2

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء

من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

7
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم العقائد

العدد التسلسلي2


التوضيح

كيف تقرّبنا علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام من التوحيد الخالص وتمزّق حجب الاستقلاليّة بيننا وبين الله؟ وبماذا يختلف بكاء العارفين وعشقهم للإمام الحسين عليه السلام عن عزاء وبكاء عامة الناس؟ لماذا لم تكن عاشوراء مجرّد مأساة تاريخيّة لا يقاس بها شيء؟ ولماذا لا يُقاس الولاء الحقيقي بكثرة اللطم والصراخ العابر؟
في هذه المقالة الاستثنائيّة والعميقة من كتاب “أسرار الملكوت” (ج2)، يعمل سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه على كسر القوالب السطحيّة والمفاهيم الشائعة حول حقيقة “الولاية” وكيفيّة إحياء مجالس أهل البيت عليهم السلام.
إعداد: الهيئة العلميّة في موقع مدرسة الوحي,

/٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء

  • من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

  •  

  •  بحوث حول عاشوراء ٢

  • إعداد: الهيئة العلميّة فيفي موقع مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: أسرار الملكوت ج٢

  •  

  •  

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم 

  • و به نستعين‌

  • و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد

  • و على آله الطيّبين الطّاهرين‌

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين‌

  •  

  •  

  • [بحث سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه في كتابه أسرار الملكوت ج٢ خصوصيّات وليّ الله الكامل وكانت الخصوصيّة الأولى منها: الإشراف الكامل للعارف الواصل على مشاهداته‌، والخصوصيّة الثانية أنّ كلامه يتمحور حول التوحيد ولا يتنازل عنه، وفي هذا السياق تعرّض لنظرة العرفاء إلى ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام وطبيعة علاقتهم بهم والتوسّل بهم وكيفيّة إحياء مجالسهم وخصوصًا مجالس الإمام الحسين عليه السلام، وقد تقدّم في المقالة السابقة أنّ نظرتهم إليهم مرآتيّة لا استقلاليّة، وأنّهم لا يطلبون منهم إلا مقام الولاية ومعرفة الله، وفي هذا السياق يتابع سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني كلامه:]

  • ولاية الإمام عين ولاية الله وسارية في جميع عالم الوجود

  • وبما أنّ حقيقة الولاية (التي تعني الإحاطة الوجوديّة بمظاهر عالم الوجود) هي حقيقةٌ كليّةٌ تتميّز بجنبة السعة الوجوديّة، وبمقتضى الحقيقة الإطلاقيّة لحضرة الحقّ؛ فإنّ ولايته أيضًا تتّصف بهذه الصفة وتختصّ بهذه الخصوصيّة، وبالتالي فإنّ تنزّلها في عالم الوجود وسريانها في عوالم الإمكان هو على نحو التشكيك وذو مراتب مختلفةٍ، وذلك بالبيان التالي وهو: أنّ كلّ ما يصدر من فعلٍ وتصرّفٍ في أيّة مرتبةٍ من مراتب الوجود -سواءً كانت صادرة من المجرّدات أم من الماديّات أو أيّ تعينٍ من التعيّنات ولو كان بمقدار جناح بعوضةٍ أو أقلّ من ذلك- هي جميعها عين الولاية المطلقة لحضرة الحقّ تعالى، وهي من خلال التنّزل في هذه المرايا والوسائط، تظهر بهذا الشكل المحدود وتبرز بهذا القالب المعيّن.

