4

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار

داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

7
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمالأسفار

المجموعةمقدّمة المؤلّف

الموضوعالثانوية العامة أو أقل

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

ما هو التقليد الأعمى الذي حاربه الأنبياء والأولياء على مرّ التاريخ؟ ولماذا هرب المرحوم صدر المتألّهين من أبناء زمانه ولجأ إلى العزلة لكتابة سِفره العظيم «الأسفار»؟ هل يُمكن الاعتماد على الإجماع الأصوليّ للوصول إلى قول المعصوم؟ وما الفرق بينه وبين إجماع أولياء الله؟ وكيف يجب أن تتوجّه البوصلة دائمًا نحو الأئمّة عليهم السلام دون غيرهم في أخذ الأحكام والمعارف؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، مع إضاءات تاريخيّة وعرفانيّة حول شخصيّات كالمرحوم القاضي والسيّد البروجرديّ.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار

  •  

  • داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

  •  

  • سلسلة دروس شرح كتاب الأسفار الأربعة، مقدّمة المؤلّف، الّدرس الرّابع

  •  

  • الاستاذ

  •  

  • سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  •  

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمّدٍ وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • عتاب الملاّ صدرا لأبناء الزمان ولحالة التقليد في الحوزة العلميّة

  • في درس اليوم، يعتب المرحوم صدر المتألهين كثيرًا على أبناء الزمان. وبشكل عامّ، فإنّ المسألة العجيبة التي كانت موجودة منذ العصور السالفة، ثمّ في عصر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله حيث كانت سائدة، وامتدّت إلى يومنا هذا، وستستمرّ على هذا المنوال في المستقبل، هي: أنّ الناس يقعون دائمًا في معضلة التقليد، وهذه المسألة مؤسفة حقًّا؛ فكيف هي قضيّة التقليد وقضيّة أُنس الإنسان ونفسه بالمسائل والأمور التي ورثها من الماضي، بحيث لا يستطيع أن يُكيّف نفسه مع المسائل الجديدة؟ هذه معضلة؛ وبالطبع، يبدو أنّ هذه القضيّة قد اختلفت قليلاً في الوقت الحاضر، وهو ما سأتحدّث عنه إن شاء الله تعالى.

  • نهي الشريعة الإسلاميّة عن التقليد الأعمى

  • كانت مسألة التقليد هذه موجودة منذ البداية. فإذا نظرتم في الآيات القرآنيّة وفي التاريخ، ترون أنّه ما من نبيّ جاء إلاّ ولم يقل له أحد: «ما هو كلامك؟»، بل كانوا يقولون: «هكذا كان آباؤنا!». عزيزي، انظر أوّلاً ماذا يقول، ثمّ قِس ذلك بقانون العقل والفكر والمنطق؛ فإن كان باطلاً فاتركه، وإن لم يكن باطلاً فاقبله! لماذا تقولون: «كانت طريقة آبائنا هكذا؛ ولهذا، لا نقبل كلامك!»؟

  • هذا هو التقليد! هكذا كان الأمر في زمن نوح عليه السلام، وفي زمن لوط عليه السلام، وفي زمن شعيب عليه السلام، وفي زمن صالح عليه السلام؛ وفي كلّ زمان آخر، كان الأمر كذلك! كان الكفّار يقولون: ﴿أَن نَّترُكَ مَا يَعبُدُ ءَابَآؤُنَآ﴾.۱

  • يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَو كَانَ ءَابَآؤُهُم لَا يَعلَمُونَ شَي‍ئًا وَلَا يَهتَدُونَ﴾.٢

  • فهل يجب عليكم أن تحترقوا بنار آبائكم، مع أنّهم لم يكونوا يفهمون شيئًا؟! ما هذا المنطق؟!

  • إنّ ذكري لهذه المسألة الآن واهتمامي بها، يعود إلى أنّنا نحن أيضًا مبتلون بهذه القضيّة والمشكلة؛ فمثلاً، عندما تكون هناك مسألة موروثة من الماضي، فهل يجب الإصرار عليها؟! لم يكُن أحدٌ بعد الشيخ الطوسيّ يجرؤ على طرح مسألة تُخالف فتاواه، وكانوا يعدّون مخالفته ـ في الأساس ـ من الكبائر! ويُنقل أنّ ابن إدريس جاء، وكسر هذا السدّ، وبحث قليلاً في فتاوى الشيخ الطوسيّ.٣

    1. سورة هود، الآية ۸۷.
    2. سورة المائدة، الآية ۱۰٤.
    3. تاريخ الفقه والفقهاء، (فارسيّ)، كرجي، ص ۱۸٤؛ مجموعة مصنّفات الأستاذ الشهيد مطهّري (فارسي)، الخدمات المتبادلة بين الإسلام وإيران، ج ۱٤، ص ٤٢۷.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

3
  • لقد كانت مسألة التقليد موجودة في جميع الأمم السابقة، بحيث إنّ معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: «لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ وَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَ»۱ كان بعيدًا تمامًا عن عقل البشر؛ أي إنّ الناس كانوا ينظرون دائمًا إلى ما كان موجودًا من مسائل حتّى ذلك الوقت.

  • والناس اليوم كذلك أيضًا! انظروا إلى الناس الآن؛ بمجرّد أن تقولوا لهم كلمة، يقولون فورًا: «قال فلان هذه المسألة، وكلامُك يُخالف كلامَه!»، ولا يتحدّثون بعد ذلك عن هذه القضيّة أبدًا. تأمّل أوّلاً في هذه القضيّة؛ فإن كانت باطلةً، فرُدّها! لم يمنعك أحد من الردّ! أمّا أنّ «فلانًا بِلحيته وعمامته قال كذا»، فهذا ليس بدليل!

  • هذه هي مسألة التقليد التي تُسدِل حجابًا على العقل والعين والباطن، فلا يستطيع الإنسان رؤية الحقيقة؛ أي: حتّى لو كان صاحب عمامة ومن أهل العلم، إلاّ أنّ نفسه في مستوىً يجعله يضع ذلك العلم في خدمة مرتكزاته الذهنيّة، لا أنّه يمتلك الجرأة لتنحية تلك المرتكزات الذهنيّة جانبًا، والاستفادة من ذلك العلم على أحسن وجه وأتمّه. فمثلاً، ما دام الأب هو السالك، فإنّ ابنه يكون سالكًا أيضًا؛ ولكن، عندما يخرج الأب من دائرة السلوك، يخرج الابن أيضًا! لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟! وما دام الأب ليس سالكًا، فالزوجة والأبناء ليسوا كذلك؛ ولكن، بمجرّد أن يأتي الأب، تأتي الزوجة والأبناء! لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟! أليس طريق الله تعالى طريقًا يُمثّل الحقيقة؟!

  • ولهذا، نرى أنّهم يبدؤون بالتهكّم والسخرية! ويتبيّن أنّ أصل الأمر وحقيقته كانا بلا معنى؛ لأنّه إذا التفت إنسان إلى حقيقة ما، فلا معنى لأن يتخلّى عنها؛ فيتبيّن إذن أنّه هو أيضًا يُتابع هذه الأمور بدافع الشوق والقيل والقال من هذا وذاك ومن هنا وهناك. إذن، كلّ هذا يُصبح تقليدًا!

  • فنحن إذن لدينا سلوك تقليديّ، وشرع تقليديّ، وأعراف تقليديّة، واجتماعيّات تقليديّة؛ كلّها تقليديّة! وإلى هذا المعنى يشير [مولانا جلال الدين الروميّ] بقوله:

  • مر مرا تقلیدشان بر باد داد***که دو صد لعنت بر این تقلید باد٢
  • [يقول: لقد أضاعني تقليدُهم، فلتنزل مئتا لعنة على هذا التقليد].

    1. غرر الحكم، ص ۷٤٤.
    2. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الثاني، ص ٢۰٤.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

4
  • وبالطبع، ليس مرادنا من التقليد المذموم تقليدُ النبيّ والإمام والوليّ العارف؛ بل مرادنا هو تقليد الجهل وتقليد الباطل، ومرادنا هو هذه المسألة التي يقولون فيها: «بما أنّ الأمر كان هكذا سابقًا، فليكُن هكذا الآن أيضًا!».

  • حجيّة إجماع أولياء الله وعدم حجيّة إجماع سائر الفقهاء

  • هذه المسألة مسألة في غاية الأهميّة: يجب على الإنسان دائمًا أن يضع نفس القضيّة والمسألة نصب عينيه، لا أن ينظر إلى مَن يقول هذا الكلام، أو أن يقول: «الآخرون فعلوا هكذا!»، أو يقول: «عزيزي، أنت تُخالف الإجماع!». نعم، نحن نُريد في الأساس أن نُخالف الإجماع! نحن في الكثير من مبانينا الأصوليّة نُخالف أصل الإجماع بتاتًا!۱ ما هو الإجماع؟! الإجماع عبارة عن أُناسٍ ـ مثلي ومثل حسن وحسين وتقيّ ـ اجتمعوا، فتشكّل الإجماع، وصُنع مفهومٌ يرتعب الأفراد من مُخالفته! ما هو الإجماع؟! الإجماع هو هذا الشيء الذي نراه! انظروا إلى ثلاثمائة رسالة عمليّة! ما شاء الله! هذا صار إجماعًا! يتشكّل الإجماع من أناس مثل السيّد حسن والسيّد حسين و ...!

  • وقد كان الأمر كذلك في ذلك الزمان السابق أيضًا؛ غاية الأمر، رحم الله أولئك السابقين وجزاهم خيرًا، فقد كانوا يختلفون عنّا كثيرًا، وقُلامة ظفرهم تسوى الكثيرين! فهل كان أمثال السيّد بحر العلوم والعلاّمة الطباطبائيّ يُجمعون على قضيّة ما؟! إذا أجمع أمثال الميرزا حسن الشيرازيّ والسيّد بحر العلوم وابن فهد والسيّد ابن طاووس على مسألة، فإنّ الإنسان يصل من إجماعهم إلى بعض المسائل؛ وإن كان السيّد ابن طاووس قدّس سرّه لم يكُن يمتلك علمًا غزيرًا جدًّا ولم يكن لديه عرفان، بل كان فقط سالكًا وعابدًا وزاهدًا.

  • الكلام هو أنّكم تريدون الوصول إلى «قول المعصوم» بواسطة الإجماع! مع أنّه لا يُمكن الوصول إلى قول المعصوم من خلال قول ابن إدريس وابن زهرة أو بفتوى صاحب الحدائق الذي كانت فتواه تتغيّر كلّ يوم، حيث كانت له في الصباح فتوى، وفي المساء فتوى أخرى! أ فهل يُمكن الوصول إلى قول المعصوم بهذه الإجماعات؟!

  • إذا اجتمع عدّة من أولياء الله تعالى، وأبدوا رأيهم في مسألة، وكانت هذه المسألة متّفقًا عليها، فإنّنا نقول: «هذا الإجماع يحكي عن منشأ واحد». فلم تعُد المسألة هنا مسألة «ظهور» و«مظهريّة في ظهور واحد»، بل إنّ اتّفاق الآراء هذا يحكي عن قضيّة نفس أمريّة [أي واقعيّة].

    1. راجع كتاب: الإجماع من منظور النقد والتحليل: رسالة أصوليّة في عدم حجيّة الإجماع مطلقًا (فارسيّ).

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

5
  • ولكن، مثل الإجماعات الحاليّة لا يُمكنها أن تكشف عن قول المعصوم أبدًا؛ ولهذا، يقولون: «الإجماعات بعد الشيخ الطوسيّ لا فائدة منها!»؛ لأنّ الجميع كانوا يخافون أن يُفتوا بخلافه! غير أنّ الشيخ الطوسيّ كغيره! الشيخ الطوسيّ عالم صالح، ومجتهد بذل جهدًا، فجزاه الله خيرًا. إنّ الذين تعبوا حقًّا دون هوىً، لهم عند الله تعالى أجر ومقام حقًّا؛ غاية الأمر، أنّهم لم يكونوا يعلمون عن العرفان شيئًا. وبالطبع، نحن لا نعلم أبدًا ما الذي يجري هناك! نحن نتوهّم أنّنا عرفاء! وفضلاً عن العرفاء، نتوهّم أنّنا سالكون، وأنّنا زُبدة الممكنات! كلاّ، ليس الأمر كذلك هناك؛ فهناك، يُنظر إلى القلب الصافي والهمّة الطاهرة، ولا يُنظر إلى الذكر والورد والسجدة اليونسيّة وصلاة الليل! القضيّة هناك هكذا؛ ولهذا، ترون هناك بعض الذين كانوا من أهل السلوك متأخّرين جدًّا، بينما الذين لم يكونوا من أهل هذه الأمور متقدّمين جدًّا! هذه هي حقيقة القضيّة وواقعها؛ ولهذا، فإنّ عملنا أصعبُ من عملِ غيرنا، وما زلنا نعاني من المشاكل!

  • لزوم التواضع والتسليم التامّ فقط في العتبة الولائيّة للمعصومين عليهم السلام

  • نحن لا شأن لنا بكون القضيّة إجماعًا؛ فنحن أمامنا أربعة عشر معصومًا فقط، وانتهى الأمر! أوّلهم النبيّ وآخرهم الإمام المهدي عليهم السلام. الأربعة عشر فقط هم المعصومون، ويجب أن نستنبط أحكام الدين من هؤلاء الأربعة عشر معصومًا، وانتهى الأمر! يجب أن ننظر كيف كانت أحوال هؤلاء الأربعة عشر: كلامهم، سلوكهم، سيرتهم، تاريخهم، معاشرتهم لأهل زمانهم، تصرّفاتهم، حديثهم، ذكرهم، وردهم، خلوتهم، قضاؤهم، حكومتهم، ارتباطهم بالسلطة، تقيّتهم... بأيّ نحو وبأيّ كيفيّة كانت، ونجعلهم هم القدوة فقط. وما عدا هؤلاء، فضَعِ الجميع جانبًا إلى قيام الساعة! وبالطبع، لا أقصد أولياء الله؛ بل أقصد هؤلاء الأفراد الذين يدّعون حمل لواء الرسالة، ويدّعون هذه القضيّة؛ فهؤلاء جميعًا يجب أن يتنحّوا جانبًا، ولا يبقى سوى هؤلاء الأربعة عشر.

  • إذن، فإنّ رأي السيّد البروجرديّ بأنّه: «عندما تدخلون حرم الإمام الرضا عليه السلام، لا تُقبّلوا العتبة؛ لأنّ ذلك يُشبه السجود»۱ هو رأي يخصّه هو. يقول: «فيه مشابهة!». حسنًا، فلتكن فيه مشابهة؛ ما الدليل على الحرمة في ذلك؟ هل لأنّه يشبه السجود؟ الكثير من الأشياء تشبه السجود، وأنتم تقومون بالكثير من الأعمال، ولكنّكم لا تسمّونها مشابهة؛ فلماذا يُصبح الأمر مشابهًا للسجود بالنسبة للإمام الرضا عليه السلام؟!

    1. راجع: الروح المجرّد، ص ٢۱٤؛ مَفْخَرَةُ المَرْجَعِيَّةِ وَسِرَاجُهَا (فارسيّ)، مجتبى أحمدي، ص ٢٤.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

6
  • كلاّ، بل يجب الذهاب إلى حرم الإمام الرضا عليه السلام، ويجب تقبيل العتبة أيضًا، ثمّ الدخول إلى الحرم. أنا في كلّ مرّة أتشرّف فيها بزيارة الحرم، وقبل الدخول في المرّة الأولى، أُقبّل العتبة ثمّ أدخل؛ سواءً كان أحد يرى، أم لا! إنّ عدم تقبيل الإنسان للعتبة هو أنانيّة وإظهار للذاتيّة في مقابل مقام الولاية!۱

  • وبالطبع، أقول هذا: لقد كان السيّد البروجرديّ رجلاً طاهرًا ومخلصًا جدًّا، ولا توجد فيه شائبة حقًّا! وقد نقلتُ مسائل عنه تتعلّق بيوم عاشوراء.٢ كان رجلاً طاهرًا، ومخلصًا، وصاحب حميّة وغيرة دينيّة، وكان رجلاً غيورًا بحقّ.

  • كان المرحوم العلاّمة ينقل قضيّة عنه، ويقول:

  • قال لي الشيخ إسماعيل الملايري يومًا هنا: «في ذلك الزمان الذي كان فيه الشيوعيّون يتعاونون مع مُصدّق، وتقدّموا، ونظّموا المظاهرات، وعقدوا المؤتمرات واللقاءات، واستلموا زمام الأمور، كان ذلك يُشكّل خطرًا كبيرًا على البلد؛ ومن جهة أخرى، كان مصدّق قد اختلف مع علماء الدين، والخلاصة أنّ الأوضاع كانت تتّجه نحو الفوضى. وفي إحدى المرّات عندما كان السيّد البروجرديّ في الصيف في أحد المصايف أطراف قمّ وكنت معه، استيقظتُ في منتصف الليل، وسمعت صوت مناجاة، فرأيت السيّد البروجرديّ قد استيقظ، وكان يُصلّي صلاة الليل في باحة المنزل، وكان في صلاة الليل يقرأ باستمرار سورتي ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾٣ و﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ﴾،٤ وكان يُكرّر ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ﴾ بشدّة وتأكيد على الكلمات، وكان يُريد بحرص وتأكيد وبقصد الإنشاء أن يُوجد هذ المعنى في الحضرة الإلهيّة [أي: يُنشئ معنى التعوذ بالله ويُوقعه حقيقةً!]! وفي الصباح، قلت له: سيّدنا، لقد استيقظت البارحة، فرأيتكم في غاية الالتهاب [الروحيّ]، وتقرؤون ﴿قُل أَعُوذُ...﴾ بحرص وشدّة!

  • فقال: عزيزي، إنّ البلد يضيع، ويجب علينا أن نتوسّل! لا يُمكن ترك الأمر هكذا!

  • أيٌّ من هؤلاء المشايخ هكذا؟ رحمه الله، فقد كانت فيه غيرة وحميّة ونخوة دينيّة!

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: «انقلبت الأوضاع في تلك الليلة نفسها!»، وكان رأيه أنّ توسّلاته هي التي أثمرت ذلك، طبعًا، في ضمن سلسلة العلل.

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: «كان السيّد البروجرديّ رجلاً أصيلاً!»؛ أي كان ذا أصالة، وحريصًا [على الدين]. ولكن، أن يقول السيّد البروجرديّ: «لا تُقبّلوا عتبة الإمام الرضا عليه السلام؛ لأنّ ذلك يشبه السجود»، فنحن لا نقبل هذا الكلام مع كامل الاحترام! عندما نتشرّف بزيارة عليّ بن موسى الرضا، يجب علينا على الأقلّ في المرّة الأولى أن نُقبّل العتبة، وفي المرّات اللاحقة، أن نقبّل الأبواب؛ وليَنظر مَن شاء أن ينظر!

    1. للاطّلاع على جواز تقبيل إطار أبواب الدخول‌ لقبور الأئمّة عليهم السلام‌، راجع: الروح المجرّد، ص ٢۱٣ و٢۱٤.
    2. راجع: رسالة العمرة المفردة (فارسيّة)، ص ٣۱، الهامش ٣؛ شرح حديث عنوان البصريّ، المحاضرات ٣۸ و٩٣ و۱۰۷؛ درس خارج فقه الحجّ (فارسيّ)، ص ۱٩٤۰. وراجع أيضًا: سيرة الزعيم الكبير لعالم التشيّع آية الله البروجرديّ، ص ٣٦۸.
    3. سورة الناس، الآية ۱.
    4. سورة الفلق، الآية ۱.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

7
  • كلّ واحدة من هذه المسائل التي أطرحها بخصوص السيّد البروجرديّ محفوظة في مكانها؛ ولكنّ القصد هو أنّه لا ينبغي أن نأخذ الوحي من السيّد البروجرديّ، بل يجب أخذ الأحكام من الإمام عليه السلام فقط؛ لأنّ الإمام قد وصل إلى مقام العصمة المطلقة، سواء العصمة في الفكر أو العصمة في العمل أو العصمة في السرّ. يجب أن نأخذ الأحكام من الأئمّة عليهم السلام فقط، وانتهى الأمر!

  • المحوريّة المحضة للإمام عليه السلام في كشف المعارف الدينيّة الحقيقيّة

  • كان المرحوم العلاّمة يهتمّ بهذه القضيّة، وكان يُريد أن يثبت هذه المسألة: أنّ كلام أيّ إنسانٍ غيرَ المعصوم وغيرَ مَن وصل إلى عصمة السرّ، يزول برحيله؛ أيًّا كان هذا الإنسان؛۱ لأنّنا مكلّفون باتّباع الحقّ المطلق والحقّ بنحو الإطلاق، لا الحقّ المشوب. أمّا مسألة مقدار تكييفنا لأنفسنا، فهذا أمر آخر. نعم، لا يُمكننا تكييف أنفسنا مع الحقّ المطلق، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ».٢ يجب على الأقلّ أن نفهم ما هو الحقّ؛ أمّا مقدار تكييفنا لأنفسنا مع هذا الحقّ، فهي مسألة أخرى. وكلّما تكيّفنا بمقدار معيّن، شكرنا الله تعالى! ولكن، لا أن نجعل مبنانا قائمًا على كلام السيّد البروجرديّ؛ فهذا باطل! إنّ مَن يبحث عن الحقّ يجعل مبناه كلام الإمام عليه السلام، لا السيّد البروجرديّ، ولا مَن هو أعلى من السيّد البروجرديّ.

  • الإشكال الذي أوردتُه على الشيخ عبّاس القوچانيّ كان حول هذه المسألة بعينها. كان المرحوم العلاّمة يقول: جاء أحد أعيان طهران ومعروفيهم إلى النجف. وفي ذلك الوقت، كان العمّال والبنّاؤون منهمكين في التجصيص وترميم حرم أمير المؤمنين عليه السلام. كان هذا الرجل يأخذ التعليمات والأذكار من الشيخ عبّاس، وكان الشيخ عبّاس أستاذه؛ ولهذا، سألَ الشيخَ عبّاس: «أرغب في العمل في الحرم ليوم واحد، فأخلع ثيابي، وأبدأ بالعمل مثل العمّال!».

  • فقال له الشيخ عبّاس القوچانيّ: «لا تفعل ذلك، ونيّتك تكفيك، وأنت مأجور. بدلاً من هذا العمل، رافقنا في رحلة المشي إلى كربلاء. (كان هو أحد الثلاثة الذين جاؤوا مع المرحوم العلاّمة من النجف). وبما أنّك من الأعيان، فإذا رآك الآخرون، فلن يكون ذلك حسنًا بحقّك؛ أي إنّهم إذا نقلوا هنا وهناك أنّك بمكانتك هذه تعمل كعامل في الحرم، فقد يطرأ في نفسك شيء، ومفسدة ذلك على نفسك أكبر من مصلحته».٣

    1. راجع: معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ۱۸۰. ولمزيد من الاطّلاع بشكل تفصيليّ على أدلّة عدم جواز تقليد الميّت، راجع: الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد والمرجعيّة، ص ٢۷۸.
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، الرسالة ٤٥، ص ٤۱۷.
    3. راجع: الروح المجرّد، ص ٢٣.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

8
  • وقد ذكر المرحوم العلاّمة اسمه أيضًا. كان من أصدقاء المرحوم العلاّمة، ولكنّه ابتعد في الآونة الأخيرة. هو رجل صالح وشيخ نورانيّ ومحترم جدًّا، ويبدو أنّه لا يزال حيًّا الآن.

  • عندما كان المرحوم العلاّمة ينقل هذه القضيّة في مجلس خاصّ، قلت: سيّدي، أنا أعترض على كلامه! في مقام وساحة الولاية، لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى أيّ شيء! بل يجب أن تكون الولاية وحدها هي المعيار، وتسمو فوق كلّ شيء.

  • فضحك وقال: «نعم، على كلّ حال، نحن لا شأن لنا بهذا الآن».۱

  • وبالطبع، كان الشيخ عبّاس أستاذ المرحوم العلاّمة، فلم يشأ أن يقول شيئًا تأدّبًا؛ ولكنّه لم يكن أستاذي أنا!

  • شكوى الملاّ صدرا من تقليد الناس الأعمى

  • ولهذا، يشتكي المرحوم صدر المتألهين هنا من مسألة التقليد ويقول [ما معناه]:

  • كان الناس في ذلك الزمان يسبّون ويشتمون ويكفّرون ولا يبالون أبدًا! لقد وقعت زمام الأمور بأيدي ثلّة من الجهّال، فجرّوا الناس وراءهم (أي هذه التيّارات نفسها التي كانت تقف في الماضي ضدّ العرفان والفلسفة)؛ ولهذا، اضطررتُ لفترات طويلة أن أعتزل في زاوية وفي خمول، وأنشغل بالرياضات وما شابه ذلك، حتّى كشف الله تعالى لي حجب أستاره، وأنار قلبي بأنوار الملكوت.

  • بعد ذلك، بدأ بكتابة كتاب «الأسفار». أي إنّ صدر المتألهين هرب حقًّا من أيدي الناس إلى زاوية لئلاّ يراه أحد! لأنّه:

  • خون دلم از دیده روان است از آنک***از دل برود هر آنچه از دیده برفت٢
  • [يقول: يجري دم قلبي من عيني؛ لأنّ ما غاب عن العين غاب عن القلب]

  • عندما لا يكون الإنسان في معرض الأنظار، فلا شأن لأحد به، ولا يلتفت إليه أحد؛ ولهذا، تجده يُمارس أعماله الخاصّة.

  • طريقة جمع مسائل كتاب «الأسفار»

  • ثُمَّ إنِّي قَدْ صَرَفْتُ قُوَّتِي فِي سَالِفِ الزَّمَانِ مُنْذُ أَوَّلِ الحَدَاثَةِ وَالرَّيَعَانِ فِي الفَلْسَفَةِ الإِلَهِيَّةِ بِمِقْدَارِ مَا أُوتِيتُ مِنَ المَقْدُورِ، وَبَلَغَ إلَيْهِ قِسْطِي مِنَ السَّعْيِ المَوْفُورِ، وَاقْتَفَيْتُ آثَارَ الحُكَمَاءِ السَّابِقِينَ وَالفُضَلَاءِ اللاّحِقِينَ مُقْتَبِسًا مِنْ نَتَائِجِ خَوَاطِرِهِمْ وَأَنْظَارِهِمْ، مُسْتَفِيدًا مِنْ أَبْكَارِ ضَمَائِرِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ. وَحَصَّلْتُ مَا وَجَدْتُهُ فِي كُتُبِ اليُونَانِيِّينَ وَالرُّؤَسَاءِ المُعَلِّمِينَ، تَحْصِيلاً يَخْتَارُ اللُّبَابَ مِنْ كُلِّ بَابٍ وَيَجْتَازُ عَنِ التَّطْوِيلِ وَالإِطْنَابِ، مُجْتَنِبًا فِي ذَلِكَ طُولَ الأَمَلِ مَعَ قَصْرِ العَمَلِ، مُعْرِضًا مِنْ إِسْهَابِ الجَدَلِ مَعَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَالأَجَلِ، طَلَبًا لِلْجَاهِ الوَهْمِيِّ وَتَشَوُّقًا إِلَى التَّرَؤُّسِ الخَيَالِيِّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ مِنَ الحِكْمَةِ بِطَائِلٍ أَوْ يَرْجِعَ البَحْثُ إِلَى حَاصِلٍ.

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: أسرار الملكوت، ج ٣، ص ۱٥٩.
    2. ديوان معزى، أمير معزى، الرباعيات، الرباعي رقم ٤٤.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

9
  • كَمَا يُرَى مِنْ أَكْثَرِ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ مِنْ مُزَاوِلِي كُتُبِ العِلْمِ وَالعِرْفَانِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِمْ مُنْكَبِّينَ أَوَّلاً بِتَمَامِ الجِدِّ عَلَى مُصَنَّفَاتِ العُلَمَاءِ، مُنْصَبِّينَ بِكَمَالِ الجُهْدِ إِلَى مُؤَلَّفَاتِ الفُضَلَاءِ.

  • أي: لقد صرفت قوّتي في الزمن الماضي، وفي أوائل حداثة سنّي وريعان شبابي ـ بالقدر الذي أوتيته وكان بمقدوري، واقتضاه نصيبي من السعي الموفور ـ في تعلّم الفلسفة الإلهيّة. وتتبّعت آثار الحكماء السابقين والفضلاء اللاّحقين مقتبسًا من نتائج خواطرهم وأنظارهم، مستفيدًا من أبكار ضمائرهم وأسرارهم التي لم يتوصّل إليها أحد. وحصّلت ما وجدته في كتب اليونانيّين كأرسطو وأفلاطون، والرؤساء المعلّمين كأبي نصر وابن سينا، متعلّمًا إيّاها (ظانًّا أنّ الحقيقة تكمن في تتبّع أفكار أرسطو وغيره)؛ تحصيلاً يستخلص لُباب كلِّ باب، ويتجاوز التطويل والإطناب؛ مجتنبًا في ذلك طول الأمل (كالسعي نحو الرئاسات الخياليّة وتولّي مناصب البحث والتدريس) مع قصر العمل؛ ومُعرضًا عن إسهاب الجدل لاقتراب الساعة والأجل؛ إذ كان فكري محصورًا في المسائل الإلهيّة وحدها! وكنت أطلب الجاه الوهميّ وما يجول في ذهني، متشوّقًا للوصول إلى تلك المرتبة العالية من الخيال (كمرتبة أحسب فيها أنّي أدركت حقيقة الوجود وانكشف لي عالمه وحصّلت المعرفة بمعناها التامّ)، دون أن أظفر من الحكمة بطائل، أو أصل من البحث إلى نتيجة.

  • كما يُرى هذا النهج والديدن في أكثر أبناء الزمان ممّن يزاولون كتب العلوم المختلفة والعرفان، حيث ينكبّون في البداية بتمام الجدّ على مصنّفات العلماء، وينصبّون بكمال الجهد على مؤلّفات الفضلاء.

  • أي أنّك تجدهم يبحثون في مسألةٍ ما بلا طائل من دون أن يخرجون منها بنتيجة؛ وغايتهم فقط الجانب النظريّ والبحثيّ منها، من غير أن تنكشف لهم أيّة حقيقة. دائمًا يريدون أن يروا ماذا يقول العالِم الفلانيّ، أو ماذا يقول المرحوم الملاّ عليّ النوريّ ـ مع أنّ الملاّ عليّ النوريّ لم يكن شخصيّة عاديّة، بل كان البعض يعدّه في رتبة صدر المتألهين ـ أو ماذا يقول المرحوم الزنوزيّ! وهم يستمتعون بمعرفتهم لأقوال هذا وذاك، ويفرحون بأنّهم مثلاً مطّلعون على آراء العرفاء والفلاسفة!

  • ثُمَّ عَنْ قَلِيلٍ يَشْبَعُونَ عَنْ كُلِّ فَنٍّ بِسُرْعَةٍ وَيَقْنَعُونَ عَنْ كُلِّ دَنٍّ بِجُرْعَةٍ، لِعَدَمِ وِجْدَانِهِمْ فِيهَا مَا حَدَاهُمْ إِلَيْهَا؛ شَهَوَاتُهُمْ شَهَوَاتُ العِنِّينِ وَدَوَاعِيهِمْ دَوَاعِي الجَنِينِ.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

10
  • ولكن، بعد أن يمضي زمان، ولا يحصلون على أيّة نتيجة، يسأمون بسرعة من كلّ فنّ، ويفقدون شوقهم إليه، فينتقلون إلى مسألة أخرى؛ فيقنعون من كلّ وعاء ودنّ بجرعة، لعدم وجدانهم غاية وحقيقة تُحفّزهم وتُرغّبهم، فيُحبَطون، ويتركون كلّ شيء. فهؤلاء شهواتهم شهوات العنّين الذي لا شهوة له (أي لا شيء في مخيّلتهم البتّة ويُفكّرون كالأطفال)، ودواعيهم دواعي الجنين.

  • وما هي دواعي الجنين؟ لا شيء! ودواعي هؤلاء الأفراد تافهة جدًّا! فهم يريدون فقط الوصول إلى معرفة قول فلان وقول علاّن، ليشرعوا في الحديث في المجالس، فيقول الآخرون: «ما شاء الله، كم هو مطّلع هذا الرجل على أقوال الحكماء والأصوليّين وغيرهم!». يُكثرون من قول: «المرحوم الآغا ضياء، المرحوم النائينيّ!» حتّى يُزبدوا! وأنتم ترون الآن والحمد لله تعالى أنّ متعة كلّ هؤلاء السادة تكمن في إحاطتهم بما أفاده النائينيّ وبما صدر عن الآغا ضياء من أبكار ضمائره، ولا يملكون مهارة غير هذه ليعرضوها! فما شأني أنا إن كان هو قد قال كذا؟! وماذا تملك أنت؟! دواعي هؤلاء هي دواعي الجنين؛ أي أن يكونوا محترمين بين الناس، وأن يرفعهم الناس، ويضعوهم في المراتب العُليا، ثمّ يأكلوا شيئًا، ويملؤوا بطونهم، ويعودوا إلى بيوتهم لمتابعة سائر أمورهم!

  • وَلهذا، لَمْ يَنَالُوا مِنَ العِلْمِ نَصِيبًا كَثِيرًا، وَلَا الشَّقِيُّ الغَوِيُّ مِنْهُمْ يَصِيرُ سَعِيدًا بَصِيرًا؛ بَلْ تَرَى مِنَ المُشْتَغِلِينَ مَا يُرْجَى طُولُ عُمْرِهِ فِي البَحْثِ وَالتَّكْرَارِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

  • ثُمَّ يَرْجِعُ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، وَيَصِيرُ مَطْرَحًا لِلْعَارِ وَالشَّيْنِ؛ وَهُمُ المَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَٰلاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾.۱ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الوَرْطَةِ المُدْهِشَةِ وَالظُّلْمَةِ المُوحِشَةِ.

  • أي: ولهذا السبب، بما أنّهم يسعون فقط وراء هذه الرئاسات الخياليّة والدواعي النفسانيّة، فإنّهم لم ينالوا من العلم نصيبًا وافرًا، ولا الشقيّ الغاوي منهم يصير سعيدًا بصيرًا. بل ترى من المشتغلين بهذه العلوم مَن يمضي طول عمره في البحث والتكرار آناء الليل وأطراف النهار، ينتقل دائمًا من درس إلى آخر، ويُدرّس هذا وذاك، ويفرح بأن يقال له مُدرّس!

    1. سورة الكهف، الآيتان ۱۰٣ و۱۰٤.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

11
  • ثمّ يرجع بخفّي حنين خائبًا خاسرًا؛ أي يُضيّع كلّ حياته؛ وعندما يأتيه ملك الموت، يكون عليه تقديمُ كشفٍ للحساب، ويصير مطرحًا للعار والشين على ذلك العمر الذي أضاعه! وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَٰلاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾. أعاذنا الله تعالى من هذه الورطة المدهشة والمهاوي المهلكة، والظلمة الموحشة!

  • وَإنِّي لَقَدْ صَادَفْتُ أَصْدَافًا عِلْمِيَّةً فِي بَحْرِ الحِكْمَةِ الزَّاخِرَةِ، مُدْعَمَةً بِدَعَائِمِ البَرَاهِينِ البَاهِرَةِ، مَشْحُونَةً بِدُرَرٍ مِنْ نُكَاتٍ فَاخِرَةٍ، مَكْنُونَةً فِيهَا لآلِئُ دَقَائِقَ زَاهِرَةٍ.

  • وَكُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ أُجِيلُ رَأْيِي أُردِّدُ قِدَاحِي وَأُؤَامِرُ نَفْسِي وَأُنَازِعُ سِرِّي، حَدَبًا عَلَى أَهْلِ الطَّلَبِ وَمَنْ لَهُ فِي تَحْقِيقِ الحَقِّ إِرَبٌ، فِي أَنْ أَشُقَّ تِلْكَ الأَصْدَافَ السَّمِينَةَ وَأَسْتَخْرِجَ مِنْهَا دُرَرَهَا الثَّمِينَةَ وَأُرَوِّقَ بِمِصْفَاةِ الفِكْرِ صَفَاهَا مِنْ كَدَرِهَا وَأَنْخُلَ بِمُنْخُلِ الطَّبِيعَةِ لُبَابَهَا عَنْ قُشُورِهَا.

  • أي: أمّا أنا، فقد صادفت في بحر الحكمة الزاخر أصدافًا علميّة، كانت مدعّمة بدعائم البراهين الباهرة واليقينيّة، وليس استنادًا إلى القيل والقال والنقليّات؛ وكانت هذه الحكمة مشحونة بدرر من نكات فاخرة وثمينة، ودقائق زاهرة ومشرقة.

  • وكنت برهة من الزمان أُجيل رأيي وأُردّد قداحي وأُؤامر نفسي وأُنازع سرّي، منعطفًا على أهل الطلب؛ أي أجادلهم وأناقشهم لأتزوّد منهم، ولأفيد مَن له حاجة في تحقيق الحقّ، وأشقّ لهم تلك الأصداف السمينة والغالية لاستخراج دررها الثمينة (أي كنت أبحث عن أفراد قادرين على الاستفادة من مسائلي هذه، لأستفيد أنا وأفيدهم)، ولأروّق صفوها من كدرها بمصفاة الفكر، وأجليها وأفتحها وأشقّها، وأنخل لبابها من قشورها بمنخل الطبيعة لكي أعرض ذلك اللباب على طالبي العلم.

  • وَأُصَنِّفَ كِتَابًا جَامِعًا لِشَتَاتِ مَا وَجَدْتُهُ فِي كُتُبِ الأَقْدَمِينَ، مُشْتَمِلاً عَلَى خُلَاصَةِ أَقْوَالِ المَشَّائِينَ وَنَقَاوَةِ أَذْوَاقِ أَهْلِ الإِشْرَاقِ مِنَ الحُكَمَاءِ الرَّوَاقِيِّينَ، مَعَ زَوَائِدَ لَمْ تُوجَدْ فِي كُتُبِ أَهْلِ الفَنِّ مِنْ حُكَمَاءِ الأَعْصَارِ، وَفَرَائِدَ (ونكات ثمينة) لَمْ يَجِدْ بِهَا طَبْعُ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الأَدْوَارِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِمِثْلِهِ دَوْرَاتُ السَّمَاوَاتِ وَلَمْ يُشَاهَدْ شِبْهُهُ فِي عَالَمِ الحَرَكَاتِ (والكون والفساد).

  • جهل الناس وتجاهلهم أكبر مانع للملا صدرا في طريق تأليف كتاب «الأسفار»

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

12
  • وَلَكِنَّ العَوَائِقَ كَانَتْ تَمْنَعُ مِنَ المُرَادِ، وَعَوَادِي الأَيَّامِ تَضْرِبُ دُونَ بُلُوغِ الغَرَضِ بِالأَسْدَادِ؛ فَأَقْعَدَنِي الأَيَّامُ عَنِ القِيَامِ، وَحَجَبَنِي الدَّهْرُ عَنِ الِاتِّصَالِ إِلَى المَرَامِ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ مُعَادَاةِ الدَّهْرِ بِتَرْبِيَةِ الجَهَلَةِ وَالأَرْذَالِ، وَشَعْشَعَةِ نِيرَانِ الجَهَالَةِ وَالضَّلَالِ، وَرَثَاثَةِ الحَالِ وَرَكَاكَةِ الرِّجَالِ.

  • وَقَدِ ابْتُلِينَا بِجَمَاعَةٍ غَارِبِي الفَهْمِ، تَعْمَشُ عُيُونُهُمْ عَنْ أَنْوَارِ الحِكْمَةِ وَأَسْرَارِهَا، تَكِلُّ بَصَائِرُهُمْ كَأَبْصَارِ الخَفَافِيشِ عَنْ أَضْوَاءِ المَعْرِفَةِ وَآثَارِهَا! يَرَوْنَ التَّعَمُّقَ فِي الأُمُورِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّدَبُّرَ فِي الآيَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ بِدْعَةً، وَمُخَالَفَةَ أَوْضَاعِ جَمَاهِيرِ الخَلْقِ مِنَ الهَمَجِ الرِّعَاعِ (الذين يميلون مع كلّ ريح) ضَلَالَةً وَخُدْعَةً (أي عندما كنّا نقف ضدّ هذه القوانين والعادات والرسوم العواميّة، كانوا يقولون: إنّ هذا الشخص يبتدع ويأتي بأمر جديد يُخالف آباءنا وأجدادنا!)؛ كَأَنَّهُمُ الحَنَابِلَةُ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ (الذين دسّوا وغيّروا وحرّفوا الروايات)! المُتَشَابِهُ عِنْدَهُمُ الوَاجِبُ وَالمُمْكِنُ، وَالقَدِيمُ وَالحَدِيثُ (أي لا يفرّقون بينها). لَمْ يَتَعَدَّ نَظَرُهُمْ عَنْ طُورِ الأَجْسَامِ وَمَسَامِيرِهَا، وَلَمْ يَرْتَقِ فِكْرُهُمْ عَنْ هَذِهِ الهَيَاكِلِ المُظْلِمَةِ وَدَيَاجِيرِهَا.

  • أي إنّهم يحسبون الله تعالى كالمخلوق تمامًا، ولا يُفرّقون بتاتًا بين القديم والحادث، ولم ينتقلوا من الجسم إلى المعنويّة والروحانيّة والنفسانيّة وعالم المعنى، بل تركّز نظرُهم في عالم الأجسام والدنيا.

  • فَحُرِمُوا۱ لِمُعَادَاتِهِمُ العِلْمَ وَالعِرْفَانَ وَرَفْضِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ طَرِيقَ الحِكْمَةِ وَالإِيقَانِ عَنِ العُلُومِ المُقَدَّسَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالأَسْرَارِ الشَّرِيفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي رَمَزَتِ الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ عَلَيْهَا، وَأَشَارَتِ الحُكَمَاءُ وَالعُرَفَاءُ إِلَيْهَا.

  • لأنّ مَن يبحث عن تلك المسائل هو مَن أُعطي علامة عليها. 

  • نشانی داده‌اندت از خرابات***که: التوحید إسقاط الإضافات!
  • [يقول: لقد أعطوك علامة من الخرابات وهي أنّ: التوحيد إسقاط الإضافات!]

  • أي: لقد أعطوا علامة؛ فأخذها البعض، ولكنّ الأغلبيّة تركوها!

  • فَأَصْبَحَ الجَهْلُ بَاهِرَ الرَّايَاتِ ظَاهِرَ الآيَاتِ (وحاكمًا في كلّ مكان)، فَأَعْدَمُوا العِلْمَ وَفَضْلَهُ، وَاسْتَرْذَلُوا العِرْفَانَ وَأَهْلَهُ (واستذلّوهم واعتبروهم في مرتبة دنيئة)، وَانْصَرَفُوا عَنِ الحِكْمَةِ زَاهِدِينَ وَمَنَعُوهَا مُعَانِدِينَ، يُنَفِّرُونَ الطِّبَاعَ عَنِ الحُكَمَاءِ، وَيَطْرَحُونَ العُلَمَاءَ العُرَفَاءَ وَالأَصْفِيَاءَ (جانبًا).

  • وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي بَحْرِ الجَهْلِ وَالحُمْقِ أَوْلَجَ وَعَنْ ضِيَاءِ المَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ أَخْرَجَ، كَانَ إِلَى أَوْجِ القَبُولِ وَالإِقْبَالِ (عند الناس) أَوْصَلَ، وَعِنْدَ أَرْبَابِ الزَّمَانِ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ!

  • كَمْ عَالِمٍ لَمْ يَلِجْ بِالقَرْعِ بَابَ مُنًى***وَجَاهِلٍ قَبْلَ قَرْعِ البَابِ قَدْ وَلَجَا٢و٣
    1. خ ل: فُحُرِّموا.
    2. ديوان الغَزّی، ص ٧٤٩.
    3. الحكمة المتعالية، ج ١، ص ٤ ـ ٦.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

13
  • فتجد ذلك العالم المسكين قابعًا في زاوية بيته بسبب علمه؛ أمّا الجهّال، فيركبون مطيّة مآربهم، ويجمحون بها! والخلاصة، كلّ مَن رأيتموه في مرتبة أعلى، فاعلموا أنّ حاله أسوأ!

  • غربة الحكمة والعرفان في حوزة النجف العلميّة في زمان المرحوم القاضي

  • كان المرحوم العلاّمة يقول:

  • كان أحد أصدقائنا من طلاّب النجف ـ وقد أدرك محضر المرحوم القاضي أعلى الله مقامه لسنوات ـ يقول لي: قبل أن أتعرّف عليه [أي على المرحوم القاضي]، كنت كلّما رأيته، اشتدّ وُجدي به؛ ولكن، بما أنّني كنت أشكّ في السلوك والوصول إلى لقاء الله وكشف وحدته تعالى، كنت أمتنع عن الذهاب إلى محضره؛ حتّى أرسل أحد أصدقائي الشيرازيّين من شيراز دينارين لأقدّمهما إليه.

  • كان المرحوم القاضي يُصلّي صلوات الجماعة في بيته مع بعض الرفقاء والأصدقاء في السلوك. فذهبت إلى بيته وقت الغروب لأُصلّي معه الجماعة، وأُقدّم له ذلك المبلغ.

  • صلّى المرحوم القاضي صلاة المغرب جماعة في أوّل غروب الشمس؛ أي بمجرّد استتار قرص الشمس وفقًا لرأيه وفتواه، وكانت صلاة عجيبة حقًّا ومُفعمةً بالحضور والروحانيّة. ثمّ أتى بالنوافل والتعقيبات، وصبر حتّى حان وقت العشاء. ثمّ صلّى صلاة العشاء بتوجّه تامّ وطمأنينة وآداب خاصّة أثّرت فيّ حقًّا.

  • وبعد صلاة العشاء، تقدّمت، وجلست أمامه، وسلّمت عليه، وقبّلت يده، وقدّمت له الدينارين، وقلت له في غضون ذلك: سيّدي، أريد أن أسألك سؤالاً، فهل تسمح لي؟

  • فقال المرحوم القاضي أعلى الله مقامه: قل يا بنيّ!

  • فقلت: سيّدي، هذه المسائل التي تذكرها عن العرفان والسلوك والوصل والفناء، هل هي حقيقة واقعًا، أم أنّها مجرّد تخيّلات وأوهام؟!

  • فقال: ماذا تقول؟! أنا في الوصل منذ أربعين سنة، وأتحدّث عنه! فهل هذا وهم؟!۱

  • وبالطبع، كان للمرحوم القاضي تلميذ يُدعى السيّد حسن المسقطيّ كانت له إجابات أخرى أيضًا! حيث أجاب المرحوم القاضي بتلك الطريقة، أمّا هو فقد قال: عندما تذهب إلى الخلاء وتقضي حاجتك، فإنّ تلك العذرة (النجاسة والقذارة التي تخرج) حقيقة، أمّا الله تعالى فليس بحقيقة؟!٢

  • كان السيّد حسن المسقطيّ رجلاً صالحًا وعالمًا جدًّا. وكان صديقًا حميمًا للسيّد الحدّاد. وكان السيّد الحدّاد يُثني عليه كثيرًا من الناحية السلوكيّة في تلك المرّات التي كنّا فيها في كربلاء.

    1. التوحيد العلميّ والعينيّ (فارسيّ)، ص ٢٢٩.
    2. المصدر نفسه، ص ٢٣۱.

العقبات التي واجهت تدوين كتاب الأسفار - داء التقليد وغربة الحكمة الإلهيّة في الحوزة العلميّة

14
  • التلميذ: كيف كانوا أصدقاء بهذا الشكل، ولكنّ الله تعالى خصّ السيّد الحدّاد بتلك العناية مثلاً؟

  • الأستاذ: كان هذا من صنع الله تعالى أن يسلك هو ذلك الطريق! وبالطبع، لو بقي السيّد حسن [على قيد الحياة]، لصار مثله! كان السيّد حسن عجيبًا جدًّا! فقد خرج من النجف، وتوفّي بعد ذلك.۱ حسنًا، كان من صنع الله تعالى أن يسير في ذلك المسار؛ لأنّ الحساب ليس بأيدينا!

  • لقد قلت مرارًا إنّنا نتوقّع أن تكون إرادتُنا هي المعيار حتّى في العرفان، ولا نتوقّع أبدًا أن نقوم بتكليفنا ووظيفتنا؛ في حين أنّه يجب علينا القيام بتكليفنا!

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

    1. المصدر نفسه، الهامش:
      «كان السيد حسن المسقطيّ ـ شأنه شأن السيد أحمد الكربلائيّ ـ فقيهًا وحكيمًا وعارفًا ومن خواصّ تلامذة المرحوم القاضي وأعلامهم. كان يجلس في الصحن المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام، ويُلقي على تلامذته دروس الحكمة. ولمّا كان يتمتّع ببيان قويّ وبرهانيّ، ويُضفي على الفلسفة والحكمة نضارةً وحيويّةً بشهوده الوجدانيّ وذوقه العرفانيّ، تقاطر عليه التلامذة من كل حدب وصوب، وقامت في الصحن المطهّر حركةٌ علميّة لتدريس التوحيد والحكمة الإلهيّة، وبثّ نشاطًا وحيويّة في دعوة طلاّب الحوزة العلميّة المقدّسة في النجف الأشرف من السالكين ومريدي طريق القرب ولقاء الحضرة الأحديّة. وكان ينتقد علنًا ودون مواربة مسلك المخالفين، وينسبهم إلى الابتلاء بالأهواء والآراء والاحتجاب عن الحقائق، مُبيّنًا ذلك بالدليل والبرهان.
      رُفعت الشكوى ضدّه إلى مرجع تقليد النجف، آية الله السيد أبو الحسن الأصفهانيّ رحمة الله عليه، فأصدر حكمًا بخروجه من النجف، وتوجّهه إلى مسقط. فجاء السيّد حسن إلى أستاذه المرحوم القاضي، وسرد له ما جرى؛ فأعطاه المرحوم القاضي بعض الإرشادات، وأمره بالذهاب إلى مسقط. توجّه السيّد حسن إلى مسقط؛ وهناك، أخذ يُروّج للحكمة والعرفان والفقه ويُدرّسها، وعاش هناك لعدّة سنوات. ويُقال إنّه في سنوات عمره الأخيرة كان دائم اللبس للإحرام؛ أي كان يشدّ إزارًا على وسطه، ويرتدي رداءً على كتفيه ليل نهار، حتّى ودّع هذه الحياة المستعارة على تلك الحال؛ رحمة الله عليه رحمة واسعة».