1

العرفاء بين التوحيد والولاية

خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

3
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم العقائد

العدد التسلسلي1


التوضيح

كيف ينظر العرفاء إلى توحيد الله وإلى ولاية الأئمّة عليهم السلام؟ وبماذا تختلف نظرتهم عن نظرة غيرهم؟ لماذا نُحجّم نحن أعظم التجلّيات الإلهيّة، ونُنزّل “الأئمّة” من مقامهم كأدلّاء على الله إلى مجرّد وسائل لحلّ مشاكلنا اليوميّة وتيسير معاملاتنا؟ وما هو ذلك المقام الأسمى الذي يقف دونه الملاك جبرائيل، بينما يرفض “العارف الكامل” التنازل عنه قيد أنملة؟
تغوص هذه المقالة في لُبّ “التوحيد الخالص”، لتبيّن الفارق الجوهريّ بين النظرة الاستقلاليّة الخاطئة إلى الأئمّة، والنظرة “المرآتيّة” العميقة التي لا ترى فيهم سوى انعكاسٍ تام للإرادة الإلهيّة، ولا غاية تُقصد منهم سوى الله ذاته!

/٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • العرفاء بين التوحيد والولاية

  • خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

  •  

  •  بحوث حول عاشوراء ۱

  • إعداد: الهيئة العلميّة فيفي موقع مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: أسرار الملكوت ج٢

  •  

  •  

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم 

  • و به نستعين‌

  • و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد

  • و على آله الطيّبين الطّاهرين‌

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين‌

  •  

  •  

  • [[بحث سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه في كتابه أسرار الملكوت ج٢ خصوصيّات وليّ الله الكامل وكانت الخصوصيّة الأولى منها: الإشراف الكامل للعارف الواصل على مشاهداته‌، والخصوصيّة الثانية أنّ كلامه يتمحور حول التوحيد ولا يتنازل عنه، وفي هذا السياق تعرّض لنظرة العرفاء إلى ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام وطبيعة علاقتهم بهم والتوسّل بهم وكيفيّة إحياء مجالسهم وخصوصًا مجالس الإمام الحسين عليه السلام]

  • كلام الإنسان الكامل مبني على محور التوحيد فقط ولا يمكن التنازل عنه‌

  • إنّ الخصوصيّة الثانية لتصرّفات أهل التوحيد وكلامهم هي: أنّ دعوتهم وتبليغهم وكلامهم مع الناس وحديثهم معهم إنّما يقوم على أساس التوحيد ويدور حول محوره، فهم لا يتنازلون عن هذه المرتبة إلى سائر الجهات ومراتب الأسماء والصفات، وهذه المسألة طبيعيّةٌ ومتوافقةٌ تمامًا مع الأصول، ومطابقةٌ لها.

  • فمن الطبيعي أن يكون كلام كلّ إنسانٍ وعمله حاكيًا عن مرتبة الكمال التي هو فيها، وأن تكون عباراته و تصرفاته تجلّيًا يعكس ظهور تلك المرحلة و يبرزها. ولمّا كان العارف الكامل قد وجد أنّ الحقيقة هي فقط في التوحيد والمعرفة الشهوديّة لحضرة الحقّ تعالى، ورأى أنّ سائر المراتب الأخرى تقع في الأسماء والصفات التي هي دون تلك المرحلة؛ فمن الطبيعي أن يكون كلامه وعمله بتمامه متوجّهًا و مائلًا إلى تلك الجهة، سائقًا نحوها، وألّا يتنازل أبدًا عن تلك المرتبة إلى سائر الظهورات الأخرى، بل هو يعتبر أنّ مثل هذا التنازل خسارةٌ له وللآخرين وإتلافٌ لوقتهم، إنّ العارف الكامل كما أنّ وجوده قد صار مندكّاً في الذات الأحديّة، فإنّ آثاره الوجوديّة التي تبرز منه تسير كذلك على هذا السبيل وتدور حول هذا المحور، و الأنوار التوحيديّة تتلألأ في جميع أطوار وجوده، وهو لم يعد مستعدًا للتنازل قيد أنملةٍ عن تلك المرتبة إلى ما دونها بأيّ شكلٍ من الأشكال.

