116

بطلان الأعمال عن علم وعمد

2682
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالخسران و بطلان العمر

التاريخ 1426/04/11


التوضيح

ما معنى قول الإمام عليه السلام: ولا يدع أيّامه باطلاً؟ وهل يكون ذلك بارتكاب المحرّمات الواضحة؟ وأيّ الأعمال يهتمّ الملائكة بتقييمها وأيّها هباء منثور في نفسه؟
ما المعنى الدقيق لقوله تعالى: (ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل)؟ وقوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى)؟
كيف ينبغي أن تعطى الصدقات؟
هل يصحّ إعطاء الخمس على أنّه هديّة شخصيّة؟
في أيّ الأعمال نجد مصداق البطلان؟
هل كان أبو حنيفة من مفاخر الإسلام لمواجهته المنصور العبّاسي؟
تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة مستشهدة ببعض الأحداث المعاصرة والوقائع التاريخيّة
/۲۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

بطلان الأعمال عن علم وعمد

1
  •  

  • هو العليم 

  •  

  • بطلان الأعمال عن علم وعمد

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۱۱٦

  •  

  • ألقاها: 

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

بطلان الأعمال عن علم وعمد

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • ما معنى قول الإمام (ع): ولا يدع أيّامه باطلاً؟

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام في الحديث الشريف مع عنوان البصريّ: ولا يدع أيّامه باطلاً. 

  • إذا وفّق الله إنسانًا لمقام العبوديّة وأن يرى جميع الأمور من الله ولا ينسبها إلى نفسه، ويجعل الأسباب متوجّهة إلى مسبّبها، ولا يجعل نظرته إلى الحوادث والأمور الدنيويّة نظرة أهل الدنيا وأهل المادّة، وينظر إلى الأمور من منظار توحيديّ مسندًا جميع الأمور إلى الله، ويطلب منه الفلاح لا من أهل الدنيا ومن العلاقات، ويبحث عن السعادة في التوسّل بالله لا عند أهل الكثرة والتوغّل والتوهّمات، ويعتمد في الأمور على ذات الله لا على سلسلة الأسباب والعلاقات الموجودة والمتوهّمة والمتخيّلة في عالم الاعتبار هذا، كما هو حال سائر الناس في علاقاتهم حيث يبحثون عن الكثرات ويتوسّلون بها وبأهل الدنيا ـ في أيّ شكل وقالب، فالقالب يختلف ولكنّ الحقيقة واحدة ـ ويلتفتون إلى ذلك ويوكل نظامه إلى الله تعالى، ويوكل تدبير أموره إليه، فهذا الإنسان سيكون موفّقًا في الوصول إلى مرحلة العبوديّة، ويقطع يد الشيطان عن التدخّل في حريم وجوده الخاصّ، ومن جملة آثار هذه المرتبة ونتائجها أنّه: لا يدع أيّامه باطلاً. 

  • لهذه الجملة كما تقدّم للرفقاء في الجلسات السابقة مراتب من الحقيقة، وعلى كلّ إنسان أن يطبّقها في وجوده وأعماله وسلوكه، بل وفي نيّاته في مرتبة أعلى، ويجعل نفسه مصداقًا لهذا الكلام. فما المراد من البطالة؟ وما المراد من قول الإمام الصادق عليه السلام أن لا يدع أيّامه باطلاً؟ 

  • هل قضاء الأيّام باطلاً هو بارتكاب المحرّمات؟

  • تقدّم في الجلسة السابقة أنّ مقصود الإمام عليه السلام حتمًا ليس الاشتغال بالأمور المحرّمة، لأنّه لا داعي لأن يقول الإمام إنّ على الإنسان أن لا يقضي عمره بحرام واضحٍ وبيّن، وقد تقدّم في بيان الآية الشريفة التي تقول: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}۱ أنّ المراد من هذه الآية ليس الأمر الحرام، ليس شرب الخمر، ليس السرقة، لأنّه لا عمل أصلاً هنا ليجعله الله هباء منثورًا، وهذا العمل هو بنفسه هباء منثور، ولا يحتاج إلى قياس وتقييم وميزان. لا معنى لأن تحسب السرقة يوم القيامة، لا معنى لأن يوضع شرب الخمر في كفّة ميزان يوم القيامة. لا معنى لأن ينظر إلى الربا في عالم القيامة أو أن يحقّق فيها وأنّه هل هو ربا صحيح أم باطل؟ كم قيمته؟ لأنّه لا قيمة له. لا معنى لأن يحسب أكل مال اليتيم يوم القيامة، لا معنى لأن تقيّم الرشوة يوم القيامة. ولا معنى لأن يدرس يوم القيامة الحكم ظلمًا والقضاء ظلمًا. 

    1. سورة الفرقان، الآية ٢٣. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

3
  • إنّه مسلّم أنّه من البداية لا شيء، لا حاجة إلى البحث ولا يتلف الملائكة أوقاتهم في هذه الأعمال، وأنّك هل زنيت؟ فكم هي قيمة هذا الزنا؟ سرقت؟ فكم قيمة هذه السرقة؟ كلاّ إنّهم يقضون أوقاتهم في أمور أخرى، لا يقضونها بالبطالة. من الأوّل لا يحسبون لها حسابًا حتّى يفكّروا فيها ويحاكموهم عليها ويقضوا فيها وأنّها كم تستحقّ من الاهتمام. ولا يقضون أوقاتهم في هذه الأمور الباطلة التي لا طائل تحتها. 

  • فإذن وكما تقدّم للرفقاء في الجلسة السابقة فإنّ مراد هذه الآية ومقصودها هو عبارة عن الأمور التي لها ظاهر صالح وهذا الظاهر الصالح يهتمّ به الناس بداية وفي النظرة الأولى: انظروا إلى فلان ماذا يفعل في إنفاقه؟! انظروا إلى فلان يقضي ثلاث ساعات من الليل إلى الصباح في العبادة! انظروا إلى زهد فلان ومراتب التقوى لديه! الأمور التي هي من حيث الظاهر [مستحسنة] انظروا إلى فلان كم يقدّم خدمات! كم يهتمّ بالناس! كم يتكلّم بشكل جيّد! كم لديه من الجلسات، كم هي جذّابة محاضراته! كم يدخل كلامه إلى القلب! أو ـ في عالم التجّار والتجارة ـ كم يهتمّ بالأمور! كم ينفق على الفقراء! على مجالس العزاء! 

  • قصّة تاجر القماش

  • لقد تذكّرت الآن قصّة، ففي زمان المرحوم العلاّمة وفي تلك المرحلة التي كنّا أثناءها في طهران وكنت طفلاً ابن ثلاث عشر سنة أو أحد عشر سنة، كان أحد أصدقائه من تجّار القماش وكان له متجر لبيع القماش في السوق. وكانت إحدى ليالي الشتاء، وكان الحديث حول الأعمال والبرامج التي يقوم بها الناس في مثل هذه الأمور، وهذا الكلام الذي تحدّثنا به في هذه الجلسات الأخيرة. أذكر أنّ المرحوم العلاّمة كان يتحدّث حول هذه الأمور، فذكر ذلك الرجل مثالاً حول ذلك، فكان يقول: إنّ فلانًا ـ ويقصد أحد تجّار القماش المعروفين في السوق ـ قد أخذ منّي مقدارًا كبيرًا من القماش بالجملة ثمّ لم يدفع لي ثمنه، وأخّره إلى أن لم يبق إلاّ عشرون يومًا تقريبًا إلى النيروز ـ وطبعًا الأقمشة التي تباع في الشتاء لا تباع بعده، ولو بقيت فسيخسر بائعها ـ وبعد أن أرسلت إليه أن تعال وادفع، فوجئت يومًا بعد أن فتحت باب الغرفة أنّ هناك مقدارًا من القماش، فقلت: ما هذا؟! ثمّ التفتّ إلى أنّها عين أقمشتي التي كان قد أخذها آنذاك قبل أربعة أو خمسة أشهر. واللطيف في الأمر أنّ بعضها لم يُفتح ولا يزال على حاله، ولكن رأيت أنّه باع نصف بعضها وترك النصف الآخر فجاء به، وبعضها باع ثلاثة أرباعه، وجاء بمترين منه إليّ. كان يقول: جاء بمتر ومترين وخمسة أمتار وما بقي منه القليل وقال هذا لا أريده. ما معنى لا أريده؟! لقد أخذته منّي قبل خمسة أشهر أو ستّة فما هذا الكلام؟! ما هذا الدِّين؟! ما هذا الإسلام؟! هل أخذت منك آنذاك مالاً فسلّمتك القماش؟! 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

4
  • والحاصل أنّه قال: لا أحتاج إلى هذا، وانتهى الأمر. إن أردت فتفضّل وإلا فهذا شأنك! كان يقول: لقد رأيت أنّه لا يمكن مواجهته، وكانت له لحية طويلة وكان محترمًا من قبل الناس على اختلاف أصنافهم. 

