11

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ

حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

107
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/27

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

كيف يربّي الله وأولياؤه عبادهم؟ ولماذا قد تكون النعم الدنيويّة من مال وجاه علامة على غضب الله وإبعاده للعبد؟ وكيف أنّ اليقين القلبيّ هو المحرّك الحقيقيّ للطاعة؟ تجيبك هذه المحاضرة العرفانيّة، التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني، عن هذه الأسئلة وغيرها، كاشفة عن أسرار دقيقة في السير والسلوك إلى الله.

/۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ

  • حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الحادية عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيمِ 

  • بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ 

  • الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ

  • والصّلاةُ والسّلامُ علىٰ أشرفِ المُرسَلينَ 

  • وخاتمِ النّبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ 

  • وعلىٰ آلِهِ الطّيِّبينَ الطّاهرينَ 

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمَعينَ

  • ‌ 

  •  

  • «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أدعوهُ فَیُجیبُنی وإن کُنتُ بَطیئًا حینَ یَدعونی؛ والحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أسألُهُ فَیُعطینی وإن کُنتُ بَخیلًا حینَ یَستَقرِضُنی!».

  • الحمدُ لله الذي كلّما دعوته أجابني ولبّى ندائي، في حين أنّني أتباطأ إذا دعاني! [والحمدُ لله الذي كلّما سألته أعطاني، وإذا طلبتُ منه أجابني ومنحني؛ ولكن حين يستقرضني أبخل!].

  • لماذا نكون بطيئين حين يدعونا؟

  • لماذا نكون بطيئين حين يدعونا؟ إنّ هذا الأذان الذي يُرفع للصلاة هو دعاؤه؛ وحلول شهر رمضان هو دعاؤه؛ والزرع حين يبلغ أوان حصاده هو دعاؤه؛ وحلول الحول لدفع الخمس هو دعاؤه! كيف أنّنا حين نمتلك أرضًا ونزرعها، نطلب من الله أن يُنزل الثلج في وقته، والمطر في وقته، ويُظهر الشمس في وقتها، ويهيّئ الظروف، فيستجيب ويفعل؛ ولكن عندما يحين وقت الخمس والزكاة نتباطأ ولا نستطيع أن نُعطي، ونكون أشحّاء ويصعب علينا الأمر؟! أو حين يحين وقت الصلاة، يصعب علينا الذهاب لأدائها؟! فما علّة ذلك؟

  • علّته أنّنا لم نُصدّق بالأمر بعد! فلو صدّقنا بالأمر وبالحقيقة لعملنا؛ فهل نحن مجانين؟! وهل يُعقل أن يصدّق إنسانٌ ولا يعمل؟!

  • إذا أردنا أن نسافر؛ ولنفترض أنّ لدينا تذكرة سفر إلى مكّة ـ رزق الله الجميع! ـ فإنّنا لا ننام أصلاً ليلة السفر! لأنّنا نؤمن بالذهاب، ونؤمن بحركة الطائرة، ونؤمن بأنّ الطائرة لن تتوقّف من أجلنا، ونعلم أنّنا لو فوّتناها فلن يعوّضها شيء، وسيكون المال قد ذهب، وعلينا أن نعيد الكرّة من جديد ونقوم بالإجراءات مرّة أخرى! أمّا لو لم نكن نؤمن بحركة الطائرة، أو لم يكن الأمر مهمًّا، أو كان هناك الكثير من الطائرات بحيث لو فاتتك هذه لأدركت التي بعدها بساعتين أو في المساء، ولن ينقصوا من مالك شيئًا أو سينقصون مبلغًا زهيدًا، فحينها لو غلبنا النوم، فليكن، سنقول: لا تهتمّ، هناك طائرة تالية! في الخارج الأمر هكذا، فمن تفوته الطائرة لا يواجه مشكلة، بل يذهب بالرحلة التالية ولا مسألة في ذلك؛ ليس الأمر كما هو هنا حيث العمل دقيقٌ جدًّا ومنظّمٌ للغاية! هنا، لأنّنا نؤمن بالذهاب، فالقضيّة تكون على هذا النحو!

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

3
  • خطر الوقوع في الغفلة بسبب الانشغال بالكثرات

  • كان المرحوم العلامة يقول: «السالك لا ينبغي له أن يضبط ساعته! كنّا في النجف نضبط الساعة لأذان الفجر، وذات مرّة جاء إلى منزلنا أحد تلامذة السيّد القاضي رضوان الله عليه ـ وإن كان هذا التلميذ قد انحرف لاحقًا ـ فقال: يا فلان، السالك لا يضبط ساعته!».

  • كلّ هذا ينبع من عدم الإيمان! لقد أَرَوْنا بابَ بستانٍ أخضر، وهذا الحساء الذي طُبخ لنا ووصل طعمه إلى ألسنتنا إلى حدٍّ ما، لكنّنا لم ندرك بعد خواصّ هذا الحساء، ولا خصوصيّات ذلك البستان وما يجري فيه، وما لهذا الطعام من فوائد لنا؛ فلا نحن قادرون على تركه، ولا على تسليم أنفسنا له بالكامل! هنا، نميل قليلاً إلى هذا الجانب وقليلاً إلى ذاك؛ فأحيانًا يطرأ أمرٌ فيميل الإنسان، وأحيانًا حين تعرض مشكلة يسيرة مع الزوجة تنتظم صلاته في الليل، ثمّ حين يعود الأنس والألفة، يسقط من الجانب الآخر. أو أنّ الإنسان أحيانًا تنتابه حالة من الإنابة بسبب ما يلقاه من شريكه وقرينه وأقربائه... ثمّ حين تُحلّ المسألة، ينتهي كلّ شيء؛ هذه هي عادة الإنسان! عادتنا أن نتوجّه إلى المبدأ حين نجد أنفسنا وحيدين، ويصبح توجّهنا إليه جيّدًا، وكلّما لم نكن وحيدين ننساه!

  • كان المرحوم العلامة، رحمه الله، يقول: «كان الحاجّ إسماعيل الدولابي يقول: "كنّا في رحلة إلى تبريز، وكان هناك رجلٌ ذو استعداد؛ فأتينا لنصارعه قليلًا لعلّنا نجذبه ونُحضره إلينا. وصادف أنّ زوجته كانت قد غضبت منه وذهبت، وكنّا نحاول باستمرار أن نقول له: دع عنك الزوجة الآن وتعال! تمسّك بالله الآن لنرى ما سيحدث! فكان يقول: "يا حاجّ، إن كانت لك قدرة، فتعال وأصلح لي أمر هذه الزوجة وأرجعها! فأنا أعرف ما أفعل مع الله، وسأصلح أمري مع الله بنفسي!"". قال: "أردنا أن نستغلّ هذه الفرصة، لكن وجدنا أنّه أذكى من ذلك بكثير!"».

  • خلاصة القول، إنّ الأمر هو أنّ هذه المظاهر الدنيويّة لا ينبغي أن تخدعنا! والمقصود بـ«ألّا تخدعنا» هو ألّا تشغلنا؛ سواء كانت مكانتنا ومشاغلنا، أم الزوجة والأولاد...، أم الأصدقاء والعلاقات...؛ فكلّ هذه الأمور خطرٌ على السالك، وسمٌّ للسالك!

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

4
  • محبّة الله ورحمته تمهّدان للانقطاع عن الكثرات والصوارف

  • عندما يريد الله أن يُظهر محبّته لعبد، يقطع هذه الصوارف واحدًا تلو الآخر؛ الصوارف هي تلك التي تأتي وتفصل الإنسان وتمنعه من الوصول إلى نفسه، ولا تدعه يشعر بألمه! هؤلاء المتملّقون يأتون ويزيدون من مشكلات الإنسان ويضيفون ألمًا فوق ألمه، لأنّهم لا يدعونه يشعر الألم، وما إن يريد أن يشعر بالألم، يأتون ويحقنونه بمخدّر فيخدّرونه، وما إن يريد أن يشعر بأنّه بائس، يمدحونه ويتملّقون له بكلمتين؛ فهذه مخدِّرات!

  • ذات مرّة، ذهب أحدهم إلى آخر شاكيًا منّي، وقال: «لا أدري؛ كلّما قلتُ شيئًا، رفضه السيّد محسن!». والحال أنّه لم يكن لديّ دافع لهذا الأمر، أي كنتُ أريد ألاّ يأخذ هذه الأمور على محمل شخصيّ فتكون آفةً له. هذه العلاقات كلّها لها جانبٌ مخدِّر، أي أنّها تسبّب فقدان الوعي! حسنًا، هذا المسكين لا يدرك ألمه، لا يشعر به، وهكذا يبقى ولا يدرك! وما إن يريد أن يدرك قليلاً، حتّى يمنعونه ويزيدون الأمر صعوبة، ويُحدثون الكدورة ويزيلون هذا الصفاء!

  • عندما يترك الله الإنسان، يأتون ويحيطون به ويأخذونه، وحينها يأخذونه حقًّا! ولا قدّر الله أن يدرك الإنسان بعض الأمور ويدرك بعض المسائل، ويرى أبوابًا من البساتين الخضراء، ويصل إلى بعض القضايا، فعندها تكون الكارثة! ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، وكان الله يحبّ عبده، فإنّه يهيّئ له وسائل ومسائل تكون سببًا في قطع هذه الصوارف. فيقول في نفسه: عجبًا، أكنتُ أنا هكذا؟! أأنا هكذا؟! لقد فعل هذا الصديق ذلك عبثًا، وفعل ذاك عبثًا، وكنّا هناك عبثًا! أو لنفترض أنّ هذه الزوجة التي لدى الإنسان، تبدأ شيئًا فشيئًا في الخصام وعدم التوافق؛ هذه التي كانت تقول: كلّ ما لديّ فهو لك، لم أرَ غيرك، لم يتعلّق قلبي بأحدٍ سواك! تقول الآن: يا فلان أهذه هي الحياة؟!

  • وجوب إعطاء الأولويّة للسير والسلوك

  • قضيّتنا الآن هي أنّ هناك أمورًا تطرأ علينا باستمرار، وهذه الأمور لا ينبغي أن تكون سببًا في إبعادنا يومًا ما؛ وفي كلّ حال، يجب أن يكون ذلك المقصد وتلك المسألة الأصليّة نصب أعيننا! بشكلٍ عام، السالك في كلّ مرحلة وفي كلّ خطوة يخطوها، فإنّ ما يجب أن يأخذه بعين الاعتبار وفي الدرجة الأولى هو سيره وسلوكه، ثمّ تطبيق هذه المسألة على ذلك السلوك. ولكن للأسف، نحن لا نفعل هذا، ومسألة السلوك ليست في صدارة قضايانا؛ بل نريد أن نطبّق سلوكنا عليها، ولذلك نجد طريقًا وحلًّا لهذا التطبيق، ونتصنّع تبريرًا لهذا الانطباق! لكنّ الأعاظم لم يكونوا كذلك، ففي المقام الأوّل كان السلوك وحده هو غايتهم، وكانوا ينحّون جانبًا كلّ ما سواه؛ ثمّ كانوا يأتون ويطبّقون أنفسهم على هذا السلوك.

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

5
  • الأنبياء والأولياء خاضون مثل سائر الناس للتربية الإلهيّة

  • وحينئذٍ، إذا أراد الله أن يلطف بعبده، فإنّه يُذيقه حالة الوحدة والفراغ؛ أي إذا كان عزيزًا، يهيّئ له وضعًا يُذلّ فيه. وهذا لا يختصّ بنا؛ بل حتّى مع نبيّه يفعل الشيء نفسه. كلّ هذه الأحداث التي مرّت بالنبيّ كانت لتربيته؛ لم يكن النبيّ قد وُلد بعد، فأخذ الله منه أباه، وبعد ستّ سنوات، أو في رواية ثلاث سنوات، أخذ منه أمّه، وبعد فترة رحل عبد المطّلب، وبعد فترة رحل أبو طالب۱، فبقي وحيدًا فريدًا! النبيّ، هذا الذي كان ابن عبد الله، وكان عزيزًا جدًّا في مكّة، استُؤصل شأنه إلى درجة أنّه شعر بأنّه لم يعد له أحد، فاضطرّ للمجيء إلى المدينة؛ حسنًا، كانوا سيقتلونه، ولذلك كان مأمورًا بالهجرة. كلّ هذه الأمور ليست مجرّد أحداث عشوائيّة، حيث يجتمع نفرٌ ويتآمرون للقضاء على رسول الله فيهاجر النبيّ؛ لا، كلّ هذه هي جوانب تربويّة للنبيّ، وهي جوانب تبني النبيّ وتجعله متنبّهًا.

  • ذات مرّة، وعد النبيّ شخصًا بأنّه سيخبره غدًا بقضيّة ما، فانقطع عنه الوحي أربعين يومًا، ثمّ جاء الخطاب: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَدًا * إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَهُ﴾٢؛ أي لماذا وعدته؟! 

  • فهذه الأمور لا تختصّ بنا، وغيرة الله لا تعرف نبيًّا أو غير نبيّ، ولا إمامًا أو غير إمام! كلّنا تعيّنات نازلة من مقام البساطة الربوبي، ولا يوجد عند الله أيّ فرق في التعيّنات، من الثرى إلى الثريّا لا فرق بينها! فلو أردنا أن نقيم أدنى فرق، للزم من ذلك الشرك والكفر! وهذا الجانب يجب أن يكون حاضرًا؛ وما لم تكن هذه المسألة قائمة، فلن تحصل للإنسان حالة النضج والأحوال الخاصّة لارتباط الإنسان بالله.

  • كان على السيّدة الزهراء سلام الله عليها ألّا تبقى مع أمير المؤمنين عليه السلام إلّا سنوات قليلة. كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أصعب أيّام حياتي كانت، أوّلاً: اليوم الذي فقدتُ فيه رسول الله، وثانيًا: اليوم الذي فقدتُ فيه فاطمة الزهراء٣!. لماذا كان صعبًا؟ لأنّ هذه النفس تحتاج إلى هذه الأمور، فالأمر ليس مجرّد عاطفة، والعاطفة ليست هي المطروحة هنا.

    1. الكافي، ج ١، ص ٤٣٩؛ أسد الغابة، ج ١، ص ٢٢.
    2. سورة الكهف، الآيتان ٢٣-٢٤.
    3. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ١٣٥؛ بحار الأنوار، ج ٤٣، ص ١٧٩.

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

6
  • باب الله ليس له شفيع أو بوّاب

  • في الفقرات الأخرى، عبارات الإمام السجّاد عليه السلام عجيبة جدًّا! يقول: «والحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أُنادیهِ کُلَّما شِئتُ لِحاجَتي، وأخلو بِهِ حَیثُ شِئتُ لِسِرّی، بِغَیرِ شَفیعٍ؛ فَیَقضي لي حاجَتي»؛ الحمد لله الذي أناديه كلّما شئتُ لحاجتي، فلا أحتاج إلى شفيع عندما أناديه! لم أعد بحاجة إلى البحث عن أحد ليشفع لي عند هذا الباب. في كلّ مكان يوجد بوّابون وحُجّاب ومواعيد للذهاب والإياب؛ أمّا الله فليس له أحد، لا بوّاب ولا حاجب ولا أيّ شيء آخر! أمّا ما هي حقيقة الأئمّة والشفعاء، فهذا موضع حديث آخر. يقول الإمام عليه السلام إنّه لا يحتاج أيّ شفيع! أنت قم وقل: يا ربّاه! فيقول: نعم! ولكن لنفترض الآن أنّك تريد أن ترى فلانًا، فيا للكارثة؛ يا سيّدي، اذهب واتّصل بهذا، واتّصل بذاك، وهل سيعطونك موعدًا أم لا؛ لديه لقاء عام ولقاء خاصّ، وفي هذا اليوم يمكن وفي ذاك اليوم لا يمكن، وهلمّ جرّا حتّى تتمكّن من الوصول إلى شخص ما! أمّا هنا فالأمر ليس كذلك.

  • الاشتغال بالماديّات والكثرات دليل على غضب الله وإبعاده للعبد

  • إذا أراد الله أن يوفّق الإنسان، يتركه وحيدًا ويُذيقه طعم الوحدة؛ أمّا إن لم يوفّقه، فإنّه يشغله على هذا النحو! هؤلاء الذين يأتون ويبقون مدّة ثمّ يرحلون، إذا وفّقهم الله، فإنّهم يذهبون وتصطدم رؤوسهم بالحائط فيتنبهون ويعودون مرّة أخرى؛ ولكن، ويلٌ لذلك اليوم الذي إذا ذهبوا فيه، شغلهم الله! هذا ما يعنونه بقولهم: «عصا الله ليس لها صوت!». هذه هي القضيّة.

  • أحيانًا، يشغلهم الله بالماديّات؛ فيصبحون أثرياء ويكدّسون ثروة طائلة! حسنًا، هذا الاشتغال بالماديّات يأخذهم إلى وادٍ سحيق من جهنّم لا يخرجون منه أبدًا! إلى الآن، كان يستمع جيّدًا لكلام المرحوم العلامة ويُخرج قلمه وورقته؛ أمّا الآن، فما إن يسمع كلامه حتّى يضحك ويسخر! ماذا حدث؟! فالمرحوم العلامة لم يتغيّر! يسخر قائلًا: «هذا السيّد محمّد حسين يحتاج أيضًا إلى اثنين مثل ميثم التمّار حوله، ونحن لا نصلح له! يا عزيزي هذا دكّان مثل بقيّة الدكاكين!». القضيّة هكذا!

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

7
  • أو أنّ الله يبتلي الإنسان بالمسائل الاجتماعيّة؛ يذهب إلى مكان ما، فيجد مسجدًا ومنبرًا ومحرابًا، وأناسًا يروحون ويغدون. ليست هناك ماديّات، بل علاقات ومسائل اجتماعيّة، ذهاب وإياب، ورفقاء، وتحيّات "السلام عليكم مولانا"، والذهاب إلى هنا وهناك، وتلقّي الاحترام والتقديم والتكريم... وهذا كلّه يسرق الوقت، ويسرق الذهن، ويستوعب فكر الإنسان كلّه، ولا يترك له مجالًا للتفكير! وفي النهاية، يلقي درسًا في التفسير ويلقي محاضرات... ويرضي النفس بهذا التفسير والمنبر وإدارة المسجد؛ والنفس أيضًا ترضى، في حين أنّ كلّ هذا صنم! كلّ "إلهي" يقولها، هي شيطانٌ يلقيه في قلوب هؤلاء الناس، وكلّ نداء يخرج منه هو نداءٌ إلى ذاته ومحوريّته! وبهذه الوسيلة يخدع نفسه ويغشّها، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَهُ وَٱللَهُ خَيرُ ٱلمَٰكِرِينَ﴾۱. إنّ الله يضع في كأسه ما يستحقّ، ويسرّ قلبه ببعض هذه المسائل وببعض أحواله! المسكين، لا رفيق له ولا مريد ولا مال، لكنّه يسرّ قلبه بهذه الأشياء! تأتيه الشياطين والجنّ باستمرار، وتُحضر له صورًا وأشكالاً، بعضها صحيح وبعضها خطأ، وله ارتباطٌ بالأرواح الخبيثة؛ وبهذه الوسيلة، يطمئنّ قلبه ويغترّ بالمكاشفات الصوريّة، لكنّ هذه المكاشفات إمّا باطلة أو أنّ بعضها صادق، وهذه تأتي وتُشغله عن ذكر الله بهذه الطريقة. هؤلاء هم الذين غضب الله عليهم.

  • هل تظنّون أنّ غضب الله هو الهراوة فقط، أو الصاعقة فقط، أو الزلزال فقط؟! لا، غضب الله هو أن يضع المال في جيبك، وغضب الله هو أن يهيّئ لك المريدين والرفقاء، وغضب الله هو أن يضع بجانبك المظاهر الجميلة والخدّاعة؛ هذا هو غضب الله. والآن، عند الرحيل، يضحك الله منك ويقول: المال الذي أعطيتك إيّاه ضعه جانبًا وتعالَ وحيدًا، والرفيق والمريد الذي أعطيتك إيّاه ضعه جانبًا وتعالَ بنفسك! والآن، لقد ادّخرتُ كلّ ذلك لك في العالم الآخر! فالمال والجاه والجلال... كلّه ضعه جانبًا ثمّ ائتِ بنفسك!

  • في أحد الأيّام، كنتُ أريد أن أقوم بعملٍ ما، وقبل أن أشرع فيه، رأيتُ في المنام رؤيا تدلّ على أنّه لا ينبغي لي القيام بهذا العمل وأنّه غير صحيح. بعد ذلك، في يوم من الأيّام، تشرّفتُ بلقاء المرحوم العلامة، وما إن رآني حتّى قال لي على الفور ودون أيّ مقدّمة، ودون أن يدور أيّ حديث أو يسأل عن حالي، هكذا بابتسامة وجدّية: «يا فلان، سأقول لك أمرًا، فاقبله؛ إن أردت خير الدنيا فابقَ مجهولًا، وإن أردت خير الآخرة فابقَ مجهولاً!». قال هذا ثمّ أطرق رأسه ودخل غرفته. كان العمل الذي أردتُ القيام به يتعارض مع هذه القضيّة، كان عملًا جيّدًا، وهو شرح قصيدة ابن الفارض الخمريّة، ولكن كان فيه كلام.

    1. سورة آل عمران، الآية ٥٤.

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

8
  • كيفيّة التربية الباطنيّة لوليّ الله وإعداد النفس لظهور الله وتجلّيه فيها

  • ليس كلّ عملٍ صالحٍ هو عملٌ جيّد، وليس كلّ عملٍ صالحٍ هو عملٌ صحيح؛ يجب أن ترى هل ذلك العمل الصالح يزيد من نفسك أم ينقصها. العمل الصالح هو ما كان في سبيل رضا الله، لا أن تكون له صورةٌ حسنة ظاهريًا؛ فهذا لا يسمّى عملًا صالحًا. إنّ الخير والشرّ يتحقّقان في سياق رضاه والتقرّب إليه، لا على أساس الخيالات والأوهام...؛ هذه الأمور لا تعطي قيمة لعمل الإنسان! وحينئذٍ في هذا الصدد، ما إن يأتي الإنسان ويريد أن يأنس بالوحدة قليلاً، حتّى إذا رأوه قد أنس بالوحدة وجعلها قضيّة لنفسه، قائلًا: "أنا وحيد ولم يعد لي شأنٌ بأحد ولا أهتم بالجميع"، ما إن يقول هذا، حتّى يرمونه في وسط المعمعة ويقولون له: "الآن اذهب وقم بهذا العمل، واذهب مع هؤلاء ومع أولئك!". وما إن يذهب معهم، حتّى يسحبونه إلى الوراء قليلاً! تعالَ، تعالَ!

  • في فتح مكّة، كان قائد جيش الإسلام هو سعد بن عبّادة الأنصاري، فتقدّم وقال إنّنا سنسير مع النبيّ وجيش الإسلام ونأخذ مكّة ونضرب أهلها ونبيدهم، ونستأصلهم، ونسبي نساءهم، اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة؛ كانت شعاراته هكذا! مثل الشعارات التي نطلقها نحن الآن! ولكنّ النبيّ يختلف عنّا؛ فالنبيّ ليس أباكم فقط، بل هو أب للجميع، حتّى المشركين! إنّ قلب النبيّ يحترق على أبي سفيان بالقدر نفسه الذي يحترق فيه على زيد بن حارثة! لا فرق، ولكن أين الأذن الصاغية؟! أين العين المبصرة؟! أين القلب القابل؟! لا يوجد! حسنًا، كان قلبه يحترق، إلى أن اقترب من مكّة، فأرسل إليه النبيّ فجأة وقال: «أعطِ الراية لعليّ!». ثمّ علّم عليًّا عليه السلام أن يطلق هذه الشعارات: اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة وشعار السلم والمحبّة...۱! وفجأة رأى جيش الإسلام أن يا للعجب، لقد تغيّر القائد وتغيّر الشعار! يا للعجب، يبدو أنّ علينا أن نغمد سيوفنا، فالأوضاع مختلفة! جاء إلى مكّة وجعل بيت أبي سفيان آمنًا٢! هذا هو الفرق بين النبيّ وبيننا! هذا هو السبب في قولهم: «يجب أن تكون الحكومة بيد وليّ الله»؛ فوليّ الله لا يحمل حقدًا أو كراهية لأحد، فأشدّ أعدائه يصبحون أحبّ الناس إليه! لأنّ رؤيته هي رؤية الله، وينظر إلى الأفراد بنظرة إلهيّة؛ لا بنظر المصالح والمفاسد الشخصيّة، فهذه هي رؤيتنا نحن!

    1. المغازی، واقدی، ج ٢، ص ٨٢١؛ السیرة النبویة، ج ٢، ص ٤٠٦.
    2. المغازی، واقدی، ج ٢، ص ٨١٨؛ السیرة النبویّة، ج ٢، ص ٤٠٣؛ أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٥.

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

9
  • عمل وليّ الله هكذا؛ تمامًا كالقطّ الذي يرمي الفأر، فيتقدّم الفأر، وما إن يرى أنّه يبتعد عن عينه، حتّى يقفز القطّ ويمسكه بمخلبه، فيبقى الفأر تحت مخلب القطّ، ثمّ يطلقه، فيحاول الفأر أن يدخل الجحر ببطء، وما إن يظنّ أنّه قد أفلت من مخلبه، حتّى يقفز ويمسكه، وهكذا... وليّ الله عمله هكذا أيضًا؛ يترك الإنسان، ثمّ يرمي به في وسط المعمعة ليقول تلك الكلمات، فيذهب ويقولها ويجمع لنفسه بعض الرفقاء والمريدين ويجذب الناس إليه، ويقول الحمد لله لقد أصبح هؤلاء أصحابنا المقرّبين وأصدقاءنا وتجمّعوا حولنا! وما إن يسرّ قلبه بهم، حتّى يأخذه فجأة ويرميه في الجانب الآخر! يا إلهي، لقد تعبنا كلّ هذا التعب وجمعنا حولنا جماعة وأصبحت صنمًا! حسنًا، يجب أن نستمع الآن، فلا حيلة أخرى! ثمّ يقف جانبًا قليلاً ويعتاد الأمر شيئًا فشيئًا، فيرى أنّهم ذهبوا إلى منافسه؛ يا إلهي، نحن من بذل الجهد وهو من حصد الثمار وابتلعهم! ثمّ يمضي الأمر في النهاية، يبقى على هذا الحال سنة أو سنتين، ويعتاد على الوحدة قليلًا وبالتدريج؛ وهو لا يتركه، بل يمدّه بالمدد الباطنيّ باستمرار، فيتحسّن باطنه شيئًا فشيئًا، فيقول: يا سيّدي، دعك منهم، اضرب بكأس الجميع عرض الحائط حتّى نرتاح! كم نتحدّث مع هذا وذاك، ونأتي بهذا وذاك؛ دعك منهم، هم أدرى بهذه الأقاويل! فيصبح هذا عادة له شيئًا فشيئًا؛ وما إن يعتاد الأمر، حتّى يرسل إليه اثنين ليحدّثهما، وثلاثة ليذهب إلى تلك الجلسة، وليأتِ ليفعل كذا! يا إلهي، لقد خطّط لي مرّة أخرى! يا جماعة، اتركوني! ولكنّه أمر الأستاذ، ولا يمكن فعل شيء! 

  • فيفعل به أولياء الله ذلك ويجعلونه مرّة هنا ومرّة هناك حتّى لا يفرّق بين طرفي القضيّة ويستويا عنده؛ الآن فقط بدأت تصبح شيئًا! يا عزيزي، هذا هو عمل الله! يجب أن تكون لدى الإنسان حالة الخلوة والاعتماد، سواء كانت هذه المظاهر الجذّابة موجودة أم لا! لا أن لا تكون موجودة ويجد الإنسان الاعتماد، فهذا خطأ؛ بل يجب أن تأتي هذه الحالة في كلا طرفي القضيّة! لكنّ الله يأخذ مرّة فيجد الإنسان حالة، ثمّ يعطي مرّة أخرى، ويأخذ مرّة أخرى، حتّى تصبح هذه الأمور ملكة في الإنسان؛ وعندما تصبح ملكة، حينها تبدأ النفس شيئًا فشيئًا في اكتساب الاستعداد والتهيّؤ لظهور الله وتجلّيه.

التربية الإلهيّة سبيل تحصيل اليقين القلبيّ - حين يكون المال والجاه غضبًا من الله على عبده

10
  •  

  • اللَهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد