاج بك الدم ليلا كان أو نهارا فاقرأ آية الكرسي و احتجم.

  • و في الخصال، أيضا بإسناده عن محمد بن أحمد الدقاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام) أسأله عن الخروج يوم الأربعاء لا تدور، فكتب (عليه السلام): من خرج يوم الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة وقي من كل آفة و عوفي من كل عاهة و قضى الله له حاجته. 

  • و كتب إليه مرة أخرى يسأله عن الحجامة يوم الأربعاء لا تدور، فكتب (عليه السلام): من احتجم في يوم الأربعاء لا تدور خلافا على أهل الطيرة عوفي من كل آفة، و وقي من كل عاهة، و لم‌٢ تخضر محاجمه. 

  • و في معناها ما في تحف العقول: قال الحسين بن مسعود: دخلت على أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) و قد نكبت إصبعي و تلقاني راكب و صدم كتفي، و دخلت في زحمه فخرقوا علي بعض ثيابي فقلت: كفاني الله شرك من يوم فما أيشمك. فقال (عليه السلام) لي: يا حسن هذا و أنت تغشانا ترمي بذنبك من لا ذنب له؟. 

  • قال الحسن: فأثاب إلى عقلي و تبينت خطئي فقلت: يا مولاي أستغفر الله. فقال: 

  •  

    1. السباسب جمع سبسب: المفازة.
    2. هذه الجملة إشارة إلى نفي ما في عدة من الروايات أن من احتجم في يوم الأربعاء أو يوم الأربعاء لا تدور اخضرت محاجمه، و في بعضها خيف عليه أن تخضر محاجمه.

تفسير الميزان ج۱٩

74
  • يا حسن ما ذنب الأيام حتى صرتم تتشاءمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها؟ قال الحسن: أنا أستغفر الله أبدا، و هي توبتي يا بن رسول الله. 

  • قال: ما ينفعكم و لكن الله يعاقبكم بذمها على ما لا ذم عليها فيه. أ ما علمت يا حسن أن الله هو المثيب و المعاقب و المجازي بالأعمال عاجلا و آجلا؟ قلت: بلى يا مولاي. قال: لا تعد و لا تجعل للأيام صنعا في حكم الله. قال الحسن: بلى يا مولاي. 

  • و الروايات السابقة - و لها نظائر في معناها - يستفاد منها أن الملاك في نحوسة هذه الأيام النحسات هو تطير عامة الناس بها و للتطير تأثير نفساني كما سيأتي، و هذه الروايات تعالج نحوستها التي تأتيها من قبل الطيرة بصرف النفس عن الطيرة إن قوي الإنسان على ذلك، و بالالتجاء إلى الله سبحانه و الاعتصام به بقرآن يتلوه أو دعاء يدعو به إن لم يقو عليه بنفسه. 

  • و حمل بعضهم هذه الروايات المسلمة لنحوسة بعض الأيام على التقية، و ليس بذاك البعيد فإن التشاؤم و التفاؤل بالأزمنة و الأمكنة و الأوضاع و الأحوال من خصائص العامة يوجد منه عندهم شي‌ء كثير عند الأمم و الطوائف المختلفة على تشتتهم و تفرقهم منذ القديم إلى يومنا و كان بين الناس حتى خواصهم في الصدر الأول في ذلك روايات دائرة يسندونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لا يسع لأحد أن يردها كما في كتاب المسلسلات، بإسناده عن الفضل بن الربيع قال: كنت يوما مع مولاي المأمون فأردنا الخروج يوم الأربعاء فقال المأمون: يوم مكروه سمعت أبي الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي عليا يقول: سمعت أبي عبد الله بن عباس يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: إن آخر الأربعاء في الشهر يوم نحس مستمر.

  • و أما الروايات الدالة على الأيام السعيدة من الأسبوع و غيرها فالوجه فيها نظير ما تقدمت إليه الإشارة في الأخبار الدالة على نحوستها من الوجه الأول فإن في هذه الأخبار تعليل بركة ما عده من الأيام السعيدة بوقوع حوادث متبركة عظيمة في نظر الدين كولادة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و بعثته‌ و كما ورد: أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) دعا فقال: اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها و خميسها، و ما ورد: أن الله ألان الحديد لداود (عليه السلام) يوم الثلاثاء، و أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يخرج للسفر يوم الجمعة، و أن الأحد من أسماء الله تعالى. 

  • فتبين مما تقدم على طوله أن الأخبار الواردة في سعادة الأيام و نحوستها لا تدل على أزيد 

تفسير الميزان ج۱٩

75
  • من ابتنائهما على حوادث مرتبطة بالدين توجب حسنا و قبحا بحسب الذوق الديني أو بحسب تأثير النفوس، و أما اتصاف اليوم أو أي قطعة من الزمان بصفة الميمنة أو المشأمة و اختصاصه بخواص تكوينية عن علل و أسباب طبيعية تكوينية فلا، و ما كان من الأخبار ظاهرا في خلاف ذلك فإما محمول على التقية أو لا اعتماد عليه. 

  • ٢ - في سعادة الكواكب و نحوستها 

  • و تأثير الأوضاع السماوية في الحوادث الأرضية سعادة و نحوسة. الكلام في ذلك من حيث النظر العقلي كالكلام في سعادة الأيام و نحوستها فلا سبيل إلى إقامة البرهان على شي‌ء من ذلك كسعادة الشمس و المشتري و قران السعدين و نحوسة المريخ و قران النحسين و القمر في العقرب. 

  • نعم كان القدماء من منجمي الهند يرون للحوادث الأرضية ارتباطا بالأوضاع السماوية مطلقا أعم من أوضاع الثوابت و السيارات، و غيرهم يرى ذلك بين الحوادث و بين أوضاع السيارات السبع دون الثوابت و أوردوا لأوضاعها المختلفة خواص و آثارا تسمى بأحكام النجوم يرون عند تحقق كل وضع أنه يعقب وقوع آثاره. 

  • و القوم بين قائل بأن الأجرام الكوكبية موجودات ذوات نفوس حية مريدة تفعل أفاعيلها بالعلية الفاعلية، و قائل بأنها أجرام غير ذات نفس تؤثر أثرها بالعلية الفاعلية، أو هي معدات لفعله تعالى و هو الفاعل للحوادث أو أن الكواكب و أوضاعها علامات للحوادث من غير فاعلية و لا إعداد، أو أنه لا شي‌ء من هذه الارتباطات بينها و بين الحوادث حتى على نحو العلامية و إنما جرت عادة الله على أن يحدث حادثة كذا عند وضع سماوي، كذا. 

  • و شي‌ء من هذه الأحكام ليس بدائمي مطرد بحيث يلزم حكم كذا وضعا كذا فربما تصدق و ربما تكذب لكن الذي بلغنا من عجائب القصص و الحكايات في استخراجاتهم يعطي أن بين الأوضاع السماوية و الحوادث الأرضية ارتباطا ما إلا أنه في الجملة لا بالجملة كما أن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌ يصدق ذلك كذلك. 

  • و على هذا لا يمكن الحكم البتي بكون كوكب كذا أو وضع كذا سعدا أو نحسا و أما أصل ارتباط الحوادث و الأوضاع السماوية و الأرضية بعضها ببعض فليس في وسع الباحث الناقد إنكار ذلك. 

  • و أما القول بكون الكواكب أو الأوضاع السماوية ذوات تأثير فيما دونها سواء قيل 

تفسير الميزان ج۱٩

76
  • بكونها ذوات نفوس ناطقة أو لم يقل فليس مما يخالف شيئا من ضروريات الدين إلا أن يقال بكونها خالقة موجدة لما دونها من غير أن ينتهي ذلك إليه تعالى فيكون شركا لكنه لا قائل به حتى من وثنية الصابئة التي تعبد الكواكب، أو أن يقال بكونها مدبرة للنظام الكوني مستقلة في التدبير فيكون ربوبية تستعقب المعبودية فيكون شركا كما عليه الصابئة عبدة الكواكب. 

  • و أما الروايات الواردة في تأثير النجوم سعدا و نحسا و تصديقا و تكذيبا فهي كثيرة جدا على أقسام: 

  • منها: ما يدل بظاهره على تسليم السعادة و النحوسة فيها كما في الرسالة الذهبية، عن الرضا (عليه السلام): اعلم أن جماعهن و القمر في برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل و خير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه شرف القمر.

  • و في البحار، عن النوادر بإسناده عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سافر أو تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى‌ (الخبر) و في كتاب النجوم، لابن طاووس عن علي (عليه السلام): يكره أن يسافر الرجل في محاق الشهر و إذا كان القمر في العقرب. 

  • و يمكن حمل أمثال هذه الروايات على التقية على ما قيل، أو على مقارنة الطيرة العامة كما ربما يشعر به ما في عدة من الروايات من الأمر بالصدقة لدفع النحوسة كما في نوادر الراوندي، بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده في حديث: إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم، و إذا أمسيت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة (الخبر)، و يمكن أن يكون ذلك لارتباط خاص بين الوضع السماوي و الحادثة الأرضية بنحو الاقتضاء. 

  • و منها: ما يدل على تكذيب تأثيرات النجوم في الحوادث و النهي الشديد عن الاعتقاد بها و الاشتغال بعلمها كما في نهج البلاغة: المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار. و يظهر من أخبار أخر تصدقها و تجوز النظر فيها أن النهي عن الاشتغال بها و البناء عليها إنما هو فيما اعتقد لها استقلال في التأثير لتأديته إلى الشرك كما تقدم. 

  • و منها: ما يدل على كونه حقا في نفسه غير أن قليله لا ينفع و كثيره لا يدرك كما في الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن سيابة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك 

تفسير الميزان ج۱٩

77
  • إن الناس يقولون: إن النجوم لا يحل النظر فيها و هو يعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شي‌ء يضر بديني، و إن كانت لا تضر بديني - فو الله إني لأشتهيها و أشتهي النظر فيها. فقال: ليس كما يقولون لا يضر بدينك ثم قال: إنكم تنظرون في شي‌ء منها - كثيرة لا يدرك و قليله لا ينتفع به. (الخبر). 

  • و في البحار، عن كتاب النجوم لابن طاووس عن معاوية بن حكيم عن محمد بن زياد عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النجوم حق هي؟ قال لي: نعم فقلت له: و في الأرض من يعلمها؟ قال: نعم و في الأرض من يعلمها: و في عدة من الروايات: ما يعلمها إلا أهل بيت من الهند و أهل بيت من العرب: و في بعضها: من قريش.

  • و هذه الروايات تؤيد ما قدمناه من أن بين الأوضاع و الأحكام ارتباطا ما في الجملة. 

  • نعم‌، ورد في بعض هذه الروايات: أن الله أنزل المشتري على الأرض في صورة رجل فلقي رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه بلغ ثم قال له انظر أين المشتري؟ فقال: ما أراه في الفلك و ما أدري أين هو؟ فنحاه و أخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ و قال: انظر إلى المشتري أين هو؟ فقال: إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري قال: فشهق شهقة فمات و ورث علمه أهله فالعلم هناك. الخبر، و هو أشبه بالموضوع. 

  • ٣ - في التفاؤل و التطير 

  • و هما الاستدلال بحادث من الحوادث على الخير و ترقبه و هو التفاؤل أو على الشر و هو التطير و كثيرا ما يؤثران و يقع ما يترقب منهما من خير أو شر و خاصة في الشر و ذلك تأثير نفساني. 

  • و قد فرق الإسلام بين التفاؤل و التطير فأمر بالتفاؤل و نهى عن التطير، و في ذلك تصديق لكون ما فيهما من التأثير تأثيرا نفسانيا. أما التفاؤل ففيما روي‌ عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): تفاءلوا بالخير تجدوه‌، و كان (صلى الله عليه وآله و سلم) كثير التفاؤل نقل عنه ذلك في كثير من مواقفه‌۱

  • و أما التطير فقد ورد في مواضع من الكتاب نقله عن أمم الأنبياء في دعواتهم لهم حيث كانوا يظهرون لأنبيائهم أنهم اطيروا بهم فلا يؤمنون، و أجاب عن ذلك أنبياؤهم 

    1. كما ورد في قصة الحديبية: جاء سهيل بن عمرو فقال صلى اللَّه عليه و آله: قد سهل عليكم أمركم. 
      و كما في قصة كتابه الى خسرو برويز يدعوه الى الإسلام فمزق كتابه و أرسل إليه قبضة من تراب فتفاءل صلى اللَّه عليه و آله منه أن المؤمنين سيملكون أرضهم.

تفسير الميزان ج۱٩

78
  • بما حاصله أن التطير لا يقلب الحق باطلا و لا الباطل حقا، و أن الأمر إلى الله سبحانه لا إلى الطائر الذي لا يملك لنفسه شيئا فضلا عن أن يملك لغيره الخير و الشر و السعادة و الشقاء قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} يس: ١٩، أي ما يجر إليكم الشر هو معكم لا معنا، و قال: {قَالُوا اِطَّيَّرْنَا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ} النمل: ٤٧، أي الذي يأتيكم به الخير أو الشر عند الله فهو الذي يقدر فيكم ما يقدر لا أنا و من معي فليس لنا من الأمر شي‌ء. 

  • و قد وردت أخبار كثيرة في النهي عن الطيرة و في دفع شؤمها بعدم الاعتناء أو بالتوكل و الدعاء، و هي تؤيد ما قدمناه من أن تأثيرها من التأثيرات النفسانية ففي الكافي، بإسناده عن عمرو بن حريث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، و إن شددتها تشددت، و إن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا. و دلالة الحديث على كون تأثيرها من التأثيرات النفسانية ظاهرة، و مثله الحديث المروي من طرق أهل السنة: ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة و الحسد و الظن. قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقق.

  • و في معناه ما في الكافي، عن القمي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): كفارة الطيرة التوكل. الخبر و ذلك أن في التوكل إرجاع أمر التأثير إلى الله تعالى، فلا يبقى للشي‌ء أثر حتى يتضرر به، و في معناه ما ورد من طرق أهل السنة على ما في نهاية ابن الأثير: الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل. 

  • و في المعنى السابق ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال: الشؤم للمسافر في طريقه سبعة أشياء: الغراب الناعق عن يمينه، و الكلب الناشر لذنبه، و الذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل و هو مقع على ذنبه ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا، و الظبي السانح عن يمين إلى شمال، و البومة الصارخة، و المرأة الشمطاء تلقى فرجها، و الأتان العضبان يعني الجدعاء، فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل: اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فيعصم من ذلك.۱ 

  •  

    1. الخبر على ما في البحار مذكور في الكافي و الخصال و المحاسن و الفقيه و ما في المتن مطابق لبعض نسخ الفقيه.

تفسير الميزان ج۱٩

79
  • و يلحق بهذا البحث الكلامي في نحوسة سائر الأمور المعدودة عند العامة مشئومة نحسة كالعطاس مرة واحدة عند العزم على أمر و غير ذلك و قد وردت في النهي عن التطير بها و التوكل عند ذلك روايات في أبواب متفرقة،

  • و في النبوي المروي من طرق الفريقين: لا عدوى‌۱، و لا طيرة، و لا هامة، و لا شؤم، و لا صفر، و لا رضاع بعد فصال، و لا تعرب بعد هجرة، و لا صمت يوما إلى الليل، و لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك، و لا يتم بعد إدراك. 

  • [بيان] 

  • قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} النذر إما مصدر كما قيل و المعنى: كذبت ثمود بإنذار نبيهم صالح (عليه السلام)، و إما جمع نذير بمعنى المنذر، و المعنى: كذبت ثمود بالأنبياء لأن تكذيبهم بالواحد منهم تكذيب منهم بالجميع لأن رسالتهم واحدة لا اختلاف فيها فيكون في معنى قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ} الشعراء: ١٤١، و إما جمع نذير بمعنى الإنذار و مرجعه إلى أحد المعنيين السابقين. 

  • قوله تعالى: {فَقَالُوا أَ بَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ} تفريع على التكذيب و السعر جمع سعير بمعنى النار المشتعلة، و احتمل أن يكون بمعنى الجنون و هو أنسب للسياق، و الظاهر أن المراد بالواحد الواحد العددي، و المعنى: كذبوا به فقالوا: أ بشرا من نوعنا و هو شخص واحد لا عدة له و لا جموع معه نتبعه إنا إذا مستقرون في ضلال عجيب و جنون. 

  • فيكون هذا القول توجيها منهم لعدم اتباعهم لصالح لفقده العدة و القوة و هم قد اعتادوا على اتباع من عنده ذلك كالملوك و العظماء و قد كان صالح (عليه السلام) يدعوهم إلى طاعة نفسه و رفض طاعة عظمائهم كما يحكيه الله سبحانه عنه بقوله: {فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ لاَ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ} الشعراء: ١٥١. 

  •  

    1. العدوى مصدر كالأعداء بمعنى تجاوز مرض المريض منه الى غيره كما يقال في الجرب و الوباء و الجدري و غيرها، و المراد بنفي العدوى كما يفيده مورد الرواية أن يكون العدوى مقتضى المرض من غير انتساب الى مشية اللَّه تعالى، و الهامة ما كان أهل الجاهلية يزعمون أن روح القتيل تصير طائراً يأوي الى قبره و يصيح و يشتكي العطش حتى يؤخذ بثأره، و الصفر هو التصغير عند سقاية الحيوان و غيره.

تفسير الميزان ج۱٩

80
  • و لو أخذ الواحد واحدا نوعيا كان المعنى: أ بشرا هو واحد منا أي هو مثلنا و من نوعنا نتبعه؟ و كانت الآية التالية مفسرة لها. 

  • قوله تعالى: {أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} الاستفهام كسابقه للإنكار و المعنى: أ أنزل الوحي عليه و اختص به من بيننا و لا فضل له علينا؟ لا يكون ذلك أبدا، و التعبير بالإلقاء دون الإنزال و نحوه للإشعار بالعجلة كما قيل. 

  • و من المحتمل أن يكون المراد نفي أن يختص بإلقاء الذكر من بينهم و هو بشر مثلهم فلو كان الوحي حقا و جاز أن ينزل على البشر لنزل على البشر كلهم فما باله اختص بما من شأنه أن يرزقه الجميع؟ فتكون الآية في معنى قولهم له كما في سورة الشعراء: {مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} الشعراء: ١٥٤. 

  • و قوله: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي شديد البطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بهذا الطريق. 

  • قوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذَّابُ اَلْأَشِرُ} حكاية قوله سبحانه لصالح (عليه السلام) كالآيتين بعدها. 

  • و المراد بالغد العاقبة من قولهم: إن مع اليوم غدا، يشير سبحانه به إلى ما سينزل عليهم من العذاب فيعلمون عند ذلك علم عيان من هو الكذاب الأشر صالح أو هم؟. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُوا اَلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ} في مقام التعليل لما أخبر من أنهم سينزل عليهم العذاب و المفاد أنهم سينزل عليهم العذاب لأنا فاعلون كذا و كذا، و الفتنة الامتحان و الابتلاء، و المعنى: أنا مرسلون على طريق الإعجاز الناقة التي يسألونها امتحانا لهم فانتظرهم و اصبر على أذاهم. 

  • قوله تعالى: {وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} ضمير الجمع الأول للقوم و الثاني للقوم و الناقة على سبيل التغليب، و القسمة بمعنى المقسوم، و الشرب‌ النصيب من شرب الماء، و المعنى: و خبرهم بعد إرسال الناقة أن الماء مقسوم بين القوم و بين الناقة كل نصيب من الشرب يحضر عنده صاحبه فيحضر القوم عند شربهم و الناقة عند شربها قال تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} الشعراء: ١٥٥. 

  • قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطى‌ فَعَقَرَ} المراد بصاحبهم عاقر الناقة، و التعاطي‌ التناول و المعنى: فنادى القوم عاقر الناقة لعقرها فتناول عقرها فعقرها و قتلها. 

تفسير الميزان ج۱٩

81
  • قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ} المحتظر صاحب الحظيرة و هي كالحائط يعمل ليجعل فيه الماشية، و هشيم‌ المحتظر الشجر اليابس و نحوه يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته، و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا} إلخ تقدم تفسيره. 

  • قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} تقدم تفسيره في نظيره. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} الحاصب‌ الريح التي تأتي بالحجارة و الحصباء، و المراد بها الريح التي أرسلت فرمتهم بسجيل منضود. 

  • و قال في مجمع البيان: سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يقال: رأيت زيدا سحرا من الأسحار فإذا أردت سحر يومك قلت: أتيته بسحر بالفتح و أتيته سحر - من غير تنوين - انتهى، و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} {نِعْمَةً} مفعول له من {نَجَّيْنَاهُمْ} أي نجيناهم ليكون نعمة من عندنا نخصهم بها لأنهم كانوا شاكرين لنا و جزاء الشكر لنا النجاة. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} ضمير الفاعل في {أَنْذَرَهُمْ} للوط (عليه السلام)، و البطشة الأخذة الشديدة بالعذاب، و التماري‌ الإصرار على الجدال و إلقاء الشك، و النذر الإنذار، و المعنى: أقسم لقد خوفهم لوط أخذنا الشديد فجادلوا في إنذاره و تخويفه. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَ نُذُرِ} مراودته عن ضيفه طلبهم منه أن يسلم إليهم أضيافه و هم الملائكة، و طمس‌ أعينهم محوها، و قوله: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَ نُذُرِ} التفات إلى خطابهم تشديدا و تقريعا، و النذر مصدر أريد به ما يتعلق به الإنذار و هو العذاب، و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} قال في مجمع البيان: و قوله: {بُكْرَةً} ظرف زمان فإذا كان معرفة بأن تريد بكرة يومك تقول: أتيته بكرة و غدوة لم تصرفهما فبكرة هنا - و قد نوّن - نكرة، و المراد باستقرار العذاب حلوله بهم و عدم تخلفه عنهم. 

تفسير الميزان ج۱٩

82
  •  قوله تعالى: {فَذُوقُوا عَذَابِي } إلى قوله {مِنْ مُدَّكِرٍ} تقدم تفسيره. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ اَلنُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} المراد بالنذر الإنذار، و قوله: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} مفصول من غير عطف لكونه جوابا لسؤال مقدر كأنه لما قيل: {وَ لَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ اَلنُّذُرُ} قيل: فما فعلوا؟ فأجيب بقوله: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}، و فرع عليه قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}

  • (بحث روائي) 

  • في روح المعاني في قوله تعالى: {وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس:لو لا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى: 

  • قال: و أخرج الديلمي مرفوعا عن أنس مثله. ثم قال: و لعل خبر أنس إن صح ليس تفسيرا للآية. 

  • أقول: و ليس من البعيد أن يكون المراد المعنى الثاني الذي قدمناه في تفسير الآية. 

  • و في تفسير القمي في قوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ اَلسَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} قال: صب بلا قطر {وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى اَلْمَاءُ} قال: ماء السماء و ماء الأرض {عَلى‌ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَ حَمَلْنَاهُ} يعني نوحا {عَلى‌ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَ دُسُرٍ} قال: الألواح السفينة و الدسر المسامير. 

  • و فيه في قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ} قال: قدار الذي عقر الناقة، و قوله: {كَهَشِيمِ} قال: الحشيش و النبات. 

  • و في الكافي، بإسناده عن أبي يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): في حديث يذكر فيه قصة قوم لوط قال: فكابروه يعني لوطا حتى دخلوا البيت فصاح به جبرئيل فقال: يا لوط دعهم فلما دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم و هو قول الله عز و جل: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ}.

  •  

  • [ سورة القمر (٥٤): الآیات ٤٣ الی ٥٥]

  • {أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ ٤٣ أَمْ 

تفسير الميزان ج۱٩

83
  • يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ٤٤ سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ ٤٥ بَلِ اَلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ اَلسَّاعَةُ أَدْهى‌ وَ أَمَرُّ ٤٦ إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ ٤٧ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنَّارِ عَلى‌ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ٤٨ إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ٤٩ وَ مَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ٥٠وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ٥١ وَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ ٥٢ وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ٥٣ إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥} 

  • (بيان) 

  • الآيات في معنى أخذ النتيجة مما أعيد ذكره من الأنباء التي فيها مزدجر و هي نبأ الساعة المذكور أولا ثم أنباء الأمم الهالكة المذكورة ثانيا فهي تنعطف أولا على أنباء الأمم الهالكة فتخاطب قوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن كفاركم ليسوا خيرا من أولئك الأمم الطاغية الجبارة و قد أهلكهم الله على أذل وجه و أهونه و لا لكم براءة مكتوبة من عذاب الله، و لا أن جمعكم ينفعكم في الذب عن العقاب. ثم تنعطف إلى ما مر من نبأ الساعة بأنها موعدهم الصعب أن أجرموا و كذبوا و الساعة أدهى و أمر، ثم تشير إلى موطن المتقين يومئذ و عند ذلك تختتم السورة. 

  • قوله تعالى: {أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ} الظاهر أنه خطاب لقوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من مسلم و كافر على ما تشعر به الإضافة في {كُفَّارُكُمْ} و الخيرية هي الخيرية في زينة الدنيا و زخارف حياتها كالمال و البنين أو من جهة الأخلاق العامة في مجتمعهم كالسخاء 

تفسير الميزان ج۱٩

84
  • و الشجاعة و الشفقة على الضعفاء، و الإشارة بأولئكم إلى الأقوام المذكورة أنباؤهم: قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و آل فرعون، و الاستفهام للإنكار. 

  • و المعنى: ليس الذين كفروا منكم خيرا من أولئكم الأمم المهلكين المعذبين حتى يشملهم العذاب دونكم. 

  • و يمكن أن يكون خطاب {أَ كُفَّارُكُمْ} لخصوص الكفار بعناية أنهم قوم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و فيهم كفار و هم هم. 

  • و قوله: {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ} ظاهره أيضا عموم الخطاب، و الزبر جمع زبور و هو الكتاب، و قد ذكروا أن المراد بالزبر الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء، و المعنى: بل أ لكم براءة في الكتب السماوية التي نزلت من عند الله أنكم في أمن من العذاب و المؤاخذة و إن كفرتم و أجرمتم و اقترفتم ما شئتم من الذنوب. 

  • قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} الجميع المجموع و المراد به وحدة مجتمعهم من حيث الإرادة و العمل، و الانتصار الانتقام أو التناصر كما في خطابات يوم القيامة: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} الصافات: ٢٥، و المعنى: بل أ يقولون أي الكفار نحن قوم مجتمعون متحدون ننتقم ممن أرادنا بسوء أو ينصر بعضنا بعضا فلا ننهزم. 

  • قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ} اللام في {اَلْجَمْعُ} للعهد الذكري و في {اَلدُّبُرَ} للجنس، و تولي الدبر الإدبار، و المعنى: سيهزم الجمع الذي يتبجحون به و يولون الأدبار و يفرون. 

  • و في الآية إخبار عن مغلوبية و انهزام لجمعهم، و دلالة على أن هذه المغلوبية انهزام منهم في حرب سيقدمون عليها، و قد وقع ذلك في غزاة بدر، و هذا من ملاحم القرآن الكريم. 

  • قوله تعالى: {بَلِ اَلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ اَلسَّاعَةُ أَدْهى‌ وَ أَمَرُّ} {أَدْهى‌} اسم تفضيل من الدهاء و هو عظم البلية المنكرة التي ليس إلى التخلص منها سبيل، و {أَمَرُّ} اسم تفضيل من المرارة ضد الحلاوة، و في الآية إضراب عن إيعادهم بالانهزام و العذاب الدنيوي إلى إيعادهم بما سيجري عليهم في الساعة و قد أشير إلى نبئها في أول الأنباء الزاجرة، و الكلام يفيد الترقي. 

  • و المعنى: و ليس الانهزام و العذاب الدنيوي مقام عقوبتهم بل الساعة التي أشرنا إلى نبئها هي موعدهم و الساعة أدهى من كل داهية و أمر من كل مر. 

تفسير الميزان ج۱٩

85
  •  قوله تعالى: {إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ} جمع سعير و هي النار المسعرة و في الآية تعليل لما قبلها من قوله: {وَ اَلسَّاعَةُ أَدْهى‌ وَ أَمَرُّ}، و المعنى: إنما كانت الساعة أدهى و أمر لهم لأنهم مجرمون و المجرمون في ضلال عن موطن السعادة و هو الجنة و نيران مسعرة. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنَّارِ عَلى‌ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} السحب‌ جر الإنسان على وجهه، و {يَوْمَ} ظرف لقوله: {فِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ}، و {سَقَرَ} من أسماء جهنم و مسها هو إصابتها لهم بحرها و عذابها. 

  • و المعنى: كونهم في ضلال و سعر في يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم: ذوقوا ما تصيبكم جهنم بحرها و عذابها. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} {كُلَّ شَيْ‌ءٍ} منصوب بفعل مقدر يدل عليه {خَلَقْنَاهُ} و التقدير خلقنا كل شي‌ء خلقناه، و {بِقَدَرٍ} متعلق بقوله: {خَلَقْنَاهُ} و الباء للمصاحبة، و المعنى: أنا خلقنا كل شي‌ء مصاحبا لقدر. 

  • و قدر الشي‌ء هو المقدار الذي لا يتعداه و الحد و الهندسة التي لا يتجاوزه في شي‌ء من جانبي الزيادة و النقيصة، قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر: ٢١، فلكل شي‌ء حد محدود في خلقه لا يتعداه و صراط ممدود في وجوده يسلكه و لا يتخطاه. 

  • و الآية في مقام التعليل لما في الآيتين السابقتين من عذاب المجرمين يوم القيامة كأنه قيل: لما ذا جوزي المجرمون بالضلال و السعر يوم القيامة و أذيقوا مس سقر؟ فأجيب بقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} و محصله أن لكل شي‌ء قدرا و من القدر في الإنسان أن الله سبحانه خلقه نوعا متكاثر الأفراد بالتناسل اجتماعيا في حياته الدنيا يتزود من حياته الدنيا الداثرة لحياته الآخرة الباقية، و قدر أن يرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى سعادة الدنيا و الآخرة فمن استجاب الدعوة فاز بالسعادة و دخل الجنة و جاور ربه، و من ردها و أجرم فهو في ضلال و سعر. 

  • و من الخطإ أن يقال: إن الجواب عن السؤال بهذا النحو من المصادرة الممنوعة في الاحتجاج فإن السؤال عن مجازاته تعالى إياهم بالنار لإجرامهم في معنى السؤال عن تقديره ذلك، فمعنى السؤال: لم قدر الله للمجرمين المجازاة بالنار؟ و معنى الجواب: أن الله قدر للمجرمين المجازاة بالنار، أو معنى السؤال: لم يدخلهم الله النار؟ و معنى الجواب: أن 

تفسير الميزان ج۱٩

86
  • الله يدخلهم النار و ذلك مصادرة بينة. 

  • و ذلك لأن بين فعلنا و بين فعله تعالى فرقا فإنا نتبع في أفعالنا القوانين و الأصول الكلية المأخوذة من الكون الخارجي و الوجود العيني، و هي الحاكمة علينا في إرادتنا و أفعالنا، فإذا أكلنا لجوع أو شربنا لعطش فإنما نريد بذلك الشبع و الري لما حصلنا من الكون الخارجي أن الأكل يفيد الشبع و الشرب يفيد الري و هو الجواب لو سئلنا عن الفعل. 

  • و بالجملة أفعالنا تابعة للقواعد الكلية و الضوابط العامة المنتزعة عن الوجود العيني المتفرعة عليه، و أما فعله تعالى فهو نفس الوجود العيني، و الأصول العقلية الكلية مأخوذة منه متأخرة عنه محكومة له فلا تكون حاكمة فيه متقدمة عليه، قال تعالى: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ} الأنبياء: ٢٣، و قال: {إِنَّ اَللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} الحج: ١٨، و قال: {اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} آل عمران: ٦٠. 

  • فلا سؤال عن فعله تعالى بلم بمعنى السؤال عن السبب الخارجي إذ لا سبب دونه يعينه في فعله، و لا بمعنى السؤال عن الأصل الكلي العقلي الذي يصحح فعله إذ الأصول العقلية منتزعة عن فعله متأخرة عنه. 

  • نعم وقع في كلامه سبحانه تعليل الفعل بأحد ثلاثة أوجه: 

  • أحدها: تعليل الفعل بما يترتب عليه من الغايات و الفوائد العائدة إلى الخلق لا إليه، لكنه تعليل للفعل لا لكونه فعلا له سبحانه بل لكونه أمرا واقعا في صف الأسباب و المسببات كما في قوله تعالى: {وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى‌ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَاناً وَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة: ٨٢، و قال: {وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ } - إلى أن قال - {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ} البقرة: ٦١. 

  • الثاني: تعليل فعله تعالى بشي‌ء من أسمائه و صفاته المناسبة له كتعليله تعالى مضامين كثير من الآيات في كلامه بمثل قوله: {إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} {وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ} إلى غير ذلك و هو شائع في القرآن الكريم، و إذا أجدت التأمل في موارده وجدتها من تعليل الفعل بما له من صفة خاصة بصفة عامة لفعله تعالى فإن أسماءه تعالى الفعلية منتزعة عن فعله العام فتعليل فعل خاص بصفة من صفاته و اسم من أسمائه تعليل الوجه الخاص في الفعل بالوجه العام فيه كقوله تعالى: {وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ} العنكبوت: ٦٠، يعلل قضاء حاجة الدواب 

تفسير الميزان ج۱٩

87
  • و الإنسان إلى الرزق المسئول بلسان حاجتها بأنه سميع عليم أي أنه خلق كل شي‌ء و الحال أن مسائلهم مسموعة له و أحوالهم معلومة عنده و هما صفتا فعله العام، و قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ} البقرة: ٣٧، يعلل توبته على آدم بأنه تواب رحيم أي صفة فعله هي التوبة و الرحمة. 