  • كان يقول: ذهبت إلى بعض الناس وكلّمتهم أنّه على الأقل ليأت ويأخذ هذه الأقمشة القليلة التي بقي منها متر ومتران وعشرة أمتار وخمسة أمتار، أمّا التي لم تفتح فلا بأس. كان يقول: لقد خسرت هذه السنة خسارة فادحة بسبب هذا الأمر. وطبعًا كان جيّدًا بالنسبة له فأنا مسلّم بذلك ولكن من وجهة نظره هو [كان قد خسر]. 

  • كان يقول: ومع غضّ النظر عن هذا الأمر، ذهبت بعد أسبوع إلى مسجد طهران، المسجد الواقع في سوق الأقمشة والذي كان معروفًا. وكان هناك مجلس عزاء وقراءة قرآن، ثمّ قالوا: ليتقدّم واحد من الحاضرين ويدعو ليؤمّن معه الباقون. ومن بين جميع هؤلاء الموجودين اختاروا هذا الرجل، فقام ووقف عند مكبّر الصوت وشرع بالدعاء. والجميل في الأمر أنّ دموعه بدأت تنهمر كسحب الربيع وأخذ يبكي. هذا الرجل بعينه الدموع تنمهر من عينيه. فكنت أقول: في النهاية من أين تأتي هذه الدموع؟ ففي النهاية هذه الدموع تحتاج إلى شيء ما، لا بدّ لها من محرّك، من رقّة، وأنت قلبك أقسى من الصخور، فهذه القسوة وهذه الحالة ـ عجيب جدًّا فهذه عين الحادثة التي حدّثتكم عنها ـ رأيت أنّه شرع بالدعاء بأيّ بيان: إلهي افعل كذا، اجعل عاقبة أمورنا خيرًا، من الجمل العربية والأدعيّة العربيّة والفارسيّة وكان الجميع يقولون: آمين. فقلت: الحمد لله لقد عرفت من هو الداعي لنا. فهذه قصّتنا وهذا نوع من الأنواع الموجودة. 

  • أيّ الأعمال يهتمّ الملائكة بتقييمها وأيّها هباء منثور؟

  • وعلى كلّ حال فقد كان الحديث في الجلسة الماضية حول أنّ الملائكة إنّما ينظرون إلى الأعمال ذات الظاهر الحسن ويقيّمونها، وأمّا تلك فلا شيء... أي إلى هذه الأدعية، هذا المجيء، هذا الدعاء الذي تقوم به، هذا البكاء الذي تبكيه، وهذا المجلس الذي تقيمه، وأمثال ذلك. أمّا الفعل المحرّم الذي هو ردّ للبضاعة وأمثاله ممّا هو محرّم، فهذا ما لا يحسبون له حسابًا أصلاً، والملائكة لا يتلفون أوقاتهم في ذلك. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

5
  • الأمر الثاني يرتبط بالإنسان نفسه، فهذا العمل الظاهريّ يسبّب لفاعله شبهة. وهذا أمر مهمّ لا بدّ من الالتفات إليه. فهذه لا قيمة لها يوم القيامة والملائكة يجعلونها {هباء منثورًا} في ميزان الأعمال، ومعنى {هباء منثورًا} أنّهم يذرونها في الرياح، فكما يذرى القطن، كيف يذرى القطن؟ والتبن إذا أردوا أن يفصلوه عن الحبوب، يعرّضونه للهواء فينتشر فيه، والغبار عندما يكون هناك عاصفة ينتشر في الهواء فيقال له: {هباء منثور}، يعني لا يبقى له أثر. 

  • ما معنى "الله هو الحقّ"؟

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ المؤمن هو من لا يدع أيّامه باطلاً. وقد تحدّثنا في الجلسة السابقة عن بيان ما هو الباطل وما هو الحقّ؟ وتكلّمنا باختصار حول ذلك. وذكرنا أنّ الآية القرآنيّة الشريفة تبيّن لنا هذا الأمر بوضوح وتعطينا المعيار لتمييز هذين الأمرين بشكل واضح، حيث تقول: {ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل...} ۱وهذه الآية عجيبة جدًّا وتستحقّ أن يتذكّرها الإنسان عند كلّ خطوة يخطوها في حياته، وعند كلّ قرار يريد أن يتّخذه: اعلم أنّ الحقّ مختصّ بالله. تحصر حقيقة الحقّ والواقع، تحصر هذا المفهوم في الاستناد إلى ذات الله، ذلك بأنّ الله هو الحقّ. وإن شاء الله في الجلسات اللاحقة سأبيّن للرفقاء كم هي عجيبة هذه الآية، وكم فيها من اللطائف والمعاني الدقيقة. فالآية حتّى الأسماء والصفات الإلهيّة لا تعدّها من الحقّ. الله نفسه هو الحقّ وذات الله هي الحقّ. وهذه الحقيقة مختصّة بالذات، ويجب أن لا يُلتفت إلى غير الذات. {ذلك بأنّ الله هو الحقّ}وحده الله هو الحقّ. 

  • ما معنى "أنّ ما يدعون من دونه هو الباطل"؟

  • {وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل}، فكلّ ما نبحث عنه فهو باطل. أن نسعى إلى ميكائيل فهذا باطل. أن نسعى إلى الملائكة، فهذا باطل. عندما كانوا يلقون بإبراهيم في النار ماذا قال؟ قال له: إن كنت تريد شيئًا فأنا في خدمتك! فقال: الله يرى فماذا تفعل أنت؟ قال لجبرائيل ماذا تفعل أنت؟ فالله يرى. لقد فهم {بأنّ الله هو الحقّ}، والرجوع إلى غيره باطل. الرجوع إلى الناس باطل، الطلب من غير الله من سائر الأسباب والمسبّبات كلّه باطل. الجميع باطل، ولا يبقى إلا الله وحده. {وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل} كلّ ما يُسعى إليه سوى الله فهو باطل. فأن ينحّى الله جانبًا لأجل الوصول إلى هدف فهذا باطل، أن نجعل غير الله في مكان الله لأجل الوصول إلى أهدافنا الإلهيّة فهذا باطل، دقّقوا جيّدًا! أن نقوم بهذا العمل لكي تبرز مكانتنا فهذا باطل. نراجع فلانًا لكي يساعدنا في هذا الأمر، فهذا باطل، كلّ هذا باطل باطل باطل، لا شيء فالله لا يبقي شيئًا. اصعدوا أو اهبطوا فهذا هو الموجود. الآية القرآنيّة تقول ذلك. 

    1. سورة الحجّ الآية ٦٢

بطلان الأعمال عن علم وعمد

6
  • هذا الأمر الذي أقوله لكم دقيق جدًّا، دقيق جدًّا. واليوم لن نتمكّن من بيانه، وإن شاء الله إذا وفّقنا الله سنتحدّث حول مراتب التوحيد ومراتب البطلان، فللتوحيد مراتب وللبطلان مراتب أيضًا. فللحقّ مراتب وللباطل أيضًا. ولا بدّ من الاهتمام أكثر بذلك. إنّ هدفنا هو أن نبيّن كلام الإمام الصادق عليه السلام ومدرسة الأعاظم وما دام الأمر كذلك فلماذا نقصّر؟ نحن علينا أن نذكر ذلك المستوى الأعلى، وإن شاء الله الرفقاء بتوفيق الله يبلغون إليه وتشملنا جميعًا العناية الإلهيّة لنصل إليه. قلت لكم ماذا كان المرحوم العلاّمة يقول؟ قلت ذات يوم إنّ المرحوم العلاّمة كان يقول: أنا لا أرضى في تربية تلامذتي بأقلّ من سلمان الفارسي. انظروا كم هو رفيع هذا المستوى! فهذا المستوى هو ما يجب أن نهتمّ به، هذا هو المهمّ، الحقّ له مراتب ولا بدّ من التدقيق في تلك المرتبة من الحقّ.

  • نسأل الله أن يرزقنا تلك الحقيقة المنحصرة بذاته، وإلا فإنّ السير في الأسماء والصفات في أيّ مرتبة كان، حصل ويحصل للكثيرين. فهناك أصحاب اليمين وهناك المقرّبون وهناك بينهما متوسّطون أيضًا. ولكن بما أنّ سفرة الكرم الإلهيّ مبسوطة وقد دعا الله دعوة عامّة إلى كافّة أنواع الإطعام. فلماذا لا ينظر الإنسان إلى تلك المرتبة ويكتفي بالأمور السفلى والأمور الظاهريّة. 

  • على كلّ حال، {ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل}، فما هو الباطل؟ هو الشيء الذي ليس عندك. يُجري الإنسان معاملة، يشتري شيئًا بعشرة آلاف تومان، ثمّ يبيعه بعشرة آلاف فهذا باطل. لماذا؟ لأنّه ليس هناك مقابل، لم يربح شيئًا في مقابله، بذل يومًا ويومين وثلاثة أيّام، لأجل شراء هذا الشيء وبيعه، يعني من جهة أتلف من وقته ثلاثة أيّام ومن جهة أخرى لم يحصل على شيء، فهذا العمل يقال إنّه باطل. فالعمل الذي يقوم به الإنسان وفي المقابل لا يستفيد شيئًا. هذا العمل عمل أبله، عمل غير عقلاني. العاقل في علاقاته يبحث عن المقابل، العمل الذي يقوم به لا بدّ أن يكون له مردود، أن تكون له منفعة. أمّا ما هي هذه المنفعة، فهذا أمر آخر. ولكن في النهاية لا بدّ أن يكون له نفع ولا يمكن أن يكون عملاً أبله.

بطلان الأعمال عن علم وعمد

7
  • فمثلاً لو كان هناك من ينفق ـ كما في الآية الشريفة ـ ثمّ يتبع إنفاقه بالمنّ والأذى وإراقة ماء وجه ذلك الإنسان. يتعب ويبذل جهدًا ثمّ يذهب بجميع أتعابه بعمل واحد. كالآية التي تقول: 

  • {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثًا...}۱ فتلك المرأة التي تجلس من الصباح حتّى المساء تغزل فإذا وصلت إلى مرحلة صار لديها فيها قطعة من القماش تبدأ عند المساء بفكّه شيئًا فشيئًا، ما إن يحلّ الليل تنتفه وتعيده قطنًا. فهذا العمل عمل أبله. هذا العمل ليس عقلانيًّا. 

  • تقول الآية الشريفة أن التفتوا في العمل الذي تقومون به أن لا يكون كالغزل والنكث. وكما يقال لا تكونوا كبقرة جحا، تبذلون كلّ هذه الأتعاب والجهود، العمل النافع، العمل الذي يهمّ الناس، العمل الصالح، ثمّ وبنيّة واحدة تخطّون خطّ البطلان على كافّة هذه الأعمال، وتخرجونها من حيّز الانتفاع بها وأن يكون لها مردود وتقضون عليها {كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة}. فهذه الأعمال إذا أردتم أن تكون يقال لها باطل. العمل الذي أدّي باطلاً، لا يبقى لكم منه إلا تعبه. بقي لكم منه تلف الأعصاب، بقي لكم منه ذهاب المال وليس لنا منه فائدة بعد مغادرة الدنيا ولو بمقدار رأس الإبرة. ثمّ الأعصاب متلفة والعمر انتهى، ثمّ حساب أن لماذا أتلفت عمرك هنا؟ فهذا له حديث آخر، هذا سبب للاحتراق، ليتهم يكتفون بالكلام فقط ويعفون، ولكنّهم يقولون: هذا العمر الذي صرفته هنا تفضّل وأجب عنه.

  • ما معنى "لا تبطلوا صدقاتكم"؟

  • يقول في الآية الشريفة: {يا أيّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى...}٢ أيّها المؤمنون إذا أردتم أن تساعدوا أحدًا، فساعدوه بحيث لا يلتفت الآخرون! ما إن يشعر ذلك الإنسان بالخجل فاعلموا أنّ الأمر قد انتهى وبطل العمل، وأنّك دفعتَ المال عبثًا، فاذهب واسترجعه! ما إن حصلت لديه حالة من أنّ هذا الإنسان قد التفت وعرف، فإنّ هذه الحالة والإنكسار اللذين حصلا له يجعلان ملكوت هذا العمل هباء منثورًا، وانتهى الأمر. 

  • ذات يوم أعطاني المرحوم العلاّمة مبلغًا من المال وقال: اذهب وسلّمه إلى فلان. فبقي هذا المبلغ في جيبي إلى الليل ـ ويبدو أنّا كنّا في مشهد وذلك أثناء المرض الذي أصاب عينه وتمزّقِ الشبكيّة، فجاء إلى طهران وأجرى عمليّة، في أثناء تلك السفرة ـ أعطاني مبلغًا في المطار وقال أوصله إلى فلان، فبقي في جيبي، وانشغلت بهذه الأعمال ومع الكثير من الرفقاء، فغفلت عن البحث عن ذلك الرجل وإعطائه المال، ورأيت أنّ الوقت ينقضي ولا بدّ من الرجوع، فأعطيته لأحد الرفقاء وقلت له: أعطه لفلان وقل له إنّه من المرحوم العلاّمة. 

    1. سورة النحل، الآية ٩٢.
    2. سورة البقرة، الآية ٢٦٤. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

8
  • ركبنا ورجعنا إلى طهران، وفي طهران كنّا جالسين، وكان هناك بعض الأصدقاء جاؤوا ليأخذوا الأمتعة، فالتفت إليّ المرحوم العلاّمة وقال: هل سلّمت المبلغ؟ قلت: نعم. قال: أنت بنفسك سلّمته أم أرسلته مع آخر؟ فقلت في نفسي يا ويلي لقد خرب الأمر ماذا عليّ أن أقول؟! فقلت له: كلاّ والسبب هو أنّه... فنظر وقال: عندما أوكلك بشيء فعليك أن تقوم به بنفسك! كان بإمكاني أنا أيضًا أن أعطيه لآخر. ألا تعلم أنّ لهذا الرجل كرامة وحالة بحيث لو أعطاه غيرك أنت ابني لخدشت كرامته؟! 

  • انظروا كم الأمر مهمّ وأنّه لا بدّ من رعاية هذه الدقائق، فليس المهمّ هو إعطاء المال، المهمّ هو حفظ شخصيّة الإنسان مؤمن فهذا هو المهمّ، أمّا ذاك فهو واحد من ألف، فهذا الجانب الظاهريّ والمادّي للأمر، وتسعمائة وتسعة وتسعون من الأمر هو رعاية الشخصيّة ورعاية النفس ورعاية عزّة النفس وكرامة الإنسان. ربّما كان لا يريد أن يطّلع على ذلك سوى المرحوم العلاّمة، وبهذه الطريقة عرف أنّ فلانًا يعلم أنّ هذا المال في النهاية من قبل المرحوم العلاّمة. أمّا لو سلّمته أنا فلا، لأنّي ابنه والأمر يختلف، فهذه نقاط كان أولياء الله في علاقاتهم يهتمّون بها. نحن فقط نقول اذهب وأعط هذا المال وينتهي الأمر. فقط نرى هذا الظاهر، ولا نهتمّ بما وراء ذلك. 

  • {يا أيّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى}، فإذا أردتم أن تتصدّقوا، إذا أردتم أن تنفقوا، فلا تمنّوا وتؤذوا ذلك الإنسان فإنّها تبطل بذلك، يبطل الإنفاق بذلك، تبطل الصدقات. 

  • وطبعًا هناك أيضًا ما يخالف ذلك، فهو نفسه كان يقوم بذلك، وتحديد موارده بيده، ففي بعض الموارد كنّا نرى أنّه عمدًا وفي حضور الآخرين كان يعطي مثلاً شيئًا لأحد، وله أهداف من ذلك. له في ذلك أهداف تربويّة، ففي هذا الأمر تأديب لهذا الإنسان يجعله يقوم بذلك بهذه الطريقة، ألا يعلم أنّ الإعطاء الآن في الملأ وأمام الآخرين ما هي تأثيراته؟ يعلم جيّدًا، ولكن لأنّه أستاذ يريد أن يزعجه قليلاً هناك ليزيل بذلك الأمور النفسيّة التي أوجدها هذا الإنسان وصارت موانع. فخلاف ذلك أيضًا كان موجودًا، هذه الطريقة أيضًا كانت موجودة، ولكن بصورة عامّة في التعاليم الإسلاميّة ما دام الأمر أمر التوحيد والالتفات إلى الله وحده، فإنّ الله يوضّح للإنسان في كلّ موضع التكليف المناسب الخاصّ به.

بطلان الأعمال عن علم وعمد

9
  • {لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى}، فإذا أنفق إنسان على آخر، وكان ذلك الإنفاق في غير وقته المناسب، فهو باطل. لو وجب على إنسان أن ينفق عشرة آلاف مثلاً، ولكنّه أنفق عشرين ألفًا لأنّ العشرة تعتبر من مثله قليلة ولا تناسب شأنه، فإنّ الله يكتب في صحيفة عمله عشرة آلاف فقط، ويقول: لقد دفعت عشرة آلاف تومان لأجل نفسك فلا تُحسَبُ وهي باطلة. 

  • لا تعط الحقوق الشرعيّة على أنّها من جيبك!

  • لو أنّ إنسانًا أراد أن ينفق، ويجعل إنفاقه هذا لأجل علاقة، أو لأجل عمل، فإنّ الله يقول: هذا العمل له، أنت لم تقم بهذا العمل لي. إذا أراد إنسان أن يعطي مالاً إلى فقير وكان هذا المال من الحقوق الشرعيّة وواجبًا، كالزكاة ولكن أراد أن يعطيه الزكاة بعنوان أنّها منه وهديّة وهبة، فإنّ الله لن يحسبها زكاة، والزكاة تبقى في ذمّته. لو أراد إنسان أن يدفع لفقير من الخمس ويساعده ـ وطبعًا لا بدّ أن يكون ذلك بإجازة وإلا فلا فائدة ـ وعندما يعطي أقاربه وأرحامه لا يقول هذا المال خمس وأنا أخذت إجازة من المجتهد لإعطائه وليس هو منّي، فإنّ ذمّته لن تكون بريئة، والمال يبقى في ذمّته، لماذا؟ لأنّه عندما يعطيه فإنّما أعطاه بهذه النيّة وبهذا الظاهر وأنّه هديّة من قبله. كلا! بل يجب أن يقول، عليه أن يقول: هذا المال مال خمس، وليس مالي، وقد أجازني المجتهد فلان في التصرّف. فليست الأمور هكذا بغير حساب.

  • ولو أخذ إنسان إجازة أن يصرف الحقوق في أمور الخير فعليه أن ينظر لو لم يكن هذا المورد فهل كان يأخذ إجازة أم لا؟ لأنّه من أقاربه وأرحامه، لأنّه جاره، لأنّه يستحي منه يأخذ إجازة من المجتهد؟ ولكن عليه أن يعلم أنّه لأنّه يستحي منه ولأنّه يراه فهو يأخذ إجازة، وإلا لما اهتمّ به، فليعلم أنّه لا فائدة من ذلك. لا أقول إنّه باطل ولكن لا ثواب عليه. على الإنسان أن يفرّغ ذهنّه للتكليف الإلهيّ والعبادة التي يقوم بها، عليه أن ينير ذهنه. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

10
  • المرجع هو المسؤول عن تحديد مصارف الحقوق 

  • أو ما يقوم به بعضهم من المجيء إلى أحدهم ويقولون له: هذا المبلغ من الحقوق ونحن نريد أن تصرفه في أمورك. أنت مخطئ! لا معنى لهذا الكلام. عليك أن تدفع هذا المبلغ، وهو يصرفه في الموضع الذي يريد، إن شاء أن يلقي به في مجرى الماء أو في البحر أو في البئر. 

  • كانوا يأتون إلى السيّد البروجردي رحمة الله عليه ويعترضون على الذين يحضرون درس الفلسفة عند العلامة الطباطبائي، كانوا يقولون: إنّ الذين يأتون ويدفعون الحقوق الشرعيّة يريدون أن تصرف حقوقهم في الفقه والأصول والحديث. فمن هم هؤلاء حتّى يعيّنوا للمرجع تكليفه؟! يخطئون إذ يحدّدون للمرجع تكليفه. إنّه مكلّف أن يدفع ماله، بل هو ليس ماله، من البداية لم يكن في ملكه ليخرجه. كان من البداية للإمام أو للفقراء. إن كان زكاة فهو للفقراء، وإن كان خمسًا فهو للإمام. غاية الأمر أنّ الإمام عليه السلام يصرف نصفه في سهم السادة. لا تتصوّروا أنّ الخمس نصفه للسادة ونصفه للإمام، كلاّ بل هو كلّه للإمام عليه السلام. غاية الأمر أنّ الإمام يصرف نصفه في السادة، ولو شاء لما صرفه. ولصرفه كلّه في أمور أخرى. 

  • فمن البداية لم يكن هذا المال ملكًا له ليخرجه من ملكه، غاية الأمر أنّ واجبه أن يخرجه وهذا أمر آخر. فوجوب الإخراج أمر مغاير [لكونه مالكًا له]. وذلك على العكس من الصدقات المستحبّة، فالصدقة المستحبّة من البداية هي في ملك الإنسان، ثمّ يخرجها ويعطيها الفقير، ويساعد في بناء مسجد أو حسينيّة أو يهيئ بها أمورًا للأيتام. فهذه صدقات مستحبّة هذه تخرج من ملكه. 

  • فإذن الحقوق الشرعيّة هي خارجة من البداية عن ملك الإنسان. من البداية خمس المال هو للإمام عليه السلام. 

  • وإن كانت زكاة فهي للفقراء وتلك الموارد التي ينبغي أن يصرفها الإمام بنفسه فيها؛ لذلك فهي من البداية للإمام وليست لهذا الإنسان. تمامًا كما لو كان أودع إنسان ما أمانة لدينا، فإنّها لا تصبح لنا. فإذا أرجعناها إلى صاحبها فهل في ذلك منّة؟ 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

11
  • ـ أرجعُها بشرط أن تنفقها في هذا المورد.

  • ـ لا معنى لهذا الكلام. 

  • الحقوق الشرعيّة هي كذلك أيضًا. فهذا الإنسان ليس مالكًا أصلاً، وعليه أن يدفع إلى الإمام، لو أراد الإمام أن يحرقها فهذا شأنه، ولو أراد أن يلقيها في البئر، فهذا شأنه، يفعل بها ما يشاء. لذلك علينا أن نعمل وفق ما أمرنا الله تعالى، وأن لا نقترح من عند أنفسنا. هؤلاء يأتون ويدفعون هذه الأموال لهذا المورد! فمن هم هؤلاء؟ بأيّ حقّ يتكلّمون بهذا؟ بأيّ حقّ يتدخّلون في ذلك؟ ليس من حقّهم. إنّها أمانة عندهم، وعليهم أن يعيدوها، ثمّ يقبّلون يد ذلك المرجع ويودّعونه ويمضون إلى عملهم فحسب. هكذا يكونون قد أدّوا ما عليهم. 

  • كرامة المؤمن أهمّ من الصدقة

  • لا بدّ في أداء الصدقات من رعاية عزّة المؤمن وكرامته، فلا يقل الإنسان للآخرين أن يأتوا إلى منزله ليعطيهم. بعضهم يقيمون مجلسًا وكلّ من يأتي إليه ينفقون عليه، ومن لا يأتي يقولون: لم يأت؛ فلا ينفقون عليه. فهل شرط الإنفاق هو المجيء إلى المجلس؟ إن كان حقًّا له فلا بدّ أن يُدفع إليه، وإن لم يكن حقًّا له فيجب أن لا يدفع إليه. إذا جئت إلى مجلسنا ورأيناك وزدت من عدد الحضور في مجلس العزاء الذي نقيمه، فسنعطيك شيئًا حين المغادرة، سنرسل إليك شيئًا. كلّ هذا شيطان! كلّ هذا باطل. لا فائدة منه. كلّ هذه المصارف هي لأجل الشخصيّة وحفظ عزّة نفس صاحبها لا لرفع الحاجة عند الناس. كلّ هذا هو للتكبّر، تعال إلى مجلسنا لنهتمّ بك! أنت مخطئ، لا معنى لهذا الكلام. 

  • رؤيا للعلامة الطهراني حول كيفيّة مساعدة أحد السادة

  • لا زلت أذكر منذ مرحلة الطفولة حين كان عمري عشر سنوات أو أحد عشر سنة ـ رحم الله أموات المؤمنين وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا ذكرهم الإنسان أحيانًا كان ذلك عبرة له أيضًا ـ كنّا نذهب مع المرحوم العلاّمة كلّ سنة مرّة إلى أبهر ـ ويبدو أنّها تفصلها عن قزوين ساعة أو ساعتين ـ وكان المرحوم الحاج هادي الأبهري أيضًا من هناك، وكان له منزل هناك، وكان يسكن هناك وأحيانًا يأتي إلى طهران. وكان أحد أصدقائه الحاج الله ياري رحمه الله، وكان من تلامذة الحاج الملاّ آقا جان الزنجاني الحاج الشيخ محمود عتيق. وكانت له مكاشفات وحالات وكان رجلاً صاحب شفافية، ومن أهل الولاء ومن أهل التوسّل وكان له منزل نورانيّ جدًّا حتّى إنّ المرحوم العلاّمة كان يقول: من جملة الغرف والأماكن المشار إليها بالبنان والتي هي موضع اهتمام ويتحدّث عنها حسينيّة الحاج اللهياري. فقد كان يمدحه، وكان يذهب إلى هناك في السنة ليلتين أو ثلاث حيث كان يدعى وفي بعض السنوات كنت أذهب وفي بعضها لم أكن أذهب. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

12
  • ذات يوم عندما كنّا هناك، كان هناك سيّد كبير في السنّ، وجرى الحديث عن زيارته برفقة الحاج اللهياري. فانطلقنا فرأينا بيتًا حقيرًا فيه غرفة أو غرفتان وباحة ترابيّة وبركة صغيرة وبضعة دجاجات وديكة، ولم يكن فيه أكثر من ذلك هكذا كان. دخلنا إليه، ولم نكن قد رأينا ذلك الرجل قبل ذلك. كان سيّدًا لطيفًا ونحيفًا وعفيفًا جدًّا، وعزيزًا، فجاء وقدّم لنا الضيافة واستقبلنا خير استقبال وكان لطيف الطبع يكثر من الملاطفة، حسن الحديث، والخلاصة أنّه كان سيّدًا لطيفًا جدًّا. وفي الأثناء التفت إليه المرحوم العلاّمة وقال له ممازحًا: يا سيّد ـ ولن أذكر اسمه الآن وطبعًا هو أيضًا انتقل إلى رحمة الله ـ فقال له: كيف حالك يا فلان؟ ألا نخطر في بالك؟ ماذا تصنع؟ فبدأ بالكلام وقال: لست بخير وأمثال ذلك. فقال له: ما عملك؟ قال: الآن أقول لك ما هو عملي. فذهب إلى تلك الغرفة الخلفيّة، وبقي مدّة وفجأة رأينا أنّه جاء يحمل على ظهره كيسًا أكبر منه بأربع مرّات، فقد كان سيّدًا نحيلاً نحيفًا ضعيفًا، وكان بائعًا للأقمشة، كان يجعل الأقمشة في كيس كبير ويمشي، وفي السابق كان هناك الكثير من هؤلاء لا أدري الآن إن كانوا لا يزالون موجودين، كانوا يمشون في القرى قرب المنازل وينادون لدينا أقمشة لدينا أقمشة ويبسطون بسطهم والناس يشترون منهم. فقد كان عمله هكذا أيضًا. حمل كيسًا كبيرًا وجعل فيه خشبة أيضًا وأخذ يدور في أطراف هذه الغرفة ويقول: قماش قماش وكنّا نعجب كثيرًا منه أن كيف يمثّل لنا عمله هنا. فضحكنا كثيرًا وكان لطيفًا جدًّا، وكان سيّدًا ظريفًا... جلسنا مدّة ثمّ خرجنا وفي الليل بعد تناول الطعام رأيت أنّ المرحوم العلاّمة التفت إلى السيّد اللهياري وقال: ماذا صنعت في علاقتك معه؟

  • قال: ماذا تقصد؟ 

  • قال: هل تساعده أم لا؟

  • قال: نعم، أنا ليس لديّ وقت وكلّما جاء وشارك في مجلسنا أقدّم له مساعدة. 

  • فقال له: أنت تنتظر أن يأتي هو ليشارك في مجلسك فتساعده؟! لماذا لا تذهب أنت بنفسك إلى بيت هذا السيّد ابن رسول الله؟ لماذا تنتظر أن يأتي هو إلى منزلك؟ لماذا لا تذهب أنت؟ فخجل ذلك الرجل واستحيا ولم يقل شيئًا. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

13
  • وأصبح الصباح فقال المرحوم العلاّمة: لقد رأيت ليلة أمس منامًا عجيبًا. رأيت أنّ السيّد حسين الفاطمي رحمه الله ـ والسيّد حسين الفاطمي في قم كان تلميذ الميرزا جواد الملكي التبريزي وكان رجلاً صالحًا جدًّا، كان رجلاً لطيفًا، له حالات، كان له منبر جذّاب جدًّا وكلام لطيف، كان من أهل التقوى، أنا لم أدركه ولكنْ كثير من فضلاء قم حتّى من أصدقائنا سمعوا كلامه وتربّوا عنده واستفادوا منه، وقد رآه الكثيرون وكان رجلاً معروفًا. له كتاب في الأخلاق والمسائل الأخلاقيّة ـ كان المرحوم العلاّمة يقول: رأيت ليلة أمس السيّد حسين الفاطمي في الرؤيا وقد أعطاني كتابه. ففتحته فكان يتحدّث عن احترام السادة ورعاية عزّة أنفسهم ـ وطبعًا بصورة عامّة لا خصوص السادة فهذا الأمر لا يختصّ بالسادة ـ وأنّه كيف على الإنسان في علاقاته أن يراعي هذه الأمور المهمّة والدقيقة. فأعطاني كتابه، ففتحت وسطه فوجدت هذه الصفحة تتحدّث حول هذا الأمر، فتعجّبت كثيرًا. 

  • ثمّ التفت إلى الحاج السيّد اللهياري وقال: هل لديك هكذا كتاب؟ قال نعم لحسن الحظ. فقال: ائت به. فذهب وجاء بالكتاب ففتح تلك الصفحة بعينها ورأى ذلك الأمر الذي رآه في النوم حول كيفيّة الإنفاق، وكيفيّة الصدقات وخصوصًا احترام السادة وأنّه كيف على الإنسان أن يحترم الجميع ويراعي كرامتهم وعزّة نفوسهم وخصوصًا السادة، وأنّ عدم الاهتمام بهذا الأمر يؤدّي لا سمح الله إلى حبط أعماله، عجيب جدًّا! يعني يقضي على أعماله ويزيلها. فلم يكن أمرًا بسيطًا أن رأى رؤيا ثمّ وجد أنّ لديه كتابًا كهذا، في حين أنّ المرحوم العلامة نفسه لم يكن لديه هذا الكتاب في مكتبته. فنظر إلى السيّد اللهياري وقال: انظر كم الأمر حسّاس ودقيق. فانظر إلى رؤيتك إلى الناس وخصوصيّاتهم وإلى رؤية الله إليهم! فالله لا ينظر إلى مكانته المتواضعة، في حين أنّك أنت تنظر ـ وهذا ما أقوله أنا ولم يكن هذا بيانه إنّه لي أنا ـ الله لا ينظر إلى جسمه النحيف الضعيف، الله لا ينظر إلى فقره وعدم إمكاناته، الله لا ينظر إلى مكانته الظاهريّة. الله ينظر إلى روحه ونفسه وارتباطه برسول الله، إلى عزّة نفسه، إلى إيمانه، إلى طبعه العزيز. انظروا هذه المعايير كم تختلف في عالم المعنى وعالم الظاهر. نحن ننظر إلى إنسان فنقول: من الواضح أنّ هذا لا محلّ له من الإعراب، لا وجاهة له، لا قدرة لديه، لا موقع اجتماعيًّا لديه، لا يمتلك شيئًا. هو ينظر إلى أنّه أيّ حقيقة يمتلك؟ على أيّ واقع هو؟ وفي أيّة حالة؟ 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

14
  • في أيّ الأعمال نجد البطلان؟

  • هذا المعنى هو معنى البطلان. فالبطلان يعني أن يكون الإنسان في حال وفي موقع لا يكون له فيها ما بإزاء في الخارج. فإذا اتّضحت هذه المسألة، فلا بدّ من التدقيق في أنّه أين يمكن أن نجد ذلك؟ في أيّ أعمال يمكن أن ننال هذا الأمر؟ في أيّ الأمور يمكن أن يكون البطلان؟ في أيّ الأعمال يمكن أن يكون مصداق البطلان؟ وما معنى هذه الآية الشريفة التي تقول: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل...}؟

  • يمكن أن يتصوّر لهذا نوعان ـ وسنبحث اليوم في النوع الأوّل منهما وربّما لا يسمح الوقت اليوم للنوع الثاني.

  • النوع الأوّل من الأعمال الباطلة صاحبها يعلم ببطلانها 

  • النوع الأوّل: هو أن يكون عمل الإنسان الظاهريّ عملاً خيّرًا، ولكنّ النفس تصرف هذا العمل لأجل مخالفة رضوان الله ومعاندته. فظاهر العمل ظاهرٌ حسن، وهو نفسه يعلم أنّ هذا العمل ليس لأجل رضا الله، ولكن لا سبيل لديه إلى تركه. 

  • نماذج ومصاديق من الخلفاء والقضاة 

  • ومن مصاديق هذا الأمر خلافة الخلفاء الغاصبة في مقابل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وفي مقابل خلافة الأئمّة عليهم السلام. فجميع الخلفاء فردًا فردًا يعلمون أنّ عملهم هذا غاصب وغصب للخلافة والولاية، والحقّ لأمير المؤمنين عليه السلام ولأولاده. وهم لا يشكّون في ذلك ولا يتردّدون أبدًا. ولكنّ هذا العمل هو لأنّ الإنسان كلّ إنسان طالب للدنيا ـ فكلّ إنسان طالب للرئاسة، أليس كذلك؟! هو كذلك في النهاية، فليقل الرفقاء هو كذلك في النهاية! لا يشكّ أحد في ذلك، وخصوصًا في هذه الأحوال والأجواء حيث الأمور واضحة للجميع ـ فكلّ إنسان يبحث عن الرئاسة، وكلّ إنسان يبحث عن التفوّق على الناس، وهو حاضر لأجل الوصول إلى ذلك أن يخوض في النفوس، وإن كان ذلك يختلف زيادة ونقصانًا من إنسان إلى آخر. فهذا من الأمور التي قياساتها معها على حدّ تعبيرنا نحن الطلاّب ولا تحتاج إلى دليل، لا تحتاج إلى دليل أبدًا. {إلا من أتى الله بقلب سليم}۱، إلا الذي اهتمّ بهم الله فصاروا خارج هذه المهلكة. لو جاؤوا وقالوا لأيّ إنسان: نريد أن نعطيك حكومة هذا المكان، ألا يقبل؟ نريد أن نؤمّرك على مدينة كذا ألا يقبل؟ نريد أن نعطيك هذه المحافظة، ولنصعد أكثر، نريد أن نعطيك رئاسة الجمهوريّة فهذه الجميع يقبلونها مائة في المائة، بلا أيّ تردّد. نريد أن نعطيك حكومة قارّة، نريد أن نعطيك حكومة الدنيا، انظروا فهذا الأمر موجود لدى الجميع. 

    1. سورة الشعراء، الآية ۸٩. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

15
  • فهؤلاء الخلفاء الذين وقفوا مقابل الحقّ ومقابل الأئمّة عليهم السلام وطرحوا أنفسهم ولم يعطوا الحقّ لأصحابه، لماذا؟ لأجل حبّ النفس وحبّ الرئاسة. لأجل ذلك، هل كانت قلوبهم تحترق لأجل المظلوم الذي لا يأخذ حقّه من الظالم؟ هل كانت قلوبهم تحترق على عدم إقرار العدالة في المجتمع؟! فهذا أمر مسلّم ونحن نشهد كيف هي الأوضاع في البلدان وفي الدول؟! لا أحد يستلم رئاسة الجمهوريّة لأجل إقرار العدالة. فأوّلاً لا بدّ أن يقرّ العدالة في نفسه. لا أحد يقوم بهذا العمل لأجل إعطاء المظلوم حقّه، ولو كان كذلك لذهب أوّلاً إلى نفسه. لا أحد يترأّس على مكان لأجل إعلاء كلمة الحقّ والتوحيد، ولو فعل ذلك لكان بدأ بنفسه وبحياته وبسلوكه، فإذن لا أحد يقوم بذلك. 

  • بعد أن انتهى الأمر إلى هزيمة الإمام الحسن عليه السلام والصلح خطب معاوية في الناس وقال: أنا لم أقاتلكم لأجل الصيام ولا الصلاة، إن شئتم فصلّوا، وإن شئتم فلا تصلّوا، الصلاة والصيام هما بينكم وبين ربّكم، بينكم وبين منكر ونكير، فصلّوا أو لا تصلّوا، إنّما أردت أن أتأمّر عليكم، وقد عزلت الإمام بالحقّ، والقوّة الآن في يدي والحكومة في يدي، بكلّ صراحة ووضوح. والأمر نفسه قام به أبو بكر، وقام به عمر، وقام به عثمان، وقام به يزيد، وقام به عبد الملك بن مروان، وقام به هارون، وقام به المأمون. جميع هؤلاء الخلفاء الذين جاؤوا في مقابل الأئمّة عليهم السلام إلى يوم القيامة، التفتوا إلى زمان ظهور الإمام عليه السلام، كلّ من جاء وشعر أنّ الحقّ في مكان آخر ومع ذلك داس على ذلك الحقّ وجعل الحكومة لنفسه فهو يسير في سياق حكومة الخلفاء وحكومة أمثالهم. 

  • عندما جاء هؤلاء الخلفاء وقاموا بذلك فبأيّ حربة وبأيّ وسيلة؟ هل بشرب الخمر بين الناس؟ كلاّ. هل بالقمار بين الناس؟ هل بالزنا بين الناس؟ كلاّ. بماذا ؟ بصلاة الجماعة، بالمنبر، بصلاة الجمعة، بأداء الحجّ، بالأذان على المآذن، بإقامة الشعائر الدينيّة بين الناس قاموا بتنفيذ نواياهم الخبيثة بين الناس. فإذن هذا العمل هو في سبيل العناد والمخالفة والمواجهة لرضا الله ومعاندة الحقّ فهذا هو النوع الأوّل. والأمر في هذا النوع واضح. وإن شاء الله لا نكون على الأقلّ من أهل هذا النوع الأوّل، لنصل إلى النوع الثاني. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

16
  • في هذا النوع الأوّل العمل الذي يقوم به الإنسان لا يختلف عنده في أيّ مقام هو؟ هو يريد أن يصل إلى الهدف. الآن الهدف يتحقّق بالشعائر الدينيّة، وغدًا بإزاحة الشعائر الدينيّة. اليوم بالصلاة والصيام وبناء المستشفى والخوض في الأمور الاجتماعيّة والأيتام والإنفاق، وغدًا بتهميش الصلاة والشعائر والتأويل والتبرير على خلاف ما كان يعدّ حسنًا في السابق، فغدًا يأتي بصورة أخرى. مثل ذلك القاضي الذي جاء في زمان "أمير كبير" إليه وكانت لديه مرافعة لإحدى الأسر، فقال ما هو نظر الأمير حتّى نحكم على أساسه غدًا. فهذا نوع آخر من الحكومة، هذا نوع من القضاء! رحم الله "أمير كبير"، نزع العمامة عن رأسه وضربه على أذنه فرماه خارج الغرفة، وجاء بواحد من العلماء الزاهدين والعابدين في قم ونصبه قاضي القضاة في طهران. فما معنى ذلك؟ معناه أنّا نريد أن نكون في خدمة الأمير، إن قال ارتكب حرامًا، نرتكب، إن قال: افعل الحلال، نفعله. المطلوب هو الكون في خدمة الأمير وكسب الرئاسة والصدارة في القضاء على الناس. لا شأن لنا بارتكاب الحرام والحلال. فهذا نوع أيضًا. 

  • أو شريح القاضي الذي كان في زمان عمر الخليفة الثاني، كان قاضيًا لهم، وفي زمان أمير المؤمنين قال أريد أن أبقى أيضًا. أراد الإمام أن يعزله، فضجّ الناس، قال: إن كنت تبحث عن الحقّ، فلماذا تثير الناس عندما يريد أمير المؤمنين أن يعزلك؟! فمن المعلوم إذن أنّك تريد أن تتربّع على كرسيّ القضاء، ولن يكون لديك فرق بين عليّ بن أبي طالب وعمر بن الخطّاب. فهذا من النوع الأوّل. أو أولئك الذين أذكر واحدًا منهم كان من أنصار أحد المخالفين المشهورين للثورة ثم توفّي. فكان هذا الرجل واحدًا من أكثر المتحمّسين له، وكان يدعوه صادق الزمان في بعض المحافظات وكان يعدّ نفسه هشام بن الحكم، وهو نفسه بعد الثورة جاء إلى أحد أصدقائنا وقال: هل يمكن أن تشفع لي ليعفوا عن أعمالي السابقة ويفسحوا المجال لي للمشاركة في أعمالهم؟ هل تلتفتون؟ فكيف يمكن لإنسان أن يغيّر مسيره مائة وثمانين درجة من ذلك الاتّجاة إلى هذا؟! ولحسن الصدف فإنّه بعد ذلك دخل في أعمالهم وصار من المعروفين! حسنًا بارك الله لك! هل يمكن لهذا الإنسان أن يكون مخلصًا في نيّته؟ هل يمكن أن يكون مخلصًا في عمله؟ هل يمكن أن يكون الله هو مقصوده في أعماله؟ تاب! أين كانت التوبة؟ يقول: ذلك الموقف كان في وقته، والآن تغيّرت الأمور، فعلينا أن نسير مع هذا الواقع. هذا هو المهمّ. علينا أن ندرك هذا الموقع! 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

17
  • طبعًا إن شاء الله كما قلت لكم لن نكون من هذا النوع وأن يجعل الإنسان عمله ذا الظاهر الصالح لأجل تثبيت موقعه المعاند للحقّ وهو يعلم. 

  • في النوع الثاني سنتحدّث عن الذين لا يعلمون، ولكن في النوع الأوّل هذا الباطل ذو الظاهر الصالح ينشأ من أنّ الإنسان يعمل الأمور الحسنة الظاهر عالمًا عامدًا لتساعده هذه الأمور على معاندة الحقّ ومخالفته، فيصلّي، يقيم الجماعة لأجل تثبيت مكانته. لو لم تكن له هذه المكانة لما جاء وصلّى ولجلس في بيته، يحجّ لكي يعزّز مكانته بين الناس وإلا لذهب إلى مكان آخر ولما حجّ، لأجل تعزيز موقعه.

  • قصّة مرشد الحجّاج المخابراتي 

  • ينقل المرحوم العلاّمة أنّه في زمان الشاه عندما سافر لأجل الحجّ، كان عالم الحملة رجلاً كبير في السنّ ومن المخابرات، كان يريد أن يسافر إلى بريطانيا ليزور ابنه، فقالت له الحكومة بما أنّك تريد أن تسافر إلى بريطانيا فاذهب من جدّة، واستلم الحملة من ناحية الإرشاد، ثمّ قطعوا له بطاقة سفر إلى بريطانيا من جدّة ليسافر. فقد جاء هذا ليزور ابنه، فقالوا له: لتكن أيضًا عالم الحملة! فإنسان كهذا من المعلوم أنّه لم يأت لأجل الله، إنّه يريد أن ينفّذ أوامر الحكومة أيضًا. ودع عنك الفتاوى التي كان يصدرها، والفتاوى التي كان يعلمُها فقد كان المرحوم العلاّمة يقول: إنّ منها أنّا كنّا يومًا جالسين وكان هو جالسًا أيضًا، فماتت امرأة هناك، فجاؤوا إليه وقالوا: إنّ فلانة ماتت، فقال: حسنًا لفّوها في قطعة قماش وأرسلوها إلى طهران. قالوا: في النهاية لا يمكن أن نرجع إلى طهران. فقال: ادفنوها. فقالت المرأة العجوز التي كانت هناك: كيف ندفنها؟ يقال إنّ هناك غسلاً فكيف هو الغسل؟ فقال: نعم هناك غسل، هناك غسل. 

  • ـ يقال إنّه بالكافور. 

  • ـ الكافور؟ ما هو الكافور؟!

  • ـ يقال إنّه بالسدر.

  • ـ المقصود صبّ الماء، تمامًا كما تنزلون إنسانًا في الحوض ـ وكان يتكلّم جادًّا ـ كما تنزلون إنسانًا إلى الحوض، فكذلك صبّوا عليه الماء فهذا كاف. فكانوا يقولون له: يا سيّد هذا لا يصحّ. كان المرحوم العلاّمة يقول إنّا كنّا جالسين ونضحك، هو ورجل آخر، وننظر كيف يقوم بواجبه تجاه هذا الميّت. فهذا الشيخ المخابراتي الذي جاء بأمر من الشاه صار مرشد الحملة. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

18
  • كان المرحوم العلاّمة يقول: رأينا تلك المرأة العجوز وكانت لحسن الحظ أصفهانيّة فقالت [وباللهجة الأصفهانيّة الخاصّة]: في النهاية يا سيّد يقولون إنّه لا بدّ في البداية من السدر ثمّ الكافور ثمّ...

  • فقال: نعم، نعم، مهما صنعتم فإن شاء الله يقبل منكم. 

  • فقالت: هذا هو الغسل الذي توصون به، فأخبرنا كيف نكفّنها؟

  • ـ الكفن! إنّه معلوم، لفّوها بقطعة قماش. 

  • واقعًا كان الأمر هكذا. فقالت له: كلاّ! يقولون إنّه لا بدّ من وضع ثوب من الأعلى إلى نصف البدن، ثمّ ثوب تحته، ثمّ ثوب لكلّ البدن. 

  • فقال: المهمّ هو الغسل، فالكفن ليس ضروريًّا. المهمّ هو الغسل، غسّلوها وهذا كاف. 

  • وكانت هناك امرأة أخرى فالتفتت إلى تلك المرأة الأصفهانيّة وقالت لها: أنت تعرفين أكثر من الشيخ فلماذا تسألينه؟ اذهبي وغسّليها بنفسك و...

  • قال المرحوم العلاّمة: عندما وصلنا إلى جدّة انفصل عنّا وسافر إلى بريطانيا للقاء ابنه. 

  • فبعض الناس هكذا، أي إنّ مكانتهم هي هكذا، هذا يجب أن يذهب إلى ذلك المكان، ولكنّه لم يذهب إليه بل جاء إلى هنا، ومرّ من هنا، فأهل الدنيا والذين هم في مقام العناد وفي مقام المخالفة للحقّ، يستفيدون من الأعمال ذات الظاهر الحسن والأمور الجذّابة لأجل ترسيخ مقامهم. فهذا هو الذي يدعى معاندًا. هذا هو الذي يدعى مخالفًا. أي هو الذي هدفه ومقصوده مخالف لرضى الله والتكبّر على أوامره والعناد أمامها، غاية الأمر أنّ ذلك هو بواسطة هذه الأشياء. 

  • صلاته هي لأجل هذا، يصلّي عمرًا، يصلّي جماعة، لأي شيء؟ لأنّ خليفة المسلمين لا يمكن أن لا يصلّي جماعة. يصوم عمرًا، هذا في الظاهر وأمّا في الباطن فلا ندري هل يفطر أم لا، لأنّ خليفة المسلمين لا يمكن أن لا يصوم. يخطب على المنبر عمرًا لأنّ خليفة المسلمين يجب أن يتكلّم مع الناس. ينصح الناس عمرًا، لأنّ خليفة المسلمين لا يمكن أن يكون ساكتًا. ولكنّ هذا الخبيث بعينه لا يقصّر عن أيّة جناية في تلك الموارد التي يرى أنّ بإمكانه أن يعمل نفوذه، في الموارد التي يرى فيها مصلحته ويمكنه بالحيلة والخداع أن يصل إليها. لقد جاء لخطبة ابنة أمير المؤمنين عليه السلام من؟ قاتل فاطمة الزهراء سلام الله عليها وأمّ هذه الفتاة. لقد جاء الآن ليخطبها وقال: يجب أن تعطيني ابنتك. فقال الإمام لا يمكن. الأمر منوط برضاها. فيقول: لا بدّ أن ترضيها. فقال الإمام: وإن لم أتمكّن فماذا؟ انظروا الخبث والوقاحة إلى أيّ درجة يصلان؟ فيقول: آتي بشاهد على أنّك سرقت فأقطع يدك ـ إلى هذه الدرجة من الانحطاط وانعدام الفطرة والشرف والوجدان ـ حينها ماذا يصنع أمير المؤمنين عليه السلام۱؟ هل يشعل فتنة؟ هل يشعل ثورة؟ فلو فعل لأراق دماء الجميع. هنا مظلوميّة أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا الأمر قبيح إلى درجة أنّ الكثيرين لا يمكنهم أن يصدّقوا وقوع جناية كهذه، ووقاحة كهذه. هؤلاء لا يتورّعون لأجل صيانة مواقعهم عن أيّ عمل. 

    1. الكافي، ج٥، ص ٣٤۷. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

19
  • أبو حنيفة

  • أبو حنيفة المعاند الأوّل لمدرسة التشيّع والإمام الصادق عليه السلام. تلميذ الإمام الصادق عليه السلام، ولكنّه يلقي الأحجار في البئر التي شرب منها، جلس على هذه المائدة، ولكنّه شرع بتشكيل المجالس لمواجهة الإمام الصادق عليه السلام، أسس مذهبًا وطرح مذهب أهل السنّة في مقابل الإمام الصادق عليه السلام. وسائر المذاهب الثلاثة أيضًا مرتبطة بأبي حنيفة. وأفضلها الشافعيّ. 

  • لقد كان أبو حنيفة هذا أوّل شقيّ شقّ مدرسة الإمام الصادق عليه السلام وساعدته الحكومة۱، فدعم أهل السنّة في مواجهة التشيّع ومخالفة أهل البيت. ألم يكن يعلم؟ إن لم يكن هو يعلم فمن الذي يعلم؟ الذي قال خالفت جعفر بن محمّد في جميع الفروع حتّى في إغماض العين في السجود، فالإمام الصادق يقول ينبغي أن تكون العين مفتوحة أثناء السجود، وهو كان يقول ينبغي أن تغمض. وفقه أبي حنيفة معروف في النهاية. وأمره معروف إلى درجة أنّه يؤدّي إلى سخريّة الناس وتعجّبهم. بعد ذلك أيمكن أن نقول إنّ إنسانًا كهذا وقف في مواجهة الإمام الصادق عليه السلام جاهلاً غير عالم. 

  • إنّه لعجيب جدًّا، فقد كنت أطالع في بعض كتابات المرحوم مطهّري قبل مدّة تقريبًا في السنة الماضية أو قبل سنتين، ثمّ راجعتها فوجدتها كما كنت أذكر، لقد رأيت منه عبارة عجيبة جدًّاحول هذا الرجل وأنّ أبا حنيفة لم يكن حاضرًا لإمضاء خلافة المنصور عندما كان في سجنه، وكتب هناك أنّ أبا حنيفة أو مالكًا أو ابن حنبل وأمثالهم لم يكونوا ملعبة في أيدي الخلفاء، فقد كان يواجهون الخلفاء وحتّى إنّ أبا حنيفة نفسه مات في سجن المنصور. فإذن بما أنّهم قاموا بهذه الأعمال آنذاك فهم مفاخر عالم الإسلام! وعلى الشيعيّ أن لا يتصوّر أنّ هؤلاء جميعًا كانوا ألعوبة في أيدي الخلفاء؛ فالإسلام هو الذي ربّى هكذا رجالاً.٢ يا للعجب! أنا لا يمكنني أن أعبّر عن مدى حيرتي وتعجّبي من كلامه هذا! أيكون العدوّ الأوّل للإمام الصادق عليه السلام من مفاخر الإسلام؟! وتربية الإسلام؟! الذي يقول: خالفت جعفر بن محمّد في كلّ فرع يصبح تربية الإسلام؟ لو كان الأمر كذلك فالخوارج أيضًا من مفاخر العالم الإسلامي. لأنّهم خالفوا معاوية، ألم يخالفوه؟ حتّى إنّ أحدهم ذهب ليقتل معاوية، وأحدهم ذهب ليقتل عمر بن العاص، ألم يواجهوا؟ ألم يواجه هؤلاء الشيوعيّون الشاه في السجون في زمانه؟! ألم يواجه مجاهدو خلق الشاه؟! فهل يصبحون من مفاخر العالم الإسلاميّ؟! أفراد كهؤلاء؟! هل هذا صحيح؟!

    1. لما تولى هارون الرشيد الخلافة، ولّى القضاء أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، وذلك بعد سنة ۱۷۰هـ، وأصبحت تولية القضاء بيده، فلم يكن يولي ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلا من أشار به، وكان لا يولي إلا أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، وفشا المذهب في هذه البلاد فشواً عظيماً، حتى قال ابن حزم: «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس». ولم يزل هذا المذهب غالباً على هذه البلاد لإيثار الخلفاء العباسيين الحنفيّة بالقضاء، حتى تبدّلت الأحوال وزاحمته المذاهب الثلاثة الأخرى... (نظرة فقهية في حدوث المذاهب الفقهيّة الأربعة، أحمد تيمور ص ٢۰ بأدنى تصرّف) (م) 
    2. مجموعه آثار شهيد مطهّري، ج٢۱، ص ۸۱. 

بطلان الأعمال عن علم وعمد

20
  • لم يلتفت هو إلى أنّه ما هو الدافع إلى هذه المخالفة؟ إن كان الدافع إلهيًّا فلماذا فتحت حانوتًا لنفسك أمام مدرسة الإمام الصادق عليه السلام وجعلت الناس على خلاف حكم الله في مواجهة مدرسة الإمام الصادق عليه السلام؟ هل فعلت ذلك لأجل الله؟ أم كان بينك وبين المنصور الدوانيقي حساب فصفّيته؟ يمكن أن يكون للإنسان آلاف الدوافع، يمكن أن يقوم بعمل ما عنادًا، فهل كان لديك اطّلاع على دافع أبي حنيفة وأنّه كان لأجل الله؟ لماذا واجه الإمام الصادق عليه السلام؟ لماذا واجه أمير المؤمنين عليه السلام؟ لماذا أحدث انحرافًا في المذهب؟ فهل هؤلاء هم الجيل المتربّي في الإسلام؟ قرّت إذن أعيننا! 

  • هنا علينا أن ندرك أنّ الأمر مهمّ ومشكل وعلينا أن لا نخضع للمشاعر ولا ننظر إلى الأمور من جانب واحد! وبمجرّد أن يكون إنسان ما على خلاف مع النظام الحاكم وله نشاط سياسيّ تصبح أموره كلّها صحيحة وتحلّ جميع مشكلاته. 

  • لم يعد الوقت اليوم يسمح، ولو سألت الرفقاء ما إن كانوا تعبوا أم لا؟ فسيقولون: لا. ولكن أنا بنفسي لم يعد لديّ مجال للمتابعة. إن شاء الله إذا وفّق الله سأتحدّث بعض الشيء لاحقًا حول النوع الثاني والذي يجب أن نتوسّع فيه أكثر ونتعرّض لزواياه وفروعه. 

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد 

  •