5

الغاية القصوى للحكمة المتعالية

التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

2
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

هل الفلسفة غاية بحدّ ذاتها أم هي مجرّد مركب للعبور نحو الحقيقة؟ ما هو السرّ الذي دفع الملاّ صدرا لاعتزال الناس لسنوات طويلة؟ وكيف تتوافق البراهين العقليّة مع الكشوفات القلبيّة والظواهر الشرعيّة؟ لماذا كان صدر المتألّهين يتأسّف على تتبّع آراء المتفلسفة؟ تُجيبك هذه المحاضرة العميقة (التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً ضرورة تزكية النفس قبل الخوض في الأبحاث الفلسفيّة، ومُوضّحةً كيفيّة ولادة كتاب الأسفار بعد إشراقات باطنيّة عظيمة، وتوسّلات كبيرة.

/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الغاية القصوى للحكمة المتعالية

  • التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار، المقدّمة، الّدرس الخامس

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمٰن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • المعرفة بالتوحيد ومقام الولاية كغاية للأبحاث الفلسفيّة والعرفانيّة

  • بعد الشكوى من الأناس الجاهلين بالحقائق الإلهيّة والذين يغضّون الطرف عن المعارف الحقّة والواقعيّة، يتحدّث صدر المتألّهين في هذا البحث عن أنّ غاية علم الحكمة، والهدف من تعلّم هذه الأبحاث هو أن تتفتّح بصيرة الإنسان، ليتمكّن من رؤية ما ينظر إليه ـ بواسطة البرهان والمقدّمات العقليّة ـ بعين القلب والواقعيّة وحاقّ الباطن؛ وإلاّ، فإنّ هذه المسائل ستكون مجرّد نقوش تنطبع في القلب؛ وبدلاً من أن يصل الإنسان إلى المطلوب والانكشاف الواقعيّ والمشاهدة الوجوديّة ولمس القضايا الواقعيّة بقلبه، ينهمك في البحث وتكرار المكرّرات والتدقيقات والمسائل التي لا طائل تحتها، وتُصبح تلك المسائل نفسها حجابًا له، فيحتجب ذلك الإنسان بعلومه، وتكون هذه العلوم ستارًا يمنعه من العبور والوصول من المقدّمة إلى ذي المقدّمة. ولهذا، نرى هذه المسألة وهذا الدأب والمنهج في جميع الأفراد، إلاّ من شذّ وندر، حيث تنحصر كلّ أبحاثهم وأفكارهم وهمّتهم في هذه المسائل والتدقيق فيها، وفيما يسمّونه بالمكتشفات التي يفتخرون ويتباهون بها؛ ويُمكن القول إجمالاً: إنّهم يفرحون بها، لكنّهم لم ينالوا نصيبًا من الواقعيّة والحقيقة.

  • ولهذا، يُحدث هنا انعطافًا في مسائله، ويقول [ما معناه]: على الرغم من أنّني سمّيت مسائل هذا الكتاب بـ «الحكمة المتعالية»، إلاّ أنّ غرضي ليس مجرّد بيان مجموعة من المسائل، بل هي مقدّمة للوصول إلى حاقّ هذه الأمور وواقعيّتها. ولهذا، بعد البحث والتنقيب الذي قمت به سابقًا في آراء المتفلسفة (الذين كانوا يفرحون بالمسائل الفكريّة فقط وكانوا يُزاولون بعض المسائل الفلسفيّة)، حيث كنت أكتفي بالنقد والاعتراض وأضعت عمري في ذلك، أردتُ أن أفتح نافذةً نحو عالم الغيب، وأن أُشرك الآخرين في تلك الأنوار التي رزقني الله تعالى إيّاها.

  • فالإنسان ينقد ويعترض في سائر المسائل أيضًا، ولا فرق في هذا الأمر بين الفقه والفلسفة والأصول والنحو وسائر الحرف والعلوم؛ لأنّ لكلّ إنسان مرتكزات ذهنيّة يفرح بها، وينقد آراء الآخرين من خلالها.

  • إنّ كلّ هذه الأبحاث والمسائل الفلسفيّة هي من أجل معرفة التوحيد ومعرفة الإمام عليه السلام والوصول إلى هذه الحقيقة؛ وهي أنّ وجود الحقّ يتجلّى في وليّه المطلق؛ ولهذا، يجب على الإنسان أن يقبل كلّ ما يقوله من دون أن يُبرّره. فلا يصحّ القول إنّ الإنسان بمجرّد قراءته لهذه المسائل، سيترقّى من مرحلة النقص إلى الكَمال الواقعي؛ بل سيظلّ الإنسان يُعاني من نقائص جمّة، وهذه النقائص هي التي تدفعه إلى الاتكّاء على رُكنٍ ركين، وحبلٍ متين، وأمرٍ لا يقبلُ الخدش، حيث يتوقف حينها عن الجدال والتشكيك! فالجدال مسموح به فقط في المقدّمة الموصلة؛ أمّا عندما يصل الإنسان إلى ذي المقدّمة، فإنّ الجدال حينها هو عين الضرر والخسران.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

3
  • هذه هي خلاصة المسألة.

  • العلاقة بين الشرع والعرفان والحكمة

  • كما ذكرتُ سابقًا، لا يوجد أيّ تنافٍ بين الفلسفة والحكمة المتعالية، وبين التمسّك بولاية الأئمّة عليهم السلام والشرع؛ بل هي جميعها في مسار واحد وتُخبر عن حقيقة واحدة.

  • فالفقه يُعنى بمزاولة جوارح الإنسان وجوانحه للمسائل التي تُساعده في مساره للوصول إلى المطلوب، ورفضُها يُعيقه.

  • والعرفان هو كشف الحقائق الواقعيّة والنفس الأمريّة وشهودها في عالم النفس والقلب، بحيث يتحوّل الإنسان ويتبدّل إلى تلك الحقائق نفسها؛ وكأنّه يُصبح مجرى ومظهرًا لها.

  • أمّا الفلسفة والحكمة، فهي بيان تلك المسائل بصورة برهانيّة ويقينيّة وعلميّة.

  • إذن، ما المشكلة في الفلسفة؟ إنّها جيّدة جدًّا! فهي عين الحقيقة والواقعيّة، ولا نرى أيَّ باطل هنا.

  • فعندما تُريد رسم تصميم مبنى لمهندس معماريّ، فهناك عدّة طُرق:

  • تارةً، يأتي المهندس، ويعرض صورة للمبنى على هذا المعماريّ، ويقول له: «ابنِ المبنى طبقًا لهذه الصورة». في هذه الحالة، هل يكون البناء «طبقًا لهذه الصورة» باطلاً؟ كلاّ، إنّها صورة تُعرض، ليُشيّد المبنى على أساسها، ولكي يفهم المعماريّ النموذج الذي سيبني عليه؛ وكأنّ هذه الصورة هي تمثيل لذلك البناء والدار التي ستُبنى.

  • وتارةً، لا يعرض المهندس صورة، بل يحسب الأرضيّة والبناء وفقًا لقواعد الهندسة، ويُحوّلها إلى أرقام، ويشرح ذلك وفقًا لأصول الهندسة وأصول العمارة.