  • الثالث: تعليل فعله الخاص بفعله العام و مرجعه في الحقيقة إلى الوجه الثاني كقوله: {إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَ سُعُرٍ } - إلى أن قال - {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فإن القدر و هو كون الشي‌ء محدودا لا يتخطى حده في مسير وجوده فعل عام له تعالى لا يخلو عنه شي‌ء من الخلق فتعليل العذاب بالقدر من تعليل فعله الخاص بفعله العام و بيان أنه مصداق من مصاديق القدر إذ كان من المقدر في الإنسان أن لو أجرم برد دعوة النبوة عذب و دخل النار يوم القيامة، و كقوله: {وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلى‌ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} مريم: ٧١، يعلل الورود بالقضاء و هو فعل له عام و الورود خاص بالنسبة إليه. 

  • فتبين أن ما في كلامه من تعليل فعل من أفعاله إنما هو من تعليل الفعل الخاص بصفته العامة و العلة علة للإثبات لا للثبوت، و ليس من المصادرة في شي‌ء. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} قال في المجمع: اللمح‌ النظر بالعجلة و هو خطف البصر. انتهى. 

  • و المراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه الأمر التكويني بإرادة وجود الشي‌ء، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يس: ٨٢ فهو كلمة كن و لعله لكونه كلمة اعتبر الخبر مؤنثا فقيل: {إِلاَّ وَاحِدَةٌ}

  • و الذي يفيده السياق أن المراد بكون الأمر واحدة أنه لا يحتاج في مضيه و تحقق متعلقه إلى تعدد و تكرار بل أمر واحد بإلقاء كلمة كن يتحقق به المتعلق المراد كلمح بالبصر من غير تأن و مهل حتى يحتاج إلى الأمر ثانيا و ثالثا. 

  • و تشبيه الأمر من حيث تحقق متعلقه بلمح بالبصر لا لإفادة أن زمان تأثيره قصير كزمان تحقق اللمح بالبصر بل لإفادة أنه لا يحتاج في تأثيره إلى مضي زمان و لو كان قصيرا فإن التشبيه باللمح بالبصر في الكلام يكنى به عن ذلك، فأمره تعالى و هو إيجاده و إرادة وجوده لا يحتاج في تحققه إلى زمان و لا مكان و لا حركة كيف لا؟ و نفس الزمان و المكان و الحركة إنما تحققت بأمره تعالى. 

تفسير الميزان ج۱٩

88
  • و الآية و إن كانت بحسب مؤداها في نفسها تعطي حقيقة عامة في خلق الأشياء و أن وجودها من حيث إنه فعل الله سبحانه كلمح بالبصر و إن كان من حيث إنه وجود لشي‌ء كذا تدريجيا حاصلا شيئا فشيئا. 

  • إلا أنها بحسب وقوعها في سياق إيعاد الكفار بعذاب يوم القيامة ناظرة إلى إتيان الساعة و أن أمرا واحدا منه تعالى يكفي في قيام الساعة و تجديد الخلق بالبعث و النشور فتكون متممة لما أقيم من الحجة بقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}

  • فيكون مفاد الآية الأولى أن عذابهم بالنار على وفق الحكمة و لا محيص عنه بحسب الإرادة الإلهية لأنه من القدر، و مفاد هذه الآية أن تحقق الساعة التي يعذبون فيها بمضي هذه الإرادة و تحقق متعلقها لا مئونة فيه عليه سبحانه لأنه يكفي فيه أمر واحد منه تعالى كلمح بالبصر. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} الأشياع‌ جمع شيعة و المراد - كما قيل - الأشباه و الأمثال في الكفر و تكذيب الأنبياء من الأمم الماضية. 

  • و المراد بالآية و الآيتين بعدها تأكيد الحجة السابقة التي أقيمت على شمول العذاب لهم لا محالة. 

  • و محصل المعنى: أن ليس ما أنذرناكم به من عذاب الدنيا و عذاب الساعة مجرد خبر أخبرناكم به و لا قول ألقيناه إليكم فهذه أشياعكم من الأمم الماضية شرع فيهم بذلك فقد أهلكناهم و هو عذابهم في الدنيا و سيلقون عذاب الآخرة فإن أعمالهم مكتوبة مضبوطة في كتب محفوظة عندنا سنحاسبهم بها و نجازيهم بما عملوا. 

  • قوله تعالى: {وَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} الزبر كتب الأعمال و تفسيره باللوح المحفوظ سخيف، و المراد بالصغير و الكبير صغير الأعمال و كبيرها على ما يفيده السياق. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ} أي في جنات عظيمة الشأن بالغة الوصف و نهر كذلك، قيل: المراد بالنهر الجنس، و قيل: النهر بمعنى السعة. 

  • قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} المقعد المجلس، المليك‌ صيغة مبالغة للملك على ما قيل، و ليس من إشباع كسر لام الملك، و المقتدر القادر العظيم القدرة و هو الله سبحانه. 

تفسير الميزان ج۱٩

89
  • و المراد بالصدق صدق المتقين في إيمانهم و عملهم أضيف إليه المقعد لملابسة ما و يمكن أن يراد به كون مقامهم و ما لهم فيه صدقا لا يشوبه كذب فلهم حضور لا غيبة معه، و قرب لا بعد معه، و نعمة لا نقمة معها، و سرور لا غم معه، و بقاء لا فناء معه. 

  • و يمكن أن يراد به صدق هذا الخبر من حيث إنه تبشير و وعد جميل للمتقين، و على هذا ففيه نوع مقابلة بين وصف عاقبة المتقين و المجرمين حيث أوعد المجرمون بالعذاب و الضلال و قرر ذلك بأنه من القدر و لن يتخلف، و وعد المتقون بالثواب و الحضور عند ربهم المليك المقتدر و قرر ذلك بأنه صدق لا كذب فيه. 

  • (بحث روائي) 

  • في كمال الدين، بإسناده إلى علي بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرقى أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر. 

  • و قال: إن القدرية مجوس هذه الأمة و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه و فيهم نزلت هذه الآية: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنَّارِ عَلى‌ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.

  •  أقول: المراد بالقدرية النافون للقدر و هم المعتزلة القائلون بالتفويض، و قوله: إنهم مجوس هذه الأمة ذلك لقولهم: إن خالق الأفعال الاختيارية هو الإنسان و الله خالق لما وراء ذلك فأثبتوا إلهين اثنين كما أثبتت المجوس إلهين اثنين: خالق الخير و خالق الشر. 

  • و قوله: أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، و ذلك أنهم قالوا بخلق الإنسان لأفعاله فرارا عن القول بالجبر المنافي للعدل فأخرجوا الله من سلطانه على أعمال عباده بقطع نسبتها عنه تعالى. 

  • و قوله: و فيهم نزلت هذه الآية، إلخ، المراد به جري الآيات فيهم دون كونهم سببا للنزول و موردا له لما عرفت في تفسير الآيات من كونها عامة بحسب السياق، و في نزول الآيات فيهم روايات أخرى مروية عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام)، و من طرق أهل السنة أيضا روايات في هذا المعنى عن ابن عباس و ابن عمر و محمد بن كعب و غيرهم. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن لكل أمة مجوسا و إن مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. (الخبر). 

تفسير الميزان ج۱٩

90
  • أقول: و رواه في ثواب الأعمال، بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه السلام) و لفظه: لكل أمة مجوس و مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر.

  • و فيه، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): النهر الفضاء و السعة ليس بنهر جار.

  • و فيه، أخرج أبو نعيم عن جابر قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يوما في مسجد المدينة فذكر بعض أصحابه الجنة فقال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): يا أبا دجانة أ ما علمت أن من أحبنا و ابتلي بمحبتنا أسكنه الله تعالى معنا؟ ثم تلا {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}

  • و في روح المعاني في قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} (الآية): و قال جعفر الصادق رضي الله عنه: مدح المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. 

  • (كلام في القدر) 

  • القدر و هو هندسة الشي‌ء و حد وجوده مما تكرر ذكره في كلامه تعالى فيما تكلم فيه في أمر الخلقة، قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر: ٢١، و ظاهره أن القدر ملازم للإنزال من الخزائن الموجودة عنده تعالى، و أما نفس الخزائن و هي من إبداعه تعالى لا محالة فهي غير مقدرة بهذا القدر الذي يلازم الإنزال و الإنزال إصداره إلى هذا العالم المشهود كما يفيده قوله: {وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ} الحديد: ٢٥، و قوله: {وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الزمر: ٦. 

  • و يؤيد ذلك ما ورد من تفسير القدر بمثل العرض و الطول و سائر الحدود و الخصوصيات الطبيعية الجسمانية كما في المحاسن، عن أبيه عن يونس عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لا يكون إلا ما شاء الله و أراد و قدر و قضى. قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتدأ الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشي‌ء من طوله و عرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له.

  • و روي هذا المعنى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق عن الرضا (عليه السلام) في خبر مفصل و فيه: فقال: أ و تدري ما قدر؟ قال: لا، قال: هو الهندسة من الطول و العرض و البقاء. (الخبر). 

تفسير الميزان ج۱٩

91
  • و من هنا يظهر أن المراد بكل شي‌ء في قوله: {وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } الفرقان: ٣، و قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر: ٤٩، و قوله: {وَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} الرعد: ٨، و قوله: {اَلَّذِي أَعْطىَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىَ} طه: ٥٠، الأشياء الواقعة في عالمنا المشهود، من الطبيعيات الواقعة تحت الخلق و التركيب، أو أن للتقدير مرتبتين: مرتبة تعم جميع ما سوى الله و هي تحديد أصل الوجود بالإمكان و الحاجة و هذا يعم جميع الموجودات ما خلا الله سبحانه، قال تعالى: {وَ كَانَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطاً} النساء: ١٢٦. 

  • و مرتبة تخص عالمنا المشهود و هي تحديد وجود الأشياء الموجودة فيه من حيث وجودها و آثار وجودها و خصوصيات كونها بما أنها متعلقة الوجود و الآثار بأمور خارجة من العلل و الشرائط فيختلف وجودها و أحوالها باختلاف عللها و شرائطها فهي مقلوبة بقوالب من داخل و خارج تعين لها من العرض و الطول و الشكل و الهيئة و سائر الأحوال و الأفعال ما يناسبها. 

  • فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر لها في مسير وجودها، قال تعالى: {اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‌} الأعلى: ٣، أي هدى ما خلقه إلى ما قدر له، ثم أتم ذلك بإمضاء القضاء، و في معناه قوله في الإنسان: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} عبس: ٢٠، و يشير بقوله: {ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} إلى أن التقدير لا ينافي اختيارية أفعاله الاختيارية. 

  • و هذا النوع من القدر في نفسه غير القضاء الذي هو الحكم البتي منه تعالى بوجوده {وَ اَللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} الرعد: ٤١، فربما قدر و لم يعقبه القضاء كالقدر الذي يقتضيه بعض العلل و الشرائط الخارجة ثم يبطل لمانع أو باستخلاف سبب آخر، قال تعالى: {يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ} الرعد: ٣٩، و قال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} البقرة: ١٠٦، و ربما قدر و تبعه القضاء كما إذا قدر من جميع الجهات باجتماع جميع علله و شرائطه و ارتفاع موانعه. 

  • و إلى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في خبر المحاسن السابق: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له، و قريب منه ما في عدة من أخبار القضاء و القدر ما معناه أن القدر يمكن أن يتخلف و أما القضاء فلا يرد. 

تفسير الميزان ج۱٩

92
  • و عن علي (عليه السلام) بطرق مختلفة كما في التوحيد، بإسناده عن ابن نباتة: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخرفقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز و جل.

  • و أما النوع الأول من الموجودات الذي قدره حد وجوده من إمكانه و حاجته فحسب فالقدر و القضاء فيه واحد و لا يتخلف القدر فيه عن التحقق البتة. 

  • و البحث العقلي يؤيد ما تقدم فإن الأمور التي لها علل مركبة من فاعل و مادة و شرائط و معدات و موانع فإن لكل منها تأثيرا في الشي‌ء بما يسانخه فهو كالقالب الذي يقلب به الشي‌ء فيأخذ لنفسه هيئة قالبة و خصوصيته و هذا هو قدره ثم العلة التامة إذا اجتمعت أجزاؤه أعطته ضرورة الوجود، و هذه هي القضاء الذي لا مرد له، و قد تقدم في تفسير أول سورة الإسراء كلام في القضاء لا يخلو من نفع في هذا البحث، فليرجع إليه.

  •  

  • (٥٥) (سورة الرحمن مكية أو مدنية و هي ثمان و سبعون آية) (٧٨) 

  • [سورة الرحمن (٥٥): الآیات ١ الی ٣٠]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ اَلرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ ٣ عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ ٤ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ٥ وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَ اَلسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ اَلْمِيزَانَ ٧ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزَانِ ٨ وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاَ تُخْسِرُوا اَلْمِيزَانَ ٩ وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠فِيهَا فَاكِهَةٌ وَ اَلنَّخْلُ ذَاتُ اَلْأَكْمَامِ ١١ وَ اَلْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ وَ اَلرَّيْحَانُ ١٢ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣ خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَ خَلَقَ اَلْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا 

تفسير الميزان ج۱٩

93
  • تُكَذِّبَانِ ١٦ رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ ١٧ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨ مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ ٢٠فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجَانُ ٢٢ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣ وَ لَهُ اَلْجَوَارِ اَلْمُنْشَآتُ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاَمِ ٢٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ ٢٧ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨ يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ٢٩ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠} 

  • (بيان) 

  • تتضمن السورة الإشارة إلى خلقه تعالى العالم بأجزائه من سماء و أرض و بر و بحر و إنس و جن و نظم أجزائه نظما ينتفع به الثقلان الإنس و الجن في حياتهما و ينقسم بذلك العالم إلى نشأتين: نشأة دنيا ستفنى بفناء أهلها، و نشأة أخرى باقية تتميز فيها السعادة من الشقاء و النعمة من النقمة. 

  • و بذلك يظهر أن دار الوجود من دنياها و آخرتها ذات نظام واحد مؤتلف الأجزاء مرتبط الأبعاض قويم الأركان يصلح بعضه ببعض و يتم شطر منه بشطر. 

  • فما فيه من عين و أثر، من نعمه تعالى و آلائه، و لذا يستفهمهم مرة بعد مرة استفهاما مشوبا بعتاب بقوله: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} فقد كررت الآية في السورة إحدى و ثلاثين مرة. 

تفسير الميزان ج۱٩

94
  • و لذلك افتتحت السورة بذكره تعالى بصفة رحمته العامة الشاملة للمؤمن و الكافر و الدنيا و الآخرة و اختتمت بالثناء عليه بقوله: {تَبَارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ}

  • و السورة يحتمل كونها مكية أو مدنية و إن كان سياقها بالسياق المكي أشبه و هي السورة الوحيدة في القرآن افتتحت بعد البسملة باسم من أسماء الله عز اسمه،

  • و في المجمع، عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: لكل شي‌ء عروس و عروس القرآن سورة الرحمن جل ذكره، و رواه في الدر المنثور، عن البيهقي عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم).

  •  قوله تعالى: {اَلرَّحْمَنُ عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ} الرحمن كما تقدم في تفسير سورة الفاتحة صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم و لذلك ناسب أن يعم ما يناله المؤمن و الكافر من نعم الدنيا و ما يناله المؤمن من نعم الآخرة، و لعمومه ناسب أن يصدر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على أنواع النعم الدنيوية و الأخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الإنس و الجن. 

  • ذكروا أن الرحمن من الأسماء الخاصة به تعالى لا يسمى به غيره بخلاف مثل الرحيم و الراحم. 

  • و قوله: {عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ} شروع في عد النعم الإلهية، و لما كان القرآن أعظم النعم قدرا و شأنا و أرفعها مكانا - لأنه كلام الله الذي يخط صراطه المستقيم و يتضمن بيان نهج السعادة التي هي غاية ما يأمله آمل و نهاية ما يسأله سائل - قدم ذكر تعليمه على سائر النعم حتى على خلق الإنس و الجن اللذين نزل القرآن لأجل تعليمهما. 

  • و حذف مفعول {عَلَّمَ} الأول و هو الإنسان أو الإنس و الجن و التقدير علم الإنسان القرآن أو علم الإنس و الجن القرآن، و هذا الاحتمال الثاني و إن لم يتعرضوا له لكنه أقرب الاحتمالين لأن السورة تخاطب في تضاعيف آياتها الجن كالإنس و لو لا شمول التعليم في قوله: {عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ} لهم لم يتم ذلك. 

  • و قيل: المفعول المحذوف محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) أو جبرئيل و الأنسب للسياق ما تقدم. 

  • قوله تعالى: {خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ} ذكر خلق الإنسان و سيذكر خصوصية خلقه بقوله: {خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}، و الإنسان من أعجب مخلوقات الله تعالى أو هو أعجبها يظهر ذلك بقياس وجوده إلى وجود غيره من المخلوقات و التأمل فيما 

تفسير الميزان ج۱٩

95
  • خط له من طريق الكمال في ظاهره و باطنه و دنياه و آخرته، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ} التين: ٦. 

  • و قوله: {عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ} البيان‌ الكشف عن الشي‌ء و المراد به الكلام الكاشف عما في الضمير، و هو من أعجب النعم و تعليمه للإنسان من عظيم العناية الإلهية المتعلقة به فليس الكلام مجرد إيجاد صوت ما باستخدام الرئة و قصبتها و الحلقوم و لا ما يحصل من التنوع في الصوت الخارج من الحلقوم باعتماده على مخارج الحروف المختلفة في الفم. 

  • بل يجعل الإنسان بإلهام باطني من الله سبحانه الواحد من هذه الأصوات المعتمدة على مخرج من مخارج الفم المسمى حرفا أو المركب من عدة من الحروف علامة مشيرة إلى مفهوم من المفاهيم يمثل به ما يغيب عن حس السامع و إدراكه فيقدر به على إحضار أي وضع من أوضاع العالم المشهود و إن جل ما جل أو دق ما دق من موجود أو معدوم ماض أو مستقبل، ثم على إحضار أي وضع من أوضاع المعاني غير المحسوسة التي ينالها الإنسان بفكره و لا سبيل للحس إليها يحضرها جميعا لسامعه و يمثلها لحسه كأنه يشخصها له بأعيانها. 

  • و لا يتم للإنسان اجتماعه المدني و لا تقدم في حياته هذا التقدم الباهر إلا بتنبهه لوضع الكلام و فتحه بذلك باب التفهيم و التفهم، و لو لا ذلك لكان هو و الحيوان العجم سواء في جمود الحياة و ركودها. 

  • و من أقوى الدليل على أن اهتداء الإنسان إلى البيان بإلهام إلهي له أصل في التكوين اختلاف اللغات باختلاف الأمم و الطوائف في الخصائص الروحية و الأخلاق النفسانية و بحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي يعيشون فيها، قال تعالى: {وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَانِكُمْ} الروم: ٢٢. 

  • و ليس المراد بقوله: {عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ} أن الله سبحانه وضع اللغات ثم علمها الإنسان بالوحي إلى نبي من الأنبياء أو بالإلهام فإن الإنسان بوقوعه في ظرف الاجتماع مندفع بالطبع إلى اعتبار التفهيم و التفهم بالإشارات و الأصوات و هو التكلم و النطق لا يتم له الاجتماع المدني دون ذلك. 

  • على أن فعله تعالى هو التكوين و الإيجاد و الرابطة بين اللفظ و معناه اللغوي وضعية اعتبارية لا حقيقية خارجية بل الله سبحانه خلق الإنسان و فطره فطرة تؤديه إلى الاجتماع المدني ثم إلى وضع اللغة بجعل اللفظ علامة للمعنى بحيث إذا ألقي اللفظ إلى سامعه فكأنما 

تفسير الميزان ج۱٩

96
  • يلقى إليه المعنى ثم إلى وضع الخط بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام، و هو يمثل الكلام كما أن الكلام يمثل المعنى. 

  • و بالجملة البيان من أعظم النعم و الآلاء الربانية التي تحفظ لنوع الإنسان موقفه الإنساني و تهديه إلى كل خير. 

  • هذا ما هو الظاهر المتبادر من الآيتين، و لهم في معناهما أقوال: فقيل: الإنسان هو آدم (عليه السلام) و البيان الأسماء التي علمه الله إياها، و قيل: الإنسان محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و البيان القرآن أو تعليمه المؤمنين القرآن، و قيل: البيان الخير و الشر علمهما الإنسان، و قيل: سبيل الهدى و سبيل الضلال إلى غير ذلك و هي أقوال بعيدة عن الفهم. 

  • قوله تعالى: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} الحسبان‌ مصدر بمعنى الحساب، و الشمس مبتدأ و القمر معطوف عليه، و بحسبان خبره، و الجملة خبر بعد خبر لقوله: {اَلرَّحْمَنُ} و التقدير الشمس و القمر يجريان بحساب منه على ما قدر لهما من نوع الجري. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} قالوا: المراد بالنجم‌ ما ينجم من النبات و يطلع من الأرض و لا ساق له، و الشجر ما له ساق من النبات، و هو معنى حسن يؤيده الجمع و القرن بين النجم و الشجر و إن كان ربما أوهم سبق ذكر الشمس و القمر كون المراد بالنجم هو الكواكب. 

  • و سجود النجم و الشجر انقيادهما للأمر الإلهي بالنشوء و النمو على حسب ما قدر لهما كما قيل، و أدق منه أنهما يضربان في التراب بأصولهما و أعراقهما لجذب ما يحتاجان إليه من المواد العنصرية التي يغتذيان بها و هذا السقوط على الأرض إظهارا للحاجة إلى المبدأ الذي يقضي حاجتهما و هو في الحقيقة الله الذي يربيهما كذلك سجود منهما له تعالى. 

  • و الكلام في إعراب قوله: {وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} و هو معطوف على الآية السابقة كالكلام في قوله: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} و التقدير و النجم و الشجر يسجدان له. 

  • قال في الكشاف: فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن يعني قوله: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ } - إلى قوله - {يَسْجُدَانِ}؟ قلت: استغني فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه و السجود له لا لغيره. 

  • و قال في وجه إخلاء الآيات السابقة {خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }عن العاطف ما محصله أن هذه الجمل الأول واردة على سنن التعديد ليكون كل 

تفسير الميزان ج۱٩

97
  • واحدة من الجمل مستقلة في تفريع الذين أنكروا الرحمن و آلاءه كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه فيقال: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد فما تنكر من إحسانه؟. 

  • ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يحب وصله للتناسب و التقارب بالعاطف فقيل: {وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَ اَلسَّمَاءَ رَفَعَهَا} إلخ، انتهى. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ اَلْمِيزَانَ} المراد بالسماء إن كان جهة العلو فرفعها خلقها مرفوعة لا رفعها بعد خلقها و إن كان ما في جهة العلو من الأجرام فرفعها تقدير محالها بحيث تكون مرفوعة بالنسبة إلى الأرض بالفتق بعد الرتق كما قال تعالى: {أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} الأنبياء: ٣٠، و الرفع على أي حال رفع حسي. 

  • و إن كان المراد ما يشمل منازل الملائكة الكرام و مصادر الأمر الإلهي و الوحي فالرفع معنوي أو ما يشمل الحسي و المعنوي. 

  • و قوله: {وَ وَضَعَ اَلْمِيزَانَ} المراد بالميزان كل ما يوزن أي يقدر به الشي‌ء أعم من أن يكون عقيدة أو قولا أو فعلا و من مصاديقه الميزان الذي يوزن به الأثقال، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ } الحديد: ٢٥. 

  • فظاهره مطلق ما يميز به الحق من الباطل و الصدق من الكذب و العدل من الظلم و الفضيلة من الرذيلة على ما هو شأن الرسول أن يأتي به من عند ربه. 

  • و قيل: المراد بالميزان العدل أي وضع الله العدل بينكم لتسووا به بين الأشياء بإعطاء كل ذي حق حقه. 

  • و قيل: المراد الميزان الذي يوزن به الأثقال و المعنى الأول أوسع و أشمل. 

  • قوله تعالى: {أَلاَّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزَانِ وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاَ تُخْسِرُوا اَلْمِيزَانَ} الظاهر أن المراد بالميزان الميزان المعروف و هو ميزان الأثقال، فقوله: {أَلاَّ تَطْغَوْا} إلخ على تقدير أن يراد بالميزان في الآية السابقة أيضا ميزان الأثقال، و هو بيان وضع الميزان، و المعنى أن معنى وضعنا الميزان بينكم هو أن اعدلوا في وزن الأثقال و لا تطغوا فيه. 

تفسير الميزان ج۱٩

98
  • و على تقدير أن يراد به مطلق التقدير الحق أو العدل هو استخراج حكم جزئي من حكم كلي، و المعنى أن لازم ما وضعناه من التقدير الحق أو العدل بينكم هو أن تزنوا الأثقال بالقسط و لا تطغوا فيه. 

  • و على أي حال الظاهر أن «إن» في قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْا} تفسيرية، و «لا تطغوا» نهي عن الطغيان في الميزان و {أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} أمر معطوف عليه، و القسط العدل و {لاَ تُخْسِرُوا اَلْمِيزَانَ} نهي آخر مبين لقوله: {أَلاَّ تَطْغَوْا} إلخ، و مؤكد له. و الإخسار في الميزان التطفيف به بزيادة أو نقيصة بحيث يخسر البائع أو المشتري. 

  • و أما جعل {اَلْمِيزَانِ} ناصبة و {أَلاَّ تَطْغَوْا} نفيا، و التقدير: لئلا تطغوا، فيحتاج إلى تكلف توجيه في عطف الإنشاء على الإخبار في قوله: {وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ} إلخ. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} الأنام‌ الناس، و قيل: الإنس و الجن، و قيل: كل ما يدب على الأرض، و في التعبير في الأرض بالوضع قبال التعبير في السماء بالرفع لطف ظاهر. 

  • قوله تعالى: {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَ اَلنَّخْلُ ذَاتُ اَلْأَكْمَامِ} المراد بالفاكهة الثمرة غير التمر، و الأكمام‌ جمع كم بضم الكاف و كسرها وعاء التمر و هو الطلع، و أما كم القميص فهو مضموم الكاف لا غير كما قيل. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ وَ اَلرَّيْحَانُ} معطوف على قوله: {فَاكِهَةٌ} أي و فيها الحب و الريحان، و الحب‌ ما يقتات به كالحنطة و الشعير و الأرز، و العصف‌ ما هو كالغلاف للحب و هو قشره، و فسر بورق الزرع مطلقا و بورق الزرع اليابس، و الريحان‌ النبات الطيب الرائحة. 

  • قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الآلاء جمع إلى بمعنى النعمة. 

  • و الخطاب في الآية لعامة الثقلين: الجن و الإنس و يدل على ذلك توجيه الخطاب إليهما صريحا فيما سيأتي من قوله: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاَنِ} و قوله: {يَا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ} إلخ، و قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} إلخ، فلا يصغي إلى قول من قال: إن الخطاب في الآية للذكر و الأنثى من بني آدم، و لا إلى قول من قال: إنه من خطاب الواحد بخطاب الاثنين و يفيد تكرر الخطاب نحو يا شرطي اضربا عنقه أي اضرب عنقه اضرب عنقه. 

  • و توجيه الخطاب إلى عالمي الجن و الإنس هو المصحح لعد ما سنذكره من شدائد يوم 

تفسير الميزان ج۱٩

99
  • القيامة و عقوبات المجرمين من أهل النار من آلائه و نعمه تعالى، فإن سوق المسيئين و أهل الشقوة في نظام الكون إلى ما تقتضيه شقوتهم و مجازاتهم بتبعات أعمالهم من لوازم صلاح النظام العام الجاري في الكل الحاكم على الجميع فذلك نعمة بالقياس إلى الكل و إن كان نقمة بالنسبة إلى طائفة خاصة منهم و هم المجرمون و هذا نظير ما نجده في السنن و القوانين الجارية في المجتمعات فإن التشديد على أهل البغي و الفساد مما يتوقف عليه حياة المجتمع و بقاؤه و ليس يتنعم به أهل الصلاح خاصة كما أن إثابة أهل الصلاح بالثناء الجميل و الأجر الحسن كذلك. 

  • فما في النار من عذاب و عقاب لأهلها و ما في الجنة من كرامة و ثواب آلاء و نعم على معشر الجن و الإنس كما أن الشمس و القمر و السماء المرفوعة و الأرض الموضوعة و النجم و الشجر و غيرها آلاء و نعم على أهل الدنيا. 

  • و يظهر من الآية أن للجن تنعما في الجملة بهذه النعم المعدودة في خلال الآيات كما للإنس و إلا لم يصح إشراكهم مع الإنس في التوبيخ. 

  • قوله تعالى: {خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} الصلصال‌ الطين اليابس الذي يتردد منه الصوت إذا وطأ، و الفخار الخزف. 

  • و المراد بالإنسان نوعه و المراد بخلقه من صلصال كالفخار انتهاء خلقه إليه، و قيل: المراد بالإنسان آدم (عليه السلام). 

  • قوله تعالى: {وَ خَلَقَ اَلْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} المارج‌ هو اللهب الخالص من النار، و قيل: اللهب المختلط بسواد، و الكلام في الجان كالكلام في الإنسان فالمراد به نوع الجن، و عدهم مخلوقين من النار باعتبار انتهاء خلقتهم إليها، و قيل: المراد بالجان أبو الجن. 

  • قوله تعالى: {رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ} المراد بالمشرقين مشرق الصيف و مشرق الشتاء، و بذلك تحصل الفصول الأربعة و تنتظم الأرزاق، و قيل: المراد بالمشرقين مشرق الشمس و القمر و بالمغربين مغرباهما. 

  • قوله تعالى: {مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ} المرج‌ الخلط و المرج الإرسال، يقال: مرجه أي خلطه و مرجه أي أرسله و المعنى الأول أظهر، و الظاهر أن المراد بالبحرين العذب الفرات و الملح الأجاج، قال تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً 

تفسير الميزان ج۱٩

100
  • تَلْبَسُونَهَا} فاطر: ١٢. 

  • و أمثل ما قيل في الآيتين أن المراد بالبحرين جنس البحر المالح الذي يغمر قريبا من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من البحار المحيطة، و غير المحيطة و البحر العذب المدخر في مخازن الأرض التي تنفجر الأرض عنها فتجري العيون و الأنهار الكبيرة فتصب في البحر المالح، و لا يزالان يلتقيان، و بينهما حاجز و هو نفس المخازن الأرضية و المجاري يحجز البحر المالح أن يبغي على البحر العذب فيغشيه و يبدله بحرا مالحا و تبطل بذلك الحياة، و يحجز البحر العذب أن يزيد في الانصباب على البحر المالح فيبدله ماء عذبا فتبطل بذلك مصلحة ملوحته من تطهير الهواء و غيره. 

  • و لا يزال البحر المالح يمد البحر العذب بالأمطار التي تأخذها منه السحب فتمطر على الأرض و تدخرها المخازن الأرضية و البحر العذب يمد البحر المالح بالانصباب عليه. 

  • فمعنى الآيتين - و الله أعلم - خلط البحرين العذب الفرات و الملح الأجاج حال كونهما مستمرين في تلاقيهما بينهما حاجز لا يطغيان بأن يغمر أحدهما الآخر فيذهب بصفته من العذوبة و الملوحة فيختل نظام الحياة و البقاء. 

  • قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجَانُ} أي من البحرين العذب و المالح جميعا و ذلك من فوائدهما التي ينتفع بها الإنسان، و قد تقدم فيه الكلام في تفسير قوله تعالى: {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ} (الآية) فاطر: ١٢. 

  • قوله تعالى: {وَ لَهُ اَلْجَوَارِ اَلْمُنْشَآتُ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاَمِ} الجواري‌ جمع جارية و هي السفينة، و المنشئات‌ اسم مفعول من الإنشاء و هو إحداث الشي‌ء و تربيته، و الأعلام‌ جمع علم بفتحتين و هو الجبل. 

  • و عد الجواري مملوكة له تعالى مع كونها من صنع الإنسان لأن الأسباب العاملة في إنشائها من خشب و حديد و سائر أجزائها التي تتركب منها و الإنسان الذي يركبها و شعوره و فكره و إرادته كل ذلك مخلوق له و مملوك فما ينتجه عملها من ملكه. 

  • فهو تعالى المنعم بها للإنسان ألهمه طريق صنعها و المنافع المترتبة عليها و سبيل الانتفاع بمنافعها الجمة. 

  • قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} ضمير {عَلَيْهَا} للأرض أي كل ذي شعور و عقل على الأرض سيفنى و فيه تسجيل الزوال و الدثور على الثقلين.

تفسير الميزان ج۱٩

101
  • و إنما أتى باللفظ الدال على أولي العقل كل من عليها و لم يقل: كل ما عليها كذلك لأن الكلام مسرود في السورة لتعداد نعمه و آلائه تعالى للثقلين في نشأتيهم الدنيا و الآخرة. 