  • ومن الطبيعي أنّه -و بمقتضى قاعدة «إمكان الأشرف»۱- فلا بدّ أن تكون هذه الحقيقة العالية وهذا السرّ الذي يحكم عالم الوجود، موجودًا في ذات من الذوات المتمكّنة في عالم الإمكان بنحوٍ أشرفَ وأوسعَ وأعلى وأجمع من سائر الممكنات الأخرى، وهذه الذات هي النفس المقدّسة للمعصوم عليه السلام، والتي يمثّل الوجود المبارك لخاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رأس السلسلة و نقطة الوصل الأولى فيها، حيث قال حضرة الحقّ تعالى في حقّه:

    1. وهي قاعدة فلسفية أقيم البرهان عليها و يقبلها المتقدّمون و المتأخّرون من الفلاسفة، و هي تقول: إنّ المُمكن الأشرف يجب أن يكون أقدم من الممكن الأخسّ في مراتب الوجود و متقدّمًا عليه، وأنّ الأخسّ إذا وُجد، فلا بدّ أن يكون الأشرف قد وجد قبله. (م)

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

3
  • «لولاك، لما خلقتُ الأفلاك»۱.

  • و هو ما نظمه الشاعر في قوله:

  • تاج سرت افسر لعمرك‌***ديباي برت قباي لولاك‌
  • فرموده به شأنت ايزد پاك‌***لولاك لما خلقت الافلاك‌٢
  • [يقول: تاج رأسك علامته عبارة «لَعَمْرِكَ» (أي قسمُ الله تعالى باسم النبي)، ورداؤك قوله «لولاك» لقد قال الله في شأنك: لولاك لما خلقت الأفلاك‌].

  • وكم هو جميل ورائع الكلام الذي ذكره في هذا الباب العارف الكبير الشيخ محمود الشبستري قدّس الله سره، حيث قال:

  • ۱. يكي خطّ است ز اوّل تا به آخر***برو خلق جهان گشته مسافر
  • ٢. در اين ره انبياء چون ساربانند***دليل و رهنماي كاروانند
  • ٣. وز ايشان سيّد ما گشته سالار***هم او اوّل هم او آخر در اين كار
  • ٤. احد در ميم احمد گشته ظاهر***در اين دور اوّل آمد عين آخر
  • ٥. ز احمد تا احد يك ميم فرق است‌***جهاني اندر آن يك ميم غرق است‌
  • ٦. بر او ختم آمده پايان اين راه‌***در او منزل شده ادعوا إلى الله‌ 
  • ۷. مقام دلگشايش جمع جمعست‌***جمال جانفزايش شمع جمع است‌ 
  • ۸. شده او پيش و دلها جمله در پي‌***گرفته دست جانها دامن وي‌
  • ٩. در اين ره اولياء باز از پس و پيش‌ *** نشاني داده‌اند از منزل خويش‌ ٣
  • التوسّل بالإمام عين التوسّل بالله تعالى

  • إنّ التوسّل بالإمام عليه السلام في نظر العارف هو عين التوسّل بذات الحقّ تعالى، وهو يرى الله في هذا التوسّل ويشاهد أنّ الأثر من الله ويدرك بذلك ولاية الله، ولا يرى أنّ الأثر من عند الإمام، بل يعتبر أنّ الإمام واسطة فقط ليس له في ذاته أيّ شي‌ء، بل هو مقابل ولاية الحقّ صفر؛ حيث لا يوجد إلّا الحقّ تعالى فقط.

  • التوسّل الخاطئ بالإمام عليه السلام

  • أما سائر الناس فليسوا كذلك، حيث إنّهم يفتحون للإمام عليه السلام في حياتهم حسابًا خاصًّا مقابل الله تعالى، ويعتبرون أنّ طريقهم إلى الله مغلقٌ بينما طريقهم إلى الإمام عليه السلام مفتوحٌ، فهم يضعون الله تعالى في مرتبةٍ بعيدةٍ عن إدراك البشر ومعرفتهم ويعتقدون أنّ الوصول إليه محالٌ، ويزعمون أنّهم قد تعلّقوا بحبل الإمام عليه السلام وعنايته، وهم يتصوّرون أنّهم بذلك يمشون في الطريق الموصل إلى باطن الولاية وحقيقتها، ويحسبون أنّ هذا الأمر سيجعلهم مشمولين لكرامة صاحب الولاية ولطفه، غافلين عن أنّ هذا الإمام الذي يتوسّلون به من خلال هذه النظرة ليس هو الإمام الحقيقيّ، بل هو وهمٌ مخلوقٌ لتخيّلاتهم، وجاهلين بأنّ تلك الولاية التي يتمّ النظر إليها بمنظارٍ استقلاليٍّ وموضوعيٍّ ليست ولايةً واقعًا، بل عبارةٌ عن أوهامٍ أفرزتها أذهانهم، لا انطباق لها على الحقّ والواقع، و ذلك كما يقول العارف الكبير:

