10

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ

الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(12 جلسة)

التوضيح

كيف يفنى المعلول في علّته؟ وما هو الحجاب الأكبر الذي يمنع الإنسان من إدراك حقيقة الوجود؟ ما هو الفرق الدقيق بين الفيلسوف الذي يستدلّ بالبرهان النظريّ والعارف الذي يلمس الحقيقة بالشهود والوجدان؟ وكيف تعاملت المرجعيّات الدينيّة تاريخيًّا مع مسألة تدريس الفلسفة في الحوزة العلميّة مقارنة بموقف العلاّمة الطباطبائيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه التساؤلات العميقة، كاشفةً عن أسرار السفر الأوّل بشقّيه الشهوديّ والعقليّ، مع بيان لزوم رفع الأنانيّة للوصول إلى حقيقة الكينونة.

/۱۵
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ

  • الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

  •  

  • سلسلة دروس شرح الأسفار، مقدّمة المؤلّف، الدرس العاشر

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمٰن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • السفر الأوّل الشهوديّ والوجدانيّ

  • كان البحث الذي تطرّقنا له في الأيّام السابقة يدور حول المحور التالي: ما لم تتحقّق السنخيّة بين المعلول والعلّة ـ من ناحية اتّصال هذا المعلول بهذه العلّة ـ فإنّ إدراك المعلول للوازم العلّة وملزوماتها وخصوصيّاتها يُعدّ محالاً عقلاً. وتقتضي جهة السعة والاشتداد الوجوديّين للعلّة انمحاءَ المعلول وفناءَه في ذاتها؛ ولهذا، لا سبيلَ للمعلول ـ من حيث هو مقهورٌ بسلطان علّته ـ إلى النفوذ أو الرسوخ في حريم ذاتها؛ لأنّ البَونَ الرتبيّ بين العلّة والمعلول حجابٌ يحول دون إدراك المعلول لعلّته. نعم، إنّما يرتفع هذا الحجاب إذا وقع المعلول في مرتبة العلّة من جهة السنخيّة الرتبيّة معها، لا السنخيّة الطبعيّة؛ لأنّه في السنخيّة الطبعيّة يكون المعلول محضَ ربطٍ، ويكون الموجود بأسره هو العلّة. فهناك، يتحقّق مقام فناء المعلول في العلّة، ويُمكن للمعلول أن يُدرك الشوائب والآثار والحقائق الوجوديّة الناشئة والمنبعثة من مقام العليّة.

  • كيفيّة فناء المعلول في علّته

  • بناءً على هذا، فإنّ ما هو لازم وضروريّ لسير السالك في سفره «من الخلق إلى الحقّ» هو رفع البُعد بينه وبين الله تعالى، لكي تظهر وتتجلّى فيه ـ بواسطة هذا القرب ـ تلك الآثار الوجوديّة الإلهيّة التي تنبعث بلا شائبة من الوجود المنبسط؛ وبالتالي، يجب على السالك أن يُدرك في هذا السفر سبب ابتعاده الوجوديّ، وأن يسعى لإزالته.

  • ويُوصى في السلوك بطرق مختلفة من أجل رفع هذا البُعد: إحدى هذه الطرق هي التفكّر في النفس؛ وإحداها الذكر؛ والطريقة الأخرى التي يجب أن تكون مترافقة وملازمة مع تينك الطريقتين هي مسألة الإعراض النفسانيّ عن الدنيا وتعلّقاتها؛ لأنّه مع حفظ التعلّقات، يبقى ذلك البُعد على حاله.

  • عدم حصول الفناء دون القضاء على الأنانيّة والنظرة الاستقلاليّة للذات

  • ما يُطرح في الوهلة الأولى هو أنّه يجب القضاء على تلك الجهات المُبعّدة بين الإنسان والله. وهذه الجهات عبارة عن: جهة الاستقلال، الأنانيّة، التمحور حول الذات، وتعقّل التشخّص في الوجود؛ أي: «أنا موجود الآن هنا، ولي وجود منحاز عن سائر الوجودات». وبكلمة واحدة، فإنّ «رؤية الذات وعدم رؤية غيرها» هي الجهة الأصليّة لابتعاد الإنسان عن الله تعالى، بحيث إنّ كلّ المصائب التي تحدث للإنسان إنّما تحدث بسبب هذا النوع من التفكير.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

3
  • وبالتالي، يصير هذا الأمر هو الوعاء الذي تتحقّق فيه رؤية الإنسان الكونيّة والمعرفيّة؛ أي يُصبح ما يتوافق مع رغباته ونواياه ـ النابعة من تصوّر الاستقلال والأنانيّة في وجوده ـ حسنًا ومستحسنًا، وما يخالف رغباته سيّئًا وقبيحًا؛ ويضحى تفسيرُ وتبريرُ وتعريفُ سيّئاتِ الأفراد وحسناتهم مبنيًّا على أساس ارتباط ذلك بنفسه هو، لا كما هي هي. وبعبارة أخرى: يرى الإنسان نفسه وحيدًا في كلّ نظام الوجود، دون أيّ ارتباط أو علاقة أو تعلّق ببقيّة موجودات عالَم الوجود. ولهذا، نجده يسعى إلى أن يحفظ ـ في ظلّ حماية الآخرين ومساعدتهم ـ هذه «الذات» بأيّ نحو كان؛ وكأنّ الإنسان قد ضرب في هذا المقام ستارًا، وبنى جدارًا حول نفسه، وعزل ذاته عن بقيّة الخلائق.

  • أمّا إذا أزال الإنسان هذا الستار والجدار، واعتبر للآخرين عين تلك الشوائب الوجوديّة التي يعتبرها لنفسه ـ مع أنّه لا يلزم بالضرورة أن يقوم بذلك في وجدانه، بل على الأقلّ في مقام التعقّل والتفكّر، بحيث يعتبر للآخرين حصّةً من الوجود وآثاره ـ فحينئذٍ، لن يتمكّن ذلك الطوق من جعله غير معنيّ بأفراح الآخرين وأحزانهم، ومُفكّرًا في بقاء نفسه فقط.

  • بناءً على هذا، فإنّ ما هو مطلوب في السير «من الخلق إلى الحقّ» هو أن يُزيل السالك هذا الطوق من حول نفسه، وأن يمحو ذاته في حقيقة الكينونة والوجود المطلق، بحيث لا تبقى في وجوده أيّة شائبة من الأنانيّة والاستقلال؛ وهذا هو السفر الأوّل.

  • ولهذا، نرى أنّ بعضهم كأنّه لا حاجة لهم إلى إزالة هذا الطوق، حيث نراهم منذ البداية منسجمين مع حقائق الكينونة والشوائب البسيطة والخالصة للوجود. هؤلاء أناس قريبون من الفطرة، أي إنّهم قرّبوا أنفسهم إلى تلك المرتبة ـ التي يجب علينا أن نصل إليها بواسطة السلوك العمليّ والمجاهدات والرياضات ـ سواء بالمجاهدة أو بدونها. وتلك المرتبة عبارة عن الوصول إلى الفطرة وتلك الحقيقة الخالية من الشوائب التي تنزّلوا منها.