  • وتارةً أخرى، يأخذ المهندس بيد المعماريّ، ويأتي به إلى المنزل نفسه، ويقول له: «أريد أن تبني لي المنزل طبقًا لهذا التصميم!».

  • لا يوجد أيّ فرق بين هذه الحالات، لا أنّه إحداها ترفع الأخرى وتدفعها وتلغيها؛ بل هي عينها، ولا يوجد أيّ تفاوت بين هذه المراحل والمواطن الثلاثة، ولا يُمكن القول: «بما أنّ المعماريّ نفسه ذهب إلى المنزل، وشاهده بعينه عيانًا، فإنّ ذلك التصميم باطل ولغو!»؛ كلاّ، لا يوجد أيّ دليل على البطلان. أو أن نقول: «إذا عرض إنسان صورة للمبنى، فهذا دليل على أنّ الذهاب إلى ذلك المنزل باطل!»؛ كلاّ، هذا أيضًا ليس دليلاً على البطلان. بل كلّ ذلك يقع في مسار واحد؛ فالشرع مؤيّد للعقل، والعقل مؤيّد للشرع، وكلاهما مؤيّد للوجدان والشهود، بل هما مقدّمة للشهود.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

4
  • هذه المسائل هي نتيجة وخلاصة المقدّمة التي ذكرها صدر المتألّهين هنا.

  • شكوى صدر المتألّهين من اندراس العلم وأسراره

  • وكيف (لا يكون الأمر كذلك) ورؤساؤهم قومٌ أعزل من سلاح۱ الفضل والسداد، عاريةٌ مناكبهم عن لباس العقل والرشاد (أي لم يرتدوا لباس العقل والرشاد ولم يضعوه فوق أكتافهم)، صدورُهم عن حُليّ الآداب أعطالٌ، ووجوهُهم عن سمات الخير أغفالٌ.

  • فلمّا رأيت الحال على هذا المنوال من خلوّ الديار عمّن يعرف قدر الأسرار وعلوم الأحرار (وهي العلوم الخالية من طابع التقليد والتي لا يُمكن لأيّ يد أن تُغيّرها، ويُمكن للإنسان أن يتناولها ويتعلّمها بحريّة دون إبداء رأي شخصيّ ودون تقليد وتبعيّة للآخرين)، وأنّه قد اندرس العلمُ وأسرارُه، وانطمس الحقُّ وأنوارُه، وضاعت السيرُ العادلة، وشاعت الآراءُ الباطلة، ولقد أصبح عين ماء الحيوان غائرة، وظلّت تجارة أهلها بائرة، وآبت وجوههم بعد نضارتها باسرة (ومكدّرة وعابسة)، وآلت حال صفقتهم (وتجارتهم ومعاملتهم) خائبة خاسرة، ضربتُ عن أبناء الزمان صفحًا، وطويت عنهم كشحًا.

  • انعزال الملاّ صدرا عن أهل الدنيا

  • فألجأني خمود الفطنة (أي تحوّل الذكاء إلى بلادة) وجمود الطبيعة (وفقدانها لنضارتها) لمعاداة الزمان وعدم مساعدة الدوران إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار، واستترتُ (واختفيتُ) بالخمول والانكسار ومنقطع الآمال منكسرَ البال، متوفّرًا على فرضٍ أؤدّيه (أي تزكية النفس والمجاهدات والرياضات الشرعيّة والاهتمام بالنفس) وتفريط في جنب الله أسعى في تلافيه، لا على درس ألقيه أو تأليف أتصرّف فيه؛ إذ التصرّف في العلوم والصناعات وإفادة الأبحاث ودفع المعضلات وتبيين المقاصد ورفع المشكلات، ممّا يحتاج إلى تصفية الفكر وتهذيب الخيال عمّا يوجب الملال والاختلال (أو لعلّ مراده: «لم أصل بعد إلى تلك المرحلة من الصفاء») ، واستقامة الأوضاع والأحوال مع فراغ البال.

  • كيف يُمكن للإنسان مع وجود تشوّش الخاطر واضطراب الذهن أن يُنقّب في تلك المسائل العلميّة أو يُؤلِّف فيها؟! أو كيف يُمكنه أن يُنجز عملاً في ظلّ الفوضى العلميّة والسباب والتكفير؟! أينما ذهب يُشتَم؛ هنا يسبّونه، وهناك يقولون: «مرتدّ، كافر، يقول بوحدة الوجود، نجس!»؛ فهو دائمًا عرضة للتهم والنظرات السيّئة، وربّما يفتعلون له المشاكل! باختصار، لكي يمنعوه، يُحرّضون عليه الأوباش، والأوباش يفعلون كلّ شيء! ولقد كانوا يفعلون ذلك حقًّا!

    1. خ ل: صلاح.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

5
  • ومن أين يحصل للإنسان ـ مع هذه المكاره التي يسمع ويرى من أهل الزمان ويُشاهد ممّا يكبّ عليه الناس في هذا الأوان، من قلّة الإنصاف وكثرة الاعتساف (والانحراف)، وخفض الأعالي والأفاضل، ورفع الأداني والأراذل، وظهور الجاهل الشرير والعامّي النكير على صورة العالم النحرير وهيئة الحبر الخبير، إلى غير ذلك من القبائح والمفاسد الفاشية اللازمة والمتعدّية ـ مجالُ المخاطبةِ في المقال، وتقرير الجواب عن السؤال، فضلاً عن حلّ المعضلات وتبيين المشكلات؟! (أي أنّه لا يجد مجالاً مُتاحًا لإيصال هذه المسائل إلى مسامع أهلها).

  • كما نظّمه بعض إخواني في الفرس:

  • از سخن پر دُر مکن هم‌چون صدف هر گوش را***قفلِ گوهر ساز، یاقوت زمرد پوش را
  • در جواب هر سؤالی حاجت گفتار نیست***چشمِ بینا عذر می‌خواهد لب خاموش را۱
  • [يقول: لا تملأ كلّ أذن بالكلمات المليئة بالدرر كالصدف، بل اصنع قفلاً من الجوهر للياقوت المُغطّى بالزمرد 

  • فليست هناك حاجة للكلام في الجواب عن كلّ سؤال، والعين البصيرة تلتمس العذر للشفة الصامتة].

  • الياقوت هنا هو «اللسان»، والزمرّد عبارة عن خضرة الوجه وشعر اللحية الذي يُغطّي اللسان. وحينئذ، تكون هذه الشفة قفلاً من جوهر يُعبّر عنه بـ «اللعل».٢ يقول: هذه الشفة بمنزلة القفل للسان؛ وعندما تُغلق الشفة، يُحفظ اللسان في مكانه ولا يفعل شيئًا. وعندما ترى العين أنّ الشفة صامتة، تُدرك أنّه يجب إبقاؤها كذلك؛ أي: ألاّ يُقال كلّ شيء لكلّ إنسان.

  • يجب علينا أن نُدقّق كثيرًا في الكلام وبيان المسائل، وهذا حقًّا أمر في غاية الأهميّة؛ ولكن، يبدو أنّه كان هناك تقصير كبير، حيث كان الإنسان يقول كلّ شيء لأيّ أحد، ممّا أدّى إلى وقوع البعض في الفتنة والمشاكل المزعجة. لا يجب بالضرورة أن يُبيّن الإنسان كلَّ مسألة أو ينقل كلّ قضيّة يراها؛ لأنّها قد تصل إلى أمور حسّاسة جدًّا.

  • اقتداء الملاّ صدرا بأمير المؤمني في الابتعاد عن أهل الدنيا والتضرّع الباطنيّ لله

  • فكنت أوّلاً كما قال سيّدي ومولاي ومعتمدي، أوّل الأئمّة والأوصياء وأبو الأئمّة الشهداء الأولياء، قسيم الجنّة والنار، آخذًا بالتقيّة والمداراة٣ مع الأشرار، مُخلاًّ عن مورد الخلافة (ومعتزلاً إيّاها)، قليل الأنصار، مُطلّق الدنيا، مُؤثر الآخرة على الأولى (وبمنأى عن جميع المسائل)، مولى كلّ من كان له رسول الله صلّى الله عليه وآله مولى، وأخوه وابن عمّه ومُساهمه (وشريكه) في طمّه ورمّه (أي في كلّ ما حصل عليه وادُّخر له؛ وحينما آل أمر الخلافة إلى هذا الحال، ووقع بين أيدي الجهّال وعديمي الأهليّة): «طَفِقتُ أرتَئي بينَ أن أصولَ (وأهاجم بقوّة قاهرة) بيَدٍ جَذّاءٍ (ومقطوعة؛ أي: من دون أنصار)، أو أصبرَ على طَخْيَةٍ (وظُلمة) عَمياءَ، يَهرَمُ فيها الكبيرُ ويَشيبُ فيها الصغيرُ ويَكدَحُ فيها مؤمنٌ (ويجاهد) حتّى يلقى ربَّه».٤

    1. السيّد أبو القاسم القاسميّ الأردستانيّ.
    2. المعجم المفصل في المعرب والدخيل، ص٤۱۰:
      «حجر كريم. من الفارسية: «لال»، وتعني الأحمر، والحجر الكريم». المترجم
    3. خ ل: مداراة.
    4. نهج البلاغة، ص ٤۸، الخطبة ٣.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

6
  • الظلمة العمياء تعني الظلمة التي لا سبيل فيها للإبصار أبدًا، وهذا أمر عجيب جدًّا! قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾؛۱ فهي ظلمة؛ وفي الوقت ذاته، يكون الإنسان فيها أعمى! هذا أمر ممتاز جدًّا! فتارةً، تكون هناك ظلمة، لكنّ الشخص بصير؛ ورغم أنّ هذا لا ينفع أيضًا، ولكن، إذا كانت ظلمات محضة، وكان الشخص أعمى كذلك، فكيف يُمكنه الاهتداء؟!

  • يقول الإمام عليه السلام [ما معناه]: «بقيت حائرًا فيما أفعل؛ هل أقوم بما لا أستطيع، أم أصبر؟!»

  • فصرتُ ثانيًا عنان الاقتداء بسيرته، عاطفًا وجه الاهتداء بسنّته (ونظرتُ لكي أرى ماذا يفعل هو): «فرأيت أنّ الصبرَ على هاتي أحجى (وأحكم وأتقن)، فصبرتُ وفي العين قذًى (وشوك) وفي الحلق شجًى (وعظم)».٢ 

  • فأمسكتُ عناني عن الاشتغال بالناس ومخالطتهم، وآيستُ عن مرافقتهم ومؤانستهم، وسهلت عليّ معاداة الدوران ومعاندة أبناء الزمان، وخلصت عن إنكارهم وإقرارهم (وشتمهم وتأييدهم)، وتساوى عندي إعزازُهم وإضرارُهم؛

  • ترون أنّ إنسانًا يأتيك من هنا وهناك مرارًا، ثمّ في مسألة جزئيّة جدًّا، ينقلب فجأة! هكذا هم الناس وهذا الأمر عجيب جدًّا حقًّا!

  • فتوجّهت توجّهًا غريزيًّا٣ (وباطنيًّا) نحو مُسبّب الأسباب، وتضرّعت تضرّعًا جبليًّا (وداخليًّا) إلى مُسهّل الأمور الصعاب.

  • أي: ليس فقط من حيث الفعل، بل عندما رأيت كلّ هذا الباطل والاختلافات، توجّهتُ بجميع كياني إلى هذه الحقيقة؛ وهي أنّهم جميعًا ـ من كبيرهم إلى صغيرهم ـ غارقون في النجاسة! من كبيرهم إلى صغيرهم!

  • لقد ذكرت هذا الأمر سابقًا، وهو أنّه في الماضي، عندما كانت تحدث بعض المشاكل، كنت أشعر أنّه ربّما لا يفهم إنسان واحد ما أقوله! أي: لا يفهم ماذا أُريد أن أقول وما هو قصدي! فالجميع يسبحون في خيالاتهم وتصوّراتهم. بالطبع، لا أريد أن أتباهى؛ بل في الواقع كلّ إنسان هكذا. ثمّ رأيت بالمناسبة أنّ المرحوم العلاّمة قال في كتاب الروح المجرّد [ما معناه]:

  • لقد حدث لي في حياتي عدّة مرّات أنّه لم يقبل بكلامي الحقّ شخص واحد، واضطررت للابتعاد عن جمع غفير كانت تربطني بكلّ واحد منهم علاقات قرابة أو صداقة وصحبة طويلة.٤

  • لأنّ كلّ إنسان يُمكنه أن ينتبه بمقدار السعة التي منحها الله تعالى له.

    1. سورة الزمر، الآية ٦.
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤۸، الخطبة ٣.
    3. خ ل: عزيزيًّا؛ أي توجّهًا تامًّا ومُحكمًا.
    4. راجع: الروح المجرّد، ص ٦٣.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

7
  • قد تحدث هذه المسألة لأيّ إنسان؛ وذلك بأن تخطر في ذهنه مسألة، ويوقن أنّها حقّ، لكنّها لا تحظى بأيّ اهتمام! وترى حينها أنّه لا فرق بين الكبير والصغير؛ فالشيوخ ذوو الخمسين والستّين عامًا جميعهم غارقون في الخرافات والإحساسات الخالية من المنطق! ولا يختصّ هذا الأمر بغير المطّلعين، بل ترى إنسانًا يمتلك العلم أيضًا، لكنّ علمه لم يتمكّن من فتح طريق الحقيقة له؛ فبقي في دائرة النفسانيّات والمدركات النفسيّة الممزوجة بالإحساسات! وتتفاوت الإحساسات بالطبع؛ فتارة، يتجاوز الإنسان بعض المسائل، لكنّه يظلّ عالقًا في مسائل أخرى. باختصار، يجب أن يكون الإنسان في غاية الحذر.

  • إشراق الأنوار الإلهيّة على قلب الملاّ صدرا

  • فلمّا بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال زمانًا مديدًا وأمدًا بعيدًا، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالاً نوريًّا. 

  • ولهذا، تأوّل وفسّر البعض الآية المتعلّقة بنبيّ الله موسى عليه السلام: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾۱ بأنّ المراد بها هي تلك النار التي اشتعلت في قلب موسى عليه السلام.٢

  • والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهابًا قويًّا؛ ففاضت عليها أنوار الملكوت، وحلّت بها خبايا (وأستار وحُجب) الجبروت، ولحقتها الأضواء الأحديّة، وتداركتها الألطاف الإلهيّة؛ 

  • فاطّلعت على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان؛ بل كلّ ما علمته من قبل بالبرهان، عاينته مع زوائد بالشهود والعيان، من الأسرار الإلهيّة والحقائق الربانيّة والودائع اللاهوتيّة والخبايا الصمدانيّة.

  • وهذا دليل على أنّ البرهان دائمًا مُؤيّد؛ لأنّه لا يقول: «إنّني رأيت أنّها باطلة»، بل يقول: «عاينتها مع مسائل زائدة بالشهود والعيان!»

  • سعة العلم الإلهيّ ومحدوديّة الإدراك البشريّ

  • ولا يخفى أنّ فهمَ الملاّ صدرا هو بمقداره هو، ولم يعطوه حينها سوى كأس واحد، لكنّه سكر إلى هذا الحدّ، فتحدّث بهذه المسائل! لأنّه في كلّ مرحلة يوجد شهود، حيث يبدأ ذلك بالشهود المثاليّ ثمّ مراتب الشهود الأخرى؛ وقد تجلّت له معانٍ وتجلّيات كثيرة في المثال، وحتّى أعلى من المثال؛ غاية الأمر أنّها لم تكن بتلك الشدّة، بل كانت ـ مثلاً ـ جزءًا من المليون، لكنّ هذا المقدار نفسه كثير جدًّا!

    1. سورة طه، الآية ۱۰.
    2. مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق، ج ٤، ص ٩٤؛ عرائس البيان، روزبهان البقليّ، ج ١، ص ٢٨٧؛ مجموعة رسائل ابن ‌عربي، كتاب الإسفار عن نتايج الأسفار، ص ٥٤.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

8
  • هل تظنّون أنّ هذه المسائل لها حدّ تقف عنده؟ أقول لكم: لو أنّ إنسانًا شرح لكم ما سيحدث من بداية خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، فإنّ علمه لن يُعادل حصاة واحدة في صحراء واسعة! أقول هذا حقًّا! أي: كما ذكرت سابقًا، فإنّ كلّ عالم لا نهاية له في العرض؛ وكذلك في الطول.

  • للملاّ صدرا الحقّ في أن يسكر بهذا المقدار الذي أعطوه إيّاه؛ لأنّه لم يكن لديه أستاذ، ولم يرتفع أعلى من ذلك. أيّ فيلسوف تعرفونه وصل إلى هذا المقدار من المسائل التي طرحها؟

  • كان أحد رفقائنا ـ وهو المرحوم السيّد بيات ـ۱ ينقل قائلاً:

  • كنّا نخرج أيّام الجمعة مع المرحوم الشيخ الأنصاريّ رضوان الله عليه وآخرين إلى خارج همدان. ذهبنا يومًا إلى مكان يُسمّى «درّه مراد بيك». وكان الشيخ الأنصاريّ عادةً يرجع قبل الآخرين، وكنت أرافقه وحدي، وكان الرفقاء يتبعوننا بمسافة.

  • وصلنا يومًا إلى منعطف، وما إن هممنا بالانعطاف حتّى توقّفنا فجأة، وقال لي: «يا فلان، دعني أراك!».

  • فنظر إليّ، ورأيتُ أنّ حالي تغيّر بالكامل، وأصبحتُ في حال عجيبة! ثمّ سألني عن مسائل توحيديّة، فبدأت أشرح له أنّ مسألة التوحيد كذا وكذا...

  • فجأة قال: «ماذا تقول يا شابّ؟! الملاّ صدرا يقول في هذه المسألة كذا!».

  • قلت: إنّه مخطئ والمسألة ليست كذلك!

  • قال: «الملاّ صدرا يقول ذلك!».

  • قلت: أيًّا كان، فهو مخطئ!

  • فلم يقُل الشيخ الأنصاريّ شيئًا، ومضى. فانتبهت فجأة، وعاد حالي إلى طبيعته.

  • فقال: «هلاّ شرحت تلك القضيّة بشيءٍ من التفصيل!».

  • قلت: أيّة قضيّة؟

  • قال: «هذا الموضوع الذي كنت تتحدّث عنه الآن!».

  • قلت: لا أعلم، ولا أتذكّر شيئًا!

  • يبدو أنّ الحديث كان عن كيفيّة نزول التوحيد في عالم التعيّنات، وعن حقيقة العليّة وأمثال ذلك. لا أتذكّر التفاصيل بدقّة؛ لأنّه نقل لي ذلك منذ زمن طويل؛ لكن، من خلال ما كان يقوله وما أُطبّقه الآن، أظنّ أنّه كان كذلك.

  • ضرورة تقييم الشهودات الناقصة وغير التامّة بالبراهين العقليّة

  • بما أنّ هذه الشهودات للملاّ صدرا هي حقائق لم تحصل للإنسان بصورة تامّة وكاملة، لهذا، يُمكنه أن يُطبّقها على ما أدركه عقلُه. فكما أنّ منهج صدر المتألّهين كان يعتمد على التوجيه، فبوسع الإنسان أيضًا أن يُؤيّد هذه المسائل أو يُطبّقها من خلال التوجيهات العقليّة والمنطقيّة؛ فمثلاً، يُمكننا القول في مسألة التشكيك في الوجود التي طرحها الملاّ صدرا: إنّ كلّ تعيّن في الوجود اتّخذ نحوًا من الشدّة والضعف الوجوديّ، هو عبارة عن مرحلةٍ لتنزّل الواحديّة؛ أي: عندما تتنزّل الأحديّة، فإنّها تتنزّل في الاسم "الواحد". وبالطبع، "الأحد" في حدّ نفسه ليست له مرتبة، بل هو المرتبة الأعلى التي لا مرتبة فوقها؛ أي: لا توجد مرتبة أعلى منها تُسمّى بـ «الهوهويّة».

    1. مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ۱، ص ٣٣٩، الهامش:
      «كان [المرحوم الحاج محمد حسن بياتي] من أقدم تلامذة العرفان والسلوك للمرحوم آية الله الحاج الشيخ محمد جواد الأنصاريّ رضوان الله عليه، وقد نال في مراتب السير والسلوك درجاتٍ سامية. وكان المرحوم الوالد قدّس الله سرّه يُفضي إليه ببعض الأسرار والرموز، حيث يتبيّن من نبرة خطابه وأسلوب رسائله إلى المرحوم بياتي أنّه كان يُشاركه الكثير من المسائل التي لم يكن يطرحها مع الآخرين».

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

9
  • وخلافًا لما يقوله الفلاسفة، فإنّ الهوهويّة ليست مرتبة في الأساس؛ بل هي مرتبة تُمثّل باطن كلّ هذه المراتب، لا أنّها مرتبة فوقها؛ لأنّها لو كانت فوقها، لأمكنت الإشارة إليها. ومن هنا، فإنّ أنوار الأحديّة وظهوراتها تكون في مرتبة الواحديّة؛ أي أنّ الأحديّة تظهر وتتجلّى في مرحلة الواحديّة، والواحد لا يتنافى مع مسألة التشكيك في الوجود، ولا يلزم منه إشكال؛ اللهمّ إلاّ إذا أشكلنا على أصل التشكيك في الوجود، أو ناقشنا ـ على نحو ما يقول هؤلاء من أنّ الأحديّة هي أيضًا مرتبة ـ وقلنا: إنّ التشكيك في الوجود لا ينسجم مع مسألة الأحديّة.

  • ضرورة المجاهدات النفسيّة والعقليّة للوصول إلى الحقيقة

  • فاستروح العقلُ من أنوار الحقّ بكرة وعشيًّا، وقرُب بها منه وخلُص إليه نجيًّا؛ فركى بظاهر جوارحه، فإذا هو ماء ثجّاج، وزوى بباطن تعقّلاته للطالبين فإذا هو بحر موّاج أودية الفهوم سالت من فيضه بقدرها،۱ وجداول العقول فاضت من رشحه بنهرها؛ فأبرزت الأوادي على سواحل الأسماع جواهر ثاقبة ودررًا، وأنبتت الجداول على الشواطئ زواهر ناضرة وثمرًا.

  • أي: فاستراح العقل بأنوار الحقّ تعالى التي [كانت تُشرق عليه] صباحًا ومساءً، وبها تقرّب إلى الحقّ، وخلُص عن غيره، وناجاه؛ فشرع بجوارحه الظاهرة يفحص الأرض ويحفرها ليستخرج ماءً، حتّى انتهى إلى ماءٍ فوّارٍ، وشرع بباطن تعقّلاته يجمع المسائل للطالبين، حتّى وصل إلى بحرٍ موّاجٍ (أي أصبح عملُنا في الظاهر والباطن متوافقًا مع الوصول إلى الحقائق). 

  • وانتفعت أودية الأفهام من فيض الحقّ بمقدار سعتها وقابليّتها، وجرت أنهارٌ من رشحة الحقّ التي أشرقت على العقل في جداول العقول، فأبدت هذه الأودية على شواطئ الأسماع جواهر زاهرةً ولآلئ، وعرضت هذه الجداول في حافّات الحكمة ومشاربها أزهارًا ناضرةً وثمارًا.

  • وحيث كان من دأب الرحمة الإلهيّة وشريعة العناية الربانيّة ألاّ يُهمل أمرًا ضروريًّا يحتاج إليه الأشخاص بحسب الاستعداد، ولا يبخل بشيء نافع في مصالح العباد، فاقتضت رحمته ألاّ يختفي في البطون والاستتار٢ هذه المعاني المنكشفة لي من مفيض عالم الأسرار، ولا يبقى في الكتمان والاحتجاب الأنوار الفائضة عليّ من نور الأنوار؛ فألهمني الله الإفاضة ممّا شربنا جرعة للعطاش الطالبين، والإلاحة ممّا وجدنا لمعة لقلوب السالكين، ليحيى من شرب منه جرعة ويتنوّر قلب من وجد منه لُعمة.

    1. إشارة إلى سورة الرعد، الآية ۱۷:
      ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
    2. خ ل: الأستار.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

10
  • أي: لمّا كان دأب الرحمة الإلهيّة وديدنها، وشريعة اللطف والعناية الربانيّة، ألّا تُهمل الأمور الضروريّة التي يحتاج إليها الأشخاص بحسب استعدادهم، بل تُفيضها في كلّ برهةٍ ليتمكّن المستعدّون من الانتفاع بها، وألّا تبخل بالمسائل التي تنفع مصالح العباد؛ اقتضت رحمته ألاّ تبقى هذه المعاني المنكشفة لي من لدن مفيض عالم الأسرار مخفيّةً خلف الحجب والبطون، وألّا تظلّ تلك الأنوار التي أُفيضت عليّ ـ من لدن إلهٍ هو نور الأنوار ـ في كتمانٍ واحتجابٍ.

  • فألهمني الحقّ تعالى أن أمنح الطالبين ـ العطاشى إلى الحقيقة ـ جرعةً ممّا شربنا، وأن أُجلي رشحةً بمقدار لُعاب طفل من ذلك النور الذي وجدنا؛ حتّى يحيى من يرتشف منه جرعةً، ويستنير قلب من يحظى منه بقبسٍ.

  • يقول: «فاضت على قلبي علوم ومسائل كثيرة، لكنّني لم أكتبها كلّها، بل كتبت بمقدار بلل قليل حول فم طفل صغير!»؛ فلاحظوا كيف يكون الشأن في مقام الثبوت، إذا كان مقام الإثبات بهذا المقدار!

  • فالـ «لَمعة» تعني البريق والنور، والـ «لُعمة» تعني مقدار من اللعاب، وقد تكون كلا النسختين صحيحتين.

  • برقـی از منـزل لیـلی بدرخشیـد سحـر***وه که با خـرمن مجنون دل‌افکار چه کرد!۱
  • [يقول: لاح برق من منزل ليلى وقت السحر، فيا عجبًا ممّا فعله بكيان مجنونها المتيّم!]

  • باختصار، عندما يومض برقٌ، يقلب كلّ شيء رأسًا على عقب!

  • سبب تأليف كتاب الأسفار

  • فبلغ الكتاب أجله وأراد الله تقديمه، وقد كان أجّله، فأظهره في الوقت الذي قدّره وأبرزه على من له يسّره؛ فرأيت إخراجه من القوّة إلى الفعل والتكميل وإبرازه من الخفاء إلى الوجود والتحصيل، فأعملت فيه فكري وجمعت على ضمّ شوارده أمري وسألت الله تعالى أن يشدّ أزري ويحطّ بكرمه وزري ويشرح لإتمامه صدري.

  • أي: إلى أن حان موعده، وأراد الله أن يُعجّله ويُقدّمه ويجعله في المتناوَل، وقد كان أخّره من قبلُ؛ فأظهره في الوقت الذي قدّره، وأبانه لمن يسّر له الوصول إلى هذه المعاني؛ فرأيتُ أن أُخرجه من القوّة إلى الفعل والتكميل، وأُبرزه من الخفاء إلى الوجود والتحصيل. فأعملت فكري، وأجمعت أمري على ضمّ شوارده ومسائله المختلفة، وسألت الله أن يزيد في حولي وقوّتي، وأن يُيسّر بكرمه وِزري ويضعه عنّي، ويشرح لي صدري.

    1. ديوان حافظ (قزويني)، الغزل ۱٤۰.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

11
  • فنهضت عزيمتي بعد ما كانت قاعدةً، وهبّت همّتي غبّ ما كانت راكدة، واهتزّ الخامد من نشاطي وتموّج الجامد من انبساطي، وقلت لنفسي: هذا أوان الاهتمام والشروع، وذكر أصول يُستنبط منها الفروع، وتحلية الأسماع بجواهر المعاني الفائقة، وإبراز الحقّ في صورته المعجبة الرائقة.

  • أي: فتحرّك عزمي، وانبعث بعد أن كان مُقعَدًا، وتهيّجت همّتي بعد أن كانت راكدةً، واهتزّ نشاطي الذي مال إلى الفتور والخمود، وسرت الحركة في انبساطي بعد جموده وجفافه، وقُلتُ في نفسي: حان الوقت لأهتمّ وأشرع في إيراد أصولٍ من الحكمة لتُستَنبَط منها الفروع، وأُزيّن الأسماعَ بجواهر المعاني الفائقة، وأُبرِز الحقَّ في صورته المُعجِبة الرائقة وبشكلٍ عجيبٍ جدًّا؛ لكي أُظهِر الحقّ للجميع، وأُبيّن ما قاله الآخرون بوجهٍ آخر.

  • فصنّفت كتابًا إلهيًّا للسالكين المشتغلين بتحصيل الكمال، وأبرزت حكمة ربانيّة للطالبين لأسرار حضرة ذي الجمال والجلال. كاد أن يتجلّى الحقّ فيه بالنور الموجب للظهور، وقرب أن ينكشف بها كلّ مرموز ومستور.

  • أي: بيّنتُ المسائل بحيث يبدو أنّ الحقّ يُظهر نفسه في هذا الكتاب ويقول: أنا الحقّ! افهموا التوحيد من هنا! افهموا الحقّ من مسائلي هذه! وكاد أن يخرج اللهُ تعالى من خفائه، ويُبرز حقيقتَه وواقعيّتَه في منصّة الظهور.

  • وقد اطّلعنيَ اللهُ فيه على المعاني المتساطعة أنوارها في معارف ذاته وصفاته، مع تجوال عقول العقلاء حول جنابه وترجاعهم حاسرين. وألهمني بنصره المؤيّد به من يشاء من عباده الحقائقَ المتعالية أسرارها في استكشاف مبدئه ومعاده، مع تطواف فهوم الفضلاء حريم حماه وتردادهم خاسرين (لكنّ الله تعالى أنعم عليّ بأن توصّلت إلى هذه المسائل، بينما هم لم يتوصّلوا إليها).

  • الخصائص الدراسيّة والمعرفيّة لكتاب الأسفار

  • فجاء بحمد الله كلامًا لا عوج فيه ولا ارتياب ولا لجلجة ولا اضطراب يعتريه، حافظًا للأوضاع، رامزًا مشبعًا في مقام الرمز والإشباع، قريبًا من الأفهام في نهاية علوّه، رفيعًا عاليًا في المقام مع غاية دنوّه؛ إذ قد اندمجت فيه العلوم التألّهيّة في الحكمة البحثيّة، وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات العلميّة۱، وتسربلت الأسرار الربانيّة بالعبارات المأنوسة للطباع، واستعملت المعاني الغامضة في ألفاظ القريبة من الأسماع، فالبراهين تتبختر اتّضاحًا وشبه الجاهلين للحقّ تتضاءل افتضاحًا.

    1. خ ل: التعليميّة.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

12
  • أي: فهذا الكتاب ـ بحمد الله تعالى ـ كلامٌ لا انحراف فيه ولا شكّ ولا ترديد، ولا يأخذه أيّ اضطرابٍ، وهو مُحكَمٌ ومُتقَنٌ وموصولٌ بسَدّ الإسكندر، قد حفظ جميع الأوضاع، وسار طِبقًا للقوانين وبنحوٍ دقيقٍ (أي إنّني لم أُطلِق الشعارات هنا، ولم أدخُل في العواطف، ولم أتلفّظ بكلماتٍ لا قيمة لها ولا أصل ولا أساس، بل بيّنتها واحدةً فواحدةً طِبقًا للقانون والوضع العلميّ).

  • ففي المقام الذي ينبغي أن أتكلّم فيه بالرمز، تكلّمت بالرمز؛ وفي الموضع الذي يجب أن أُبيّن فيه المسألة بنحوٍ برهانيّ وعقليّ وبوضوحٍ، بيّنتها كذلك (أي إنّني جمعت هنا لكلّ أحدٍ ما يريده). فهو في غاية عُلوّه قريبٌ من الأفهام؛ ومع أنّني عرضتُ هذه المسائل في غاية الدُنوّ والنزول، إلّا أنّها رفيعةٌ وعاليةٌ جِدًّا؛ إذ اندمجت العلوم التألهيّة للحكمة البحثيّة في هذا الكتاب، ووُجِدت فيه مجموعة من العلوم، واستحكمت وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات العلميّة، واكتست الأسرار الربانيّة بعباراتٍ واضحةٍ جِدًّا ومألوفةٍ وموافقةٍ للطباع (أي إنّها ليست كعبارات بعض الصوفيّة الذين يستعملون عباراتٍ صعبةً وعجيبةً وغريبةً جِدًّا تُوحِش الإنسان، حيث إنّني لم أستعمل أنا هذه العبارات)، واستُخدمت المعاني الغامضة في ألفاظٍ قريبةٍ تألفها الأسماع. فالبراهين ذات وضوحٍ مُستحسَنٍ جِدًّا وهي ترتقي لِوضوحها، وشُبُهات الجاهلين بالحقّ ـ من حيث افتضاحها ـ مُنحطّةٌ ووضيعةٌ جِدًّا.

  • انظر بعين عقلك إلى معانيه؛ هل تنظر فيه من قصور؟ ثمّ ارجع البصر كرّتين إلى ألفاظه؛ هل ترى فيه من فطور؟ وقد أشرت في رموزه إلى كنوز من الحقائق لا يهتدي إلى معناها، إلاّ من عنّى نفسه بالمجاهدات العقليّة حتّى يعرف المطالب، ونبّهت في فصوله إلى أصول لا يطّلع على مغزاها إلاّ من أتعب بدنه في الرياضات الدينيّة لكيلا يذوق المشرب.

  • مزج العقل والذوق في تأليف الأسفار

  • وقد صنّفته لإخواني في الدين ورفقائي في طريق الكشف واليقين (بمعنى أنّ هذا الكتاب يبلغ بالإنسان مرتبة الكشف واليقين، وليس مجرّد فلسفةٍ جافّة تقتصر على سبر أغوار المعاني والمفاهيم)؛ لأنّه لا ينتفع بها كثير الانتفاع إلاّ من أحاط بأكثر كلام العقلاء ووقف على مضمون مصنّفات الحكماء غير محتجب بمعلومه ولا منكرًا لما وراء مفهومه؛ فإنّ الحقّ لا ينحصر بحسب فهم كلّ ذي فهم ولا يتقدّر بقدر كلّ عقل ووهم (فالحقّ أعلى من ذلك)، فإن وجدته ـ أيّها الناظر ـ مخالفًا لما اعتقدته أو فهمته بالذوق السليم، فلا تُنكره ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.۱ فافقهنّ أنّ من احتجب بمعلومه وأنكر ما وراء مفهومه، فهو موقوف على حدّ علمه وعرفانه، محجوب عن خبايا أسرار ربّه وديّانه (أي: اعلم أنّ من احتجب بنور علمه، فأنكر ما وراء ما أدركه، لن يَعُودَ قادرًا على الحركة، بل يبقى واقفًا عند حدِّ علمه، ويُحجَب بتلك الأستار الجبروتيّة التي جعلها اللهُ لتبقى هذه الأسرار محفوظةً تحتها، فلا يعود ينالها).

    1. سورة يوسف، الآية ۷٦.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

13
  • وإنّي أيضًا لا أزعمُ أنّي قد بلغت الغاية فيما أوردتُه، كلاّ؛ فإنّ وجوهَ الفهمِ لا تنحصر فيما فهمتُ ولا تُحصى، ومعارف الحقّ لا تتقيّد بما رسمتُ، ولا تُحوى؛۱ لأنّ الحقّ أوسع من أن يُحيط به عقلٌ وحدٌّ، وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد.

  • فإن أحللتَ بالعناية الربانيّة مُشكلَها، وفتحتَ بالهداية الإلهيّة معضلَها، فاشكر ربّك على قدر ما هداك من الحكم، واحمده على ما أسبغ عليك من النعم.

  • توصية الملاّ صدرا بكتمان الأسرار عن غير أهلها

  • واقتدِ بقول سيّد الكونين ومرآة العالمين عليه وعلى آله من الصلوات أنماها ومن التسليمات أزكاها: «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتضلّوها، ولا تمنعوا أهلها فتظلموها».٢ 

  • فعليك بتقديسها (أي هذه الحكمة) عن الجلود الميّتة (أي: لا تتحدّث بهذه المسائل مع الجميع، بل طالعها، واحتفظ بها لنفسك، ولا داعي لطرحها في كلّ مكان)، وإيّاك واستيداعها إلاّ للأنفس الحيّة، كما قرّره وأوصى به الحكماء الكبار أولي الأيدي والأبصار.

  • طريقة الأسفار في إعداد النفوس لتقبّل المسائل الصعبة

  • واعلم أنّي ربّما تجاوزت عن الاقتصار على ما هو الحقّ عندي وأعتمد عليه اعتقادي إلى ذكر طرائق القوم وما يتوجّه إليها وما يرد عليها، ثمّ نبّهت عليه في أثناء النقد والتزييف والهدم والترصيف والذبّ عنها بقدر الوسع والإمكان. وذلك لتشحيذ الخواطر بها وتقوية الأذهان من حيث اشتمالها على تصوّرات غريبة لطيفة وتصرّفات مليحة شريفة؛ تعدّ نفوس الطالبين للحقّ ملكة لاستخراج المسائل المعضلة، وتفيد أذهان المشتغلين بالبحث اطّلاعًا على الأبحاث المشكلة. والحقّ أنّ أكثر الأبحاث المثبتة في الدفاتر المكتوبة في بطون الأوراق إنّما الفائدة فيه مجرّد الانتباه والإحاطة بأفكار أولي الدراية والأنظار، لحصول الشوق إلى الوصول، لا الاكتفاء بانتقاش النفوس بنقوش المعقول أو المنقول.

  • أي: واعلم أنّني قد أتجاوزُ أحيانًا حدَّ الاقتصارِ على ما هو الحقُّ عندي وما أعوّلُ عليه في اعتقادي، فلا أنفردُ ببيان مسلكيَ الحقِّ فحسب، بل أبسطُ القولَ بذكرِ طرائقِ القومِ وما يَرِدُ عليها من الإشكالات والإيرادات. ثمّ أومئُ إلى ذلك في غضونِ النقدِ والتزييفِ والهدمِ، ومن ثمّ تشييدِ المباني، ذابًّا عن تلك المسائلِ بما وسعني الإمكان، رافعًا للإشكالِ وموجّهًا للمقال.

    1. خ ل: تُحصى.
    2. عوالي اللئالي، ج ٤، ص ۸۰؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ٤۰۰، مع اختلاف يسير في المصادر.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

14
  • وما ذلك إلا لترويضِ الخواطرِ وإعدادِها ببيانِ أنّ ثمّةَ مسائلَ أخرى وراءَ ذلك، ولتقويةِ الأذهانِ كي تشتدَّ حِدَّتُها وتصيرَ حديدةً ذكيةً نفّاذة؛ لما تنطوي عليه تلك الطرائقُ من تصوّراتٍ غريبةٍ لطيفة (إذ لمّا كان من المحتملِ وجودُ تصوّراتٍ بديعةٍ ولطيفةٍ في كلماتهم، وجبَ علينا الاطّلاعُ على مقالاتهم) وتصرّفاتٍ مليحةٍ شريفة (وهي التصرّفاتُ التي يُمرّنُ الذهنُ بها نفسَه على كيفيةِ الردِّ والإيرادِ والجوابِ والتوجيهِ والتأويلِ ليُصقَلَ من خلالِها، فلا يكونُ شأنُه كشأنِ من يمرُّ على آياتِ القرآنِ مرًّا دونَ وقوفٍ عند إيرادٍ أو جواب)؛ وذلك كي تستحكمَ في نفوسِ الطالبين مَلَكةُ استخراجِ المسائلِ المُشكلة، ويطّلعَ أصحابُ البحثِ على دقائقِ المباحثِ المعضلة.

  • والحقُّ أنّ جُلَّ هذه المباحثِ المودعةِ في الدفاترِ والمسطورةِ في بطونِ الأوراق، إنّما فائدتُها مجرّدُ التنبيهِ والإحاطةِ بأفكارِ وأنظارِ أربابِ الفكرِ والدراية، لتكونَ النتيجةُ هي انبعاثُ الشوقِ للوصول؛ لا أنْ يشحنَ المرءُ صدرَهُ بنقوشِ المعقولِ والمنقولِ، ويقتصرَ على مجرّدِ القراءة.

  • فمجرّد القراءة لا ينفع! فمثلاً ما لم يصل الإنسان إلى حقيقة الفقه، فحتّى لو ألّف ألفَ رسالةٍ، فما الفائدة؟ وما لم يصل إلى حقيقة المسائل الحكميّة، فإنّ هذه النقوش التي في صدره لن تحلّ أيّة مشكلة؛ لأنّ هذه المسائل موجودة في الشريط أيضًا، ولا تحلّ المشاكل!

  • المراد من كسب المعارف الإلهيّة في رؤية أهل الحكمة

  • فإنّ مجرّد ذلك (أي هذه القراءات) ممّا لا يحصل به اطمئنانُ القلب وسكونُ النفس وراحةُ البال وطيبُ المذاق، بل هي ممّا يُعدّ الطالبَ لسلوكِ سبيلِ المعرفة، والوصولِ إلى الأسرار، إن كان مقتديًا بطريقة الأبرار، متّصفًا بصفات الأخيار.

  • فكلّ هذه معدّات ومساعدات وتفتح الطريق؛ وحينها، عليك أنت أن تمضي! يُمهّدون الطريق؛ فعليك أن تسير! يُنظّفون الطريق من الحجارة والتعقيدات والرمال؛ لكن، عليك أن تُكمل المسير بنفسك! وعندما يتعبّد الطريق، لا يُفيد الوقوف في المكان، بل يجب على الإنسان أن يتحرّك. كلّ هذه علامات تدلّ على الطريق، وتُبيّن المسافة إلى المدينة المعيّنة والمنعطفات التي فيها. وهي تحكي عن تلك الوقائع النفس الأمريّة؛ وحينها، يجب على الإنسان نفسه أن يتّخذها مصابيح هداية، ويُكمل مسيره.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

15
  • وليعلم أنّ معرفة الله تعالى وعلم المعاد وعلم طريق الآخرة ليس المراد بها الاعتقاد الذي تلقّاه العامّي أو الفقيه وراثة وتلقّفًا (ومن دون تأمّل)، فإنّ المشعوف بالتقليد والمجمود على الصورة (من غير أن يصل إلى الحقيقية) لم ينفتح له طريق الحقائق كما ينفتح للكرام الإلهيّين، ولا يتمثّل له ما ينكشف للعارفين المستصغرين لعالم الصورة واللذّات المحسوسة من معرفة خلاّق الخلائق وحقيقة الحقائق؛ ولا ما هو طريق تحرير الكلام والمجادلة في تحسين المرام، كما هو عادة المتكلّم (أي: وليس الطريقُ إلى الكمالِ ومعرفةِ حضرةِ الحقّ هو طريقُ أهلِ الجدلِ والبحثِ والمناظرةِ والكلام الذين يُسرعون في الانتقالِ من غصنٍ إلى غصنٍ والعبورِ عليه؛ كما هو نهجُ أهلِ الكلامِ ودَيْدنُهم) ؛ وليس أيضًا (طريق معرفة الله) هو مجرّد البحث البحت (الجافّ)، كما هو دأب أهل النظر وغاية أصحاب المباحثة والفكر (الذين لا يصلون إلى حقيقة هذه الأبحاث)؛ فإنّ جميعها (أي جميع هذه الطرق والمدارس) ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.۱

  • بل ذلك (أي هذا النوع من المعرفة) نوع يقين (وشهود) هو ثمرة نور يُقذف في قلب المؤمن بسبب اتّصاله بعالم القدس والطهارة، وخلوصه بالمجاهدة عن الجهل والأخلاق الذميمة وحبّ الرئاسة والإخلاد إلى الأرض والركون إلى زخارف الأجساد.

  • تأسّف الملاّ صدرا على تتبّع آراء المتفلسفة

  • وإنّي لأستغفر الله كثيرًا ممّا ضيّعت شطرًا من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة (الذين يظنّون أنفسهم أنّهم فلاسفة ولكنّهم ليسوا كذلك) والمجادلين من أهل الكلام (نظير الأشاعرة والمعتزلة) وتدقيقاتهم (كما هو حال الفخر الرازيّ)، وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث، حتّى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم (لأنّهم لم يسلكوا صراط الأئمّة).

  • فهم دائمًا مشغولون بنقل الأقوال: فلان يقول كذا؛ فإذن، هو يقول باطلاً لهذا الدليل وذاك! ويُفكّرون دائمًا ويناقشون بأنّ فلان يقول كذا! ويقضون أعمارهم في النقاشات الطويلة، ولا يجنون من ذلك أيّة ثمرة، ولا فائدة في ذلك بتاتًا.

    1. سورة النور، الآية ٤۰.

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

16
  • توسّل الملا صدرا بالأئمّة عليهم السلام لكسب الحكمة

  • فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر؛ فكلّ ما بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه، ولم نحتل أن نُخيّل له وجهًا عقليًّا ومسلكًا بحثيًّا، بل اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؛۱ حتّى فتح الله على قلبنا ما فتح، فأفلح ببركة متابعته وأنجح.

  • أي: فأسلمنا زمامَ أمرِنا لله تعالى ولرسوله الذي أُرسل للوعد والوعيد والنصح والإنذار، فآمنّا بكلّ ما وصلنا من نبيّه وصدّقناه، ولم نختلق له توجيهًا عقليًّا أو مسلكًا بحثيًّا؛ بل اقتدينا بهداه، وامتنعنا بنهيه من باب إطاعة كلام الله تعالى حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، إلى أن وهبنا اللهُ هذه المسائل التي بيّناها، وحصلنا على هذه الحكمة بواسطة التوسّل بالأئمّة عليهم السلام، والتمسّك بولايتهم؛ فأفلحنا، ونجحنا ببركة متابعته [تعالى] ومتابعة رسوله.

  • إنّ توجيه كلام أهل البيت عليهم السلام فيه إشكال؛ ولكنّ بيان وجهه لا إشكال فيه، ولا يُعدّ توجيهًا؛ لأنّه في مقام بيان الواقعيّة. فمثلاً، يرى الفيلسوف أنّه: طبقًا للروايات، قد بيّن الإمام عليه السلام المبدأ والمعاد بهذا النحو؛ ولهذا يقول بدوره: «نحن كذلك نبيّن هذه المسائل بالبرهان!»، لا أنّه يُوجّهها؛ لأنّها لا تتوافق مع فكره. أي: ليس الأمر بحيث يُحرّف كلام الأئمّة عليهم السلام، ويؤوّله تأويلاً لا يرضاه صاحبُه. فهو يقول: في الوضع الذي لم يبلغه عقلي، توقّفتُ، وقلت: «إنّ الرواية هي التي تقول الصدق»؛ وحيث لم أصل إلى برهان، لم أُوجّه هناك، ولم أردّ أصلَ الكلام، ولم أُبيّن خلاف مراد المتكلّم.

  • تهذيب النفس، شرط لازم قبل الورود في الأبحاث الفلسفيّة

  • فابدأ يا حبيبي، قبل قراءة هذا الكتاب بتزكية نفسك عن هواها، فـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾،٢ واستحكم أوّلاً أساس المعرفة والحكمة، ثمّ ارق ذراها؛ وإلاّ، كنت ممّن أتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف إذ أتاها.٣

  • أي: إذن يجب عليك يا حبيبي قبل قراءة هذا الكتاب، أن تشرع في تزكية النفس من الأهواء والنزوات؛ لأنّه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وأحكم في البداية أساس معرفة الحكمة، ثمّ ارق إلى ذروتها ومرتبتها الأخيرة؛ وإلاّ، فستكون من الذين اجتثّ الله بنيانهم من الأساس والجذور؛ وعندما جاء أمر الله، خرّ عليهم السقف من فوقهم!

    1. سورة الحشر، الآية ۷.
    2. سورة الشمس، الآيتان ٩ و۱۰.
    3. مقتبس من سورة النحل، الآية ٢٦: ﴿فَأَتَى ٱللَهُ بُنيَٰنَهُم مِّنَ ٱلقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ ٱلسَّقفُ مِن فَوقِهِم﴾. 

الغاية القصوى للحكمة المتعالية - التوحيد ومقام الولاية بين البرهان والشهود

17
  • ولا تشتغل بترّهات عوامّ الصوفيّة من الجهلة، ولا تركن إلى أقاويل المتفلسفة جملةً؛ فإنّها فتنة مضلّة وللأقدام عن جادّة الصواب مزلّة، وهم الذين إذا ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبيّنات فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.۱ وقانا الله وإيّاك شرّ هاتين الطائفتين، ولا جمع بيننا وبينهم طرفة عين.٢

  • أي: ولا تشتغل بتلك المسائل المخالفة للشرع والدين التي يطرحها عوامّ الصوفيّة من الجهلة! ولا تغترّ وتركن إلى تلك الأقاويل المخالفة للدين وغير المنقولة وغير المعقولة التي يتفوّه بها بعض المتفلسفة، وإلى التبريرات التي يطرحونها؛ لأنّ هؤلاء فتّانون ومُضلِّون، ويزلّون الأقدام عن جادّة الصواب؛ وهم الذين ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبيّنات فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وقانا الله وإيّاكم شرّ هاتين الطائفتين، ولا جمع بيننا وبينهم مقدار طرفة عين.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. سورة غافر، الآية ۸٣.
    2. الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ٦ ـ ۱٢.