المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم الاخلاق والحکمة والعرفان
العدد التسلسلي2
التوضيح
يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
إعداد: الهيئة العلميّة في موقع مدرسة الوحي
هو العليم
الحبّ في التربية القرآنيّة
تفصيل المناهج الثلاثة في تربية النفس
بحوث من تفسير الميزان، البحوث الأخلاقيّة والعرفانيّة، البحث الثاني
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج۱
بسم الله الرّحمن الرّحيم
و به نستعين
و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد
و على آله الطيّبين الطّاهرين
و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين
[عرض العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه ضمن تفسيرة لآية ﴿إنّا للّه وإنّا إليه راجعون﴾ لثلاثة مناهج في تهذيب النفس وتربيتها: التربية بواسطة الغايات الدنيويّة والآراء المحمودة، التربية بواسطة الغايات الأخرويّة أو الرضى بالقضاء، والتربية بواسطة التوحيد الخالص، ثمّ تعرّض بعد ذلك لتفصيل هذه المناهج في بحث آخر بنى فيه على ما تقدّم۱]
تفصيل طريقة التربية وفق المنهجين الأوّلين
تعريف علم الأخلاق وبيان قوى النفس الثلاث
علم الأخلاق ـ و هو الفنّ الباحث عن الملكات الإنسانيّة المتعلّقة بقواه النباتيّة و الحيوانيّة والإنسانيّة، و تمييز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الإنسان التحلّي و الاتصاف بها سعادتَه العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام و الثناء الجميل من المجتمع الإنساني ـ يُظفر ببحثه أنّ الأخلاق الإنسانيّة تنتهي إلى قوى عامّة ثلاثة فيه هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم العملية التي تستند و تنتهي إليها أفعال النوع و تهيئتها و تعبيتها عنده، و هي القوى الثلاث:
ـ الشهويّة
ـ و الغضبيّة
ـ و النطقيّة الفكريّة.
أنواع الأفعال الصادرة عن كلّ قوّة
فإنّ جميع الأعمال و الأفعال الصادرة عن الإنسان إمّا من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل و الشرب و اللبس و غيرها، و إما من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرّة كدفاع الإنسان عن نفسه و عرضه و ماله و نحو ذلك، و هذه الأفعال هي الصادرة عن المبدأ الغضبي كما أنّ القسم السابق عليها صادر عن المبدأ الشهوي، و إما من الأعمال المنسوبة إلى التصوّر و التصديق الفكري، كتأليف القياس و إقامة الحجة و غير ذلك، و هذه الأفعال صادرة عن القوة النطقيّة الفكريّة.
ضرورة مراعاة الاعتدال في القوى الثلاث
و لمّا كانت ذات الإنسان كالمؤلّفة المركّبة من هذه القوى الثلاث التي باتّحادها و حصول الوحدة التركيبيّة منها تصدر أفعال خاصّة نوعية، و يبلغ الإنسان سعادته التي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع أن لا يدع قوّة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، و تميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة و النقيصة، فإنّ في ذلك خروج جزء المركّب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب، و في ذلك خروج المركب عن كونه ذاك المركب، و لازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع.
حدود الاعتدال في القوى الثلاث
و حدّ الاعتدال في القوّة الشهويّة ـ و هي استعمالها على ما ينبغي كمًّا و كيفًا ـ يسمّى عفّة، و الجانبان في الإفراط و التفريط الشره و الخمود.
و حدّ الاعتدال في القوة الغضبية هي الشجاعة، و الجانبان التهوّر و الجبن.
و حدّ الاعتدال في القوّة الفكريّة تسمّى حكمة، و الجانبان الجربزة و البلادة.
و تحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، و هي التي تسمّى عدالة، و هي إعطاء كلّ ذي حقّ من القوى حقّه، و وضعه في موضعه الذي ينبغي له، و الجانبان فيها الظلم و الانظلام۱.
فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفة و الشجاعة و الحكمة و العدالة، و لكل منها فروع ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الأصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود والسخاء، و القناعة و الشكر، و الصبر و الشهامة و الجرأة و الحياء، و الغيرة و النصيحة، و الكرامة و التواضع، و غيرها، هي فروع الأخلاق الفاضلة المضبوطة في كتب الأخلاق.و هاك شجرة تبين أصولها و تفرع فروعها:

و علم الأخلاق يبين حد كل واحد منها و يميزها من جانبيها في الإفراط و التفريط، ثم يبين أنها حسنة جميلة ثم يشير إلى كيفية اتخاذها ملكة في النفس من طريقي العلم و العمل أعني الإذعان بأنها حسنة جميلة، و تكرار العمل بها حتى تصير هيئة راسخة في النفس.
مثاله أن يقال: إن الجبن إنما يحصل من تمكن الخوف من النفس، و الخوف إنما يكون من أمر ممكن الوقوع و عدم الوقوع، و المساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد طرفيه على الآخر من غير مرجح و الإنسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يخاف.
فإذا لقن الإنسان نفسه هذا القول ثم كرر الإقدام و الورود في المخاوف و المهاول زالت عنه رذيلة الخوف، و هكذا الأمر في غيره من الرذائل و الفضائل.
فهذا ما يقتضيه المسلك الأول على ما تقدّم ما تقدّم في البيان٢ و خلاصته إصلاح النفس و تعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة و الثناء الجميل.
و نظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، و هو مسلك الأنبياء و أرباب الشرائع، و إنما التفاوت من حيث الغرض و الغاية، فإن غاية الاستكمال الخلقي في المسلك الأول الفضيلة المحمودة عند الناس و الثناء الجميل منهم، و غايته في المسلك الثاني السعادة الحقيقية للإنسان و هو استكمال الإيمان بالله و آياته، و الخبر الأخروي و هي سعادة و كمال في الواقع لا عند الناس فقط، و مع ذلك فالمسلكان يشتركان في أن الغاية القصوى و الغرض فيها الفضيلة الإنسانية من حيث العمل.
تفصيل المنهج الثالث في التربية (الحبّ الإلهيّ)
و أما المسلك الثالث المتقدم بيانه فيفارق الأولين بأن الغرض فيه ابتغاء وجه الله لا اقتناء الفضيلة الإنسانية و لذلك ربما اختلف المقاصد التي فيه مع ما في المسلكين الأولين فربما كان الاعتدال الخلقي فيه غير الاعتدال الذي فيهما و على هذا القياس.
بيان ذلك أن العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد و الإزدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربه، و استحضار أسمائه الحسنى، و صفاته الجميلة المنزهة عن النقص و الشين و لا تزال تزيد نفسه انجذابا، و تترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنه يراه و أن ربه يراه، و يتجلى له في مجالي الجذبة و المراقبة و الحب فيأخذ الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور على حب الجميل، و قد قال تعالى: ﴿وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾۱ و صار يتبع الرسول في جميع حركاته و سكناته لأن حب الشيء يوجب حب آثاره، و الرسول من آثاره و آياته كما أن العالم أيضا آثاره و آياته تعالى، و لا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شيء، و لا يحب إلا ربه، و لا يخضع قلبه إلا لوجهه فإن هذا العبد لا يعثر بشيء، و لا يقف على شيء و عنده شيء من الجمال و الحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد٢، و جمال لا يتناهى و حسن لا يحد، فله الحسن و الجمال و الكمال و البهاء، و كل ما كان لغيره فهو له، لأن كل ما سواه آية له ليس له إلا ذلك، و الآية لا نفسية لها، و إنما هي حكاية تحكي صاحبها و هذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه، و لا يزال يستولي، و لا ينظر إلى شيء إلا لأنه آية من آيات ربه، و بالجملة فينقطع حبه عن كل شيء إلى ربه، فلا يحب شيئا إلا لله سبحانه و في الله سبحانه.
و حينئذ يتبدّل نحو إدراكه و عمله؛ فلا يرى شيئًا إلا و يرى الله سبحانه قبله و معه، و تسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال، فما عنده من صور العلم و الإدراك غير ما عند الناس؛ لأنّهم إنّما ينظرون إلى كلّ شيء من وراء حجاب الاستقلال، بخلافه۱. هذا من جهة العلم.
و كذلك الأمر من جهة العمل فإنه إذا كان لا يحب إلا لله فلا يريد شيئا إلا لله و ابتغاء وجهه الكريم، و لا يطلب و لا يقصد و لا يرجو و لا يخاف، و لا يختار، و لا يترك، و لا ييأس، و لا يستوحش، و لا يرضى، و لا يسخط إلا لله و في الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض و تتبدل غاية أفعاله فإنه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل و يقصد الكمال لأنه فضيلة إنسانية، و يحذر الفعل أو الخلق لأنه رذيلة إنسانية.و أما الآن فإنما يريد وجه ربه، و لا هم له في فضيلة و لا رذيلة، و لا شغل له بثناء جميل، و ذكر محمود، و لا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار، و إنما همه ربه، و زاده ذل عبوديته، و دليله حبه.
| روت لي أحاديث الغرام صبابة | *** | بإسنادها عن جيرة العلم الفرد |
| و حدثني مر النسيم عن الصبا | *** | عن الدوح عن وادي الغضا عن ربي نجد |
| عن الدمع عن عيني القريح عن الجوى | *** | عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد |
| بأن غرامي و الهوى قد تحالفا | *** | على تلفي حتى أوسد في لحدي |
و هذا البيان الذي أوردناه و إن آثرنا فيه الإجمال و الاختصار لكنك إن أجدت فيه التأمل وجدته كافيا في المطلوب و تبين أن هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة و الرذيلة، و يتبدل فيه الغاية و الغرض أعني الفضيلة الإنسانية إلى غرض واحد، و هو وجه الله، و ربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه و بالعكس.٢
في الكافي، عن الصادق (علیه السلام) في إسماعيل النبيّ الذي سمّاه الله سبحانه صادق الوعد، قال علیه السلام: «إنّما سمّي صادق الوعد لأنّه وعد رجلاً في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسمّاه الله عزّ وجلّ صادق الوعد، ثمّ إنّ الرجل أتاه بعد ذلك الوقت فقال له إسماعيل: ما زلت منتظرًا لك». (الحديث).
أقول: و هذا أمر ربّما يحكم العقل العاديّ بكونه منحرفًا عن جادّة الاعتدال مع أنّ الله سبحانه جعله منقبة له علیه السلام حتّى عظّم قدره و رفع ذكره بقوله: ﴿وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ اَلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَ اَلزَّكَاةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾۱، فليس ذلك إلا أنّ الميزان الذي وزن به هذا العمل غير الميزان الذي بيد العقل العاديّ، فللعقل العاديّ تربية بتدبيره، و للّه سبحانه تربية لأوليائه بتأييده، و كلمة الله هي العليا، و نظائر هذه القضيّة كثيرة مرويّة منقولة عن النبيّ والأئمّة و الأولياء.٢
فإن قلت: كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل؟!
قلت: أما حكم العقل في ما له إليه سبيل ففي محلّه، لكنّه يحتاج إلى موضوع يقع عليه حكمه، و قد عرفت في ما تقدّم أنّ أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث الذي ذكرناه لا تبقي للعقل موضوعًا يحكم فيه وعليه، و هذا سبيل المعارف الإلهيّة.
و الظاهر أنّ إسماعيل النبيّ علیه السلام كان أطلق القول بوعده بأن قال: أنتظرك هاهنا حتّى تعود إليّ، ثمّ التزم على إطلاق قوله صونًا لنفسه عن نقض العهد و الكذب في الوعد، و حفظًا لما ألقى الله في روعه و أجراه على لسانه، و قد روي نظيره عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه كان عند المسجد الحرام فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه و وعده النبي بانتظاره حتى يرجع فذهب في شأنه و لم يرجع، فانتظره النبي ثلاثة أيام في مكانه الذي وعده حتى مر به الرجل بعد الثلاثة، و هو جالس ينتظر و الرجل قد نسي الوعد. الحديث). ٣