  • وبالطبع، ليس المقصود من الرياضات أن يجلس الإنسان فقط، ويتصوّر أنّه سيُصبح طاهرًا بواسطة الذكر وصلاة الليل؛ بل يجب عليه أن يسعى في حياته للقضاء على تلك الملكات الرذيلة، وينبغي عليه في الأساس أن يوجد هذه الحال في نفسه، ويُحقّقها بأنحاء مختلفة. وهذه إحدى طرق إزالة تلك الحالات والملكات.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

4
  • كان أحدهم يُفكّر بالطريقة التالية: كان يُريد أن يفعل شيئًا يُثير غضب الأستاذ وحنقه، وأن يوجد لديه مثل هذا الدافع لكي يُوبّخه هذا الأستاذ، ويُهينه أمام الأنظار، ويُعاقبه. وبالطبع، لا أريد أن أقول إنّ عمله كان صحيحًا، بل نفس هذا العمل باطل؛ لأنّ الأستاذ نفسه يعلم ماذا عليه أن يفعل في كلّ موضع، ولا حاجة له إلى عمله هذا. لكنّ طريقة التفكير هذه هي نفس طريقة التفكير التي ذُكرت سابقًا، وهي أنّه يجب على الإنسان أن يُبادر في مجال القضاء على الرذائل والتعلّقات وكلّ ما يسدّ طريق الانمحاء والفناء.

  • هكذا كان العظماء، فلم يكونوا يجلسون فقط لانتظار أن تحصل عناية وحالة وتصرّف، لكي تزول هذه الرذائل والتعلّقات، بل كانوا هم أنفسهم سبّاقين في هذه المسألة. وبالطبع، لهذا الأمر طريق، ولا ينبغي للإنسان أن يُلقي بنفسه في الماء دون معرفة عمقه؛ لأنّه أحيانًا بدلاً من ﴿شَغَلَتْنَا﴾۱ تصبح «شَدُرُسنا»!٢

  • هؤلاء هم أناس سالكون دون أن يقطعوا الطريق، أي إنّهم وصلوا ويصلون تلقائيًّا إلى تلك المسائل والنتائج، ويمتلكون تلك الحالة التي يُريد السالك أن يصل إليها بواسطة سلوكه العلميّ والعمليّ.

  • ولهذا، لا يُقطع في السلوك العمليّ «من الخلق إلى الحقّ» أيّ طريق أو أيّة مرحلة إلاّ بأن يُزال ذلك الستار والجدار الذي يجعل الإنسان يشعر بانفصاله عن حقيقة الوجود والكينونة؛ وإلاّ، فلن يقطع الإنسان أيّ طريق.

  • السير الأوّل عبارة عن إدراك الكينونة المحضة، إدراك الحقيقة المحضة، إدراك عدم الأنانيّة الاستقلاليّة، إدراك عدم تشخّص الصفات والأسماء والأفعال بالاستقلال؛ وبعبارة أخرى: الرؤية الوحدانيّة للأفعال والصفات والأسماء في عملٍ وفعلٍ واحد وصفةٍ واحدة واسمٍ واحد، والرؤية الوحدانيّة لحقيقة واحدة نُطلق عليها اسم «حقيقة الوجود». ومن هنا، إذا أدرك الإنسانُ جهة تحقّق وجوده في الوجود المطلق، فقد تمّ السير الأوّل.

  • كيفيّة السلوك العمليّ للسالك في السفر الأوّل

  • ولهذا، فإنّ الأعمال التي يجب على السالك القيام بها في هذا السير هي أن يتخلّص من البخل، الحسد، التكتّل، الرئاسة، وكلّ ما يتعلّق بشخصيّته؛ أي أن يتجاوز جميع الجهات التي تمنعه من الوصول إلى حقيقة الوجود.. ذلك الوجود الذي يقول عنه المرحوم الحاج السبزواريّ:

    1. سورة الفتح، الآية ۱۱.
    2. يُشير سماحة السيّد رضوان الله تعالى عليه إلى قصّة أحد الخطّاطين طُلب منه نسخ القرآن الكريم؛ وحينما وصل إلى الآية الكريمة ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾، اعتقد أنّ كلمة (شغلتنا) خاطئة؛ لأنّه قرأها هكذا: (شَ غَلَطُنا)، فصحّحها بالنحو التالي: (شَ دُرُسُنا)؛ لأنّ ضدّ الغلط في اللغة الفارسيّة هو (دُرُست)؛ فصارت هذه القصّة مثلاً على الذي يُريد أن يُصلح الأمور، فيُفسدها. المترجم

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

5
  • مَفهومُه مِن أعرفِ الأشياءِ***وكُنهُه في غاية الِخفاءِ۱
  • فيجب أن يصل إلى «غاية الخفاء» هذه؛ وشيئًا فشيئًا، تتّخذ مسألة الأعرفيّة وجهة الحقيقة وترك المجازات الاعتباريّة للأشياء طابعًا عينيًّا وحقيقيًّا بالنسبة له؛ لا أن تكون لها جهة علميّة محضة فقط؛ وعساها تكونُ عِلميّةً حقًّا، لا أوهامًا وتَخيُّلاً!

  • وعليه، فإنّ السالك يُريد في هذا السفر أن يوصل نفسه إلى حقيقة الكينونة والوجود المطلق، وأن يتجاوز الأعراض والشوائب وما يتعلّق بماهيّته، وأن يعبر من مرحلة الفقر التي هي لازمة الإمكان الذاتيّ للماهيّات، ليصل إلى مرحلة الغنى التي هي الوجود المطلق. وعندما يصل إلى مرحلة الغنى، لا يُمكننا بعد ذلك أن نقول: إنّ هذا السالك قد وصل إلى مرحلة الغنى؛ إذ لا يوجد في هذا المقام سوى الغنى، فلا تبقَى هناك أيّة ذات أو جهة تعيّنية. في هذا المقام، تزول جهة الاستعداد والإمكان الذاتيّ، ويُصبح المقام مقام الوجوب والضرورة. وإلى نفس مسألة الوصول إلى مقام الهوهويّة، يُشير البيت الشعريّ المعروف:

  • می‌گفت در بیابان، رندی دُهل دریده***عارف خدا ندارد کو نیست آفریده٢
  • [يقول: كان يقول في الفلاة رجلٌ فَطِنٌ قد شقَّ طبلَه:٣ إنّ العارف ليس له إله؛ لأنّه ليس بمخلوق]

  • فهناك، يزول الإمكان الذاتيّ؛ لأنّ الإمكان الذاتيّ يتعلّق بالاتّصاف الذاتيّ للماهيّات؛ وعندما تزول الجهة الماهويّة للماهيّات ـ التي هي جهة الاستقلال والتعيّن ـ فلن تبقى هناك ماهيّة لتتّصف بالإمكان الذاتيّ. ولهذا، فالمقام هناك هو مقام الفناء والغنى والضرورة والوجوب.

  • هناك، يكون سير السالك في السفر «من الخلق إلى الحقّ»، فيصل شيئًا فشيئًا إلى حقيقة الوجود، ويزيح ذلك التعيّن الذي يمنعه من انكشاف الحقيقة. وإزاحة التعيّن هذه لها طريق، وفيها آبار ومطبّات، ولها طريق مستقيم، ويجب على الإنسان ـ لكي يزيح التعيّنات ويرفع الخصوصيّات والآثار التي تجعل هذا التعيّن يزداد قوّةً في تعيّنه وابتعاده ـ أن يجد أفضل طريق وأقصر مسافة، وأن يتخلّى عن تلك التعيّنات واحدًا تلو الآخر، إلى أن يجد حالة متجانسة وصافية وهادئة؛ كماء الحوض في الباحة التي لا يجري فيها الهواء بتاتًا، بحيث عندما ينظر الإنسان إلى ماء هذا الحوض، لا يرى فيه تموّجًا بمقدار رأس إبرة. هذا يحدث عندما تتحطّم نفس الإنسان، ولا يبقَ فيه أيّ رمق، ويتحوّل في الأساس إلى حالة أخرى، ولا يعود هناك أيّ خبر عن تلك الحالة الأولى. وهذا المقام الذي يُصبح فيه الإنسانُ هادئًا تمامًا، ولا تبقَى فيه أيّة حالة أو شائبة من انتساب الخير إليه وربطه به، وتنمحي فيه جهة استكثار الخير ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾٤ محوًا كلّيا حتّى لا تبقى لها شائبة، يُسمّى «مقام الفناء». هذا السفر هو سفرٌ «من الخلق إلى الحقّ» في البُعد الشهوديّ والقلبيّ.

    1. شرح المنظومة، ج ٢، ص ٥٩.
    2. اصطلاحات صوفيان ـ مرآت عشاق (اصطلاحات الصوفيّة ـ مرآة العشّاق)، ص ٤۸٢.
    3. كناية عمّن نبذ ربقة التقليد وخرج عن رسم الطريق. المترجم
    4. سورة الأعراف، الآية ۱۷۷.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

6
  • السفر الأوّل العقليّ والعلميّ

  • بناءً على السفر «من الخلق إلى الحقّ»، وبموازاة البُعد الوجوديّ والشهوديّ والقلبيّ والوجدانيّ، لدينا سفرٌ آخر في الجانب العلميّ والنظريّ والعقليّ وكشف حقائق الوجود في العقل؛ وهو عبارة عن انكشاف حقيقة الكينونة والوجود للإنسان في الوهلة الأولى.

  • فالبحث الأوّل والسفر العقليّ والعلميّ والنظريّ الأوّل الذي يجب على الإنسان أن يتناوله في الحكمة هو أن يفهم ما هي حقيقة الوجود في الأساس، وهل الحقيقة للكينونة والوجود، أم للماهيّات والتعيّنات؟ وبعد ذلك، يقسّم الماهيّات إلى مجرّدة وماديّة، ويُقسّم الشيء إلى إمكان أو ضرورة ووجوب، ويحمل الإمكان الذاتيّ على الماهيّات، ويحمل ضرورة الوجود ووجوبه على مُفيض هذه الماهيّات، ويتوصّل إلى الاشتراك المعنويّ للوجود وأصالة الوجود ووحدة الوجود، وتنكشف له جهة عليّة الوجود للماهيّات المتعيّنة، وجهة احتياج وافتقار جميع الموجودات إلى مُعطي الوجود؛ وبشكل عامّ، تتّضح له عوارض الوجود وصفاته وأسماؤه، وما هو من لوازم الوجود وخصوصيّاته وتعيّناته؛ وهو عبارة عن: أصالة الوجود، تشخّص الوجود، وحدة الوجود، بساطة الوجود، إطلاق الوجود، وتجرّد الوجود.

  • يجب أن تنكشف هذه الأمور للإنسان؛ لأنّه يُريد أن يصل إلى حقيقة الوجود، وإلى أنّ الوجود مطلق ومجرّد ولا نهاية له، وأنّ جميع التعيّنات داخلة تحت إطلاق الوجود «ولا يَشُذُّ عَن حَيطَتِهِ شيءٌ»؛ وهذا هو نفس السفر الأوّل للسالك الذي يُريد أن يوصل نفسه إلى حقيقة الوجود، ويرى هذه المسائل بالعيان بقلبه، ويفصل نفسه بالعيان عن التعيّنات.

  • الفرق بين الحكيم والعارف في السفر الأوّل

  • يُريد الحكيم بفكره أن ينفي التعيّنات عن الوجود؛ والفرق بينه والعارف يكمن في أنّه يقف بعيدًا عن النار، بينما العارف في داخل النار وقد تغيّر بالكامل. يُريد الحكيم أن يعرف ما هي الصفات واللوازم التي تمتلكها واقعيّة الوجود، وأن يثبت بالبرهان أنّ الوجود أصيل بينما الماهيّات اعتباريّة، وأنّ الوجود بسيط بينما بقيّة التعيّنات مقيّدة، وأنّ الوجود مطلق وهو «بسيطُ الحقيقةِ كلُّ الأشياءِ» بينما البقيّة غير مطلقة، وأنّ الوجود علّة بينما بقيّة التعيّنات معلولة، وأنّ الوجود مجرّد و«لا صورةَ ولا اسمَ ولا رسمَ لهُ» بينما البقيّة لها صورة، وحتّى أنّ لبعضها صورة ماديّة. يُلحق الحكيم كلّ هذه الأمور ـ من الناحية الفكريّة ـ بتلك الحقيقة الوجوديّة؛ ولكن، لا يُزاد شيء على الحكيم ولا يُنقص منه؛ أجل، يبقى أنّ ذلك لا يخلو ذلك من تأثير. فهو كإنسان جالس، ويُريد أن يستدلّ على المسائل من خلال مجموعة من القواعد.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

7
  • يُقال:

  • كان هناك فتى جالسًا، فجاءه رجل، وقال له: هل رأيت حماري؟

  • قال: أليس حمارك أعور العين اليمنى؟ قال: بلى، ليس له عين يمنى!

  • قال: وهل يعرج في مشيته؟ قال: بلى!

  • قال: وهل كان جائعًا؟ قال: بلى!

  • قال: وهل حمّلته تبنًا؟ قال: بلى، هو، هو!

  • قال: لم أره!!

  • فبدأ الرجل يضرب الفتى بالعصا والهراوة، وهو يقول: أين رأيته؟

  • فكان يقول: لم أره! وكان الرجل يقول: حماري كان تمامًا كما وصفت.

  • قال الفتى: أنا لم أرَ حمارًا؛ لكن، بمجرّد أن نظرتُ إلى الطريق، رأيت أنّ العشب قد أُكل من هذه الجهة فقط، بينما بقي عشب الجهة الأخرى كما هو؛ لأنّه عندما يسير الحمار، لابدّ أن يخطو خطوتين أحيانًا، ويأكل العشب من هذه الجهة؛ وأحيانًا، يخطو خطوة أخرى، ويأكل من تلك الجهة؛ ولكنّه أكل من الجهة اليسرى فقط؛ فإذن، لم يكن يرى الجهة الأخرى؛ ولهذا، فهمت أنّه لا يملك عينًا يمنى. وكما كان واضحًا أنّه يعرج؛ لأنّ الطريق موحلة، وأثر إحدى قدميه غائر كثيرًا، بينما أثر القدم الأخرى غائر قليلاً، فواضح أنّ الضغط كان على هذه الجهة من قدمه. وفهمت أيضًا أنّك حمّلته تبنًا؛ لأنّه سقط منه في بعض الأماكن، ومضى.

  • الخلاصة، ظلّ هذا الفتى يتلقّى الضرب، وهو يقول: لم أرَ حمارك!۱

  • أو مثلاً يجلس إنسان، ولا يرى سوى بغلٍ محمّلٍ بالكرز وبغلٍ محمّلٍ بالتفاح يمرّان من هنا، والماء يتدفّق من تلك الجهة، فيقول في نفسه: لابدّ من وجود بستان خلف ذلك الجبل فيه تفاح وكرز وماء. أمّا الذي يذهب بنفسه، ويجلب [التفاح والكرز] من هناك، فقد دخل البستان ولا يحتاج إلى تعريف. والحكيم أيضًا يُشبه هذا الإنسان الذي لم يرَ شيئًا، واكتفى بالنظر إلى الخصوصيّات والبديهيّات من حوله، واستنتج منها مسألة نظريّة، ويقول: إنّ الأمر لابدّ أن يكون هكذا.

  • وهذا هو الفرق بين الحكيم والعارف. فالعارف يوصل نفسه إلى حقيقة الوجود، ويلمس تلك الواقعيّة بوجدانه؛ أمّا الحكيم، فيجلس ويقول: «الوجود بسيط الحقيقة ومطلق وهو علّةٌ للتعيّنات. الوجود حقيقة محضة، بحيث لا يوجد هناك جسم ولا مادّة، ولا توجد هناك صورة هيولانيّة أو برزخيّة أو مثاليّة وغيرها في الأساس. الوجود حقيقة إطلاقيّة، ولازم ذلك ألاّ تكون له صورة أو انعكاس». أي إنّ الحكيم إذا أبدع كثيرًا، فإنّه يُطبّق هذه الأمور على تلك الواقعيّة فقط، لكنّه هو نفسه لا يتغيّر، وتبقى أهواؤه وشهواته وغضبه، ويظلّ متمحورًا حول ذاته، ويُريد كلّ الدنيا لنفسه.

    1. قصص الأمثال (فارسيّ)، ذو الفقاري، ص ٦۰۷.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

8
  • تأثير السفر العقليّ في حصول الشهود الباطنيّ

  • وبالطبع، في بعض الأحيان، إذا ترافقت هذه المسائل مع صفاء النفس، فإنّها تحدث تغييرًا طفيفًا في نفس الحكيم. ولهذا، إذا نظرتم إلى أغلب الحكماء، ترون أنّهم مُعرِضون عن الدنيا، ولا يختلطون بالناس كثيرًا؛ لأنّ التوغّل والانهماك في المسائل الفلسفيّة يوصلهم قليلاً إلى هذه الحقائق، وتظهر فيهم هذه الحالات شيئًا فشيئًا؛ وهي أنّ كلّ الأمور من الله تعالى، وأنّه مسبّب الأسباب؛ فإذن، يجب ألاّ نُبالي، وألاّ نطرق الأبواب، وألاّ نتلف أعصابنا إلى هذا الحدّ! ولكن، ليس الأمر بحيث يصلون إلى هذه الحقائق حقًّا.

  • في دراسة الحكمة، هناك فقر وتعاسة وبُؤس؛ لأنّ الحكماء ولو لم يُهانوا، إلاّ إنّه لا يُعتنى بهم! ولكن مع ذلك كلّه، فإنّهم لا يتخلّون عن هذه المسائل والحقائق؛ لأنّ الإنسان إذا فهم حقيقةً ما، فكيف يُمكنه أن يتخلّى عنها؟! لا يُمكنه بتاتًا أن يتخلّى عنها! وإذا قيل له: «تخلَّ عنها»، فلا فائدة من ذلك؛ لأنّ الإنسان يكون قد استسلم أمام هذه الحقيقة. ولابدّ للحكماء أن يكونوا هكذا وبهذه الكيفيّة.

  • سفر العرفاء سفر روحانيّ وعينيّ، وسفر الحكماء سفر علميّ؛ وبالطبع، ليس علميًّا بمعنى أنّه شهوديّ، بل بمعنى أنّه نظريّ وفكريّ.

  • السبب في علميّة مدركات الحكماء

  • التلميذ: أيُمكن أن يتجاوز الإنسان مرحلة الخيال، ويصل إلى مرحلة الفكر والعلم؛ ولكن في الوقت نفسه، لا يصل إلى مقام العين والشهود؟!

  • الأستاذ: بلى، يُمكن ذلك؛ لأنّ العلم حصوليّ، والعلم هو أن يصل الإنسان إلى نتائج كلّية، أمّا التخيّل والوهم، فهما في وادٍ آخر. عندما تقول في مسائل الرياضيّات إنّ «اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة»، فهذا لم يعُد خيالاً، بل هو علم، وذو طابع علميّ؛ أي إنّه يتمتّع برصانة علميّة، وطابعه المجرّد قويّ جدًّا، وليس له أيّ طابع صوريّ. وبشكل عامّ، كلّ ما لا يمتلك طابع الصورة والوهم، إذا كان خارجيًّا ولم تكن فيه جهة صوريّة، يُسمّى بالقضيّة الكلّية والعلميّة، ويكون بحثه بحثًا كلّيا وسِعِيًّا؛ أمّا إذا كان جزئيًّا، فيُسمّى بالقضيّة الجزئيّة.

  • ما نبحثه في الفلسفة لا يختصّ بعلم دون علم. فكلّ الصناعات الموجودة في هذا العالَم هي من أطوار الوجود وتعيّناته؛ إحداها صناعة طبّ الإنسان التي تبحث في أحوال الصحّة والمرض العارضة على وجود الإنسان؛ وإحداها صناعة طبّ الحيوانات التي تبحث في الصحّة والمرض العارضين على الحيوانات؛ وإحداها صناعة هندسة البناء التي تبحث في أسلوب البناء، وهي من تطوّرات المادّة، ومرجع المادّة أيضًا إلى أنحاء الوجود؛ وإحداها صناعة علم النفس والتحليل النفسيّ التي تبحث في أحوال النفس؛ وإحداها صناعة تبحث في كيفيّة تعلّق الروح بالمادّة، وهي أيضًا من أطوار الوجود؛ وهناك أبحاث أخرى تتعلّق بالصناعات والحِرف الظاهريّة. ولهذا، تعود جميع هذه الصناعات إلى نطاق محدود من الوجود.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