  • كلمة السيّد الحدّاد الشهيرة: إنّنا في مرتبة لا يستطيع جبرائيل أن يتصوّرها

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

3
  • في أحد الأيّام قال المرحوم الوالد قدس الله سرّه: 

  • «كنّا بمعيّة المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه وسائر الرفقاء والأحبّة في منزل أحد الأصدقاء في الكاظمين، ودار الحديث حول عروج مقام حضرة جبرائيل إلى عالم الوحي، وكيفيّة نزوله على قلوب الأنبياء والرسل الإلهيّين، وكيفيّة انتقال الحقائق العلميّة من حقيقتها الكلّية إلى نفوس البشر الجزئيّة، وحول قدرة هذا المَلَك المقرّب وقوّته وإشرافه على جميع العلوم والصور الكلّية والجزئيّة للحقيقة العلميّة لحضرة الحقّ جلّ وعلا، وفي هذه الأثناء تحدّث كل شخصٍ طبق فهمه وعرض الأمر ضمن إدراكه، وكان كلٌّ منهم يبرز تعجبّه من هذه المسألة، وبقي المرحوم السيّد الحدّاد ساكتًا يستمع إلى كلام هؤلاء الأشخاص، وبعد مدّةٍ رفع رأسه وقال بلهجة جادّة تحكي عن حقيقةٍ منكشفةٍ لديه بشكلٍ عميقٍ ووضوحٍ جليٍّ:" أيّ بحثٍ هذا الذي تبحثونه وتتحدّثون فيه عن علوّ درجات ومقامات حضرة جبرائيل وسعته الوجوديّة؟! إنّنا في مقامٍ ومرتبةٍ لا يستطيع جبرائيل أن يتصوّرها، ولا يقدر على إدراك تلك المرتبة أو حقائقها الوجوديّة، فلماذا توقّفتم عند صعود الملائكة ونزولهم؟ تعالوا وانظروا ماذا يوجد فوق ذلك! هناك حيث لا يتمكّن الآلاف من أمثال جبرائيل من الوصول إلى ذاك المكان، بل يبقون دون ذلك المقام؛ فعلى السالك أن لا يرضى بما دون الذات، وألّا يتنزّل عنها ويحرم نفسه من الارتواء من الماء المعين لتلك الحقيقة، ولا أن يشغل نفسه بحقائق هي دون حقيقة ذات حضرة الحقّ تعالى فيفنيَ عمره دون جدوى"».

  • إنّ ما يظهر من العارف الكامل ووليّ الله في أطوار حياته وعلاقته بالأفراد، إنّما هو عبارة عن سوقهم نحو تلك النقطة العليا ودفعهم وتشجيعهم على السير إليها والوصول إلى أعلى مرحلةٍ من العبوديّة، وهي ما يعبّر عنها بالتوحيد الذاتي والتجرّد المحض والفناء الذاتي، و هو لا يتنازل عن هذه النقطة لا في مجالسه ولا في كلامه وآثاره.

  • الفارق بين العرفاء وغيرهم من أهل الشهود

  • إنّ الاختلاف بين هذه الفئة من العرفاء الإلهيّين وبين سائر العظماء من أهل الكشف والشهود -على اختلاف مراتب كمالهم وارتقائهم- هو أنّ هذه الفئة من الأولياء الإلهيّين والعرفاء بالله قد تبدّلت حقيقتهم من خلال الانغمار في حقيقة الذات، والاندكاك في مرتبة هوهويّة الحقّ، فصارت تلك الحقيقة محيطةً بهم وصارت ذاتهم مُتشئِّنة بشؤون الذات، لذا فقد صارت الآثار المترشّحة من وجودهم وما يظهر منهم من كلامٍ أو تصرفات تمثّل نفس آثار ذات الحقّ تعالى وظهوراته وبروزاته التي برزت وتجلّت في الكتاب المبين (القرآن الكريم).