    1. المناقب (لابن شهرآشوب)، ج ۱، ص ٢۱۷؛ بحار الأنوار، ج ۱٦، ص ٤۰٦.
    2. ديوان آية الله الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمپاني.
    3. گلشن راز، القسم الأوّل؛ والمعنى: 
      ۱- كل العالم عبارة عن خط واحد من الأول إلى الآخر، والجميع بمثابة المسافر على هذا الخط.
      ٢- والأنبياء كلهم قادة لهذا الطريق وأدلاء لهذه القافلة.
      ٣- ومن هؤلاء الأنبياء صار نبينا سيّدهم، وصار هو الأول والآخر في هذا الطريق
      ٤- لقد ظهر الأحد في ميم «أحمد»، وفي هذه الدائرة (دائرة قوس الصعود والنزول) غدا الأول فيها عين الآخر.
      ٥- والفارق بين أحمد وأحد هو الميم، والعالم كله غارق في تلك الميم.
      ٦- وهو الخاتم لهذا الطريق، وصار وجوده تجلي لمقام «أدعوا إلى الله».
      ۷- سعة مقامه جمع الجمع، وجماله المنعش للروح هو شمع محفل عالم الوجود.
      ۸- لقد صار المقدّم والقلوب جميعها تابعة له، وأيدي القلوب ممسكة بذيل عنايته.
      ٩- وجميع الأولياء من المتقدمين والمتأخرين، يشيرون إلى مراتبه ومقاماته. (م)

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

4
  • رمد دارد دو چشم اهل ظاهر***كه از ظاهر نبيند جز مظاهر۱
  • [يقول: عيون أهل الظاهر مصابة بالرمد، لأنّها لا ترى من المظاهر إلا الظاهر].

  • الإمام في نظر العارف وفي نظر غيره

  • إنّ العارف يشاهد حقيقة الإمام عليه السلام في جميع مظاهر عالم الوجود وصوره، وفي تمام حركاته وسكناته، بينما يراه الآخرون في صورةٍ خاصّةٍ و جهةٍ خاصّةٍ ومكانٍ خاصٍّ وهويّةٍ خاصّةٍ.

  • كان المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه يقول:

  • «إنّ كلّ عينٍ تستيقظ من النوم صباحًا، ولا يقع نظرها أوّلًا على إمام الزمان هي عينٌ عمياء»٢

  • إنّ إمام الزمان عليه السلام في كلّ مكانٍ وهو توأمٌ مع كلّ شي‌ءٍ من الأشياء الموجودة في العالم، بل وجود جميع الأشياء بوجودها القيّومي قائمٌ به، فكيف يمكن أن يغفل العارف لحظةً واحدةً ويسهو قلبه وضميره عن ذاك الإمام، أم كيف يمكن ألّا يكون معه في كلّ آنٍ!؟ إنّ سر العارف وضميره ونفسه وروحه قد امتزجت بسرّ الإمام وضميره وقلبه ونفسه كما يمتزج السكر بالحليب ويذوب فيه، فإنّه إذا امتزج السكر بالحليب سيغدو فصلهما عن بعضهما مستحيلًا. وفي اللحظة التي يحصل فيها هذا الافتراق والامتياز ستكون هي اللحظة التي يهلك فيها العارف ويتحقّق فيها موته وفناؤه فورًا وبشكلٍ مباشرٍ.

  • هل صحيح أنّ العرفاء قليلاً ما يتوسّلون بالأئمّة عليهم السلام‌؟!

  • لقد جاء في بعض الكتب التي ذكرت أحوال العظماء أنّه: «الإشكال الذي يرد على العرفاء وأهل التوحيد هو أنّهم قليلًا ما يتوسّلون بالأئمّة عليهم السلام، وأنّهم يكتفون في مجالسهم بقراءة القرآن وذكر المسائل التوحيديّة فقط، ولا يُرى في هذه المجالس حضورٌ فعّالٌ لذكر مصائب المعصومين عليهم السلام وقراءة العزاء والالتجاء إليهم والابتهال بهم»

  • عجبًا! يتصوّر هؤلاء أنّ التوسّل بالأئمّة وإحياء مجالس ذكرهم منحصرٌ فقط في اللطم والضرب على الرأس، ويتصوّرون أنّ رفع الصوت بالنواح والعويل والصراخ المتعارف في مجالس العوامّ هو الميزان الكاشف عن مدى التعلّق بالأئمّة والولاء لهم والغرق في حبّهم! ويعتبرون أن التمسّك بولاية أهل البيت إنّما يكون بالبكاء على مصائبهم في مجالس العزاء، ويرون أنّ المجلس لا يكون مجلس ذكرٍ لأهل البيت و مجلس إحياءٍ لسنّتهم وأمرهم إلّا إذا قُرأ العزاء في ذاك المجلس وجرت دموع الحاضرين وجرى اللطم فيه بأعلى وتيرةٍ، وقام جميع الحاضرين بتعرية صدورهم عند ذكر المصيبة الواردة على أئمّة الهدى وانشغلوا بلطم الصدور وضرب الرؤوس، وبعدها يفقدون توازنهم ويقعون على الأرض في حالةٍ من عدم الشعور والاضطراب، أو عندما يضربون وجوههم ورؤوسهم بأنواع السلاسل وسائر الوسائل الأخرى، فيجرحون أنفسهم وتجري الدماء على وجوههم وأجسامهم! ويعتقدون أنّهم بفعلهم هذا يكونون قد دخلوا إلى حريم الإمام عليه السلام وحرمه، وأنهّم بذلك يستوجبون عناية الإمام وكرمه ولطفه، وأنّهم يعرضون بذلك ولاءهم على أئمّتهم ويظهرونه لهم، ويعتبرون أنّهم قد صاروا من أقرب المقرّبين إليهم ومن أخصّ خواصّهم، ويسخرون من الآخرين ويهزؤون بهم لأنّهم بعيدون عن حريم الولاية وفاقدون للطف الإمام عليه السلام وعنايته!

    1. گلشن راز، القسم الخامس.
    2. روح مجرّد (النسخة الفارسيّة)، ص ٤٩۷.

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

5
  • عدم انحصار الإمام بالمصائب

  • إنّ هؤلاء ينظرون إلى الإمام من جهة مصائبه فقط، ولذا ترى أنّ الإمام الذي يستحقّ احترامًا أكثر عندهم وقيمته أكبر لديهم هو الإمام الذي جرت عليه المصائب والمحن والأذى من قبل المعاندين والظالمين بشكلٍ أشدّ، فلذا صار سيّد الشهداء مورد إكرامٍ وإعزازٍ؛ باعتبار ما تحمّله من مصائب وما جرى عليه من أمور في يوم عاشوراء، وكذا الحال بالنسبة للإمام موسى بن جعفر عليهما السلام؛ حيث لاقت مجالس العزاء عليه رواجًا باعتبار أنّه عانى سنين في السجن وابتُلي بأنواع البلاء والأذى والمحن، لكنّهم قلّما يتكلّمون عن سائر الأئمّة عليهم السلام ويأتون على ذكر مصائبهم أو يبرزون اهتمامًا بها، بل حتّى سيّد الشهداء عليه السلام لو كان قد ارتحل عن الدنيا بطريقةٍ غير هذه ولم يكن قد ابتُلي بهذه المصائب، لما كان له ذاك الرونق ولما لاقى ذاك الرواج والاهتمام عندهم، ولما وُجد له متاعٌ يُعرض في تلك المجالس.

