115

الحقّ والباطل

1966
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالخسران و بطلان العمر

التاريخ 1426/03/28


التوضيح

في ضمن شرح فقرة (ولا يدع أيّامه باطلاً) من حديث عنوان البصريّ أجاب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن التساؤلات التالية:
هل نحن في خدمة الأجهزة التي نصنعها أم هي في خدمتنا؟
كيف يطوي الإنسان الطريق إلى الله مع الله؟
ما معنى جعل الأعمال هباء منثورًا؟ وأيّ الأعمال هي التي تستحقّ ذلك؟
هل تجوز إقامة ذكرى أربعين لغير سيّد الشهداء عليه السلام؟
ما معنى البطالة؟ وما معنى الحقّ والباطل؟
هل سنلقى أمر الله أم سنلقى الله نفسه؟
كيف نكون في صراط عليّ حقًّا؟
/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الحقّ والباطل

1
  •  

  • هو العليم 

  •  

  • الحقّ والباطل

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۱۱٥

  •  

  • ألقاها:

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

الحقّ والباطل

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • ماذا يريد الإمام من قوله: ولا يدع أيّامه باطلاً؟

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام في تتمّة كلامه مع عنوان البصريّ: ولا يدع أيّامه باطلاً. يعني عليه أن لا يقضي عمره بالبطالة، بعد أن قال في كلامه أنّه يجب أن لا يسعى إلى التفاخر والتكاثر، عليه أن لا يتفاخر على الآخرين، ويجب أن لا يباهي بالأعمال التي يقوم بها أن نحن نقوم بكذا وكذا. ولا يطلب ما عند الناس عزًّا وعلوًّا ولأجل التفضّل والترفّع على الآخرين.

  • لا تطلب ما عليه الآخرون من الأمور المحلّلة!

  • وقد تحدّثنا مع الرفقاء حول هذه الفقرات وأنّه ليس مراد الإمام الصادق عليه السلام ما لدى الناس من المعاصي والأمور المحرّمة الواضحة والبيّنة، وأنّه يطلب هذه الأمور. لا دليل على ذلك. فما يناله السارق حرام. فالإمام لا يقول إنّ هذا يريد ما في يد السارق، لا معنى لذلك. أو مثلاً لو وصل إنسان إلى مال عن طريق حرام، كما لو قضى بالحرام وحصل على مال، أو أخذ رشوة على قضائه وحكم لصالح أحد المتخاصمين، فهذا المال سحت وحرام، لا معنى لأن يقول الإمام الصادق عليه السلام [إنّ على السالك] أن لا يسعى إلى هذه الأشياء! بل إنّه لا معنى للتفاخر والتكاثر بها أصلاً. فهي بذاتها محرّمة وهي جهنّم وعقاب إلهيّ وتسبّب بذاتها الخسران والشقاء ومخالفة الحكم الظاهريّ والقطعيّ للشارع. 

  • أو مثلاً لو أنّ إنسانًا وصل إلى منصب ما بواسطة القهر والتغلّب والظلم للنّاس واتّهامهم والتسلّط على الأقران، كالحكّام والملوك الذين لا يتورّعون عن أيّ تهمة للوصول إلى ما يريدون، ولا يمانعون من القتل والقضاء على الناس الذين يقفون أمامهم. فهل يقول الإمام إنّ على السالك أن لا يفعل ذلك؟! لا معنى لهذا ولا مبرّر له. افترضوا أنّ هناك أمثال المغول أو الحكّام الظلمة كتيمورلنك وأمثاله، فهؤلاء أساس حكوماتهم هو سفك الدماء وإعدام الناس والقتل والغارة والوحشيّة والقضاء على أعراض الناس وشرفهم، فهل يقول الإمام إنّ على الإنسان أن لا يطلب مثل هذه الحكومة. حسنًا تفضّلوا أنتم اطلبوا لتروا على ماذا ستحصلون. لا إشكال. 

الحقّ والباطل

3
  • بل مقصود الإمام عليه السلام في هذه الموارد تلك المراكز التي هي ذات صورة ظاهريّة شرعيّة. فمثلاً افترضوا أنّ إنسانًا ما قد وصل إلى مال ومنال من طريق حلال، فيطلب آخرُ ذلك: ليتني كنت مكانه، لوصلت إلى هذا المال! فهذا غلط. أو أنّ إنسانًا بلغ إلى مقام عن طريق صحيح، ووصل إلى مكانة، وكان عالمًا وكان في حرفته ومهنته متميّزًا، فجعلوه مديرًا لمؤسّسة، مديرًا لمستشفى، مديرًا لجامعة، مديرًا لحوزة، مديرًا لمجمّع، مديرًا لسوق تجاريّ، مديرًا لدائرة ما، مما لا إشكال في الوصول إليه من حيث الظاهر. يقول الإمام: عليك أن لا تسعى إلى ذلك. عليك أن تفكّر بما هو أرقى من ذلك، وتهتمّ بما هو أرفع. فما معنى ليتني كنت مكانه؟! اذهب واشكر الله على أنّك لست مكانه ولن يصيبك كلّ ذلك الوزر والوبال. يمكنك أن تبقى يومين في هذه المراكز وأمّا اليوم الثالث فماذا؟ كيف يمكن أن تقضي اليوم الثالث؟ أو أن يصل الإنسان إلى مرتبة علميّة ما... 

  • في مقدّمة كتاب )توحيد علمى وعينى( يقول المرحوم العلاّمة في بيان أحوال السيّد أحمد الكربلائي أنّه كان في مرتبة تطرح في حقّه شبهة المرجعيّة بعد المرحوم الميرزا الشيرازي (الميرزا الثاني). فقد كان من الناحية العلميّة في مستوى كهذا. وفي الوقت نفسه كان من أهل التوحيد وأهل العرفان، وكان يطبّق منهجه الحوزويّ في الأمور التوحيديّة، وهذا أمر مهمّ جدًّا. فالتفتوا! 

  • كيف يطوي الإنسان الطريق إلى الله مع الله؟

  • إنّ ما نودّ طرحه اليوم وفي الجلسات الأخرى هو هذه النقطة وهي أنّه كيف يمكن للإنسان أن يطوي الطريق إلى الله من دون الله؟! وكيف يمكن للإنسان أن يطوي طريق الله مع الله؟ يطوي طريق الله ولكن لا خبر فيه عن الله! ضميره خاو من الاتّصال بالمبدأ، وسرّه خال من الاتّصال بالتوحيد. يقول: الله، ولكنّ الشيطان كامن في [كلمة] "الله" هذه. يصلّي، ولكنّه يسجد في صلاته هذه للأصنام الداخليّة ولأهوائه. يعمل في المحراب والمنبر بتبليغ الدين، ولكن قد وُجّه كلّ هذا التبليغ لتعظيم نفسه وشخصيّته. 

الحقّ والباطل

4
  • لقد كان السيّد الكربلائيّ عارفًا معروفًا وظّف اشتغاله بعلوم آل محمّد صلّى الله عليه وآله في سبيل تحقيق أهداف أهل البيت عليهم السلام. وهذه هي نقطة الامتياز بينه وبين سائر الناس الذين تحدّثنا عنهم بعض الشيء ـ قلّ أو كثر ـ في هذه الجلسات. فعندما أوشكت أن تحوم حوله شبهة المرجعيّة، رجل كهذا يقول: إن كان لا بدّ أن يدخل أحد ما إلى جهنّم بسبب المرجعيّة فالحمد لله هناك من به الكفاية. يعني الاشتغال بواسطة المرجعيّة بأمور الناس الدينيّة الكاذبة لا الأمور الحقيقيّة، والانشغال الكاذب والانصراف عن النفس، والانشغال بالأمور الدينيّة مقابل خسارة الإمكانات الخاصّة والأوقات الخاصّة والاتّصال الخاصّ والاهتمام بالنفس، هذا ليس طريقًا إلاّ إلى جهنّم. 

  • عجيب جدًّا، كيف يمكن للإنسان أن يلاحظ تلك الحقيقة مع حفظ المواقع الاجتماعيّة، وكيف يمكن للإنسان بواسطة الاعتبارات الاجتماعيّة أن ينفي تلك الحقيقة والواقع عن نفسه، ويسلبها عن ذاته! علينا أن نلتفت جيّدًا ونهتمّ كثيرًا بأن لا يمنعنا الانشغال بأمور الدنيا أي الأمور الواقعة في هذه الدنيا ـ وليس المقصود من أمور الدنيا اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر وأمثال ذلك، بل ما جعله الله تعالى في هذه الدنيا على كلّ إنسان من باب التكليف والوظيفة ـ عن تلك الحقيقة وذلك الواقع. 

  • إنّ مقصود الإمام الصادق عليه السلام في هذه العبارة العجيبة الغريبة هو أن ينبّهنا كيف أنّ الاشتغال بأمور الدنيا حتّى الممدوح منها ـ الأمور التي هي من حيث الظاهر خالية من الإشكال، الأمور التي هي من حيث الظاهر مقبولة وذات صبغة إلهيّة وطابع إلهيّ، وكلّ من ذكرت أمامه يستحسنها ويمتدحها ـ كيف يجعل الإنسان غافلاً عن الله في اشتغاله بها فلا يستفيد شيئًا. 

  • هل نحن في خدمة الأجهزة أم هي في خدمتنا؟

  • لقد ضربت للرفقاء كثيرًا هذا المثال وأضربه كثيرًا والآن أيضًا سأمثّل به، وقبل أيّام أيضًا ذكرته. فهذه الأجهزة التي يريد الإنسان أن يستفيد منها، هذه الأجهزة التي يخترعونها في هذا الزمان، ويكتشفونها ويصنعونها، لأيّة غاية هي كلّها؟ هي لخدمة الأهداف والأمور التي يحتاجها الإنسان، لكي يستعملها الإنسان في هذا المجال. ومن هذه الأدوات مثلاً وسيلة النقل، السيّارة. فالإنسان يقتني سيّارة، يقتني وسيلة نقل لكي يبلغ بها إلى عمله وحاجاته. ثمّ تتحوّل وسيلة النقل هذه إلى مشكلة توقع الإنسان بها، يجلس يريد أن يستريح قليلاً، فيأتي عياله وأولاده ويقولون: خذنا إلى هذا المكان! بما أنّك لديك سيّارة فلنشارك في ذاك الأمر! بما أنّ لديك سيّارة فلنذهب إلى ذاك الاحتفال، بما أنّ لدينا سيّارة فلنسافر ليومين. يقول: اصبروا قليلاً؛ فأنا متعب، دعوني أستريح قليلاً يقولون: لا! بما أنّ لدينا سيّارة فما عذرك؟! أيّ حجّة يمكن أن تتذرّع بها بعد ذلك؟! صحيح! فهذه السيّارة نفسها تجعل الإنسان مشغولاً بها عن نفسه، تجعله مبتلى بها، في حين أنّ السيّارة وسيلة نقليّة. 

الحقّ والباطل

5
  • ومن هذه الأشياء الهاتف النقّال، هذه الهواتف النقّالة. فهذا الجهاز جهاز جيّد جدًّا، ففي كثير من الأحيان لا يتوفّر للإنسان هاتف ويكون محتاجًا إليه. ولكن هذا الهاتف نفسه عندما يدخل إلى جيب الإنسان، يصبح الإنسان كالمعتادين على الموادّ المخدّرة و الهيرويين، مثل هؤلاء المدمنين، يصبح مدمنًا على الهاتف، كلّما اتّصل أحدٌ يفتح السمّاعة على الفور. فلو أنّ هذا المسكين كان يمضي إلى مكان ولا عمل له، يسافر من مكان إلى آخر، ففي السيّارة لا يوجد هاتف، يسافر وحيدًا بكلّ هدوء، يغوص في أفكاره الخاصّة، وفي أحواله، في السكوت والهدوء، ولكن ما إن يرتفع صوت جرس الهاتف فجأة ويتّصل به أحد من تلك الناحية تختلّ أعصابه ويفقد هدوءه، فما هذه الوسيلة إذن؟! ولا سمح الله أن يطفئ الإنسان هذا الهاتف، عليه أن يخضع لحساب دقيق، لقد كان هاتفك مغلقًا، ماذا حصل؟ ما حقيقة الأمر؟! وهكذا... حسنًا نقتصر على هذا، والذين هم مبتلون يعلمون ذلك خيرًا منّي. فهذا الهاتف النقّال صار وسيلة للمشكلات. 

  • وعلى حدّ تعبير أحد أصدقاء المرحوم العلاّمة: ذهبنا لنشتري شيئًا ما فاشترانا ذلك الشيء. الإنسان يذهب ليشتري هاتفًا، فيشتريه الهاتف. فما معنى ذلك؟ يعني أنّه يسيطر على كامل حياته، ففي وقت الصلاة ما إن يريد أن يصلّي يرتفع جرس الهاتف، وارتفاع صوت الهاتف يعني فوات الصلاة. 

  • صحيح!؟ هل التفتّم؟! ما إن يريد أن يصغي إلى أمر مهمّ يأتي ويتحدّث نصف ساعة وما إن يريد أن يسمع الكلام المهمّ، فجأة يرتفع جرس الهاتف، إن لم يفتحه لا بدّ أن يخضع لتحقيق و... وإن فتحه فإنّ جميع الأمور التي سمعها تتلاشى، فلا يمكن للإنسان أن يفهم شيئًا بخاطر مشوّش. لا يدخل إلى الذهن المشوّش شيء. فإذن هذا الهاتف يصبح بنفسه بلاء للإنسان، بلاء! 

  • ولذلك فأنا أقول للرفقاء إنّ علينا دائمًا أن نحافظ على الثقافة الخاصّة لكلّ شيء! فهذه الأجهزة الحديثة أو غير الحديثة بدلاً من أن يستعملها الإنسان في مجال أهدافه وتكامله، تصبح بنفسها بلاء على هدوئه، وبلاء على راحته، وبلاء على حركته، وتوقّف حركته، وتسلبه هدوءه. 