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

4
  • التوحيد في القرآن 

  • فمن خلال أدنى تأمّلٍ وتدبّرٍ في الآيات الإلهيّة الكريمة تتضّح هذه المسألة الدقيقة جيّدًا؛ وهي أنّ الله تعالى تقدّست آلاؤه في القرآن المجيد قد حصر حقيقةَ الوجود والاستقلالَ في التحقّق والتعيّن بذاته تعالى، وأنّه عزّت آلاؤه لا يعتبر أيّ أثرٍ من آثار عالم الخلق متمايزًا ومتغايرًا عن آثار ذاته وأفعاله، ولا يرى لأيّ موجودٍ في عالم الوجود نصيبًا في شي‌ء من الوجود غير وجوده وشأنيّته، ويعدُّ جميع الأشياء -سواءً كانت عاليةً أو دانيةً- فقيرةً مقابل ذاته، بل هي فقرٌ محضٌ أمامه، وأمّا الغنى الذاتيّ والاستقلال الوجوديّ، فهو منحصرٌ به تعالى فقط.

  • يقول تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾۱.

  • يخاطب تعالى الناس في هذه الآية قائلًا لهم: اعلموا أنّ الفقر لباسكم ومحيط بكم، وأنّ الغنى ردائي فقط، وعليه فذاتي فقط من بين ذواتكم وسائر الموجودات هي المستوجبة للحمد والثناء.

  • ويقول عزّ من قائلٍ في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ﴾٢.

  • يُثبِت الله تعالى في هذه الآية التوحيدَ الذاتيّ لنفسه في عالم الوجود؛ لأنّه أوّل جميع الأشياء، أي أنّه لم يكن أيّ وجودٍ متحقّقًا قبل وجوده، فكلّ وجودٍ ناشئٌ من وجوده‌ ونازلٌ من مرتبة هويّته، وكذلك هو في مرتبةٍ متأخرةٍ عن كلّ وجودٍ (الآخِر)؛ بمعنى أن تشؤّن الوجود بشؤونات مختلفة وتقيّده بقيود متغايرة وتعيّنه بتعيّناتٍ وماهيّاتٍ متفاوتةٍ، لا يستدعي أن يكون ذلك الوجود خارجًا عن حيطة ذات الحقّ تعالى ووجوده، بل إنّ وجود الحقّ تعالى مع بساطته وصرافته، شامل لجميع الوجودات في كلّ مرتبةٍ من مراتب التقيّد والتعيّن -سواءً كانت من المجرّدات أم من المادّيات- فإنّها كلّها مشمولةٌ لوجوده؛ وعليه فليس هناك أيّة ذاتٍ إلّا وهي فانيةٌ في ذاته؛ بمعنى أنّه ليس لها في ذاتها شي‌ءٌ من الوجود الاستقلالي، وهذه هي حقيقة التوحيد الذاتي.

  • التوحيد في كلمات أهل البيت عليهم السلام

  • وقد أشير في الآيات الشريفة إلى هذه الحقيقة كرارًا وصُرح بها مرارًا، كما يمكن أن تلاحظ هذه المسألة الدقيقة كثيرًا في كلمات الأئمّة المعصومين والروايات المرويّة عنهم سلام الله عليهم أجمعين.

    1. سورة فاطر (٣٥)، الآية ۱٤.
    2. سورة الحديد (٥۷)، الآية ٣.

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

5
  • ففي خطب‌ «نهج البلاغة» يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأولى:

  • «كائنٌ لا عن حدثٍ، موجودٌ لا عن عدمٍ، مع كلِّ شي‌ءٍ لا بمقارنةٍ، وغير كلّ شي‌ءٍ لا بمزايلة»۱.

  • أي إنّ كينونته وتحقّقه ليس مترتّبًا على حدوثٍ، وموجوديّته ليست مسبوقة بالعدم، وهو مع جميع الأشياء لكن معيّته ليست بمعنى المقارنة والمصاحبة، ومفارقٌ لكلّ شي‌ءٍ لكنّ افتراقه عنها ليس بمعنى المباينة ولا بمعنى الفاصلة الوجوديّة والحدود الوجوديّة.

  • يُشير الإمام بوضوحٍ في هذه الخطبة إلى مسألة التوحيد الذاتيّ لحضرة الحقّ تعالى، ويَعتبر أنّ الوجود منحصرٌ في الذات الأحديّة.

  • وجاء نظير ذلك في جوابه عليه السلام لذعلب اليمانيّ حين سأله: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال له:

  • «لا تدركُهُ العيون بمشاهدةِ العَيَان، ولكن تُدركُه القلوبُ بحقائق الإيمان، قريبٌ من الأشياء غير ملابسٍ، بعيدٌ منها غير مُباينٍ، متكلّمٌ لا برويّةٍ، مريدٌ لا بهمّةٍ، صانعٌ لا بجارحةٍ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء، بصيرٌ لا يوصف بالحاسّة، رحيمٌ لا يوصف بالرقّة، تعنو الوجوه لعظمته، وتجلّ القلوب من مخافته»٢.

  • يقول الإمام عليه السلام: إنّ حضرة الحقّ تعالى ذاتٌ لا يراها الناظرون بأنظارهم الظاهريّة، ولكن عين الباطن ورؤية القلب قادرةٌ على رؤيته من خلال حقيقة الإيمان، فهو ذاتٌ قريبٌ دائماً من الأشياء لكن لا بقربٍ مكانيٍّ، وبعيدٌ أيضًا من الأشياء لكن لا ببعدِ انفصالٍ وتباينٍ، متكلّمٌ لكن لا كما يتكلّم البشر، مريدٌ لكن لا بسبب شوقٍ وميلٍ واهتمامٍ بالوصول إلى المقصد، خالقٌ وصانعٌ لكن ليس بأعضاء وجوارح ماديّةٍ، لطيفٌ لكنّ لطفه ليس خفيّاً عن الأنظار، كبيرٌ لكن لا يتعدّى ويتجاوز في عظمته، بصيرٌ لكن ليس بحواسٍّ ظاهريّةٍ، رحيمٌ وعطوفٌ لكن لا من جهة رقّة قلبه وغلبة إحساساته، تخضع لعظمته جميع الوجوه، وتضطرب من الخوف منه جميع القلوب.

  • يوجد في هذه الخطبة أيضًا إشارةٌ إلى حقيقة التوحيد الذاتيّ لحضرة الحقّ تعالى، وكذلك في العديد من الخطب الأخرى، وذِكرها جميعًا يوجب التطويل والخروج عن الموضوع‌٣.

  • فعلى هذا الأساس، كما أنّ الله سبحانه وتعالى جعل كلامه في القرآن الكريم وفي الأحاديث القدسيّة منصبًّا على التوحيد، ولم يتنازل قيد أنملةٍ عن مرتبة التوحيد وشؤوناته إلى آثار غيره في مراتب التعيّن وشؤوناته، ولم يعط أحدًا من مخلوقاته -حتّى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم- شيئًا من الحيثيّة الاستقلاليّة والوجود المستقلّ ولو كان مقدارًا بسيطاً منه، بل كان -من خلال قهّاريته و بسبب غيرته- يخطف أنفاس كلّ من يتعرّض لكبريائه وجبروته وعظمته وغنائه ولو بمقدار جناح‌ بعوضةٍ، فكما أنّ الله تعالى كذلك، فكذا العارف الكامل ووليّ الله؛ فإنّ حديثه في جميع المجالس والمواعظ وفي جميع كتاباته عبارةٌ عن: التوحيد وشؤونات التوحيد وآثار التوحيد والاتّجاه نحو التوحيد، ولا يتنازل أبدًا عن هذه المرتبة إلى ما دونها من المراتب، لأنّ حيثيّته صارت حيثيّة الحقّ تعالى، وبات وجوده متحوّلًا بوجود الحقّ تعالى، وذاته متذوّتةٌ بذات الحقّ؛ فحينئذٍ كيف يُتصوّر أنّ حضرة الحقّ يمكن أن يتحدّث عمّا سواه، وأن يتكلّم عن الأغيار، أو أن يسوق الناس إلى غيره ويرغّب الناس بمن سواه؟! هذا محالٌ لأنّه كما يُقال:

    1. نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، ج ۱، ص ۱٦.
    2. نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، ج ٢، ص ٩٩.
    3. أشار العلامة الطهراني رضوان الله عليه إلى اثني عشر نموذجًا من الخطب التوحيديّة لأمير المؤمنين عليه السلام مع توضيحٍ مختصرٍ لها في كتابه «معرفة الإمام»، ج ۱٢ ص ٢٤۷. (م)

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

6
  • «الذاتيّ لا يختلف ولا يتخلّف ولا يتغيّر ولا يتبدّل»

  • وبناءً على هذا الكلام فالعارف -شاء أم أبى- لا يمكنه أن يتحدّث بغير التوحيد، ولا يمكنه أن يسوق الناس إلى غير التوحيد من شؤون عالم الخلق أو أن يوجّههم إلى أيّ ظهورٍ من الظهورات أو مظهرٍ من المظاهر، لا أنّ هذا الفعل منه يحصل من باب التواضع والخضوع مقابل حضرة الحقّ تعالى، فإنّ جميع الناس يمكن لهم ذلك، بل إنّ العارف لا يمكن أن يصدر من ذاته غير هذا الفعل ولا أن يترشّح منه غير هذا الأمر، وهذا ليس تواضعًا بل حكمٌ فطريٌّ وذاتيٌّ جُبل عليه هذا العارف، فهو يرى أنّ جميع موجودات عالم الكون مظاهرُ مختلفةٌ من شؤون الحقّ تعالى وينظر إليها من هذا المنطلق، ويرى أنّ ولاية الإمام المعصوم عليه السلام هي ولاية حضرة الحقّ تعالى ولا يراها منفصلة عنه أبدًا، بل يعتبرها شيئًا واحدًا ذا عينيّةٍ واحدةٍ، كما أنّ نظرته إلى الإمام عليه السلام نظرةٌ مرآتيّةٌ لا نظرةٌ استقلاليّةٌ وموضوعيّةٌ، كما ينظر إليه سائر الأشخاص.

  • نظرة العارف إلى الإمام نظرةٌ مرآتيّةٌ و دعوته إلى الإمام هي دعوة إلى الله تعالى‌

  • إنّ العارف لا ينظر إلى إمام الزمان عليه السلام بعنوان أنّه موجودٌ مستقلٌ عن وجود الحقّ تعالى، بل يرى أنّ حقيقة هذا الإمام هي ظهور التجلّي الأعظم لحضرة الحقّ تعالى، والتجلّي لا يمكن أن يكون متمايزاً ومستقلًا عن المتجلّي.

  • وعلى هذا الأساس فإنّ دعوة العارف إلى الإمام عليه السلام هي دعوةٌ نحو الله تعالى لا نحو شخص الإمام عليه السلام؛ و ذلك من باب أنّ جعل الإمام عليه السلام محورًا للدعوة والتبليغ بحيث يجعل الله جانبًا هو عين الشرك، والإمام عليه السلام نفسه لا يرضى أبدًا بهذه الدعوة ولا بهذا التبليغ، إنّ الإمام يدعو الجميع نحو الله؛ فكيف يرضى بأن يُدعى الناس إلى نفسه ويساقون نحوه!؟

  • وبناءً على هذا، فالأشخاص الذين يقيمون المجالس مدّعين بأنّهم من أهل الولاء، ويجعلون محور التوسّل والالتجاء والابتهال فيها على أساس النظرة الاستقلاليّة، لا على أساس نظرةٍ مرآتيّةٍ وآليّةٍ؛ فعليهم أن يعرفوا أنّ مسيرهم هذا وطريقتهم هذه مخالفةٌ تمامًا للمباني والأصول الموضوعة من قبل أولياء الحقّ وأئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. إنّ التوسّل بسيّد الشهداء عليه السلام إنّما يكون ممضىً من قبل الإمام ومرضيّاً عنده عندما لا يكون هناك توجّه استقلالي نحوه، وعندما لا نجعل الإمام و أوامره ودستوراته على حدّ سواء مع الله سبحانه وأوامره ودستوراته.

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

7
  • الإمام وسيلة للهداية إلى الله لا لقضاء الحوائج الدنيويّة وحلّ المشاكل والديون

  • كما أنّ الذين يتعاملون مع الإمام عليه السلام على أنّه وسيلة لقضاء الحوائج ورفع المشاكل وأداء الديون، فيعقدون جلسات التوسّل لهذا الغرض، يكونون بذلك قد أنزلوا الإمام من أرفع مراتب العظمة وأعلى مرتبةٍ من مراتب الوجود، إلى المرتبة الدانية لعالم المادّة وإلى حضيض عالم الطبع، وجعلوه في حدود قضاء بعض الأمور الماديّة والميول الدنيويّة التي لا قيمة لها، ومن هنا فإنّ إقامة مجالس التوسّل لأجل شفاء المريض وأداء القرض ورفع الحصار عن المحاصر وتحرير السجين من سجنه والتسريع في إنجاز جواز السفر ورفع الموانع أمام سفر الزيارة وغيرها ورفع التخاصم بين شخصين وإيجاد الألفة والمحبّة بينهما ...، هي جميعًا مخالفةٌ لطريق العرفاء الإلهيّين ومنهجهم.

  • إنّ العرفاء الإلهيّين يريدون الإمام عليه السلام لأجل نفس الإمام، ويرون أنّ الهدف المنشود من التوجّه إلى الإمام ولفت الأنظار نحوه هو الاندكاك في ولايته المطلقة، ويعتبرونه المقصد الأعلى والغاية القصوى في كلّ ميل وشوقٍ وتوجّه؛ سواءً أُدّي دينهم أم لا، وسواء شُفي مريضهم أم استفحل به المرض فمات، وسواء ظلّوا في أنواع الشدائد وابتلاءات الحياة أو تخلّصوا منها! إنّ دعوة هؤلاء هي نحو معرفة الإمام عليه السلام معرفةً حقيقيّةً، ولا يُشم من أحاديثهم أمثال هذه الأمور أصلًا، فلو جلست معهم وسمعت منهم ألفَ عام، فلن تسمع منهم كلامًا من قبيل: عليك أن تتوسّل بسيّد الشهداء عليه السلام لأداء دينك، أو عليك أن تقوم بكذا وكذا لأغراض دنيويّة، فتجدهم يتقبّلون جميع المصائب الدنيويّة التي تصيبهم طوال حياتهم، لكنّهم مع ذلك لا يستعينون بالإمام عليه السلام لرفعها؛ فهؤلاء يريدون الإمام لمساعدتهم و إنقاذهم في عوالم النفس لا لقضاء الحاجات الماديّة والدنيويّة، ويعتبرون أنّ الإمام عليه السلام واسطة في الفيض لحضرة الحقّ تعالى، وأنّه المجري لمشيئة الله المتقنة وإرادته الحتميّة، لا أنّه عبارة عن صندوق خيري لمساعدة المحتاجين أو محكمة لحلّ المشاكل وفضّ النزاعات.

  • لم يأتِ الإمام عليه السلام إلى هذه الدنيا لكي يقضي ديوننا ويشفي مرضانا ويعالج المصابين بالسرطان، ولا ليهيّئ لنا الجواز وتذكرة السفر، إذ الإمام عليه السلام هو مُجري القضاء والمشيئة الإلهيّة، فكيف يتخلّف هو عن هذه المشيئة وعن هذا القضاء؟!

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

8
  • لذا نقرأ في الزيارة الجامعة:

  • «السلامُ على محالِّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبيّ الله، وذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته، السلام على الدعاة إلى الله، والأدلّاء على مرضات‌ الله، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّة الله، والمخلصين في توحيد الله، والمظهرين لأمر الله ونهيه، وعباده المكرمين، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ورحمة الله وبركاته»۱.

  • تتضّح من هذه الفقرات الشريفة الحقيقة الوجوديّة للأئمّة المعصومين عليهم السلام جيّدًا، فالأئمّة عليهم السلام واسطةٌ في فيض الوجود وتربية النفوس، وهم الذين يسوقون الناس نحو الكمال المختصّ بهم، وهم المُجْرون للإرادة الإلهيّة الحتميّة في عالم الإمكان، فهم لا يسبقون حكم الله أو يتعدّون قضاءه، ولا ينقصون أو يزيدون شيئًا من تلقاء أنفسهم؛ إلى أن يقول:

  • «وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدةٌ، طابت وطهرت بعضها من بعض، خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين، حتّى مَنّ علينا بكم (وخلقكم في عالم النفس ودنيا المادّة) فجعلكم في بيوت أذن الله أن تُرفع (وتسمو درجاتها وتعلو مرتبة كرامتها) ويُذكر فيها اسمه (كأفضل ما ذُكِر، ففي تلك المنازل يصِل الذكر إلى أعلى مراتبه الوجوديّة، بحيث لا يتصوّر مرتبةٌ أعلى منها، ويُحرز شأن وحيثيّة حضرة الحقّ في أسمى موقع لها. والحقّ أنّ هذه العبارة العجيبة جدًا وهي حاويةٌ على أسرارٍ ورموزٍ)، وجعل صلواتنا عليكم وما خصّنا به من ولايتكم طيبًا لخَلْقِنا، وطهارةً لأنفسنا وتزكيةً لنا، وكفّارةً لذنوبنا، فكُنّا عنده مسلِّمين بفضلكم ومعروفين بتصديقنا إياكم»٢.

  • لقد بيّنت هذه الفقرات جميع خصائص حقيقة الولاية المطلقة و مميّزاتها التي تتجلّى وتظهر من النفوس القدسيّة للمعصومين عليهم السلام، كما أنّها وضّحت بشكلٍ جليٍّ الاتّحاد العينيّ والمصداقيّ للولاية المطلقة لحضرة الحقّ تعالى مع ولاية هذه الذوات المقدّسة، وبما أنّ ولاية الحقّ ليس لها مِثل أو شبيه ولا تقبل أيّ غيرٍ في محيط تصرّفها، فلا بد أن تكون ولايةُ المعصومين عليهم السلام نفسَ ولاية الله تعالى وعينَها حقيقةً وواقعًا.

  • وبهذا اللحاظ، يكون نظر العارف إلى الإمام عليه السلام نظرًا آليّاً ومِرآتيّاً لا نظرًا استقلاليّاً، وما يتجلّى في المرآة يعود للّه تعالى و يختصّ به لا إلى شخص الإمام عليه السلام، لأن الإمام عليه السلام ليس لديه شي‌ء من قِبل ذاته، ولا يمكنه أن يدّعي لنفسه شيئًا من هذه الولاية، و من هنا فإنّ هذه الولاية في أيّ مظهرٍ ظهرت وضمن أيّ قالبٍ كانت -سواءً كان ذلك المظهر هو الإمام عليه السلام أم غيره- فهي مملوكةٌ للّه تعالى مختصّةٌ به، وليست مرتبطةً بهذا المظهر.

    1. من لا يحضرة الفقيه، ج ٢، ص ٦۱۰؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٩٦. وتوجد باختلاف قليل في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام، الحديث ٢، ص ٢۷٣.
    2. من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٦۱٣؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٩۸؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، ص ٢۷٥.

العرفاء بين التوحيد والولاية - خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

9
  • فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد***دگران هم بكنند آنچه مسيحا مى كرد ۱ 
  • [المعنى: إذا تفضّل علينا روح القدس وأفاض علينا من مدده، فيستطيع الآخرون أن يفعلوا ما كان يفعله المسيح‌].٢

    1. ديوان الخواجة حافظ، غزل ۱۱۱، ص ٥٢.
    2. أسرار الملكوت ج۲، ص ۱۷٩ ـ ۱۸۸.