  • إنّ هؤلاء لغافلون عن أنّ سيّد الشهداء كان قبل حادثة عاشوراء وواقعة كربلاء إمامًا معصومًا، والإمامُ إمامٌ في أيّ حالٍ وأيّ مكانٍ كان، سواءً ثار أم سكت، وسواءً ظهر وبرز في الملأ و أمام أعين الناس أم جلس في منزله وانعزل عن الناس؛ فهو في جميع حالاته إمامٌ نتّبعه وأسوةٌ نقتدي به.

  • لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

  • «الحسنُ والحُسَين إمامانِ قامَا أو قَعَد»ا۱

  • ومضمون هذا الحديث يسري أيضًا على سائر الأئمّة عليهم السلام، وعليه فلا يوجد أيّ فرقٍ من هذه الجهة بين سيّد الشهداء وبين الإمام الهادي أو الإمام العسكري أو الإمام الباقر عليهم السلام.

  • خصوصيّة الإمام الحسين عن سائر الأئمّة عليهم السلام

  • نعم، الفارق في المسألة هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام بتحمّله ما جرى عليه من مصائب في يوم عاشوراء، والتبعات التي لحقتها أوجبت له درجاتٍ ومقاماتٍ خاصّةٍ غير مسألة الإمامة، كما ينقل نفس الإمام الحسين ذلك عن جدّه رسول الله صلى الله‌ عليه وآله وسلم حيث يقول في حقّه: «وإنّ لكَ في الجنان لدرجاتٍ لن تنالها إلّا بالشهادة»٢.

    1. علل الشرائع، ج ۱، ص ٢۱۱؛ روضة الواعظين، ج ۱، ص ۱٥٦؛ عوالي اللئالي، ج ٤، ص ٩٣؛ الطرائف (للسيّد ابن طاووس)، ج ۱، ص ۱٩؛ ويقول ابن شهر آشوب في المناقب، ج ٣، ص ٣٩: واجتمع أهل القبلة على أنّ النبيّ‌ [صلى الله عليه وآله‌] قال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.
    2. أمالي الصدوق، ص ۱٥٢؛ مقتل الخوارزمي، ج ۱، ص ٢۷۱؛ بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٢۸؛ الفتوح (لابن أعثم)، ج ٥، ص ۱٩؛ مدينة المعاجز (للبحراني)، ج ٣، ص ٤۸٤.

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

6
  • وهذه المرتبة لا علاقة لها بمسألة الإمامة والولاية، بل هي مرتبطةٌ بمسألة السعة الوجوديّة والسير في عالم الأسماء والصفات الإلهيّة التي لا تتناهى، والتي يعبّر عنها بحيثيّة عالم البقاء.

  • الغاية الحقيقيّة من مجالس العزاء

  • ومن هنا، لم تكن المسألة في قضيّة عاشوراء مجرّد مسألة قتلٍ وضربٍ وأسرٍ وأعمالٍ إجراميّةٍ خبيثةٍ؛ إذ من الممكن أن يحصل هذا في الكثير من الأحداث والوقائع في العالم، بل المسألة مسألة إدارة إمامٍ معصومٍ وتدبيره، فقبل أن نفكّر في نفس هذه الابتلاءات والمصائب التي جرت في ذلك اليوم، علينا أن نفكّر أوّلًا في كيفيّة ظهور هذه المسائل ونحو ذلك، وعلينا أن ننظر إلى العوامل التي جعلت تلك الحادثة مختلفة عن سائر الحوادث المشابهة التي حصلت طوالَ تاريخ البشريّة، ونبحث عن الحقيقة الكامنة في هذه القضيّة وما هو السرّ الذي جعل جميع الأولياء الإلهيين والأئمّة المعصومين عليهم السلام يدعوننا دائماً إلى إقامة المجالس لذكر هذه الواقعة العظيمة، وبيان ما حصل في هذه الحادثة المنفردة التي لم يحصل على مرّ التاريخ مثيلٌ لها، وعلينا أن نفكّر لماذا قال الإمام الرضا عليه السلام:

  • «يا ابن شبيب! إن كنتَ باكيًا لشي‌ءٍ، فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام»۱.

  • ولماذا ورد هذا الكمّ من الروايات التي تُبيّن ثواب البكاء على سيّد الشهداء عليه السلام؟ وهل يترتّب الثواب على مجرّد البكاء فقط؟ فكلّ شخص يشعر برأفةٍ ورحمةٍ تجاه أيّة قضيّةٍ، تجري دموعه دون اختيار، فأيّ منقبةٍ في ذلك؟! إنّ كلّ من مات أبوه أو ماتت‌ أمّه يبكي أيضًا، حتّى لو كان من أفسق الفسّاق وأشدّ المعاندين. فهل هذا البكاء من مثل هذا الشخص حسنٌ؟ أم هل يترتّب عليه ثواب؟! كما أنّنا نرى أنّ الأشخاص العاديّين أيضًا عندما يقرؤون قصّةً عاطفيّةً أو روايةً مفعمةً بالأحاسيس والمشاعر، تنكسر قلوبهم وتجري دموعهم ويبكون، وبعدما ينتهون من القصّة أو الرواية ينتهي ذلك الإحساس وينسون تلك الحالة التي لحقتهم، فتحلّ مكانها حالةٌ أخرى، ولا يبقى لدى الإنسان من ذلك سوى إتلاف الوقت وإضاعة الفرص.

  • يجب أن نفكّر جيّدًا في هذه المسألة ونضع أنفسنا في الطريق الذي رسمه لنا الأولياء الإلهيّون وأرشدونا إليه، و ألّا نسمح للأحاسيس والعواطف أن تتغلّب علينا، وينبغي لنا أن نشتغل فقط بالحقائق الأصيلة والمباني الإسلاميّة الرصينة، ضمن نظرةٍ أكثر عقلانيّة وواقعيّة.

    1. أمالي الصدوق، ص ۱۱٢؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ۱، ص ٢٩٩؛ بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٢۸٥.

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

7
  • ما حاجة الإمام الحسين عليه السلام إلى البكاء والعويل وإظهار الجزع والنواح؟! إنّ الإمام الحسين في مقامٍ منيعٍ ودرجةٍ رفيعةٍ تفوق تصورنا ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾۱، وهو في كمال العزّ والغنى وفي مقام العظمة والبهاء، وليس بحاجةٍ إلى هذه المجالس، فلو فرضنا أنّه لم يبكِ عليه أحدٌ منذ خلقة آدم حتّى قيام الساعة، فلن يهمه ذلك أبدًا؛ لأنّه مستغرقٌ في الحقّ وموجودٌ بوجود الحقّ، فما حاجته إلينا بعد ذلك؟ لقد اختار الإمامُ الله تعالى دون سواه، ولذا فهو يمتلك كلّ شي‌ء! أمّا نحن المساكين الذين لا نمتلك شيئًا، فنحن المحتاجون الذين ينبغي أن نعلّق آمالنا بكرمه وننظر إليه مستعطفين؛ لعلّه ينظر إلينا ويلاحظنا بعين كرمه.