9
  • والأمر كذلك حتّى في الفقه؛ فعلى سبيل المثال: ترجع كافّة الأبحاث الفقهيّة المتعلّقة بالحجّ والصلاة إلى أفعال المكلّفين؛ طبعًا المكلّف بما هو مكلّف، لا بما هو غير مكلّف. وحينئذٍ، تغدو حقيقة التكليف شأنًا وجوديًّا؛ أي إنّ الإنسان يصل إلى مرتبة من الكمال الوجوديّ يتأهّل فيها لمقام الخطاب، فيُوجّه اللهُ تعالى إليه خطابه. وبالطبع، هذه نقطة تُمثّل جهة خاصّة من الوجود، فلا تشمل غير البالغ مثلاً، أو لا يُبحث فيها عمّا في الجانب الآخر من الدنيا. فدائرة الفقه تتعلّق فقط ببداية سنّ الخامسة عشرة إلى حين فقدان الوعي؛ أي إنّه إذا فقد الإنسان وعيه لمدّة خمسة عشر عامًا في هذه الدنيا، فلن يكون للفقه شأن به بعد ذلك؛ لأنّ هذا الإنسان الفاقد للوعي يكون قد أُعفيَ وأُغلق ملفّه الفقهيّ، وله شأن بالآخرين فقط لكي يُطعموه ويسقوه كيلا يموت. وبالطبع، إذا أفاق من غيبوبته، سيُفتح ملفّه الفقهيّ مرّة أخرى؛ أمّا مسألة هل يجب عليه قضاء تكاليف هذه المدّة أم لا، فهذا أمر آخر.

  • ولكنّ الفلسفة لا تُعنى بدائرة خاصّة من الوجود، بل بحث الفلسفة ينصبّ على أصل الوجود وآثاره وتطوّراته بنحو كلّي؛ ولهذا، فإنّ كلّ تعيّن جزئيّ ـ يندرج في الوجود ـ ينشط في مرتبة أدنى من الفلسفة. أمّا الفلسفة، فهي أحكام تُطلق على أصل الوجود، وتكون في تعيّنات الوجود بنحو كلّي، لا بنحو جزئيّ. فمن وجهة النظر هذه، الفلسفة علم وليست تخيّلاً.

  • الفرق بين الفلسفة ومُدركات الفيلسوف وكتاب الفلسفة

  • وبالطبع، فإنّ وصول الإنسان إلى نتائج أو عدم وصوله إليها مسألة أخرى. فإذا رتّب المقدّمات والمسائل ترتيبًا صحيحًا، سيصل إلى النتيجة. وكما ذُكر سابقًا، إذا كان هناك إشكال، فهو في الحكيم، لا في الحكمة؛ والإشكال ليس في الفلسفة بل في الفيلسوف. الفلسفة هي ما يوصل الإنسان ـ بواسطة العقل النظريّ لا بواسطة العقل العمليّ ـ إلى حقيقة الوجود. أمّا مسألة إلى أيّ مدى يُقرّب الإنسان نفسَه إلى تلك الدرجة، فهذا أمر آخر.

  • نحن لا نُسمّي ما في هذا الكتاب فلسفة، بل هو يحكي عن الفلسفة؛ تمامًا كما لا يُمكننا أن نقول إنّ كلّ أحكام هذه الكتب المدوّنة وكلّ ما بين دفّتي كتاب «الجواهر» هو ما أنزل الله؛ لأنّه قد يكون فيه غير ما أنزل الله، بل وحتّى باطلاً يُخالف ما أنزل تعالى. فالمرحوم صاحب الجواهر استنبط من الروايات بتلك الطريقة وبناءً على تصوّراته وخصائصه الروحيّة والعلميّة ومرتكزاته الذهنيّة، وربّما يكون قد سلك طريق الخطأ؛ فلا يُمكننا أن نقول إنّ ما بين دفّتي الجواهر هو ما أنزل الله حقًّا. "ما أنزل الله تعالى" له جهةٌ ثبوتيّة وجهةٌ إثباتيّة؛ خلافًا للسيّد سروش الذي يقول: «ليس له جهة ثبوتيّة في الأساس».۱ فتلك الجهة الثبوتيّة موجودة في وعائها، ومحفوظة فيما أنزل الله، وغير قابلة للتغيير؛ وهي واحدة ووحدانيّة، وليست أكثر من واحدة. وطبعًا، وفقًا لتلك المباني التي ذُكرت، فإنّ قولنا: «هي واحدة» يعني أنّ لكلّ موضوع حكمًا واحدًا في وعائه. أمّا أن نصل نحن إليه أو لا نصل، أو حتّى نصل إلى خلافه، فهذا أمر آخر.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

10
  • تأثير المكاشفات الشهوديّة في البراهين الفلسفيّة

  • التلميذ: في هذه الحالة، أستنتجُ أنّه إذا أراد حكيمٌ أن يكون حكيمًا واقعيًّا، وأن يعثر على حاقّ المسألة في بحث البرهان، فيجب عليه حتمًا أن يكون فيلسوفًا عينيًّا؛ لأنّه بناءً على ما تفضّلتم به: «معنى الحكمة هو هذا، والعيب في الحكيم»؛ فإذن، لن يكون لدينا حكيم يستطيع الوصول إلى حقيقة المسائل الفلسفيّة وحاقّها دون السير في الأسفار الأربعة.

  • الأستاذ: أجل، الأمر كذلك. لعلّه لا يوجد لدينا حقًّا حكيم يخلو كلامُه وفي جميع مراحله من أيّ إشكال أو اعتراض؛ كما أنّنا إلى الآن، مع كلّ حكيم التقينا به، يُمكننا توجيه الإشكال إليه حتّى من ناحية نظريّة. فمثلاً، انظروا ماذا يحدث في بحث الوجود الذهنيّ! فمنهم من يقول إنّه كيفٌ، ومنهم من يقول إنّه إضافةٌ، ومنهم من يقول إنّه مجرّدُ ربطٍ، ومنهم من يقول إنّه من مقولة الجوهر النفسانيّ، ومنهم من يقول إنّه إذا تعلّق بجوهر فهو جوهر، وإذا تعلّق بعرض فهو عرض.۱ أمّا ما بيّناه سابقًا، فمفاده أنّ الوجود الذهنيّ هو الوجود نفسه، وهو نحو الوجود وكيفيّة الوجود. وقد سمعت من أحدهم أنّه سُمع شفهيًّا من المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ في أواخر عمره قوله: «الوجود الذهنيّ هو نحو من أنحاء الوجود». وبالطبع، أنا لم أرَ هذه المسألة في كتبه. حسنًا، إذا كان هذا الكلام صحيحًا، فلابدّ أنّه وصل إلى واقعيّة عينيّة، وتلك الواقعيّة العينيّة صحّحت الواقعيّة العلميّة أيضًا؛ وكما يقول المرحوم صدر المتألّهين نفسه [ما معناه]:

  • إنّ الكثير من المسائل الفلسفيّة اتّضحت لي في البداية بشكل عينيّ وبالمكاشفات، ثمّ أقمت البرهان عليها بعد ذلك.٢

  • ونقل لي أحدهم عن الشيخ المطهريّ رحمة الله تعالى عليه أنّه قال له:

  • إنّ الفرق بيني وبين العلاّمة [الطباطبائيّ] هو أنّ العلاّمة يُكاشف أوّلاً حقيقة علميّة، ثمّ يضع هذه الحقيقة العلميّة بين يديّ، وأنا أقيم عليها البرهان.

  • طبعًا، هذا لا يعني أنّ العلاّمة لا يفعل ذلك هو نفسه، بل كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه نابغةً وشخصيّةً استثنائيّة حقًّا من الناحية الفلسفيّة. ولكن في النهاية، إذا ترافقت هذه المسائل مع الحقائق الوجدانيّة ـ أي أن يمتلك الإنسان برهانًا مبنيًّا عليها، وأن يشاهد واقعيّتها في الوقت نفسه ـ فسيكون ذلك ممتازًا جدًّا.

    1. لمزيد من الاطّلاع على الأقوال الواردة في بحث الوجود الذهنيّ، راجع: بداية الحكمة، العلاّمة الطباطبائيّ، ص ٣٥ ـ ٤٥.
    2. راجع: الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ۸ و٩.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

11
  • ألا تحتاجون في البرهان إلى أوّليات ومشاهدات؟ فهل يجب حتمًا أن تكون الأوّليات والمشاهدات بهذه العين ولا يُمكن أن تكون بالقلب؟ شيئًا فشيئًا، مع الممارسة واللمس العينيّ والوجوديّ والمشاهدات، تُصبح هذه القضيّة أوّلية وبديهيّة بالنسبة للإنسان. أي إنّه إذا ترافق هذا الأمر مع مكاشفات متكرّرة ومتواصلة بحيث يزول الشكّ في نحوها وكيفيّتها، فإنّ الإنسان يُدرك تلك المسألة بنحو بديهيّ. فمثلاً، إذا كاشف الإنسان حقًّا قضيّة الحور العين هذه بشكل متكرّر ومتواصل، ورأى واقعيّتها وخصوصيّاتها، فمن الممكن أن تجعل هذه الرؤى والمشاهدات هذه القضيّة بديهيّة لديه.

  • وبالطبع، مشاهدة الأفراد تختلف، ولدينا مكاشفات عميقة وأخرى أعمق. فمكاشفات كلّ إنسان لها طابع خاصّ؛ فبعضهم يرى فقط الصورة التي كانت في الماضي، وبعضهم يرى تلك الصورة، ويتأمّل، وينظر في خصائصها أيضًا.

  • إذا كان الأمر كذلك، فإنّ هذه المكاشفات توصل الإنسان إلى النقطة التالية؛ وهي: أنّه ـ على سبيل المثال ـ لدينا موجودات تختلف مادّتها عن هذه المادّة، ويصل الإنسان إلى نقطة تُصبح فيها هذه القضيّة بديهيّة بالنسبة له. وحينئذٍ، يصوغ الحكيم هذه المسألة بصياغة برهانيّة. وبالطبع، قد لا يكون هذا بديهيًّا للآخرين، والحكيم ليس مكلّفًا بأن يبني أُسُسَ برهانه على ما هو بديهيّ للآخرين، بل يجب أن يُرتّب البديهيّات والأوّليات بناءً على ذهنه هو وما يشاهده. فالحكيم لا يذهب أبدًا إلى الناس، ولا يُعير اهتمامًا لآرائهم؛ لأنّ هؤلاء قد يفهمون أشياء كثيرة بشكل خاطئ.

  • ولا نذهب بعيدًا في الأساس: هل لمسألة الجنّ واقعيّة الآن أم لا؟ هذه المسألة لها واقعيّة، وهي من القضايا البديهيّة، ونحن جميعًا نعلم ـ بشكل عامّ ـ بوجود واقعيّة تُسمّى الجنّ؛ وحتّى إن لم نكن قد رأيناها بأنفسنا، إلاّ أنّ لها واقعيّة، ونصل إلى هذه القضيّة من خلال الآثار الموجودة. فالذين شاهدوها بلغوا حدّ التواتر بل وما فوق التواتر، ونحن أيضًا رأينا بعض تلك الآثار. وهذا يحكي عن أنّ هذا الموجود له واقعيّة. ثمّ عندما أصبح الأمر هكذا، نستنتج من هذه الآثار ـ من جهة ـ أنّه يجب أن يكون الجنّ موجودًا ماديًّا في الأساس، لأنّ آثاره آثار ماديّة؛ ومن جهة أخرى، نستنتج أنّ مادّته يجب أن تكون لطيفة؛ لأنّ مادّته لو كانت كثيفة، لكان مثلنا، ولما أمكن أن تصدر منه تلك الحقائق والمسائل. فإذا نظرنا من حيث المجموع، يُمكننا أن نضع قضيّة بديهيّة للبرهان بناءً على هذه القضيّة: المادّة لها أقسام؛ فقد تكون جزءًا لا يتجزّأ؛ وحينئذٍ، يُطرح بحث «لا يتجزّأ» هناك، وقد لا تكون كذلك، فلا تُطرح فيها هذه الأبحاث، وتكون لها خصوصيّات وأعراضًا وأوصافًا أخرى. وإذا كان الأمر هكذا، فيُمكننا حينئذٍ أن نفهم مسألة كيفيّة خلق الأبدان في القيامة، وهل هي مثل هذا البدن وبهذه الكيفيّة، أم أنّه قد تكون لها صورة مثل هذا البدن، ولكنّ باطنها منفصل عنه.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

12
  • العارف الذي تنكشف له تلك الحقائق الوجدانيّة كقضايا بديهيّة وأوّلية، إذا بيّن تلك الحقائق هكذا دون قالب برهانيّ، فإنّه يُصبح مثل الكثير من العرفاء الذين يُصرّحون بأمور تُثار ضدّها الكثير من الردود والاعتراضات؛ ولكن، إذا بيّنها في قالب برهانيّ، فسيُصبح مثل الملاّ صدرا الذي يُثبت المعاد الجسمانيّ بتلك الكيفيّة. ولعلّه هو أيضًا قد بيّنها بهذه الطرق. وبالطبع، لا أريد أن أقول إنّه شاهدها وعاينها حتمًا؛ ولكن، عندما رأى خصائص المادّة وما شابهها، وصل إلى هذه النتيجة؛ وهي أنّ مادّة المعاد الجسمانيّ يجب أن تختلف عن مادّة هذا البدن.