الحقّ والباطل

6
  • أذكر أنّه في زمان المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه ـ وهذا الكلام الذي أقوله، إنّما أقوله للرفقاء في هذا الاجتماع الأخويّ ومحفل الأنس وقد رأيت بعض الأمور في زمان المرحوم العلاّمة وإلى جانبه. فذلك الرجل الكبير، وذلك الرجل الإلهيّ رغم وقته ورغم موقعيّته الخاصّة، كان بعض الناس يأتون للقائه من المحافظات المختلفة، وبينما كان هو يتكلّم معهم ويخالطهم ويهتمّ بهم بحفاوة فجأة يدقّ الهاتف. ماذا حصل؟ إنّه شريك هذا الرجل بائع الشاي في طهران، فقد أعطاه هو رقم هاتف بيت العلاّمة وهو الآن يتّصل. فكان يقوم من أمام المرحوم العلاّمة ويجيب شريكه. هل التفتّم إلى أين يجب أن يصل الأمر؟! وهو لم يكن يقول شيئًا، تفضّلوا تفضّلوا في النهاية اتّصلوا بكم فأجيبوا!. 

  • وأحيانًا كانت المسألة أعظم من ذلك، وأثناء حديث المرحوم العلاّمة كان يستأذن لأنّه اتّفق مع فلان، فكان يقوم ويجري مكالمة. سيّدنا هل تسمح لي بأن أجري مكالمة؟! فما هذا؟ له حسابه في النهاية. ثمّ بعد ذلك نحن نتوقّع أن نطوي طريقًا، نتوقّع أن نخطو. صحيح؟!

  • هنا يؤكّد الأعاظم على هذا الأمر وأنّه يجب أن لا تكون هذه الأشياء فخًّا لسالك طريق الله، بل على الإنسان أن يمسك بيده بالشِّباك والأفخاخ ولا يقع هو بها، عليه أن لا يقع في هذه الشِّباك. لديه سيّارة، عليه أن يستعملها في طريقه هو. ولو بقيت هذه السيّارة شهرًا كاملاً في موقفها الخاصّ فلتبق. فأنا لا أريد أن أذهب إلى ذاك المكان، أو لا أريد أن أذهب بالسيّارة. لدينا سيّارة، ولدينا مائة سيّارة ولكن لا أريد الاستفادة منها. لديه هاتف نقّال، ولا يريد أن يفتحه. فهل هناك دليل على أنّ من كان لديه هاتف نقّال يجب عليه أن يفتحه دائمًا؟! في كثير من الأوقات يكون الإنسان مشغولاً في ذهنه بأفكار يجب أن يحافظ عليها ولا يخسرها. 

  • هل تجوز إقامة ذكرى أربعين لغير سيّد الشهداء (ع)؟

  • كنت ذات يوم قبل حوالي شهر متشرفًا بزيارة مشهد، وكنت مشغولاً بكتابة رسالة الأربعين هذه والتي إن شاء الله ستخرج إلى الطبع قريبًا لولا البداء، ويطّلع على مضمونها الرفقاء. والحديث في هذه الرسالة هو حول أنّ الأربعين مختصّ بسيّد الشهداء عليه السلام، ولم يكن هذا الأمر في المراحل السابقة. فالعلماء السابقون لم يكونوا يهتمّون بأمر الأربعين، وقد صارت عادة متعارفة هنا قبل حوالي مائة أو مائة وخمسين سنة. وللأسف فإنّ أهل العلم أنفسهم يصرّون عليها أكثر من جميع الناس. 

الحقّ والباطل

7
  • ذكرى الأربعين [لغير الإمام الحسين] هي بدعة إسلاميّة ظهرت عند الشيعة وليس لدينا ذكرى أربعين. الميّت قد مات رحمة الله عليه، اقرأ له الفاتحة وانتهى الأمر وانقضى. ما يجب علينا نحن الشيعة أن نتمسّك به هو إحياء ذكر أهل البيت لا إحياء ذكر الأب والجدّ والمطرب فلان والموسيقار فلان وفلان وفلان... لا وجود لذلك. ليس لدينا في الثقافة الشيعيّة هذه الأمور. ما هو في الثقافة الشيعيّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال إنّ الشيعة والسنّة عليهم أن يقيموا لثلاثة أيّام مجلسًا لطلب الرحمة لا للتأبين، لا للتعظيم والتجليل. ليس لدينا في الإسلام احتفال تأبين وتجليل لدينا مجلس لطلب الرحمة. لقد انتقل إلى هناك وحاله يرثى لها فلا بدّ من طلب المغفرة له، لا بدّ من قراءة سورتي الفاتحة والتوحيد له. لا تفيد في ذلك العالم القوّة والقدرة والموقع والمنصب والكون مديرًا للدائرة كذا ووزيرًا وهذا النوع من الكلام. لماذا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة بسبب الآخرين ونفسد دنيانا. لقد مات هو ومضى وهو يؤدّي حسابه هناك، أفنقول نحن الآن إنّه كان قويًّا ذا مكنة وكان وزيرًا! لقد كان فليكن. هل كان يفكّر بالله حينما كان جالسًا على مكتب رئاسته أم كان يفكّر بموقعيّته؟ علينا أن نتحدّث عن هذا الأمر في مجالس طلب الرحمة. لا أنّه كان هكذا وهكذا، والخطيب الذي يرتقي المنبر يملأ خطبته بهذا الكلام. ولو لم يؤدّ الأمر حقّه لكان موضع عدم مبالاة وعدم اعتناء أصحاب العزاء، ولا يدعى مرّة ثانية إلى مجالس أخرى، ولذلك فهو يحاول أن يبذل ما بوسعه في هذا المجال. كلّ ذلك هو مخالف للشرع. 

  • لدينا في الشرع مجلس لطلب الرحمة. يعني أقيموا مجلسًا واطلبوا فيه المغفرة، اقرؤوا الفاتحة، إلى أيّ شيء يحتاج الآن؟ إلى المديح الذي أمتدحه به على المنبر؟ أم سورة الحمد التي لدينا أنّها تتحوّل إلى طبق من نور يأخذه إليه الملائكة؟ إلى أيّ الأمرين هو يحتاج؟ إلى أين نحن نمضي؟ 

  • هناك الكثير من الأمور والسنن عند الشيعة اليوم يعمل بها بما يخالف سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله. فذكرى الأربعين ليس لها تاريخ، لقد كان مرحلة حياة الأئمّة عليهم السلام أكثر من مائتين وخمس وستين سنة، فهل لدينا في الروايات أنّ الأئمّة أمروا بأن تقام ذكرى أربعين للموتى. فمائتان وخمس وستون سنة ليست أسبوعًا وشهرًا، بل مرحلة الخلافة الإلهيّة للأئمّة عليهم السلام هي أكثر من قرنين ونصف. هل لدينا مورد واحد قال فيه الإمام الرضا عليه السلام لأحد أن اذهب وأقم لأبيك ذكرى أربعين؟ في كلّ يوم يموت واحد، فأمر الموت كان في كلّ يوم، فإمّا أن تموت الخالة أو العمّة، أو الصاحب أو الأب ولم يكن الأمر أنّه في كلّ مائة عام يموت إنسان. 

الحقّ والباطل

8
  • أكثر الأمور ابتلاء في زمان الأئمة عليهم السلام هو مسألة الموت هذه. الناس يموتون، الأصحاب يموتون، وليس فقط الأصحاب، فهل لدينا مورد واحد قال فيه الأئمّة عليهم السلام أقيموا ذكرى أربعين لأبينا؟ هل قال موسى بن جعفر عليهما السلام أن أقيموا لأبي الإمام الصادق عليه السلام أربعين. هل كان ذلك؟ هل كان لأمير المؤمنين؟ هل كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله؟ أين كذلك؟ فمن أين جئنا بالأربعين إذن؟! ولأجل ماذا؟! لو جاء رجل من مخالفينا من الإخوة أهل السنّة وقال: هذه المجالس التي تقيمونها كما تقولون هل هي موجودة في كتب أهل البيت أم لا؟ فماذا لدينا من الجواب؟ نقول: حسنًا لأجل طلب الرحمة ورجائها ولأجل الثواب. يقول: حسنًا فلتقيموها في اليوم السبعين لماذا في اليوم الأربعين؟ لتكن عند اليوم العشرين. 

  • فإذن موضوع الأربعين مختصّ بسيّد الشهداء عليه السلام. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: مأتم لثلاثة أيّام والسلام. 

  • قال الوالد: لأنّ رسول الله قال ولأنّ السنّة على ثلاثة أيّام، فعليكم أنتم أيضًا أن تقيموا مأتمًا لثلاثة أيّام، وفي المنزل أيضًا. لا عن المقام والموقع ولا عن الكتاب و... وقال لي كلّ ذلك. لا تتحدّثوا عن كتبي، ولا عن عدد التلامذة، وعدد المريدين، ولا يتكلّم هناك خطيب بل فقط يقرأ عزاء سيّد الشهداء والقرآن لا أكثر! 

  • هذا الذي يدعى رجلاً إلهيًّا! أوصاني بذلك شخصيًّا عندما كان في المستشفى. تقيمون العزاء لثلاثة أيّام، بل مجلسًا لطلب الرحمة لا للعزاء، لطلب الرحمة، فضلاً عن سائر الأمور، وبعد ثلاثة أيّام ينتهي الأمر ينتهي. ويجب أن لا تقيموا ذكرى سنويّة. هو قال: يجب أن لا تقيموا ذكرى سنويّة. وحول الأربعين أيضًا قال: هذه بدعة، ولا يجوز أن يقوم بها أحد. ونحن لم نقمها. 

  • كم يحتاج الإنسان إلى الهدوء؟!

  • لقد كنت في مشهد أكتب حول هذا الأمر، وفجأة فتح الباب ودخل أحدهم وقال: لقد حدث كذا. وما إن قال ذلك كان في ذهني أمر فذهب وذهب. قلت: ألم أقل إنّي عندما أكون في غرفة العمل والمطالعة فيجب أن لا يطرق الباب أحد. قلت: ألم أقل عندما أكون في غرفة العمل، فكلّ من يأتي قولوا له ليس حاضرًا. عندما أكون هناك فكأنّني لست في المنزل. لماذا؟ لأنّ الإنسان يحتاج إلى الهدوء. انتهى الأمر ونسي الموضوع. أما متى يرجع ذلك الموضوع الذي كان في الذهن، هل يعود من جديد حسب سيره الطبيعيّ أم لا؟!

الحقّ والباطل

9
  • والآن جاء الإنسان فقضى بهذه الأجهزة والآلات على هدوئه وراحته وفكره وكلّ ما يملك. فهذا ليس بالعمل الصائب.

  • رحم الله أحد الأطبّاء القدامى الذي كان المرحوم العلاّمة يذهب إليه كما كنّا نذهب إليه، الدكتور ناصر إتّفاق، أحد الأطبّاء المشهورين وكان في طهران هنا. وكنت أذهب إليه لأجل أمراض المعدة، وكان المرحوم العلاّمة يذهب إليه لأجل أمراض القلب والأمراض الداخليّة والعروق. وكان إنسانًا عجيبًا جدًّا، ما إن كانت عينه تقع على المرحوم العلاّمة حتّى يصبح كأنّه ليس لديه مرضى، ولم يكن مرضاه يتجاوزون السبعة أو الثمانية أو العشرة، فأكثرهم كانوا يعلمون رغم أنّهم كانوا يأتون كثيرًا. فذات يوم ذهبت مع المرحوم العلاّمة إلى عيادته فأخذ يتكلّم لمدّة أربع ساعات، من الساعة الثامنة حتّى الساعة الثانية عشرة كان يتحدّث. وبقي المرضى هكذا ينتظرون هناك. ثمّ عاين المرحوم العلاّمة وخرج وقال: حسنًا لقد تعبت! فذهب إلى الطابق الأعلى ونام. اذهبوا وارجعوا غدًا. 

  • كان من الأطبّاء العالميّين وكان يتكلّم بكلام جيّد. وطبعًا كان لديه كلام فيه نظر. وكان من كلامه في ذلك اليوم أنّا يا سيّد اشترينا قطعة معدن ـ وكان يسمّي السيّارة قطعة معدن ـ فصرنا أسرى لها. اشترينا سيّارة وابتلينا بها، وهكذا نقضي وقتنا في الدوران حول طهران وأضاعت كلّ حياتنا. كان ينتقد الاكتشافات والاختراعات والأمور الحديثة. لقد خسرنا هدوءنا بأيدينا، فمن عليه أن يسير ويمشي ويمارس الرياضة ركب سيّارة بدلاً من ذلك. هذا الذي يجب أن يكون الآن في منزله ويحتاج إلى الهدوء ـ كان يتكلّم بكلام جيّد، كلام جيّد جدًّا، عين هذا الكلام الذي نقوله نحن ـ فكره يحتاج إلى الهدوء، رجع من العمل، وفجأة يقول له عياله وأولاده: خذنا إلى الحديقة. كان قد سمّى السيّارة قطعة معدن فكان يقول: اشترينا قطعة معدن وحبسنا أنفسنا فيها ونحن ندور حول أنفسنا في الحرّ والبرد، ونتلف عمرنا. 

  • حسنًا لقد ذكرنا هذا كمقدّمة وحواشي. وطبعًا ليست حواشي بل كلّها أصل ولا بدّ للإنسان من الاهتمام بها جميعًا والالتفات إليها ليعثر من جديد على حقيقته، ويتخلّص من النقص والتقصير.

الحقّ والباطل

10
  • يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ الله أعطى سالك طريق الله عمره كأمانة في يده، فينبغي أن لا يبذلها في مواضع لم يقدّرها الله له. أن لا يرجو أمورًا لم يقدّرها له الله، لا أنّها محرّمة، فالمحرّمة لا بحث فيها أساسًا. أن يريد أمورًا لم يقدّرها له الله ولم يحقّقها له. 

  • ثمّ يقول الإمام: ولا يدع أيّامه باطلاً. لا يقضي عمره بالبطالة. فماذا تعني هذه العبارة؟ طبعًا وبالالتفات إلى الموضوعات السابقة فإنّ الرفقاء يدركون حقيقة هذه العبارة وجميعًا ندرك أنّ مقصود الإمام عليه السلام هو أنّه كيف يجب أن لا نقضي أيّامنا بالبطالة. وكأنّه يمكن أن نستنج أنّ هذه العبارة يمكن أن تكون نتيجة معلولة للعبارتين السابقتين. فمن لا يطلب الدنيا للتفاخر والتكاثر، ولا يطلب ما في أيدي الناس عزًّا وعلوًّا فطبعًا لن يقضي دنياه بالبطالة. ولكن لو أوضحنا ذلك قليلاً فإنّه يبدو أمرًا لا بأس به. 

  • ما معنى البطالة؟

  • اليوم نوضّح قليلاً حول معنى البطالة بقدر ما يسمح الوقت، وإن شاء الله في الجلسات اللاحقة سنذكر للرفقاء والأصدقاء المصاديق التي يمكن أن تجرّ الإنسان إلى البطالة وكيفيّة الاحتراز عنها واجتنابها. 

  • يلاحظ في عبارات الأعاظم، جميع الأعاظم ، أن لا تقض عمرك بالبطالة! الجميع في كتابات أولياء الله، العرفاء الإلهيّين إذا طالعتم ورأيتم في أشعار العرفاء الإلهيّين وأولياء الله وأهل التوحيد، الجميع أكّدوا على هذه النقطة وأنّ على الإنسان أن لا يقضي عمره بالبطالة. لا يقولون لا تعص. يقولون: لا تقض عمرك بالبطالة! لا يقولون: ليكن لديك قصد القربة. يقولون: يقولون لا تقض عمرك بالبطالة! لا يقولون اجتنب الحرام، لأنّ هذه الأمور واضحة للنّاس، الأحكام الإلهيّة من الحرمة والوجوب والكراهة والاستحباب كلّ ذلك واضح للناس، فما هو الشيء المخفيّ في هذا الأمر حتّى يؤكّد عليه الأعاظم إلى هذه الدرجة؟ لا تقض عمرك بالبطالة! لا تقض عمرك باللهو واللعب! اقض عمرك بالحقيقة لا بالمجاز! 

  • ما معنى الباطل والحقّ؟

  • ما معنى الباطل؟ وما معنى الحقّ؟ على أيّ شيء يطلق الحقّ وعلى أيّ شيء يطلق الباطل؟ إذا كان الإنسان في أيّ طريق فهو حقّ وإذا كان في أيّ طريق فهو باطل؟ الآية القرآنيّة الشريفة تبيّن لنا بوضوح هذا الأمر: {ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل وأنّ الله هو العليّ الكبير}.۱ الحقّ مختصّ بالله وحده: {أنّ الله هو الحقّ}، لا يقول الملائكة هم الحقّ، الأنبياء هم الحقّ، الدنيا حقّ، الآخرة حقّ، والجنّة حقّ، رغم أنّ جميع ذلك حقّ، ولكنّه يحصر الحقّ في الله، ذلك بأنّ الله هو الحقّ، الله هو الحقّ. أفهل من المقرّر أن يكون الله باطلاً؟ فما هو مراد الله من هذا التعبير؟ لماذا لم يقل طريق الله حقّ؟ لماذا لم يقل النعم الإلهيّة حقّ؟ لماذا لم يقل الجنّة حقّ؟ 

    1. سورة الحجّ، الآية ٦٢. 

الحقّ والباطل

11
  • هل تحتاج الآيات التي تتحدّث عن لقاء الله وأمثالها إلى تقدير؟

  • كأنّ بعضهم يعتقدون في بعض هذه التعابير في آيات القرآن مثلاً بالتقدير. يقولون: هذا المعنى لا ينسجم مع ذات الله، مثلاً في الآية القرآنيّة:{ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان}.۱ لا يمكن للّه أن يفعل شيئًا، يقول الله كلا! يد الله مبسوطة. فيقال إنّ الله لا يد له، فإذن المراد من هذه اليد الإرادة والمشيئة الإلهيّتان. أو قوله:{ وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا}٢ يوم القيامة يأتي الله والملائكة صفًّا صفًّا. أيّ ملائكة؟ الملائكة الذين هم جميعًا في هذه الدنيا يحفظون بقواهم الملكوتيّة جميع أعمالنا كسجلات. يحفظون كلّ ذلك. 

  • فالآن أنا أتحدّث وكلّ واحد من الأصدقاء يسمع كلامي، وبعددنا هناك آلاف الملائكة يضبطون ويسجّلون كافّة نقاط وجودنا وأعمالنا. النظرة التي تلقونها أنتم عليّ، التفكير الذي تفكّرونه حول ما أقول، ردّات الفعل التي تظهر في أذهانكم على كلامي، كلّ ذلك يحفظونه الآن. الحالة التي أنا عليها أثناء كلامي، إلى أيّ حدّ أنا حرّ ومتحرّر في كلامي؟ هل أقول لكم الكلام الذي ليس في صالحي أم لا أقوله؟ هل أتكلّم بنحو يؤذي منافعي الدنيويّة أم لا؟ كلّ ذلك يضبطه الملائكة في سجلّي، في السجلّ الذي هو لهم. فالقوى المجرّدة للملائكة تحيط بالأمور بواسطة الضمير وبواسطة الصور الملكوتيّة والمثاليّة التي يوجدها الإنسان في هذه الدنيا، وجميع هذه الصور محفوظة في سجلّ الملائكة. لذلك يقول:{ وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا}، جميع الملائكة الذين لديهم سجلات هنا فإنّهم يحضرون هناك. 

  • ـ أنت أيّها المتكلّم عندما كنت تتكلّم خطر في ذهنك فجأة هذا المعنى، ولكن رأيت أنّه يتنافى مع ذلك الموضع من حياتك فلم تقله ومضيت وقلت كلامًا آخر. 

  • ـ لي الويل هذا صحيح!

  • ـ أنت أيّها المستمع عندما سمعت هذا الكلام، فلأنّ هذا الموضوع كان يصطدم معك تغاضيت عنه ولم تفكّر به: ماذا يريد أن يقول السيّد بعد ذلك؟ هذا أيضًا مسجّل. يأتون به ويقولون تفضّل. عند الساعة الحادية عشرة إلا خمس دقائق من التوقيت الجديد ـ فالتوقيت الجديد أيضًا محسوب عندهم ـ عند الساعة الخامسة إن لم تكن أقل أو أكثر لأنّ الملائكة يعرفون التوقيت الجديد بدقّة، يعرفونه بدقّة ـ حصلت في ذهنك فكرة كذا، فلماذا حصلت؟ لماذا خنت ولم تقل؟ لماذا قلت ما قلته انتقاءً؟{ وجاء ربّك والملك}

    1. سورة المائدة، الآية ٦٤. 
    2. سورة الفجر، الآية ٢٢. 

الحقّ والباطل

12
  • إنّه دقيق إلى درجة أيّها الرفقاء بحيث لا تدخل الشعرة من بينه. ولا يمكن إفساده بأيّ برنامج كمبيوتريّ. هناك سجلّ مختوم وممهور، ولا يمكن فتحه بالساطور والفأس والإزميل والحربة أبدًا! لأنّه مجرّد ومن عالم المجرّدات. هنا يمكن أن تفتح السجلاّت، يمكن أن يرسل إنسان مشابه فيأخذ السجلّ من بين السجلاّت أو بعض الأوراق ثمّ يختم السجلاّت وأمثال ذلك. أمّا هناك فلا شيء من ذلك يا عزيزي! هناك دقّة! حصلت لك هذه الفكرة الآن، تكلّمت هناك بهذا الكلام، تصوّرت هذا التصوّر، قمت بهذا. 

  • حسنًا {وجاء ربّك والملك} الجميع يأتون. يقولون: {وجاء} فكيف يجيئ الله؟! نقول جاء أمر ربّك. كلاّ يا سيّدي العزيز! الله بنفسه يأتي، الله بنفسه يحضر، يشعر بوجود الله يوم القيامة الكافر والمؤمن، نحن الآن لا نشعر به، الآن نقول لا وجود لله في هذه الجهة، جميع الناس موجودون، الرفقاء موجودون، الأصدقاء موجودون، أين هو الحيّز الذي يشغله الله؟ ولكن في يوم القيامة يُشعر بهذا المعنى. ما كنّا عنه غافلين وكان خفيًّا في ظهوره، فإنّه يتخلّى عن خفائه وبطونه يوم القيامة ويظهر. يشعر الإنسان بالله إلى جانبه. يجد وجود الله إلى جانبه. الله نفسه يقول: {وجاء ربّك} لا جاء أمر ربّك. فما معنى أمر ربّك؟! 

  • أو كما كان المرحوم العلاّمة يقول:{ من كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لآت}۱ من كان يسعى إلى لقاء الله فليعلم أنّ تلك المدّة ستنقضي. حسنًا الناس يقولون إنّ الله لا يقبل الرؤية، الله لا يقبل الزيارة، فإذن ليس لدينا لقاء لله، وهذه الأمور التي يقولها الدراويش والمتصوّفة والعرفاء وأمثالهم لا أصل لها. المقصود من لقاء الله لقاء النعم الإلهيّة، لمن يريد أن يرى النعم الإلهيّة في الجنّة وأمثال ذلك. كلاّ كلّ ذلك خطأ. فآية {من كان يرجو لقاء الله} وآيات القرآن لا تمازح أحدًا، كان بإمكان الله أن يقول: من كان يرجو لقاء نِعَم الله. ولكنّه لم يقل نِعَم الله. فيها {من كان يرجو لقاء الله} الله بذاته. 

  • وفي هذه الآية يقول:{ ذلك بأنّ الله هو الحقّ} الحق هو الله. يعني الحقّ في عالم الوجود هو عبارة عن الله، الواقع هو عبارة عن ذات الله. نحن لسنا حقًّا. المرأة ليست حقًّا، الزوج ليس حقًّا، الابن ليس حقًّا الأب ليس حقًّا، الأمّ ليست حقًّا، الشريك ليس حقًّا، البستان ليس حقًّا، العقار ليس حقًّا، المنصب ليس حقًّا، المال ليس حقًّا، لا شيء من ذلك حقّ. الحق هو الله فقط{ ذلك بأنّ الله هو الحقّ}. حسنًا فما هو الباطل؟ لقد أوضح لنا الله الباطل: {وأنّ ما يدعون من دونه الباطل}.٢ كلّ ما تدعونه سوى الله فهو باطل، كلّ ما هو سوى الله. إن كنت تسعى خلف غير الله فهو باطل، إن كنت تبحث عن غيره فهو باطل، أن تصرف ذهنك إلى غيره، فهذا باطل، تصرف اهتمامك إلى غيره فهذا باطل، الثانية الواحدة تشكّل فارقًا، في ثانية واحدة ـ عجيب جدًّا ـ ينصرف من الحقّ إلى الباطل ومن الباطل إلى الحقّ. يفكّر، يفكّر بشكل صحيح، يفكّر بشكل صحيح، فجأة في ثانية واحدة. 

    1. سورة العنكبوت، الآية٥. 
    2. سورة الحجّ، الآية ٦٢. 

الحقّ والباطل

13
  • كنّا ذات يوم في خدمة المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه وكان يتكلّم، فخطر في ذهن أحد الأصدقاء فكرة حول الأمور التي يقولها حول أحد الأحداث وأنّه يجب أن تقوموا بهذا الأمر وهذا الأمر وأن تسيروا في هذا الطريق، وكان يرتبط ذلك بطباعة كتبه والأمور التي كانت في ترتيب طباعتها. فقد كان هذا الرجل يفكّر هكذا، وهو لاحقًا أخبرني بذلك. كان يقول: كنت أفكّر هكذا أن نفعل هذا، وفجأة خطر في ذهني أن نراجع رجلاً معيّنًا لأجل تسهيل هذا الأمر ويكون هو واسطة. ما إن خطر هذا الأمر حتّى قال المرحوم العلاّمة: ولا تذهبوا أيضًا إلى أحد! 

  • لاحظوا. ثانية واحدة، أي المتابعة والملاحقة والذهاب لا بدّ أن يكون لله. فما معنى الواسطة؟! ما معنى أن يفعل ذلك لنا؟ ما معنى أن نقيم علاقات؟ فليس هذا الأمر أمرًا يحتاج إلى علاقات. هذه الأمور ليست كغيرها يتوسّل للقيام بها بأيّ طريق وبأيّ حيلة. هذا الطريق هكذا. إن تمّ من هذا الطريق فبها، وإلاّ فليبق وإلى مائة سنة بلا طباعة، يجب أن لا تقال كلمة واحدة أبدًا. 

  • ثانية واحدة، يعني ثانية واحدة ما إن فكّر بذلك تراجع عن ذلك الطريق، تراجع إلى الدنيا. فلنذهب إلى فلان ليساعد. ما رأيه في ذلك؟ هو لا يوافق على ذلك، لأنّ هذا الطريق حقّ. وفجأة يميل العقرب إلى هذه الناحية، وما إن يميل العقرب حتّى يدرك وليّ الله فيقول: التفت لا تذهب إلى أيّ مكان. إن حصل فبها وإلا فلا بأس. 

  • {وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل}، كلّ ما هو غير الله فهو باطل. انظروا ثانية واحدة، نيّة واحدة، وإن لم تكن هذه النيّة في مجال السرقة والاختلاس والرشوة، وكانت في سبيل القيام بهذه الأمور الإلهيّة. ولكنّ الأمور الإلهيّة ينبغي القيام بها ما دام الله حاضرًا فيها، وما إن يريد أن يبتعد عنها فإنّها لا تعود إلهيّة. تصبح كغيرها من الأمور، وذلك الكتاب يصبح جريدة، يصبح ذلك الكتاب صحيفة، يصبح ذلك الكتاب مجلّة، ويصبح هذا التبليغ لأجل أمور الدنيا، وهذا المنبر يصبح منصّة، وفقط تتغيّر صورته، هذه الأمور من على المنصّة وتلك من على المنبر، لا تختلف عنها بشيء، هي واحدة. 

الحقّ والباطل

14
  • وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل، كلّ ما هو غير الله فهو باطل. فإذن الله هو الحقّ، ذات الله هي الحقّ، لا طريقه، وإن كان طريقه حقًّا أيضًا. فحول الآية الشريفة:{ اهدنا الصراط المستقيم}۱ لدينا رواية تبيّن ما هو الصراط، اهدنا صراط الله المستقيم. الإمام عليه السلام يقول صراط عليّ حقّ نمسكه. يقول إنّ شأن النزول في هذه الآية هو هذه الجملة. صراط عليّ صراط الحقّ، ولا بدّ من التمسّك بهذا الصراط. فهذا المعنى هو معنى أيّ شيء؟ معنى اهدنا الصراط المستقيم٢

  • كيف تكون في صراط عليّ عليه السلام حقًّا؟

  • ولكنّ صراط أمير المؤمنين عليه السلام هذا متى يكون حقًّا؟ عندما أراعي في هذا الطريق حقيقة أمير المؤمنين. لا أن نقول بالاسم أمير المؤمنين ثمّ نسير في طريق مخالف لأمير المؤمنين لنحارب الولاية ونحارب العرفان ونحارب التوحيد. هذا الطريق طريق الشيطان، طريق الشيطان وإبليس لا طريق أمير المؤمنين عليه السلام. 

  • صراط أمير المؤمنين هو صراط السيّد أحمد الكربلائي، صراط السيّد حسن المسقطي، صراط السيّد القاضي، صراط الملا حسين قلي الهمداني، صراط الشيخ محّد البهاري، السيّد محمّد سعيد الحبّوبي. هؤلاء الأعاظم. هؤلاء هم الذين أدركوا حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام، وفي عملهم وفي درسهم عندما كانوا يقولون بسم الله ويشرعون لم يكن في أذهانهم سوى أمير المؤمنين عليه السلام، إلى أن يقولوا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عندما يصلّون فإنّهم يصلّون صلاة الجماعة على ذكر أمير المؤمنين ويختمونها على أمير المؤمنين. فهل هذه الصلاة هي وصلاة الجماعة التي تقام قبل شروق الشمس بربع ساعة في صحن أمير المؤمنين عليه السلام واحدة؟ قبل ربع ساعة من شروق الشمس قبل عشرين دقيقة. ثمّ نقول نحن أتباع أمير المؤمنين ونعمل لبقاء الحوزة! نريد أن نحافظ على الحوزة؟ أيّ حوزة؟ الحوزة التي زعماؤها هكذا؟ أهذا الطريق طريق أمير المؤمنين أم طريقه أن تصلّي صلاة الصبح عند أوّل طلوع الفجر سواء بجماعة أم بغير جماعة. من لم يأت إلى الجماعة فكما يريد، وعليهم أن لا يقولوا ليصبر وأمثال ذلك. ما معنى هذا الكلام؟ يريدون أن يقتدوا بك هم مخطئون إذ يريدون ذلك، لا معنى لذلك، قوموا واقتدوا بإمام الجماعة ذاك. تتركون الصلاة في أوّل الوقت بحجّة أنّ عددًا من المصلّين يريدون الاقتداء به، هذا عبث. أو اصبر حتّى يخرج الناس من بيوتهم، بل الناس يريدون أن يصلّوا صلاة الصبح بعد طلوع الشمس. 

    1. سورة الفاتحة، الآية ٦. 
    2. جاء في معرفة المعاد ج۸، ص ۷۸: روى في «تفسير الصافي» حول تفسير: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ نقلًا عن «معاني الأخبار» عن الإمام الصادق عليه‌السلام:
      هِيَ الطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، وَ هُمَا صِرَاطَانِ: صِرَاطٌ في الدُّنْيَا وَ صِرَاطٌ في الآخِرَةِ، فَأمَّا الصِّرَاطُ في الدُّنْيَا فَهُوَ الإمَامُ المُفْتَرَضُ الطَّاعَةُ، مَنْ عَرَفَهُ في الدُّنْيَا وَ اقْتَدَى بِهُدَاهُ، مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ الذي هُوَ جِسْرُ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ، وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ في الدُّنْيَا زَلَّتْ قَدَمُهُ عَنِ الصِّرَاطِ في الآخِرَةِ فَتَرَدَّى في نَارِ جَهَنَّمَ.
      و جاء في رواية اخرى: نَحْنُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ. («تفسير الصافي» ص ٥٤، تفسير سورة الحمد؛ طبعة المكتبة الإسلاميّة).
      و جاء في بعض الروايات: هُوَ صِرَاطُ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. («شواهد التنزيل» للحاكم الحسكانيّ، ج ۱، ص ٩٢)
      و روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام: إ نَّ الصِّرَاطَ أمِيرُالمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ‌السَّلَامُ. («تفسير الصافي» ص ٥٤، تفسير سورة الحمد؛ طبعة المكتبة الإسلاميّة.)
      قال المرحوم المحدّث القمّيّ: أقول: جمعوا الحروف المقطّعات من أوائل سور القرآن و حذفوا المكرّرات منها، فصار تركيبها: عَلِيّ صِرَاطُ حَقٍّ نُمْسِكُهُ، أو: صِرَاطُ عَلِيّ حَقٌّ نُمْسِكُهُ. («سفينة البحار» مادّة صرط، ج ٢، ص ٢۸.)

الحقّ والباطل

15
  • عندما يؤذّن أمير المؤمنين بنفسه في أوّل الفجر ويصلّي فبأيّ حقّ يؤخّر من يعدّ نفسه تابعًا لعليّ عليه السلام الصلاة إلى ما قبل طلوع الشمس بنصف ساعة؟! لماذا؟ فلتضرب إمامة الجماعة تلك التي تكون على خلاف مسير أمير المؤمنين، أيّة إمامة جماعة هذه؟ ولكنّ المرحوم القاضي ماذا يقول؟ يقول: صلّ أوّل الوقت. إن جاء الناس فبها وإن لم يأتوا فشأنهم. ماذا قال الله؟ ماذا قال الله هنا؟ هل قال اصبر حتّى يجتمع المؤمنون؟! اصبر حتّى يحضر المؤمنون ولو تأخّرت الصلاة؟! لقد قال الله: قل الله أكبر في أوّل الوقت حتّى وإن لم يكن خلفك حتّى مصلّ واحد فليكن، فليكن. وإن لم يكن حتّى مصلّ واحد. ماذا قال أمير المؤمنين؟ هل كان يصبر أمير المؤمنين حتّى يأتي كلّ أهل الكوفة إلى المسجد؟ أهكذا كان؟ إن كان كذلك حسنًا فنحن مثله. أم لا بل كان يؤذّن ثمّ يصلّي ركعتين صلاة النافلة ثمّ يقول الله أكبر. إن كان هناك مصلّ واحد فجيّد، وإن كان هناك ألف مصلّ فنحن نصلّي. لماذا نريد أن نبحث عن الناس؟ لماذا لا يبحث الناس عنّا؟ من قال؟! ما معنى اصبر؟! لقد قال المرحوم العلاّمة في حياته لرجل أنّه عند الصلاة يجب إغلاق المتجر والقيام للصلاة. أذكر بشكل دقيق، بشكل دقيق، لقد كان لذلك الرجل متجر لبيع أدوات الخياطة قرب المسجد. وكان يوم عيد الغدير، جاء المرحوم العلاّمة إلى الصلاة ـ ورغم أنّه كان قد أكّد عليه أن لا تفوّت هذا اليوم من يدك ـ جاء إلى الصلاة صلّى صلاة الظهر، ثمّ صلّى صلاة العصر أيضًا. وبينما كنت أخرج رأيت ذلك الرجل في مكان الوضوء يتوضّأ ويلطم على رأسه أن يا ويلي! هل رأيت هذه الدنيا، لقد منعتني اليوم من الصلاة يوم عيد الغدير وصلاة السيّد. تفضّل! تفضّل هذه نتيجة الدنيا. فهل يؤخّر السيّد صلاته نصف ساعة لأجل هذا الرجل حتّى يجيب الزبائن، لا معنى لذلك. 

  • هذا معنى {وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل} يعني عندما تساعد الزبون في وقت الصلاة فهذا باطل. انتهى الأمر. عندما تريد أن تعمل في وقت الذكر عملاً آخر فهذا باطل، انتهى. عندما تريد أن تعمل في وقت الذكر عملاً آخر فهذا باطل وانتهى الأمر. إذا لاحظت غير الله في القيام بهذا العمل لأجل مصالح فغير الله يصبح [مصداقًا لـ] يدعون من دونه، طلب غير الله باطل، انتهى الأمر. 

الحقّ والباطل

16
  • والكلام هو في أنّ الباطل لا يبقى. والدليل على ذلك أنّا نأتي ونلطم على رؤوسنا أن يا ويلنا! لأجل ماذا؟ لأنّا حصلنا في ذلك اليوم على ألف تومان. واقعًا كم يجب أن يكون الإنسان شقيًّا وعديم الحظ، بحيث يدعها الإنسان هكذا بعد أن وضعت أمامه بالمجّان ويعمل بأمور أخرى. هكذا بكلّ سهولة، وضعوها أمامنا بكلّ سهولة أن هذا حقّ وهذا باطل. 

  • لذلك تقول الآية الشريفة:{ ذلك بأنّ الله هو الحقّ}. فالحقّ هو عبارة عن الله،{ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل}. فكلّ ما هو غير الله فهو باطل، كلّ ما يريده الإنسان غير الله وكلّ ما يطلبه غير الله. فهذا المعنى هو معنى الحقّ والباطل بشكل مختصر ومضغوط. 

  • وإن شاء الله في الجلسة القادمة سنوضّح كيفيّة تطبيق الله ورضاه في الأفعال والأعمال وكيفيّة الاجتناب عن الباطل وأنّه بأيّ صور يأتي. وواقعًا عجيب كيف تبيّن الآية الشريفة هذا المعنى خير بيان. 

  • ما معنى وقدمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباء منثورًا؟

  • وفي آية أخرى يقول:{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}.۱ كلّ عمل عملوه في هذه الدنيا فإنّا نعرضه في عالم القيامة هذا، نبيّنه كلّه، ثمّ بعد أن نحضره ونبيّنه {جعلناه هباء منثورًا} نجعله منتشرًا في الهواء كالقطن ونقضي عليه ولا ندع لهم أثرًا له يوم القيامة. كافّة الأعمال التي قاموا بها في هذه الدنيا، هذا للمجرمين! هذه الآية كما كان الأعاظم يقولون هي واقعًا من الآيات التي تقشعرّ لها الأبدان. فما معنى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}؟ يعني تلك الأموال التي سرقناها في هذه الدنيا، نأتي بها يوم القيامة؟ هذه أصلاً لا تستحقّ. ذلك الكذب الذي كذبناه في هذه الدنيا نأتي به؟ هل ذلك القمار الذي عملوه في الدنيا نأتي به؟ نعوذ بالله. الذنوب والمحرّمات التي ارتكبناها في الدنيا، هل هذا ما يحضر؟ هذا هو المعنى؟ فهذا لا يستحقّ أن يجعل هباء منثورًا، هذا من البداية أمره منتهٍ.

  • ماذا تريد هذه الآية أن تقول؟ هذه الآية تريد أن تنبّهنا على أنّ هذا الأعمال التي كنت تظنّها خيرًا في الدنيا ولها صورة ظاهريّة مقبولة والعمل الذي يمكن أن يكون بحسب الظاهر في ميزان الأعمال فإنّا نأتي به يوم القيامة وننثره بحيث لا يبقى منه شيء. لماذا لا يبقى؟ لأنّه كان باطلاً، ظاهره كان مقبولاً، ظاهره صلاة، ولكن يوم القيامة نبيّن حقيقة هذه الصلاة ونجعلها هباء منثورًا. كان ظاهرها تبليغًا للدين، ولكن في يوم القيامة يعدّ هذا التبليغ للدين تبليغًا للشيطان، ظاهر هذا العمل كان لله، هذا العمل كان لخدمة الناس، لأجل صحّة الناس وسلامتهم، لأجل رفاهية الناس وراحتهم، ولكنّا نأتي بذلك العمل يوم القيامة ونبيّن باطنه ونريك إيّاه، فإذا رأيته{ جعلناه هباء منثورًا}. يبقى الإنسان وحيدًا فريدًا. لا يبقى له شيء آخر. لقد تعبتُ في هذه الدنيا إلى هذا الحدّ لقد خدمت الناس إلى هذا الحدّ، لقد عالجت المرضى إلى هذا الحدّ، لقد بلّغت إلى هذا الحدّ، في جميع الفنون عملت هذا، قمت بهذا، ولكن عندما ينتقل إلى ذلك العالم يرى أنّه لا خبر عن ذلك. 

    1. سورة الفرقان، الآية ٢٣.

الحقّ والباطل

17
  • {والوزن يومئذ الحقّ} ۱، الوزن والميزان يوم القيامة على أساس الحقّ، فما معنى ذلك، بضميمة الآية الأخرى التي تقول: {ذلك بأنّ الله هو الحقّ }يعلم أنّ الحقّ في ميزاننا هو العمل الذي يكون هو الله، العمل الذي يهتمّ به في الميزان هو العمل الذي يكون الله فيه. 

  • والآن أطرح على الرفقاء سؤالاً: هل يقدم العاقل في هذه الدنيا على إتعاب نفسه، يبتلي نفسه ويتعبها ثمّ تكون جميع أعماله هناك هباء منثورًا؟ العاقل لا يفعل ذلك. فإذن إمّا أن لا يفعل الإنسان شيئًا أصلاً فلا يقال له هباء منثورًا هناك، وإمّا أن يقوم بعمل صحيح، يفكّر قليلاً فيما حوله حين العمل، ليختبر نفسه دائمًا وليجعلها على المحكّ. عندما يتكلّم، وعندما يتعامل مع المريض، وعندما يتعامل مع الناس في مؤسّسة ما، عندما يتعامل مع أفراد أسرته في المحيط الأسريّ، عندما يتعاطى مع أعماله، عليه دائمًا أن لا يغفل عن النقاط الخفيّة التي في داخلنا والتي تأتي الضربات منها على نوايانا وأفكارنا وضمائرنا. عليه أن يكون دائمًا في مقام التغيير والتحوّل والاختبار.

  • لقد انتهى الوقت وإن شاء الله ـ كان الكلام اليوم مختلفًا شيئًا ما عن الأيّام الأخرى ـ وإن شاء الله ستأتي تتمّة الكلام حول كيفيّة معرفة الحقّ وكيفيّة معرفة الباطل وأنّه كيف يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ على الإنسان أن لا يقضي عمره باطلاً وما هي برامج أولياء الله وأوامرهم في هذا المجال.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد 

  •  

    1. سورة الأعراف، الآية ۸.