  • خصوصيّة عاشوراء عن سائر الأحداث

  • إنّ العلّة التي صارت بها عاشوراءُ عاشوراءَ، وتمايزت بها عن سائر الحوادث الأخرى، هي أنّ وقائع هذا اليوم و أحداثه قد حصلت بشكلٍ خرجت فيه جميع الصفات والأسماء الإلهيّة إلى منصّة الظهور والبروز من خلال الوجود المبارك لهذا الإمام، فالمسألة لم تكن مسألة شهادةٍ فقط، بل إنّ كيفيّة حصول القضايا والحوادث وبيان‌ المطالب، وطريقة تصرّف الإمام ورعاية الظروف والالتفات إلى لطائف عالم التربية والتزكية كلّها كانت قد تجلّت وترشّحت عن وجود الإمام عليه السلام، وبعبارةٍ أخرى: لو كانت هذه القضيّة قد حصلت بدون حضور الإمام الحسين عليه السلام، وكان تدبير هذه الواقعة وإدارتها بعهدة شخصٍ آخر مثل أبي الفضل العباس أو مثل علي الأكبر عليهما السلام، لما كانت عاشوراء بل كان لهذه الواقعة هويّةٌ أخرى، ولظهرت لها خصوصيّات غير هذه التي ظهرت، حتّى لو لم يختلف شي‌ء من الأحداث التي جرت ولم يطرأ تغييرٌ على الابتلاءات التي حصلت؛ بمعنى أنّه لو حصل ما حصل من الضرب والقتل والعطش وتقطيع الأجساد والتمثيل بها وغيرها من أنواع البلاء تمامًا، لظلّت المسألة مختلفةً و متفاوتةً عن عاشوراء التي أدارها الإمام الحسين عليه السلام. وهنا نلتفت إلى أنّ سرّ المسألة يكمن في أنّ زمام الأحداث في يوم عاشوراء يجب أن يكون بيد الإمام المعصوم عليه السلام حتّى تصير عاشوراءُ عاشوراءَ، ولكي تظلّ هذه الواقعة إلى الأبد مشرقةً كنور الشمس على جبين التاريخ، يتّبعها الآخرون ويسترشدون بها، ويرتوي الجميع من فيض محيطها الذي لا ساحل له.

    1. سورة القمر (٥٤)، من الآية ٥٥.

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

8
  • عاشوراء لا يشبهها شيء

  • ولهذا السبب لن تصير أيّة واقعةٍ نظير واقعة عاشوراء، كما أنّه من الخطأ المحض نقل هذا الاسم واستعماله في غير هذه الواقعة، كذلك الأمر في إطلاق لفظ «الحسين» على شخصٍ غير الإمام الحسين عليه السلام، فهو إطلاقٌ باطلٌ؛ إذ ينبغي علينا أن لا نسرّي الإمام المعصوم إلى غير الإمام فنقول: «علي الزمان» و «حسين الزمان»، فهذا الكلام غلطٌ محضٌ، كما أنّ له تبعاتٍ وعواقب وخيمةً.

  • بكاء العارف وبكاء غيره

  • إنّ روح العارف وسرّه متّحدان مع الإمام الحسين عليه السلام، وبكاؤه على الإمام الحسين بكاء عشقٍ لا بكاء مأتمٍ، إنّ العارف يرى معشوقه في أعلى مرتبةٍ وأرفعٍ منزلةٍ من الجمال والبهاء والنور والعشق، ولا يمكنه أن يملك دموعه من الجريان عندئذٍ، فهو يدخل إلى حريم محبوبه من خلال هذه الدموع والآهات، فيلصق روحَه ونفسَه بروح المعشوق ونفسه، إنّ مجرّد ذكر الحبيب يقلبه رأسًا على عقب، بلا حاجةٍ إلى العزاء وذكر المصيبة، بل إنّ ذكر سيّد الشهداء يرفعه ويسمو به بشكلٍ مباشرٍ، ويحلّق به فيبقى بقربه‌ إلى الأبد، ويبقى إلى ما لا نهاية مع الإمام في رياض عالم القدس منهمكًا بالسير والمشاهدة والالتذاذ من الجذبات والجلوات الأحديّة التي تسطع على الإمام عليه السلام.۱

  • أحوال السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني في محرّم

  • عندما كان يأتي ذكر سيّد الشهداء عليه السلام على مسامع السيّد الحدّاد والمرحوم الوالد رضوان الله عليهما، كنتَ ترى على صفحات وجههما حالةً من الانقلاب والوجد والشغف الشديد لا يمكن وصفها أصلًا وكما ذكر المرحوم الوالد قدّس سره في كتاب‌ «الروح المجرّد»٢ فإنّ ذكر واقعة عاشوراء في أيام محرّم كانت تترك آثارًا واضحة من الوجد والعشق والهيام على وجنات السيّد الحدّاد، وكأنّ حلول هذا الشهر كان ينبئ بدخول فصلٍ جديدٍ من حياته، بل كانت أحواله تنقلب وتتغيّر كليّاً، فهو وإن كان بشكلٍ دائمٍ يعيش في حالة اتحادٍ مع حبيبه سيّد الشهداء عليه السلام، كما أنّ حالة المعيّة حاصلةٌ له باستمرارٍ، لكنّ دخول هذا الشهر عليه كان له جاذبيّةٌ خاصّةٌ وتلألؤًا مختلفًا. لقد كانت زيارة عاشوراء تُقرأ في منزله صباح كلّ يومٍ، وفي المساء كان الحديث يدور حول الحالات والعوالم والحقائق التوحيديّة المتجلّية من نفس الإمام، أمّا في يومي تاسوعاء وعاشوراء، فقد كان يعطي تلاميذه دستورًا بالنزول إلى الشوارع والمشاركة في مواكب العزاء، وكانت تُشاهد منه حالة انقلابٍ عجيبةٍ؛ فكانت دموعه تجري على وجنتيه كالميزاب وبدون اختيارٍ منه، ولم يكن يقدر على التكلّم و التعامل مع الناس، بل كان يشتغل بمناجاة معشوقه والابتهال إليه في صميمه و باطنه بدون ضجيجٍ وبعيدًا عن الضوضاء والجلبة.

    1. لمزيدٍ من الاطلاع راجع: الروح المجرّد، ص ٥٤٤.
    2. الروح المجرّد، ص ۸۱.

مجالس العزاء والتوسّل عند العرفاء - من خلال سيرة السيّد الحدّاد والعلاّمة الطهراني (رض)

9
  • وأمّا بالنسبة إلى المرحوم الوالد رضوان الله عليه، فإنّني لم أرَ في حياتي وفي طول عمري أحدًا لديه هذا القدر من العشق والحبّ لسيّد الشهداء عليه السلام مثل ما كان لديه، فقد كان ينتهز أيّة فرصةٍ لإقامة مجالس العزاء والذكر، ولم يكن يكتفي بإلزامنا فقط بإقامة مجالس العزاء وذكر أهل البيت -سواءً في مشهد أم في سائر الأماكن الأخرى- بل‌ كان يجبرنا أيضًا على ذكر المصيبة بصوتٍ عالٍ، وإذا فُرض أن شخصًا تخطّى هذه الأوامر، كان يعاتبه ويؤاخذه على ذلك. وكانت مجالس العزاء وذكر المصاب تستمرّ تمام مدّة شهري محرّم وصفر صباحًا في منازل أصدقائه ورفقائه، وكان يُشارك بنفسه في هذه المجالس ويحضرها، كما كان يُلزمنا في أيّام عاشوراء بذكر العزاء على المنبر وباللطم أيضًا، وكان يضع عمامته جانبًا ويقف ليشارك الناس في اللطم، كما أنّه كان يعقد ليالي الجمعة في منزله في مشهد مجلسَ عزاءٍ مختصرٍ يحضره ما يقرب من عشرين شخصًا، وكان الخطيب يذكر المصيبة فقط دون أن يتحدّث بشي‌ءٍ آخر، وبعدها كان يضع الطعام.۱