  • وأرتقي بالمسألة إلى أعلى من ذلك: فمن الممكن عندما يصل إنسانٌ إلى حقيقة الوجود، ويُدرك ذلك الارتباط بين الوجود والمادّة، وأنّها في الوقت الذي تكون فيه مادّة فهي مجرّدة، وفي الوقت الذي تكون فيه مجرّدة فهي مادّة؛ حينئذٍ، سيُدرك أنّه يُمكن أن يُحشر في ذلك العالَم بهذا البدن الماديّ نفسه، ويُمكنه أن يثبت المعاد الجسمانيّ بهذا البدن وبهذه الكيفيّة نفسها؛ كما أثبت المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] المعاد الجسمانيّ في الجزء السادس من كتاب «معرفة المعاد» بعين هذا البدن وخصائصه.۱

  • وقد وردت من الناحية النقليّة أيضًا كلماتٌ عن الأئمّة عليهم السلام بهذا الخصوص [مفادها]:

  • هذه اليد التي ضربت بالسيف في حرب أُحد هي اليد نفسها التي ضربت عمروًا بالسيف، وهي اليد نفسها التي هي يدي الآن، وهي اليد نفسها التي ستُحشر يوم القيامة.٢

  • فإذا كانت هذه اليد تختلف عن تلك اليد التي ستُحشر يوم القيامة، فإذن هي ليست هي نفسها، وتختلف عنها. وبالطبع، للحكماء تفسيرات في هذا المجال [مثل]: «فِعليَّةُ الشيءِ بِصورَتِه لا بِمادّتِه» و «حقيقَةُ الشيءِ بِصورَتِه لا بِمادّتِه»،٣ ولكنّنا هنا لم نعد بحاجة إلى هذه التفسيرات؛ لأنّنا نُوجّه البحث نحو أصل القضيّة في الأساس، ونقول: أيُّ تنافٍ يوجد ـ في الأساس ـ بين المادّي والمجرّد، بحيث عندما يكون ذلك العالَم عالَم المجرّدات، يجب أن تكون الأبدان هناك مجرّدةً، وألاّ يكون لها طابع ماديّ؟! لا يوجد أيّ تنافٍ بينهما بتاتًا.

  • ولهذا، من الممكن ألاّ تكونوا قد رأيتم حكيمًا حتّى الآن تخلو كلماته ـ في جميع مراحلها ـ من أيّ إشكال أو اعتراض. فهل وصل جميع العرفاء حقًّا إلى المرتبة الواقعيّة وحقيقة كلّ كلام نطقوا به؟! لأنّه وكما بيّنا سابقًا، فإنّ العرفاء أنفسهم ذوو مراتب مختلفة. وهل كلّ فتاوى الفقهاء مطابقة للواقع؟! فربّما من بين مائة فتوى، تكون ثلاثون منها فقط مطابقة للواقع! ففي أغلب المسائل، يختلفون مع بعضهم، اللهمّ إلاّ في بضع ضروريّات. انظروا إلى «العروة»، ترون أنّه قلّما يوجد فرعٌ ليس عليه على الأقلّ حاشيتان؛ أحدهم يقول الأحوط، والآخر يقول واجب، وآخر يقول مستحبّ، وآخر يقول حرام، وآخر يقول لا حكم له بتاتًا. فلا يُعقل أن تكون المسألة الواحدة واجبة وأحوط معًا! فإمّا واجبة، وإمّا أحوط، وإمّا لا شيء منهما. وكلّ هذا بسبب أنّ تلك الواقعيّة ليست ملموسة عينيًّا للجميع، وهم يحكمون بناءً على إدراكاتهم؛ وطبعًا، إدراكاتهم تختلف بناءً على مقدّماتهم. إلى هنا كان السفر الأوّل.

    1.  معرفة المعاد، ج ٦، ص ۱٢۸ ـ ۱٩۰.
    2.  معرفة المعاد، ج ٦، ص ٥۷ ـ ۸٦.
    3. راجع: العرشيّة، صدر المتألّهين، ص ٢٥٥؛ المبدأ والمعاد، صدر المتألّهين، ص ٣٨٣؛ شرح المنظومة، ج ٥، ص ٣٣٣.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

13
  • مشاهدة الأسماء والصفات الإلهيّة الكلّية في السفر الثاني

  • في السفر الثاني، عندما يصل العارف إلى مقام الفناء، فإنّه يشاهد الأسماء والصفات الإلهيّة بنحو كلّي. وفي هذه المشاهدة للأسماء والصفات الإلهيّة بنحو كلّي، توجد رؤيةٌ للمعلولات بنحو جزئيّ أيضًا؛ لأنّه في تلك الجهة الكلّية ـ التي هي جهة الواحديّة ـ قد أُدرجت مراتب التعيّن الجزئيّ أيضًا. وكما بيّنت لكم سابقًا،۱ فلا تناقض في أن يحوز السالك في ضمن بعض هذه الأسفار على تلك الأسفار الأخرى أيضًا بشكل أو بآخر، وبنحو الإجمال، لا بنحو الكمال، وأن يرى الصفات الكلّية والجمال الكلّي هناك. أي: عندما يغوص السالك في مقام علم الله تعالى، فمن الممكن أن يُؤدّي استغراقه في هذا المقام إلى إحاطته بالجزئيّات أيضًا بالإجمال، لا بالتفصيل؛ لأنّ هذه الجزئيّات لا تنفكُّ عن ذلك العلمِ الإلهيِّ ولا عن الذاتِ المقدّسةِ، بل هي منطويةٌ في ذلك الإجمال؛ وبالتالي، يتمكّن هذا السالك أيضًا من إدراك هذا الانطواء بعينه.

  • التلميذ: مثلاً عندما نقول: «كُلُّ إنسانٍ ناطِقٌ»، فإنّنا لا نعود نلتفت حقًّا إلى زيد وعمرو وبكر وخالد.

  • الأستاذ: قولنا: «كُلُّ إنسانٍ ناطِقٌ»، فيه صور جزئيّة بنحو الإبهام، وإلاّ، فإنّ التفاتنا ليس إلى الجدار والماء، بل التفاتنا إلى جزئيّات نصنع منها ممثّلاً ونموذجًا، ونسمّيه «حيوانٌ ناطقٌ».

  • التلميذ: أجل، يجعلنا ذلك نصنع جزئيّات كمقدّمة؛ ولكن، عندما صار كلامُنا عن الناحية الكلّية، لم نعُد نأخذ الجزئيّ بعين الاعتبار بتاتًا.

  • الأستاذ: هذا راجع إلى مقام نقصنا، وإلاّ، فمن الناحية العقليّة، لا يوجد شيء من هذا القبيل؛ كما يُبحث في علم الأصول أيضًا عمّا إذا كان اللفظ الواحد يُستعمل في معنى واحد، أم يُمكن استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى واحد، حيث لا يوجد لدينا أيّة جهة للامتناع العقليّ في هذه القضيّة؛ فكوننا نستنبط دائمًا المعنى الواحد من اللفظ الواحد راجعٌ إلى نقصنا.

