آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره

آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره

1443/12/21- 2022-7-20624
تعريف إجماليّ بالعارف الكامل و السالك الواصل آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره، و هو نجل العلامة الطهراني ووارث علمه و مبيّن منهجه بالقول و العمل.

آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره


ولادة السيد محمد محسن الطهراني و وفاته

الولادة: ولد السيد محمد محسن الطهراني في 23 من شوال ‌المكرّم من عام 1374 هـ.ق، في طهران. والسيد محمد محسن هو الابن الثاني للعلامة الطهراني قدس سرهما. و كانت والدته ابنة السيد معين الشيرازي رحمه الله.

الوفاة: توفي السيد محمد محسن الطهراني ظهر يوم الخميس 26 من شهر شعبان ‌المعظّم لعام 1440 هـ.ق، في مدينة مشهد المقدّسة. و دفن قدّس سره في حرم الإمام الرضا عليه السلام في رواق دار الحجة عجل الله فرجه الشريف.

أساتذة السيد محمد محسن الطهراني في العرفان:

تتلمذ السيد محمد محسن الطهراني في السير و السلوك و العرفان عند علمين عظيمين وعارفين كاملين وهما: 

الميزة الأساس للسيد محمد محسن الطهراني

ميزته الأساس هي وصوله إلى مقام التجرّد والقرب من ذات الله؛ فقد وصل بحقيقة وجوده إلى باطن عالم التكوين وسرّ حقائقه وكان له إشراف كامل عليها؛ ونتيجة ذلك أنّ كلامه كان ناشئًا من ترشّحات الباطن، وبصيرة الضمير، والوصول إلى حقائق عوالم الملكوت. 

ومن المزايا التي اختصّ بها السيد محمد محسن الطهراني أيضًا: حُسن سلوكه وجذّابيّته الأخلاقيّة والاجتماعيّة العجيبة، مع الإحاطة بزوايا نفوس الأفراد والإشراف عليها، والوصول إلى كُنه منزلتهم، وسعتهم وقابليّتهم.

الجامع بين العلوم النقليّة والعقلیّة

كان سماحة الحاج السیّد هاشم الحدّاد قد قال له:

«يا سیّد محمّد محسن! لِيكُن لديك إتقان لدروسك!»

ولذلك، فإنّه انكبّ على تحصيل العلوم والمعارف الإلهيّة مُجدًّا، إلى أن وصل إلى أعلى الدرجات العلميّة الحوزوية. 

فقد كان حائزًا على جامعيّة منقطعة النظير في علوم العقائد والعرفان والفلسفة والفقه والأصول والتاريخ والسيرة، كما كان له تميّز كبير في فهم القرآن الكريم واكتناه معاني كلمات الأئمّة المعصومين عليهم السلام، بل كان مطلعا أيضًا على بعض العلوم الظاهريّة المعاصرة؛ كالطبّ الحديث وعلم الهيئة.

وقد ألقى السيد محمد محسن قدس سره دروسا كثيرة في مرحلة السطوح العالية والبحث الخارج في الحوزة العلمية في قم المقدسة، وكانت دروسه متنوعة؛ فبعضها كان في مجال الحكمة و الفلسفة الإسلامية والعرفان حيث درّس كتابي المنظومة للملا هادي السبزواري و كتاب الأسفار الأربعة لصدر المتألهين رحمهما الله.

ومن الجدير بالذكر أنّ سماحته كان له نظريات عديدة خاصة في مجال الحكمة والفلسفة والعرفان النظري ولم يكن يكتفي ببيان آراء صاحب الكتاب فقط، كما أنّه كان يسعى دائما إلى تطبيق النظريات الفلسفية و الحكمية على الواقع وربطها به، وكان حريصا على أن تكون الدروس ذات صبغة تطبيقية وعملية و ألا تكون نظرية بحتة، وكان كثيرا ما يربط بين الأبحاث الفلسفية و المطالب العرفانية والسلوكية، كما كان يقارن بين آراء الفلاسفة من جهة وآراء العرفاء العظام من جهة أخرى ويحاكم بينهما.

كما ألقى سماحته دروسا عميقة في مجال علم الأصول، وكذلك في علم الفقه و القواعد الفقهية. وقد عالج قدس سره في دروسه العديد من المواضيع المهمة والمعاصرة مثل : 

السيد محمد محسن الطهراني ومهمّة نشر المبادئ التوحيديّة

لقد ساهم التضلّع الخاصّ للسيد محمد محسن الطهراني في فهم الحقائق العرفانيّة، وجامعيّته العلميّة الفريدة في أن يقول له المرحوم العلاّمة الطهرانيّ:

«نحن قُمنا بتكليفنا الظاهريّ، وبيّنا الحقائق وحرّرناها كتابة، وعليك أنت من الآن فصاعدًا أن تُوضّح هذه المباني، وتنشرها، وتوصلها إلى أسماع الجميع، حتّى لا تبقى في زاوية الخمول والنسيان».

وعملاً بهذه الوصيّة، فقد سعى بكلّ جهده لنشر مبادئ مدرسة العرفان، وبيانها، والدفاع عنها والجواب عن الإشكالات والشبهات التي تُوجّه لها، مستعينًا في ذلك بقلمه البليغ وبيانه الرصين، كما عمد إلى طباعة العديد من المؤلّفات القيّمة للمرحوم العلاّمة الطهرانيّ بعد تحقيقها والتقديم لها، والتعليق عليها.

ولأجل هذا كلّه، بوسعنا أن نعدّ السيد محمد محسن الطهراني أبرز مقرّر ومفسّر لمدرسة المرحوم العلاّمة الطهرانيّ التوحيديّة، كما يعتبر قدّس سرّه أهم مُنظّرٍ لمدرسة العرفان الشيعي في السنوات الأخيرة.

الحریّة والدفاع عن حريم أهل البيت عند السيد محمد محسن الطهراني

في بيانه لأحكام الشرع وإماطة اللثام عن الحقيقة المرّة، لم يكن في ضميره أيّ نوع من التفكير بالمصالح الشخصيّة، وكان راسخًا وصلبًا، بحيث لو أنّ الجبال تزعزعت عن مكانها، لما تزلزل هو في كلامه؛ وكأنّه لو وقف العالم بأسره أمام كلامه ومبادئه الحقّة، لظلّ صامدًا وحده.

كان السيد محمد محسن الطهراني يعتقد أنّ حقيقة الدين والشريعة تتمثّل في ولاية المعصومين عليهم السّلام، وكان منقطع النظير في حميّته وتصلّبه في إحياء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وحفظ حدود القيم الإسلاميّة وحريمها.

كان يرى أنّ حریم الإمامة هو خط التشيّع الأحمر، ولم يكن يرى جواز إطلاق لفظ الإمام وعبارات مثل «حسين الزمان»  و«عليّ الزمان» على غير المعصوم.

من كلام السيد محمد محسن الطهراني في المرجعيّة والفتوى  

كان يقول:

«يجب أن يكون مرجع التقليد واصلاً إلى ملكة طهارة النفس، وعيناه الملكوتيّتان مفتوحتين على كافّة الأمور التي وراء الستار وأحداث المستقبل.

ليست مرجعيّة الشيعة بالتي تُرافق الناس فقط في مجالس عزاء أهل البيت، بل هي أيضًا التي تضمّ  صوتها إلى أصواتهم في الفتن والمشاكل والمصاعب والأزمات، ولا تقف موقف المتفرّج، ولا تسمح لنفسها بالخوف من أيّ تهديد وترهيب!»

 السيد محمد محسن الطهراني وجيل الشباب

كتب السيد الطهراني يقول :

«الشباب أقرب من الآخرين إلى الفطرة الإلهيّة والصفات الربوبيّة.

إنّ شباب اليوم قبل أن يستمعوا إلى كلامنا، فإنّهم يفكّرون في سلوكنا وعملنا، ويُقيّمونه بمحكّ الموازين الفطريّة العقلانيّة التي لديهم. وتأليف كتب فقهيّة وأخلاقيّة لا يُساوي شروى نقير في مقابل كذبة ومعصية، كما أنّ إقامة مجالس الوعظ والخطابة لن تكون لها أيّة فائدة أمام المنهج المخالف للأخلاق.


لم يعُد  يُثمر اليومَ الحديثُ مع الشباب حول الطهارات والنجاسات، والرسائل العمليّة لن تحلّ مشكلة ذات بال في ضمن الأجواء الثقافيّة المعاصرة ومعتقدات الجيل الجديد!»

من كلام السيد محمد محسن الطهراني حول الشیعيّ الحقيقيّ

كان يردّد مرارًا: 

«شيعة أمير المؤمنين علیه السلام هم الذين يتّبعونه، وإن كانوا في الظاهر نصارى، وأعداء أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين يخالفون طريق ولايته الذي هو طريق الحقّ، وإن كانوا في الظاهر شيعة.
تلك الممرّضة المسيحيّة التي تخدم المرضى لوجه الله على أحسن نحو، وبوجه بشوش لهي حقًّا وواقعًا من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، بينما تلك الممرّضة الشيعيّة التي تتعامل مع المرضى بقسوة، وتكسر قلوبهم بعيدةٌ عن مذهب أمير المؤمنين!»

للاستزادة راجع محاضرة شرح حديث عنوان البصري - ج 8 ، ص 5


وكان يؤكّد كثيرًا على أنّ:

«أساس المعرفة والتكامل البشریّين ونزول الأديان الإلهية والتربية والسير والسلوك إلى الله يرتكز على الفهم والعقل والفطرة؛ فالسلوك بدون فهم يُضاهي دَوَران الحيوانات حول محور واحد، بحيث لن يكون له أيّ تأثير وتحوّل في السير الصعوديّ للنفس نحو عالم القدس.»

وفاة آية الله السيد محمد محسن الطهراني

وفي الأخير، وبعد تحمّله لسنوات من المعاناة مع المرض، انقطع سلسبيله العَطِر الجيّاش الطافح بشلّال المسك والعنبر، وتوقّف بنانه الشامخ عن نثر اللآلئ البرّاقة والدُّرر اللامعة في المعارف الإلهيّة الحقّة.

لقد سكتَ ذلك القلب وأحجم عن النبض، بعد أن قضى عمرًا في إعلاء كلمة التوحيد، وتبيين مقام ولاية الله الكلّيّة، والذود عن حياض التشيّع والمبادئ الثقافيّة الإسلاميّة الأصيلة؛ فهَوى ساكنًا في الساعة المقارنة لأذان الظهر من يوم الخميس 26 من شعبان المعظّم، سنة 1440 للهجرة، عند الأعتاب المقدّسة لثامن الأئمّة علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحيّة والثناء.

لقد لبّت نفسُه القدسيّة نداء ﴿ارْجِعِي﴾، نشوانةً بـ ﴿سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، معانقةً شاهِدَ الوصال، ومُحَلِّقةً نحو رياض القُدس ﴿في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.

رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ رَحْمَةً واسِعَة.