  • و ظهور قوله: {فَانٍ} في الاستقبال كما يستفاد أيضا من السياق يعطي أن قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} يشير إلى انقطاع أمد النشأة الدنيا و ارتفاع حكمها بفناء من عليها و هم الثقلان و طلوع النشأة الأخرى عليهم، و كلاهما أعني فناء من عليها و طلوع نشأة الجزاء عليهم من النعم و الآلاء لأن الحياة الدنيا حياة مقدمية لغرض الآخرة و الانتقال من المقدمة إلى الغرض و الغاية نعمة. 

  • و بذلك يندفع قول من قال: أي نعمة في الفناء حتى يجعل من النعم و يعد من الآلاء. 

  • و محصل الجواب أن حقيقة هذا الفناء الرجوع إلى الله بالانتقال من الدنيا كما تفسره آيات كثيرة في كلامه تعالى و ليس هو الفناء المطلق. 

  • و قوله: {وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ} وجه‌ الشي‌ء ما يستقبل به غيره و يقصده به غيره، و هو فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه و بين خلقه فتنزل بها عليهم البركات من خلق و تدبير كالعلم و القدرة و السمع و البصر و الرحمة و المغفرة و الرزق و قد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام مبسوط في كون أسمائه و صفاته تعالى وسائط بينه و بين خلقه. 

  • و قوله: {ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} في الجلال‌ شي‌ء من معنى الاعتلاء و الترفع المعنوي على الغير فيناسب من الصفات ما فيه شائبة الدفع و المنع كالعلو و التعالي و العظمة و الكبرياء و التكبر و الإحاطة و العزة و الغلبة. 

  • و يبقى للإكرام من المعنى ما فيه نعت البهاء و الحسن الذي يجذب الغير و يولهه كالعلم و القدرة و الحياة و الرحمة و الجود و الجمال و الحسن و نحوها و تسمى صفات الجمال كما تسمى القسم الأول صفات الجلال و تسمى الأسماء أيضا على حسب ما فيها من صفات الجمال أو الجلال بأسماء الجمال أو الجلال. 

  • فذو الجلال و الإكرام اسم من الأسماء الحسنى جامع بمفهومه بين أسماء الجمال و أسماء الجلال جميعا. 

  • و المسمى به بالحقيقة هو الذات المقدسة كما في قوله في آخر السورة: {تَبَارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} لكن أجرى في هذه الآية {وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ } 

تفسير الميزان ج۱٩

102
  • على الوجه، و هو إما لكونه وصفا مقطوعا عن الوصفية للمدح، و التقدير هو ذو الجلال و الإكرام، و إما لأن المراد بالوجه كما تقدم هو صفته الكريمة و اسمه المقدس و إجراء الاسم على الاسم مآله إلى إجراء الاسم على الذات. 

  • و معنى الآية على تقدير أن يراد بالوجه ما يستقبل به الشي‌ء غيره و هو الاسم و من المعلوم أن بقاء الاسم‌۱ فرع بقاء المسمى: و يبقى ربك عز اسمه بما له من الجلال و الإكرام من غير أن يؤثر فناؤهم فيه أثرا أو يغير منه شيئا. 

  • و على تقدير أن يراد بالوجه ما يقصده به غيره و مصداقه كل ما ينتسب إليه تعالى فيكون مقصودا بنحو للمتوجه إليه كأنبيائه و أوليائه و دينه و ثوابه و قربه و سائر ما هو من هذا القبيل فالمعنى: و يبقى بعد فناء أهل الدنيا ما هو عنده تعالى و هو من صقعه و ناحيته كأنواع الجزاء و الثواب و القرب منه، قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ } النحل: ٩٦. 

  • و قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {كُلُّ شَيْ‌ءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} القصص: ٨٨ من الكلام بعض ما لا يخلو من نفع في المقام. 

  • قوله تعالى: {يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سؤالهم سؤال حاجة فهم في حاجة من جميع جهاتهم إليه تعالى متعلقو الوجودات به متمسكون بذيل غناه و جوده، قال تعالى: {أَنْتُمُ اَلْفُقَرَاءُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ} فاطر: ١٥، و قال في هذا المعنى من السؤال: {وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} إبراهيم: ٣٤. 

  • و قوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تنكير {شَأْنٍ} للدلالة على التفرق و الاختلاف فالمعنى: كل يوم هو تعالى في شأن غير ما في سابقه و لاحقه من الشأن فلا يتكرر فعل من أفعاله مرتين و لا يماثل شأن من شئونه شأنا آخر من جميع الجهات و إنما يفعل على غير مثال سابق و هو الإبداع، قال تعالى: {بَدِيعُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} البقرة: ١١٧. 

  • و معنى ظرفية اليوم إحاطته تعالى في مقام الفعل على الأشياء فهو سبحانه في كل زمان و ليس في زمان و في كل مكان و ليس في مكان و مع كل شي‌ء و لا يداني شيئا. 

    1. المراد بالاسم ما يحكي عنه الاسم اللفظي دون اللفظ الحاكي. 

تفسير الميزان ج۱٩

103
  • (بحث روائي) 

  • في الكافي، روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): الجن كانوا أحسن جوابا منكم لما قرأت عليهم {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: لا و لا بشي‌ء من آلاء ربنا نكذب. 

  • أقول: و روي هذا المعنى في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع و صححه عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في العيون، بإسناده عن الرضا (عليه السلام): فيما سأل الشامي عليا (عليه السلام) و فيه: سأله عن اسم أبي الجن فقال: شؤمان و هو الذي خلق من مارج من نار. 

  • و في الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث: و أما قوله: {رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ} فإن مشرق الشتاء على حدة و مشرق الصيف على حدة. أ ما تعرف ذلك من قرب الشمس و بعدها؟ 

  • أقول: و روى هذا المعنى القمي في تفسيره، مرسلا مضمرا. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} قال: علي و فاطمة {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ} قال: النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجَانُ} قال: الحسن و الحسين. 

  • أقول: و رواه أيضا عن ابن مردويه عن أنس بن مالك مثله، و رواه في مجمع البيان، عن سلمان الفارسي و سعيد بن جبير و سفيان الثوري. و هو من البطن. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} قال من على وجه الأرض {وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ} قال: دين ربك، 

  • و قال علي بن الحسين (عليه السلام): نحن الوجه الذي يؤتى الله منه.

  • و في مناقب ابن شهرآشوب: قوله: {وَ يَبْقى‌ وَجْهُ رَبِّكَ} قال الصادق (عليه السلام): نحن وجه الله. 

  • أقول: و في معنى هاتين الروايتين غيرهما، و قد تقدم ما يوجه به تفسير الوجه بالدين و بالإمام. 

تفسير الميزان ج۱٩

104
  • و في الكافي، في خطبة لعلي (عليه السلام): الحمد لله الذي لا يموت و لا ينقضي عجائبه لأنه كل يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن.

  • و في تفسير القمي في الآية قال: يحيي و يميت و يزيد و ينقص. 

  • و في المجمع، عن أبي الدرداء عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في قوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، و يفرج كربا، و يرفع قوما، و يضع آخرين. 

  • أقول: و رواه عنه في الدر المنثور، و روي ما في معناه عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و لفظه: يغفر ذنبا و يفرج كربا. 

  •  

  • [سورة الرحمن (٥٥): الآیات ٣١ الی ٧٨]

  • {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاَنِ ٣١ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢ يَا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ٣٣ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَ نُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ ٣٥ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦ فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ٣٧ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ ٣٩ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ ٤١ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢ هَذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ ٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ٤٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥ وَ لِمَنْ خَافَ 

تفسير الميزان ج۱٩

105
  • مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ٤٨ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ٥٠فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ٥٢ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣ مُتَّكِئِينَ عَلى‌ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ٥٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ ٥٦ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧ كَأَنَّهُنَّ اَلْيَاقُوتُ وَ اَلْمَرْجَانُ ٥٨ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩ هَلْ جَزَاءُ اَلْإِحْسَانِ إِلاَّ اَلْإِحْسَانُ ٦٠فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١ وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣ مُدْهَامَّتَانِ ٦٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ ٦٨ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ٧٠فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي اَلْخِيَامِ ٧٢ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ ٧٤ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥ مُتَّكِئِينَ عَلى‌ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ٧٦ 

تفسير الميزان ج۱٩

106
  • فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧ تَبَارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ ٧٨} 

  • (بيان) 

  • هذا هو الفصل الثاني من آيات السورة يصف نشأة الثقلين الثانية و هي نشأة الرجوع إلى الله و جزاء الأعمال و يعد آلاء الله تعالى عليهم كما كانت الآيات السابقة فصلا أولا يصف النشأة الأولى و يعد آلاء الله فيها عليهم. 

  • قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاَنِ} يقال: فرغ‌ فلان لأمر كذا إذا كان مشتغلا قبلا بأمور ثم تركها و قصر الاشتغال بذاك الأمر اهتماما به. 

  • فمعنى {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} سنطوي بساط النشأة الأولى و نشتغل بكم، و تبين الآيات التالية أن المراد بالاشتغال بهم بعثهم و حسابهم و مجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا فالفراغ لهم استعارة بالكناية عن تبدل النشأة. 

  • و لا ينافي الفراغ لهم كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن فإن الفراغ المذكور ناظر إلى تبدل النشأة و كونه لا يشغله شأن عن شأن ناظر إلى إطلاق القدرة و سعتها كما لا ينافي كونه تعالى كل يوم هو في شأن الناظر إلى اختلاف الشئون كونه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. 

  • و الثقلان‌ الجن و الإنس، و إرجاع ضمير الجمع في {لَكُمْ} و {إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ} و غيرهما إليهما لكونهما جمعا ذا أفراد. 

  • قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا} إلخ، الخطاب - على ما يفيده السياق - من خطابات يوم القيامة و هو خطاب تعجيزي. 

  • و المراد بالاستطاعة القدرة، و بالنفوذ من الأقطار الفرار، و الأقطار جمع قطر و هو الناحية. 

  • و المعنى: يا معشر الجن و الإنس و قدم الجن لأنهم على الحركات السريعة أقدر إن قدرتم أن تفروا بالنفوذ من نواحي السماوات و الأرض و الخروج من ملك الله و التخلص من مؤاخذته ففروا و انفذوا. 

تفسير الميزان ج۱٩

107
  • و قوله: {لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} أي لا تقدرون على النفوذ إلا بنوع من السلطة على ذلك و ليس لكم و السلطان‌ القدرة الوجودية، و السلطان البرهان أو مطلق الحجة، و السلطان الملك. 

  • و قيل: المراد بالنفوذ المنفي في الآية النفوذ العلمي في السماوات و الأرض من أقطارهما، و قد عرفت أن السياق لا يلائمه. 

  • قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَ نُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ} الشواظ - على ما ذكره الراغب - اللهب الذي لا دخان فيه، و يقرب منه ما في المجمع، أنه اللهب الأخضر المنقطع من النار، و النحاس‌ الدخان و قال الراغب: هو اللهب بلا دخان و المعنى ظاهر. 

  • و قوله: {فَلاَ تَنْتَصِرَانِ} أي لا تتناصران بأن ينصر بعضكم بعضا لرفع البلاء و التخلص عن العناء لسقوط تأثير الأسباب و لا عاصم اليوم من الله. 

  • قوله تعالى: {فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} أي كانت حمراء كالدهان‌ و هو الأديم الأحمر. 

  • قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ} الآية و ما يتلوها من الآيات إلى آخر السورة تصف الحساب و الجزاء تصف حال المجرمين و الخائفين مقام ربهم و ما ينتهي إليه. 

  • ثم الآية تصف سرعة الحساب و قد قال تعالى: {وَ اَللَّهُ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ} النور: ٣٩. 

  • و المراد بيومئذ يوم القيامة، و السؤال المنفي هو النحو المألوف من السؤال، و لا ينافي نفي السؤال في هذه الآية إثباته في قوله: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ} الصافات: ٢٤ و قوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: ٩٢، لأن اليوم ذو مواقف مختلفة يسأل في بعضها، و يختم على الأفواه في بعضها و تكلم الأعضاء، و يعرف بالسيماء في بعضها. 

  • قوله تعالى: {يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ} في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فإذا لم يسألوا عن ذنبهم فما يصنع بهم؟ فأجيب بأنه يعرف المجرمون بسيماهم إلخ، و لذا فصلت الجملة و لم يعطف، و المراد بسيماهم علامتهم البارزة في وجوههم. 

  • و قوله: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ} الكلام متفرع على المعرفة المذكورة، و النواصي‌ 

تفسير الميزان ج۱٩

108
  • جمع ناصية و هي شعر مقدم الرأس، و الأقدام جمع قدم، و قوله: {بِالنَّوَاصِي} نائب فاعل يؤخذ. 

  • و المعنى: لا يسأل أحد عن ذنبه يعرف المجرمون بعلامتهم الظاهرة في وجوههم فيؤخذ بالنواصي و الأقدام من المجرمين فيلقون في النار. 

  • قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ } - إلى قوله - { آنٍ} مقول قول مقدر أي يقال يومئذ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، و قال الطبرسي: و يمكن أنه لما أخبر الله سبحانه أنهم يؤخذون بالنواصي و الأقدام قال للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم): هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون من قومك فسيردونها فليهن عليك أمرهم. انتهى. 

  • و الحميم‌ الماء الحار، و الآني‌ الذي انتهت حرارته و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} شروع في وصف حال السعداء من الخائفين مقام ربهم، و المقام‌ مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى فاعله، و المراد قيامه تعالى عليه بعمله و هو إحاطته تعالى و علمه بما عمله و حفظه له و جزاؤه عليه قال تعالى: {أَ فَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلى‌ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} الرعد: ٣٣. 

  • و يمكن أن يكون المقام اسم مكان و الإضافة لامية و المراد به مقامه و موقفه تعالى من عبده و هو أنه تعالى ربه الذي يدبر أمره و من تدبير أمره أنه دعاه بلسان رسله إلى الإيمان و العمل الصالح و قضى أن يجازيه على ما عمل خيرا أو شرا هذا و هو محيط به و هو معه سميع بما يقول بصير بما يعمل لطيف خبير. 

  • و الخوف من الله تعالى ربما كان خوفا من عقابه تعالى على الكفر به و معصيته، و لازمه أن يكون عبادة من يعبده خوفا بهذا المعنى يراد بها التخلص من العقاب لا لوجه الله محضا و هو عبادة العبيد يعبدون مواليهم خوفا من السياسة كما أن عبادة من يعبده طمعا في الثواب غايتها الفوز بما تشتهيه النفس دون وجهه الكريم و هي عبادة التجار كما في الروايات و قد تقدم شطر منها. 

  • و الخوف المذكور في الآية {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } ظاهره غير هذا الخوف فإن هذا خوف من العقاب و هو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما عمل أو الخوف من مقامه تعالى من عبده فهو تأثر خاص ممن ليس له إلا الصغار و الحقارة تجاه ساحة العظمة و الكبرياء، و ظهور أثر المذلة و الهوان و الاندكاك قبال العزة و الجبروت المطلقين. 

تفسير الميزان ج۱٩

109
  • و عبادته تعالى خوفا منه بهذا المعنى من الخوف خضوع له تعالى لأنه الله ذو الجلال و الإكرام لا لخوف من عقابه و لا طمعا في ثوابه بل فيه إخلاص العمل لوجهه الكريم، و هذا المعنى من الخوف هو الذي وصف الله به المكرمين من ملائكته و هم معصومون آمنون من عقاب المخالفة و تبعة المعصية قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} النحل: ٥٠. 

  • فتبين مما تقدم أن الذين أشار إليهم بقوله: {وَ لِمَنْ خَافَ} أهل الإخلاص الخاضعون لجلاله تعالى العابدون له لأنه الله عز اسمه لا خوفا من عقابه و لا طمعا في ثوابه، و لا يبعد أن يكونوا هم الذين سموا سابقين في قوله: {وَ كُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } - إلى أن قال - {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ} الواقعة: ١١. 

  • و قوله: {جَنَّتَانِ} قيل: إحداهما منزله و محل زيارة أحبابه له و الأخرى منزل أزواجه و خدمه، و قيل: بستانان بستان داخل قصره و بستان خارجه، و قيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر ليكمل به التذاذه، و قيل: جنة لعقيدته و جنة لعمله، و قيل: جنة لفعل الطاعات و جنة لترك المعاصي، و قيل: جنة جسمانية و جنة روحانية و هذه الأقوال - كما ترى - لا دليل على شي‌ء منها. 

  • و قيل: جنة يثاب بها و جنة يتفضل بها عليه، و يمكن أن يستشعر ذلك من قوله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق: ٣٥، على ما مر في تفسيره. 

  • قوله تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} ذواتا تثنية ذات، و {أَفْنَانٍ} إما جمع فن بمعنى النوع و المعنى: ذواتا أنواع من الثمار و نحوها، و إما جمع فنن بمعنى الغصن الرطب اللين و المعنى: ذواتا أغصان لينة أشجارهما. 

  • قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} و قد أبهمت العينان و فيه دلالة على فخامة أمرهما. 

  • قوله تعالى: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} أي صنفان قيل: صنف معروف لهم شاهدوه في الدنيا و صنف غير معروف لم يروه في الدنيا، و قيل: غير ذلك، و لا دلالة في الكلام على شي‌ء من ذلك. 

  • قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى‌ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} إلخ، الفرش‌ جمع فراش، و البطائن‌ جمع بطانة و هي داخل الشي‌ء و جوفه مقابل الظهائر جمع ظهارة، و الإستبرق‌ الحرير الغليظ قال في المجمع: ذكر البطانة و لم يذكر الظهارة لأن البطانة تدل على أن لها ظهارة و البطانة دون الظهارة فدل على أن الظهارة فوق الإستبرق، انتهى. 

تفسير الميزان ج۱٩

110
  • و قوله: {وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} الجنى‌ الثمر المجتنى و {دَانٍ} اسم فاعل من الدنو بمعنى القرب أي ما يجتنى من ثمار الجنتين قريب. 

  • قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ} إلى آخر الآية ضمير {فِيهِنَّ} للفرش و جوز أن يرجع إلى الجنان فإنها جنان لكل واحد من أولياء الله منها جنتان، و الطرف‌ جفن العين، و المراد بقصور الطرف اكتفاؤهن بأزواجهن فلا يردن غيرهم. 

  • و قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ} الطمث‌ الافتضاض و النكاح بالتدمية، و المعنى: لم يمسسهن بالنكاح إنس و لا جان قبل أزواجهن. 

  • قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ اَلْيَاقُوتُ وَ اَلْمَرْجَانُ} أي في صفاء اللون و البهاء و التلالؤ. 

  • قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ اَلْإِحْسَانِ إِلاَّ اَلْإِحْسَانُ} استفهام إنكاري في مقام التعليل لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنتين و ما فيهما من أنواع النعم و الآلاء فيفيد أنه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من مقام ربهم. 

  • و تفيد الآية أن ما أوتوه من الجنة و نعيمها جزاء لأعمالهم و أما ما يستفاد من بعض الآيات أنهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم فلا تعرض في هذه الآيات لذلك إلا أن يقال: الإحسان إنما يتم إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن إليه فإطلاق الإحسان في قوله: {إِلاَّ اَلْإِحْسَانُ} يفيد الزيادة. 

  • قوله تعالى: {وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ضمير التثنية للجنتين الموصوفتين في الآيات السابقة و معنى. {مِنْ دُونِهِمَا} أي أنزل درجة و أحط فضلا و شرفا منهما و إن كانتا شبيهتين بالجنتين السابقتين في نعمهما و آلائهما، و قد تقدم أن الجنتين السابقتين لأهل الإخلاص الخائفين مقام ربهم فهاتان الجنتان لمن دونهم من المؤمنين العابدين لله سبحانه خوفا من النار أو طمعا في الجنة و هم أصحاب اليمين. 

  • و قيل: معنى {مِنْ دُونِهِمَا} بالقرب منهما، و يستفاد من السياق حينئذ أن هاتين الجنتين أيضا لأهل الجنتين المذكورتين قبلا بل ادعى بعضهم أن هاتين الجنتين أفضل من السابقتين و الصفات المذكورة فيهما أمدح. 

  • و أنت بالتدبر فيما قدمناه في معنى لمن خاف مقام ربه و ما يستفاد من كلامه تعالى أن أهل الجنة صنفان: المقربون أهل الإخلاص و أصحاب اليمين تعرف قوة الوجه السابق. 

تفسير الميزان ج۱٩

111
  •  قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَانِ} الادهيمام‌ من الدهمة اشتداد الخضرة بحيث تضرب إلى السواد و هو ابتهاج الشجرة. 

  • قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي فوارتان تخرجان من منبعهما بالدفع. 

  • قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ} المراد بالفاكهة و الرمان شجرتهما بقرينة النخل. 

  • قوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} ضمير {فِيهِنَّ} للجنان باعتبار أنها جنتان من هاتين الجنتين، و قيل: مرجع الضمير الجنات الأربع المذكورة في الآيات، و قيل: الضمير للفاكهة و النخل و الرمان. 

  • و أكثر ما يستعمل الخير في المعاني كما أن أكثر استعمال الحسن في الصور، و على هذا فمعنى خيرات حسان أنهن حسان في أخلاقهن حسان في وجوههن. 

  • قوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي اَلْخِيَامِ} الخيام‌ جمع خيمة و هي الفسطاط، و كونهن مقصورات في الخيام أنهن مصونات غير مبتذلات لا نصيب لغير أزواجهن فيهن. 

  • قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ} تقدم معناه. 

  • قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى‌ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} في الصحاح: الرفرف‌ ثياب خضر تتخذ منها المجالس. انتهى. و قيل: هي الوسائد، و قيل: غير ذلك، و الخضر جمع أخضر صفة لرفرف، و العبقري‌ قيل: الزرابي، و قيل: الطنافس، و قيل: الثياب الموشاة، و قيل: الديباج. 

  • قوله تعالى: {تَبَارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} ثناء جميل له تعالى بما امتلأت النشأتان الدنيا و الآخرة بنعمه و آلائه و بركاته النازلة من عنده برحمته الواسعة، و بذلك يظهر أن المراد باسمه المتبارك هو الرحمن المفتتحة به السورة، و التبارك‌ كثرة الخيرات و البركات الصادرة. 

  • فقوله: {تَبَارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ} تبارك الله المسمى بالرحمن بما أفاض هذه الآلاء. 

  • و قوله: {ذِي اَلْجَلاَلِ وَ اَلْإِكْرَامِ} إشارة إلى تسميه بأسمائه الحسنى و اتصافه بما يدل عليه من المعاني الوصفية و نعوت الجلال و الجمال، و لصفات الفاعل ظهور في أفعاله و أثر فيها يرتبط به الفعل بفاعله فهو تعالى خلق الخلق و نظم النظام لأنه بديع خالق مبدئ فأتقن الفعل لأنه عليم حكيم و جازى أهل الطاعة بالخير لأنه ودود شكور غفور رحيم 

تفسير الميزان ج۱٩

112
  • و أهل الفسق بالشر لأنه منتقم شديد العقاب. 

  • فتوصيف الرب الذي أثنى على سعة رحمته بذي الجلال و الإكرام للإشارة إلى أن لأسمائه الحسنى و صفاته العليا دخلا في نزول البركات و الخيرات من عنده، و أن نعمه و آلاءه عليها طابع أسمائه الحسنى و صفاته العليا تبارك و تعالى. 

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع: و قد جاء في الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة و بلسان من نار ثم ينادون: {يَا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ }إلى قوله - {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ}.

  • أقول: و روي هذا المعنى عن مسعدة بن صدقة عن كليب عن أبي عبد الله (عليه السلام). 

  • و في الكافي، بإسناده عن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل: {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قال: من علم أن الله يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و ابن منيع و الحكيم في نوادر الأصول و النسائي و البزار و أبو يعلى و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه عن أبي الدرداء: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قرأ هذه الآية {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلت: أ و إن زنى و إن سرق يا رسول الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) الثانية {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فقلت: و إن زنى و إن سرق؟ فقال: نعم و إن رغم أنف أبي الدرداء. 

  • أقول: الرواية لا تخلو من شي‌ء فإن الخوف من مقامه تعالى لا يجامع هذه الكبائر الموبقة، و قد روي عن أبي الدرداء نفسه ما يدفع هذه الرواية ففي الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء: في قوله: {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قال: قيل: يا أبا الدرداء و إن زنى و إن سرق؟ قال: من خاف مقام ربه لم يزن و لم يسرق. 

  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ} قال: الحور العين يقصر الطرف عنها من ضوء نورها. 

تفسير الميزان ج۱٩

113
  • و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): في قوله: {قَاصِرَاتُ اَلطَّرْفِ} قال: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ اَلْيَاقُوتُ وَ اَلْمَرْجَانُ} في الحديث أن المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حرير. 

  • أقول: و هذا المعنى وارد في عدة روايات. 

  • و في تفسير العياشي، بإسناده عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: آية في كتاب الله مسجلة. قلت: و ما هي؟ قال: قول الله عز و جل: {هَلْ جَزَاءُ اَلْإِحْسَانِ إِلاَّ اَلْإِحْسَانُ} جرى في الكافر و المؤمن و البر و الفاجر، و من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، و ليس المكافأة أن يصنع كما صنع حتى يربى فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء.

  • و في المجمع في قوله: {هَلْ جَزَاءُ اَلْإِحْسَانِ إِلاَّ اَلْإِحْسَانُ} جاءت الرواية من أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) هذه الآية فقال: هل تدرون ما يقول ربكم؟ قالوا: الله و رسوله أعلم. قال: فإن ربكم يقول: هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة؟ و في تفسير القمي، ":في الآية قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالمعرفة إلا الجنة. 

  • أقول: الرواية مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أئمة أهل البيت (عليهم السلام)‌ و قد أسندها في التوحيد إلى جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) - و لفظها -: أن الله عز و جل قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. و أسندها في العلل، إلى الحسن بن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) - و اللفظ -: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة؟

  • و روى الرواية بألفاظها المختلفة في الدر المنثور، بطرق مختلفة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و قوله: أنعمت عليه، إشارة إلى أن إحسان العبد بالحقيقة إحسان من الله إليه. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه السلام): قلت له: إن الناس يتعجبون منا إذا قلنا: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة فيقولون لنا فيكونون مع أولياء الله في الجنة؟ فقال يا علي إن الله يقول: {وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ما يكونون مع أولياء الله. 

تفسير الميزان ج۱٩

114
  • و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي موسى عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): في قوله: {وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} و قوله: {وَ مِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} قال: جنتان من ذهب للمقربين و جنتان من ورق لأصحاب اليمين. 

  • أقول: و الروايتان تؤيدان ما قدمناه في تفسير الآيتين. 

  • و فيه، أخرج الطبراني و ابن مردويه عن أبي أيوب قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن قوله: {مُدْهَامَّتَانِ} قال: خضراوان. 

  • و في تفسير القمي، بإسناده إلى يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: {نَضَّاخَتَانِ} قال: تفوران. 

  • و فيه في قوله: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} قال: جوار نابتات على شط الكوثر كلما أخذت منها نبتت مكانها أخرى. 

  • و في المجمع في قوله: {خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} أي نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. روته أم سلمة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في الفقيه، قال الصادق (عليه السلام): الخيرات الحسان من نساء أهل الدنيا و هن أجمل من الحور العين. 

  • و في روضة الكافي، بإسناده عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} قال: هن صوالح المؤمنات العارفات. 

  • أقول: و في انطباق الآية بالنظر إلى سياقها على مورد الروايتين إبهام.

  •  

  • (٥٦) (سورة الواقعة مكية و هي ست و تسعون آية) (٩٦) 

  • [سورة الواقعة (٥٦): الآیات ١ الی ١٠]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ ١ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ٣ إِذَا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا ٤ وَ بُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًّا ٥ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ٦ 

تفسير الميزان ج۱٩

115
  • وَ كُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ٧ فَأَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ ٨ وَ أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ ٩ وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ ١٠} 

  • (بيان) 

  • تصف السورة القيامة الكبرى التي فيها بعث الناس و حسابهم و جزاؤهم فتذكر أولا شيئا من أهوالها مما يقرب من الإنسان و الأرض التي يسكنها فتذكر تقليبها للأوضاع و الأحوال بالخفض و الرفع و ارتجاج الأرض و انبثاث الجبال و تقسم الناس إلى ثلاثة أزواج إجمالا ثم تذكر ما ينتهي إليه حال كل من الأزواج السابقين و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال. 

  • ثم تحتج على أصحاب الشمال المنكرين لربوبيته و للبعث المكذبين بالقرآن الداعي إلى التوحيد و الإيمان بالبعث. ثم تختم الكلام بذكر الاحتضار بنزول الموت و انقسام الناس إلى ثلاثة أزواج. 

  • و السورة مكية بشهادة سياق آياتها. 

  • قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ} وقوع‌ الحادثة هو حدوثها، و الواقعة صفة توصف بها كل حادثة، و المراد بها هاهنا واقعة القيامة و قد أطلقت إطلاق الأعلام كأنها لا تحتاج إلى موصوف مقدر و لذا قيل: إنها من أسماء القيامة في القرآن كالحاقة و القارعة و الغاشية. 

  • و الجملة {إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ} مضمنة معنى الشرط و لم يذكر جزاء الشرط إعظاما له و تفخيما لأمره و هو على أي حال أمر مفهوم مما ستصفه السورة من حال الناس يوم القيامة، و التقدير نحو من قولنا: فاز المؤمنون و خسر الكافرون. 

  • قوله تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} قال في المجمع: الكاذبة مصدر كالعافية و العاقبة انتهى. و عليه فالمعنى: ليس في وقعتها و تحققها كذب، و قيل: كاذبة صفة محذوفة الموصوف و التقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة. 

  • قوله تعالى: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} خبران مبتدؤهما الضمير الراجع إلى الواقعة، و الخفض‌ خلاف الرفع و كونها خافضة رافعة كناية عن تقليبها نظام الدنيا المشهود فتظهر السرائر 

تفسير الميزان ج۱٩

116
  • و هي محجوبة اليوم و تحجب و تستر آثار الأسباب و روابطها و هي ظاهرة اليوم و تذل الأعزة من أهل الكفر و الفسق و تعز المتقين. 

  • قوله تعالى: {إِذَا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا} الرج‌ تحريك الشي‌ء تحريكا شديدا إشارة إلى زلزلة الساعة التي يعظمها الله سبحانه في قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسَّاعَةِ شَيْ‌ءٌ عَظِيمٌ} الحج: ١، و قد عظمها في هذه الآية حيث عبر عنها برج الأرض ثم أكد شدتها بتنكير قوله: {رَجًّا} أي رجا لا يوصف شدته. و الجملة بدل أو بيان لقوله: {إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ}

  • قوله تعالى: {وَ بُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} عطف على {رُجَّتِ} و البس‌ الفت و هو عود الجسم بدق و نحوه أجزاء صغارا متلاشية كالدقيق، و قيل: البس هو التسيير فهو في معنى قوله: {وَ سُيِّرَتِ اَلْجِبَالُ} النبأ: ٢٠. 

  • و قوله: {فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} الهباء قيل: هو الغبار و قيل: هو الذرة من الغبار الظاهر في شعاع الشمس الداخل من كوة، و الانبثاث‌ التفرق، و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {وَ كُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} الزوج بمعنى الصنف و الخطاب لعامة البشر. 

  • قوله تعالى: {فَأَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ} متفرع على ما قبلها تفرع البيان على المبين، فهذه الآية و الآيتان بعدها بيان للأزواج الثلاثة. 

  • و الميمنة من اليمن مقابل الشؤم، فأصحاب الميمنة أصحاب السعادة و اليمن مقابل أصحاب المشأمة أصحاب الشقاء و الشؤم، و ما قيل: إن المراد بالميمنة اليمين، أي ناحية اليمين لأنهم يؤتون كتابهم بيمينهم و غيرهم يؤتونه بشمالهم يرده مقابلة أصحاب الميمنة بأصحاب المشأمة، و لو كان كما قيل لقيل أصحاب الشمال و هو ظاهر. 

  • و ما في قوله: {مَا أَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ} استفهامية و مبتدأ خبره {فَأَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ}، و المجموع خبر لقوله: {فَأَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ} و في الاستفهام إعظام لأمرهم و تفخيم لشأنهم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ} المشأمة مصدر كالشؤم مقابل اليمين، و الميمنة و المشأمة السعادة و الشقاء. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ} الذي يصلح أن يفسر به السابقون الأول قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ} فاطر ٣٢، و قوله: {وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ} البقرة: ١٤٨، و قوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي اَلْخَيْرَاتِ وَ هُمْ لَهَا سَابِقُونَ} المؤمنون: ٦١. 

تفسير الميزان ج۱٩

117
  • فالمراد بالسابقين - الأول - في الآية السابقون بالخيرات من الأعمال، و إذا سبقوا بالخيرات سبقوا إلى المغفرة و الرحمة التي بإزائها كما قال تعالى: {سَابِقُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ} الحديد: ٢١، فالسابقون بالخيرات هم السابقون بالرحمة و هو قوله: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ}

  • و قيل: المراد بالسابقون الثاني هو الأول على حد قوله: 

  • أنا أبو النجم و شعري شعري***... 
  • و قوله: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ} مبتدأ و خبر، و قيل: الأول مبتدأ و الثاني تأكيد، و الخبر قوله: {أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ}

  • و لهم في تفسير السابقين أقوال أخر فقيل: هم المسارعون إلى كل ما دعا الله إليه، و قيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان و الطاعة من غير توان، و قيل: هم الأنبياء (عليه السلام) لأنهم مقدمو أهل الأديان، و قيل: هم مؤمن آل فرعون و حبيب النجار المذكور في سورة يس و علي (عليه السلام) السابق إلى الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو أفضلهم و قيل: هم السابقون إلى الهجرة، و قيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس، و قيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، و قيل: هم السابقون إلى الجهاد، و قيل غير ذلك. 