  • التلميذ: ألا يسير السالك ـ الذي يتّجه في السفر الأوّل نحو الحقّ ـ في عالَم الأسماء والصفات والأفعال؟

  • الأستاذ: هذا بالإجمال كثيرًا، حيث يرى في نفسه الإحاطةَ العلميّةَ بالإجمال، ويرى القدرة بالإجمال، و ... وكما بيّنت سابقًا،٢ ففي البداية يكون فناؤه ذاتيًّا؛ فيحصل له ـ بما يتناسب مع ذلك ـ فناء الأسماء والصفات والأفعال؛ أي إنّ فناء الأسماء والصفات لا يكون بتلك السعة [الكبيرة]، بل تُؤدّي تلك الحالات والفناءات التي تحصل له إلى تبدّله إجمالاً شاء أم أبى؛ ولكنّه لا يصل إلى مرحلة الكمال تلك، وإنّما يتجلّى له الاسم الأعظم فقط، أو يتجلّى له الاسم "القادر"، فيُفنيه في "داخله"، ويُدرك أنّه القادر الذي شمل كلّ شيء. لكن، لكي يصل إلى خاصّية هذه القدرة، ويفهم كيف هي وبأيّ نحو، فيجب ألاّ يكون نظره كنظر الغريب، بل يجب أن يدخل إلى البيت، ثمّ ينظر إلى ما يجري فيه؛ أي: يجب أن يكون نظرُه بمرافقة الذات نفسها.

    1. راجع: سلسلة دروس شرح الأسفار، الدرس السابع.
    2. راجع: سلسلة دروس شرح الأسفار، الدرس السابع. 

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

14
  • بيان أحداث مخالفة علماء الحوزة لتدريس الفلسفة والحكمة

  • سمعت عن المرحوم الشيخ إلهيّ القمشئيّ أنّه قال:

  • كان السيّد البروجرديّ قد أرسل رسالة إلى العلاّمة الطباطبائيّ [مفادها]: «إنّ هؤلاء الذين يأتون إلينا لدفع الحقوق الشرعيّة، يأتون بشرط صرف هذه الحقوق في علوم أهل البيت والفقه؛ ولهذا، فإنّ دفع الحقوق الشرعيّة للأفراد الذين يشاركون في دروس الفلسفة فيه إشكال شرعيّ».

  • فأجابه المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ قائلاً:

  • «أوّلاً: هؤلاء الذين يأتون لدفع الخمس، هل هم مجتهدون أم مقلّدون؟ فإن كانوا مقلّدين، فباطلٌ ما يفعلون بتحديدهم الحكم للمجتهد! فالمجتهد نفسه يعرف في أيّ مورد يصرف الخمس.

  • ثانيًا: أليست علوم الفلسفة هذه جزءًا من علوم أهل البيت؟ هذه الروايات الواردة في كتاب التوحيد للصدوق ونهج البلاغة، أهي غير الفلسفة وغير تلك الأمور التي تثبت في الفلسفة؟ ففي الفلسفة، يتمّ إثبات مسألة بساطة الوجود، وأصالة الوجود، وعينيّة الصفات أو اتّحادها مع الذات، ووحدة واجب الوجود عن طريق الآثار والدليلين الإنّي واللمّي؛ وكلّ هذه من علوم أهل البيت التي وردت في القرآن أيضًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾،۱ حيث إنّ هذا البرهان هو برهان النظم الذي نُثبته في الفلسفة؛ أو عبارة: «كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟!»؛٢ فهي عبارة عن برهان إنّي نُثبته هنا. كلّ هذه الأمور التي وردت على لسان رواياتنا هي فلسفة».

  • فلم يقل شيئًا بعد ذلك.

  • وكان المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] يقول:

  • لم يُجب العلاّمة الطباطبائيّ بهذه الطريقة، وما سمعته منه أنّه قال: «هناك الآن أكثر من مائة كتاب أُلّف ضدّ الإسلام؛ فإذا أجبتم عن واحد منها، فسأعطّل درسي!».٣

  • ثمّ قلت له قدّس الله سرّه: ألا يُمكن أن يكون قد قال ذلك الأمر أيضًا؟

  • فقال: «كلاّ، من المستبعد أن يتحدّث العلاّمة الطباطبائيّ بهذه الطريقة»؛ أي أراد أن يقول إنّه من المستبعد أن يكون قد قال: «إن كانوا مقلّدين، فباطل ما يفعلون...»؛ ولكن على كلّ حال، لو قال ذلك، فلم يكن فيه عيب.

  • ثمّ نقل المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] هذه القصّة:

  • اجتمع الشيخ محمّد رضا المظفّر مع الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ والشيخ محمّد جواد البلاغيّ ـ أو شخص آخر ـ فكانوا ثلاثة أو أربعة أشخاص اجتمعوا معًا، وقالوا: إنّه في ظلّ هذه الأبحاث التي تُطرح الآن، فإنّ الدين في خطر حقًّا، وبدأ يتّخذ طابعًا مادّيًا، ويفقد طابعه الروحانيّ والمجرّد؛ وإنّ خطر الجهل واستيلاء الفلسفة الغربيّة والماديّة (التي ظهرت في مصر أوّلاً ثمّ في هذه البلاد) يُهدّد الحوزات، ولابدّ أن نجد حلاًّ؛ وبالطبع، لا فائدة من ذلك ما لم نذهب إلى السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ، ونأخذ منه إجازةً.

    1. سورة الأنبياء، الآية ٢٢.
    2. أقبال الأعمال، ج ۱، ص ٣٤۸. ولمزيد من الاطّلاع على هذه العبارة، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ٢٤٩ ـ ٢٦٩.
    3. لمزيد من الاطّلاع على هذه الحادثة، راجع: الشمس الساطعة، ص ۱۰۱؛ مطلع أنوار (فارسي)، ج ۱، ص ۱۸٥.

الأسفار الأربعة ـ السفر الأوّل بين الشهود الوجدانيّ والبرهان العقليّ - الفرق بين الحكيم والعارف، والموقف التاريخيّ لعلماء الحوزة من تدريس الفلسفة

15
  • ذهب الثلاثة، وجلسوا في الغرفة الخارجيّة لمنزل السيّد أبي الحسن. جاء خادمه، ودخل إلى داخل الدار، وقال للسيّد أبي الحسن: «الشيخ محمّد حسين مع الشيخ محمّد رضا والباقين يجلسون في الغرفة الخارجيّة، ويحتاجون إليك في أمر ما».

  • جاء السيّد أبو الحسن، وجلس، فسلّموا عليه، ثمّ قال: «إذا كان للمشايخ ما يقولونه، فليتفضّلوا».

  • فبدأ الشيخ محمّد حسين بالكلام، وقال: «الدين الآن في خطر، والحوزات في خطر، والمسائل المادّية بدأت تتوافد، وهجومُ الفلسفة الغربيّة والماديّة من الغرب يُمثّل تهديدًا؛ ولهذا، يجب علينا أن نجد حلاًّ لهذا الأمر».

  • وعندما أنهوا حديثهم، التفت إليهم السيّد أبو الحسن، وقال: «أليس لدى المشايخ مسألة أخرى؟».

  • قالوا: «لا».

  • فقال: «أنا أعتبر سهم الإمام عليه السلام ملكًا شخصيًّا لي، ولا أعتبره من باب الوساطة؛ ولهذا، لست راضيًا أن يُصرف قرش واحد من ملكي الشخصيّ في مثل هذه المسائل! في أمان الله تعالى!»؛ فنهض، ودخل إلى داخل البيت!

  • وهذه القصّة كانت عن السيّد أبي الحسن.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد