السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةحاجة السلوك إلى التوفيق الإلهي

العدد التسلسلي146


الخلاصة

خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
/۲۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • السالك لا يلحظ إلّا الحقّ ولا يُرتّب الأثر إلّا عليه

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۱٤٦

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين

  •  

  •  

  • قال عنوان البصريّ للإمام الصادق عليه السلام: «يَا أبَا عَبْدِ اللهِ، أوْصِنِي». قَالَ الإمام: «أوصِيكَ بِتِسْعَةِ أشْيَاءَ، فَإنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إلى اللهِ تعالى، وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ».

  • طلب عنوان مِنَ الإمام أن يعطيه برنامجًا عمليّا وأن يوصيه بما يعينه على تنفيذ التعليمات والأوامر الّتي أمره بها سابقا. فقال الإمام: راع هذه الوصايا التسع، فهي وصيّتي لك ولكلّ مَنْ يريد طيّ الطريق إلى الله تعالى.

  • قلّة الكلام من مقوّمات السلوك

  • يُستفاد مِنْ كلام الإمام عليه السلام أنَّ طيّ الطريق إلى الله يختلف عن الالتزام بالتعاليم الإسلاميّة الظاهريّة. فجميع المسلمين يدّعون أنَّهم مسلمون وأنَّهم يعملون بموجب التكاليف الّتي أوجبتها الشريعة الإسلاميّة، غير أنَّنا نرى الإمام يقول هنا: إنَّ هذه الوصايا التسع هي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، أي هي للّذين يهدفون إلى طيّ الطريق إلى الله.

  • ومِنَ الواضح للإخوة الّذين قرؤوا هذه الرواية عدّة مرات، أنَّ الكثير مِنَ التعليمات الّتي جاءت فيها ليست مِنَ الواجبات، فمَنْ لا يلتزم بها لن يَفسُدَ إسلامه الظاهريّ. ومِن أمثلة ذلك مسألة قلّة الكلام، إذ تقليل الكلام ليس واجبًا على المسلم. فها نحن نرى البعض يتكلّم ويتكلّم كمحرك السيّارة الّذي يبدأ بالعمل حال تشغيله ولا يتوقف ما لم يتمّ إطفاؤه، هكذا هو حال البعض؛ فإن جلس في مكان ما وبقي صامتًا لا يتكلّم سيشعر أنّه فاقد لشيء. وإن حضر مجلسًا، فلا بدّ أن يبدأ بالكلام – كما نرى ونشاهد ذلك في المجالس – فإن بقي صامتًا لمدّة ساعة سيشعر أنَّ وقته ذهب هباءً.

  • في السنة الّتي زار المرحوم السيِّد الحدّاد رضوان الله عليه إيران، أتذكّر أنّ أحد المؤمنين مِنْ أصدقاء المرحوم العلّامة دعانا لتناول طعام العشاء، وكنتُ حينها صغيرَ السنِّ، وقام هذا الرجل ولهدف في نفسه لا أعرف له حكمة – شأنه في ذلك شأن بقيّة الأعمال الّتي يقوم بها عادةً – بدعوة رجل له علاقة محدودة بالمرحوم العلّامة – ولا أدري إن كان لا يزال حيّا أم توفّيَ، فإن كان حيّا سيكون مِنَ المعمّرين الآن – مع أنّه لا يوجد أيّ تناسب بين طبيعة ذلك الرجل مِنْ جهة وبين السيِّد الحداد وهذا المجلس مِنْ جهة أخرى. لقد كان الرجل ثرثارًا، فما إن يجلس في مكان حتّى يبدأ محرّكه بالعمل، أي يشرع بالكلام في هذا الموضوع وذاك.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

3
  • لقد كان الجميع جالسين، وكنتُ أجلس جنب المرحوم العلّامة حينها، وكان الهدوء يخيّم على ذلك المجلس، وهو ممّا يقتضيه الحضور لدى رجل عظيم [كالسيّد الحدّاد]؛ حيث يُفترض أن يُراعى السكوت حتّى يتمركز الذهن ويُجتنب تشتيت الخاطر؛ فما يمكن أن يحصل عليه المرء مِنْ هذا السكوت، لا يمكن أن يحصل على مثله بالكلام. ولقد ذكرتُ هذا الأمر للإخوة مرارًا: أنّ الأمر لا يُنال بكثرة الكلام .. وها هو المرحوم العلّامة قد ألّف سبعين مجلّدًا، فمَنْ عمل بما جاء فيها ؟ ومَنْ أصغى لَمَا ورد فيها ؟ فمَنْ يقرأ مقطعًا واحدًا ممّا جاء في تلك الكتب ليلًا ويعَمِلُ بموجبه في اليوم التالي، سيصل إلى مطلوبه.

  • فكم تحدّث المرحوم العلاّمة وبيّن المطالب، وبحسب تعبيره: «لقد أمضيتُ واحدًا وعشرين عامًا في طهران»، كان مشغولًا فيها بالخطابة والوعظ وإقامة المجالس، كمجالس أيّام الجمعة وغيرها. ولقد قال عدّة مرّات: إنَّ ما طرحته على الإخوة مِنْ مطالب يفوق بكثيرٍ المقدار الّذي يحتاجون إليه بالفعل، وهو يزيد بأضعافٍ مضاعفة عمّا يحتاج إليه السالك مِنْ تعليمات وبرامج تساعده على الحركة والسير في الطريق. وقد رأيتم بأنفسكم ما الّذي حصل عندما تعرّضوا لأحد الامتحانات.

  • وبينما كنَّا جالسين شرع ذلك الرجل بالكلام؛ وهو رجل معمّم وكان بعمر المرحوم العلّامة وشاركه في بعض الفعّاليات الّتي وقعت عام ۱۳٤۲ هجري شمسي ضمن أحداث الثورة الإسلاميّة، إذ كان يعمل ضمن المجموعة الّتي ضمّت المرحوم العلّامة والمرحوم الشيخ المطهري بالتنسيق مع السيِّد الخمينيّ، فحصل منذ ذلك الحين ارتباط وعلاقة بين المرحوم العلّامة وهذا الرجل. ويا له مِنْ أمر عجيب، نعم يا له مِنْ أمر عجيب .. لقد تذكرتُ الآن ما قاله المرحوم العلّامة بحقه، إذ هذا الرجل كان قد ذهب إلى فرنسا لدراسة القانون، نعم ذهب هناك لدراسة القوانين الأجنبيّة وعاد بعدها، وعندما سمع المرحوم العلّامة بذلك قال: يبدو أنَّ قوانين الإمام جعفر بن محمّد الصادق لم تفِ بالغرض الّذي ينشده، فذهب لدراسة قوانين الكفر. أرأيتم كيف يتفاوت الأمر [بين النهجين]. ثمّ لا أدري ما الّذي حصل له بعد ذلك، ولا أدري إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا.

  • فبدأ هذا الرجل [المعمّم] بالكلام قائلًا: إنَّ المجلس يمضي بالسكوت – وطبعًا لم يكن الرجل ليخجل مِنْ تصرفه ذاك، فيا غبيّ إن تمّت دعوتك لحضور المجلس فاجلس مكانك ولا تتكلّم – ها هو المجلس يمضي بالسكوت، ولقد بذل المُضيف جهدًا فلا تُفسدوا عليه جهوده بهذا السكوت، فلْيُطرح موضوعٌ علميّ للبحث والمناقشة لكي لا تذهب جهود المُضيف هباءً ولكي يحلّ لنا أن نأكل طعامه. ما شاء الله على هذا العقل الوقّاد الّذي يمتلكه وعلى هذا الفهم والمعرفة !! لاحظوا ماذا يقول في محضر ذلك الرجل العظيم، يقول: لو لم يتمّ طرح موضوع علميّ في هذا المجلس سيحرم علينا تناول الطعام. [أقول: نظرًا لمستوى فهمك] فلعلّه يحرم عليك أنت بالذات أن تأكل حتّى الشعير !! انظروا إلى هذا النوع مِنَ التفكير .. يا جاهل إنّك في مجلسٍ يحضره مَنْ هو أفضل وأفهم وأعلم منك .. ألاحظتم ؟!

  • نعم، إنَّ أمورنا لا يمكن أن تصلح بالكلام فقط، بل يتطلّب الأمر فهمًا وعملًا وطاعًة ويتطلّب كلّ ما على الإنسان أن يتعلّمه ويستوعبه بقلبه وروحه ويتطلب العمل بموجبه. فنحن لسنا بأشرطة تسجيل صوتي .. انظروا إلى أجهزة تسجيل الصوت الموجودة هنا الآن، فما هو عملها ؟ إن عملها هو تسجيل الصوت، وليس لها أيّة مهمّة وراء ذلك، كما أنّ عملها هذا لا يستوجب تميّزها. أمّا نحن فنتمتّع بالعقل والوجدان والقلب والبصيرة، ولقد جُعل وعاؤنا الوجوديّ وعاءً قادرًا على تلقّي الحقائق وعلى إيصال القابليّة إلى مرحلة النضج والإثمار، فكيف يجوز لنا – والحال هذه – أن نتخلّى عمّا خُلقنا عليه، وأن نبدّل

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

4
  • أنفسنا إلى جهازِ تسجيلٍ صوتيٍّ همّنا الاستماع والحضور في المجالس المختلفة وطَرْق أبواب هذا وذاك، والحال أنّ ليس هذا هو المطلوب منَّا، فلا يمكننا الحصول على ما نريد بمجرد حضور المجالس.

  • إحياء الذِّكْر وسلوك الطريق لا يكون بالأفعال الصوريّة

  • لقد أكّد الإمام الصادق وباقي الأئمّة عليهم السلام كثيرًا على إحياء ذِكْر الله والأئمّة، حيث قال: رحم الله عبدًا أحيا ذكرنا۱. وإحياء الذِّكْر لا يتمثّل بنداءات يا حسين يا حسين، ولا بلطم الرؤوس وتعليق الأعلام .. إذ لا يُنظر لتلك الأعمال على أنَّها إحياء للذكر، بل هي أفعال صوريّة ظاهريّة ليس إلّا. فإحياء الذِّكْر يتمثّل في الإرشاد والتوعية وتدليل الناس على كلّ ما يُرضي الإمام عليه السلام، وهو يتمثّل في تبيين مواقف المذهب الشيعيّ والعقائد الّتي وصلتنا عن الأئمّة عليهم السلام. فإن قمنا بهذا العمل، سيتشجع الآخرون للسير على خُطى الإمام عليه السلام، نعم، إن قمنا بهذا العمل – ولا اقصد نفسي هنا – سنكون قد أحيّينا ذِكْرهم. وبعبارة أخرى: يجب إقامة المجالس الّتي تُبيّن فيها كيفيّة اتّباع الشيعيّ لمباني مدرسة الأئمّة عليهم السلام، سواء كان الحضور رجلين أو مائة أو مليون رجل، إذ ليس ذلك بالأمر المهمّ. هذا هو معنى إحياء الذِّكر، أمّا أن يكون المجلس عبارة عن أشعار ونَوْح وبكاء، فلا فائدة ترجى منه. وينطبق هذا الأمر على مجالس الأعياد والاحتفال بموالد الأئمّة أيضًا.

  • إنَّ المجلس الّذي يتمّ فيه بيان المنهج الصحيح الّذي يجب أن يُتّبع، ويجري فيه تصحيح معتقدات الناس وتعليمهم كيفيّة اتّباع أوامر الأئمّة المعصومين عليهم السلام، هو المجلس الّذي يعتبر إحياء للذِّكْر. أمّا المجلس الّذي يتمّ فيه تكرار مجموعة مِنَ الألفاظ المجعولة – هذا إن لم تُستعمل ألفاظ اعتباريّة ووهميّة ومحرّمة – فليس بمجلس ذِكْر. ونحن نرى البعض كيف يُقيم مجلسًا بمناسبة تتعلّق بأحد الأئمّة، ثمّ يقوم فيه بمدح وتمجيد فلان والدعاء له. فإن كنتَ صادقًا فيما تدّعيه فقم بتشكيل مجلسٍ وادعُ لشخص آخر غيره .. فهل حدث شيء مثل هذا يومًا ؟! إنّ مجالس احتفالاتنا بأعياد ميلاد الأئمّة عليهم السلام إنَّما هي لكسب الوجاهة لدى الآخرين !

  • بعد ارتحال المرحوم العلّامة تنبّهتُ لأمر باطل كان على وشك الحصول، فعملتُ على منع وقوعه أصلًا. وذلك عندما قام أحد عباد الله بإقامة المجالس تحت عنوان أداء نذرٍ تارةً في الأيّام الفاطميّة وأخرى في ولادة أو شهادة أحد الأئمّة. وعلى كلّ حال، كان عنوان النذر عذرًا جيّدًا يَسهُل استغلاله لكون أداء النذر مِنَ الواجبات. أجل، لقد كان ذلك الشخص يدعو الناس لتناول طعام الغداء في بيته بحجة أداء النذر، فقلتُ له: إن كنتَ قد نذرت نذرًا، فأعطني المال وسأعمل أنا على أداء هذا النذر بدلًا عنك وبالشكل الّذي تنال منه عشرة أضعاف ما يمكن أن تناله مِنَ الأجر فيما لو كنت قد أدّيته بنفسك .. أليس هدفك مِنْ ذلك النذر هو كسب الثواب ؟ سأُقيم مأدبة النذر هذه في منزل رجل آخر وستكون قد أدّيت نذرك هذا بهدف كسب رضا الله لا غير. طبعًا لم يعطني فلسًا واحدًا ! ثمّ توقفت المجالس عند ذلك، ولكن ابتدأت أعمال أخرى [تظهر].

  • فعندما تُكتشف النوايا المبيّته تظهر الحقيقة، وحينئذٍ سيتمّ الالتفاف مِنْ جانب آخر. فما يقومون به لا يتعدّى كونه مجموعة ألاعيب ومسرحيات يجري تنفيذها تحت عنوان النذر. فإن كنت صادقًا في نيتك يا هذا، فليُقم المجلس في بيت غيرك بدون أن يعلم أحد [بالنذر وصاحبه]، وستكون قد أدّيت نذرك

    1. ) وسائل الشيعة، ج ۱۳، ص ۲۱.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

5
  • وبرّأت ذمتك، وأنا أعرف حكم هذه المسألة مِنَ الناحية الشرعيّة، فإن تعرضت لمساءلةِ الملائكةِ يومَ القيامة، فقل لهم: لقد سألت فلانًا عن الحكم الشرعيّ فاذهبوا إليه و طالبوه.

  • إن الله لا يتوانى عن امتحان العبد، وهو يكشف نواياه، ويبيّن له مواطن نقصه ونقاط الضعف. وهنا يأتي واجب الأستاذ، إذ هو مَنْ يقوم بترميم مواطن النقص لدى تلميذه. كنتُ أرى هذه الأشياء في عهد المرحوم العلّامة – وإن كنتُ لا أرى نفسي أحد تلامذته أصلًا – نعم كنتُ أرى الكثير منها، ولم تكن في حينها قابلة للفهم مِنْ قِبَلي .. لقد كان لها صور ظاهريّة مغايرة، فكنتُ أتعجّب ممّا أرى وأقول في نفسي: لماذا يقوم بعمل كهذا ولأجل مَنْ ؟ وسبب ذلك أنني عندما أتصوّر نفسي مكانه أرى أنّني ما كنتُ لأفعل ما فعله.

  • مثلًا، كنتُ أرى رجلًا صالحًا ينوي القيام بعمل بقصد القربة لله وليس لديه أيّة نيّة سوء، غير أنَّني أرى [العلّامة] يتصرّف في قضيّته بشكل يجعلني أتساءل في نفسي عن السبب الكامن وراءه، ثمّ تتضح لي الحكمة مِنْ تصرّفه هذا بعد عدّة سنين. إنَّ مَنْ كان يتصرّف بتلك الشاكلة هم أولياء الله الّذين امتلكوا عين البصيرة والباطن المطّلعون على كافة الزوايا والخفايا. أمّا نحن فليس لدينا أيّ اطّلاع عليها، ولهذا ترانا نتصرّف تلك التصرّفات. لماذا ؟ لأنَّ الاطّلاع على تلك الخفايا يستلزم عينًا أخرى غير هذه العين، ويتطلّب بصيرةً مِنْ نوع آخر، وهو ما لا أمتلكه أنا.

  • ولهذا السبب – كما ذكرتُ للإخوة والأصدقاء في المجالس السابقة – لا يمكن تحصيل الأمر بكثرة الكلام، بل لا بدّ مِنَ العمل، فإن عَمِلَ الإنسان سيصل، وإلّا فلو أمضى عشرة سنوات مِنْ حياته لا بل ألف سنة وهو يتصرّف بتلك الكيفيّة سيبقى في المرتبة الّتي هو فيها ولن يتكامل أبدًا. فإن قيل لأحدكم أن لا يقوم بهذا العمل فعليه ألّا يقوم به، وإلّا لن ينفعه ارسال الرسائل وإن بلغت ألف رسالة بل عشرة آلاف. فإن أُمر بالقيام بعملٍ ما فعليه القيام به، أمّا إن حاول التملّص والزيغ يمينًا وشمالًا فلن ينفعه ذلك، والإنسان لا يأمر بخلاف ما يعلمه ويدركه، بل يتوجّب عليه أن يأمر بما يعلم أنَّه صواب، فمَنْ شاء فليعمل ومَنْ لم يشأ فليترك.

  • كان المرحوم القاضي رضوان الله عليه يكرّر قول: لا يصلح أمر الإنسان عن طريق الإتيان بالأذكار وحدها، بل لا بدّ مِنْ اقتران ذلك بالمراقبة لكي يؤتي الذِّكْر ثماره. ولكنّنا ندع المراقبة جانبًا ونشتغل بالأذكار عوضًا عنها، ثمّ ننتظر ليحصل لنا أمر خارق للعادة، ونلجأ إلى المسائل المعقّدة والمبهمة كأن ننتظر أن تمتدّ لنا يد مِنْ عالم الغيب أو أن تشملنا رعاية ومشيئة خاصّة فتنقذنا .. إن كنَّا نفعل ذلك فستبقى أمورنا على ما هي عليه.

  • تربية النفس حاجةٌ ومطابقة الفعل للقول لازمٌ

  • يرى البعض عدم جدوى السلوك والمراقبة، ويرون عدم لزوم الاهتمام بها .. فأولئك الّذين كانوا ينتقصون مِنْ أمثال المرحوم القاضي وأولياء الله، ويقولون كلامًا باطلاً وفارغًا وتافهًا، [أقول لهم:] أيّ عمل مِنْ أعمال المرحوم القاضي يمكن الاعتراض عليه والانتقاص منه ؟! لقد كان على درجة مِنَ التعبّد بالشريعة بحيث جعلتْ مِنْ معانديه يقولون أنّه مُراء، أي أنّه يفعل تلك الأعمال فقط عندما يكون في

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

6
  • مرأى مِنَ الناس، ويقولون: هل يمكن أن يكون المرء على هذه الدرجة مِنَ التعبّد ؟! [أقول] إن كنتم لا تريدون الالتزام بتعاليم الشريعة فلا تلتزموا، ولكن لماذا تشوّهون سمعة الآخرين ! فأنتم بعملكم هذا تشوّهون سمعة أنفسكم. وإن كنتم منحطّي المكانة فلماذا تعملون على الحطِّ مِنْ مكانة الآخرين ! إنَّ السبب في ذلك يرجع إلى أنَّكم لا تريدون أن تلتزموا بالحقّ، وتريدون أن تمضوا حياتكم اليوميّة على المنوال الّذي أنتم عليه، ولا تريدون العمل بموجب ما أوصى به الإمام الصادق، الإمام الّذي قال أنّ تلك المواضيع الّتي طرحتها [على عنوان البصريّ] ليست لجميع الناس بل هي خاصّة لمريدي الطريق إلى الله تعالى۱.

  • فالّذي يقول في رسالته العمليّة أنّ التحنّك في الصلاة مستحبٌّ استحبابًا شديدًا ، وهو لا يلتزم بذلك عندما يقف أمام الكاميرا ويصوَّر أثناء الصلاة، فمِنَ الواضح أنَّه لا يريد أن يتّبع مذهب الإمام الصادق. فمَنْ هو الّذي يريد أن يتّبع مذهب الإمام الصادق ؟ إنَّه الرجل الّذي يلتزم عمليّا بكلّ ما يقوله الإمام. كان المرحوم العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه يقول: لقد أوصانا المرحوم القاضي في حياته بضرورة التحنّك في الصلاة، وهو الأمر الّذي نُسخ وللأسف الشديد في هذه الأيّام، وأنا أرى القليل مِنَ الناس يتحنّك في صلاته، والحال أنّ الأمر لم يكن يجري على هذا المنوال في السابق، بل كان أكثر الناس – حتّى العاديِّين منهم – يتعمّمون في صلاتهم ويتحنّكون. لقد كان المرحوم العلّامة يوصي جميع تلامذته، تاجرهم وكاسبهم وغيرهم، بلبس العمامة في الصلاة .. وليس مِنَ الضروري أن يكون طول العمامة عدة أمتار وأن تكون مطويّة على هيئة العمائم [المتعارفة] الّتي نضعها على رؤوسنا، بل يكفي أن تكون بشكل لفتين وحنك، وهكذا كان شكل العمائم في عهد الأئمّة.

  • إنَّ الصلاة بعمامة تختلف كثيرًا عن الصلاة حاسر الرأس، غير أنَّه لا يوجد الآن مَنْ يطيع الأمر ويلتزم بلبس العمامة. يقول العلّامة الطباطبائيّ: كنتُ أصلّي صلاة المغرب يومًا، وكان ذلك بعد ارتحال المرحوم القاضي، وكانتْ العمامة على رأسي وقد نسيتُ التحنّك بها ، وما إن كبّرت تكبيرة الإحرام حتّى شعرتُ بفتحة الباب، فدخل المرحوم القاضي متوجّهًا نحوي، وكنتُ في نصف سورة الحمد عندما وصل إليّ فقام بفتح حنك عمامتي ثمّ انصرف.

  • فهل نستطيع أن نصل إلى ما وصلوا إليه، أم أنَّ الخطّ الّذي يسير عليه أولئك الّذين بلغوا المقامات يختلف عن الخطّ الّذي يسير عليه غيرهم. فصلاة ذلك الرجل الّذي يقف بانتظام ما دام يُصوَّر، هي صلاة لأجل كاميرا التصوير وليست لله .. فأنت تصلّي للكاميرا يا هذا، وإن كنتَ تُطرق رأسك إلى الأرض أثناء الصلاة [أمام الكاميرا]، ولكن هل تفعل ذلك عندما تصلِّي في البيت وحدك ؟!

  • إنَّ المرحوم القاضي وباقي أولياء الله لا يفعلون هذه الأمور، فلا تفْرق صلاتهم سواء كانتْ أمام الناس أو في خلوتهم. نعم هم يراعون بعض الأمور [مِنْ جهة] أخرى؛ فالمرحوم الشيخ الأنصاريّ [مثلًا] كان يؤدِّي صلاته في المسجد بشكلها المعتاد، أمّا في خلواته حيث لا يراه أحد فكان يؤديها بكيفيّة وخصوصيّة أخرى. فهؤلاء هم مصداق مَنْ [خصّهم] الإمام الصادق بوصيّته عندما قال: (فإنَّها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى)، فالوصية هنا تعني الوجوب. فإن التزمنا بوصيّة الإمام سنكون مشمولين بكلامه عليه السلام، وإلّا فلا. وهذا ممّا لا شكّ فيه أبدًا، لأنَّ القائل هو الإمام الصادق لا غيره مِنَ الناس، وكلام الإمام المعصوم لا يقبل النقض، فيكون هو الضامن. فالإمام هو الّذي قال: هذه وصيتي – إشارة إلى وصايا الإمام التسع – لمريدي الطريق إلى الله تعالى، فمَنْ عَمِلَ بموجبها يكون

    1. ) إشارة لوصيّة الإمام الصادق × لعنوان البصريّ حيث قال (فَإنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إلى اللهِ تعالى). (م)

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

7
  • مشمولًا لها، ومَنْ لا يريد العمل بها فليس كلامي موجّه إليه أساسًا ولا شأن لي به سواء كان مِنْ أهل العلم أم شخصًا عاديّا. إنَّ مشكلتنا – كما قلتُ – تكمن في تقصيرنا في العمل بموجب الوصيّة واستهانتنا وعدم الاهتمام بها.

  • كنتُ أطالع قبل ليلتين أحد مؤلّفات المرحوم العلّامة لسببٍ ما، فاستوقفتني إحدى فقرات الكتاب، فقرأتها ووضعت الكتاب جانبًا واستغرقتُ في التفكير بشأنها لمدة ساعة كاملة إلى أن غلبني النعاس. فتلك المواضيع الّتي كتبها الرجل إنَّما كتبها لنا، لنستفيد منها في يومنا هذا، ولكنّنا لا نعيرها اهتمامًا فنضعها في بيوتنا لنتبرّك بها ونقنع أنفسنا بكفاية امتلاك مجموعة مِنْ كتبه، وقد نستفيد منها كمهر نقدمه لزوجاتنا عند العقد. [فإن سُئل أحدهم:] كم صفحة مِنْ هذه الكتب قد قرأت حتّى الآن. [لقال:] سأبدأ بقراءتها إن شاء الله. أَمِنَ الصحيح أن يجري الأمر بهذه الكيفيّة ؟ وإن سُئلنا: في أيٍّ مِنْ تلك الكتب يوجد الموضوع الفلاني .. أو ما هو رأي سماحته في موضوع كذا ؟ سوف نعجز عن الإجابة. علَيّ أن أقول هنا أنّ كتابات سماحته وجمعه لها بهذه الكيفيّة لهو أمر غير عاديّ وهو كنز غير قابل للوصف. فيجب علينا أن نُمْعِنَ التفكير في كتاباته وأحاديثه وخطاباته بشكل أكبر.

  • كان سماحته يقول: ما مِنْ شيء إلّا وتجدوه في هذه الكتب، وما مِنْ شيء إلّا وقلته لكم. فلا تتوهّموا أنّ القضيّة المهمّة هي القضيّة الغير العاديّة الّتي سيتحدّث عنها، وأنّ فتح الطريق للإنسان سيكون بأمر يطرحه في جلسة خاصّة، وأنّ الكفيل الأكيد لنجاحنا – كما بيّنتُ في المجلس السابق – هو فرصة اللقاء الخاصّ به .. كلّا يا سادة، فالأمر ليس بهذه الكيفيّة، بل إنَّ كلّ ساعة تمضي علينا هي وقت اللقاء الخاصّ، وكلّ لحظة تمرّ علينا هي لحظة حضور، وكلّ آنٍ نمرّ به هو آن شهودٍ. نعم، إنَّ الأمر ليس بالشكل الّذي تتصوّرونه، فلو تصوّرناه بتلك الكيفيّة نكون قد خرجنا عن الموضوع الأصليّ وأشغلنا أنفسنا بمواضيع عاديّة. على أنَّ هذا ليس بالأمر الجديد، فهكذا كانت تجري الأمور في عهد رسول الله وفي عهد أوليائه.

  • العقل وسيلة السلوك والابتعاد عن الاعتباريّات

  • قد نقلتُ لكم سابقًا حكاية الشخص الّذي التقط صورة للمرحوم القاضي – ولم يكن المرحوم القاضي يسمح لأحد بتصويره – ثمّ جلبها معه إلى مجلس المرحوم القاضي حين كان تلامذته جالسين حوله، فجلس الرجل في إحدى زوايا المجلس وأخرج الصورة، فهرع إليه [بعض] التلاميذ وتجمّعوا حوله لأخذ الصورة منه، والمرحوم القاضي جالس في مكانه يضحك ويقول: أنا جالس هنا وهم يتشاجرون حول صورتي هناك. نعم بعض تلامذة المرحوم القاضي بقوا جالسين في أماكنهم فلم يترك الجميع مكانه [ليلحق بالصورة]. [أقول] هذا ما كنتُ أقصده في كلامي، فأهل المعرفة مِنْ تلامذته هم مَنْ سينالهم نصيب أكبر مِنَ التوفيق.

  • فكم كان المرحوم السيِّد الحدّاد والمرحوم العلّامة يؤكّدان على أنّ العقل هو أهمّ ما يمكن أن يساعد السالك في سلوكه. ألا يعتبر ذلك العمل الّذي قام به [بعض تلامذة المرحوم القاضي] تجاوزًا للأدب ؟! فما دمتَ تجلس إلى جنبه، أمِنَ اللائق أن تتركه وتذهب إلى تلك الزاوية مِنْ أجل أن تحصل على صورته ؟! على ماذا يدلّ هذا التصرّف ؟! إنَّه إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على مقدار فَهْم المباني وإدراك المطالب.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

8
  • [وهذا يذكّرنا] بتلك الرسالة الّتي أرسلها شخص إلى السيِّد أحمد الكربلائيّ – وكنتُ قد ذكرتها لكم مِنْ قبل – حيث قال: أريد منكم برنامجًا لكي أُكمل به صفحات الكتاب [الّذي بين يديّ]، إذ لديّ الآن سبع وثلاثين صفحة وبقيتْ صفحتان أو ثلاث حتّى يصبح الكتاب [مؤلفًا مِنْ] أربعين صفحة، فإن أرسلتَ إليَّ ثلاث صفحات أخرى سيكتمل عدد الصفحات لتصبح أربعين صفحة۱.

  • لقد اصطحبني المرحوم العلّامة رضوان الله عليه يومًا إلى إحدى المكتبات الواقعة في طهران، وهي مكتبة «شمس» الواقعة في شارع «ناصر خسرو» [قرب قصر] «شمس العمارة»، وذلك عندما كنتُ في السابعة أو الثامنة مِنْ عمري. فكان يصطحبني معه عندما يذهب إليها، وكنت أستمتع بمشاهدة ما تحتويه مِنْ كتب، فقد كانت تحتوي على كتب قديمة. وأتذكّر أنّه كان يشتري لي العديد مِنَ القِصص والكتب، هذا ما أتذكّره، ككتاب عمّار بن ياسر و بهلول العاقل وغيرها. وكنتُ أقرأها ليلًا، وذلك عندما كنت في العاشرة مِنْ عمري. وبينما نحن جالسون هناك، دخل رجل ذو هندامٍ ظاهريّ مضلِّل يرتدي نظارة ويتكلّم بأسلوب خاصّ، فسأل صاحب المكتبة عن كتاب لا يتلاءم عنوانه مع حال الرجل – لا أدري مِنْ أين جاء باسم الكتاب – فهو يبدو عليه الجهل بحيث لا يستطيع التمييز بين الهرّ والبِرّ. [على كلّ حال] كان عنوان الكتاب ذا أبّهة ورنين، فقال له صاحب المكتبة أنّ الكتاب موجود وسيبحث له عنه. وكان الثراء ظاهرًا على الرجل، وكان الكتاب الّذي طلبه غالي الثمن. ثمّ تجوّل الرجل في المكتبة قليلًا وعاد إلى صاحب المكتبة وقال له: ألديك كتاب بهذا السمك [مشيرا بأصابعه إلى سمكه] ولون غلافه أخضر – [يضحك سماحة السيِّد هنا ويقول]؛ صاحب المكتبة يعرف زبائنه جيّدًا، وأكثرهم كانوا مِنَ الجامعيِّين في ذلك الزمان، وأنا لا أريد بكلامي هذا أن أستهين بالجامعيِّين الحاليِّين، بل أريد الإشارة إلى أولئك الّذين كانوا في ذلك العهد يشترون الكتب ويرسلونها إلى خارج البلاد، وأنا أتذكر كيف كانوا يفعلون ذلك، ولقد رأيتُ ذلك عدّة مرّات بنفسي – فجاءه صاحب المكتبة بكتاب أخضر اللون بالسمك الّذي طلبه.

  • لقد كان المرحوم العلاّمة ينظر إليه، ثمّ التفت إليَّ – وكنتُ في السابعة أو الثامنة مِنْ عمري – وقال: انظر، فهذا نوع آخر مِنَ الزبائن. فما الّذي يبتغيه هذا الرجل [مِنْ طلبتاه هذه] ؟! لا شكّ أنَّه كان يمتلك مكتبة في بيته باعتبارها جزء مِنْ أثاث الزينة للبيت، هذا والحال أنّ [صاحب البيت قد يكون] جاهلًا إلى حدّ أنّه لا يَعرف إن كانت كلمة (مكتبة) تُكتب بالتاء الممدودة أم المربوطة، إذ المهمّ أن يكون في صالة منزله أثاثًا تحت عنوان مكتبة، وأنتم تعلمون هذه المسائل أحسن منِّي، فهم يريدون وجود مثل هذا الأثاث في البيت ليكون دالّا [على أنّهم أهل ثقافة وعلم].

  • كانوا ولا يزالون يصمّمون قسمًا مِنَ البيت بشكل حانةٍ۲، ويصرّون على وجوده في البيت. فهُم وإن لم يضعوا فيها المشروبات المحرمة ولكنّهم لا يعلمون بحرمة ما يفعلونه، فوجوده محرّم ويبعث على النكبة ويمنع الملائكة مِنَ الحضور وهو موجب لهجوم الشياطين الّتي تعتاد الحضور في مثل هذه الأماكن. فالبيت الّذي يحتوي على هذا النوع مِنَ التصميم والّذي يُبنى للزينة، سوف تتردّد عليه الشياطين بدلًا مِنْ تردّد الملائكة عليه. وكذلك يقومون بتخصيص جزءً مِنَ البيت يضعون فيه الكتب ذات أغلفة مزيّنة ومرتّبة بكيفيّة جذّابة. فذاك الرجل كان يمتلك موسوعةً لون غلافها أخضر، وكان هنالك مكان خالٍ بمقدار عدة سنتيمترات، فبدل أن يملأ ذلك الفراغ بالعُشب، أراد أن يملأه بكتاب [مِنْ نفس لون تلك الموسوعة].

    1. ) هذه تفصيلات توضيحيّة أضفتها لبيان مضمون رسالة ذلك الشخص، فالرسالة نفسها تفيد هذا المعنى طبعًا. (منه قده)
    2. ) ويسمى «بار» في عرفهم. (م)

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

9
  • لمؤلفات المرحوم العلّامة طبيعة خاصّة، لذا يجب علينا التعامل مع مواضيعها بشكل آخر، والنظر إليها بنظرة أخرى. ولكنّنا نتهاون بشأنها ولا نعطيها الأهميّة الّتي تستحقها.

  • كان رسول الله جالسًا يومًا مع أصحابه في المسجد، إذ جاء رجل يُسمّى (مالك بن نويرة) – وهو زعيم قومه ولم يكن قد أسلم في ذلك الوقت – إلى المدينة لرؤية رسول الله وإشهار إسلامه على يديه. لقد كان رجلًا قديرًا رزينًا عاقلًا وعالمًا وزعيم قومه. فتحدّث الرجل مع رسول الله وأسلم على يديه وآمن بكلّ ما أمره به الرسول، ومِنْ ضمن الأمور الّتي آمن بها ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، الّتي عرضها عليه الرسول في نفس ذلك المجلس. نعم، لقد آمن [بولاية أمير المؤمنين] بكلّ وجوده وقبلها واستساغها وتيقّن بها، فلم يكن إيمانه بها إيمانًا سطحيّا وشكليّا، [فلم يكن إيمانه بها مجرد]صوت يُسجّل على الأشرطة. ثمّ استأذن الرجلُ رسولَ الله بالعودة وهو عاقد العزم على الالتزام بما عاهد عليه الرسول، فودّعه الرسول، وذهب إلى قومه لكي يدعوهم إلى الإسلام. وعند خروجه مِنْ مجلس الرسول، التفتَ رسول الله إلى أصحابه وقال: مَنْ شاء أن ينظر إلى أهل الجنّة فلينظر إلى هذا الرجل. فلمّا سمع عمر كلام رسول الله هذا، تَبِعَ الرجلَ مسرعًا واستوقفه خارج المسجد وقال له: سمعتُ رسول الله يقول عنك الآن أنّ مَنْ شاء أن ينظر إلى رجل مِنْ أهل الجنّة فلينظر إليك، وها أنا أطلب منك الشفاعة في ذلك اليوم. فأجابه مالك قائلًا: تبّا لك، تركتَ قائل هذا الكلام، وجئتَ تطلب شفاعتي أنا المسكين الّذي لا يمتلك لنفسه شيئًا. أتلاحظون مقدار فهم الرجل ؟! هذا وبعد ارتحال رسول الله واستيلاء أبي بكر على الخلافة كان لهذا الرجل موقف مشرّف ...

  • الوحدة لا تحصل بالتخلي عن الثوابت الحقّة بل تحصل بالاجتماع عليها

  • نحن نسمع أمورًا عجيبة هذه الأيّام، وإنَّها لأمور عجيبة حقّا، نعم إنَّني أتعجّب ممّا أسمع، فكلّما مرّ علينا يوم نرى شيئًا جديدًا .. فها نحن نرى كيف تضعف قوّة المباني الأصيلة لمذهب التشيّع في أذهان البعض، وكيف تتحوّل ولاية أمير المؤمنين عندهم إلى أمر عاديّ شأنه شأن مسألة الشكّ في الصلاة. لقد سمعتُ أنَّ أحد السادة سُئل عن الغدير وولاية أمير المؤمنين، فقال: إنَّها ليست مِنَ الضروريّات، بل هي لا تختلف عن بقيّة المسائل الاجتهاديّة كالصلاة وغيرها، فلكلّ مجتهد فتواه الخاصّة في هذا الموضوع؛ فقد يُفتي فيها أحدهم بشيء، ويُفتي الآخر بشيء آخر. فقلتُ: ما إن يمضي علينا يوم حتّى تُجلب لنا فاكهة جديدة مِنْ ذلك البستان۱، فها قد ظهر علينا مِنْ مدينة قمّ مَنْ يُنكر حادثة الدواة والقلم۲ قائلًا: إنَّ هذه القضية غير صحيحة، معاذ الله أن يتجاسر خليفة المسلمين عمر ويقول عن رسول الله «إنَّ الرجل ليهجر». [أقول] أتعلمون ما معنى كلام عمر ذاك ؟ إنّ قوله «إنَّ الرجل» هي بمعنى «إنَّ هذا» [الّتي تستعمل للاستخفاف]، بل هناك معنى أكثر دقة لكلمته تلك ولكنَّي لا أستطيع أن أنطق به لقباحته، فأفضل تعبير

    1. ) هذه ترجمة صدر بيت شعرٍ للشاعر النظاميّ استشهد به هنا سماحة السيِّد وهو «هر دم از اين باغ بَرى مى رسد». والجدير بالتوضيح أن مراد السيّد في المقام هو نقد القائل بأنّ الولاية ليست مِنَ الضروريات. [المترجم.]
    2. ) هذه إشارة إلى الحادثة المعروفة برزية يوم الخميس – المتفق على وقوعها مِنَ الفريقين – عند احتضار النبيّ | حيث قال (إئتُوني بِدَوَاةٍ وَصَحِيفَةٍ أكْتُبُ لَكُمْ كِتَابا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدًا)، فقال عمر: إن الرجل ليهجر. (م)

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

10
  • مؤدّب يمكن أن تفسّر به كلمة (الرجل) تلك هو لفظ (هذا)، فهو يقول: إنَّ هذا يهذي. فكم هو رجل عديم الحياء ! إذ كيف يتلفّظ بمثل هذه الكلمة في محضر رسول الله ! فكلمته مِنَ الوقاحة بحيث يطأطئ أهل السنّة – الّذين يتولّون جناب الخليفة عمر حتّى الآن – رؤوسهم خجلًا. فما الّذي يمكن أن يعتذروا به عن مقولة عمر تلك وعلى أيّ محمل يستطيعون حملها ؟! أفلا ينزعجون إن قال لهم أحد: إنَّك تتخبّط في كلامك يا هذا. فكيف بمَنْ يقول هذا الكلام لرسول الله حين احتضاره. ولكن نجد القوم يكتفون بالقول: نحن لا نجد تفسيرًا له. هذا في الوقت الّذي يأتي مِنَ الشيعة مَنْ يُنكر حصول ذلك أساسًا ! فيا للحُسن ! فما الّذي قادهم إلى هذا المستوى ؟! إنّ ذلك يحصل بسبب أنّهم وضعوا دروس الإمامة والولاية والتوحيد والعرفان جانبًا، واشتغلوا بدلًا عنها بأمور أخرى. ثمّ يأتي مَنْ يتنازل عن مسألة أخرى، ويأتي ثالث ليقول شيئًا آخر، حتّى يصل بنا الأمر إلى التخلِّي عن موضوع الولاية.

  • لأيّ شيء تقومون بهذا ؟! فيقولون أنّ الغرض هو حصول الوحدة بين المسلمين ! أيُّ اتحاد هذا الّذي تتحدّثون عنه ! أخبروني عن خطوة خطوناها في هذا الاتجاه وقابلها أهل السنّة بالمثل، بل الّذي يحصل فعلًا أنّه كلّما تنازلنا عن شيء استغلّوه وتقدّموا [في تثبيت معتقداتهم] خطوة إلى الأمام، وكلّما تخلّينا عن مبدء ازدادوا جرأة علينا، وكلّما تراجعنا عن موضع عملوا على تثبيت أقدامهم فيه. فلم يحصل أن تنازلوا مرّة عن معتقداتهم، فأيّ وحدة هذه ؟! إنَّ هذه الوحدة تسبّب في كلّ يوم فقدان أصل مِنْ أصولنا، في الوقت الّذي يصرّون فيه على الاحتفاظ بمواقفهم، فهل هذا هو معنى الوحدة ؟!

  • لماذا لا نعمل – بدلًا عمّا نفعله اليوم – على دعوتهم للاحتكام إلى المنطق، فنقول لهم: تعالوا نتمسّك بكلّ ما هو ثابت تأريخيّا ونرفض ما لم يثبت .. مِن أيّ شيء نخاف، وعلى أيّ شيء نقلق، فهل يقلق أحد من بيان الحقّ ؟! فلنحتكم إلى التأريخ، فإن لم يقبلوا بذلك، فلا شأن لنا بهم وليأخذ كلّ واحد منَّا طريقه.

  • نعم، إنَّنا نقبل بكلّ ما يثبتُ تأريخيّا وإن كان ذلك علينا، وفي المقابل عليهم أن يقبلوا به أيضًا .. فما الضير في ذلك ؟! أمّا أن نقوم بالتنازل عن ذلك الحقّ المسلّم وعن أحد المباني الضروريّة للمذهب، وذلك مِنْ أجل استرضاء رجلين منهم، فكلّا ولا، إنَّنا لا يمكن أن نفعل ذلك وإن بقوا غير راضين عنَّا لمائة ألف سنة. هل استرضاؤهم ذاك هو ممّا يرتضيه وليّ نعمتنا إمام الزمان، هل سيعطينا الإمام جائزة على ذلك، هل سيبارك لنا عملنا هذا، أم سيكون الأمر على العكس من ذلك ؟! مِنْ أيّ جيب تقوم بالبذل والعطاء يا عزيزي ؟!

  • إنَّ الولاية هي أكثر أمور الدين ضرورة، فهي الّتي قال عنها رسول الله «وَمَا نُودِيَ بِشَيْءٍ مِثْلَ مَا نُودِيَ بِالْوَلايَةِ»۱ أي ما أطلق الله نداءً في الإسلام أهمّ مِنَ النداء بالولاية والقبول بخلافة وإمامة عَلِيِّ بن أبي طالب. فهل يجوز لك – وبسبب حصولك على مركز قياديّ – أن تكون كريمًا وتقوم بالبذل والعطاء مِنْ جيب الخليفة ؟! وهل يجيز لك أن تقوم بأيّ عمل خاطئ تشاء ؟! نعم، هذا هو شأن الولاية، فهي ليست بأمرٍ غيرِ ضروريّ [كما تقول] وهي ليست بمسألةٍ اجتهاديّةٍ شأنها شأن الكثير مِنَ المسائل الاجتهاديّة الّتي يختلف فيها فقيهان. كلاّ يا هذا، بل إنَّ الولاية أكثر الأمور ضرورة، فإن كنتَ وبسبب ما تحمل مِنْ أفكار سنيّة تريد أن تنكر الولاية، فلماذا تنسب ذلك إلى المذهب الشيعيّ ؟! إنَّنا ننظر إليك ونتعامل معك – يا مَنْ تتفوّه بمثل هذا الكلام – على أنَّك رجل سنيّ لا شيعيّ. نعم، هكذا يجب أن نتعامل معك، وذلك لأنَّ مذهب الإمام الصادق هو مذهب الحقّ والإيمان بالواقع والحقّ مهما كان. وهذا ما كان يفعله

    1. ) معرفة الإمام، العلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ، ج ۵، ص ۱۲٩. (م)

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

11
  • الإمام الصدق عليه السلام، فلقد كان يجلس في مسجد المدينة ويقول: مَنْ يستطيع أن يُفحمني فليأتي إليّ، فأنا جالس هنا ولا أفرّ ولستُ مستعدّا لكتمان الحقّ. هذا هو مذهب الإمام الصادق.

  • وهكذا كان منهج أمير المؤمنين، فمنهجه منهج حقّ، فلقد كان يُبيّن واقع الأمر سواء قبِله الآخرون أم لم يقبلوه. ولقد رفضوه بالفعل وقالوا له: إنَّنا لا نؤمن بما تدعونا إليه يا عَلَيّ. فقال لهم: لا شأن لي بكم إذًا. ولكن لا يمكن أن يقول عَلِيٌّ لهم: أنا مستعدّ للتخلّي عن منصب الإمامة، وأنا أقبل وأرتضي إمامتكم. كلّا، بل كان علِيّ يقول لهم: أنا الإمام وأنا خليفة رسول الله مِنْ بعده وأنا وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة، فإن كنتم لا ترضون بذلك، فلن أصرّ عليكم.

  • ولا يزال الأمر اليوم على ما كان عليه، فما الّذي فعله أمير المؤمنين عندها، هل شهر سيفه في وجوههم، كلّا لم يفعل ذلك. ثمّ [لم يكتفوا بذلك] بل طلبوا منه القبول بإمامتهم. إنَّ القبول بإمامتهم لا يشبه عمليّة حقن دواء البنسلين في جسم المريض، والّذي يأخذ طريقه في جسمه سواء رضي المريض بذلك أم لم يرض، ولا يشبه تناول قرص الدواء الّذي يبدأ عمله ما إن يدخل المعدة، بل إنَّ الإمامة والولاية أمرٌ تكوينيٌّ نازلٌ مِنَ الله، وهي لا تشبه في حال مِنَ الأحوال الحقنة أو قرص الدواء. نعم، مِنَ الممكن أن يصدق ذلك على الإمامة والخلافة والإمارة الظاهريّة الّتي تتمّ بانتخاب الناس، فهم ينتخبون الحاكم في هذا اليوم ثمّ يعزلونه في اليوم التالي وينصّبون آخر مكانه. أمَّا تلك الإمامة المنصوص عليها مِنْ قِبَلِ الله فهي إمامة تكوينيّة، فهي ليست مِنْ قبيل تلك الأشياء الّتي يمكن منحها والتبرّع بها للغير.

  • إنَّ تلك الخلافة الّتي صرّح بها رسول الله هي إمامة وولاية تكوينيّة، وهي لا تشبه تلك الإمامة الظاهريّة الّتي حصلتْ باختيار أبي بكرٍ ... في سقيفة بني ساعدة المشؤومة ... حيث أجلسه عمر على أريكة الخلافة والزعامة الّتي اغتصبوها مِنْ صاحبها الأصليّ.

  • [وعلى كلّ حال] فذاك هو المذهب الحقّ إذ يقول: إن كنتُم غيرَ مستعدين لقبول الحقّ [بإمامتي] فلا نزاع لي معكم، ولكن منصب الإمامة لا يمكن أن يُسلب منِّي وإن كنتم لا تقبلون [إمامتي]، ولن أنزعج ولن ألطم على رأسي بسبب ما فعلتم، ولكنّ الويل لكم على ذلك. هذا ما كان يقوله أمير المؤمنين، ويقول: سأعتزلكم في بيتي، وذلك أفضل لي، وسأقوم بحفر الآبار وزراعة بساتين النخيل وسأجعلها وقفًا للآخرين وسأشتغل بأموري الأخرى. فإن كنتم ترغبون في الحرب، فلْيضرب أحدكم رأس الآخر، واختلِفوا فيما بينكم. فإنّ الله سيبتليكم ويُشغلكم ببعض ويُلبس عليكم أموركم بحيث توصلون ليلكم بنهاركم في الحيلة والمكر والنفاق والألاعيب السياسيّة وضرب هذا لرأس ذاك، وسيجعلكم تنسون عَلِيّا.

  • ونلاحظ أنّه لمّا كانتْ تستعصي عليهم أمورهم وتتقطّع بهم السُبُل، كانوا يلتجؤون إلى عَلِيٍّ ، فهذا كلّ ما كانوا يُجيدونه. على أنَّ أمير المؤمنين كان يستجيب لهم ويُنجدهم. أترون ما الّذي يُرشد الحقّ إليه، فنهج أمير المؤمنين هو نهج متابعة الحقّ.

  • فهل حصل اجتماع سقيفة بني ساعدة مِنْ أجل إحياء الإسلام أم إماتته ؟ فإن قلت: إنَّه قد حصل مِنْ أجل إحياء الإسلام، فلعنة الله وملائكته وجميع المؤمنين والمؤمنات عليك يا مَنْ تعمل على تحريف الواقع وتحريف تلك الحقيقة التأريخيّة، وهو ممّا لم يفعله حتّى أهل السنّة أنفسهم. فلقد قال عنها [عمر] نفسه وهو على المنبر: أنَّها كانت زلّة قد وقى الله شرّها. وها أنتَ تأتي وتدافع عمّا حصل في السقيفة، وتقول أنّها مِنْ أجل إحياء الإسلام، فيا للعجب !

  • لقد قلتُ لكم أنَّ هناك أمورًا عجيبة تحصل الآن – ويبدو أنَّنا نعيش في آخر الزمان وأنّ ظهور الإمام يقترب – ونسمع بها ولم نكن قد سمعنا بمثلها طيلة ألف وأربعمائة سنة مضت. فما هذا الّذي يحصل

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

12
  • الآن، وما هي الدوافع وراء حصوله ؟! فها نحن نلاحظ ما وصلت إليه جرأة بعض أصحاب الأذهان المشوشة مِنْ طمس الحقائق.

  • [وعند تولّي أبي بكر الخلافة] أرسل إلى (مالك بن نويرة) لأخذ البيعة ولاستلام الزكاة منه – حيث إنَّ دفع الزكاة لأبي بكرٍ يعني قبول خلافته – فقال مالك: أنا لا أرتضي بهذا الأحمق خليفةً، فلا يمكنني دفع الزكاة له، فإن كان عَلَيَّ دفع الزكاة فالواجب دفعها لعَلِيَّ الّذي أصبح الآن جليس بيته. فقالوا له: ما دمت لا تريد دفع الزكاة فسترى! فخدعه خالد بن الوليد الذي يلقبونه بسيف الاسلام وقتله غدرًا في صلاته. نعم، هذا هو خالد الّذي صنعوا منه أسطورة في الشجاعة والمبارزة ملؤوا بها كتبنا، فها هو يُشهر سيفه ويضرب عنق رجلٍ مسلمٍ أثناء صلاته، فلولا ذلك لَمَا تمكّن منه، وهذا ما فعله أوّلًا، ثمّ ما الّذي فعله بعد ذلك ؟ لقد زنى بزوجته ليلًا. فهكذا هم أمراء الإسلام وقرّة أعيننا، وبهؤلاء ستقرّ أعيننا [هذا تهكّم من سماحته] !!

  • فقال له عمر: يجب أن يُقام عليك الحدّ ! إنَّ عمر لم يقل ذلك لله بل بسبب ما كان بينهما مِنْ خلاف. فذهب عمر وأخبر أبا بكر بما حصل، فدخل خالد على أبي بكر ثمّ خرج مِنْ عنده يضحك وقال لعمر: اذهب في حال سبيلك، أتريد أن تُقيم عَلَيَّ الحدّ ؟! فدخل عمر على أبي بكر – قرّة عين أهل السنّة الّذي يتوقّف مصير الإسلام على وجوده [بنظرهم] – فقال له أبو بكرٍ: ما كنتُ لأغمد سيفًا سلّه الله للدفاع عن مصالحنا. هذا كان جواب خليفة المسلمين .. أيمكن أن تعتبر مثل تلك الحكومة حكومة إسلاميّة ؟!

  • إنَّ القضايا الّتي أستعرضها عليكم الآن هي قضايا ثابتة تأريخيّا، فلا أدري لماذا يجري تهميشها، فعلينا إعطاؤها الأهميّة المطلوبة، وعلى زعماء الأمر التدقيق في شأنها أكثر فأكثر. فإرضاء صاحب الولاية أهمّ مِنَ الاشتغال بالمسائل الاعتباريّة والوهميّة والخياليّة والتشبث بها. فلنا وليّ نعمتنا، نعم، إمام الزمان هو وليّ نعمتنا وهو الّذي يحفظ شيعته.

  • فإنَّ مقام الولاية ليس بالمقام الّذي يمكن التعامل معه بلامبالاة. إنَّه [×] يحفظنا شريطة أن يعرف المرء قدر هذه النعمة وأن يكون شاكرًا لها، وأن لا يقوم – لا سامح الله – بالعمل الّذي يوجب سَخَطَ وليّ نعمته .. وقد أشرتُ إلى شيء مِنْ هذا الأمر في المجالس السابقة.

  • طالب الطريق إلى الله لا يلحظ إلّا الحقّ

  • يقول الإمام عليه السلام: مَنْ يريد طيّ الطريق إلى الله تعالى، عليه العمل بهذه الوصايا التسع. فما الّذي يعنيه هذا الكلام ؟ هذا يعني أنَّ هناك مَنْ لا يريد طيّ الطريق إلى الله ويكتفي بالقيام بالأعمال الظاهريّة – وإن كان ميزان الالتزام هذا يختلف كثرة وقلّة مِنْ رجل لآخر – ولا يعير أهميّة لسواها ولا يعتبر أمر التربية وإعداد النفس وتهذيبها مِنَ الضروريّات، بل يرى الكفاية في أداء الصلاة والصيام وأنّ الأمر لا يتجاوز ذلك. إنَّ هؤلاء الناس ليسوا مِنْ مريدي الطريق إلى الله.

  • فمَنْ هو الّذي يريد السير في الطريق إلى الله ؟ إنَّه ذلك الّذي يلتزم بالعمل بموجب تلك الوصايا ويتابع تنفيذها، نعم إنَّ الثبات والاستقامة يعتبر مِنَ الأمور المهمّة هنا.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

13
  • هناك رواية عن رسول الله يقول فيها «مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»۱، فكلمة (ورّثه) تعني ألهمه؛ فإنْ تعلّم المرء شيئًا وقبِله وآمن به، فعليه أن يطبّقه عمليّا في أشغاله ومواعيده، فإن أعطى وعدًا بإنجاز عمل ما فعليه الإلتزام بذلك لا أن يتخلّف عن الوفاء بالوعد، عِلمًا أنَّ الوفاء بالوعد في بعض الحالات يعدّ مِنَ الواجبات. فليس صحيحًا ما يقوله البعض في الفقه: أنّ الوفاء بالعهد ليس لازمًا وإنّما مستحبّا. كلاّ، إنَّ هذا الكلام غير صحيح، بل الوفاء بالعهد يُعدّ مِنَ الواجبات الّتي يحرم التخلّف عنها سواء تضمّن العقد ذلك الشرط أم لا، ففي الحالتين هو لازمٌ. فمَنْ وعد مؤمنًا وعدًا عليه الوفاء به.

  • إنَّ المعاملات التجاريّة تعتبر خير محكٍّ لهذا الأمر، فتلك هي الموارد الّتي يختبر الله بها عباده جيّدًا، فالاختبار لا يحصل دائمًا عندما يكون الإنسان وحده وفي خلوته، بل غالبًا ما يحصل الاختبار عند التعاملات التجاريّة وأثناء العمل وفي المواثيق. ففي مثل هذه الموارد ينسى الإنسان السلوك والعرفان والله، أمّا عندما يكون في المجالس ترى صوته يرتفع عند قراءة «ولا الضالين» ليصل إلى الطابق الرابع مِنَ البناية الّتي هو فيها. كلّا يا هذا، بل كان عليك أن تتذكّر الله عندما تَعِد الناس أثناء تعاملك معهم، لا أن تكون شاخص النظر إلى الدنيا والشارع والسوق والعمل وتَدَع الله والملائكة والشريعة والدين جانبًا لتحلّ محلّهم المادّيات .. فما الّذي يعنيه هذا التصرّف ؟! إنَّه يعني النكبة والضلالة.

  • كان هنالك معاملةٌ تجاريّة بين اثنين مِنَ الأصدقاء في عهد المرحوم العلّامة – وقد توفّيا الآن رحمة الله عليهما – وتضمّنت المعاملة شرطًا مُلزمًا للطرفين. وقد تجاوز أحدهما حقّ الآخر في هذه المعاملة ممّا أدّى إلى تأثُّر الآخر إذ خسر ماديّاً وتشوّهت سمعته بين زملائه في العمل. فوصلت القضية إلى مسامع المرحوم العلّامة، فاستدعاهما إلى طهران، وكان ذلك في عهد شاه إيران حيث كان عمري بحدود الخمسة عشر أو الستة عشر عامًا. فسأل المرحوم العلاّمة كلّ واحد منهما عمّا فعل، وبعد استبيان الأمر، التفت إلى الرجل المتجاوز وقال له: عليك أوّلًا التوبة. نعم، فالأمور لا تجري اعتباطًا، فعليك التوبة عمّا ارتكبته، فإن لم تتب لن تبرح مكانك. إنَّ طريق الله لا يحتمل اللامبالاة والمجاملات، فعليك التوبة عمّا قمتَ به، فهنا ليس حزبًا أو جمعيّة ولا تجمّعًا للمريدين والأتباع، وهنا لا مراعاة لمِنْ يملك أموالًا أكثر فيجري الحكم لصالحه على حساب صاحب الإمكانيّات الأقل .. كلّا، لا مكان لهذه الأمور هنا، فما دمتَ قد تجاوزت حدّك، فعليك التوبة، هذا أوّلًا. ثمّ ما الّذي عليك فعله بعد ذلك ؟ عليك أن تُعلن في السوق وفي محل عملك أنّه كان بينكما شروط وأنّك تجاوزت هذه الشروط وأنَّ شريكك بريء ممّا قمت به أنت، وأنَّ تعامله كان صحيحًا ولا يوجد أيّ عيب فيه. فعليك أن تذهب إلى هناك وتقول بأنَّك أنت المقصّر وتعمل على ردّ الاعتبار لشريكك. وثالثاً عليك أن تعوّضه مِنْ أموالك الخاصّة جميع الخسائر الّتي تكبّدها بسببك. فإن قمتَ بكلّ ذلك، فيمكنك حينئذ العودة إلى هذا المكان.

  • فما الّذي يدلّ عليه هذا الأمر ؟ إنَّ هذا يبيّن طريقة التربية والإعداد [في هذه المدرسة]، وهو يبيّن معنى أن تكون مريدًا لطريق الله. فلو حصل مثل هذا الأمر في مكان آخر، كيف كانت ستجري الأمور؟ كانوا سيقولون لهما: تصالحا واعملا على تسوية الأمور بينكما وإنهاء الخصومة.

  • قال لي عدد مِنَ الأصدقاء غير الإيرانيِّين: حكَّمنا في قضيّة [وقعتْ بين أخوين] أحدَ رجال الدين وهو عالم بلدتنا، ولقد كان الحقّ مع هذا الأخ، فلمّا عرف الرجل أنّ الحقّ مع هذا لا مع الثاني الّذي تربطه

    1. ) معرفة المعاد، السيّد العلّامة محمّد حسين الطهرانيّ، ج۳، ص ۱۸.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

14
  • برجل الدين علاقة ماليّة، حكم في تلك القضية لصالح الثاني. هذا بالرغم مِنْ أنّ الرجل مِنْ أهل العلم ومجتهدٌ وصاحبُ شأن بين الناس ومعروفٌ.

  • فلنقارن الآن بين تلكما الحادثتين؛ فأيّتهما كان يُراد فيها وجه الله، وأيّتهما تتماشى مع طيّ الطريق إلى الله. وها قد ارتحل كلا الرجلين عن الدنيا؛ فوالدي قد ارتحل عنها وكذلك رجل الدين [الّذي حكم بين الأخوين]. وهذا قد حكم بهذا الشكل، أمّا المرحوم العلّامة فقد حكم بشكل آخر بالرغم مِنْ أنّ المحكوم عليه كان بحسب الظاهر أكثر ثراء وإمكانات ماديّة مِنَ المحكوم له. [لاحظوا؛] فإنّ الوليّ الإلهيّ لا يعير أيّة أهميّة للمادة والإمكانيات الماديّة، بل هو ينظر إلى المُحقّ مِنَ الطرفين فيحكم له، وهو ينظر إلى مَنْ يقف أمامه على أنَّه إنسان فقط ولا شأن له بما سوى ذلك مِنْ إمكانات ماديّة وغيرها. أمّا ما يجري الآن في هذه المحاكم الماديّة، فإنّهم يتعاملون مع الأطراف [المتخاصمة] بحسب إمكانيّاتهم الماديّة ومقاماتهم الدنيويّة.

  • قال لي أحد الأصدقاء: ذهبت إلى الجامعة لمناقشة أطروحة الدكتوراه وكان معي طالب – لن أذكر اسمه – ولأنّ هذا الطالب يتمتع بمقام دنيويّ أعطاه الأستاذُ درجة تسعة عشر مِنَ عشرين ولكنّه أعطاني درجة ثمانية عشر، مع أنَّ دوري وأدائي في الأطروحة كان أكبر مِنْ ذلك الطالب بكثير. فما الّذي يعكسه هذا التصرّف ؟ إنَّه يعني أنَّ الحكم إنّما يصدر بناء على الإمكانيات الماديّة للشخص، لا بالنظر إليه على أنَّه إنسان، ولا بالنظر إلى ما يقتضيه الحقّ والكفاءة والاستحقاق. أمّا في مدرسة العرفان، فميزان التفاضل هو الكفاءة والاستحقاق وبغض النظر عن كون الشخص ابن مدير عامّ أو وزير أو كيل أو رئيس، فالميزان هو امتلاكه أو عدم امتلاكه للقابليّة واللياقة والكفاءة .. هذه هي مدرسة العرفان.

  • لا يمكن طيّ الطريق بدون توفيق من الله تعالى

  • يقول الإمام الصادق: هذه وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إلى اللهِ تعالى، فمَنْ لم يكن هذا هدفه لا يُتعب نفسه في تحمّل المشاق، أمّا مَنْ أراد السير في هذا الطريق للوصول إلى الله فعليه العمل بهذه الوصايا التسع. ثمّ يُردف عليه السلام منبّهًا على أن لا يتصوّر أحدٌ أنَّه سيتمكّن مِنْ ذلك بنفسه، فلذا نراه يقول: «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ»، فبدون هذا التوفيق ستتعثّر أقدامنا جميعًا. فعلينا أن نعرف مقصدنا جيّدًا، ثمّ بعد ذلك نضع أقدامنا في الطريق، حيث يقول رسول الله أنّ مَنْ عمل بما يعلم سيجعل الله عمله هذا وسيلة لإزاحة ستائر الجهل الّتي تُخفي الحقائق في الذهن.

  • فما إن يقبل المرء هذا الأمر ويخطو خطوته الأولى في هذا الطريق، حتّى يرقى درجة في هذا السلّم. ولأجل أن يصعد الدرجة التالية يأتيه الامتحان الثاني، ثمّ الدرجة التالية فيعرض له مثلًا فيها امتحان في معاملة ماديّة، أو مسألة فيها تأثير على مكانته وماء وجهه بين الناس. فنحن نتعامل مع الله هنا، وهو قد ادّخر لكلّ منا امتحاناتٍ من هذا القبيل في صحيفة أعمالنا؛ فإن قام أحدنا باللّفِ والدوران في قضيّة ما، وتعامل معها بطريقة غير صافية لكي يحصّل منافعه ومصالحه، وإن زاغ عن قول الحقّ والاعتراف به [وجانب] الصراحة والوضوح ولجأ إلى قولٍ مخالفٍ للحقيقة، سوف يصيبه عكس ما جاء في تلك الرواية أي سيَسلِب الله منه ما كان يَعْلمه لأنّه لم يعمل بما يعلم. وما الّذي سيحصل له حينئذٍ؟ سيحصل أنّه

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

15
  • سيقلّ فهمه وإدراكه. فالمسألة ذات حدَّيْن؛ فإن عملنا بما نعلم سنترقّى، وإلّا سنسقط درجة ثمّ الثانية ثمّ الثالثة ثمّ الرابعة ثمّ الخامسة وهكذا حتّى نصل إلى {خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ}۱.

  • عندما يكتب أحدهم رسالة ويصل إلى نهايتها يقوم بختمها، فما هو معنى هذا الختم ؟ إنَّه يعني نهاية الرسالة، أي لا يمكن كتابة أيّ شيء بعدها، فلا اعتبار لأيّ شيء يُكتب بعد هذا الختم، وما هو معتبر إنّما يُكتب قبل هذا الختم. هذا هو معنى الختم. وكانوا يلصقون غلاف الرسالة ويختمونه بالشمع حتّى لا يفتحها أحد؛ فإن فُتحت [قبل أن تصل إلى المرسل إليه] ستفقد الرسالة قيمتها وحجيّتها. فكلمة (ختم) في الآية تعني أنَّ الذهن والنفس لا يمكنها أن تتكامل بعد ذلك، فيُقال خُتم عليها؛ فإنهاء الرسالة بإمضاءٍ يقال له ختم، وإغلاق المنفذ يقال له ختم، وكلاهما بمعنى واحد.

  • فمعنى الختم على الآذان هو عدم قابليّتها للسمع، ومعنى الختم على العيون هو عدم قابليّتها لرؤية ما هو أمامها، ومعنى الختم على القلوب هو عدم قدرتها على قبول أيّ شيء، فتراه لا يقبل بشيء مِنَ الحقّ ويستهزء بما يسمع .. فهذا الّذي كان حتّى الأمس مِنَ المروّجين لأمرٍ ما تراه الآن يسخر منه .. فما الّذي حصل لك يا هذا، لم يمضِ عليك سوى سنوات معدودة، فما الّذي حصل ؟! وتلك الواقعة التأريخيّة لم تتبدّل في شيء، فأنت بنفسك كنتَ تحقّق في هذا الموضوع إلى ما قَبْل أربع سنوات وتؤلّف حوله الكتب، فلماذا تسخر منه الآن ؟! لماذا يحصل كلّ هذا ؟! إنَّه يحصل بسبب ذلك الختم على قلبك. فها قد توغلتَ في الدنيا واستولى عليك حبّ الرئاسة وأثّر عليك ما يُنقل إليك مِنْ كلام؛ ولقد أنّبتك نفسك اللّوامة في بادئ الأمر، فَلِمَ لم تُصغِ إليها ولم تعرْها أيّة أهميّة وتجاوزت الموضوع ! وأحاط بك نفر؛ منعوك مِنَ التفكير في الموضوع، وصرفوا ذهنك تجاه الأمور الهامشيّة، وسلبوك فرصة التفكير في [صلاح] نفسك، ولم يتركوا لك فرصةً لتختلي بنفسك وتفكّر في شؤونها، وهكذا حتّى سُدّت عليك كافّة المنافذ تدريجيّا الواحد تلو الآخر، فتبدّل قلبك إلى حجر تدليك كما قال الشاعر:

  • [يقول: حائر هو ذلك القلب الّذي لا يتعدى كونه حجر تدليك]

  • نعم، لقد تبدّل ذلك القلب إلى حجر تدليكٍ صلبٍ وقاسٍ. أتعلمون ما هو حجر التدليك .. إنَّه الحجر الّذي يستخدم في تدليك الأرجل عند الاستحمام، وهو أكثر الحجارة صلابة، فهو صلبٌ بحيث لا يمكن كسره. فلم تبقَ أيّة نافذةٍ مفتوحةٍ في ذلك القلب، فليس له – والحال هذه – أن يلين.

  • وعلينا أن نعرف أنَّ ذلك لم يحصل له فجأةً، وأنَّ تلك الأمور لا يمكن أن تُنال بمجرد المطالعة والدراسة، نعم أيّها الإخوة إنَّها لا تُنال بالدراسة وحدها.

  • تربية النفس لا تحصل تلقائيّا

  • قال المرحوم السيِّد الخوئيّ – رحمة الله عليه – لوالدي: ليس مِنَ الضروريّ الاشتغال بمسائل العرفان والتوحيد وتربية النفس وتزكيتها، فتلك أمور تحصل للمرء تلقائيّا. فقال له المرحوم العلّامة: هل يمكن أن تحصل تلقائيّا .. وكيف يمكن أن تحصل تلقائيّا أيّها السيِّد الخوئيّ ؟! كنتُ قد ذكرتُ للإخوة حكاية [المرحوم الملّا محمّد علِيّ الكاظميّ]، الّذي كان التلميذ الأوّل للشيخ النائينيّ ومقرّر دروسه، فحصل أن

    1. ) سورة البقرة (۲)، جزء من الآية ۷.
    2. ) الغزل ۷۲ من غزليات حافظ.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

16
  • أيّد الشيخ النائينيّ تقريرات تلميذه السيّد الخوئي بكتابةِ تقريظٍ عليها، فكان ذلك بمثابة انطباق السماء على الأرض بالنسبة [للشيخ الكاظميّ] فقال: كيف يقوم أستاذي بكتابة تقريظ على تقريرات تلميذ آخر أقلّ رتبة علميّة منِّي مع وجودي ومع كوني أنا الّذي أقرّر دروسه عادةً؟! فغضب على أستاذه وترك الحضور في صلاة الجماعة الّتي يقيمها. هكذا كانت عاقبة الرجل. أفلا يحتاج أمثال هؤلاء في هذه الحالة إلى تربية النفس وإعدادها – كان في نيّتي الحديث عن مسائل أخرى غير أنَّني تعبتُ – ألا يحتاجون إلى تهذيب النفس .. أيمكن أن يحصل ذلك تلقائيّا .. وكيف يمكن أن يحصل تلقائيّا يا عزيزي ؟! لو كان ذلك يحصل تلقائيّا فمَنْ حصل له ما حصل [للمرحوم الطباطبائيّ] عندما دخل عليه المرحوم القاضي وفتح له حنك عمامته ؟! أنا لا أذكر هذه القصة مِنْ باب تمجيد المرحوم القاضي [إذ لا يُمجّد الشخص بهذه الأمور، فلو كنّا نقصد مِنْ هذه القصة التمجيد] لكان ذلك إهانة لمقام المرحوم القاضي لأنّه أعلى مِنْ ذلك بكثير، بل ذكرتها للتأكيد على أهميّة هذه المسألة وكيف كان العظماء يعيرونها أهميّة كبرى، فترى البعض يلتزم بالعمل بها والبعض الآخر لا يلتزم.

  • أتعلمون مَنْ يكون المرحوم القاضي .. إنَّه الرجل الّذي لا يراه أحد في العشرة الأخيرة مِنْ شهر رمضان، وكان إحياؤه لليالي شهر رمضان مشهودًا للجميع، وكان الجيران يسمعون بكاءه ونحيبه ليلًا ويتناقلون ذلك. فهل كان الآخرون يفعلون كما يفعل أم كانوا ينشغلون باستهلاك كيلوغرامات مِنَ التبغ والقهوة ليلًا، ثمّ تُلقى [مخلّفات ذلك] أمام بيوتهم صباح اليوم التالي. أيمكن أن تحصل تلك الحالات لمَنْ يتصرّف بهذا الشكل، فإن كان ذلك ممكنًا فأروني لِمَنْ حصلت !

  • إنَّ المطالب الّتي ينقلها العظماء لم يأتوا بها مِنْ بيوت خالاتهم، فهم قد طووا الطريق؛ فتراهم مِنَ الناحية العقليّة أعقل الناس ومِنَ الناحية العلميّة أعلم الناس ومِنْ ناحية المكانة أرفع الناس. فما أتى به العظماء لم يكن مِنْ منازل عمّاتهم أو مِنْ خلف الجبال، فهم يتمتّعون بأعلى الدرجات العلميّة والفقهيّة والمكانة، فجاءوا لبيان تلك المطالب لنا [مِنْ مقاماتهم تلك]. غير أنَّ تلك هي طبيعة الناس فمنهم مَنْ يميل إلى الأخذ بهذا الجانب، ومنهم مَنْ ينكر صحته.

  • أتتركون الشمس وتتوسّلون بشمعة

  • جاء إلى المرحوم القاضي مَنْ يطلب منه نصيحة، فقال لهم: لا يوجد لدي ما أنصحكم به سوى أن تعملوا بما جاء في روايات الأئمّة الموجودة في كتب الشيعة. فقالوا له: نريد أن نسمع منك أنت. فقال لهم: إنتهى الأمر إذًا، فهذا ليس بالمكان المناسب لكم. إنَّ مَنْ يتهاون بروايات الإمام الصادق – أتلاحظون فهذا عين ما قلته لكم – ويطلب النصيحة منِّي أنا السيِّد القاضي، فهو لا ينفع في هذه المدرسة، إذ كيف وصلت أنا لما وصلت إليه .. ألم يكن ذلك عن طريق العمل بموجب روايات الإمام الصادق والتتلمذ في مدرسته ؟ نعم لقد وصلته بواسطة الدراسة في هذه المدرسة. وها أنتم تَدَعُون الإمام الصادق والإمام السجّاد جانبًا وتطلبون منِّي إرشادكم وتريدون أن تتّبعوني.

  • نقل المرحوم العلّامة حكاية عجيبة قال فيها: كنتُ في كربلاء يومًا، فذهبت لزيارة سيِّد الشهداء عليه السلام صباح أحد الأيّام، فحصلتْ لي حالة [معنويّة] هناك – ولم يشرح طبيعة الحالة غير أنَّ الأمر

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

17
  • كان واضحًا مِنْ خلال القرائن والشواهد – وكان أمرًا عجيبًا جدّا، فصادفتُ أحدهم في الإيوان وكان مِنَ الّذين يميّزون تلك الحالات بمجرد إلقاء نظرة على وجه الشخص، فلمّا رآني عرف أنَّ أمرًا عظيمًا قد حصل لي، فقال لي: أتوسّل بك يا سيِّد محمّد حسين. فقلتُ له: ألا تستحي، ألا تخجل، فها هي الشمس طالعة وأنت تتوسّل بشمعة. نعم، ها هي الشمس طالعة، وأنت تريد ضياءً مِنْ شمعة !

  • تشرفتُ الأسبوع الماضي بزيارة الإمام علي بن موسى الرضا، وبينما كنتُ في الصحن إلتقيتُ بشخص لا أعرفه ولا بدّ أنَّه يعرفني، فقال لي: أسألك الدعاء أيّها السيِّد. فقلتُ له: ألا تستحي، ألا يعتبر كلامك هذا بمثابة الإهانة لعليّ بن موسى الرضا ؟! فأنت بهذا تترك الإمام وتتوسّل بي، ألا يعتبر ذلك إهانة لمقام الولاية وللإمام الرضا ؟!

  • متى سيجيء اليوم الّذي نتكامل فيه بمقدارٍ، ويصبح فكرنا وفهمنا أكثر واقعيّة، ونستطيع أن ندرك الأمور بشكل أفضل؟ فلنحتمل أنّ الأمور الّتي قيلت لنا هي أمور حقّةٌ وواقعيّة ولو بمقدار عشرة بالمائة .. وها نحن نتخلّى عن إمام الزمان، فمَنْ سنتّبع بدلًا عنه؟! إنَّنا نتصرّف الآن وكأنَّه لا وجود للإمام بيننا، فما إن غاب الإمام عنَّا حتّى أغلقنا ملفّه وكأنَّه ليس له وجود خارجيّ. إنَّ جميع أولياء الله والعظماء يوصون تلامذتهم بالتوجّه إلى الإمام، فأمر التوجّه نحو الولاية ونحو إمام الزمان يعتبر الشرط الأوّل لحركتنا [في تربية النفس]، ولكنّنا نُهمل هذا الأمر.

  • خصائص شهرَي شعبان ورمضان

  • نحن الآن في شهر شعبان، وهو الشهر المتعلّق بإمام الزمان عليه السلام، وها هي ليلة النصف منه على الأبواب. لقد كان المرحوم العلّامة وجميع العظماء يؤكِّدون على إحياء هذه الليلة، شأنها شأن ليلة الثالث والعشرين مِنْ شهر رمضان. أي أنَّهم كما يؤكّدون لعامّة الناس على لزوم إحياء الليالي التاسعة عشر و الحادية والعشرين و الثالثة والعشرين مِنْ شهر رمضان، فكذلك يؤكِّدون على إحياء ليلة النصف مِنْ شعبان بنفس درجة التأكيد تلك؛ ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى كون ليلة الثالث والعشرين (التي ورد التأكيد الشديد على الاهتمام بها) متعلقة بالإمام مِنْ حيث أنّها ليلة القدر الّتي يجري فيها تقدير وتحقّق المشيئة الإلهيّة في عالم الكون بواسطة نفس الإمام، ولَمّا كانت ليلة النصف مِنْ شعبان متعلقة بالإمام مِنْ حيث أنّها ليلة الولاية الظاهريّة للإمام عليه السلام، فهي تُعتبر بمثابة ليلة القدر مِنْ حيث تعلّقهما بإمام الزمان، وهذا ما تمّت الإشارة إليه في بعض الروايات.

  • فعلى الإخوة إحياء هذه الليلة، ومِنَ المستحب جدّاً قراءة دعاء كميل فيها، وقراءة دعاء الجوشن الكبير مستحسن أيضًا. وعليكم معرفة قدر هذه الليلة، وعليكم إحياؤها وإحياء ليالي القدر بالصلاة وغيرها، وعدم تضييعها. ولا تغفلوا عن أنّ ما تكسبونه في شهر شعبان ستستفيدون منه في شهر رمضان، لأنَّ الإنسان يتهيّأ لشهر رمضان في شهر شعبان؛ ولهذا السبب كان رسول الله يصوم جميع أيّام شهر شعبان. وأنا لا أقول هنا بصيام جميع أيّام شهر شعبان، ولكنّي أنبّه على لزوم الاستعداد لشهر رمضان بحالة كحال الصائم، وبذلك سنتمكّن مِنَ الاستفادة مِنْ شهر رمضان بالشكل الأحسن.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

18
  • عليكم زيادة المراقبة لكي تترك خصوصيّات الصوم والضيافة الإلهيّة آثارها في النفس وبالتالي على القوى الفكريّة والعقليّة، فتعمل على تغيير الفكر الّذي هو أكثر أهميّة مِنَ التأثُّر القلبيّ.

  • وعليكم التقليل مِنَ الكلام في هذا الشهر، فلا تقضوه بالضحك وغير ذلك، وعليكم أن تُحيوا لياليه بمجالس الذِّكْر وأمثالها.

  • وعليكم رعاية الدقّة فيما يتعلّق بالطعام؛ فيجب أن تتناولوا أطعمةً سهلةَ الهضم عند الإفطار، وبذلك تستفيدون مِنَ الفيض النازل في ليالي شهر رمضان. فصاحب المعدة الممتلئة لا يكسب مِنْ ذلك الفيض، لأنَّ مخ الإنسان سينشغل بالمعدة والجهاز الهضميّ وذلك يعمل على تقييد حريّة النفس، فتصبح النفس كالحمامة المحبوسة في قفص، أي تنحبس النفس في قفص الجسم وتنشغل بأموره. لقد كان المرحوم الحدّاد يكرر هذه العبارة: إن تناولتَ مِنَ الطعام الكميّة الّتي يحتاجها جسمك بالفعل ستكون أنت مَنْ أَكَلْتَ الطعام، أمّا إن أكلت أكثر ممّا تحتاجه سيكون الطعام هو الّذي أكلك، أي تكون قد وضعتَ نفسك تحت حكومته وسيسيّرك كيفما أراد فيصيبك ألم المعدة وصداع الرأس – فإنّ أحد أسباب الصداع هو امتلاء المعدة بالطعام – وترتفع نسبة الدهون والسكّر في دمك، وتصاب بألف مرض ومرض، فهذا هو معنى أن يأكلك الطعام. فعلى الإنسان أن يتناول الطعام بهدف الحصول على خصائصه [وفوائده] لا مِنْ أجل الالتذاذ بمذاقه، وإلّا سيكون الذهن مشدودًا إلى ذات الطعام.

  • لا تغفلوا عن استحباب دعوة المؤمنين للإفطار، فهي إحدى السنن. وعليكم ألّا تفسدوا تلك السنّة بالأمور الاعتباريّة وبالوجاهة كالموائد الملوّنة والمزخرفة. فإن دعوتَ اثنين مِنَ المؤمنين فقدّم لهما مِنَ الطعام الّذي أَعَدَّتْه زوجتك لك مِنْ دون تحميلها عبءً إضافيّا. فلِمَ الإثقال على الزوجة، إذ يكفي أن تزيد قليلًا مِنْ كميّة الطعام الّذي اعتادوا تناوله كلّ يوم، وليس مِنَ الضروريّ تنويع المائدة. تلك هي السنن الّتي كانت في عهد رسول الله والأئمّة عليهم السلام، والّتي وصلتنا عنهم، فعلينا المحافظة عليها كما هي دون أن نتلاعب بها. فإن التزمنا بهذه السنن سنجني ثمارها ونكسب ثوابها مِنْ جهة، ولن نكون قد أتْعبنا غيرنا من جهة أخرى، كما أنّنا سنكسب ما يترتّب على ذلك مِنْ ثواب. قد يصادف أحدنا صديقًا له في طريق عودته إلى المنزل، فيمكنه دعوته للإفطار على نفس الطعام الّذي تمّ إعداده للداعي، ويمكنه دعوة رجلين أو ثلاثة. هذا من جانب، ومِنْ جانب آخر إن رأى المدعوّ أنّ تلبية الدعوة سيفقده ما هو عليه مِنْ حال، عليه ترك المجاملة جانبًا [فلا يلبّي الدعوة] إذ لا مكان للمجاملة بين الأصدقاء والإخوة. أنا أتذكر كيف أنَّ المرحوم العلّامة كثيرًا ما امتنع عن حضور بعض موائد الإفطار، وذلك لأنَّ حضورها سيؤدِّي إلى تغيير حاله، لأنّه قد يحضر تلك الموائد أناس مختلفين ويتمّ خلالها الخوض في كلّ حديث، كما أنّهم يعتمدون طريقة في تقديم الطعام هي غاية في السوء والقباحة؛ إذ يقدّمون شيئًا مِنَ الطعام عند الإفطار ثمّ بعد ساعة يأتون بالمائدة الرئيسية. لا يصحّ تعويد المعدة على هذه الطريقة مِنَ التغذية بأن يتم الإفطار [على شيء] ثمّ بعد ساعة تُجلب الأطعمة الدسمة والمتنوّعة، فأيّ بلاء سينزل حينئذ على تلك المعدة المسكينة الّتي كانت قد استراحت لعدّة ساعات، سيكون لسان حالها: إلهي أنا لا أريد هذا النوع مِنَ الصوم مِنْ عبدك، فأنا ما كدتُ آخذ نفسًا وراحةً حتّى جاء ليملأني بكلّ ما وُجِد أمامه مِنْ طعام وغيره .

  • يجب أن يكون طعام الإفطار بسيطًا بحيث يمكن تناوله عند الإفطار فقط. ويجب تناول المقدار الّذي لا يشعر الإنسان معه بثقل المعدة. كما يجب مضغ الطعام بتأنٍّ وبدون استعجال، وذلك؛ لإعطاء المعدة فرصة العودة السليمة إلى طبيعتها المعتادة، الّتي فارقتها نتيجة الإمساك عن الطعام خلال فترة الصيام، والّتي جعلتها غير مستعدة لاستقبال الطعام. ولإعطاء الفرصة للدماغ ليُصدر أوامره للغدد مِنْ أجل أن تبدأ بالإفراز. فعلى المرء الاكتفاء بذلك المقدار مِنَ الطعام اللازم له.

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

19
  • إن تمكنتَ مِنَ الاستيقاظ في ليالي شهر رمضان فافعل، واحرص أن لا يتعدّى نومك ساعة أو ساعتين، وأقلّه أن تستيقظ قبل أذان الصبح بساعتين. وعلينا أن نعطي العشرة الأخيرة مِنَ الشهر أهميّتها المطلوبة، فجميع ثمار شهر رمضان ستُجنى خلالها. أنا لم أرَ طيلة حياتي المرحوم العلّامة نائمًا خلال تلك العشرة، وإن كان ينام أحيانًا فهو ينام لساعة أو ساعة ونصف، ثمّ يشتغل بأعماله كالمطالعة والعبادة، ويمضي وقتًا بالتفكّر. وقد سمعنا أنَّ المرحوم القاضي كان يغادر النجف في العشرة الأخيرة مِنْ شهر رمضان ولم يكن ليراه أحد فيها.

  • أتلاحظون ما الّذي بيّنه لنا العظماء. هذا في الوقت الّذي كنتُ أشاهد فيه أحد أهل العلم في ذلك الزمان – أعني في عهد شاه إيران – يذهب لحضور مجالس أحد أهل العلم أيضًا في مدينة طهران، وعند عودته في الساعة الحادية عشر ليلًا مِنْ ليالي الشتاء – حيث يكون قد مضى مِنَ الليل ست ساعات – كان يطرق علينا الباب. فكان بعد إنتهائه مِنْ إفطاره وإمتلاء معدته طعامًا بحيث يكاد يستطيع المشي، يقول: بما أنَّ منزل السيِّد محمّد حسين يقع في طريق عودتي فسأزوره – وذلك في وقت أكون فيه غارقًا في النوم وقد رأيت حلمي السابع – فيُطرق الباب .. ها قد جاء فلان يسأل إن كان المرحوم العلّامة موجودًا .. فكنَّا نذهب إليه لنجده في مكتبته مشغولًا في تأليف كتاب معرفة الإمام مثلًا – إذ كان مشغولًا في التأليف في ذلك الوقت – فأولياء الله ليسوا عاطلين عن العمل [مثلك] يا مَنْ أمضيتَ وقتك مِنَ الساعة الخامسة حتّى الساعة الحادية عشر ليلًا باللغو واللهو والضحك.

  • مِنَ الواضح أنَّ تلك المجالس لا يتمّ فيها ذكر الله، فقد شهدتُ مثلها بنفسي، فلا يجري فيها سوى التطرّق لما يجري هنا وهناك مِنْ أحداث وما فعله هذا وقاله ذاك. ثمّ عندما يخرج مثل هذا مِنْ هذا المجلس يقول: ما دمتُ عائدًا إلى بيتي، فسأمرّ على السيِّد محمّد حسين إذ بيته يقع في طريقي. وذلك ليمضي معه ساعة أو ساعة ونصف.

  • كان الأمر عجيبًا جدّا بالنسبة لي ! قال المرحوم العلاّمة مرّة: إذا جاء فلان إلى هنا، فقولوا له ليس لدي وقت للقائه. نعم بهذه الصراحة .. وقد حصل هذا الأمر مرّة أو مرتين – ولعلّ العلّامة نبّه على ذلك لأنّه كان يحتمل حصوله، فكان يعلم أنَّ ذلك الرجل سيحضر إلى منزل فلان في منطقة «تجريش»، حيث سيعقد المجلس في تلك الليلة – في نفس الوقت المعتاد، فطُرق الباب عند الساعة الحادية عشر والربع أو الحادية عشر والنصف ليلًا. فقالوا له: إنَّه هو (ذلك الرجل). فقال: ليس لديّ الوقت الكافي، فأنا مشغول بالعمل والمطالعة. وهو حقّا لم يكن يمتلك فائضًا مِنَ الوقت، وهذا ما كنَّا نشاهده بأنفسنا .. فهو ليس مِنْ ذلك النوع الّذي يمضي أيّام حياته باللغو والعبث، بل كان لديه ما يشغل باله مِن آلام نفسه ومصائب الطريق ومشاكل السلوك، وهو يبحث عن علاجها .. أمّا ذلك الّذي يمضي وقته مِنَ الساعة الخامسة حتّى الساعة الحادية عشرة ليلاً بالأكل والحديث والضحك، لا يشعر بوجود نقص في نفسه عليه ترميمه، بالرغم مِنْ أنّهم يؤدَّون الصلاة ويصومون ويقومون بالوعظ والخطابة.

  • ولكن حديثنا هو عن المقصودين بقوله × «فإنَّها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى»، فمَنْ هم هؤلاء ؟ إنّهم أمثال السيِّد محمّد حسين، إنّهم أولئك الّذين يشعرون بمرضهم ويريدون علاجه .. لا الّذين يحضرون تلك المجالس، فإنّهم وإن كانوا لا يمضون أوقاتهم بارتكاب المعاصي والمحرمات، ولكنَّهم يمضونها باللغو واللهو، فتراهم إذا وصلوا منازلهم يشغّلون التلفاز لمشاهدة كرة القدم حتّى يحين أذان الصبح، فيمضون أوقاتهم في تتبّع أهداف هذا الفريق وخصمه، فمَنْ الّذي يقوم بمثل هذه الأعمال ؟ إنَّهم الّذين يكتفون بالصلاة والصيام لا غير .. ثمّ يأتي منهم مَنْ يقول: إنَّ تلك الأمور [السلوكيّة] تحص

السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه

20
  • ل للمرء تلقائيّا دون الحاجة لتهذيب النفس وقيام الليل والتفكّر وتربية وإعداد النفس ودون الحاجة لأيّ شيء آخر .. [فإن لم تحتاج في السلوك إلى هذه الأمور] فإلى أيّ شيء تحتاج إذًا ؟ [سأترك لكم الجواب] فأنتم تعرفون الجواب أحسن منِّي. وخلاصة الأمر:

  • سر رشته‌ى دولت ای برادر به كف آر***اين عمر گران مايه به خسارت مسپار

  • [يعنى همه جا با همه كس در همه كار   ***   پیدا و نهفته چشم دل جانب يار]۱

  • [يقول: تعال واحصل على رأس السعادة ومنبع الفلاح (أي على سر التوفيق في طريق السلوك إلى الله)، ولا تخسر عمرك الثمين يا أخي.

  • وهذا السر هو: كُنْ متواجدًا في أيّ مكان ومع أيّ شخصٍ ومشغولًا بأيّ عمل، ولكن احرص أن توجّه عين قلبك في الخفاء والعَلَن باتجاه الحبيب].

  • أي كُنْ مع الجميع، ولكن يجب على عينيك التوجّه إلى مكان آخر .. وعندما تذهب إلى العمل، يجب على عينيك أن لا تركز على العمل بل على مكان آخر .. وعندما تتكلّم مع الناس، يجب على عينيك أن تنظرا إلى مكان آخر .. فإن أصبحتْ تصرفاتنا بهذا الشكل سنُمسك حينئذ بزمام السعادة ونصل منبع الفلاح ونعانق طائر الوصال.

  • هذا ما كان العظماء يقولونه ويحثّون عليه دائمًا.

  • نسأل الله أن يوفقنا لذلك، وبعون الله ومدد توفيقه – لا بالاعتماد على أنفسنا – سنحظى بالضيافة الإلهيّة الخاصّة إن شاء الله.

  • الّلهم صلِّ على محمّد وآل محمّد

    1. ) رباعيات أبو سعيد أبو الخير، الرباعي رقم ۳۲۲.