  • و القولان الأولان راجعان إلى ما تقدم من المعنى، و الثالث و الرابع ينبغي أن يحملا على التمثيل، و الباقي كما ترى إلا أن يحمل على نحو من التمثيل. 

  • (بحث روائي) 

  • في الخصال، عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، و الله ما الدنيا و الآخرة إلا ككفتي ميزان فأيهما رجح ذهب بالآخر ثم تلا قوله عز و جل: {إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ} يعني القيامة {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ} خفضت و الله بأعداء الله في النار {رَافِعَةٌ} رفعت و الله أولياء الله إلى الجنة.

  • و في تفسير القمي: {إِذَا وَقَعَتِ اَلْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} قال: القيامة هي حق، و قوله: {خَافِضَةٌ} قال: بأعداء الله {رَافِعَةٌ} لأولياء الله {إِذَا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا} 

تفسير الميزان ج۱٩

118
  • قال: يدق بعضها على بعض {وَ بُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًّا} قال: قلعت الجبال قلعا {فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} قال: الهباء الذي في الكوة من شعاع الشمس. 

  • و قوله: {وَ كُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} قال: يوم القيامة {فَأَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ اَلْمَشْئَمَةِ وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ} الذين سبقوا إلى الجنة. 

  • أقول: قوله: الذين سبقوا إلى الجنة تفسير للسابقون الثاني. 

  • و في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الهباء المنبث رهج‌۱ الذرات و الهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة.

  • و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ} قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، و حبيب النجار الذي ذكر في يس و علي بن أبي طالب، كل رجل منهم سابق أمته و علي أفضلهم سبقا. 

  • و في المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، و سابق أمة موسى و هو مؤمن آل فرعون، و سابق أمة عيسى و هو حبيب و السابق في أمة محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و هو علي بن أبي طالب (عليه السلام). 

  • أقول: و روي هذا المعنى في روضة الواعظين، عن الصادق (عليه السلام). 

  • و في أمالي الشيخ، بإسناده إلى ابن عباس قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عن قول الله عز و جل: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ} فقال: قال لي جبرئيل: ذلك علي و شيعته، هم السابقون إلى الجنة المقربون من الله بكرامته لهم.

  • و في كمال الدين، بإسناده إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: و نحن السابقون السابقون و نحن الآخرون.

  • و في العيون، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة بإسناده عن علي (عليه السلام) قال: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ} في نزلت.

  • و في المجمع في الآية: و قيل: إلى الصلوات الخمس، عن علي (عليه السلام). 

  • أقول: الوجه حمل جميع هذه الأخبار على التمثيل كما تقدم. 

    1. الرهج بفتحتين و بفتح فسكون ما أثير من الغبار. 

تفسير الميزان ج۱٩

119
  • [سورة الواقعة (٥٦): الآیات ١١ الی ٥٦]

  • {أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ ١١ فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ ١٢ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ ١٣ وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ ١٤ عَلىَ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ١٥ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ١٦ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ١٧ بِأَكْوَابٍ وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ١٨ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَ لاَ يُنْزِفُونَ ١٩ وَ فَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٢١ وَ حُورٌ عِينٌ ٢٢ كَأَمْثَالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ ٢٣ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٢٤ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ تَأْثِيماً ٢٥ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ٢٦ وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ ٢٧ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ٢٨ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ ٢٩ وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ ٣٠وَ مَاءٍ مَسْكُوبٍ ٣١ وَ فَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ٣٢ لاَ مَقْطُوعَةٍ وَ لاَ مَمْنُوعَةٍ ٣٣ وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ٣٤ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ٣٥ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ٣٦ عُرُباً أَتْرَاباً ٣٧ لِأَصْحَابِ اَلْيَمِينِ ٣٨ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ ٣٩ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ ٤٠وَ أَصْحَابُ اَلشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ اَلشِّمَالِ ٤١ فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ ٤٢ وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ٤٣ لاَ بَارِدٍ وَ لاَ كَرِيمٍ ٤٤ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ٤٥ وَ كَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ ٤٦ وَ كَانُوا 

تفسير الميزان ج۱٩

120
  • يَقُولُونَ أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٤٧ أَ وَ آبَاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ ٤٨ قُلْ إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ ٤٩ لَمَجْمُوعُونَ إِلى‌ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ٥٠ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضَّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ٥٢ فَمَالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ ٥٣ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ ٥٤ فَشَارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ ٥٥ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ ٥٦} 

  • (بيان) 

  • الآيات تفصل ما ينتهي إليه حال كل واحد من الأزواج الثلاثة يوم القيامة. 

  • قوله تعالى: {أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ} الإشارة بأولئك إلى السابقين، و {أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ} مبتدأ و خبر، و الجملة استئنافية، و قيل: خبر لقوله: {وَ اَلسَّابِقُونَ}، و قيل: مبتدأ خبره في جنات النعيم، و أول الوجوه الثلاثة أوجه بالنظر إلى سياق تقسيم الناس إلى ثلاثة أزواج أولا ثم تفصيل ما ينتهي إليه أمر كل منهم. 

  • و القرب و البعد معنيان متضائفان تتصف بهما الأجسام بحسب النسبة المكانية ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير المكان من الزمان و نحوه، يقال: الغد قريب من اليوم و الأربعة أقرب إلى الثلاثة من الخمسة، و الخضرة أقرب إلى السواد من البياض ثم توسع فيهما فاعتبرا في غير الأجسام و الجسمانيات من الحقائق. 

  • و قد اعتبر القرب وصفا له تعالى بما له من الإحاطة بكل شي‌ء، قال تعالى: {وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} البقرة: ١٨٦، و قال: {وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} الواقعة: ٨٥، و قال: {وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ} ق: ١٦. و هذا المعنى أعني كونه تعالى أقرب إلى الشي‌ء من نفسه أعجب ما يتصور من معنى القرب، و قد أشرنا إلى تصويره في تفسير الآية. 

تفسير الميزان ج۱٩

121
  • و اعتبر القرب أيضا وصفا للعباد في مرحلة العبودية و لما كان أمرا اكتسابيا يستعمل فيه لفظ التقرب فالعبد يتقرب بصالح العمل إلى الله سبحانه و هو وقوعه في معرض شمول الرحمة الإلهية بزوال أسباب الشقاء و الحرمان، و الله سبحانه يقرب العبد بمعنى إنزاله منزلة يختص بنيل ما لا يناله من دونه من إكرامه تعالى و مغفرته و رحمته، قال تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ} المطففين: ٢١، و قال: {وَ مِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا اَلْمُقَرَّبُونَ} المطففين: ٢٨. 

  • فالمقربون هم النمط الأعلى من أهل السعادة كما يشير إليه قوله: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ} و لا يتم ذلك إلا بكمال العبودية كما قال: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لاَ اَلْمَلاَئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ} النساء: ١٧٢، و لا تكمل العبودية إلا بأن يكون العبد تبعا محضا في إرادته و عمله لمولاه لا يريد و لا يعمل إلا ما يريده و هذا هو الدخول تحت ولاية الله فهؤلاء هم أولياء الله. 

  • و قوله: {فِي جَنَّاتِ اَلنَّعِيمِ} أي كل واحد منهم في جنة النعيم فالكل في جنات النعيم، و يمكن أن يراد به أن كلا منهم في جنات النعيم لكن يبعده قوله في آخر السورة: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ}

  • و قد تقدم غير مرة أن النعيم هي الولاية و أن جنة النعيم هي جنة الولاية و هو المناسب لما تقدم آنفا أن المقربين هم أهل ولاية الله. 

  • قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} الثلة على ما قيل الجماعة الكثيرة، و المراد بالأولين الأمم الماضون للأنبياء السابقين، و بالآخرين هذه الأمة على ما هو المعهود من كلامه تعالى في كل موضع ذكر فيه الأولين و الآخرين معا و منها ما سيأتي من قوله: {أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَ آبَاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى‌ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} فمعنى الآيتين: هم أي المقربون جماعة كثيرة من الأمم الماضين و قليل من هذه الأمة. 

  • و بما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالأولين و الآخرين أولوا هذه الأمة و آخروها غير سديد. 

  • قوله تعالى: {عَلى‌ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} الوضن‌ النسج و قيل: نسج الدرع و إطلاقه على نسج السرر استعارة يراد بها إحكام نسجها. 

  • و قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا} حال من الضمير العائد إلى المقربين و الضمير للسرر، و قوله: 

تفسير الميزان ج۱٩

122
  • {مُتَقَابِلِينَ} حال آخر منه أو من ضمير {مُتَّكِئِينَ} و تقابلهم كناية عن بلوغ أنسهم و حسن عشرتهم و صفاء باطنهم فلا ينظرون في قفاء صاحبهم و لا يعيبونه و لا يغتابونه. 

  • و المعنى: هم أي المقربون مستقرون على سرر منسوجة حال كونهم متكئين عليها حال كونهم متقابلين. 

  • قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} الولدان‌ جمع ولد و هو الغلام، و طوافهم عليهم كناية عن خدمتهم لهم، و المخلدون‌ من الخلود بمعنى الدوام أي باقون أبدا على هيئتهم من حداثة السن، و قيل من الخلد بفتحتين و هو القرط، و المراد أنهم مقرطون بالخلد. 

  • قوله تعالى: {بِأَكْوَابٍ وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} الأكواب‌ جمع كوب و هو الإناء الذي لا عروة له و لا خرطوم، و الأباريق‌ جمع إبريق و هو الإناء الذي له خرطوم، و قيل: عروة و خرطوم معا، و الكأس‌ معروف، قيل: أفرد الكأس لأنها لا تسمى كأسا إلا إذا كانت ممتلئة، و المراد بالمعين الخمر المعين و هو الظاهر للبصر الجاري. 

  • قوله تعالى: {لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَ لاَ يُنْزِفُونَ} أي لا يأخذهم صداع لأجل خمار يحصل من الخمر كما في خمر الدنيا و لا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها. 

  • قوله تعالى: {وَ فَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} الفاكهة و الطير معطوفان على قوله: {بِأَكْوَابٍ}، و المعنى: يطوف عليهم الولدان بفاكهة مما يختارون و بلحم طير مما يشتهون. 

  • و لا يستشكل بما ورد في الروايات أن أهل الجنة إذا اشتهوا فاكهة تدلى إليهم غصن شجرتها بما لها من ثمرة فيتناولونها، و إذا اشتهوا لحم طير وقع مقليا مشويا في أيديهم فيأكلون منها ما أرادوا ثم حيي و طار. 

  • و ذلك لأن لهم ما شاءوا و من فنون التنعم تناول ما يريدونه من أيدي خدمهم و خاصة حال اجتماعهم و احتفالهم كما أن من فنونه تناولهم أنفسهم من غير توسيط خدمهم فيه. 

  • قوله تعالى: {وَ حُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ} مبتدأ محذوف الخبر على ما يفيده السياق و التقدير و لهم حور عين أو و فيها حور عين و الحور العين نساء الجنة و قد تقدم معنى الحور العين في تفسير سورة الدخان. 

  • و قوله: {كَأَمْثَالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ} أي اللؤلؤ المصون المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي فهو منته في صفائه. 

تفسير الميزان ج۱٩

123
  •  قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قيد لجميع ما تقدم و هو مفعول له، و المعنى: فعلنا بهم ما فعلنا ليكون جزاء لهم قبال ما كانوا يستمرون عليه من العمل الصالح. 

  • قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ تَأْثِيماً} اللغو من القول ما لا فائدة فيه و لا أثر يترتب عليه، و التأثيم‌ النسبة إلى الإثم أي لا يخاطب أحدهم صاحبه بما لا فائدة فيه و لا ينسبه إلى الإثم إذ لا إثم هناك، و فسر بعضهم التأثيم بالكذب. 

  • قوله تعالى: {إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} استثناء منقطع من اللغو و التأثيم، و القيل مصدر كالقول، و {سَلاَماً} بيان لقوله: {قِيلاً} و تكراره يفيد تكرر الوقوع، و المعنى: إلا قولا هو السلام بعد السلام. 

  • قيل: و يمكن أن يكون {سَلاَماً} مصدرا بمعنى الوصف و صفة لقيلا، و المعنى: إلا قولا هو سالم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ} شروع في تفصيل ما انتهى إليه حال أصحاب الميمنة و في تبديله من أصحاب اليمين يعلم أن أصحاب اليمين و أصحاب الميمنة واحد و هم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم. و الجملة استفهامية مسوقة لتفخيم أمرهم و التعجيب من حالهم و هي خبر لقوله: {وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ}

  • قوله تعالى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} السدر شجرة النبق، و المخضود ما قطع شوكة فلا شوك له. 

  • قوله تعالى: {وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ} الطلح‌ شجر الموز، و قيل: ليس بالموز بل شجر له ظل بارد رطب، و قيل: شجرة أم غيلان لها أنوار طيبة الرائحة، و نضد الأشياء جعل بعضها على بعض، و المعنى: و في شجر موز منضود الثمر بعضه على بعض من أسفله إلى أعلاه. 

  • قوله تعالى: {وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ مَاءٍ مَسْكُوبٍ} قيل: الممدود من الظل هو الدائم الذي لا تنسخه شمس فهو باق لا يزول، و الماء المسكوب‌ هو المصبوب الجاري من غير انقطاع. 

  • قوله تعالى: {وَ فَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَ مَقْطُوعَةٍ وَ لاَ مَمْنُوعَةٍ} أي لا مقطوعة في بعض الأزمان كانقطاع الفواكه في شتاء و نحوه في الدنيا، و لا ممنوعة التناول لمانع من قبل أنفسهم كسأمة أو شبع أو من خارج كبعد المكان أو شوكة تمنع القطف أو غير ذلك. 

  • قوله تعالى: {وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} الفرش‌ جمع فراش و هو البساط، و المرفوعة العالية، و قيل: المراد بالفرش المرفوعة النساء المرتفعات قدرا في عقولهن و جمالهن و كمالهن و المرأة 

تفسير الميزان ج۱٩

124
  • تسمى فراشا، و يناسب هذا المعنى قوله بعد: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} إلخ. 

  • قوله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} أي إنا أوجدناهن و أحدثناهن و ربيناهن أحداثا و تربية خاصة، و فيه تلويح إلى أنهن لا يختلف حالهن بالشباب و الشيب و صباحة المنظر و خلافها، و قوله: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} أي خلقناهن عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. 

  • و قوله: {عُرُباً أَتْرَاباً} العرب‌ جمع عروب و هي المتحننة إلى زوجها أو الغنجة أو العاشقة لزوجها، و الأتراب‌ جمع ترب بالكسر فالسكون بمعنى المثل أي أنهن أمثال أو أمثال في السن لأزواجهن. 

  • قوله تعالى: {لِأَصْحَابِ اَلْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} يتضح معناه بما تقدم، و يستفاد من الآيات أن أصحاب اليمين في الآخرين جمع كثير كالأولين لكن السابقين المقربين في الآخرين أقل جمعا منهم في الأولين. 

  • قوله تعالى: {وَ أَصْحَابُ اَلشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ اَلشِّمَالِ} مبتدأ و خبر، و الاستفهام للتعجيب و التهويل، و قد بدل أصحاب المشأمة من أصحاب الشمال إشارة إلى أنهم الذين يؤتون كتابهم بشمالهم كما مر نظيره في أصحاب اليمين. 

  • قوله تعالى: {فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لاَ بَارِدٍ وَ لاَ كَرِيمٍ} السموم على ما في الكشاف، حر نار ينفذ في المسام، و الحميم‌ الماء الشديد الحرارة، و التنوين فيهما لتعظيم الأمر، و اليحموم‌ الدخان الأسود، و قوله: {لاَ بَارِدٍ وَ لاَ كَرِيمٍ} الظاهر أنهما صفتان للظل لا ليحموم، و ذلك أن الظل هو الذي يتوقع منه أن يتبرد بالاستظلال به و يستراح فيه دون الدخان. 

  • قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} تعليل لاستقرار أصحاب الشمال في العذاب، و الإشارة بذلك إلى ما ذكر من عذابهم يوم القيامة، و إتراف‌ النعمة الإنسان إبطارها و إطغاؤها له، و ذلك إشغالها نفسه بحيث يغفل عما وراءها فكون الإنسان مترفا تعلقه بما عنده من نعم الدنيا و ما يطلبه منها سواء كانت كثيرة أو قليلة. 

  • فلا يرد ما استشكل من أن كثيرا من أصحاب الشمال ليسوا من المترفين بمعنى المتوسعين في التنعم و ذلك أن الإنسان محفوف بنعم ربه و ليست النعمة هي المال فحسب فاشتغاله بنعم ربه عن ربه ترفه منه، و المعنى: أنا إنما نعذبهم بما ذكر لأنهم كانوا قبل ذلك في 

تفسير الميزان ج۱٩

125
  • الدنيا بطرين طاغين بالنعم. 

  • قوله تعالى: {وَ كَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ} في المجمع: الحنث‌ نقض العهد المؤكد بالحلف، و الإصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه. انتهى. و لعل المستفاد من السياق أن إصرارهم على الحنث العظيم هو استكبارهم عن عبودية ربهم التي عاهدوا الله عليها بحسب فطرتهم و أخذ منهم الميثاق عليها في عالم الذر فيطيعون غير ربهم و هو الشرك المطلق. 

  • و قيل: الحنث الذنب العظيم فتوصيفه بالعظيم مبالغة و الحنث العظيم الشرك بالله، و قيل: الحنث العظيم جنس المعاصي الكبيرة، و قيل: هو القسم على إنكار البعث المشار إليه بقوله تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} النحل: ٣٨، و لفظ الآية مطلق. 

  • قوله تعالى: {وَ كَانُوا يَقُولُونَ أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَ آبَاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ} قول منهم مبني على الاستبعاد و لذا أكدوا استبعاد بعث أنفسهم ببعث آبائهم لأن الاستبعاد في موردهم آكد، و التقدير أ و آباؤنا الأولون مبعوثون. 

  • قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى‌ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} أمر منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيب عن استبعادهم البعث بتقريره ثم إخبارهم عما يعيشون به يوم البعث من طعام و شراب و هما الزقوم و الحميم. 

  • و محصل القول إن الأولين و الآخرين من غير فرق بينهم لا كما فرقوا فجعلوا بعث أنفسهم مستبعدا و بعث آبائهم الأولين أشد استبعادا و آكد لمجموعون محشورين إلى ميقات يوم معلوم. 

  • و الميقات‌ ما وقت به الشي‌ء و هو وقته المعين، و المراد بيوم معلوم يوم القيامة المعلوم عند الله فإضافة الميقات إلى يوم معلوم بيانية. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضَّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ} من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يخبرهم عما ينتهي إليه حالهم يوم القيامة و يعيشون به من طعام و شراب. 

  • و في خطابهم بالضالين المكذبين إشارة إلى ملاك شقائهم و خسرانهم يوم البعث و هو ضلالهم عن طريق الحق و استقرار ذلك في نفوسهم باستمرارهم على تكذيبهم و إصرارهم على الحنث، و لو كانوا ضالين فحسب من غير تكذيب لكان من المرجو أن ينجوا و لا يهلكوا. 

تفسير الميزان ج۱٩

126
  • و {مِنْ} في قوله: {مِنْ شَجَرٍ} للابتداء، و في قوله: {مِنْ زَقُّومٍ} بيانية و يحتمل أن يكون {مِنْ زَقُّومٍ} بدلا من {مِنْ شَجَرٍ}، و ضمير {مِنْهَا} للشجر أو الثمر و كل منهما يؤنث و يذكر و لذا جي‌ء هاهنا بضمير التأنيث و في الآية التالية في قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} بضمير التذكير، و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ} كلمة «على» للاستعلاء و تفيد في المورد كون الشرب عقيب الأكل من غير ريث، و الهيم‌ جمع هيماء الإبل التي أصابها الهيام بضم الهاء و هو داء شبه الاستسقاء يصيب الإبل فتشرب الماء حتى تموت أو تسقم سقما شديدا، و قيل: الهيم الرمال التي لا تروى بالماء. 

  • و المعنى: فشاربون عقيب ما أكلتم من الزقوم من الماء الشديد الحرارة فشاربون كشرب الإبل الهيم أو كشرب الرمال الهيم و هذا آخر ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يقوله لهم. 

  • قوله تعالى: {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ} أي يوم الجزاء و النزل ما يقدم للضيف النازل من طعام و شراب إكراما له، و المعنى: هذا الذي ذكر من طعامهم و شرابهم هو نزل الضالين المكذبين ففي تسمية ما أعد لهم بالنزل نوع تهكم، و الآية من كلامه تعالى خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و لو كان من كلام النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خطابا لهم لقيل: هذا نزلكم. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه و ابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت إذا وقعت الواقعة ذكر فيها {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): تعال و استمع ما قد أنزل الله: {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ}

  • ألا و إن من آدم إلى ثلة و أمتي ثلة و لن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال السيوطي و أخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلا.

  • و فيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} حزن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل 

تفسير الميزان ج۱٩

127
  • فنزلت نصف النهار: {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} تقابلون الناس فنسخت الآية: {وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ}

  • أقول: قال في الكشاف، في تفسير الآية: فإن قلت: فقد روي أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين فما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يراجع ربه حتى نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ}

  • قلت: هذا لا يصح لأمرين: أحدهما: أن هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا و كذلك الثانية في أصحاب اليمين، أ لا ترى كيف عطف أصحاب اليمين و وعدهم على السابقين و وعدهم؟ الثاني: أن النسخ في الأخبار غير جائز. انتهى. 

  • و أجيب عنه بأنه يمكن أن يحمل الحديث على أن الصحابة لما سمعوا الآية الأولى حسبوا أن الأمر في هذه الأمة يذهب على هذا النهج فيكون أصحاب اليمين ثلة من الأولين و قليلا منهم فيكون الفائزون بالجنة في هذه الأمة أقل منهم في الأمم السالفة فنزلت {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} فزال حزنهم، و معنى نسخ الآية السابقة إزالة حسبانهم المذكور. 

  • و أنت خبير بأنه حمل على ما لا دليل عليه من جهة اللفظ و اللفظ يأباه و خاصة حمل نسخ الآية على إزالة الحسبان، و حال الرواية الأولى و خاصة من جهة ذيلها كحال هذه الرواية. 

  • و في المجمع، في قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} اختلف في هذه الولدان فقيل: إنهم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها و لا سيئات فيعاقبوا عليها فأنزلوا هذه المنزلة. 

  • قال: و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه سئل عن أطفال المشركين؟ فقال: هم خدم أهل الجنة. 

  • أقول: و رواه في الدر المنثور عن الحسن، و الرواية ضعيفة لا تعويل عليها. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة و البزار و ابن مردويه و البيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا. 

  • أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة و في بعضها أن المؤمن يأكل ما يشتهيه ثم يعود الباقي إلى ما كان عليه و يحيا فيطير إلى مكانه و يباهي بذلك. 

تفسير الميزان ج۱٩

128
  • و في تفسير القمي في قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لاَ تَأْثِيماً} قال: الفحش و الكذب و الغنا. 

  • أقول: لعل المراد بالغنا ما يكون منه لهوا أو الغنا مصحف الخنا. 

  • و فيه: في قوله تعالى: {وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ} قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أصحابه و شيعته. 

  • أقول: الرواية مبنية على ما ورد في ذيل قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} إسراء: ٧١، إن اليمين هو الإمام الحق و معناها أن اليمين هو علي (عليه السلام) و أصحاب اليمين شيعته، و الرواية من الجري. 

  • و فيه، في قوله تعالى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} شجر لا يكون له ورق و لا شوك فيه،و قرأ أبو عبد الله (عليه السلام): «و طلع منضود» قال: بعضه على بعض. 

  • و في الدر المنثور، أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في البعث عن أبي أمامة قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب و مسائلهم. أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية. و ما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): و ما هي؟ قال: السدر فإن لها شوكا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): أ ليس يقول الله: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} يخضده الله من شوكة فيجعل مكان كل شوكة ثمرة أنها تنبت ثمرا تفتق الثمر منها عن اثنين و سبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر. 

  • و في المجمع: و روت العامة عن علي (عليه السلام): أنه قرأ رجل عنده {وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ} فقال: ما شأن الطلح إنما هو «و طلع» كقوله: {وَ نَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} فقيل له: أ لا تغيره؟ قال: إن القرآن لا يهاج اليوم و لا يحرك، رواه عنه ابنه الحسن (عليه السلام) و قيس بن سعد. 

  • و في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و الفاريابي و هناد و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله: {وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ} قال: هو الموز. 

  • و في المجمع، ورد في الخبر: أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها اقرءوا إن شئتم {وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ} و روي أيضا: أن أوقات الجنة كغدوات الصيف لا يكون فيها حر و لا برد. 

تفسير الميزان ج۱٩

129
  • أقول: و روي الأول في الدر المنثور عن أبي سعيد و أنس و غيرهما عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في روضة الكافي، بإسناده عن علي بن إبراهيم عن ابن محبوب عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في حديث يصف فيه الجنة و أهلها: و يزور بعضهم بعضا و يتنعمون في جناتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و أطيب من ذلك.

  • و في تفسير القمي و قوله: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} قال: الحور العين في الجنة {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً} قال: لا يتكلمون إلا بالعربية. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): في قوله: {عُرُباً} قال: كلامهن عربي

  • أقول: و فيه روايات أخر أن عربا جمع عروب و هي الغنجة. 

  • و فيه، أخرج مسدد في مسنده و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ} قال: هما جميعا من هذه الأمة.

  • أقول: و هذا المعنى مروي في غير واحد من الروايات لكن ظاهر آيات السورة أن القسمة لكافة البشر لا لهذه الأمة خاصة، و لعل المراد من هذه الروايات بيان بعض المصاديق و إن كان بعيدا، و كذا المراد مما ورد أن أصحاب اليمين أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و ما ورد أن أصحاب الشمال أعداء آل محمد (عليهم السلام). 

  • و في المحاسن، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الشرب بنفس واحد فكرهه و قال: ذلك شرب الهيم. قلت: و ما الهيم؟ قال: الإبل. 

  • و فيه، بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه كان يكره أن يتشبه بالهيم. قلت: و ما الهيم؟ قال الرمل.

  •  أقول: و المعنيان جميعا واردان في روايات أخر. 

  •  

  • [سورة الواقعة (٥٦): الآیات ٥٧ الی ٩٦]

  • {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْ لاَ تُصَدِّقُونَ ٥٧ أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ٥٨ 

تفسير الميزان ج۱٩

130
  • أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخَالِقُونَ ٥٩ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠عَلى‌ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ٦١ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‌ فَلَوْ لاَ تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ٦٣ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزَّارِعُونَ ٦٤ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ٦٥ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ٦٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٦٧ أَ فَرَأَيْتُمُ اَلْمَاءَ اَلَّذِي تَشْرَبُونَ ٦٨ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْزِلُونَ ٦٩ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْ لاَ تَشْكُرُونَ ٧٠أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنَّارَ اَلَّتِي تُورُونَ ٧١ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَ مَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ٧٣ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ٧٤ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ اَلنُّجُومِ ٧٥ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ ٨٠أَ فَبِهَذَا اَلْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ٨١ وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢ فَلَوْ لاَ إِذَا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ ٨٣ وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ٨٤ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْ لاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٨٧ فَأَمَّا إِنْ 

تفسير الميزان ج۱٩

131
  • كَانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ ٨٩ وَ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْيَمِينِ ٩٠فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْيَمِينِ ٩١ وَ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضَّالِّينَ ٩٢ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ٩٣ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اَلْيَقِينِ ٩٥ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ٩٦} 

  • (بيان) 

  • لما فصل سبحانه القول فيما ينتهي إليه حال كل من الأزواج الثلاثة ففصل حال أصحاب الشمال و أن الذي ساقهم إلى ذلك نقضهم عهد العبودية و تكذيبهم للبعث و الجزاء و أمر نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يرد عليهم بتقرير البعث و الجزاء و بيان ما يجزون به يوم البعث. 

  • وَبَّخهم على تكذيبهم بالمعاد مع أن الذي يخبرهم به هو خالقهم الذي يدبر أمرهم و يقدر لهم الموت ثم الإنشاء فهو يعلم ما يجري عليهم مدى وجودهم و ما ينتهي إليه حالهم و مع أن الكتاب الذي ينبئهم بالمعاد هو قرآن كريم مصون من أن يلعب به أيدي الشياطين و أولياؤهم المضلين. 

  • ثم يعيد الكلام إلى ما بدئ به من حال الأزواج الثلاثة و يذكر أن اختلاف أحوال الأقسام يأخذ من حين الموت و بذلك تختتم السورة. 

  • قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْ لاَ تُصَدِّقُونَ} السياق سياق الكلام في البعث و الجزاء و قد أنكروه و كذبوا به، فقوله: {فَلَوْ لاَ تُصَدِّقُونَ} تحضيض على تصديق حديث المعاد و ترك التكذيب به، و قد علله بقوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} كما يستفاد من التفريع الذي في قوله: {فَلَوْ لاَ تُصَدِّقُونَ}

  • و إيجاب خلقه تعالى لهم وجوب تصديقه فيما يخبر به من المعاد من وجهين: أحدهما: أنه تعالى خلقهم أول مرة فهو قادر على إعادة خلقهم ثانيا كما قال: {قَالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} يس: ٧٩. 

تفسير الميزان ج۱٩

132
  • و ثانيهما: أنه تعالى لما كان هو خالقهم و هو المدبر لأمرهم المقدر لهم خصوصيات خلقهم و أمرهم فهو أعلم بما يفعل بهم و سيجري عليهم فإذا أنبأهم بأنه سيبعثهم بعد موتهم و يجزيهم بما عملوا إن خيرا و إن شرا لم يكن بد من تصديقه فلا عذر لمن كذب بما أخبر به كتابه من البعث و الجزاء، قال تعالى: {أَ لاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ} الملك: ١٤، و قال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء: ١٠٤، و قال: {وَعْدَ اَللَّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلاً} النساء: ١٢٢. 

  • فمحصل الآية: نحن خلقناكم و نعلم ما فعلنا و ما سنفعل بكم فنخبركم أنا سنبعثكم و نجزيكم بما عملتم فهلا تصدقون بما نخبركم به فيما أنزلناه من الكتاب. 

  • و في الآية و ما يتلوها من الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن السياق سياق التوبيخ و المعاتبة و ذلك بالخطاب أوقع و آكد. 

  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} الأمناء قذف المني و صبه و المراد قذفه و صبه في الأرحام، و المعنى: أ فرأيتم المني الذي تصبونه في أرحام النساء. 

  • قوله تعالى: {أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخَالِقُونَ} أي أ أنتم تخلقونه بشرا مثلكم أم نحن خالقوه بشرا. 

  • قوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} تدبير أمر الخلق بجميع شئونه و خصوصياته من لوازم الخلق بمعنى إفاضة الوجود فوجود الإنسان المحدود بأول كينونته إلى آخر لحظة من حياته الدنيا بجميع خصوصياته التي تتحول عليه بتقدير من خالقه عز و جل. فموته أيضا كحياته بتقدير منه، و ليس يعتريه الموت لنقص من قدرة خالقه أن يخلقه بحيث لا يعتريه الموت أو من جهة أسباب و عوامل تؤثر فيه بالموت فتبطل الحياة التي أفاضها عليه خالقه تعالى فإن لازم ذلك أن تكون قدرته تعالى محدودة ناقصة و أن يعجزه بعض الأسباب و تغلب إرادته إرادته و هو محال كيف؟ و القدرة مطلقة و الإرادة غير مغلوبة. 

  • و يتبين بذلك أن المراد بقوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ} أن الموت حق مقدر و ليس أمرا يقتضيه و يستلزمه نحو وجود الحي بل هو تعالى قدر له وجودا كذا ثم موتا يعقبه. 

  • و أن المراد بقوله: {وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} - و السبق‌ هو الغلبة و المسبوق‌ المغلوب - و لسنا مغلوبين في عروض الموت عن الأسباب المقارنة له بأن نفيض عليكم حياة نريد أن 

تفسير الميزان ج۱٩

133
  • يدوم ذلك عليكم فيسبقنا الأسباب و تغلبنا فتبطل بالموت الحياة التي كنا نريد دوامها. 

  • قوله تعالى: {عَلى‌ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {عَلى‌} متعلقه بقوله: {قَدَّرْنَا} و جملة الجار و المجرور في موضع الحال أي نحن قدرنا بينكم الموت حال كونه على أساس تبديل الأمثال و الإنشاء فيما لا تعلمون. 

  • و الأمثال‌ جمع مثل بالكسر فالسكون و مثل الشي‌ء ما يتحد معه في نوعه كالفرد من الإنسان بالنسبة إلى فرد آخر، و المراد بقوله: {أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} أن نبدل أمثالكم من البشر منكم أو نبدل أمثالكم مكانكم، و المعنى على أي حال تبديل جماعة من أخرى و جعل الأخلاف مكان الأسلاف. 

  • و قوله: {وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {مَا} موصولة و المراد به الخلق و الجملة معطوفة على {نُبَدِّلَ} و التقدير و على أن ننشئكم و نوجدكم في خلق آخر لا تعلمونه و هو الوجود الأخروي غير الوجود الدنيوي الفاني. 

  • و محصل معنى الآيتين أن الموت بينكم إنما هو بتقدير منا لا لنقص في قدرتنا بأن لا يتيسر لنا إدامة حياتكم و لا لغلبة الأسباب المهلكة المبيدة و قهرها و تعجيزها لنا في حفظ حياتكم و إنما قدرناه بينكم على أساس تبديل الأمثال و إذهاب قوم و الإتيان بآخرين و إنشاء خلق لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار إلى دار و تبدل خلق إلى خلق آخر و ليس بانعدام و فناء. 

  • و احتمل بعضهم أن يكون الأمثال في الآية جمع مثل بفتحتين و هو الوصف فتكون الجملتان {عَلى‌ أَنْ نُبَدِّلَ} إلخ، و {نُنْشِئَكُمْ} إلخ، تفيدان معنى واحدا، و المعنى: على أن نغير أوصافكم و ننشئكم في وصف لا تعرفونه أو لا تعلمونه كحشركم في صفة الكلب أو الخنزير أو غيرهما من الحيوان بعد ما كنتم في الدنيا على صفة الإنسان، و المعنى السابق أجمع و أكثر فائدة. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‌ فَلَوْ لاَ تَذَكَّرُونَ} المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا، و العلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة أخرى خالدة فيها الجزاء، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو و لا باطل في الوجود فلهذه النشأة الفانية غاية باقية، و أيضا من ضروريات هذا النظام هداية كل شي‌ء إلى سعادة نوعه و هداية الإنسان تحتاج إلى بعث الرسل و تشريع الشرائع و توجيه الأمر و النهي، و الجزاء على خير الأعمال و شرها 

تفسير الميزان ج۱٩

134
  • و ليس في الدنيا فهو في دار أخرى و هي النشأة الآخرة۱

  • على أنهم شاهدوا النشأة الأولى و عرفوها و علموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو الله سبحانه و إذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر، قال تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} يس: ٧٩، و هذا برهان على الإمكان يرتفع به استبعادهم للبعث. 

  • و بالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادئ البرهان على إمكان البعث فيرتفع به استبعاد البعث فلا استبعاد مع الإمكان. 

  • و هذا - كما ترى - برهان على إمكان حشر الأجساد، محصله أن البدن المحشور مثل البدن الدنيوي و إذ جاز صنع البدن الدنيوي و إحياؤه فليجز صنع البدن الأخروي و إحياؤه لأنه مثله و حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد. 

  • فمن العجيب قول الزمخشري في الكشاف، في الآية: و في هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى بالأولى. انتهى. و ذلك لأن الذي في الآية قياس برهاني منطقي و الذي يستدل بها عليه قياس فقهي مفيد للظن فأين أحدهما من الآخر؟. 

  • و قال في روح المعاني، في الآية: فهلا تتذكرون أن من قدر عليها يعني على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر و أقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد و تخصيص الأجزاء و سبق المثال، و هذا على ما قالوا دليل على صحة القياس لكن قيل: لا يدل إلا على قياس الأولي لأنه الذي في الآية. انتهى. 

  • و فيه ما في سابقه. على أن الذي في الآية ليس من قياس الأولي في شي‌ء لأن الجامع بين النشأة الأولى و الأخرى أنهما مثلان و مبدأ القياس أن حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد. 

  • و أما قوله: إن النشأة الأخرى أقل صنعا لحصول المواد و تخصيص الأجزاء، فهو ممنوع فإن المواد تحتاج إلى إفاضة الوجود بقاء كما تحتاج إليها في حدوثها و أول حصولها، و كذا تخصص الأجزاء يحتاج إليها بقاء كما تحتاج إليها فالصنع ثانيا كالصنع أولا. 

  • و أما قوله: و سبق المثال، فقد خلط بين المثل و المثال فالبدن الأخروي بالنظر إلى نفسه مثل البدن الدنيوي لا على مثاله و لو كان على مثاله كانت الآخرة دنيا لا آخرة. 

  •  

    1. الآية ٢٧ و ٢٨ من سورة ص.

تفسير الميزان ج۱٩

135
  • فإن قلت: لو كان البدن الأخروي مثلا للبدن الدنيوي و مثل الشي‌ء غيره كان الإنسان المعاد في الآخرة غير الإنسان المبتدء في الدنيا لأنه مثله لا عينه. 

  • قلت: قد تقدم في المباحث السابقة غير مرة أن شخصية الإنسان بروحه لا ببدنه، و الروح لا تنعدم بالموت و إنما يفسد البدن و تتلاشى أجزاؤه ثم إذا سوي ثانيا مثل ما كان في الدنيا ثم تعلقت به الروح كان الإنسان عين الإنسان الذي في الدنيا كما كان زيد الشائب مثلا عين زيد الشاب لبقاء الروح على شخصيتها مع تغير البدن لحظة بعد لحظة. 

  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ } - إلى قوله - {مَحْرُومُونَ} بعد ما ذكرهم بكيفية خلق أنفسهم و تقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث و الجزاء و كل ذلك من لوازم ربوبيته عد لهم أمورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا و هي الزرع الذي يقتاتون به و الماء الذي يشربونه و النار التي يصطلون بها و يتوسلون بها إلى جمل من مآربهم، و تثبت بذلك ربوبيته لهم فليست الربوبية إلا التدبير عن ملك. 

  • فقال: {أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} الحرث‌ العمل في الأرض و إلقاء البذر عليها {أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي تنبتونه و تنمونه حتى يبلغ الغاية، و ضمير {تَزْرَعُونَهُ} للبذر أو الحرث المعلوم من المقام {أَمْ نَحْنُ اَلزَّارِعُونَ} المنبتون المنمون حتى يكمل زرعا {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي هشيما متكسرا متفتتا {فَظَلْتُمْ} أي فظللتم و صرتم {تَفَكَّهُونَ} أي تتعجبون مما أصيب به زرعكم و تتحدثون بما جرى قائلين {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} موقعون في الغرامة و الخسارة ذهب مالنا و ضاع وقتنا و خاب سعينا {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} ممنوعون من الرزق و الخير. 

  • و لا منافاة بين نفي الزرع عنهم و نسبته إليه تعالى و بين توسط عوامل و أسباب طبيعية في نبات الزرع و نموه فإن الكلام عائد في تأثير هذه الأسباب و صنعها و ليس نحو تأثيرها باقتضاء من ذاتها منقطعة عنه تعالى بل بجعله و وضعه و موهبته، و كذا الكلام في أسباب هذه الأسباب، و ينتهي الأمر إلى الله سبحانه و أن إلى ربك المنتهى. 

  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمُ اَلْمَاءَ اَلَّذِي تَشْرَبُونَ } إلى قوله {فَلَوْ لاَ تَشْكُرُونَ} المزن‌ السحاب، و قوله: {فَلَوْ لاَ تَشْكُرُونَ} تحضيض على الشكر، و شكره تعالى جميل ذكره تعالى على نعمه و هو إظهار عبوديته قولا و عملا. و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنَّارَ اَلَّتِي تُورُونَ } - إلى قوله - {وَ مَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} قال في المجمع: 

تفسير الميزان ج۱٩

136
  • الإيراء إظهار النار بالقدح، يقال أورى يوري، قال: و يقال قدح فأورى إذا أظهر فإذا لم يور يقال: قدح فأكبى، و قال: و المقوي‌ النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد، و أقوت الدار خلت من أهلها. انتهى. و المعنى ظاهر. 

  • قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ} خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم). لما ذكر سبحانه شواهد ربوبيته لهم و أنه الذي يخلقهم و يدبر أمرهم و من تدبيره أنه سيبعثهم و يجزيهم بأعمالهم و هم مكذبون بذلك أعرض عن خطابهم و التفت إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) إشعارا بأنهم لا يفقهون القول فأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن ينزهه تعالى عن إشراكهم به و إنكارهم البعث و الجزاء. 

  • فقوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ} إلخ، الفاء لتفريع التسبيح على ما تقدم من البيان، و الباء للاستعانة أو الملابسة، و المعنى: فإذا كان كذلك فسبح مستعينا بذكر اسم ربك، أو المراد بالاسم الذكر لأن إطلاق اسم الشي‌ء ذكر له كما قيل أو الباء للتعدية لأن تنزيه اسم الشي‌ء تنزيه له، و المعنى: نزه اسم ربك من أن تذكر له شريكا أو تنفي عنه البعث و الجزاء، و العظيم صفة الرب أو الاسم. 

  • قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ اَلنُّجُومِ} {فَلاَ أُقْسِمُ} قسم و قيل: لا زائدة و أقسم هو القسم، و قيل: لا نافية و أقسم هو القسم. 

  • و «مواقع» جمع موقع و هو المحل، و المعنى: أقسم بمحال النجوم من السماء، و قيل: مواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى السقوط يشير به إلى سقوط الكواكب يوم القيامة أو وقوع الشهب على الشياطين، أو مساقط الكواكب في مغاربها، و أول الوجوه هو السابق إلى الذهن. 

  • قوله تعالى: {وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تعظيم لهذا القسم و تأكيد على تأكيد. 

  • قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ }- إلى قوله - {مِنْ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ} لما كان إنكارهم حديث وحدانيته تعالى في ربوبيته و ألوهيته و كذا إنكارهم للبعث و الجزاء إنما أبدوه بإنكار القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) الذي فيه نبأ التوحيد و البعث كان إنكارهم منشعبا إلى إنكار أصل التوحيد و البعث أصلا، و إلى إنكار ذلك بما أن القرآن ينبئهم به، فأورد تعالى أولا بيانا لإثبات أصل الوحدانية و البعث بذكر شواهد من آياته تثبت ذلك و هو قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ } - إلى قوله - {وَ مَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ}، و ثانيا بيانا يؤكد فيه كون القرآن الكريم كلامه المحفوظ عنده النازل منه و وصفه بأحسن أوصافه. 

تفسير الميزان ج۱٩

137
  • فقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} جواب للقسم السابق، الضمير للقرآن المعلوم من السياق السابق و يستفاد من توصيفه بالكريم من غير تقييد في مقام المدح أنه كريم على الله عزيز عنده و كريم محمود الصفات و كريم بذال نفاع للناس لما فيه من أصول المعارف التي فيها سعادة الدنيا و الآخرة. 

  • و قوله: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} وصف ثان للقرآن أي محفوظ مصون عن التغيير و التبديل، و هو اللوح المحفوظ كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} البروج: ٢٢. 

  • و قوله: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ} صفة الكتاب المكنون و يمكن أن يكون وصفا ثالثا للقرآن و مآل الوجهين على تقدير كون لا نافية واحد. 

  • و المعنى: لا يمس الكتاب المكنون الذي فيه القرآن إلا المطهرون أو لا يمس القرآن الذي في الكتاب إلا المطهرون. 

  • و الكلام على أي حال مسوق لتعظيم أمر القرآن و تجليله فمسه هو العلم به و هو في الكتاب المكنون كما يشير إليه قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الزخرف: ٤. 

  • و المطهرون - اسم مفعول من التطهي - هم الذين طهر الله تعالى نفوسهم من أرجاس المعاصي و قذارات الذنوب أو مما هو أعظم من ذلك و أدق و هو تطهير قلوبهم من التعلق بغيره تعالى، و هذا المعنى من التطهير هو المناسب للمس الذي هو العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث كما هو ظاهر. 

  • فالمطهرون هم الذين أكرمهم الله تعالى بتطهير نفوسهم كالملائكة الكرام و الذين طهرهم الله من البشر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} الأحزاب: ٣٣، و لا وجه لتخصيص المطهرين بالملائكة كما عن جل المفسرين لكونه تقييدا من غير مقيد. 

  • و ربما جعل {لاَ} في {لاَ يَمَسُّهُ} ناهية، و المراد بالمس على هذا مس كتابة القرآن، و بالطهارة الطهارة من الحدث أو الحدث و الخبث جميعا و قرئ «المطهرون» بتشديد الطاء و الهاء و كسر الهاء أي المتطهرون و مدلول الآية تحريم مس كتابة القرآن على غير طهارة. 

تفسير الميزان ج۱٩

138
  • و يمكن حمل الآية على هذا المعنى على تقدير كون {لاَ} نافية بأن تكون الجملة إخبارا أريد به الإنشاء و هو أبلغ من الإنشاء. 

  • قال في الكشاف: و إن جعلتها يعني جملة {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ} صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس يعني مس المكتوب منه، انتهى و قد عرفت صحة أن يراد بالمس العلم و الاطلاع على تقدير كونها صفة للقرآن كما يصح على تقدير كونها صفة لكتاب مكنون. 

  • و قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ} وصف آخر للقرآن، و المصدر بمعنى اسم المفعول أي منزل من عند الله إليكم تفتهمونه و تعقلونه بعد ما كان في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون. 

  • و التعبير عنه تعالى برب العالمين للإشارة إلى أن ربوبيته تعالى منبسطة على جميع العالمين و هم من جملتهم فهو تعالى ربهم و إذا كان ربهم كان عليهم أن يؤمنوا بكتابه و يصغوا لكلامه و يصدقوه من غير تكذيب. 

  • قوله تعالى: {أَ فَبِهَذَا اَلْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} الإشارة بهذا الحديث إلى القرآن، و الإدهان به التهاون به و أصله التليين بالدهن أستعير للتهاون، و الاستفهام للتوبيخ يوبخهم تعالى على عدهم أمر القرآن هينا لا يعتنى به. 

  • قوله تعالى: {وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قيل: المراد بالرزق حظهم من الخير، و المعنى: و تجعلون حظكم من الخير الذي لكم أن تنالوه بالقرآن أنكم تكذبون به أي تضعونه موضعه، و قيل: المراد بالرزق القرآن رزقهم الله إياه، و المعنى: تأخذون التكذيب مكان هذا الرزق الذي رزقتموه، و قيل: الكلام بحذف مضاف و التقدير: و تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون أي وضعتم التكذيب موضع الشكر. 

  • قوله تعالى: {فَلَوْ لاَ إِذَا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ } - إلى قوله - {صَادِقِينَ} رجوع إلى أول الكلام بالتفريع على تكذيبهم بأنكم إن كنتم صادقين في نفيكم للبعث مصيبين في تكذيبكم لهذا القرآن الذي ينبئكم بالبعث رددتم نفس المحتضر التي بلغت الحلقوم إذ لو لم يكن الموت بتقدير من الله كان من الأمور الاتفاقية التي ربما أمكن الاحتيال لدفعها، فإذا لم تقدروا على رجوعها و إعادة الحياة معها فاعلموا أن الموت حق مقدر من الله لسوق النفوس إلى البعث و الجزاء. 

  • فقوله: {فَلَوْ لاَ إِذَا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ} تفريع على تكذيبهم بالقرآن و بما أخبر به من 

تفسير الميزان ج۱٩

139
  • البعث و الجزاء، و لو لا للتحضيض تعجيزا و تبكيتا لهم، و ضمير {بَلَغَتِ} للنفس، و بلوغ النفس الحلقوم كناية عن الإشراف التام للموت. 

  • و قوله: {وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} أي تنظرون إلى المحتضر أي هو بمنظر منكم. 

  • و قوله: {وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ} أي و الحال أنا أقرب إليه منكم لإحاطتنا به وجودا و رسلنا القابضون لروحه أقرب إليه منكم و لكن لا تبصروننا و لا رسلنا. 

  • قال تعالى: {اَللَّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الزمر: ٢٦، و قال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} السجدة: ١١، و قال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} الأنعام: ٦١. 

  • و قوله: {فَلَوْ لاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} تكرار لو لا لتأكيد لو لا السابقة، و {مَدِينِينَ} أي مجزيين من دان يدين بمعنى جزى يجزي، و المعنى: إن كنتم غير مجزيين ثوابا و عقابا بالبعث. 

  • و قوله: {تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي إن كنتم صادقين في دعواكم أن لا بعث و لا جزاء، و قوله: {تَرْجِعُونَهَا} مدخول لو لا التحضيضية بحسب التقدير و ترتيب الآيات بحسب التقدير فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مدينين. 

  • قوله تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ} رجوع إلى بيان حال الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة عند الموت و بعده و ضمير {كَانَ} للمتوفى المعلوم من السياق، و المراد بالمقربين السابقون المقربون المذكورون سابقا، و الروح الراحة، و الريحان الرزق، و قيل: هو الريحان المشموم من ريحان الجنة يؤتى به إليه فيشمه و يتوفى. 

  • و المعنى: فأما إن كان المتوفى من المقربين فله أو فجزاؤه راحة من كل هم و غم و ألم و رزق من رزق الجنة و جنة نعيم. 

  • قوله تعالى: {وَ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْيَمِينِ} يمكن أن يكون اللام للاختصاص الملكي و معنى {فَسَلاَمٌ لَكَ} أنك تختص بالسلام من أصحاب اليمين الذين هم قرناؤك و رفقاؤك فلا ترى منهم إلا خيرا و سلاما. 

  • و قيل: لك بمعنى عليك أي يسلم عليك أصحاب اليمين، و قيل غير ذلك. 

  • و الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أنه يخاطب بهذا الخطاب: سلام لك من 

تفسير الميزان ج۱٩

140
  • أصحاب اليمين. 

  • قوله تعالى: {وَ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} تصلية النار الإدخال فيها، و قيل: مقاساة حرها و عذابها. 

  • و المعنى: و أما إن كان من أهل التكذيب و الضلال فلهم نزل من ماء شديد الحرارة، و مقاساة حر نار جحيم. 

  • و قد وصفهم الله بالمكذبين الضالين فقدم التكذيب على الضلال لأن ما يلقونه من العذاب تبعة تكذيبهم و عنادهم للحق و لو كان ضلالا بلا تكذيب و عناد كانوا مستضعفين غير نازلين هذه المنزلة، و أما قوله سابقا: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضَّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ} فإذ كان المقام هناك مقام الرد لقولهم: {أَ إِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} إلخ، كان الأنسب توصيفهم أولا بالضلال ثم بالتكذيب. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اَلْيَقِينِ} الحق‌ هو العلم من حيث إن الخارج الواقع يطابقه، و اليقين‌ هو العلم الذي لا لبس فيه و لا ريب فإضافة الحق إلى اليقين نحو من الإضافة البيانية جي‌ء بها للتأكيد. 

  • و المعنى: أن هذا الذي ذكرناه من حال أزواج الناس الثلاثة هو الحق الذي لا تردد فيه و العلم الذي لا شك يعتريه. 

  • قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ} تقدم تفسيره، و هو تفريع على ما تقدمه من صفة القرآن و بيان حال الأزواج الثلاثة بعد الموت و في الحشر. 

  • و المعنى: فإذا كان القرآن على هذه الصفات و صادقا فيما ينبئ به من حال الناس بعد الموت فنزه ربك العظيم مستعينا أو ملابسا باسمه و أنف ما يراه و يدعيه هؤلاء المكذبون الضالون. 

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع في قوله تعالى: {أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزَّارِعُونَ} و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: لا يقولن أحدكم زرعت و ليقل حرثت. 

  • أقول: و رواه في الدر المنثور، عن عدة من أصحاب الجوامع عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم). 

تفسير الميزان ج۱٩

141
  • و في تفسير القمي {أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ} قال: من السحاب {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} لنار يوم القيامة {وَ مَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} قال: المحتاجين. 

  • و في المجمع، في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ} فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه لما نزلت هذه الآية قال: اجعلوها في ركوعكم. 

  • أقول: و رواه في الفقيه، مرسلا، و رواه في الدر المنثور، عن الجهني عنه (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و في الدر المنثور، أخرج النسائي و ابن جرير و محمد بن نصر و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين و في لفظ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ اَلنُّجُومِ}

  • أقول: و ظاهره تفسير مواقع النجوم بأوقات نزول نجوم القرآن. 

  • و في تفسير القمي: و قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ اَلنُّجُومِ} قال: معناه أقسم بمواقع النجوم. 

  • و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} قال: عند الله في صحف مطهرة {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ} قال: المقربون. 

  • أقول: و تفسير المطهرين بالمقربين يؤيد ما أوردناه في البيان المتقدم، و قد أوردنا في ذيل قوله: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} الآية: الجاثية: ٢٩، حديثا عن الصادق (عليه السلام) في الكتاب المكنون. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ} و قالوا: لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف، عن محمد بن علي (عليه السلام). 

  • أقول: المراد بمس المصحف مس كتابته بدليل الروايات الأخر. 

  • و في الكافي، بإسناده عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال: نعم لا بأس. و قال: تقرؤه و تكتبه و لا تصيبه يدها.

  • و في الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي داود و ابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: في كتاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لعمرو بن حزم: و لا تمس القرآن إلا عن طهور. 

  • أقول: و الروايات فيه كثيرة من طرق الشيعة و أهل السنة. 

  • و فيه، أخرج مسلم و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد 

تفسير الميزان ج۱٩

142
  • رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فقال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أصبح من الناس شاكر و منهم كافر قالوا: هذه رحمة وضعها الله و قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ اَلنُّجُومِ} حتى بلغ {وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}.

  •  أقول: و قد استفاضت الرواية من طرق أهل السنة أن الآيات نزلت في الأنواء و ظاهرها أنها مدنية لكنها لا تلائم سياق آيات السورة كما عرفت. 

  • و في المجمع، و قراءة علي (عليه السلام) و ابن عباس و رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): و تجعلون شكركم. 

  • أقول: و رواه في الدر المنثور، عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و علي (عليه السلام).

  • و في تفسير القمي في قوله: {غَيْرَ مَدِينِينَ} قال: معناه فلو كنتم غير مجازين على أعمالكم {تَرْجِعُونَهَا} يعني به الروح إذا بلغت الحلقوم تردونها في البدن {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

  • و فيه، بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ} في قبره {وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ} في الآخرة. 

  • و في الدر المنثور، أخرج القاسم بن مندة في كتاب الأحوال و الإيمان بالسؤال عن سلمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): إن أول ما يبشر به المؤمن عند الوفاة بروح و ريحان و جنة نعيم و إن أول ما يبشر به المؤمن في قبره أن يقال: أبشر برضا الله تعالى و الجنة قدمت خير مقدم قد غفر الله لمن شيعك إلى قبرك، و صدق من شهد لك، و استجاب لمن استغفر لك.

  • و فيه، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْيَمِينِ} قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه و تخبره أنه من أصحاب اليمين. 

  • أقول: و ما أورده من المعنى مبني على كون الآية حكاية خطاب الملائكة، و التقدير قالت الملائكة سلام لك حال كونك من أصحاب اليمين فهي سلام و بشارة.

  •  

  • (٥٧) (سورة الحديد مدنية و هي تسع و عشرون آية) (٢٩) 

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ 

تفسير الميزان ج۱٩

143
  • وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ١ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ٢ هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظَّاهِرُ وَ اَلْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ ٣ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٤ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ٥ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ ٦} 

  • (بيان) 

  • غرض السورة حث المؤمنين و ترغيبهم في الإنفاق في سبيل الله كما يشعر به تأكيد الأمر به مرة بعد مرة في خلال آياتها {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} الآية، {مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} الآية، {إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقَاتِ وَ أَقْرَضُوا اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} و قد سمت إنفاقهم ذلك إقراضا منه لله عز اسمه فالله سبحانه خير مطلوب و هو لا يخلف الميعاد و قد وعدهم إن أقرضوه أن يضاعفه لهم و أن يؤتيهم أجرا كريما كثيرا. 

  • و قد أشار إلى أن هذا الإنفاق من التقوى و الإيمان بالرسول و أنه يستتبع مغفرة الذنوب و إتيان كفلين من الرحمة و لزوم النور بل و اللحوق بالصديقين و الشهداء عند الله سبحانه. 

  • و في خلال آياتها معارف راجعة إلى المبدأ و المعاد، و دعوة إلى التقوى و إخلاص الإيمان و الزهد و موعظة. 

  • و السورة مدنية بشهادة سياق آياتها و قد ادعى بعضهم إجماع المفسرين على ذلك. 

  • [سورة الحديد (٥٧): الآیات ١ الی ٦]

تفسير الميزان ج۱٩

144
  • و لقد افتتحت السورة بتسبيحه و تنزيهه تعالى بعده من أسمائه الحسنى لما في غرض السورة و هو الحث على الإنفاق من شائبة توهم الحاجة و النقص في ناحيته و نظيرتها في ذلك جميع السور المفتتحة بالتسبيح و هي سور الحشر و الصف و الجمعة و التغابن المصدرة بسبح أو يسبح. 

  • قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} التسبيح‌ التنزيه و هو نفي ما يستدعي نقصا أو حاجة مما لا يليق بساحة كماله تعالى، و {مَا} موصولة و المراد بها ما يعم العقلاء مما في السماوات و الأرض كالملائكة و الثقلين و غير العقلاء كالجمادات و الدليل عليه ما ذكر بعد من صفاته المتعلقة بالعقلاء كالإحياء و العلم بذات الصدور. 

  • فالمعنى: نزه الله سبحانه ما في السماوات و الأرض من شي‌ء و هو جميع العالم. 

  • و المراد بتسبيحها حقيقة معنى التسبيح دون المعنى المجازي الذي هو دلالة وجود كل موجود في السماوات و الأرض على أن له موجدا منزها من كل نقص متصفا بكل كمال، و دون عموم المجاز و هو دلالة كل موجود على تنزهه تعالى إما بلسان القال كالعقلاء و إما بلسان الحال كغير العقلاء من الموجودات و ذلك لقوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} إسراء: ٤٤، حيث استدرك أنهم لا يفقهون تسبيحهم و لو كان المراد بتسبيحهم دلالة وجودهم على وجوده و هي قيام الحجة على الناس بوجودهم أو كان المراد تسبيحهم و تحميدهم بلسان الحال و ذلك مما يفقه الناس لم يكن للاستدراك معنى. 

  • فتسبيح ما في السماوات و الأرض تسبيح و نطق بالتنزيه بحقيقة معنى الكلمة و إن كنا لا نفقهه، قال تعالى: {قَالُوا أَنْطَقَنَا اَللَّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ} حم السجدة: ٢١. 

  • و قوله: {وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} أي المنيع جانبه يغلب و لا يغلب، المتقن فعله لا يعرض على فعله ما يفسده عليه و لا يتعلق به اعتراض معترض. 

  • قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ} الكلام موضوع على الحصر فهو المليك في السماوات و الأرض يحكم ما يشاء لأنه الموجد لكل شي‌ء فما في السماوات و الأرض يقوم به وجوده و آثار وجوده فلا حكم إلا له فلا ملك و لا سلطنة إلا له. 

  • و قوله: {يُحْيِي وَ يُمِيتُ} إشارة إلى اسميه المحيي و المميت، و إطلاق {يُحْيِي وَ يُمِيتُ} يفيد شمولهما لكل إحياء و إماتة كإيجاده الملائكة أحياء من غير سبق موت، و إحيائه 

تفسير الميزان ج۱٩

145
  • الجنين في بطن أمه و إحيائه الموتى في البعث و إيجاده الجماد ميتا من غير سبق حياة و إماتته الإنسان في الدنيا و إماتته ثانيا في البرزخ على ما يشير إليه قوله: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ} المؤمن: ١١ و في {يُحْيِي وَ يُمِيتُ} دلالة على الاستمرار. 

  • و قوله: {وَ هُوَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ} فيه إشارة إلى صفة قدرته و أنها مطلقة غير مقيدة بشي‌ء دون شي‌ء، و في تذييل الآية بالقدرة على كل شي‌ء مناسبة مع ما تقدمها من الإحياء و الإماتة لما ربما يتوهمه المتوهم أن لا قدرة على إحياء الموتى و لا عين منهم و لا أثر. 

  • قوله تعالى: {هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظَّاهِرُ وَ اَلْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ} لما كان تعالى قديرا على كل شي‌ء مفروض كان محيطا بقدرته على كل شي‌ء من كل جهة فكل ما فرض أولا فهو قبله فهو الأول دون الشي‌ء المفروض أولا، و كل ما فرض آخرا فهو بعده لإحاطة قدرته به من كل جهة فهو الآخر دون الشي‌ء المفروض آخرا، و كل شي‌ء فرض ظاهرا فهو أظهر منه لإحاطة قدرته به من فوقه فهو الظاهر دون المفروض ظاهرا، و كل شي‌ء فرض أنه باطن فهو تعالى أبطن منه لإحاطته به من ورائه فهو الباطن دون المفروض باطنا فهو تعالى الأول و الآخر و الظاهر و الباطن على الإطلاق و ما في غيره تعالى من هذه الصفات فهي إضافية نسبية. 

  • و ليست أوليته تعالى و لا آخريته و لا ظهوره و لا بطونه زمانية و لا مكانية بمعنى مظروفيته لهما و إلا لم يتقدمهما و لا تنزه عنهما سبحانه بل هو محيط بالأشياء على أي نحو فرضت و كيفما تصورت. 

  • فبان مما تقدم أن هذه الأسماء الأربعة الأول و الآخر و الظاهر و الباطن من فروع اسمه المحيط و هو فرع إطلاق القدرة فقدرته محيطة بكل شي‌ء و يمكن تفريع الأسماء الأربعة على إحاطة وجوده بكل شي‌ء فإنه تعالى ثابت قبل ثبوت كل شي‌ء و ثابت بعد فناء كل شي‌ء و أقرب من كل شي‌ء ظاهر و أبطن من الأوهام و العقول من كل شي‌ء خفي باطن. 

  • و كذا للأسماء الأربعة نوع تفرع على علمه تعالى و يناسبه تذييل الآية بقوله: {وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ}

  • و فسر بعضهم الأسماء الأربعة بأنه الأول قبل كل شي‌ء و الآخر بعد هلاك كل شي‌ء الظاهر بالأدلة الدالة عليه و الباطن غير مدرك بالحواس. 

تفسير الميزان ج۱٩

146
  • و قيل: الأول قبل كل شي‌ء بلا ابتداء، و الآخر بعد كل شي‌ء بلا انتهاء، و الظاهر الغالب العالي على كل شي‌ء فكل شي‌ء دونه، و الباطن العالم بكل شي‌ء فلا أحد أعلم منه. 

  • و قيل: الأول بلا ابتداء و الآخر بلا انتهاء و الظاهر بلا اقتراب و الباطن بلا احتجاب. 

  • و هناك أقوال أخر في معناها غير جيدة أغمضنا عن إيرادها. 

  • قوله تعالى: {هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تقدم تفسيره. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ اِسْتَوى‌ عَلَى اَلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا} تقدم تفصيل القول في معنى العرش في سورة الأعراف آية: ٥٤. 

  • و تقدم أن الاستواء على العرش كناية عن الأخذ في تدبير الملك و لذا عقبه بالعلم بجزئيات الأحوال لأن العلم من لوازم التدبير. 

  • و قوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا} الولوج - كما قال الراغب - الدخول في مضيق، و العروج‌ ذهاب في صعود، و المعنى: يعلم ما يدخل و ينفذ في الأرض كماء المطر و البذور و غيرهما و ما يخرج من الأرض كأنواع النبات و الحيوان و الماء و ما ينزل من السماء كالأمطار و الأشعة و الملائكة و ما يعرج فيها و يصعد كالأبخرة و الملائكة و أعمال العباد. 

  • قوله تعالى: {وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} لإحاطته بكم فلا تغيبون عنه أينما كنتم و في أي زمان عشتم و في أي حال فرضتم فذكر عموم الأمكنة {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} لأن الأعرف في مفارقة شي‌ء شيئا و غيبته عنه أن يتوسل إلى ذلك بتغيير المكان و إلا فنسبته تعالى إلى الأمكنة و الأزمنة و الأحوال سواء. 

  • و قيل: المعية مجاز مرسل عن الإحاطة العلمية. 

  • قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} كالفرع المترتب على ما قبله من كونه معهم أينما كانوا و كونه بكل شي‌ء عليما فإن لازم حضوره عندهم من دون مفارقة ما و احتجاب و هو عليم أن يكون بصيرا بأعمالهم يبصر ظاهر عملهم، و ما في باطنهم من نية و قصد. 

  • قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} كرر قوله: {لَهُ مُلْكُ} إلخ، لابتناء رجوع الأشياء إليه على عموم الملك فصرح به ليفيد الابتناء، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفى‌ عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‌ءٌ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ } المؤمن: ١٦. 

تفسير الميزان ج۱٩

147
  • و قوله: {وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} الأمور جمع محلى باللام يفيد العموم كقوله: {أَلاَ إِلَى اَللَّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ} الشورى: ٥٣، فما من شي‌ء إلا و يرجع إلى الله، و لا راد إليه تعالى إلا هو لاختصاص الملك به فله الأمر و له الحكم. 

  • و في الآية وضع الظاهر موضع الضمير في {إِلَى اَللَّهِ} و كذا في الآية السابقة {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} و لعل الوجه في ذلك أن تقرع الجملتان قلوبهم كما يقرع المثل السائر لما سيجي‌ء من ذكر يوم القيامة و جزيل أجر المنفقين في سبيل الله فيه. 

  • قوله تعالى: {يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ} إيلاج الليل في النهار و إيلاج النهار في الليل اختلاف الليل و النهار في الطول و القصر باختلاف فصول السنة في كل من البقاع الشمالية و الجنوبية بعكس الأخرى، و قد تقدم في كلامه تعالى غير مرة. 

  • و المراد بذات الصدور الأفكار المضمرة و النيات المكنونة التي تصاحب الصدور و تلازمها لما أنها تنسب إلى القلوب و القلوب في الصدور، و الجملة أعني قوله: {وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ} بيان لإحاطة علمه بما في الصدور بعد بيان إحاطة بصره بظواهر أعمالهم بقوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج أحمد و أبو داود و الترمذي و حسنه و النسائي و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، و قال: إن فيهن آية أفضل من ألف آية. 

  • أقول: و رواه أيضا عن ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير عنه (صلى الله عليه وآله و سلم).

  • و في الكافي، بإسناده عن عاصم بن حميد قال: سئل علي بن الحسين (عليه السلام) عن التوحيد فقال: إن الله عز و جل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ} و الآيات من سورة الحديد إلى قوله: {عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ} فمن رام وراء ذلك فقد هلك. 

  • و في تفسير القمي {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} قال: هو 

تفسير الميزان ج۱٩

148
  • قوله: أوتيت جوامع الكلم، و قوله: {هُوَ اَلْأَوَّلُ} قال: أي قبل كل شي‌ء، {وَ اَلْآخِرُ} قال: يبقى بعد كل شي‌ء، {وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ} قال: بالضمائر. 

  • و في الكافي، و روي: أنه يعني عليا (عليه السلام) سئل أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء و أرضا؟ قال: أين سؤال عن مكان و كان الله و لا مكان. 

  • و في التوحيد، خطبة للحسن بن علي (عليه السلام) و فيها: الحمد لله الذي لم يكن فيه أول معلوم، و لا آخر متناه، و لا قبل مدرك، و لا بعد محدود، فلا تدرك العقول و أوهامها و لا الفكر و خطراتها و لا الألباب و أذهانها صفته فتقول: متى و لا بدئ مما، و لا ظاهر على ما، و لا باطن فيما. 

  • أقول: و قوله أول معلوم إلخ، أوصاف توضيحية أي ليس له أول و لو كان له أول كان من الجائز أن يتعلق به علم و لا آخر و لو كان له آخر كان متناهيا، و لا قبل و لو كان لكان جائز الإدراك و لا بعد و إلا لكان محدودا. 

  • و قوله: و لا بدئ مما أي لم يبتدأ من شي‌ء حتى يكون له أول و لا ظاهر على ما أي يتفوق على شي‌ء بالوقوع و الاستقرار عليه كالجسم على الجسم «و لا باطن فيما» أي لم يتبطن في شي‌ء بالدخول فيه و الاستتار به. 

  • و في نهج البلاغة: و كل ظاهر غيره غير باطن، و كل باطن غيره غير ظاهر.

  •  أقول: معناه أن حيثية الظهور في غيره تعالى غير حيثية البطون و بالعكس، و أما هو تعالى فلما كان أحدي الذات لا تنقسم و لا تتجزى إلى جهة و جهة كان ظاهرا من حيث هو باطن و باطنا من حيث هو ظاهر فهو باطن خفي من كمال ظهوره و ظاهر جلي من كمال بطونه. 

  • و فيه: الحمد لله الأول فلا شي‌ء قبله، و الآخر فلا شي‌ء بعده، و الظاهر فلا شي‌ء فوقه، و الباطن فلا شي‌ء دونه. 

  • أقول: المراد بالقبلية و البعدية ليس هو القبلية و البعدية الزمانية بأن يفرض هناك امتداد زماني غير متناهي الطرفين و قد حل العالم قطعة منه خاليا عنه طرفاه و يكون وجوده تعالى و تقدس منطبقا على الزمان كله غير خال عنه شي‌ء من جانبيه و إن ذهبا إلى غير النهاية فيتقدم وجوده تعالى على العالم زمانا و يتأخر عنه زمانا و لو كان كذلك لكان تعالى متغيرا في ذاته و أحواله بتغير الأزمنة المتجددة عليه، و كان قبليته 

تفسير الميزان ج۱٩

149
  • و بعديته بتبع الزمان و كان الزمان هو الأول و الآخر بالأصالة. 

  • و كذلك ليست ظاهريته و باطنيته بحسب المكان بنظير البيان بل هو تعالى سابق بنفس ذاته المتعالية على كل شي‌ء مفروض و آخر بنفس ذاته عن كل أمر مفروض أنه آخر، و ظاهر، و باطن كذلك، و الزمان مخلوق له متأخر عنه. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر و أبي سعيد عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: لا يزال الناس يسألون عن كل شي‌ء حتى يقولوا: هذا الله كان قبل كل شي‌ء فما ذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأول قبل كل شي‌ء و هو الآخر فليس بعده شي‌ء و هو الظاهر فوق كل شي‌ء و هو الباطن دون كل شي‌ء و هو بكل شي‌ء عليم. 

  • و في التوحيد، بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لم يزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم. 

  • أقول: ليس المراد بهذا العلم الصور الذهنية فيكون تعالى كباني دار يتصور للدار صورة و هيئة قبل بنائها ثم يبنيها على ما تصور فتنطبق الصورة الذهنية على البناء الخارجي ثم تنهدم الدار و الصورة الذهنية على حالها، و هذا هو المسمى بالعلم الكلي و هو مستحيل عليه تعالى بل ذاته تعالى عين العلم بمعلومه ثم المعلوم إذا تحقق في الخارج كان ذات المعلوم عين علمه تعالى به، و يسمى الأول العلم الذاتي و الثاني العلم الفعلي. 

  • و فيه، خطبة لعلي (عليه السلام) و فيها: و علمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها، و ليس بينه و بين معلومه علم غيره. 

  • أقول: المراد به أن ذاته تعالى عين علمه، و ليست هناك صورة زائدة. 

  •  

  • [سورة الحديد (٥٧): الآیات ٧ الی ١٥]

  • {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ٧ وَ مَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‌ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ 

تفسير الميزان ج۱٩

150
  • اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ إِنَّ اَللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ٩ وَ مَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قَاتَلُوا وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللَّهُ اَلْحُسْنى‌ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعى‌ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ١٢ يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنَافِقُونَ وَ اَلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلى‌ وَ لَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ ١٤ فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ اَلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ ١٥} 

تفسير الميزان ج۱٩

151
  • (بيان) 

  • أمر مؤكد بالإنفاق في سبيل الله و خاصة الجهاد على ما يؤيده قوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ} الآية، و يتأيد بذلك ما قيل: إن قوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا} إلخ، نزل في غزوة تبوك. 

  • قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} إلخ، المستفاد من سياق الآيات أن الخطاب في الآية للمؤمنين بالله و رسوله لا للكفار و لا للمؤمنين و الكفار جميعا كما قيل، و أمر الذين تلبسوا بالإيمان بالله و رسوله بالإيمان معناه الأمر بتحقيق الإيمان بترتيب آثاره عليه إذ لو كانت صفة من الصفات كالسخاء و العفة و الشجاعة ثابتة في نفس الإنسان حق ثبوتها لم يتخلف عنها أثرها الخاص و من آثار الإيمان بالله و رسوله الطاعة فيما أمر الله و رسوله به. 

  • و من هنا يظهر أولا: أن أمر المؤمن بالإيمان في الحقيقة أمر للمتحقق بمرتبة من الإيمان أن يتلبس بمرتبة هي أعلى منها، و هذا النوع من الأمر فيه إيماء إلى أن الذي عند المأمور من المأمور به لا يرضي الآمر كل الإرضاء. 

  • و ثانيا: أن قوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا} أمر بالإنفاق مع التلويح إلى أنه أثر صفة هم متلبسون بها فعليهم أن ينفقوا لما اتصفوا بها فيئول إلى تعليل الإنفاق بإيمانهم. 

  • و قوله: {وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} استخلاف الإنسان جعله خليفة، و المراد به إما خلافتهم عن الله سبحانه يخلفونه في الأرض كما يشير إليه قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: ٣٠، و التعبير عما بأيديهم من المال بهذا التعبير لبيان الواقع و لترغيبهم في الإنفاق فإنهم إذا أيقنوا أن المال لله و هم مستخلفون عليه وكلاء من ناحيته يتصرفون فيه كما أذن لهم سهل عليهم إنفاقه و لم تتحرج نفوسهم من ذلك. 

  • و إما خلافتهم عمن سبقهم من الأجيال كما يخلف كل جيل سابقه، و في التعبير به أيضا ترغيب في الإنفاق فإنهم إذا تذكروا أن هذا المال كان لغيرهم فلم يدم عليهم علموا أنه كذلك لا يدوم لهم و سيتركونه لغيرهم و هان عليهم إنفاقه و سخت بذلك نفوسهم. 

  • و قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} وعد للأجر على الإنفاق تأكيدا للترغيب، و المراد بالإيمان الإيمان بالله و رسوله. 

تفسير الميزان ج۱٩

152
  • قوله تعالى: {وَ مَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} إلخ، المراد بالإيمان الإيمان بحيث يترتب عليه آثاره و منها الإنفاق في سبيل الله و إن شئت فقل: المراد ترتيب آثار ما عندهم من الإيمان عليه. 

  • و قوله: {وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} عبر الرب بالرب و إضافة إليهم تلويحا إلى علة توجه الدعوة و الأمر كأنه قيل: يدعوكم لتؤمنوا بالله لأنه ربكم يجب عليكم أن تؤمنوا به. 

  • و قوله: {وَ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} تأكيد للتوبيخ المفهوم من أول الآية، و ضمير {أَخَذَ} لله سبحانه أو للرسول و على أي حال المراد بالميثاق المأخوذ هو الذي تدل عليه شهادتهم على وحدانية الله و رسالة رسوله يوم آمنوا به (صلى الله عليه وآله و سلم) من أنهم على السمع و الطاعة. 

  • و قيل: المراد بالميثاق هو الميثاق المأخوذ منهم في الذر، و على هذا فضمير {أَخَذَ} لله سبحانه، و فيه أنه بعيد عن سياق الاحتجاج عليهم فإنهم غافلون عنه، على أن أخذ الميثاق في الذر لا يختص بالمؤمنين بل يعم المنافقين و الكفار. 

  • قوله تعالى: {هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‌ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ} إلخ، المراد بالآيات البينات آيات القرآن الكريم المبينة لهم ما عليهم من فرائض الدين، و فاعل {لِيُخْرِجَكُمْ} الضمير العائد إلى الله أو إلى رسوله (صلى الله عليه وآله و سلم) و مرجع الثاني أيضا هو الأول فالميثاق ميثاقه و قد أخذه بواسطة رسوله أو بغير واسطته كما أن الإيمان به و برسوله إيمان به و لذلك قال في صدر الآية: {وَ مَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فذكر نفسه و لم يذكر رسوله إشارة إلى أن الإيمان برسوله إيمان به. 

  • و قوله: {وَ إِنَّ اَللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} في تذييل الآية برأفته تعالى و رحمته إشارة إلى أن الإيمان الذي يدعوهم إليه رسوله خير لهم و أصلح و هم الذين ينتفعون به دون الله و رسوله، ففيه تأكيد ترغيبهم على الإيمان و الإنفاق. 

  • قوله تعالى: {وَ مَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} الميراث و التراث‌ المال الذي ينتقل من الميت إلى من بقي بعده من وراثه، و إضافة الميراث إلى السماوات و الأرض بيانية فالسماوات و الأرض هي الميراث بما فيهما من الأشياء التي خلق منهما مما يمتلكه ذوو الشعور من سكنتهما فالسماوات و الأرض شاملة لما فيهما مما خلق منهما 

تفسير الميزان ج۱٩

153
  • و يتصرف فيها ذوو الشعور كالإنسان مثلا بتخصيص ما يتصرفون فيه لأنفسهم و هو الملك الاعتباري الذي هداهم الله سبحانه إلى اعتباره فيما بينهم لينتظم بذلك جهات حياتهم الدنيا. 

  • غير أنهم لا يبقون و لا يبقى لهم بل يذهبهم الموت المقدر بينهم فينتقل ما في أيديهم إلى من بعدهم و هكذا حتى يفنى الجميع و لا يبقى إلا هو سبحانه. 

  • فالأرض مثلا و ما فيها و عليها من مال ميراث من جهة أن كل جيل من سكانها يرثها ممن قبله فكانت ميراثا دائما دائرا بينهم خلفا عن سلف، و ميراث من جهة أنهم سيفنون جميعا و لا يبقى لها إلا الله الذي استخلفهم عليها. 

  • و لله سبحانه ميراث السماوات و الأرض بكلا المعنيين، أما الأول: فلأنه الذي يملكهم المال و هو المالك لما ملكهم، قال تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} لقمان: ٢٦، و قال: {وَ لِلَّهِ مُلْكُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} النور: ٤٢، و قال: {وَ آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اَللَّهِ اَلَّذِي آتَاكُمْ} النور: ٣٣. 

  • و أما الثاني: فظاهر آيات القيامة كقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الرحمن: ٢٦ و غيره، و الذي يسبق إلى الذهن أن المراد بكونهما ميراثا هو المعنى الثاني. 

  • و كيف كان ففي الآية توبيخ شديد لهم على عدم إنفاقهم في سبيل الله من المال الذي لا يرثه بالحقيقة إلا هو تعالى و لا يبقى لهم و لا لغيرهم، و الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {وَ لِلَّهِ} لتشديد التوبيخ. 

  • قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قَاتَلُوا} إلخ، الاستواء بمعنى التساوي، و قسيم قوله: {مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ} محذوف إيجازا لدلالة قوله: {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قَاتَلُوا} عليه. 

  • و المراد بالفتح - كما قيل - فتح مكة أو فتح الحديبية و عطف القتال على الإنفاق لا يخلو من إشعار بل دلالة على أن المراد بالإنفاق في سبيل الله المندوب إليه في الآيات هو الإنفاق في الجهاد. 

  • و كان الآية مسوقة لبيان أن الإنفاق في سبيل الله كلما عجل إليها كان أحب عند الله و أعظم درجة و منزلة و إلا فظاهر أن هذه الآيات نزلت بعد الفتح و القتال الذي بادروا إليه قبل الفتح و بعض المقاتل التي بعده. 

تفسير الميزان ج۱٩

154
  • و قوله: {وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللَّهُ اَلْحُسْنى‌} أي وعد الله المثوبة الحسنى كل من أنفق و قاتل قبل الفتح أو أنفق و قاتل بعده و إن كانت الطائفة الأولى أعظم درجة من الثانية، و فيه تطييب لقلوب المتأخرين إنفاقا و قتالا أن لهم نيلا من رحمته و ليسوا بمحرومين مطلقا فلا موجب لأن ييأسوا منها و إن تأخروا. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تذييل متعلق بجميع ما تقدم ففيه تشديد للتوبيخ و تقرير و تثبيت لقوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ} إلخ، و لقوله: {وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللَّهُ اَلْحُسْنى‌} و يمكن أن يتعلق بالجملة الأخيرة لكن تعلقه بالجميع أعم و أشمل. 

  • قوله تعالى: {مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} قال الراغب: و سمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضا. انتهى، و قال في المجمع: و أصله القطع فهو قطعة عن مالكه بإذنه على ضمان رد مثله. قال: و المضاعفة الزيادة على المقدار مثله أو أمثاله. انتهى، و قال الراغب: الأجر و الأجرة ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان أو أخرويا قال: و لا يقال إلا في النفع دون الضر بخلاف الجزاء فإنه يقال في النفع و الضر. انتهى ملخصا. 

  • و ما يعطيه تعالى من الثواب على عمل العبد تفضل منه من غير استحقاق من العبد فإن العبد و ما يأتيه من عمل ملك طلق له سبحانه ملكا لا يقبل النقل و الانتقال غير أنه اعتبر اعتبارا تشريعيا العبد مالكا و ملكه عمله، و هو المالك لما ملكه و هو تفضل آخر ثم اختار ما أحبه من عمله فوعده ثوابا على عمله و سماه أجرا و جزاء و هو تفضل آخر، و لا ينتفع به في الدنيا و الآخرة إلا العبد قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} آل عمران: ١٧٢، و قال: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} حم السجدة: ٨، و قال بعد وصف الجنة و نعيمها: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَ كَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} الإنسان: ٢٢، و ما وعده من الشكر و عدم المن عند إيتاء الثواب تمام التفضل. 

  • و في الآية حث بليغ على ما ندب إليه من الإنفاق في سبيل الله حيث استفهم عن الذي ينفق منهم في سبيل الله و مثل إنفاقه بأنه قرض يقرضه الله سبحانه و عليه أن يرده ثم قطع أنه لا يرد مثله إليه بل يضاعفه و لم يكتف بذلك بل أضاف إليه أجرا كريما في الآخرة و الأجر الكريم هو المرضي في نوعه و الأجر الأخروي كذلك لأنه غاية ما يتصور 

تفسير الميزان ج۱٩

155
  • من النعمة عند غاية ما يتصور من الحاجة. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعى‌ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ} إلخ، اليوم ظرف لقوله: {لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} و المراد به يوم القيامة، و الخطاب في {تَرَى} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو لكل سامع يصح خطابه، و الظاهر أن الباء في {بِأَيْمَانِهِمْ} بمعنى في. 

  • و المعنى: لمن أقرض الله قرضا حسنا أجر كريم يوم ترى أنت يا رسول الله - أو كل من يصح منه الرؤية - المؤمنين بالله و رسوله و المؤمنات يسعى نورهم أمامهم و في أيمانهم و اليمين هو الجهة التي منها سعادتهم. 

  • و الآية مطلقة تشمل مؤمني جميع الأمم و لا تختص بهذه الأمة، و التعبير عن إشراق النور بالسعي يشعر بأنهم ساعون إلى درجات الجنة التي أعدها الله سبحانه لهم و تستنير لهم جهات السعادة و مقامات القرب واحدة بعد واحدة حتى يتم لهم نورهم كما قال تعالى: {وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً} الزمر: ٧٣، و قال: {يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمَنِ وَفْداً} مريم: ٨٥، و قال: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اَللَّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى‌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} التحريم: ٨. 

  • و للمفسرين في تفسير مفردات الآية أقوال مختلفة أغمضنا عنها لعدم دليل من لفظ الآية عليها، و سيوافيك ما في الروايات المأثورة في البحث الروائي الآتي إن شاء الله. 

  • و قوله: {بُشْرَاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} إلخ، و المراد بالبشرى ما يبشر به و هو الجنة و الباقي ظاهر. 

  • و قوله: {ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ} كلام الله سبحانه و الإشارة إلى ما ذكر من سعي النور و البشرى أو من تمام قول الملائكة و الإشارة إلى الجنات و الخلود فيها. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنَافِقُونَ وَ اَلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} إلى آخر الآية، النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار و الإمهال، و إذا عدي بإلى نحو نظر إليه كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشي‌ء و إذا عدي بفي كان بمعنى التأمل، و الاقتباس أخذ قبس من النار. 

  • و السياق يفيد أنهم اليوم في ظلمة أحاطت بهم سرادقها و قد ألجئوا إلى المسير نحو دارهم التي يخلدون فيها غير أن المؤمنين و المؤمنات يسيرون بنورهم الذي يسعى بين 

تفسير الميزان ج۱٩

156
  • أيديهم و بأيمانهم فيبصرون الطريق و يهتدون إلى مقاماتهم، و أما المنافقون و المنافقات فهم مغشيون بالظلمة لا يهتدون سبيلا و هم مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا معهم و معدودين منهم فيسبق المؤمنون و المؤمنات إلى الجنة و يتأخر عنهم المنافقون و المنافقات في ظلمة تغشاهم فيسألون المؤمنين و المؤمنات أن ينتظروهم حتى يلحقوا بهم و يأخذوا قبسا من نورهم ليستضيئوا به في طريقهم. 

  • و قوله: {قِيلَ اِرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} القائل به إما الملائكة أو قوم من كمل المؤمنين كأصحاب الأعراف. 

  • و كيف كان فهو من الله و بإذنه، و الخطاب بقوله: {اِرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} قيل: إنه خطاب مبني على التهكم و الاستهزاء كما كانوا يستهزءون في الدنيا بالمؤمنين، و الأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا، و محصل المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم و عملتم فيها ما عملتم على النفاق، و التمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان و لا إيمان لكم و لا عمل. 

  • و يمكن أن يجعل هذا وجها على حياله من غير معنى الاستهزاء بأن يكون قوله: {اِرْجِعُوا} أمرا بالرجوع إلى الدنيا و اكتساب النور بالإيمان و العمل الصالح و ليسوا براجعين و لا يستطيعون فيكون الأمر بالرجوع كالأمر بالسجود المذكور في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ} القلم: ٤٣. 

  • و قيل: المراد ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور و التمسوا من هناك فيرجعون فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم و قد ضرب بينهم بسور، و هذا خدعة منه تعالى يخدعهم بها كما كانوا في الدنيا يخادعونه كما قال: {إِنَّ اَلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اَللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ} النساء: ١٤٢. 

  • قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذَابُ} سور المدينة حائطها الحاجز بينها و بين الخارج منها، و الضمير في {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} راجع إلى المؤمنين و المنافقين جميعا أي ضرب بين المؤمنين و بين المنافقين بسور حاجز يحجز إحدى الطائفتين عن الأخرى. 

  • قيل: السور هو الأعراف و هو غير بعيد و قد تقدمت إشارة إليه في تفسير قوله 

تفسير الميزان ج۱٩

157
  • تعالى: {وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَ عَلَى اَلْأَعْرَافِ رِجَالٌ} (الآية) الأعراف: ٤٦، و قيل: السور غير الأعراف. 

  • و قوله: {لَهُ بَابٌ} أي للسور باب و هذا يشبه حال المنافقين في الدنيا فقد كانوا فيها بين المؤمنين لهم اتصال بهم و ارتباط و هم مع ذلك محجوبون عنهم بحجاب. على أنهم يرون أهل الجنة و يزيد بذلك حسرتهم و ندامتهم. 

  • و قوله: {بَاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذَابُ} {بَاطِنُهُ} مبتدأ و جملة {فِيهِ اَلرَّحْمَةُ} مبتدأ و خبر و هي خبر {بَاطِنُهُ} و كذا {ظَاهِرُهُ} مبتدأ و جملة {مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذَابُ} مبتدأ و خبر هي خبره، و ضميرا {فِيهِ} للباطن و الظاهر. 

  • و يظهر من كون باطن السور فيه رحمة و ظاهره من قبله العذاب أن السور محيط بالمؤمنين و هم في داخله و المنافقون في الخارج منه. 

  • و في اشتمال داخله الذي يلي المؤمنين على الرحمة و ظاهره الذي يلي المنافقين على العذاب مناسبة لحال الإيمان في الدنيا فإنه نعمة لأهل الإخلاص من المؤمنين يبتهجون بها و يلتذون و عذاب لأهل النفاق يتحرجون من التلبس به و يتألمون منه. 

  • قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} إلى آخر الآية استئناف في معنى جواب السؤال كأنه قيل: فما ذا يفعل المنافقون و المنافقات بعد ضرب السور و مشاهدة العذاب من ظاهره؟ فقيل: ينادونهم إلخ. 

  • و المعنى: ينادي المنافقون و المنافقات المؤمنين و المؤمنات بقولهم: {أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} يريدون به كونهم في الدنيا مع المؤمنين و المؤمنات في ظاهر الدين. 

  • و قوله: {قَالُوا بَلى‌} إلى آخر الآية جواب المؤمنين و المؤمنات لهم و المعنى: {قَالُوا} أي قال المؤمنون و المؤمنات جوابا لهم {بَلى‌} كنتم في الدنيا معنا {وَ لَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ} أي محنتم و أهلكتم {أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ} الدوائر بالدين و أهله {وَ اِرْتَبْتُمْ} و شككتم في دينكم {وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمَانِيُّ} و منها أمنيتكم أن الدين سيطفأ نوره و يتركه أهله {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ} و هو الموت {وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} بفتح الغين و هو الشيطان. 

  • و الآية - كما ترى - تفيد أن المنافقين و المنافقات يستنصرون المؤمنين و المؤمنات على ما هم فيه من الظلمة متوسلين بأنهم كانوا معهم في الدنيا ثم تفيد أن المؤمنين و المؤمنات يجيبون بأنهم كانوا معهم لكن قلوبهم كانت لا توافق ظاهر حالهم حيث يفتنون أنفسهم 

تفسير الميزان ج۱٩

158
  • و يتربصون و يرتابون و تغرهم الأماني و يغرهم بالله الغرور، و هذه الصفات الخبيثة آفات القلوب فكانت القلوب غير سليمة و لا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم قال تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَ لاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اَللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشعراء: ٨٩. 

  • قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} تتمة كلام المؤمنين و المؤمنات يخاطبون به المنافقين و المنافقات و يضيفون إليهم الكفار و هم المعلنون لكفرهم أنهم رهناء أعمالهم كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} المدثر: ٣٨، لا يؤخذ منهم فدية يخلصون بها أنفسهم و الفدية أحد الأمرين اللذين بهما التخلص من الرهانة و الآخر ناصر ينصر فينجي و قد نفوه بقولهم: {مَأْوَاكُمُ اَلنَّارُ} إلخ. 

  • فقوله: {مَأْوَاكُمُ اَلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ} ينفي أي ناصر ينصرهم و ينجيهم من النار غير النار على ما يفيده قوله: {هِيَ مَوْلاَكُمْ} من الحصر، و المولى هو الناصر و الجملة مسوقة للتهكم. 

  • و يمكن أن يكون المولى بمعنى من يلي الأمر فإنهم كانوا يدعون لحوائجهم من المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و المسكن غير الله سبحانه و حقيقته النار فاليوم مولاهم النار و هي التي تعد لهم ذلك فمأكلهم من الزقوم و مشربهم من الحميم و ملبسهم من ثياب قطعت من النار و قرناؤهم الشياطين و مأواهم النار على ما أخبر الله سبحانه به في آيات كثيرة من كلامه. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عام الحديبية حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا: من هم يا رسول الله أ قريش؟ قال: لا و لكنهم أهل اليمن هم أرق أفئدة و ألين قلوبا. قلنا: أ هم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم و لا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا و بين الناس {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ} (الآية). 

تفسير الميزان ج۱٩

159
  •  أقول: روي هذا المعنى بغير واحد من الطرق بألفاظ متقاربة و هي مشتملة على الآية و يشكل بأن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد الفتح و المراد به إما الحديبية أو فتح مكة فلا تنطبق على ما قبل الفتح. 

  • و فيه، أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قَاتَلَ} قال أبو الدحداح: و الله لأنفقن اليوم نفقة أدرك بها من قبلي و لا يسبقني بها أحد بعدي فقال: اللهم كل شي‌ء يملكه أبو الدحداح فإن نصفه لله حتى بلغ فرد نعله ثم قال: و هذا.

  • و في تفسير القمي في قوله: {يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعى‌ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ} قال: يقسم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم يقسم للمنافق فيكون نوره بين إبهام رجله اليسرى فينظر نوره ثم يقول للمؤمنين: مكانكم حتى أقتبس من نوركم فيقول المؤمنون لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا و يضرب بينهم بسور له باب فينادون من وراء السور للمؤمنين: {أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا: بَلىَ وَ لَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} قال: بالمعاصي {وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ} قال: أي شككتم و تربصتم. 

  • و قوله: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} قال: و الله ما عنى بذلك اليهود و النصارى و ما عنى به إلا أهل القبلة ثم قال: {مَأْوَاكُمُ اَلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ} قال: هي أولى بكم. 

  • أقول: يعني بأهل القبلة المنافقين منهم. 

  • و في الكافي، بإسناده عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تجنبوا المنى فإنها تذهب بهجة ما خولتم و تستصغرون بها مواهب الله جل و عز عندكم و تعقبكم الحسرات فيما وهمتم به أنفسكم. 

  •  

  • [سورة الحديد (٥٧): الآیات ١٦ الی ٢٤]

  • {أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ١٦ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ اَلْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٧} 

تفسير الميزان ج۱٩

160
  • إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقَاتِ وَ أَقْرَضُوا اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١٨ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلْجَحِيمِ ١٩ اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانٌ وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ اَلْغُرُورِ ٢٠سَابِقُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ٢١ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ ٢٢ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلى‌ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٢٣ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ ٢٤} 

  • (بيان) 

  • جرى على وفق مقصد الكلام السابق و هو الحث و الترغيب في الإيمان بالله و رسوله 

تفسير الميزان ج۱٩

161
  • و الإنفاق في سبيل الله و تتضمن عتاب المؤمنين على ما يظهر من علائم قسوة القلوب منهم، و تأكيد الحث على الإنفاق ببيان درجة المنفقين عند الله و الأمر بالمسابقة إلى المغفرة و الجنة و ذم الدنيا و أهلها الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل. 

  • و قد تغير السياق خلال الآيات إلى سياق عام يشمل المسلمين و أهل الكتاب بعد اختصاص السياق السابق بالمسلمين و سيجي‌ء توضيحه. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ} إلى آخر الآية، يقال: أنى يأني إنى و إناء أي جاء وقته، و خشوع القلب تأثره قبال العظمة و الكبرياء، و المراد بذكر الله ما يذكر به الله، و ما نزل من الحق هو القرآن النازل من عنده تعالى و {مِنَ اَلْحَقِّ} بيان لما نزل، و من شأن ذكر الله تعالى عند المؤمن أن يعقب خشوعا كما أن من شأن الحق النازل من عنده تعالى أن يعقب خشوعا ممن آمن بالله و رسله. 

  • و قيل: المراد بذكر الله و ما نزل من الحق جميعا القرآن، و على هذا فذكر القرآن بوصفيه لكون كل من الوصفين مستدعيا لخشوع المؤمن فالقرآن لكونه ذكر الله يستدعي الخشوع كما أنه لكونه حقا نازلا من عنده تعالى يستدعي الخشوع. 

  • و في الآية عتاب للمؤمنين على ما عرض لقلوبهم من القسوة و عدم خشوعها لذكر الله و الحق النازل من عنده تعالى و تشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل عليهم الكتاب و طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. 

  • و قوله: {وَ لاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} عطف على قوله: {تَخْشَعَ} إلخ، و المعنى: أ لم يأن لهم أن تخشع قلوبهم و أن لا يكونوا إلخ، و الأمد الزمان، قال الراغب: الفرق بين الزمان و الأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية و الزمان عام في المبدأ و الغاية و لذلك قال بعضهم: إن المدى و الأمد يتقاربان. انتهى. 

  • و قد أشار سبحانه بهذا الكلام إلى صيرورة قلوبهم كقلوب أهل الكتاب القاسية و القلب القاسي حيث يفقد الخشوع و التأثر عن الحق ربما خرج عن زي العبودية فلم يتأثر عن المناهي و اقترف الإثم و الفسوق، و لذا أردف قوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} بقوله: {وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}

  • قوله تعالى: {اِعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} إلى آخر الآية في تعقيب عتاب 

تفسير الميزان ج۱٩

162
  • المؤمنين على قسوة قلوبهم بهذا التمثيل تقوية لرجائهم و ترغيب لهم في الخشوع. 

  • و يمكن أن يكون من تمام العتاب السابق و يكون تنبيها على أن الله لا يخلي هذا الدين على ما هو عليه من الحال بل كلما قست قلوب و حرموا الخشوع لأمر الله جاء بقلوب حية خاشعة له يعبد بها كما يريد. 

  • فتكون الآية في معنى قوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اَللَّهُ اَلْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ اَلْفُقَرَاءُ وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} سورة محمد: ٣٨. 

  • و لذلك ذيل الآية بقوله: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ اَلْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقَاتِ وَ أَقْرَضُوا اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} تكرار لحديث المضاعفة و الأجر الكريم للترغيب في الإنفاق في سبيل الله و قد أضيف إلى الذين أقرضوا الله قرضا حسنا المصدقون و المصدقات. 

  • و المصدقون و المصدقات - بتشديد الصاد و الدال - المتصدقون و المتصدقات، و قوله: {وَ أَقْرَضُوا اَللَّهَ} عطف على مدخول اللام في {اَلْمُصَّدِّقِينَ}، و المعنى: أن الذين تصدقوا و الذين أقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ما أعطوه و لهم أجر كريم. 

  • قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} إلخ، لم يقل: آمنوا بالله و رسوله كما قال في أول السورة: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا} و قال في آخرها: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ} لأنه تعالى لما ذكر أهل الكتاب في الآية السابقة بقوله: {وَ لاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} عدل عن السياق السابق إلى سياق عام يشمل المسلمين و أهل الكتاب جميعا كما قال بعد: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} و أما الآيتان المذكورتان في أول السورة و آخرها فالخطاب فيهما لمؤمني هذه الأمة خاصة و لذا جي‌ء فيهما بالرسول مفردا. 

  • و المراد بالإيمان بالله و رسله محض الإيمان الذي لا يفارق بطبعه الطاعة و الاتباع كما مرت الإشارة إليه في قوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ} الآية، و المراد بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدَاءُ} إلحاقهم بالصديقين و الشهداء بقرينة قوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} و قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ} فهم ملحقون بالطائفتين يعامل معهم معاملة الصديقين و الشهداء فيعطون مثل أجرهم و نورهم. 

تفسير الميزان ج۱٩

163
  • و الظاهر أن المراد بالصديقين و الشهداء هم المذكورون في قوله: {وَ مَنْ يُطِعِ اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدَاءِ وَ اَلصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} النساء: ٦٩، و قد تقدم في تفسير الآية أن المراد بالصديقين هم الذين سرى الصدق في قولهم و فعلهم فيفعلون ما يقولون و يقولون ما يفعلون، و الشهداء هم شهداء الأعمال يوم القيامة دون الشهداء بمعنى المقتولين في سبيل الله. 

  • فهؤلاء الذين آمنوا بالله و رسله ملحقون بالصديقين و الشهداء منزلون منزلتهم عند الله أي بحكم منه لهم أجرهم و نورهم. 

  • و قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ} ضمير {لَهُمْ} للذين آمنوا، و ضمير {أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ} للصديقين و الشهداء أي للذين آمنوا أجر من نوع أجر الصديقين و الشهداء و نور من نوع نورهم، و هذا معنى قول من قال: إن المعنى: لهم أجر كأجرهم و نور كنورهم. 

  • و ربما قيل: إن الآية مسوقة لبيان أنهم صديقون و شهداء على الحقيقة من غير إلحاق و تنزيل فهم هم لهم أجرهم و نورهم، و لعل السياق لا يساعد عليه. 

  • و ربما قيل: إن قوله: {وَ اَلشُّهَدَاءُ} ليس عطفا على قوله: {اَلصِّدِّيقُونَ} بل استئناف و {اَلشُّهَدَاءُ} مبتدأ خبره {عِنْدَ رَبِّهِمْ} و خبره الآخر {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} فقد قيل: و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون، و قد تم الكلام ثم استؤنف و قيل: {وَ اَلشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} كما قيل: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} آل عمران: ١٦٩، و المراد بالشهداء المقتولون في سبيل الله، ثم تمم الكلام بقوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ}

  • و قوله: {وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلْجَحِيمِ} أي لا يفارقونها و هم فيها دائمين. 

  • و قد تعرض سبحانه في الآية لشأن الملحقين بالصديقين و الشهداء و هم خيار الناس و الناجون قطعا، و الكفار المكذبين لآياته و هم شرار الناس و الهالكون قطعا و بقي فريق بين الفريقين و هم المؤمنون المقترفون للمعاصي و الذنوب على طبقاتهم في التمرد على الله و رسوله، و هذا دأب القرآن في كثير من موارد التعرض لشأن الناس يوم القيامة. 

  • و ذلك ليكون بعثا لقريحتي الخوف و الرجاء في ذلك الفريق المتخلل بين الخيار و الشرار فيميلوا إلى السعادة و يختاروا النجاة على الهلاك. 

  • و لذلك أعقب الآية بذم الحياة الدنيا التي تعلق بها هؤلاء الممتنعون من الإنفاق في سبيل الله 

تفسير الميزان ج۱٩

164
  • ثم بدعوتهم إلى المسابقة إلى المغفرة و الجنة ثم بالإشارة إلى أن ما يصيبهم من المصيبة في أموالهم و أنفسهم مكتوبة في كتاب سابق و قضاء متقدم فليس ينبغي لهم أن يخافوا الفقر في الإنفاق في سبيل الله، فيبخلوا و يمسكوا أو يخافوا الموت في الجهاد في سبيل الله فيتخلفوا و يقعدوا. 

  • قوله تعالى: {اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ} إلخ، اللعب‌ عمل منظوم لغرض خيالي كلعب الأطفال، و اللهو ما يشغل الإنسان عما يهمه، و الزينة بناء نوع و ربما يراد به ما يتزين به و هي ضم شي‌ء مرغوب فيه إلى شي‌ء آخر ليرغب فيه بما اكتسب به من الجمال، و التفاخر المباهاة بالأنساب و الأحساب، و التكاثر في الأموال و الأولاد. 

  • و الحياة الدنيا عرض زائل و سراب باطل لا يخلو من هذه الخصال الخمس المذكورة: اللعب و اللهو و الزينة و التفاخر و التكاثر و هي التي يتعلق بها هوى النفس الإنسانية ببعضها أو بجميعها و هي أمور وهمية و أعراض زائلة لا تبقى للإنسان و ليست و لا واحدة منها تجلب للإنسان كمالا نفسيا و لا خيرا حقيقيا. 

  • و عن شيخنا البهائي رحمه الله أن الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة بحسب سني عمر الإنسان و مراحل حياته فيتولع أولا باللعب و هو طفل أو مراهق ثم إذا بلغ و اشتد عظمه تعلق باللهو و الملاهي ثم إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة و المراكب البهية و المنازل العالية و توله للحسن و الجمال ثم إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب و الأنساب ثم إذا شاب سعى في تكثير المال و الولد. 

  • و قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} مثل لزينة الحياة الدنيا التي يتعلق بها الإنسان غرورا ثم لا يلبث دون أن يسلبها. 

  • و الغيث‌ المطر و الكفار جمع كافر بمعنى الحارث، و يهيج‌ من الهيجان و هو الحركة، و الحطام‌ الهشيم المتكسر من يابس النبات. 

  • و المعنى: أن مثل الحياة الدنيا في بهجتها المعجبة ثم الزوال كمثل مطر أعجب الحراث نباته الحاصل بسببه ثم يتحرك إلى غاية ما يمكنه من النمو فتراه مصفر اللون ثم يكون هشيما متكسرا متلاشيا تذروه الرياح. 

  • و قوله: {وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانٌ} سبق المغفرة على 

تفسير الميزان ج۱٩

165
  • الرضوان لتطهير المحل ليحل به الرضوان، و توصيف المغفرة بكونه من الله دون العذاب لا يخلو من إيماء إلى أن المطلوب بالقصد الأول هو المغفرة و أما العذاب فليس بمطلوب في نفسه و إنما يتسبب إليه الإنسان بخروجه عن زي العبودية كما قيل. 

  • و قوله: {وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ اَلْغُرُورِ} أي متاع التمتع منه هو الغرور به، و هذا للمتعلق المغرور بها. 

  • و الكلام أعني قوله: {وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانٌ} إشارة إلى وجهي الحياة الآخرة ليأخذ السامع حذره فيختار المغفرة و الرضوان على العذاب، ثم في قوله: {وَ مَا اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ اَلْغُرُورِ} تنبيه و إيقاظ لئلا تغره الحياة الدنيا بخاصة غروره. 

  • قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ المسابقة هي المغالبة في السبق للوصول إلى غرض بأن يريد كل من المسابقين جعل حركته أسرع من حركة صاحبه ففي معنى المسابقة ما يزيد على معنى المسارعة فإن المسارعة الجد في تسريع الحركة و المسابقة الجد في تسريعها بحيث تزيد في السرعة على حركة صاحبه. 

  • و على هذا فقوله: {سَابِقُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ} إلخ، يتضمن من التكليف ما هو أزيد مما يتضمنه قوله: {سَارِعُوا إِلى‌ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران: ١٣٣. 

  • و يظهر به عدم استقامة ما قيل: إن آية آل عمران في السابقين المقربين و الآية التي نحن فيها في عامة المؤمنين حيث لم يذكر فيها إلا الإيمان بالله و رسله بخلاف آية آل عمران فإنها مذيلة بجملة الأعمال الصالحة، و لذا أيضا وصف الجنة الموعودة هناك بقوله: {عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ} بخلاف ما هاهنا حيث قيل: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} فدل على أن جنة أولئك أوسع من جنة هؤلاء. 

  • وجه عدم الاستقامة ما عرفت أن المكلف به في الآية المبحوث عنها معنى فوق ما كلف به في آية آل عمران. على أن اللام في {اَلسَّمَاءِ} للجنس فتنطبق على {اَلسَّمَاوَاتُ} في تلك الآية. 

  • و تقديم المغفرة على الجنة في الآية لأن الحياة في الجنة حياة طاهرة في عالم الطهارة فيتوقف التلبس بها على زوال قذارات الذنوب و أوساخها. 

تفسير الميزان ج۱٩

166
  • و المراد بالعرض السعة دون العرض المقابل للطول و هو معنى شائع، و الكلام كأنه مسوق للدلالة على انتهائها في السعة. 

  • و قيل: المراد بالعرض ما يقابل الطول و الاقتصار على ذكر العرض أبلغ من ذكر الطول معه فإن العرض أقصر الامتدادين و إذا كان كعرض السماء و الأرض كان طولها أكثر من طولهما. 

  • و لا يخلو الوجه من تحكم إذ لا دليل على مساواة طول السماء و الأرض لعرضهما ثم على زيادة طول الجنة على عرضها حتى يلزم زيادة طول الجنة على طولهما و الطول قد يساوي العرض كما في المربع و الدائرة و سطح الكرة و غيرها و قد يزيد عليه. 

  • و قوله: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ} قد عرفت في ذيل قوله: {آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ} و قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ} أن المراد بالإيمان بالله و رسله هو مرتبة عالية من الإيمان تلازم ترتب آثاره عليه من الأعمال الصالحة و اجتناب الفسوق و الإثم. 

  • و بذلك يظهر أن قول بعضهم: إن في الآية بشارة لعامة المؤمنين حيث قال: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ} و لم يقيد الإيمان بشي‌ء من العمل الصالح و نحوه غير سديد فإن خطاب الآية و إن كان بظاهر لفظه يعم الكافر و المؤمن الصالح و الطالح لكن وجه الكلام إلى المؤمنين يدعوهم إلى الإيمان الذي يصاحب العمل الصالح، و لو كان المراد بالإيمان بالله و رسله مجرد الإيمان و لو لم يصاحبه عمل صالح و كانت الجنة معدة لهم و الآية تدعو إلى السباق إلى المغفرة و الجنة كان خطاب {سَابِقُوا} متوجها إلى الكفار فإن المؤمنين قد سبقوا و سياق الآيات يأباه. 

  • و قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} و قد شاء أن يؤتيه الذين آمنوا بالله و رسله، و قد تقدم بيان أن ما يؤتيه الله من الأجر لعباده المؤمنين فضل منه تعالى من غير أن يستحقوه عليه. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ} إشارة إلى عظمة فضله، و أن ما يثيبهم به من المغفرة و الجنة من عظيم فضله. 

  • قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} إلخ، المصيبة الواقعة التي تصيب الشي‌ء مأخوذة من إصابة السهم الغرض و هي بحسب المفهوم أعم من الخير و الشر لكن غلب استعمالها في الشر فالمصيبة هي النائبة، 

تفسير الميزان ج۱٩

167
  • و المصيبة التي تصيب في الأرض كالجدب و عاهة الثمار و الزلزلة المخربة و نحوها، و التي تصيب في الأنفس كالمرض و الجرح و الكسر و القتل و الموت، و البرء و البروء الخلق من العدم، و ضمير {نَبْرَأَهَا} للمصيبة، و قيل: للأنفس، و قيل: للأرض، و قيل: للجميع من الأرض و الأنفس و المصيبة، و يؤيد الأول أن المقام مقام بيان ما في الدنيا من المصائب الموجبة لنقص الأموال و الأنفس التي تدعوهم إلى الإمساك عن الإنفاق و التخلف عن الجهاد. 

  • و المراد بالكتاب اللوح المكتوب فيه ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة كما تدل عليه الآيات و الروايات و إنما اقتصر على ذكر ما يصيب في الأرض و في أنفسهم من المصائب لكون الكلام فيها. 

  • قيل: إنما قيد المصيبة بما في الأرض و في الأنفس لأن مطلق المصائب غير مكتوبة في اللوح لأن اللوح متناه و الحوادث غير متناهية و لا يكون المتناهي ظرفا لغير المتناهي. 

  • و الكلام مبني على أن المراد باللوح لوح فلزي أو نحوه منصوب في ناحية من نواحي الجو مكتوب فيه الحوادث بلغة من لغاتنا بخط يشبه خطوطنا، و قد مر كلام في معنى اللوح و القلم و سيجي‌ء له تتمة. 

  • و قيل: المراد بالكتاب علمه تعالى و هو خلاف الظاهر إلا أن يراد به أن الكتاب المكتوب فيه الحوادث من مراتب علمه الفعلي. 

  • و ختم الآية بقوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ} للدلالة على أن تقدير الحوادث قبل وقوعها و القضاء عليها بقضاء لا يتغير لا صعوبة فيه عليه تعالى. 

  • قوله تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلى‌ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} إلخ، تعليل راجع إلى الآية السابقة و هو تعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقوعها لا لنفس الكتابة، و الأسى‌ الحزن، و المراد بما فات و ما آتى النعمة الفائتة و النعمة المؤتاة. 

  • و المعنى: أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل حدوثها و تحققها لئلا تحزنوا بما فاتكم من النعم و لا تفرحوا بما أعطاكم الله منها لأن الإنسان إذا أيقن أن الذي أصابه مقدر كائن لا محالة لم يكن ليخطئه و أن ما أوتيه من النعم وديعة عنده إلى أجل مسمى لم يعظم حزنه إذا فاته و لا فرحه إذا أوتيه. 

  • قيل: إن اختلاف الإسناد في قوليه: {مَا فَاتَكُمْ} و {بِمَا آتَاكُمْ} حيث أسند الفوت 

تفسير الميزان ج۱٩

168
  • إلى نفس الأشياء و الإيتاء إلى الله سبحانه لأن الفوات و العدم ذاتي للأشياء فلو خليت و نفسها لم تبق بخلاف حصولها و بقائها فإنه لا بد من استنادهما إلى الله تعالى. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} المختال‌ من أخذته الخيلاء و هي التكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه - على ما ذكره الراغب - و الفخور الكثير الفخر و المباهاة و الاختيال و الفخر ناشئان عن توهم الإنسان أنه يملك ما أوتيه من النعم باستحقاق من نفسه، و هو مخالف لما هو الحق من استناد ذلك إلى تقدير من الله لا لاستقلال من نفس الإنسان فهما من الرذائل و الله لا يحبها. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبُخْلِ} وصف لكل مختال فخور يفيد تعليل عدم حبه تعالى. و الوجه في بخلهم الاحتفاظ للمال الذي يعتمد عليه اختيالهم و فخرهم و الوجه في أمرهم الناس بالبخل أنهم يحبونه لأنفسهم فيحبونه لغيرهم، و لأن شيوع السخاء و الجود بين الناس و إقبالهم على الإنفاق في سبيل الله يوجب أن يعرفوا بالبخل المذموم. 

  • و قوله: {وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ} أي و من يعرض عن الإنفاق و لم يتعظ بعظة الله و لا اطمأن قلبه بما بينه من صفات الدنيا و نعت الجنة و تقدير الأمور فإن الله هو الغني فلا حاجة له إلى إنفاقهم، و المحمود في أفعاله. 

  • و الآيات الثلاث أعني قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ } إلى قوله {اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ} كما ترى حث على الإنفاق و ردع عن البخل و الإمساك بتزهيدهم عن الأسى بما فاتهم و الفرح بما آتاهم لأن الأمور مقدرة مقضية مكتوبة في كتاب معينة قبل أن يبرأها الله سبحانه. 

  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور في قوله تعالى: {أَ لَمْ يَأْنِ} )الآية( أخرج ابن المبارك و عبد الرزاق و ابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت: {أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

  • أقول: هذه أعدل الروايات في نزول السورة و هناك‌ رواية عن ابن مسعود قال: ما 

تفسير الميزان ج۱٩

169
  • كان بين إسلامنا و بين أن عاتبنا الله بهذه {أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ} إلا أربع سنين‌، و ظاهره كون السورة مكية، و في معناه ما ورد أن عمر آمن بعد نزول هذه السورة و قد عرفت أن سياق آيات السورة تأبى إلا أن تكون مدنية، و يمكن حمل رواية ابن مسعود على كون آية {أَ لَمْ يَأْنِ} إلخ، أو هي و التي تتلوها مما نزل بمكة دون باقي آيات السورة. 

  • و في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن فأنزل الله {أَ لَمْ يَأْنِ} (الآية)، و لازمه نزول السورة سنة أربع أو خمس من الهجرة، و في رواية أخرى عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: {أَ لَمْ يَأْنِ} إلخ، و لازمه نزول السورة أيام الهجرة، و الروايتان أيضا لا تلائمان سياق آياتها. 

  • و فيه، أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: مؤمنوا أمتي شهداء، ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

  • و في تفسير العياشي، بإسناده عن منهال القصاب قال لأبي عبد الله (عليه السلام): ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال: إن المؤمن شهيد و قرأ هذه الآية.

  • أقول: و في معناه روايات أخرى و ظاهر بعضها كهذه الرواية تفسير الشهادة بالقتل في سبيل الله. 

  • في تفسير القمي، بإسناده عن حفص بن غياث قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا؟ فقال: قد حده الله في كتابه فقال عز و جل: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلى‌ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.

  • و في نهج البلاغة، قال (عليه السلام): الزهد كلمة بين كلمتين من القرآن قال الله تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلى‌ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} و من لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.

  • أقول: و الأساس الذي يبتنيان عليه عدم تعلق القلب بالدنيا، و في الحديث المعروف: حب الدنيا رأس كل خطيئة. 

تفسير الميزان ج۱٩

170
  • [سورة الحديد (٥٧): الآیات ٢٥ الی ٢٩]

  • {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢٥ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ٢٦ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلى‌ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْنَاهُ اَلْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنَا فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغَاءَ رِضْوَانِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ٢٧ يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٨ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ٢٩} 

  • (بيان) 

  • ثم إنه تعالى إثر ما أشار إلى قسوة قلوب المؤمنين و تثاقلهم و فتورهم في امتثال التكاليف الدينية و خاصة في الإنفاق في سبيل الله، الذي به قوام أمر الجهاد و شبههم بأهل الكتاب 

تفسير الميزان ج۱٩

171
  • حيث قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد. 

  • ذكر أن الغرض الإلهي من إرسال الرسل و إنزال الكتاب و الميزان معهم أن يقوم الناس بالقسط، و أن يعيشوا في مجتمع عادل، و قد أنزل الحديد ليمتحن عباده في الدفاع عن مجتمعهم الصالح و بسط كلمة الحق في الأرض مضافا إلى ما في الحديد من منافع ينتفعون بها. 

  • ثم ذكر أنه أرسل نوحا و إبراهيم (عليه السلام) و جعل في ذريتهما النبوة و الكتاب و أتبعهم بالرسول بعد الرسول فاستمر الأمر في كل من الأمم على إيمان بعضهم و اهتدائه و كثير منهم فاسقون، ثم ختم الكلام في السورة بدعوتهم إلى تكميل إيمانهم ليؤتوا كفلين من الرحمة. 

  • قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ} إلخ، استئناف يتبين به معنى تشريع الدين بإرسال الرسل و إنزال الكتاب و الميزان و أن الغرض من ذلك قيام الناس بالقسط و امتحانهم بذلك و بإنزال الحديد ليتميز من ينصر الله بالغيب و يتبين أن أمر الرسالة لم يزل مستمرا بين الناس و لم يزالوا يهتدي من كل أمة بعضهم و كثير منهم فاسقون. 

  • فقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالآيات البينات التي يتبين بها أنهم مرسلون من جانب الله سبحانه من المعجزات الباهرة و البشارات الواضحة و الحجج القاطعة. 

  • و قوله: {وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ} و هو الوحي الذي يصلح أن يكتب فيصير كتابا، المشتمل على معارف الدين من اعتقاد و عمل و هو خمسة: كتاب نوح و كتاب إبراهيم و التوراة و الإنجيل و القرآن. 

  • و قوله: {وَ اَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ} فسروا الميزان‌ بذي الكفتين الذي يوزن به الأثقال، و أخذوا قوله: {لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ} غاية متعلقة بإنزال الميزان و المعنى: 

  • و أنزلنا الميزان ليقوم الناس بالعدل في معاملاتهم فلا يخسروا باختلال الأوزان و النسب بين الأشياء فقوام حياة الإنسان بالاجتماع، و قوام الاجتماع بالمعاملات الدائرة بينهم و المبادلات في الأمتعة و السلع و قوام المعاملات في ذوات الأوزان بحفظ النسب بينها و هو شأن الميزان. 

  • و لا يبعد - و الله أعلم - أن يراد بالميزان الدين فإن الدين هو الذي يوزن به عقائد أشخاص الإنسان و أعمالهم، و هو الذي به قوام حياة الناس السعيدة مجتمعين و منفردين، و هذا المعنى أكثر ملائمة للسياق المتعرض لحال الناس من حيث خشوعهم و قسوة قلوبهم 

تفسير الميزان ج۱٩

172
  • و جدهم و مساهلتهم في أمر الدين. و قيل: المراد بالميزان هنا العدل و قيل: العقل. 

  • و قوله: {وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ} الظاهر أنه كقوله تعالى: {وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الزمر: ٦، و قد تقدم في تفسير الآية أن تسمية الخلق في الأرض إنزالا إنما هو باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي عنده و من الغيب إلى الشهادة قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر: ٢١. 

  • و قوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ} البأس‌ هو الشدة في التأثير و يغلب استعماله في الشدة في الدفاع و القتال، و لا تزال الحروب و المقاتلات و أنواع الدفاع ذات حاجة شديدة إلى الحديد و أقسام الأسلحة المعمولة منه منذ تنبه البشر له و استخرجه. 

  • و أما ما فيه من المنافع للناس فلا يحتاج إلى البيان فله دخل في جميع شعب الحياة و ما يرتبط بها من الصنائع. 

  • و قوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} غاية معطوفة على محذوف و التقدير و أنزلنا الحديد لكذا و ليعلم الله من ينصره إلخ، و المراد بنصره و رسله الجهاد في سبيله دفاعا عن مجتمع الدين و بسطا لكلمة الحق، و كون النصر بالغيب كونه في حال غيبته منهم أو غيبتهم منه، و المراد بعلمه بمن ينصره و رسله تميزهم ممن لا ينصر. 

  • و ختم الآية بقوله: {إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} و كان وجهه الإشارة إلى أن أمره تعالى لهم بالجهاد إنما هو ليتميز الممتثل منهم من غيره لا لحاجة منه تعالى إلى ناصر ينصره أنه تعالى قوي لا سبيل للضعف إليه عزيز لا سبيل للذلة إليه. 

  • قوله تعالى: {وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} شروع في الإشارة إلى أن الاهتداء و الفسق جاريان في الأمم الماضية حتى اليوم فلم تصلح أمة من الأمم بعامة أفرادها بل لم يزل كثير منهم فاسقين. 

  • و ضمير {فَمِنْهُمْ} و {فَمِنْهُمْ} للذرية و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلى‌ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْنَاهُ اَلْإِنْجِيلَ} في المجمع: التقفية جعل الشي‌ء في إثر شي‌ء على الاستمرار فيه، و لهذا قيل لمقاطع الشعر قواف إذ كانت تتبع البيت على أثره مستمرة في غيره على منهاجه. انتهى. 

  • و ضمير {عَلى‌ آثَارِهِمْ} لنوح و إبراهيم و السابقين من ذريتهما، و الدليل عليه أنه لا نبي 

تفسير الميزان ج۱٩

173
  • بعد نوح إلا من ذريته لأن النسل بعده له. على أن عيسى من ذرية إبراهيم قال تعالى في نوح: {وَ جَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبَاقِينَ} الصافات: ٧٧، و قال: {وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ} - إلى أن قال - {وَ عِيسى‌} الأنعام: ٨٥، فالمراد بقوله: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلى‌ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا} إلخ، التقفية باللاحقين من ذريتهما على آثارهما و السابقين من ذريتهما. 

  • و في قوله: {عَلى‌ آثَارِهِمْ} إشارة إلى أن الطريق المسلوك واحد يتبع فيه بعضهم أثر بعض. 

  • و قوله: {وَ قَفَّيْنَا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْنَاهُ اَلْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنَا فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً} الرأفة و الرحمة - على ما قالوا - مترادفان، و نقل عن بعضهم أن الرأفة يقال في درء الشر و الرحمة في جلب الخير. 

  • و الظاهر أن المراد بجعل الرأفة و الرحمة في قلوب الذين اتبعوه توفيقهم للرأفة و الرحمة فيما بينهم فكانوا يعيشون على المعاضدة و المسالمة كما وصف الله سبحانه الذين مع النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بالرحمة إذ قال: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: ٢٩، و قيل: المراد بجعل الرأفة و الرحمة في قلوبهم الأمر بهما و الترغيب فيهما و وعد الثواب عليهما. 

  • و قوله: {وَ رَهْبَانِيَّةً اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الرهبانية من الرهبة و هي الخشية، و يطلق عرفا على انقطاع الإنسان من الناس لعبادة الله خشية منه، و الابتداع‌ إتيان ما لم يسبق إليه في دين أو سنة أو صنعة، و قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: ما معنى ابتداعهم لها؟ فقيل: ما كتبناها عليهم. 

  • و المعنى: أنهم ابتدعوا من عند أنفسهم رهبانية من غير أن نشرعه نحن لهم. 

  • و قوله: {إِلاَّ اِبْتِغَاءَ رِضْوَانِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} استثناء منقطع معناه ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاء لرضوان الله و طلبا لمرضاته فما حافظوا عليها حق محافظتها بتعديهم حدودها. 

  • و فيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده تعالى و إن لم يشرعها بل كانوا هم المبتدعين لها. 

  • و قوله: {فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} إشارة إلى أنهم كالسابقين من أمم الرسل منهم مؤمنون مأجورون على إيمانهم و كثير منهم فاسقون، و الغلبة للفسق. 

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} 

تفسير الميزان ج۱٩

174
  • إلخ، أمر الذين آمنوا بالتقوى و الإيمان بالرسول مع أن الذين استجابوا الدعوة فآمنوا بالله آمنوا برسوله أيضا دليل على أن المراد بالإيمان بالرسول الاتباع التام و الطاعة الكاملة لرسوله فيما يأمر به و ينهى عنه سواء كان ما يأمر به أو ينهى عنه حكما من الأحكام الشرعية أو صادرا عنه بما له من ولاية أمور الأمة كما قال تعالى: {فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء: ٦٥. 

  • فهذا إيمان بعد إيمان و مرتبة فوق مرتبة الإيمان الذي ربما يتخلف عنه أثره فلا يترتب عليه لضعفه، و بهذا يناسب قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} و الكفل‌ الحظ و النصيب فله ثواب على ثواب كما أنه إيمان على إيمان. 

  • و قيل: المراد بإيتاء كفلين من الرحمة إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الإيمان بالرسل المتقدمين و بخاتمهم (عليه السلام) لا تفرقون بين أحد من رسله. 

  • و قوله: {وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} قيل: يعني يوم القيامة و هو النور الذي أشير إليه بقوله: {يَسْعى‌ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ}

  • و فيه أنه تقييد من غير دليل بل لهم نورهم في الدنيا و هو المدلول عليه بقوله تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} الأنعام: ١٢٢، و نورهم في الآخرة و هو المدلول عليه بقوله: {يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعى‌ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ} (الآية) ١٢ من السورة و غيره. 

  • ثم كمّل تعالى وعده بإيتائهم كفلين من رحمته و جعل نور يمشون به بالمغفرة فقال: {وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

  • قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ مِنْ فَضْلِ اَللَّهِ} ظاهر السياق أن في الآية التفاتا من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و المراد بالعلم مطلق الاعتقاد كالزعم، و {أَنَّ} مخففة من الثقيلة، و ضمير {يَقْدِرُونَ} للمؤمنين، و في الكلام تعليل لمضمون الآية السابقة. 

  • و المعنى: إنما أمرناهم بالإيمان بعد الإيمان و وعدناهم كفلين من الرحمة و جعل النور و المغفرة لئلا يعتقد أهل الكتاب أن المؤمنين لا يقدرون على شي‌ء من فضل الله بخلاف المؤمنين من أهل الكتاب حيث يؤتون أجرهم مرتين أن آمنوا. 

تفسير الميزان ج۱٩

175
  • و قيل: إن {لِئَلاَّ} في {لِئَلاَّ يَعْلَمَ} زائدة و ضمير {يَقْدِرُونَ} لأهل الكتاب، و المعنى: إنما وعدنا المؤمنين بما وعدنا لأن يعلم أهل الكتاب القائلون: إن من آمن منا بكتابكم فله أجران و من لم يؤمن فله أجر واحد لإيمانه بكتابنا، إنهم لا يقدرون على شي‌ء من فضل الله إن لم يؤمنوا، هذا و لا يخفى عليك ما فيه من التكلف. 

  • و قوله: {وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ} معطوف على ألا يعلم»، و المعنى: إنما وعدنا بما وعدنا لأن كذا كذا و لأن الفضل بيد الله و الله ذو الفضل العظيم. 

  • و في الآية أقوال و احتمالات أخر لا جدوى في إيرادها و البحث عنها. 

  • (بحث روائي) 

  • عن جوامع الجامع، روي: أن جبرئيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح (عليه السلام) و قال: مر قومك يزنوا به. 

  • و في الاحتجاج، عن علي (عليه السلام) في حديث و قال: {وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} فإنزاله ذلك خلقه إياه. 

  • و في المجمع، عن ابن مسعود قال: كنت رديف رسول الله على الحمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت: الله و رسوله أعلم. فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السلام) يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل. 

  • فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله و سلم) فتفرقوا في غيران‌۱ الجبال و أحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه، و منهم من كفر. ثم تلا هذه الآية {وَ رَهْبَانِيَّةً اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} إلى آخرها. 

  • ثم قال: يا ابن أم عبد أ تدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله و رسوله أعلم. قال: الهجرة و الجهاد و الصلاة و الصوم و الحج و العمرة. 

  • و في الكافي، بإسناده عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) لقد آتى الله 

    1. جمع غار. 

تفسير الميزان ج۱٩

176
  • أهل الكتاب خيرا كثيرا. قال: و ما ذاك؟ قلت: قول الله عز و جل: {اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} قال: فقال: آتاكم الله كما آتاهم ثم تلا: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعني إماما تأتمون به. 

  • و في المجمع، عن سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه و دعاه فاستجاب له و آمن به فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته و هم أربعون رجلا: ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به. 

  • فقدموا مع جعفر فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا و نحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فأنزل الله فيهم: {اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين. 

  • فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابنا و كتابكم فله أجران، و من آمن منا بكتابنا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فنزل قوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ} (الآية)، فجعل لهم أجرين و زادهم النور و المغفرة ثم قال: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ}

  •  

  • (٥٨) (سورة المجادلة مدنية، و هي اثنتان و عشرون آية) (٢٢) 

  • [سورة المجادلة (٥٨): الآیات ١ الی ٦]

  • {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ١ اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ 

تفسير الميزان ج۱٩

177
  • اَللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَ اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اَللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اَللَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ ٦} 

  • (بيان‌) 

  • تتعرض السورة لمعان متنوعة من حكم و أدب و صفة فشطر منها في حكم الظهار و النجوى و أدب الجلوس في المجالس و شطر منها يصف حال الذين يحادون الله و رسوله، و الذين يوادون أعداء الدين و يصف الذين يتحرزون من موادتهم من المؤمنين و يعدهم وعدا جميلا في الدنيا و الآخرة. 

  • و السورة مدنية بشهادة سياق آياتها. 

  • قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} إلخ، قال في المجمع: الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من مكروه، و الشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه. قال: و التحاور التراجع و هي المحاورة يقال: حاوره محاورة أي راجعه الكلام و تحاورا. انتهى. 

تفسير الميزان ج۱٩

178
  • الآيات الأربع أو الست نزلت في الظهار و كان من أقسام الطلاق عند العرب الجاهلي كان الرجل يقول لامرأته: أنت مني كظهر أمي فتنفصل عنه و تحرم عليه مؤبدة و قد ظاهر بعض الأنصار من امرأته ثم ندم عليه فجاءت امرأته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) تسائله فيه لعلها تجد طريقا إلى رجوعه إليها و تجادله (صلى الله عليه وآله و سلم) في ذلك و تشتكي إلى الله فنزلت الآيات. 

  • و المراد بالسمع في قوله: {قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ} استجابة الدعوة و قضاء الحاجة من باب الكناية و هو شائع و الدليل عليه قوله: {تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ} الظاهر في أنها كانت تتوخى طريقا إلى أن لا تنفصل عن زوجها، و أما قوله: {وَ اَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} فالسمع فيه بمعناه المعروف. 

  • و المعنى: قد استجاب الله للمرأة التي تجادلك في زوجها و قد ظاهر منها و تشتكي غمها و ما حل بها من سوء الحال إلى الله و الله يسمع تراجعكما في الكلام أن الله سميع للأصوات بصير بالمبصرات. 

  • قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اَللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} إلخ، نفي لحكم الظهار المعروف عندهم و إلغاء لتأثيره بالطلاق و التحريم الأبدي بنفي أمومة الزوجة للزوج بالظهار فإن سنة الجاهلية تلحق الزوجة بالأم بسبب الظهار فتحرم على زوجها حرمة الأم على ولدها حرمة مؤبدة. 

  • فقوله: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} أي بحسب اعتبار الشرع بأن يلحقن شرعا بهن بسبب الظهار فيحرمن عليهم أبدا ثم أكده بقوله: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اَللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} أي ليس أمهات أزواجهن إلا النساء اللاتي ولدنهم. 

  • ثم أكد ذلك ثانيا بقوله: {وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً} بما فيه من سياق التأكيد أي و إن هؤلاء الأزواج المظاهرين ليقولون بالظهار منكرا من القول ينكره الشرع حيث لم يعتبره و لم يسنه، و كذبا باعتبار أنه لا يوافق الشرع كما لا يطابق الخارج الواقع في الكون فأفادت الآية أن الظهار لا يفيد طلاقا و هذا لا ينافي وجوب الكفارة عليه لو أراد المواقعة بعد الظهار فالزوجية على حالها و إن حرمت المواقعة قبل الكفارة. 

  • و قوله: {وَ إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} لا يخلو من دلالة على كونه ذنبا مغفورا لكن ذكر الكفارة في الآية التالية مع تذييلها بقوله: {وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ربما دل على أن المغفرة مشروطة بالكفارة. 

تفسير الميزان ج۱٩

179
  •  قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} إلخ، الكلام في معنى الشرط و لذلك دخلت الفاء في الخبر لأنه في معنى الجزاء و المحصل: أن الذين ظاهروا منهن ثم أرادوا العود لما قالوا فعليهم تحرير رقبة. 

  • و في قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} دلالة على أن الحكم في الآية لمن ظاهر ثم أراد الرجوع إلى ما كان عليه قبل الظهار و هو قرينة على أن المراد بقوله: {يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} إرادة العود إلى نقض ما أبرموه بالظهار. 

  • و المعنى: و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يريدون أن يعودوا إلى ما تكلموا به من كلمة الظهار فينقضوها بالمواقعة فعليهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا. 

  • و قيل: المراد بعودهم لما قالوا ندمهم على الظهار، و فيه أن الندم عليه يصلح أن يكون محصل المعنى لا أن يكون معنى الكلمة {يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}

  • و قيل: المراد بعودهم لما قالوا رجوعهم إلى ما تلفظوا به من كلمة الظهار بأن يتلفظوا بها ثانيا و فيه أن لازمه ترتب الكفارة دائما على الظهار الثاني دون الأول و الآية لا تفيد ذلك و السنة إنما اعتبرت تحقق الظهار دون تعدده. 

  • ثم ذيل الآية بقوله: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} إيذانا بأن ما أمر به من الكفارة توصية منه بها عن خبره بعملهم ذاك، فالكفارة هي التي ترتفع بها ما لحقهم من تبعة العمل. 

  • قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} إلى آخر الآية خصلة ثانية من الكفارة مترتبة على الخصلة الأولى لمن لا يتمكن منها و هي صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، و قيد ثانيا بقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} لدفع توهم اختصاص القيد بالخصلة الأولى. 

  • و قوله: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} بيان للخصلة الثالثة فمن لم يطق صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينا و تفصيل الكلام في ذلك كله في الفقه. 

  • و قوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ} أي ما جعلناه من الحكم و افترضناه من الكفارة فأبقينا علقة الزوجية و وضعنا الكفارة لمن أراد أن يرجع إلى المواقعة جزاء بما أتى بسنة من سنن الجاهلية كل ذلك لتؤمنوا بالله و رسوله و ترفضوا أباطيل السنن. 

  • و قوله: {وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} حد الشي‌ء ما ينتهي إليه و لا 

تفسير الميزان ج۱٩

180
  • يتعداه و أصله المنع، و المراد أن ما افترضناه من الخصال أو ما نضعها من الأحكام حدود الله فلا تتعدوها بالمخالفة و للكافرين بما حكمنا به في الظهار أو بما شرعناه من الأحكام بالمخالفة و المحادة عذاب أليم. 

  • و الظاهر أن المراد بالكفر رد الحكم و الأخذ بالظهار بما أنه سنة مؤثرة مقبولة، و يؤيده قوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ} أي تذعنوا بأن حكم الله حق و أن رسوله (صلى الله عليه وآله و سلم)ادق أمين في تبليغه، و قد أكده بقوله: {وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ} إلخ، و يمكن أن يكون المراد بالكفر الكفر في مقام العمل و هو العصيان. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} إلخ، المحادة الممانعة و المخالفة، و الكبت‌ الإذلال و الإخزاء. 

  • و الآية و التي تتلوها و إن أمكن أن تكونا استئنافا يبين أمر محادة الله و رسوله من حيث تبعتها و أثرها لكن ظاهر السياق أن تكونا مسوقتين لتعليل ذيل الآية السابقة الذي معناه النهي عن محادة الله و رسوله، و المعنى: إنما أمرناكم بالإيمان بالله و رسوله و نهيناكم عن تعدي حدود الله و الكفر بها لأن الذين يحادون الله و رسوله بالمخالفة أذلوا و أخزوا كما أذل و أخزى الذين من قبلهم. 

  • ثم أكده بقوله: {وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي لا ريب في كونها منا و في أن رسولنا صادق أمين في تبليغها، و للكافرين بها الرادين لها عذاب مهين مخز. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} أي لهم أليم العذاب في يوم يبعثهم الله و هو يوم الحساب و الجزاء فيخبرهم بحقيقة جميع ما عملوا في الدنيا. 

  • و قوله: {أَحْصَاهُ اَللَّهُ وَ نَسُوهُ} الإحصاء الإحاطة بعدد الشي‌ء من غير أن يفوت منه شي‌ء، قال الراغب: الإحصاء التحصيل بالعدد يقال: أحصيت كذا، و ذلك من لفظ الحصى، و استعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع. انتهى. 

  • و قوله: {وَ اَللَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ} تعليل لقوله: {أَحْصَاهُ اَللَّهُ} و قد مر تفسير شهادة الله على كل شي‌ء في آخر سورة حم السجدة. 

تفسير الميزان ج۱٩

181
  • (بحث روائي) 

  • في الدر المنثور، أخرج ابن ماجة و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه و ابن مردويه و البيهقي عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شي‌ء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و هي تقول: يا رسول الله أكل شبابي و نثرت له بطني حتى إذا كبر سني و انقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرئيل بهذه الآيات: {قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} و هو أوس بن الصامت. 

  • أقول: و الروايات من طرق أهل السنة في هذا المعنى كثيرة جدا، و اختلفت في اسم المرأة و اسم أبيها و اسم زوجها و اسم أبيه و الأعرف أن اسمها خولة بنت ثعلبة و اسم زوجها أوس بن الصامت الأنصاري و أورد القمي إجمال القصة في رواية، و له رواية أخرى ستوافيك. 

  • و في المجمع في قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} فأما ما ذهب إليه أئمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام) فهو أن المراد بالعود إرادة الوطء و نقض القول الذي قاله فإن الوطء لا يجوز له إلا بعد الكفارة، و لا يبطل حكم قوله الأول إلا بعد الكفارة. 

  • و في تفسير القمي، حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقالت: يا رسول الله إن فلانا زوجي و قد نثرت له بطني و أعنته على دنياه و آخرته لم تر مني مكروها أشكوه إليك. قال: فيم تشكونيه؟ قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر أمي و قد أخرجني من منزلي فانظر في أمري. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): ما أنزل الله تبارك و تعالى كتابا أقضي فيه بينك و بين زوجك و أنا أكره أن أكون من المتكلفين، فجعلت تبكي و تشتكي ما بها إلى الله عز و جل و إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و انصرفت. 

  • قال: فسمع الله تبارك و تعالى مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في زوجها و ما شكت إليه، و أنزل الله في ذلك قرآنا {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي 

تفسير الميزان ج۱٩

182
  •  زَوْجِهَا } - إلى قوله - {وَ إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}

  • قال: فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى المرأة فأتته فقال لها: جيئي بزوجك، فأتته فقال له: أ قلت لامرأتك هذه: أنت حرام علي كظهر أمي؟ فقال: قد قلت لها ذلك. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): قد أنزل الله تبارك و تعالى فيك و في امرأتك قرآنا و قرأ: {بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ } - إلى قوله - {إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}، فضم إليك امرأتك فإنك قد قلت منكرا من القول و زورا، و قد عفا الله عنك و غفر لك و لا تعد. 

  • قال: فانصرف الرجل و هو نادم على ما قال لامرأته، و كره الله عز و جل ذلك للمؤمنين بعد و أنزل الله: {اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} يعني لما قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. 

  • قال: فمن قالها بعد ما عفا الله و غفر للرجل الأول فإن عليه {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} يعني مجامعتها {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} قال: فجعل الله عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا. ثم قال: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ} قال: هذا حد الظهار. (الحديث). 

  • أقول: الآية بما لها من السياق و خاصة ما في آخرها من ذكر العفو و المغفرة أقرب انطباقا على ما سيق من القصة في هذه الرواية، و لا بأس بها من حيث السند أيضا غير أنها لا تلائم ظاهر ما في الآية من قوله: {اَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}.

  •  

  • [سورة المجادلة (٥٨): الآیات ٧ الی ١٣] 

  • {أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوىَ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى‌ مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّ اَللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ ٧ أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا 

تفسير الميزان ج۱٩

183
  • عَنِ اَلنَّجْوىَ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ إِذَا جَاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللَّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاَ يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ ٨ يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ تَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‌ وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا اَلنَّجْوى‌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ١٠يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اَللَّهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١١ يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٢ أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وَ آتُوا اَلزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣} 

تفسير الميزان ج۱٩

184
  • (بيان) 

  • آيات في النجوى و بعض آداب المجالسة. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} الاستفهام إنكاري، و المراد بالرؤية العلم اليقيني على سبيل الاستعارة، و الجملة تقدمه يعلل بها ما يتلوها من كونه تعالى مع أهل النجوى مشاركا لهم في نجواهم. 

  • قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوىَ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} إلى آخر الآية النجوى‌ مصدر بمعنى التناجي و هو المسارة، و ضمائر الإفراد لله سبحانه، و المراد بقوله: {رَابِعُهُمْ} و {سَادِسُهُمْ} جاعل الثلاثة أربعة و جاعل الخمسة ستة بمشاركته لهم في العلم بما يتناجون فيه و معيته لهم في الاطلاع على ما يسارون فيه كما يشهد به ما احتف بالكلام من قوله في أول الآية: {أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ} إلخ، و في آخرها من قوله: {إِنَّ اَللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ}

  • و قوله: {وَ لاَ أَدْنىَ مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ} أي و لا أقل مما ذكر من العدد و لا أكثر مما ذكر، و بهاتين الكلمتين يشمل الكلام عدد أهل النجوى أيا ما كان أما الأدنى من ذلك فالأدنى من الثلاثة الاثنان و الأدنى من الخمسة الأربعة، و أما الأكثر فالأكثر من خمسة الستة فما فوقها. 

  • و من لطف سياق الآية ترتب ما أشير إليه من مراتب العدد: الثلاثة و الأربعة و الخمسة و الستة من غير تكرار فلم يقل: من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا أربعة إلا هو خامسهم و هكذا. 

  • و قوله: {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} المراد به المعية من حيث العلم بما يتناجون به و المشاركة لهم فيه. 

  • و بذلك يظهر أن المراد بكونه تعالى رابع الثلاثة المتناجين و سادس الخمسة المتناجين معيته لهم في العلم و مشاركته لهم في الاطلاع على ما يسارون لا مماثلته لهم في تتميم العدد فإن كلا منهم شخص واحد جسماني يكون بانضمامه إلى مثله عدد الاثنين و إلى مثليه الثلاثة و الله سبحانه منزه عن الجسمية بري‌ء من المادية. 

  • و ذلك أن مقتضى السياق أن المستثنى من قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوىَ} إلخ، معنى 

تفسير الميزان ج۱٩

185
  • واحد و هو أن الله لا يخفى عليه نجوى فقوله: {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} {إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} في معنى قوله: {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} و هو المعية العلمية أي أنه يشاركهم في العلم و يقارنهم فيه أو المعية الوجودية بمعنى أنه كلما فرض قوم يتناجون فالله سبحانه هناك سميع عليم. 

  • و في قوله: {أَيْنَ مَا كَانُوا} تعميم من حيث المكان إذ لما كانت معيته تعالى لهم من حيث العلم لا بالاقتران الجسماني لم يتفاوت الحال و لم يختلف باختلاف الأمكنة بالقرب و البعد فالله سبحانه لا يخلو منه مكان و ليس في مكان. 

  • و بما تقدم يظهر أيضا أن - ما تفيده الآية من معيته تعالى لأصحاب النجوى و كونه رابع الثلاثة منهم و سادس الخمسة منهم لا ينافي ما تقدم تفصيلا في ذيل قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} المائدة: ٧٣، من أن وحدته تعالى ليست وحدة عددية بل وحدة أحدية يستحيل معها فرض غير معه يكون ثانيا له فالمراد بكونه معهم و رابعا للثلاثة منهم و سادسا للخمسة منهم أنه عالم بما يتناجون به و ظاهر مكشوف له ما يخفونه من غيرهم لا أن له وجودا محدودا يقبل العد يمكن أن يفرض له ثان و ثالث و هكذا. 

  • و قوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ} أي يخبرهم بحقيقة ما عملوا من عمل و منه نجواهم و مسارتهم. 

  • و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ} تعليل لقوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ} إلخ، و تأكيد لما تقدم من علمه بما في السماوات و ما في الأرض، و كونه مع أصحاب النجوى. 

  • و الآية تصلح أن تكون توطئة و تمهيدا لمضمون الآيات التالية و لا يخلو ذيلها من لحن شديد يرتبط بما في الآيات التالية من الذم و التهديد. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‌ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} إلى آخر الآية سياق الآيات يدل على أن قوما من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض من المؤمنين كانوا قد أشاعوا بينهم النجوى محادة للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين يتناجون بينهم بالإثم و العدوان و معصية الرسول و ليؤذوا بذلك المؤمنين و يحزنون و كانوا يصرون على ذلك من غير أن ينتهوا بنهي فنزلت الآيات. 

  • فقوله: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‌ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} ذم و توبيخ غيابي لهم، و قد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و لم يخاطبهم أنفسهم مبالغة في تحقير أمرهم و إبعادا لهم 

تفسير الميزان ج۱٩

186
  • عن شرف المخاطبة. 

  • و المعنى: أ لم تنظر إلى الذين نهوا عن التناجي بينهم بما يغم المؤمنين و يحزنهم ثم يعودون إلى التناجي الذي نهوا عنه عود بعد عودة، و في التعبير بقوله: {يَعُودُونَ} دلالة على الاستمرار، و في العدول عن ضمير النجوى إلى الموصول و الصلة حيث قيل: {يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} و لم يقل يعودون إليها دلالة على سبب الذم و التوبيخ و مساءة العود لأنها أمر منهي عنه. 

  • و قوله: {يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ} المقابلة بين الأمور الثلاثة: الإثم و العدوان و معصية الرسول تفيد أن المراد بالإثم‌ هو العمل الذي له أثر سيئ لا يتعدى نفس عامله كشرب الخمر و الميسر و ترك الصلاة مما يتعلق من المعاصي بحقوق الله، و العدوان‌ هو العمل الذي فيه تجاوز إلى الغير مما يتضرر به الناس و يتأذون مما يتعلق من المعاصي بحقوق الناس، و القسمان أعني الإثم و العدوان جميعا من معصية الله، و معصية الرسول مخالفته في الأمور التي هي جائزة في نفسها لا أمر و لا نهي من الله فيها لكن الرسول أمر بها أو نهى عنها لمصلحة الأمة بما له ولاية أمورهم و النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما نهاهم عن النجوى و إن لم يشتمل على معصية. 

  • كان ما تقدم من قوله: {اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‌ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} ذما و توبيخا لهم على نفس نجواهم بما أنها منهي عنها مع الغض عن كونها بمعصية أو غيرها: و هذا الفصل أعني قوله: {وَ يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ} ذم و توبيخ لهم بما يشتمل عليه تناجيهم من المعصية بأنواعها و هؤلاء القوم هم المنافقون و مرضى القلوب كانوا يكثرون من النجوى بينهم ليغتم بها المؤمنون و يحزنوا و يتأذوا. 

  • و قيل: المنافقون و اليهود كان يناجي بعضهم بعضا ليحزنوا المؤمنين و يلقوا بينهم الوحشة و الفزع و يوهنوا عزمهم لكن في شمول قوله: {اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‌ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} لليهود خفاء. 

  • و قوله: {وَ إِذَا جَاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللَّهُ} فإن الله حياة بالتسليم و شرع له ذلك تحية من عند الله مباركة طيبة و هم كانوا يحيونه بغيره. قالوا: هؤلاء هم اليهود كانوا إذا أتوا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قالوا: السام عليك و السام‌ هو الموت و هم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليك، و لا يخلو من شي‌ء فإن الضمير في {جَاؤُكَ} و {حَيَّوْكَ} للموصول 

تفسير الميزان ج۱٩

187
  • في قوله: {اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‌} و قد عرفت أن في شموله لليهود خفاء. 

  • و قوله: {وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاَ يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ} معطوف على {حَيَّوْكَ} أو حال و ظاهره أن ذلك منهم من حديث النفس مضمرين ذلك في قلوبهم، و هو تحضيض بداعي الطعن و التهكم فيكون من المنافقين إنكارا لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على طريق الكناية و المعنى: أنهم يحيونك بما لم يحيك به الله و هم يحدثون أنفسهم بدلالة قولهم ذلك - و لو لا يعذبهم الله به - على أنك لست برسول من الله و لو كنت رسوله لعذبهم بقولهم. 

  • و قيل: المراد بقوله: {وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} يقولون فيما بينهم بتحديث بعض منهم لبعض و لا يخلو من بعد. 

  • و قد ردّ الله عليهم احتجاجهم بقولهم: {لَوْ لاَ يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ} بقوله: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ} أي إنهم مخطئون في نفيهم العذاب فهم معذبون بما أعد لهم من العذاب و هو جهنم التي يدخلونها و يقاسون حرها و كفى بها عذابا لهم. 

  • و كان المنافقين و من يلحق بهم لما لم ينتهوا بهذه المناهي و التشديدات نزل قوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنَافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْمُرْجِفُونَ فِي اَلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً} الآيات الأحزاب: ٦١. 

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ} إلخ، لا يخلو سياق الآيات من دلالة على أن الآية نزلت في رفع الخطر و قد خوطب فيها المؤمنون فأجيز لهم النجوى و اشترط عليهم أن لا يكون تناجيا بالإثم و العدوان و معصية الرسول و أن يكون تناجيا بالبر و التقوى و البر و هو التوسع في فعل الخير يقابل العدوان، و التقوى مقابل الإثم ثم أكد الكلام بالأمر بمطلق التقوى بإنذارهم بالحشر بقوله: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

  • قوله تعالى: {إِنَّمَا اَلنَّجْوى‌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} إلخ، المراد بالنجوى على ما يفيده السياق هو النجوى الدائرة في تلك الأيام بين المنافقين و مرضى القلوب و هي من الشيطان فإنه الذي يزينها في قلوبهم ليتوسل بها إلى حزنهم و يشوش قلوبهم ليوهمهم أنها في نائبة حلت بهم و بلية أصابتهم. 

  • ثم طيّب الله سبحانه قلوب المؤمنين بتذكيرهم أن الأمر إلى الله سبحانه و أن الشيطان 

تفسير الميزان ج۱٩

188
  • أو التناجي لا يضرهم شيئا إلا بإذن الله فليتوكلوا عليه و لا يخافوا ضره و قد نص سبحانه في قوله: {وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق: ٣ إنه يكفي من توكل عليه، و استنهضهم على التوكل بأنه من لوازم إيمان المؤمن فإن يكونوا مؤمنين فليتوكلوا عليه فهو يكفيهم. و هذا معنى قوله: {وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ}

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اَللَّهُ لَكُمْ} إلخ، التفسح‌ الاتساع و كذا الفسح، و المجالس‌ جمع مجلس اسم مكان، و الاتساع في المجلس أن يتسع الجالس ليسع المكان غيره و فسح الله له أن يوسع له في الجنة. 

  • و الآية تتضمن أدبا من آداب المعاشرة، و يستفاد من سياقها أنهم كانوا يحضرون مجلس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيجلسون ركاما لا يدع لغيرهم من الواردين مكانا يجلس فيه فأدبوا بقوله: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا} إلخ، و الحكم عام و إن كان مورد النزول مجلس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). 

  • و المعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم توسعوا في المجالس ليسع المكان معكم غيركم فتوسعوا وسع الله لكم في الجنة. 

  • و قوله: {وَ إِذَا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا} يتضمن أدبا آخر، و النشوز كما قيل الارتفاع عن الشي‌ء بالذهاب عنه، و النشوز عن المجلس أن يقوم الإنسان عن مجلسه ليجلس فيه غيره إعظاما له و تواضعا لفضله. 

  • و المعنى: و إذا قيل لكم قوموا ليجلس مكانكم من هو أفضل منكم في علم أو تقوى فقوموا. 

  • و قوله: {يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} لا ريب في أن لازم رفعه تعالى درجة عبد من عباده مزيد قربه منه تعالى، و هذا قرينة عقلية على أن المراد بهؤلاء الذين أوتوا العلم العلماء من المؤمنين فتدل الآية على انقسام المؤمنين إلى طائفتين: مؤمن و مؤمن عالم، و المؤمن العالم أفضل و قد قال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} الزمر: ٩. 

  • و يتبين بذلك أن ما ذكر من رفع الدرجات في الآية مخصوص بالذين أوتوا العلم و يبقى لسائر المؤمنين من الرفع الرفع درجة واحدة و يكون التقدير يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة و يرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات. 

  • و في الآية من تعظيم أمر العلماء و رفع قدرهم ما لا يخفى. و أكد الحكم بتذييل الآية 

تفسير الميزان ج۱٩

189
  • بقوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}

  • قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} إلخ، أي إذا أردتم أن تناجوا الرسول فتصدقوا قبلها. 

  • و قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ} تعليل للتشريع نظير قوله: {وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: ١٨٤، و لا شك أن المراد بكونها خيرا لهم و أطهر أنها خير لنفوسهم و أطهر لقلوبهم و لعل الوجه في ذلك أن الأغنياء منهم كانوا يكثرون من مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يظهرون بذلك نوعا من التقرب إليه و الاختصاص به و كان الفقراء منهم يحزنون بذلك و ينكسر قلوبهم فأمروا أن يتصدقوا بين يدي نجواهم على فقرائهم بما فيها من ارتباط النفوس و إثارة الرحمة و الشفقة و المودة و صلة القلوب بزوال الغيظ و الحنق. 

  • و في قوله: {ذَلِكَ} التفات إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بين خطابين للمؤمنين و فيه تجليل لطيف له (صلى الله عليه وآله و سلم) حيث إن حكم الصدقة مرتبط بنجواه (صلى الله عليه وآله و سلم) و الالتفات إليه فيما يرجع إليه من الكلام مزيد عناية به. 

  • و قوله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به فلا يجب عليكم تقديمها و قد رخص الله لكم في نجواه و عفا عنكم إنه غفور رحيم فقوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} من وضع السبب موضع المسبب. 

  • و فيه دلالة على رفع الوجوب عن المعدمين كما أنه قرينة على إرادة الوجوب في قوله: {فَقَدِّمُوا} إلخ، و وجوبه على الموسرين. 

  • قوله تعالى: {أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} إلخ، الآية ناسخة لحكم الصدقة المذكور في الآية السابقة، و فيه عتاب شديد لصحابة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين حيث إنهم تركوا مناجاته (صلى الله عليه وآله و سلم) خوفا من بذل المال بالصدقة فلم يناجه أحد منهم إلا علي (عليه السلام) فإنه ناجاه عشر نجوات كلما ناجاه قدم بين يدي نجواه صدقة ثم نزلت الآية و نسخت الحكم. 

  • و الإشفاق‌ الخشية، و قوله: {أَنْ تُقَدِّمُوا} إلخ، مفعوله و المعنى: أ خشيتم التصدق و بذل المال للنجوى، و احتمل أن يكون المفعول محذوفا و التقدير أ خشيتم الفقر لأجل بذل المال. 

  • قال بعضهم: جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة 

تفسير الميزان ج۱٩

190
  • لأنه ليس مظنة الفقر بل من استمرار الأمر و تقديم صدقات. 

  • و قوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وَ آتُوا اَلزَّكَاةَ} إلخ، أي فإذ لم تفعلوا ما كلفتم به و رجع الله إليكم العفو و المغفرة فأثبتوا على امتثال سائر التكاليف من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة. 

  • ففي قوله: {وَ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ} دلالة على كون ذلك منهم ذنبا و معصية غير أنه تعالى غفر لهم ذلك. 

  • و في كون قوله: {فَأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ} إلخ، متفرعا على قوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} إلخ، دلالة على نسخ حكم الصدقة قبل النجوى. 

  • و في قوله: {وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ} تعميم لحكم الطاعة لسائر التكاليف بإيجاب الطاعة المطلقة، و في قوله: {وَ اَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} نوع تشديد يتأكد به حكم وجوب طاعة الله و رسوله. 

  • (بحث روائي) 

  • في المجمع: و قرأ حمزة و رويس عن يعقوب: «ينتجون» و الباقون {يَتَنَاجَوْنَ} و يشهد لقراءة حمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في علي (عليه السلام) لما قال له بعض أصحابه: أ تناجيه دوننا؟ ما أنا انتجيته بل الله انتجاه. 

  • و في الدر المنثور، أخرج أحمد و عبد بن حميد و البزار و ابن المنذر و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن ابن عمر: أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): سام عليك يريدون بذلك شتمه ثم يقولون في أنفسهم: {لَوْ لاَ يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ} فنزلت هذه الآية {وَ إِذَا جَاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللَّهُ}

  • و فيه، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس:في هذه الآية قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): سام عليك فنزلت. 

  • أقول: و هذه الرواية أقرب إلى التصديق من سابقتها لما تقدم في تفسير الآية، و في رواية القمي في تفسيره أنهم كانوا يحيونه بقولهم: أنعم صباحا و أنعم مساء، و هو تحية أهل الجاهلية. 

تفسير الميزان ج۱٩

191
  • و في المجمع في قوله تعالى: {يَرْفَعِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} و قد ورد أيضا في الحديث أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) قال: فضل العالم على الشهيد درجة، و فضل الشهيد على العابد درجة، و فضل النبي على العالم درجة، و فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه، و فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم. رواه جابر بن عبد الله.

  • أقول: و ذيل الرواية لا يخلو من شي‌ء فإن ظاهر رجوع الضمير في «أدناهم» إلى الناس اعتبار مراتب في الناس فمنهم الأعلى و منهم المتوسط، و إذا كان فضل العالم على سائر الناس و فيهم الأعلى رتبة كفضل النبي على أدنى الناس كان العالم أفضل من النبي و هو كما ترى. 

  • اللهم إلا أن يكون أدنى بمعنى الأقرب و المراد بأدناهم أقربهم من النبي و هو العالم كما يلوح من قوله: و فضل النبي على العالم درجة، فيكون المفاد أن فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أقربهم مني و هو العالم. 

  • و في الدر المنثور، أخرج سعيد بن منصور و ابن راهويه و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صححه عن علي قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها بعدي آية النجوى {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت: {أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} (الآية). 

  • و في تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل: {إِذَا نَاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال: قدم علي بن أبي طالب (عليه السلام) بين يدي نجواه صدقة ثم نسخها بقوله: {أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}.

  • أقول: و في هذا المعنى روايات أخر من طرق الفريقين. 

  •  

  • [سورة المجادلة (٥٨): الآیات ١٤ الی ٢٢]

  • {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ 

تفسير الميزان ج۱٩

192
  • مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ١٤ أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَاذِبُونَ ١٨ اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اَلشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اَللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطَانِ هُمُ اَلْخَاسِرُونَ ١٩ إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي اَلْأَذَلِّينَ ٢٠كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢١ لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ٢٢} 

  • (بيان) 

  • تذكر الآيات قوما من المنافقين يتولون اليهود و يوادونهم و هم يحادون الله و رسوله و تذمهم على ذلك و تهددهم بالعذاب و الشقوة تهديدا شديدا، و تقطع بالآخرة أن الإيمان 

تفسير الميزان ج۱٩

193
  • بالله و اليوم الآخر يمنع عن موادة من يحاد الله و رسوله كائنا من كان، و تمدح المؤمنين المتبرئين من أعداء الله و تعدهم إيمانا مستقرا و روحا من الله و جنة و رضوانا. 

  • قوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ} إلخ، القوم المغضوب عليهم هم اليهود، قال تعالى: {مَنْ لَعَنَهُ اَللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنَازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطَّاغُوتَ} المائدة: ٦٠. 

  • و قوله: {مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ} ضمير {عَلَيْهِمْ} للمنافقين و ضمير {مِنْهُمْ} لليهود، و المعنى: أن هؤلاء المنافقين لتذبذبهم بين الكفر و الإيمان ليسوا منكم و لا من اليهود، قال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلى‌ هَؤُلاَءِ وَ لاَ إِلى‌ هَؤُلاَءِ} النساء: ١٤٣. 

  • و هذه صفتهم بحسب ظاهر حالهم و أما بحسب الحقيقة فهم ملحقون بمن تولوهم، قال تعالى: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة: ٥١، فلا منافاة بين قوله: {مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ} و قوله: {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}

  • و احتمل بعضهم أن ضمير {عَلَيْهِمْ} للقوم و هم اليهود و ضمير {مِنْهُمْ} للموصول و هم المنافقون، و المعنى: تولوا اليهود الذين ليسوا منكم و أنتم مؤمنون و لا من هؤلاء المنافقين أنفسهم بل أجنبيون برآء من الطائفتين، و فيه نوع من الذم، و هو بعيد. 

  • و قوله: {وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} أي يحلفون لكم على الكذب أنهم منكم مؤمنون أمثالكم و هم يعلمون أنهم كاذبون في حلفهم. 

  • قوله تعالى: {أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الإعداد التهيئة، و قوله: {إِنَّهُمْ سَاءَ} إلخ، تعليل للإعداد، و في قوله: {كَانُوا يَعْمَلُونَ} دلالة على أنهم كانوا مستمرين في عملهم مداومين عليه. 

  • و المعنى: هيأ الله لهم عذابا شديدا لاستمرارهم على عملهم السيئ. 

  • قوله تعالى: {اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} الأيمان‌ جمع يمين و هو الحلف، و الجنة السترة التي يتقى بها الشر كالترس، و المهين‌ اسم فاعل من الإهانة بمعنى الإذلال و الإخزاء. 

  • و المعنى: اتخذوا أيمانهم سترة يدفعون بها عن نفوسهم التهمة و الظنة كلما ظهر منهم أمر يريب المؤمنين فصرفوا أنفسهم و غيرهم عن سبيل الله و هو الإسلام فلهم - لأجل ذلك - 

تفسير الميزان ج۱٩

194
  • عذاب مذل مخز. 

  • قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي إن الذي دعاهم إلى ما هم عليه متاع الحياة الدنيا الذي هو الأموال و الأولاد لكنهم في حاجة إلى التخلص من عذاب خالد لا يقضيها لهم إلا الله سبحانه فهم في فقر إليه لا يغنيهم عنه أموالهم و لا أولادهم شيئا فليؤمنوا به و ليعبدوه. 

  • قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ} إلخ، ظرف لما تقدم من قوله: {أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أو لقوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ} و قوله: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أي يحلفون لله يوم البعث كما يحلفون لكم في الدنيا. 

  • و قد قدمنا في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} الأنعام: ٢٣ أن حلفهم على الكذب يوم القيامة مع ظهور حقائق الأمور يومئذ من ظهور ملكاتهم هناك لرسوخها في نفوسهم في الدنيا فقد اعتادوا فيها على إظهار الباطل على الحق بالأيمان الكاذبة و كما يعيشون يموتون و كما يموتون يبعثون. 

  • و من هذا القبيل سؤالهم الرد إلى الدنيا يومئذ، و الخروج من النار و خصامهم في النار و غير ذلك مما يقصه القرآن الكريم، و هم يشاهدون مشاهدة عيان أن لا سبيل إلى شي‌ء من ذلك و اليوم يوم جزاء لا يوم عمل. 

  • و أما قوله: {وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‌ شَيْ‌ءٍ} أي مستقرون على شي‌ء يصلح أن يستقر عليه و يتمكن فيه فيمكنهم الستر على الحق و المنع عن ظهور كذبهم بمثل الإنكار و الحلف الكاذب. 

  • فيمكن أن يكون قيدا لقوله: {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} فيكون إشارة إلى وصفهم في الدنيا و أنهم يحسبون أن حلفهم لكم ينفعهم و يرضيكم، و يكون قوله: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَاذِبُونَ} قضاء منه تعالى في حقهم بأنهم كاذبون فلا يصغي إلى ما يهذون به و لا يعتنى بما يحلفون به. 

  • و يمكن أن يكون قيدا لقوله: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} فيكون من قبيل ظهور الملكات يومئذ كما تقدم في معنى حلفهم آنفا، و يكون قوله: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَاذِبُونَ} حكما منه تعالى بكذبهم يوم القيامة أو مطلقا. 

تفسير الميزان ج۱٩

195
  • قوله تعالى: {اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اَلشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اَللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطَانِ هُمُ اَلْخَاسِرُونَ} الاستحواذ الاستيلاء و الغلبة، و الباقي ظاهر. 

  • قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي اَلْأَذَلِّينَ} تعليل لكونهم هم الخاسرين أي إنما كانوا خاسرين لأنهم يحادون الله و رسوله بالمخالفة و المعاندة و المحادون لله و رسوله في جملة الأذلين من خلق الله تعالى. 

  • قيل: إنما كانوا في الأذلين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر و إذ كانت العزة لله جميعا فلا يبقى لمن حاده إلا الذلة محضا. 

  • قوله تعالى: {كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} الكتابة هي القضاء منه تعالى. 

  • و ظاهر إطلاق الغلبة شمولها للغلبة من حيث الحجة و من حيث التأييد الغيبي و من حيث طبيعة الإيمان بالله و رسوله. 

  • أما من حيث الحجة فإن الإنسان مفطور على صلاحية إدراك الحق و الخضوع له فلو بين له الحق من السبيل التي يألفها لم يلبث دون أن يعقله و إذا عقله اعترفت له فطرته و خضعت له طويته و إن لم يخضع له عملا اتباعا لهوى أو أي مانع يمنعه عن ذلك. 

  • و أما الغلبة من حيث التأييد الغيبي و القضاء للحق على الباطل فيكفي فيها أنواع العذاب التي أنزلها الله تعالى على مكذبي الأمم الماضين كقوم نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و على آل فرعون و غيرهم ممن يشير تعالى إليهم بقوله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ }