13

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما!

أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

126
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/28

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

ما هو السبب الحقيقيّ لاتّصاف النفس البشريّة بالبُخل؟ كيف يجب على المؤمن أن ينظر إلى نعم الدنيا من جمالٍ وصحّةٍ وسلطة؟ ما هو المنهج الصحيح في التعامل مع أولياء الله؟ وكيف واجه العظماء المصائب الكبرى كفقدان الأبناء؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وغيرها.

/۱٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما!

  • لطف أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الثانية عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

2
  •  

  •  

  • أَعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرْسَلِينَ 

  • وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ أَبِي‌القَاسِمِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ

  • وَاللَّعْنَةُ عَلَى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

  •  

  •  

  • سبب بخل الإنسان

  • «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي!» 

  • أي: الحمد لله الذي حين أدعوه يجيبني ويُلبّي ندائي؛ وحين يدعوني هو، أُقصِّر أنا في الاستجابة له! 

  • لقد مرّ بيان هذه الفقرة إلى حدّ ما في الليالي السابقة.

  • «وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي».۱ 

  • أي: الحمد لله الذي حين أسأله يعطيني، وحين أطلب منه يجيبني ويعطيني؛ ولكن، حين يطلب هو منّي قرضًا، أبخل أنا!

  • لقد تحدّثنا الليلة الماضية قليلاً عن هذه الفقرة، وأنّه لماذا نكون بخلاء عندما يطلب الله منّا ويستقرضنا، ولماذا لا يوجد بخل من ذلك الجانب بينما يوجد بخل من هذا الجانب؟! ذُكرت عدّة أسباب؛ أحدها هو أنّنا نتصوّر أنّ ما نحصل عليه هو أمرٌ زائل وفانٍ! لنفترض أنّنا نريد أن نتحرّك إلى مكان ما ونسافر، ولدينا إبريق من الماء. حسنًا، إنّني أحسب، وأرى أنّني إذا أردتُ أن أُقسّم إبريق الماء هذا على الجميع، فسوف ينفد؛ حينها، ماذا أفعل مع العطش؟ لذلك، عندما يقولون لي: «أعطني ماءً!»، أقول: «ليس لديّ ماء»!

  • إنّ الخوف من الفناء هو الذي يدفعنا إلى البخل، والخوف من الاضمحلال هو الذي يجعلنا مُمسكين، ويغلّ أيدينا؛ فلو لم يكن لدينا هذا الخوف، لكانت أيدينا مبسوطة دائمًا! الله تعالى ليس لديه خوف، فلماذا يخاف؟! لذلك، هو لا يبخل أبدًا.

  • التخلّص من البخل عبر رؤية كلّ الكمالات والممتلكات كوديعة إلهيّة

  • حسنًا، ماذا نفعل لكي يزول هذا الأمر؟ ما الحلّ الذي نتدبّره لتزول هذه المسألة منّا؟ على أيّ حال، هذه مشكلة. لقد قلتُ: إنّ المسألة ليست مسألة مال فقط، فكلّ الجوانب التي أودعها الله لدينا كوديعة، سيسترجعها يومًا ما؛ لقد أعطانا جَمالاً، وسيسترجع هذا الجمال يومًا ما، ويقول: «لم أعد أريد [منحه]!». فمثلاً، يُرسل فيروسًا وميكروبًا إلى الجسم ويقول: «اذهب واسترجع منه هذا الجمال!»؛ فيستيقظ ذلك السيّد صباحًا من نومه؛ وإذا بذلك الوجه الفاتن قد انتهى! يقول الشاعر: 

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

3
  • آن پری‌چهره که دعویِ خدایی می‌کرد***دیدمش ریش درآورده گدایی می‌کرد! 
  • يقول: 

  • تلك الحسناء التي كانت تدّعي الألوهيّة *** رأيتُها وقد نبتت لحيتها وهي تتسوّل!

  • عندما كانت شابّة صغيرة السنّ، لم تكن تكترث؛ وعندما كبرت قليلاً وشاخت، بدأت تتسوّل، ووصلت إلى هذا الحال!

  • يقول الله تعالى: «الجمال لي، وأريد أن أسترجعه!». حسنًا، فليقف من يستطيع، وليمتنع عن إعطائه، وليقل: «أنا لن أعطيه!». قف إن كنت تستطيع! لقد أعطى الله صحّة، وهذه الصحّة عارية، وليست أصيلة ومستقلّة، ثم يقول تعالى: «أريد أن أسترجع الصحّة!». قف بوجهه إن كنت تستطيع! لو اجتمع أهل الأرض والسماء، لما استطاعوا أن يُؤخّروا الأجل لثانية واحدة، ولا حتّى ثانية واحدة! ما أجمل أن ينتبه الإنسان منذ البداية إلى مآله، وألّا ينظر فقط إلى ما تحت قدميه! إذا نظر الإنسان منذ البداية إلى ما تحت قدميه فقط، فسيُواجه فجأة مسائل غير متوقّعة؛ وهذا الأمر يُصبح بالنسبة له ساحقًا وقارعًا؛ لكن، إذا ترك الإنسان دائمًا مجالاً للاحتمالات، فعندما يواجهها، سيُواجهها بهدوء.

  • يُقال: كان هناك متسوّل عند سوق «نائب السلطنة». في ذلك الوقت، كانوا يعرضون بطاقات اليانصيب؛ وفي أحد الأيّام، أخبروه: هل تعلم أنّك ربحت ثلاثين ألف تومان أو خمسين ألف تومان؟! كان حمّالاً، وما إن قالوا له ذلك، حتّى سقط وأصيب بسكتة قلبيّة ومات! عندما كنّا نذهب إلى هناك، كانت هذه القصّة مشهورة هناك. لقد كانت المسألة غير متوقّعة بالنسبة له لدرجة أنّ روحه لم تستطع تحمّل هذه المسألة غير المتوقّعة، فسقط ومات، وانتهى كلّ شيء!

  • يمنح الله الإنسان رئاسة ومحبوبيّة لدى الخلق، والناس يُحبّونه، ويرفعون لأجله أصواتهم بالصلوات والتحيّات، ويصير موضعًا لمراجعتهم، ويُصبحون من مريديه وأمثال هذه الأمور؛ ولكن، لا ينبغي له أن يغترّ! ففي يوم من الأيّام، هذا الشخص نفسه الذي يتبعك وهو مريدك ومُحبّك.. هذا الفرد نفسه سينقلب، ويصبح عدوّك اللدود! لا ينبغي أن تنخدع؛ فالمحبّة وديعة من الله يُلقيها في قلوب الناس، والطاعة وديعة من الله يُلقيها تعالى في أفئدتهم.

  • هؤلاء الأفراد الذين يأتون يومًا، ويحيطون بالإنسان، إذا كان هذا الإنسان بعيد النظر، فعليه أن يفكّر في غده أيضًا؛ لأنّ الأمر ليس بيده، وحركة الزمان ليست بيده، وعجلة الدهر لا تدور وفقًا لإرادته ونيّته؛ وحينئذ، قد تتعلّق إرادة الله ومشيئته، فتَخرُج محبّةُ هذا الشخص من قلوبهم، ويتركونه جانبًا!

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

4
  • عندما عاد الشيخ مطهّري من باريس، وتشرّف بلقاء المرحوم العلاّمة، كنتُ حاضرًا في ذلك المجلس؛ والأمر الذي قاله له المرحوم العلاّمة هو: اذهب وقل له [لآية الله السيّد الخمينيّ] من طرفي: لا تغترّوا بهذه الجموع التي ترونها الآن تتبعكم وتطيع أوامركم، وقد وضَعَت كلّ اختيارها ومشيئتها تحت اختياركم ومشيئتكم؛ فهؤلاء مجرّد سواد جيش. ابنوا عملكم على أساس الأصلح، وفكّروا في اليوم الذي إذا أرادت فيه هذه الجموع أن تتخلّى عنكم، ففي أيّة مكانة ستكونون!

  • عندما ذهب الشيخ مطهّري إليه [إلى السيّد الخمينيّ] وقال: «يا سيّدي، يجب أن تقيموا صلاة الجمعة!»، قال له: يا سيّدي، لا أستطيع أن أُقيمها؛ لأنّني عندما أخرج، سيُمزّقني هؤلاء الناس إربًا، ويُكسّرون سيارتي إلى قطع! ۱

  • كانوا يهرعون إليه بهذا الشكل! 

  • لا ينبغي لنا أن نغترّ، فهذه ودائع الله! العزّة لله! الحبّ والمودّة لله! الاختيار والمشيئة هما بإرادة الله واختياره ومشيئته! إذا اغتررنا، فسيأتي يومٌ لا يُطيعنا فيه هؤلاء الناس؛ وعدم طاعتهم سيُوجّه إلينا ضربة مروّعة وقاصمة ستُؤدّي إلى مسائل أخرى! هذا كلّه لأنّنا ننخدع.. ننخدع بهوى أنفسنا.. ننخدع بتخيّلاتنا.

  • أمير المؤمنين عليه السلام وموقفه من الرئاسة الظاهريّة

  • لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام كذلك، بل كان مرتاحًا! ثلاثون ألف شخص على الأقلّ جاؤوا في عيد الغدير، وبايعوه عليه السلام، وذلك الأوّل والثاني أيضًا جاءا، وبايعا! ٢ماذا حدث؟! بعد خمس دقائق من هذه البيعة، استدعاه النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى الخيمة وقال له [ما معناه]: «يا عليّ، لا تنخدع ببيعة هؤلاء الناس!». هذا الذي أخذ البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام من الناس، وهذا الذي رفع يد أمير المؤمنين عليه السلام حتّى بدا بياض إبطيهما٣، هو من استدعاه جانبًا، وقال له هذا الكلام؛ طبعًا، هذا تعبيري أنا: «لا تنخدع!». قال النبيّ صلّى الله عليه وآله [ما مفاده]: 

  • يَا عَلِيُّ، لَقَدْ أَتَانِي جِبْرَائِيلُ الآنَ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، بَعْدِي سَيَفْعَلُونَ كَذَا، وَسَيَفْعَلُونَ كَذَا، وَيَقْتُلُونَ زَوْجَتَكَ، وَيَحْبِسُونَهَا بَيْنَ البَابِ وَالجِدَارِ، وَيُسْقِطُونَ جَنِينَكَ، وَيَحْرِمُونَكَ مِنَ الخِلَافَةِ، ويستضعفونك، وَيُلْزِمُونَكَ البَيْتَ!٤

  • لقد قبل الإمام عليه السلام كلّ ذلك، وصبر! فهل انخدع أمير المؤمنين عليه السلام ببيعة هؤلاء الثلاثين ألفًا، وحزن؛ لأنّ ثلاثين ألفًا بايعوه ثمّ تراجعوا؟! فليذهبوا إلى الجحيم! لم ينخدع؛ لأنّه كان ينظر إلى مكان آخر، وكان يرى ما يُدبّر في الأعلى! هو لا ينظر إلى هذا الأسفل، بل نحن الجهلة من ينظر إلى هذا الأسفل! هو ينظر إلى الأعلى، إلى تلك اليد التي تُدبّر الأمور، وتوجّهها يمينًا وشمالاً؛ وعندما يكون الأمر كذلك، فإنّه لا ينخدع بهذه الدُمى المتحرّكة على الأرض التي تدور اليوم في هذا الاتجاه، وغدًا في ذاك الاتجاه!

    1. وظيفة الفرد المسلم في حكومة الإسلام، ص ۱٢۸.
    2. الغدير، ج ۱، ص ٣٥؛ إعلام الورى، ج ۱، ص ٢٦٢.
    3. تفسير القمّي، ج ١، ص ١٧٤.
    4. المصدر السابق، ج ١، ص ١٧٥.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

5
  • بعد ذلك، يمكث أمير المؤمنين عليه السلام في بيته خمسة وعشرين سنة! يقول: لا بأس، هذا واجبي! ولكنّه في الوقت نفسه، لا يخاصم، بل يساعد أيضًا! عندما رأى الناس أنّ أبا بكر وعمر قد جاءا، وأنّ عثمان قد أزاح الجميع، جاؤوا بعدها إلى الإمام عليه السلام، حيث يُعبّر عليه السلام عن هذا الأمر بالعبارة التالية: «كَرَبيضَةِ الغَنَمِ؛ جاء الناس كقطيع الغنم!». وحقًّا، لقد أتى بتعبير رائع؛ أي لا يمكن أن يكون هناك أفضل من هذا!

  • ذات مرّة، كنتُ في مكان ما، وجرى الحديث عن أنّ بعض التعابير تختصّ بأمير المؤمنين عليه السلام؛ أي أنّ الأئمّة الآخرين عليهم السلام ليس لديهم مثل هذه التعابير؛ فمثل هذه الأمور تصدر منه، وكان الإمام عليه السلام هكذا! كان أمير المؤمنين عليه السلام يختلف عن البقيّة، وكان يختلف قليلاً عن الإمام الصادق والإمام السجّاد عليهما السلام، وكان غير مبالٍ بكلّ شيء! ورد في نهج البلاغة أنه قال: 

  • يَنْثالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، حَتّىٰ لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنانِ، وَشُقَّ عِطْفايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الغَنَمِ۱! أي: كما يتدافع قطيع الغنم ليدخل الحظيرة، فيتسلّق بعضهم فوق بعض؛ هكذا جاؤوا إلى بيتي حتّى كاد الحسن والحسين أن يُدهسا تحت الأقدام! (وقالوا: يا عليّ، تعال وكن الخليفة!).٢ 

  • لكنّ الإمام عليه السلام جلس وضحك منهم جميعًا وقال: اذهبوا إلى حال سبيلكم!

  • ذات مرّة، قال آية الله الخمينيّ: إذا شعر أحد أعضاء الحكومة بوجود من هو أصلح منه، فمن واجبه أن يتنحّى، ويجعله بديلاً عنه!

  • كنتُ في ذلك الوقت أخطب في «تنكابن»، فذكرتُ هذا الأمر على المنبر، وقلتُ: أيّها الناس، أُقسم عليكم بالله، منذ أن قال هذا الكلام، كم شخصًا تنحّى حتّى الآن؟! لن تجدوا شخصًا واحدًا فعل ذلك! يعني: هل هذا الشخص الذي هو الآن نائب في المجلس أو ذاك الذي هو وزير، يتخيّل حقًّا أنّه تحت هذه السماء لا يوجد أيّ فرد من الأفراد يُضاهيه في الكفاءة؟! وهل لديه حقًّا مثل هذا التخيّل؟!

  • هذه الحكومة هي حكومة الله؛ ضحك أمير المؤمنين عليه السلام منهم جميعًا، وقال: اذهبوا وابحثوا عن غيري! لماذا أتيتم إليّ؟! عندما جاؤوا، اضطرّ الإمام عليه السلام إلى القبول، وقَبِل؛ ثمّ هؤلاء الناس أنفسهم، عندما طالت حرب صفّين قليلاً واشتدّ الخناق، تراجعوا، وسلّموا الحكم إلى معاوية! عندما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لَأَلْفَيْتُمْ دُنْياكُمْ هٰذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ.٣

    1. نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٦، الخطبة ٣: الخطبة الشقشقيّة.
    2. لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۸، ص ۱۰۸.
    3. نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٦، الخطبة ٣: الخطبة الشقشقيّة.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

6
  • أيّ أفق للرؤية يملكه حتّى يقول هذا الكلام؟! هو هذا الموضوع نفسه؛ وهو أنّه يرى كلّ هذه الأمور وديعة!

  • نحن نتمسّك بها بقوّة ونتشبّث ولا نتركها. يا سيّدي، إنّها الرئاسة، لن نتركها! أنت هو الشخص نفسه الذي كان جالسًا في بيته بالأمس؛ والآن، بفضل ورقتَي انتخاب وكذب وخداع وبهتان وافتراء على الناس، جلست على هذا المسند! أنت هو شخص الأمس، وغدًا ستعود إلى أمسك، فلماذا تُضيّع نفسك؟! غدًا، ستُصبح مثل الأمس مرّة أخرى، وستزول كلّ هذه الأوسمة والمظاهر! حسنًا، إذا كنت تستطيع الحفاظ عليها، فحافظ عليها إذن!

  • كان هناك أحد رجال السياسة الألمان في زمن أمير كبير، وكان في ذلك الوقت يتبادل الرسائل معه، حيث كان يكتب له رسالة، وهذا يجيب عليها؛ وعندما عزلوه، وأبعدوه، ثمّ نفوه إلى قرية في ألمانيا نفسها، ومكث هناك فترة، كتب رسالة من هناك إلى أمير كبير، يقول فيها: أنا اليوم أُدرك أنّنا لم نكن سوى دُمى خشبيّة متحرّكة، وأنّ كلّ هذه الأوضاع وهذا الأمر والنهي مقهور لقدرة أخرى كانت هي التي تحرّكنا، ونحن لم نكن نعلم بها!

  • موقف أولياء الله عند بروز المصائب والشدائد

  • هذه ودائع، والودائع يجب أن تُردّ إلى أهلها! لذلك، كما قلت في تلك الليلة الخامسة عشرة، عندما يُريد الله أن يأخذ منّا الصحّة، لماذا نتمسّك بها بكلتا يدينا؟! فلنُعطها! يقول الله: «إنّني أريد أن آخذ منك هذه الصحّة»؛ حسنًا، أعطها، ولكن لا يكن في مخيّلتك أنّه يجب أن يكون الأمر هكذا. اعمل بواجبك، وليكُن ما يكون! عندما يريد الله أن يأخذ مالك، اعمل بواجبك، ولكن لا يكُن في مخيّلتك أنه يجب حتمًا أن يبقى هذا هنا!

  • عندما يريد الله أن يأخذ رئاسة ما، يجب أن تعمل بواجبك ولو كان واجبًا إلهيًّا! لقد عمل أمير المؤمنين عليه السلام بواجبه؛ فكان يُركب السيّدة الزهراء عليها السلام على حمار، ويطوف بها في المدينة، ويقول للناس: «هل كنتم شهودًا في عيد الغدير أم لا؟!»؛۱ ولكن، في قلبه كان يقول: «هذه الأمور لا فائدة منها!»، فكان يطوف ليُؤدّي واجبه. وهنا، توجد نكتة دقيقة جدًا يتّضح فيها مقام جمعيّة الوليّ، حيث إنّه في الوقت الذي يرى فيه مشيئة الله وما سيحدث في المستقبل، يُسيّر الأمور وكأنّ هذه المسألة يجب أن تتحقّق الآن! هو يعلم تمامًا ما سيحدث لاحقًا، بل يعلمه جيّدًا، ولكنّه يقوم بهذا العمل، ولا يجلس ويقول: فليكن ما يكون!

    1. كتاب سليم بن قيس الهلاليّ، ج ٢، ص ٥٨٠و٥٨٣ و٧٦٥؛ السقيفة وفدك، ص ٦١.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

7
  • لقد وصف سيّد الشهداء عليه السلام تفاصيل واقعة عاشوراء شعرة بشعرة: يا قاسم، سيقتلونك هكذا، يا عليّ، سيقتلونك هكذا، يا أبا الفضل، سيقتلونك هكذا. عندما قال له أبو الفضل عليه السلام: «لن نتخلّى عنك»، بكى الإمام عليه السلام بكاءً كثيرًا، ثمّ قال [ما معناه]: «كأنّي أراك تُقتل بأيّ حال!». لقد ذكر قصّة حبيب ومسلم... كلّ هذه الأمور، واحدة تلو الأخرى، وبدقّة۱!

  • وعندما حلّت ليلة عاشوراء، بدأ بحفر الخندق، وقال: «احفروا خندقًا حول الخيام حتّى لا يأتي العدوّ!». ٢ الآن، يجب القيام بهذا العمل، والواجب الآن هو هذا. حفروا الخندق، وألقوا فيه الحطب والأشواك وما إلى ذلك، حتّى أنّه عندما جاء جيش الشمر، وهجم، فوجئ بما رآه، وقال: يا للعجب! أيّ تشكيل حربي هذا؟! فمن هذا الجانب خندق، ومن الجانب الآخر، حبال متشابكة بطريقة يستحيل معها العبور! قال: «عجيب، هل فعلوا هذا منذ الليلة الماضية حتّى الآن؟!». حسنًا، في الليلة السابقة، كان أحد أعمال الأصحاب هو حفر الخندق ـ وما إلى ذلك ـ حول الحرم؛ وطبعًا، كان جزء منه مفتوحًا، وفي ذلك الجزء، كان الرماة يقفون. كلّ شيء يجب أن يتمّ في مكانه!

  • فإذا رأيت وليًّا يُراعي هذه المسألة أكثر، فاعلم أنّه أكمل! أمّا إذا رأيته يقول: «هذا الأمر سيحدث!، فهذا ليس بكامل؛ نعم، لقد رأى شيئًا ووصل إلى مسائل، ولكنّه ليس بكامل. الكامل يُطلق على الناضج، وعلى من حاز جميع العوالم، ووضعها في داخله، وأصبح هو الله النازل على الأرض؛ فكما أنّ الله تعالى يُدبّر جميع العوالم واحدًا تلو الآخر، ويُرسل حصّة كلّ عالم بما يقتضيه هذا العالم، فيُرسل حصّة عالم جبرائيل، وحصّة عالم ميكائيل، وحصّة الجبروت، وحصّة اللاهوت، وحصّة عالم البرزخ والمثال، ويُرسل حصّة هذا العالم من البرتقال والتفّاح لنا، ويرسل حصّة كلّ واحد في مكانها؛ لذلك، فإنّ الوليّ الكامل هو الوليّ الذي يُؤدّي حصّة كلّ عالم وكلّ مكانة في موضعها بدقّة.

  • لو نزل الله تعالى على الأرض، ماذا كان سيفعل؟ كان سيُعطي هذا ألفي تومان، ويأخذ من ذاك ثلاثة آلاف تومان، ويقول لذلك اللصّ: اذهب واسرق ماله، ويقول لذاك: اذهب واكسر رأسه، ويقول لذاك: اذهب وضمّده وأنقذه من الموت، ويُميت ذاك بسكتة قلبيّة، ويُزهق روح ذاك بحادث تصادم، ويأتي بذاك إلى الدنيا، ويُسقط ذاك، ونفس هذه الأمور التي نراها في هذا العالم.. هذا الوليّ هو بالشكل ذاته! عندما ترى الوليّ جالسًا في مكان يقرأ سورة الحمد، لا تنخدع وتتخيّل أنّه يشفيه، لا، بل هو يُنفّذ مشيئة الله!

    1. الخرائج والجرائح، ج ٢، ص ٨٤٧.
    2. وقعة الطفّ، ص ٢٠١.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

8
  • لزوم التسليم أمام أولياء الله بصفتهم منفّذي المشيئة الإلهيّة

  • لا ينبغي لنا أن نريد وليّ الله من أجل الشفاء؛ خطؤنا هنا! نريد عندما يأتي المرحوم العلاّمة إلى بيتنا، أن تلد زوجتنا بسهولة؛ كلّا! ربّما يأتي إلى بيتنا، فتُسقط زوجتنا، ويموت الطفل! نريد عندما يأتي المرحوم العلاّمة إلى بيتنا، أن يجلب البركات من السماء والأرض؛ كلّا، قد يأتي إلى بيتنا فينهار سقفنا! القصّة هكذا! إنّنا نسير في الطريق الخطأ!

  • المرحوم العلاّمة لا يأتي إلى بيتنا ليُغيّر أمر الله تعالى، بل يأتي إلى بيتنا ليُحوّل جهلنا إلى علم؛ هو لا يُغيّر مشيئة الله، فمشيئة الله باقية في مكانها. ما إن وضع النبيّ صلّى الله عليه وآله قدمه في منزل أحد الأنصار، حتّى سقط طفله في البئر وغرق؛ ولكنّ زوجته لم يصدر منها صوت؛ لأنّ رسول الله قد أتى! أمرٌ عجيب جدًا! يجب على الإنسان أن يجلس ويضع يده على رأسه، ويقول: إذا كان أمثال هؤلاء موجودين، فقد خابت آمالُنا وبُؤنا بالفشل!

  • لم تقُل شيئًا! جاء رسول الله صلّى الله عليه وآله، فأكرمته؛ وجاء زوجها، فضحكت هذه المرأة وقهقهت، وكأنّ شيئًا لم يكن! انتهى الأمر، وعندما ذهب النبيّ صلّى الله عليه وآله، قالت: «أريد أن أقول لك شيئًا: لقد سقط الطفل في البئر وغرق، وأنا لم أُبدِ أيّ انفعال!». فجأة، قال الزوج: «يا ويلي، أنت لم تخبريني!». قالت: «اصبر!». ثمّ يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد ذلك [ما معناه]: «إنّني أُباهي الأنبياء السابقين بمثل هؤلاء النساء في أمّتي!».۱ النبيّ صلّى الله عليه وآله لا يذهب ليُحيي الموتى، بل يذهب، ليُخرجنا من الجهل؛ هذه هي القصّة!

  • لا ينبغي لنا أن نسعى لتغيير مشيئة الله، بل يجب أن نسعى لتكييف أنفسنا مع مشيئة الله وتقديره! كم مرّة أقول هذا! هذه هي المسألة!

  • كان المرحوم الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ يُقيم مأدبة في يوم عيد الغدير. أقام مأدبة في قمّ هذه وكان الجميع مدعوّين؛ وفجأة، ابنه الذي كان يافعًا قد بلغ للتوّ، ذهب ليأتي بالطعام من الجانب الآخر، فزلّت قدمُه وسقط على رأسه في الحوض، حيث يقول البعض إنّه غرق، ويقول البعض إنّ رأسه ارتطم بحافّة الحوض، وسقطت جثّته في وسط الحوض؛ كان شابًّا يافعًا وجميلاً، وقد أدخله للتوّ في سلك طلبة العلم! فجأة، ارتفع صوت الصراخ والعويل، فنهض وقال: «ماذا حدث؟! ما الخبر؟!» قالوا: «يا سيّدي، سقط الطفل ومات!»، فقال: 

    1. مُسكّن الفؤاد، ص ٦٧.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

9
  • اليوم هو يوم عيد الغدير، والضيوف الموجودون هنا هم ضيوف أمير المؤمنين عليه السلام؛ فلا ينبغي لنا أن نُنغّص عليهم عيشهم، فهم سيحزنون الآن؛ دعوهم حتّى يأكلوا طعامهم وينتهوا؛ حينها، نُخبرهم!

  • كان هو نفسه يُحضر المائدة و ...، وكأنّ شيئًا لم يكن! وهم أيضًا لم يفهموا شيئًا؛ وبعد أن انتهى كلّ شيء بخير وسلام وصلاة على النبيّ وهذه الأمور، قال: لقد وقع أمر؛ كان الله قد أعطانا وديعة، واليوم استردّها منّا، والآن تعالوا لنذهب ونشيّعه!۱

  • كان قد أقام مأدبة لأمير المؤمنين عليه السلام في يوم عيد الغدير، وهكذا عامله الإمام عليه السلام! لكنّ البعض الآخر يُعاملهم بطريقة أخرى، حيث يقولون: «ما شاء الله، من بركات مأدبة أمير المؤمنين عليه السلام، حصلنا على عشرة ملايين من الخمس وسنفعل كلّ ما أريد!». لو كنّا نحن، لتمسّكنا بالثانية؛ ولكنّ الأولياء يتمسّكون بالأولى!

  • لطف أولياء الله في الأخذ، لا في العطاء!

  • ألم يُقل المرحوم العلاّمة في كتاب «الروح المجرّد» إنّ السيّد الحدّاد قال: عطاؤهم هو الأخذ، وليس الإضافة؛ لطفهم هو الاسترداد، وليس العطاء٢

  • اللطف هو أن يأخذوا! لذلك، فإنّ سبب كوننا بطيئين وبخلاء كما جاء في عبارة الإمام السجّاد عليه السلام: «وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي»، هو أنّنا نتصوّر أنّ هذه الأشياء زائلة! إذا فعلتُ هذا الأمر، حسنًا، سينقُص هذا منّي؛ ولأنّه ينقص، فإنّني أحتفظ به لنفسي.

  • تحتفظ به لنفسك؟! حسنًا جدًا، يذهب طفلك إلى البيت، فيسقط، ويصاب بنزيف في الدماغ، وعليك أن تدفع مليوني تومان تكاليف الجراحة؛ هل هذا أيضًا بيدك؟! هل يُمكنك أن تمنع هذا أيضًا؟! لنفترض أنّك تُضيّع حقًّا، فيقال لك: «يا سيّدي، هذا الحقّ يُضيّع، لا يجب أن تفعل هذا الأمر!»، لكنّنا نذهب ونفعله، ثم على أمل أنّنا ـ ولله الحمد ـ قد وصلنا إلى نعمة، نُشغّل السيّارة، ونسير حتّى نصل إلى رأس الشارع، فيظهر طفل أمامنا، فنصدمه ويموت، فندفع مليونًا لنحصل على رضا الطرف الآخر؛ هذا هو المليون نفسه الذي ما كان ينبغي لك أن تأخذه! يا سيّدي، كلّ الأمور تسير بحساب! الأمر ليس بيدي أنا وأمثالي، بل بيد أخرى! إذا أعطيت هنا فقد أعطيت، وإذا لم تعطِ، فسيأخذونها منك في يوم آخر ومكان آخر!

    1. گنجینه دانشمندان (فارسيّ)، ج ٥، ص ٢١٦.
    2. الروح المجرّد، ص ٢٦٩.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

10
  • ورد في الرواية [ما معناه]: «إِذَا كَانَتْ أَيْدِيكُمْ مبسوطةً، فَهذا حَسَنٌ؛ وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ مِنْكُمْ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى! ».۱ إنّه لأمرٌ عجيب حقًّا! 

  • لقد سمعتُ الرواية والحكاية التالية مرارًا من المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه وكان يرويها للرفقاء، وربّما سمعتموها أنتم أيضًا؛ هذا، مع من أنّها المسك؛ لأنّ كلام الأئمّة والأعاظم كالمسك، كلّما ذكرها الإنسان، تبقى على طراوتها! كان يقول: جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى باب المسجد وأعطى زمام بغلته لشخص ليُمسكه. دخل الإمام عليه السلام المسجد ثمّ عاد. وعندما عاد، قال: «أعطوا هذين الدرهمين لذلك الشخص!». فجأة رأى ـ، يا للعجب ـ أنّ ذلك الشخص قد أخذ السرج وسرقه وهرب! قال الإمام عليه السلام: «حسنًا جدًّا، اذهب واشترِ سرجًا وأحضره لنركب ونعود إلى البيت!». ذهب، فرأى أنّهم يبيعون هذا السرج! فاشتراه بدرهمين وأحضره، فقال الإمام عليه السلام: «كنتُ أريد أن أعطيه درهمين، لكنه لم يرضَ بالحلال، فأعطاه الله من الحرام!».٢

  • لقد روى قصّة، ولن أذكر الأسماء الآن. في مسجد «القائم» هذا، لقد آذوا المرحوم العلاّمة حقًّا؛ خاصّة في هذه الأواخر وبسبب هذه الأوضاع والأحداث التي وقعت! جاء المرحوم العلاّمة وبشوق كبير، وعقد جلسة، وتحدّث، وأجرى تصويتًا، وكانت هناك حركة ونشاط... وفي أثناء كلّ ذلك، كان هو نفسه أوّل من يذهب. بعد ربع ساعة، كان يأتي شخص، وبعد نصف ساعة، كان يأتي آخر، وذاك يأتي متأخّرًا أكثر... ولكنّ المرحوم العلاّمة لم يكن يقول شيئًا! يا عديمي التربية، لقد أتى المرحوم العلاّمة بكلّ ما يملكه من علم، وجلس هنا! ما هو المرض الذي تُعانون منه؟! يا من لا دين لكم، كيف عساه أن يقول لكم ذلك؟!

  • في أحد الأيّام، ذهبتُ أنا بنفسي مع السيّد المسؤول عن المسجد إلى المجلس النيابيّ الحاليّ لنطلب منهم أن يُخصّصوا لنا الأرض الواقعة خلف المسجد والتي تبلغ مساحتها ألفي متر. دخلنا في اشتباك معهم، ودع عنك ما حدث هناك! إنّهم لم يهبوا لنا الأرض فقط وفقط لسبب واحد هو أنّهم لم يريدوا أن يروا السيّد محمد حسين [الطهرانيّ] قد أنشأ مركزًا لنفسه في مقابلهم! فقط لهذا السبب! أنا على اطّلاع بالمجريات، وكنتُ أشارك في مفاوضاتهم، وكنتُ آتي من قمّ إلى طهران، وأذهب مع بعض المسؤولين إليهم؛ خلاصة كلامهم كانت: «ماذا تريدون أن تفعلوا؟!» ألا تعرفون السيّد محمد حسين؟! ألا تعلمون من هو؟! الكلام الذي قالوه كان: «العمل الذي يريد أن يقوم به، حسنًا، نحن أيضًا نستطيع القيام به!».

    1. غرر الحكم ودرر الكلم، ص ٦٠٢؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ٤١٢؛ بحار الأنوار، ج ٩٣، ص ١٣١.
    2. فقه القرآن، ج ٢، ص ٣٩؛ شرح نهج البلاغة، ابن ‌أبي ‌الحديد، ج ٣، ص ١٦٠.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

11
  • بعد ذلك، قال المرحوم العلاّمة: «حسنًا، تعالوا نُنشئ صندوقًا!» خلاصة القول، أنشأوا صندوقًا، وجمعوا أفرادًا بعضهم قد توفّي، رحمهم الله جميعًا وغفر لهم! أحدهم، وكان أكثرهم ثراءً، قال: «سأعطي مليونًا!»، والمليون في ذلك الوقت كان مبلغًا كبيرًا جدًّا! وقال آخر: «سأعطي مبلغ كذا!». وأحضروا شخصًا حليق اللحية؛ ولكن، عندما رأى أنّ الأمر يتعلّق بعمل خيريّ، قال: «أنا أيضًا سأعطي خمسمائة [ألف] تومان!». كنتُ أنا شخصيًّا حاضرًا هناك، ورأيته يقولها بصدق.

  • جاء أحدهم، وأثار الفتنة قائلاً: «حسنًا، هذا المال الذي نُعطيه، يُمكننا أن نذهب ونعمل به، فلماذا نتركه هنا مُجمّدًا؟!». وأمثال هذا الكلام! هذا جاء، وأفسد رأي البقيّة أيضًا؛ ذاك الذي قال إنّه سيعطي مليونًا، قال: «سأعطي ثلاثمائة [ألف] تومان!» ولم يُعطها أيضًا! وذاك الذي قال: خمسمائة [ألف] تومان، أفسدوا رأيه تمامًا وذهب! لقد جعلوا المرحوم العلاّمة في موقف حرج للغاية!

  • نفس الشخص الذي أفسد رأيهم، اختُطف طفله، وأخذوا منه خمسمائة ألف تومان حتّى يعيدوا له طفله! الحساب دقيق! مَن الذي ألقى في رأسه أن يختطف طفل هذا الشخص؟ لماذا لم يختطف طفل الجار؟! لماذا لم يذهب ليختطف من يسكن في الطابق العلويّ أو السفليّ؟! هل فكّرتم في هذا من قبل؟! حسنًا يا مسكين، لو كنت قد أعطيت تلك الخمسمائة [ألف] تومان، لكانوا قد كتبوها لك في ميزان حسناتك! أمّا الآن، فليس لديك لا دنيا ولا آخرة! أُقسم بحياتكم، أنّهم لن يكتبوا له منها مقدار رأس إبرة! حسنًا، الذنب ذنبك! انتهى الأمر، ذهبت خمسمائة [ألف] تومان هباءً! وبعدها، قتلوا ابنته!

  • هذه ودائع الله، وعلينا أن نعتبر ما لدينا وديعة؛ إذا اعتبرناها وديعة، فلن نكون بخلاء بعد الآن. أحدهم قد أعطى، وهو نفسه يريد أن يأخذ؛ حسنًا، سيأخذها من مكان آخر!

  • قضاء حوائج الناس مع عدم تخطّي المشيئة الإلهيّة

  • قبل فترة، كانت هناك حالتان أو ثلاث حالات شغلت تفكيري قليلاً واستولت على ذهني. رأيتُ أنّ هؤلاء الناس يرجعون إليّ فقط، ولا يستطيعون الذهاب إلى مكان آخر. مرّ أسبوع على هذه القصّة، وكنتُ لا أنام في الليل وأنا أفكّر: ماذا عساي أن أفعل؟! فهؤلاء محتاجون وأنا لا أملك شيئًا، فمن أين آتي لهم [بالأموال]؟!

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

12
  • كان ذهني مشغولاً هكذا حتّى اتّضحت لي القصّة فجأة في إحدى الليالي: ما علاقتك أنت بالموضوع أصلاً؟! ليس لديك، فليكُن؛ ما علاقتك أنت؟! هل أنت أكثر شفقة عليهم من الله تعالى؟! هذه المعاني أتت! هل تكون ملكيًّا أكثر من الملك؟! أتت هذه المعاني بالضبط! أستغفر الله! في الغد، جاء شخص وأعطاني بعض المال! يا للعجب؛ أوّلاً، يبتلون المرء، ثم يحلّون المشكلة! أخبرتُ أولئك الأفراد، فجاؤوا ووزّعنا المال حتّى العصر، وانتهى وذهب كلّه.

  • من هذا الذي بوسعه أن يكون ملكيًّا أكثر من الملك؟! هو ينظر، هو يرى الأوضاع، هو منتبه، هو المسؤول عن كلّ شيء، هو الأصل وهذا هو الفرع. وهنا، لا أُريد الخوض في الأبحاث الفلسفيّة المرتبطة بهذه القضيّة، وأنا لا أريد بتاتًا الدخول في هذه المسائل؛ أنا فقط أذكر مشاهداتي وتجاربي في هذا المجال. يجب أن نضع أنفسنا في هذا المسار، حيث إنّ هناك من يعطي، وهناك من يرسل ويقول: أنفقه!

  • عدم البخل ورؤية حوائج الناس نعمة إلهيّة

  • يقول سيّد الشهداء عليه السلام في هذه الخطب المطبوعة: 

  • وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْكُمْ۱؛ أي أنّ حوائج الناس إليكم كلّها نعم!

  • يا للأسف، لا تغفلوا، ولا تطردوا هذه النعمة من باب بيوتكم، حيث إنّ طرد النعمة من باب المنزل يعني ردّ طلب السائل! 

  • بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي!

  • عندما أستطيع أن أفعل شيئًا يجب أن أتحرّك، وعندما أكون في مكانة وأستطيع فعل شيء يجب أن أفعله، وإذا كنتُ أستطيع أن أحلّ مشكلة فيجب أن أفعل ذلك؛ وعندما أحلّها، لا ينبغي أن أفرح بأنّني أنا من فعل هذا، ولا ينبغي أن أفخر بأنّني فعلتُ هذا، ولا ينبغي لي أن أتباهى بهذا على الآخرين، ولا ينبغي أن يتسبّب هذا في ظهور أمر ما في نفسي؛ كلّ هذا شيطان، شيطان، شيطان! نحن عبيد، نحن أصفار، وحالنا كحال عبيد التاجر؛ فلا يُمكن لعبد التاجر أن يفخر بدلاً من التاجر! المال للتاجر، وليس للعبد، وليس لذاك الذي يرفع ويخفض باب المتجر المعدنّي فقط! نحن فقط من يرفع ويخفض الباب، نحن فقط من يكنس وينظّف هذا الخان؛ هناك سيّد آخر ومولى آخر، والمال والرئاسة والقدرة والجمال والمكانة الدنيويّة والأخرويّة، مملوكة بأجمعها لغيرنا!

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

13
  • السيّد الحدّاد لم يكن لديه مال ليُنفقه، ولم يكن حزينًا من هذا المنطلق بأنّه لا يملك مالاً ليُنفقه؛ لأنّه لو كان يملكه، لكان الوضع هو نفسه، ولم يكن ليختلف! فالآن، على أيّ شيء يحزن؟! وذاك الذي يملك وينفق لا ينبغي أن يفرح! أ فهل هو مالُكَ؟!

  • حال أولياء الله تجاه النعم الدنيويّة

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام لفضّة [ما مفاده]: في الواقع، نحن هكذا، نعيش على خبز الشعير و ...؛ إذا أردتِ أن تأتي فحسنًا تعالي، ألقِ بهمومك وتعالي!

  • ففي النهاية، فضّة كانت تعرف الكيمياء! وقد أورد المرحوم العلاّمة قصّتها في كتاب «أنوار الملكوت».۱ عندما نظرت إلى أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ الذين لا مثيل لهم في الدنيا ولكنّهم يعيشون هكذا ـ أشفق قلبُها عليهم! صنعت شيئًا، ووضعت عليه الكيمياء، فحوّلته إلى ذهب، وأعطته للإمام، فقال عليه السلام أوّلاً بطريقة لا تجرح قلبها: «ما شاء الله، بارك الله فيك! يا له من عمل جيّد! ولكن، لو فعلتِ هذا بالطريقة الكذائيّة، لكان ذهبُه أفضل!».

  • قالت: «يا للعجب، يبدو أنّ هؤلاء أيضًا يُتقنون علم الكيمياء ويعرفونه!». قال الإمام عليه السلام: «أتتعجّبين؟! حسنًا، اذهبي، واسألي ذاك الذي يلعب في فناء البيت!».

  • كان الإمام الحسين عليه السلام يلعب في الفناء بالكرة، فذهبت إليه، وأرته إيّاه، فقال الإمام الحسين عليه السلام: «بارك الله فيك، بارك الله فيك!». وهو يلعب، كان وعيه حاضرًا؛ هذا أيضًا مثل ذاك! أوّلاً، قال قليلاً: «بارك الله فيك، بارك الله فيك»، ثمّ فجأة، أصاب الهدف! قال: «لو كنتِ قد فعلتِ هذا بهذه الطريقة، وسخّنته، ثمّ أضفتِ هذا إلى ذاك، لكانت سبيكتُه أنقى!».

  • قالت: «يا للعجب، هذا عمره أربع سنوات وهو يلعب! يا سيّدي، هؤلاء كبيرهم وصغيرهم كلّهم سواء!». هنا تستسلم، والإمام عليه السلام ينتظر هذا؛ فما إن رآى أنّها استسلمت، قال: «انظري إلى أين أتيتِ؛ لقد أتيتِ إلى مكانٍ طفلُه ذو الأربع سنوات يضع هذه الأمور جانبًا! إذا أردتِ أن تكوني هنا، فحسنًا، تعالي، أنتِ أيضًا!». قالت: «حسنًا!». تنظر فترى نهرًا من الجواهر يجري! فتُلقي هي أيضًا بكلّ شيء، وتأتي! ٢

    1. أنوار الملكوت (فارسيّ)، ج ١، ص ٦٩.
    2. مشارق أنوار اليقين، ص ١٢٦.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

14
  • قرأتُ في سيرة سردار الكابليّ أنّه كان من الأعاظم، وقد أمضى فترة من عمره في قبو منزله في صناعة الذهب والكيمياء برفقة درويش. أمضى هناك الأيّام والليالي، وكان الدخان يتصاعد باستمرار من القبو ومن آلات التقطير... اسكب هذا في ذاك، واخلط من هذا الجانب وذاك الجانب، ليصنع الذهب في النهاية! كان من أهل الرياضات وهذه المسائل؛ ولكن في النهاية، لماذا؟!

  • بعد أن تعب، ولم يتمكّن من فعل أيّ شيء، قال [لرفيقه]: «يا سيّدي، نحن لا نستطيع القيام بذلك، انهض واذهب!». فتركه وذهب! وكان رجلاً عظيمًا وثرِيًّا، فقال لخادمته: «تعالي ونظّفي القبو، واجمعي الزجاجات وكلّ هذه الأشياء!». جاءت هذه، وبدأت تنظّف الزجاجات واحدة تلو الأخرى بجانب الفِناء؛ وبالصدفة، انكسرت إحدى هذه الزجاجات، وكانت هناك كميّة من المواد المتصلّبة في داخلها. وعندما جاءت لتفركها، رأت أنّها صفراء! خرجت وقالت: «هذا أصفر!». نهض سردار الكابليّ وقال: «لعلّ هذا ذهب ونحن لم نكن نعلم!».

  • ذهب، وأحضر أحد الصاغة، فقال له: «نعم، هذا ذهب عيار أربعة عشر!». حينئذ، ضرب على رأسه قائلاً: «يا للأسف، كنتُ أعرف معادلة الحصول على هذا! لكن، كيف سيتسنّى لي العثور من بين كلّ هذه الزجاجات على الزجاجة التي تتوفّر عليها؟!»؛ هذا، مع أنّه كان قد بذل جهدًا طويلاً! حسنًا، ماذا تريد أن تفعل؟! تريد أن تحصل على الذهب الذي غاية ما فيه أن تنفقه؟! أنا أضمن لك من طرفي أن تجلس في بيتك، وتقوم بعملك، وسيعطونك ثواب الإنفاق بشرط أن تنفق عندما تكسب المال! إذا لم تكسب المال، فبضمانتي، سيُعطونك ثواب الإنفاق يوم القيامة؛ وإذا لم يعطوك، تعال حينها، وأمسك بخناق جدّي! ما هذه الألاعيب؟! هل يذهب المرء ليصنع الذهب؟! أدِّ واجبك، واذهب إلى حال سبيلك! يجب أن تكون هذه هي الحال!

  • كون النعم والألطاف الإلهيّة وديعة

  • خلاصة القول هي أنّ الإنسان يجب أن يعتبر جميع النعم التي أعطاه الله إيّاها مؤقّتة وليست دائمة، وأن يعتبرها وديعة وليست ملكًا مستقلاًّ! نحن لا نملك استقلالاً حتّى تجاه ذواتنا، أي لا يمكننا الحفاظ على ذواتنا؛ فهل يمكننا بعد ذلك أن نحافظ على هذه الرئاسات، وعلى هذه المحبّة والمودّة، وعلى هذه القيم وهذه العلوم؟! هذه العلوم نفسها، نملكها يومًا ويأخذونها منّا غدًا، فيأخذون كلّ شيء منّا! كلّ ما أعطونا إيّاه، سيسترجعونه، ويضعوننا في القبر عراة! يجب أن نعتبر كلّ هذه الأشياء عارية، وأن نسندها بأجمعها إلى المنبع الذي لا ينضب؛ فقد أتت من هناك، وستعود إلى هناك.

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

15
  • إذا صار الأمر هكذا، فسنصبح مثلما يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ في حديثه، فنعتبر جميع الأموال أموال الله، وجميع الاعتبارات اعتبارات الله۱؛ وهو من جهته شأنُه كشأن لاعب الشطرنج يُغيّر القطع، فيرفعها من هنا ويضعها هناك، ويرفعها من هناك ويضعها هنا؛ حينها، لن نكون «بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي».

  • الغاية الأساسيّة من قراءة الدعاء والبكاء والإنابة

  • نسأل الله أن يُوفّقنا ـ إن شاء تعالى ـ لتتحقّق فينا هذه الفقرات من أدعية الإمام السجّاد عليه السلام! فالجلوس والقراءة أمرٌ جيّد، حيث نشعر بحال جيّدة ونذرف دمعتين؛ ولكنّ المهمّ هو أن نسعى لتحقيق هذه المعاني. طبعًا، البكاء جيّد وله فائدة، ولا أقول إنّه لا فائدة منه بتاتًا!

  • ذات مرّة، كنت في محضر المرحوم العلاّمة، فقال لي: «فسّر قليلاً من القرآن!». ففسّرت، بل ترجمت قليلاً من القرآن؛ ثم في موضع ما، طرحتُ هذا الموضوع: «عندما تذهب لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، انوِ القربة، ولا يكُن الأمر بحيث إذا فاتتك الحافلة أو ثُقِب إطارُها أو أُلغيت الطائرة، تقول: "الآن بما أنّها أُلغيت، لأذهب وأقوم بزيارة"؛ فهذه الزيارة لا فائدة منها!». بعد أن انتهى الحديث، اعترض عليّ المرحوم العلاّمة، فقال: 

  • لا، لا يُمكنك أن تقول: «إنّها لا فائدة منها!». لها فائدة، ولكنّ فائدتها قليلة! لا تقُل: «لا فائدة منها!». بقدر ما هناك من إخلاص، يستفيد [ذاك الزائر] بنفس القدر! هل كان بإمكانه أن يذهب إلى السينما بدلاً من زيارة الإمام الرضا عليه السلام أم لا؟! حسنًا، لماذا لم يذهب؟! على الرغم من أنّه لو تمّ إصلاح طائرته، لكان قد ركب الطائرة وذهب؛ ولكن في النهاية الآن، بدلاً من أن يذهب ويجلس في البيت، يقول: «لأذهب للزيارة»، ويكتبون له عشرة بالمائة! فليطلب من الله أن تزيد تلك العشرة بالمائة!

  • كيفيّة بيان المسائل التربويّة في دعاء أبي حمزة

  • على أيّ حال، كانت طريقة جميع الأعاظم هي أن يُقدّموا لنا الطريق والتعليم الصحيح، وهذه الأدعية في الصحيفة السجّادية هي معجزة الإمام السجّاد عليه السلام الذي أدخل نفسه في جسدي ويتحدّث بلساني، وأدخل نفسه في أجسادكم ويتحدّث بألسنتكم؛ لقد أدخل نفسه في جسد كلّ واحد منّا، ويضع في أفواهنا ما يحتاجه وجودنا، وكمالنا، وتربيتنا، وفقرنا، ومتطلّباتنا!

    1. بحار الأنوار، ج ١، ص ٢٢٥:
      «قُلتُ: يا أبا عَبدِ اللَهِ! ما حَقيقَةُ العُبوديةِ؟ قالَ: "ثَلاثَةُ أشياءَ: ألاّ يرَى العَبدُ لِنَفسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللَهُ مِلكًا؛ لِأنّ العَبيدَ لا يكونُ لَهُم مِلك، يرَونَ المالَ مالَ اللَهِ، يضَعونَهُ حَيثُ أمَرَهُمُ اللَهُ بِهِ؛ ولا يُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تَدبيرًا؛ وجُملَةُ اشتِغالِهِ فيما أمَرَهُ تَعالى بِهِ ونَهاهُ عَنهُ"».

كلّ ما تملكه وديعة إلهيّة ستُستردّ منك يومًا ما! - أولياء الله تعالى في الأخذ لا في العطاء!

16
  • هذا الدعاء نفسه الذي قرأته الليلة، لو بدأنا حقًّا بتلاوة فقرات دعاء أبي حمزة هذا واحدة تلو الأخرى من البداية، لقلنا: «كأنّ [الإمام السجّاد] ليس إمامًا أصلاً؛ هذا إنسان ليس لديه لا علم، ولا مال، ولا أب، ولا أم، ولا يملك شيئًا في الدنيا، وهو يقول لله: "يا ربّ، هذا هو أنا، وهذا هو وضعي، وهذه هي نفسي، وهذه هي الأهواء، وهذا هو الشيطان، وهذه هي الموانع، وهذه هي خصائصي، وهذا هي طاقتي!». فالإمام السجّاد عليه السلام يتعمّق بدقّة، ويُخرج كلّ ما في داخل قلب الإنسان بهذه الطريقة! 

  • يأتي الشيطان وقت الذكر، أو يأتي البخل عندما تريد أن تساعد؛ فماذا نفعل يا ربّ لنتقرّب إليك في خلوتنا وجلوتنا؟ أي، يمكننا القول: إنّ دعاء أبي حمزة هذا هو عبارة عن لائحة تربويّة. خصائصه تختلف تمامًا عن الأدعية الأخرى، وربّما يكون دعاء أبي حمزة فريدًا من نوعه بين الأدعية ولا نظير له! الأدعية الأخرى لها مضامين أخرى، ولكنّ هذا عجيب جدًا!

  • نرجو من الله أن يرفع تعالى تقصيرنا بفضل بركة هؤلاء الأعاظم وبكرمهم وعظمتهم، وأن يغضّ الطرف عن ذلك! نحن أناس طمّاعون ولدينا طمع؛ ومن ناحية أخرى، الإمام عليه السلام نفسه يقول: «إِنِّي لَأَطْمَعُ فِي عَطَايَاكَ وَفِي بَذْلِكَ!».۱ ونأمل ـ إن شاء الله تعالى ـ أن تتحقّق هذه الأدعية فينا، فنصبح مصداقها الأتمّ، ونصير من السائرين على نهج هؤلاء الأعاظم وأتباعهم!

  •  

  • اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ١، ص ١٥٩، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ:
      «إذا رَأيتُ مَولاي ذُنوبي فَزِعتُ، وإذا رَأيتُ كرَمَك طَمِعتُ».