4

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى

العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

122
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/06

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

تتناول هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح دعاء أبي حمزة الثماليّ مفهوم النجاة والفلاح وعلاقتهما بالعلم واليقين، موضّحةً أن النجاة الحقيقيّة تكمن في التوحيد الأفعالي ّورؤية الله سبحانه كمؤثّر وحيد في الوجود، حيث يتطرّق سماحته إلى مراتب العلم، ويستشهد بقصص عن العلماء والعرفاء لبيان أنّ العارف يرى كلّ قدرة وجمال وولاية مظهرًا لقدرة الله، حتّى في أفعال العاصين (من حيث التكوين لا التشريع). كما يبحث أيضًا عن مقام الجمع بين التكوين والتشريع كسمة للعرفان الأصيل.

/۱۲
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى

  • العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الرابعة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحیم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ

  • والصّلاةُ والسّلامُ على أشرَفِ المُرسَلينَ

  • وخاتمِ النّبيّينَ أبي القاسمِ محمّدٍ وعلى آلِهِ الطّيّبينَ الطّاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائِهم أجمَعين.

  •  

  •  

  • الفلاح والنجاة؛ ثمرة العلم والخروج من الجهل

  • إلهي لا تُؤَدِّبني بِعُقوبَتِكَ ولا تَمكُر بي في حيلَتِكَ! مِن أينَ لِيَ الخَيرُ يا رَبِّ ولا يوجَدُ إلّا مِن عِندِكَ؟! ومِن أينَ لِيَ النَّجاةُ ولا تُستَطاعُ إلّا بِكَ؟! لا الَّذي أحسَنَ استَغنى عَن عَونِكَ ورَحمَتِكَ، ولا الَّذي أساءَ واجتَرَأ عَلَيكَ ولَم يُرضِكَ خَرَجَ عَن قُدرَتِكَ!۱

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام في هذا المقطع:

  • كيف يتيسّر لي النجاة والفلاح، والحال أنّ هذا الأمر لا يتمّ إلاّ بك؟! فلا الذي فعل الخير مستغنٍ عن عونك ورحمتك، ولم يقُم بهذا العمل الصالح مستقلاً بذاته؛ ولا الذي فعل القبيح وتجرّأ عليك وخالف أمرك ونهيك ولم يرضك، قد خرج عن قدرتك وسيطرتك.

  • لقد ذكرتُ سابقًا أنّ النجاة تعني الفلاح؛ والفلاح والنجاة إنّما يحصلان للإنسان بواسطة العلم والخروج من الجهل:

  • ﴿كَلَّا لَو تَعلَمُونَ عِلمَ ٱليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ ٱليَقِينِ * ثُمَّ لَتُسـَٔلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾.٢ 

  • تفاوت مراتب العلم والقطع والاطمئنان

  • العلم يعني حالة الاطمئنان بالواقع؛ في قبال اليقين. اليقين [بالمعنى الأعمّ] يعني القطع بموضوع ما وإن انكشف الخلاف لاحقًا. افترضوا أنّكم تيقّنتم بقضيّة ما، مثلاً: زيد قال كذا، ورتّبتم الأثر على قوله، وفعلتم ما فعلتم، ثمّ انكشف الخلاف.

  • إن القطّاع [كثير القطع] الذي يقطع بالأمور، يتيقّن واقعًا، ويُرتّب الأثر بلحاظ قطعه هذا؛ في حين، ينكشف له الخلاف باستمرار. وبما أنّ القطّاع يحصل له القطع كثيرًا، فإنّ الخطأ ينكشف لديه كثيرًا في مقابل قطعه، وذلك لأنّ قطعه ليس قائمًا على أساس؛ ولهذا، يكون انكشاف الخطأ لديه سريعًا جدًّا. هذا، على العكس من الذين يتأخّرون في التصديق. إنّ الذين يتأخرّون في التصديق جيّدون جدًّا، وهم أناس لا يُصدّقون أيّ كلام بسرعة.، حيث لدينا بالمناسبة رواية جاء فيها [ما معناه]:

  • إذا أردتم اختبار عقل شخص، فحدّثوه بأمر غير عاديّ؛ فإن قبله بسرعة فهذا ليس بجيّد. أمّا إذا قال: «عليّ أن أنظر، فلعلّ الأمر كذا أو كذا»، فسيُعلم أنّه شخص يُخضع شؤونه لحساب وكتاب، ولا يقبل أيّة مسألة بسرعة.٣

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
    2. سورة التكاثر، الآيات ٣ ـ ٥.
    3. راجع: الكافي، ج ۱، كتاب العقل والجهل.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

3
  • أمّا العلم فليس كذلك؛ فالعلم يعني انكشاف الواقع للإنسان، وحينما ينكشف الواقع، لا معنى للخلاف حينئذٍ. فعادةً، تورث الطرق ـ التي نسلكها في هذه الدنيا للوصول إلى الواقع ـ في الإنسان حالة "القطع" لا "العلم". فالعلم قليل التحقّق لدينا، والغالب هو القطع. وحتّى لو حصل القطع، فإنّه لا يحمل صفة العلم إلاّ في موارد نادرة جدًّا نصل فيها إلى العلم. طبعًا، القطع حجّة، وذلك لعدم وجود فرق أو امتياز نراه وجدانًا ونفسيًّا بينه وبين العلم؛ ولهذا، فإنّ القطع حجّة واتّباعه واجب. فإذا حصل لشخصٍ علمٌ بالواقع، فلا يمكنه مخالفته؛ هذا صعب جدًا. نعم، إن جاء هوى النفس، وقطع الطريق أمام الإنسان، فهذا أمر آخر. وهناك مرتبة أعلى من العلم وهي مرتبة "الاطمئنان"؛ ومرتبة الاطمئنان تعني أن تسكن نفس الإنسان وتركن إلى المسألة. وهذا يحصل لمن انقلبت نفسه، وتحوّلت، ووصلت إلى حقيقة ما؛ فحينئذٍ، لا معنى للمخالفة، وذلك المقام هو مقام الاطمئنان.

  • نماذج من الناجين وأهل الجهل

  • النجاة تعني أن يخرج الإنسان من الشرك ومن الرؤية المزدوجة، وأن يعبر من الأثر ليصل إلى المؤثّر، ومن المسبّب ليصل إلى السبب، ومن المجاز ليعبر إلى الحقيقة؛ هذه هي "النجاة". وإذا صار الإنسان كذلك، تُصبح كلّ ابتلاءات الدنيا بلا معنى عنده.

  • كان المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رضوان الله عليه يقول مرارًا للمرحوم العلاّمة:

  • يا سيّد محمد حسين، من لا عرفان له، لا دنيا له ولا آخرة! إنّك تراني على هذه الحالة، لكنّني مسرور!۱

  • كانت حالته الصحية غير جيّدة أبدًا؛ فقد كان يُعاني من "البروستاتا" وأجرى عمليّة، وكان طريح الفراش، وابتُلي ابنه بمشكلة وتراكمت عليه الديون؛ وبالجملة، كانت الهجمات تأتيه من كل حدب وصوب؛ ومن ناحية أخرى، إذا تقرّر أن يُبتلى الإنسان ـ لا قدّر الله تعالى لأيّ أحد ـ بالعتاب داخل المنزل، فإنّها مصيبة لا يُمكن فعل أيّ شيء حيالها! ومع ذلك، التفت إلى المرحوم العلاّمة، وقال: «يا سيّد محمد حسين، من لا عرفان له، لا دنيا له ولا آخرة! تراني [على ما بي]، وأنا مسرور!».

    1.  معرفة المعاد، ج ٩، ص ٦۷؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ۱٩؛ الشمس المنيرة، ص ٤٥.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

4
  • كان قد أدار ظهره لكلّ شيء! وكان يفتح الصحيفة السجّادية ويقرأ فيها باستمرار. وهذا، لأنّ هذا الرجل قد خرج من الشرك ومن النظرة المزدوجة ومن الجهل، وخرج من تلك المبادلات والمعاملات الدنيويّة الموجودة بين أقرانه، وخرج من الابتلاءات التي يُعاني منها أمثاله في هذا الموقع والمكانة!

  • كان أحد أقاربنا يقول:

  • ذهبنا في النجف إلى منزل السيّد محمد الروحانيّ، وكان الوقت ظهرًا والحرارة شديدة؛ وفجأة بعد الغداء، سمعنا جرس الباب يُقرع! ذهب السيّد، وعاد بعد ربع ساعة وهو يضحك! سألته عن السبب (أو هو ابتدأ بالكلام) فقال: «في هذا الحرّ، سبب ضحكي أنّ أحد زملاء الدراسة جاء ليعطيني خبرًا قائلاً: "رأيت المرجع الفلاني (أو حاشيته) يقول عنك كلامًا سيّئًا أمام اثنين من تلاميذك، ويُحاول سحبهم إلى درسه!". لقد جاء هذا الرجل الساعة الواحدة ظهرًا في حرّ النجف اللاهب ليوصل هذا الخبر!

  • ما حقيقة كلّ هذه الأمور؟! هؤلاء لا دنيا لهم ولا آخرة! كلّ هذا جهل!

  • علّة معارضة السيّد القاضي رضوان الله تعالى عليه

  • كان السيّد الحدّاد رضوان الله عليه يقول ـ وقد سمعت هذا منه مرارًا ـ:

  • أتعلمون لماذا عارض أهلُ النجف المرحوم القاضي؟ لأنّ المرحوم القاضي كان يقول: «ضع كلّ ما تملك جانبًا؛ إن كان لديك علم، فالله أعطاك إيّاه، فما دخلك في ذلك؟! أنت لا شيء! إن كانت لديك قدرة، فالله أعطاك إيّاها؛ والمحبوبيّة أعطاك الله إيّاها، وإن شاء سلبها منك».

  • كنت أدرّس كتاب "المطوّل" في قمّ، ووصلت إلى مبحث البيان، فبقيت من الليل حتّى الصباح في كلمة "لٰكِنَّهُ" ولم أفهم معناها، ما هي "لٰكِنَّهُ"؟! قرأتها "لَكَنَه"، وقرأتها "لِكَنَه"، وقرأتها بكلّ وجه ممكن! في الصباح سألت أحدهم: يا سيّدي ما هذه الكلمة؟ قال: «هي لٰكِنَّهُ (أداة استدراك)!». فلأنّه كانت قد خطرت ببالي خاطرة في الليلة السابقة، فإنّ الله تعالى قال لي: «تفضّل، خذ الآن!». فما هذا؟! وعمَّ نبحث؟! لماذا لا نأتي ونسلّم؟! لماذا لا نأتي ونُريح أنفسنا؟! لماذا لا نأتي ونُرجع الأمانة إلى صاحبها؟!

  • كان يحضر درس الميرزا النائينيّ خمسمائة مجتهد على الأقلّ؛ لكن، وصل أمره إلى حيث لم يخرج من بيته خمس سنوات خوفًا! أين ذهبت تلك المحبوبيّة؟! وأين ذهب ذلك الجاه والجلال؟! لم يخرج من بيته خمس سنوات خوفًا! ماذا حدث؟! وأين ذهب كلّ ذلك؟! ماذا حلّ بالآخرين؟! أ فهل القدرة لك؟! القدرة ليست لأحد؛ فلماذا ننسبها لأنفسنا؟! القضيّة هي هذه!

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

5
  • عندما كنت أقرأ مذكّرات الشاه السابق، رأيت عبارة لفتت نظري! هؤلاء كانت لهم أُبّهة وسطوة! وبحقّ، حينما كان الإنسان يراهم، هل كان يخطر بمخيّلته أن تكون المسألة غير هذه؟! وصل بهم الأمر ـ لكيلا يُبقوهم في أمريكا ـ أن وضعوهم في قاعدة أمريكيّة يُحتفظ فيها بالمجانين، وحبسوهم في زنزانة من الصباح إلى المساء وأغلقوا الباب! وكان المجانين يأتون أمامهم ويقومون بحركات ساخرة!

  • يُحكى أنّ زوجته قالت: «لو بقيتُ تلك الليلة هناك، لأصابتني سكتة قلبيّة، ومتّ! ولو أبقوني ليلة واحدة لجننت!».۱ شخص يقوم بحركات ساخرة خلف الزجاج... هذا هو استعراض القدرة الإلهيّة! القضية هكذا! كيف انقلب كلّ شيء فجأة؟!

  • كان المرحوم القاضي يقول: علمُك ليس لك، قدرتك ليست لك، محبوبيّتك ليست لك، رئاستك ليست لك؛ ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَۖ لِلَّهِ ٱلوَٰحِدِ ٱلقَهَّارِ﴾.٢ ذلك الإله الذي يقول في ذلك اليوم: ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ﴾؟! هو يقول في كلّ يوم: ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ﴾؟!

  • في ذلك اليوم، حين يحصل للإنسان التجرّد، ويرى فناء ذاته، واستقلال ذات ربّ العزة واستغنائها؛ هناك يفهم معنى ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ﴾؛ لا أنّه لا يقولها الآن، بل هو يقولها الآن أيضًا: ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ﴾؛ ولكن، لا أذن تسمع!

  • موسئی نيست كه دعوی «أنا الحقّ» شنود***ور نه اين زمزمه اندر شجری نيست كه نيست٣
  • يقول: 

  • ليس ثمّة موسى ليسمع دعوى «أنا الحقّ»، وإلاّ، فما من شجرة إلاّ وتترنّم بهذه النغمة.

  • الآن أيضًا، الأمر كذلك، الآن يقول: ﴿لِّمَنِ ٱلمُلكُ ٱليَومَ﴾؟! الرئاسة ليست لك! لكنّ هذا (الإنسان) يقول: الرئاسة يجب أن تكون لي! ولهذا، جاؤوا وعارضوه.

  • يقول المرحوم القاضي: لا يا عزيزي، ألقِ بكل شيء، وسلّمه لصاحبه! ما معنى هذا الكلام؟! هذا هو الجهل! أمّا العارف، فهو مَن استراح، وليكُن ما يكون! «مِن أينَ لِيَ النَّجاةُ؟!»؛ فلماذا يجب أن نرى اثنين؟! يجب أن نخرج من هذه الرؤية المزدوجة.

  • الإسلام دين السلام مع الجميع

  • دين الإسلام هو دين التوحيد ودين السلام مع الجميع، وليس دين الصدام مع الكلّ؛ أي: منذ البداية، حين جاء النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي سفيان وأبي جهل، جاء بنية السلم؛ هم فرّوا، لكنّه لم يُشهر السيف، بل قال لأبي جهل: «السلام عليكم! تعال لنجلس معًا على مائدة واحدة!»، فقال: «لن آتي!»، لكنّ النبيّ تقدم، ولم تكن لديه مشكلة! وقال للنصارى: 

    1. آخر سفر للشاه (فارسيّ)، ص ٣۸۱.
    2. سورة غافر، الآية ۱٦.
    3. ديوان الحكيم السبزواريّ (أسرار)، الغزليّات، ص ۷۱.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

6
  • ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾؛۱ أي: تعالوا نجلس معًا: نحن المسلمون وأنتم؛ لنأخذ بالمشتركات الموجودة بيننا! وذلك المشترك هو الله فقط.

  • وقال الشيء ذاته لليهود. فتح باب السلم مع الجميع؛ لأنّه يرى الجميع عبادًا لله تعالى، لا أنّه يرى نفسه فقط! واللهِ وباللهِ، لم يكن النبيّ قد فتح حسابًا منفصلاً مع الله! أي أنّه كان يرى العلاقة بين الله وبينه، كما يرى العلاقة بين الله وبين عمرو بن ودّ؛ أي أن عمرو بن ودّ عبدٌ من عبيد الله؛ فكان يراه عبدًا ويرى نفسه عبدًا. لم يكن هناك تكبّر وهذه الأمور! وهل خرج الكفار والمُلحدون عن سيطرة الله؟!

  • «ولا الَّذي أساءَ واجتَرَأ عَلَيكَ ولَم يُرضِكَ، خَرَجَ عن قُدرَتِكَ!». فذاك الذي يسيء، بأيّة قدرة يُسيء؟ وذاك الذي يعصي، بأيّة قدرة يعصي؟ هل بقدرة "أهريمن" (الشيطان)؟! من أين لأهريمن القدرة؟! بأيّة قدرة يعصي الله؟!

  • أنت يا مَن وجودُك ليس من نفسك، كيف يمكن أن تكون الآثار والتبعات الوجوديّة منك؟! كيف يُمكن أن تكون القدرة منك؟! وجودك ليس لك، وأنت متعلّق بذات الغير، فهل يكون فعلُك مملوكًا لك؟! وهل يكون علمك لك؟! قدرتك لك؟! حياتك لك؟! جمالك لك؟! كلّ هذه مملوكة لواحد؛ فهذه القدرة لواحد، وهذا العلم لواحد!

  • اعتراف المفكّرين الغربيّين بالإلهامات الغيبيّة

  • قال أديسون ذات مرّة: «في الاختراع والاكتشاف، تسعة وتسعون بالمائة جهدٌ، وواحد بالمائة إلهامٌ». لكنّه أخطأ؛ بل كلّه إلهام! غاية الأمر، أنّه أدرك بأنّه: بدون تلك الشرارة (الإلهام)، لا تصل تلك الجهود لنتيجة؛ هذا المسكين فَهِمَ هذا المقدار! ونظير ذلك يُنقل عن آينشتاين أنّه قال: «بدون بعض الحالات الخاصّة التي تحصل للإنسان، لا يحصل اختراع ولا اكتشاف». وقد سمعت هذه المقولة من بعض المفكّرين المعاصرين الذين توفّوا حديثًا. وباختصار، عندما يتحدّث هؤلاء "الحليقون" المعاصرون والمُحتسون للخمر بهذا الكلام، فلماذا نأتي نحن، ونغضّ الطرف عن هذه الحقائق والبديهيّات ونتخلّى عنها؟! إذن، لنطرح كل شيء جانبًا، ونجلس على مائدة واحدة!

  • فذاك الذي يرتكب المعصية الآن، هل هو عبد لله تعالى أم لا؟! هو عبد لله بالنهاية! فلننظر إليه بنفس النظرة التي ننظر بها لأنفسنا ونقول: «إلهي شكرًا لك أن أخذت بيدي، ولكنّه لا يزال في غفلة»؛ لا أن نقول: «يجب أن تكون تحت إمرتي!».. هذا خطأ!

    1. سورة آل عمران، الآية ٦٤.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

7
  • لنُرجع نتيجة العمل إليه تعالى، لا لأنفسنا! ونقول: إلهي شكرًا لأنّك وفقتني! إلهي شكرًا لأنّك أخذت بيدي! إلهي شكرًا لأنّك منحتني روح الانقياد! إلهي شكرًا لأنّك أخرجتني من الجهل! أنت فقط، أنت فقط! وإلاّ فكلّ هؤلاء عبارة عن مظاهره سبحانه!

  • القدرة والولاية الحقّة لله وحده

  • لو جئنا، ووضعنا يزيد في مقابل سيّد الشهداء، سنكون قد كفرنا بولايته عليه السلام! أ فهل جاءت ولاية سيّد الشهداء، ووقفت عند يزيد، وقالت: «من الآن فصاعدًا، الأمر لك ولا علاقة لي بك؟! وأنا أنشر قدرتي في كل العالم إلاّ فيك أنت؟!». حينئذ، ستصير هذه الولاية محدودة.

  • إذن من أين جاء يزيد بالقدرة؟! من أين جاء بالرئاسة؟! من أين جاء بالمحبوبيّة؟! لو أراد سيّد الشهداء، هل كان يستطيع يوم عاشوراء أن يمنع الشمر وسنان أم لا؟! لقد جاءت عنده الجنّ والملائكة والأرض والوحوش والطيور،۱ فقال الإمام: «رضًا برضائك!».٢

  • وحينئذ، ذاك الذي يقطع رأس الإمام بإرادته واختياره، هل هذه الإرادة والاختيار والقدرة أعطاه إيّاها سيّد الشهداء أم لا؟! من أين أتى بها؟! إن كانت هذه القدرة له [مستقلاًّ]، فقد حُدّت ولاية الإمام، وهذا شرك! أي أنّنا افترضنا عالمًا وواديًا وجوديًّا منفصلاً في قبال هذا الوجود البسيط؛ وقلنا: «إنّ لذلك الوجود قدرة وحسابًا، ولهذا الوجود حسابًا، وبينهما حدود وفواصل»؛ هل القضية هكذا؟! أم لا؛ أي أنّ ولاية الله لا حدّ لها ولا حدود! الآن، حين يرفع هذا الفاسق كأس الماء ويشرب مثلي، هذه القدرة التي يرفع بها الكأس، من أين جاءت؟ هي قدرة الله، قولوها بصراحة: إنّها لله! هذا الشرب من أين؟ هو قدرة الله! هذا الماء الذي دخل جوفي وهو يتحوّل إلى حياة، بإِذنِ مَن يقوم بهذا العمل؟! هل بإذن الشيطان أم بإذن الله؟!

  • هل يتمّ هذا بإذن ولاية الله ـ التي مظهرها الآن الإمام المهديّ ـ أم بإذن الشيطان؟! أيّهما؟!

  • لا تحكم في العالم إلاّ ولاية واحدة وقدرة واحدة، وهي ولاية الربّ، ومظهرُها بقية الله؛ انتهى الأمر! والرؤية المزدوجة شرك!

  • حسنًا، ماذا نفعل الآن؟ هل نذهب ونجلس معهم على مائدة واحدة؟! لا، أنا لا أريد قول هذا! فذلك الجمال الذي يملكه الآن ذلك الفنّان وتلك الصورة التي تخطف الألباب.. ذلك الجمال أعطاه الله! أتذكرون في الزمن السابق حينما كان السفور في إيران، وماذا كان موجودًا آنذاك؟ اليوم لا يوجد شيء من ذلك؛ لكن، ليس تمامًا! هل ذلك الجمال أو الصوت الجميل جميل واقعًا أم لا؟! هل نغضّ الطرف عن هذا الأمر؟ الشيخ محمد حسين الطالقانيّ (المتوفّى حاليًا) ذهب إلى النجف بسبب السفور في إيران. وفي مجلس ضمّ الميرزا النائينيّ والشيخ مرتضى الطالقانيّ والسيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رحمة الله عليهم، سأله أحد علماء النجف: «ما أخبار إيران؟ حدّثنا عن الوقائع الجديدة؟». فبدأ بالكلام، وقال: «نعم يا سيّدي، لقد انتشر السفور، وخرجت حفنة من القرود يفعلون كذا وكذا، وحال الإنسان ينقلب منهم!».

    1. بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٣۰؛ الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٦٣۸؛ الهداية الكبرى، ص ٢۰٦.
    2. الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم، ج ۱، ص ٣٢؛ موسوعة الإمام الحسين عليه السلام، ج ٤، ص ٥۸٢ و٥٩٣ و٦۰۸. معرفة المعاد، ج ۱، ص ٥۷:
      «ولقد كان قرّة عينه وقرّة عين الزهراء: سيّد الشهداء المولّه بحب الله والعاشق للقائه يقول في تلك الساعات الأخيرة في مناجاته مع ربّه:
      "إلَهي رِضًى بِقَضَائِكَ تِسْلِيمًا لأمْرِكَ لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ يَا غِيَاثَ الْمُستَغِيثِينَ"». المحقّق

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

8
  • فجأة، قال الشيخ مرتضى الطالقانيّ: «يا لك من سيّء الذوق!». قال: «لماذا؟!». قال: 

  • أتقول عن تلك الوجوه بتلك الصباحة قرود؟! أين القرد فيهنّ؟! كون الله كلّفك بغضّ البصر، هذا بحث آخر. لكن، أين القباحة؟! إنهنّ جميلات جدًّا.. أجمل منك!!

  • الصوت الجميل جميل، لكنّنا مأمورون بعدم الاستماع لهذا الصوت الجميل؛ هذا مطلب آخر. الشرع جاء لرعاية الحدود، لا ليعدم أصل القضيّة ويقول: «إنّ الجميل ليس بجميل!».

  • لا يا عزيزي، الجميل جميل، «إنّ الله جميل ويُحبّ الجمال».۱ هذا الجمال أعطاه الله إيّاه، وهذا الصوت أعطاه الله إيّاه، وهذا الكمال والحياة من الله! من أين أتى به؟! نعم، حينما يكون في بطن أمه، وبسبب تناول بعض الأغذية والنباتات ...؛ وكمثال على ذلك: «تأكله الحبلى ويحسُن الولد»٢و٣ تأكل السفرجل فيحصل كذا... حسنًا، من الذي أودع هذه الخواصّ في السفرجل والأطعمة؟! فسوى الحيّ القيّوم القادر على الإطلاق، هل لهذه الأشياء من ذاتها وجود ليكون لها ظهور؟! كلاّ!

  • عدم جواز لحاظ "الغير" في مقابل مقام الولاية

  • وعليه، لماذا نلحظ فردًا آخر في قبال الوليّ، ونلحظ قدرة أخرى؟! ما أعرضه عليكم له جانب عمليّ، حيث أرى الوليّ يقوم بعمل، أو يتكلّم بكلام، أو يفعل فعلاً... مرّة، مرّتين، ثلاثًا، فأعتقد أنّ هذا العمل الذي يفعله الآن خطأ؛ لأنّ نظيره صدر من شخص سيّء في زمن رسول الله؛ وبالتالي، فلن أفعله!

  • ما شأنك بذاك؟! انظر للوليّ الآن وهو يفعل هذا! فليكُن عمر قد فعله؛ هل نُرجّح ـ تخيّلاً ومجازًا ـ القدرة الشيطانيّة لعمر على قدرة هذا الوليّ، ونُحكّم كلام ذاك على كلام هذا؟! ثمّ نقول: «لأنّ عمر قام بهذا العمل، فلن نتبع الوليّ!».

  • فليكن قد فعل ذلك، ما شأنك به؟! الوليّ الآن يقوم بهذا العمل، وقد يكون أبو بكر أو عثمان قد قاما به، فما دخلنا بذلك! نحن ننظر، فنرى إمامنا يقوم بهذا العمل، وانتهى الأمر!

  • إذا اعتقدنا أنّ عمله خطأ أو لا يُمكننا فعله لأنّ فلانًا فعله، فستكون هذه الرؤية مزدوجة! حيث سنكون قد وضعنا ميزانًا في قبال ميزان آخر. وهذا يشبه تمامًا اعتراض البعض على رسول الله صلى الله عليه وآله حينما كان يُبرم الأمور، فنقول: «لا!»؛ فهذا نفس كلام عمر حينما قال: «إذا كنتَ أنت الذي أمرتنا [بفتح مكّة]، فلماذا لم نفتح مكّة؟!».

    1. الكافي، ج ٦، ص ٤٣۸.
    2. هذا شطر من بيت شعريّ جاء في سفينة البحار، ج ٢، ص ٤٤٦:«قد نظمه ابن الأعسم بقوله: 
      وفي السَفَرجَلِ الحديثُ قد وَرد***تأكُلُه الحُبلى فَيحسُنُ الوَلَد».
      ومضمون الرواية، جاء في الدعوات للراونديّ، ص ۱٥۱:«عن رسولِ اللهِ صَلى اللهُ عليه وآله وسلَّم أنّه قال: "أطعِموا حَبالاكمُ‌ السَّفَرجَلَ‌ فإنَّه يُحسِّنُ أخلاقَ أولادِكم"». المحقّق
    3. راجع: الكافي، ج ٦، ص ٢٢، باب ما يُستحبّ أن تُطعم الحُبلى والنُّفَساء.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

9
  • على فرض أنّ رسول الله قال: «سنفتح مكّة هذا العام»؛ حسنًا، حصل "بداء"! هل الكلام الذي يقوله رسول الله من عنده أم من الله؟! الله تعالى يقول: لا أريد! الآن يقول: أريد، وبعد قليل، يقول: لا أريد! من ذا الذي يحقّ له الكلام؟!

  • يقول: سنفتح مكّة هذا العام، ثمّ يقول: حصل بداء، فاذهبوا إلى العام القادم! هل يتكلّم رسول الله من نفسه أم عن الله؟! إذا كان لا يتحدّث من نفسه، فعلى من نعترض؟! وهل يرد أيّ اعتراض على رسول الله؟!

  • يا حضرة عمر، أنت تعلم أنّ رسول الله لا ينطق عن نفسه، والله تعالى هو الذي قال ذلك! هذا، مع أنّ النبيّ قال [ما معناه]: «لم أقل هذا العام»؛۱ ولكن، على فرض أنّه قال: «هذا العام»، فإنّه لم يقل ذلك من نفسه، بل عن الله، فما علاقة رسول الله بذلك؟! ولماذا تعترض عليه؟! ولماذا تخالف؟! ولماذا تؤذي؟! ولماذا تتمرّد؟!

  • كلّ هذا لأنّنا نتجاهل هذه القدرة وهذه الولاية، ونذهب لذلك الجانب من القضيّة! فلماذا لا نلتفت إلى هذا الجانب؟!

  • إذا كان فعل الإمام حجّة، فسمعًا وطاعة! فعلى فرض أنّ الشيطان والدنيا كلّها فعلوا هذا الفعل؛ فليفعلوه! أنا أنظر للإمام، ولا أنظر للبقية؛ فليذهب البقيّة لحال سبيلهم! أليس البقيّة يتنفسّون؟! وحينئذ، إذا كان عمر يتنفسّ، أ فهل يجب ألاّ تتنفّس أنت؟! ولأنّ عمر يأكل، أ فهل يجب ألاّ آكل؟! ولأنّ فلانًا يأكل الخبز والريحان، فينبغي ألاّ آكلهما؟! ولأنّ عمر يأكل الشعير والخلّ، فيتعيّن ألاّ آكلهما؟!

  • يا هذا، انظر إلى عليّ عليه السلام الذي يأكل الشعير والخلّ؛ لماذا تنظر لعمر؟! هذه هي "وحدة الرؤية"؛ أي: أن يُركّز الإنسان كلّ ذهنه في نقطة واحدة وهي "نقطة الولاية"، ويترك ما سواها! وحينئذٍ، يرى الإنسان فعل عمر وأبي بكر في نفس ولاية عليّ!

  • أولياء الله مُجرون لمشيئة الله تعالى

  • يبدأ أمير المؤمنين عليه السلام بإركاب السيّدة الزهراء عليها السلام على الدابّة ويدور بها [على الأنصار]؛٢ لكنّه في الباطن يُجري مشيئة الله!

  • فمن بين من كان حول أمير المؤمنين، كان هناك شخص واحد فقط كان هادئًا، والبقيّة يضجّون؛ فكان أبو ذرّ والمقداد وعمّار و ... يصرخون، وسلمان فقط كان يضحك! هو الوحيد الذي كان يعلم أنّ كلّ ما يجري هو بسببه عليه السلام! ويعلم أنّ الأمر بيده [تكوينًا]، لا أنّه راضٍ بما يجري [تشريعًا]! فهو يقول: «أنا أُنفّذ مشيئة الله في هذا العالم، وإن كان الأمر عليّ مُرًّا!».

    1. تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۱٢.
    2. الإمامة والسياسة، ج ۱، ص ٢٩.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

10
  • أحد أبناء السيّد الحداد لم يُرزق بأطفال، حيث فعلوا ما فعلوا في حياة السيّد الحدّاد ولم يُرزق! ومرادي هنا ابنه الثاني السيّد قاسم، حيث راجع هو زوجته الأطبّاء و ...؛ وكان كلّ واحد ينصحهم بشيء: «قُم بهذا الختم و ...». أذكر مرّة أنّ الرفقاء أقاموا ختمًا في كربلاء، بحضور المرحوم العلاّمة والسيّد عبد الجليل، وكانوا يكتبون ـ على ما يبدو ـ سورة الفجر؛ لكن، لم يحصل شيء! جاؤوا لطهران، وأقام الرفقاء ختمًا بأربعة عشر ألف مرّة (أو أربعة آلاف)؛ ولم يحصل شيء! السيّد الحداد بِمَا لَه من المقامات والكرامات، ولده لا ينجب؛ فمن الذي لا يريد؟! هو لا يريد! أيريد أم لا يريد؟! لو أراد، لحصل ذلك بمجرّد إرادة واحدة منه؛ بل إنّ هؤلاء لا يصل أمرهم حتّى للإرادة!

  • جاء السيّد عبد الجليل يومًا للسيّد الحداد وقال: «سيّدنا، السيّد الحكيم سيموت!». في ذلك الوقت، اختلف السيّد الحكيم مع عبد السلام عارف، فقطع الأخير الماء والكهرباء عن بيته في النجف، حتّى كانوا ينقلون الماء خلسة من الأسطح، وحصلت شدّة عجيبة أرعبت الجميع!

  • جاء السيّد عبد الجليل مضطربًا، وهو يقول: «إنّ السيّد الحكيم وعائلته سيموتون!». أطرق السيّد الحدّاد قليلاً وقال: «إن شاء الله، يرفع تعالى البلاء!». فورًا، وصل تلغراف أنّ الأمر قد انتهى، فعودوا للنجف!۱

  • حسنًا، مَن يستطيع القيام بهذا الأمر، لماذا لا يُريد لولده أن يُنجب؟! إذن، هو نفسه لا يريد ذلك! وبالتالي، يتّضح أنّ ولايته غير محدودة، لكنّه يُريد إنفاذ مشيئة الله في العالم، بحيث إن صار ولد، فبها ونعمت، وإن لم يصر ولد، فلا بأس! ولهذا، تراه يأمرهم بالختم، وهو يعلم أنّ الأمر لن يتمّ! لكن، بمجرّد أن تُوفّي السيّد الحدّاد، رُزق ابنه بالأطفال! ما هذا الحساب؟!

  • هل التفتّم لما أذكره لكم؟ هؤلاء مُجرون لمشيئة الله؛ وحينئذ، هل يُمكنهم إبداء الرأي من أنفسهم؟! هل يُمكن لأمير المؤمنين أن يأخذ هذه الحكومة لنفسه؟! لا يحقّ له، ولا اختيار له!

  • قيل لعارف: «لو كنت مكان الله ماذا كنت ستفعل؟». قال: «لأبقيت العالم على ما هو عليه!». هل تعلمون ما معنى ذلك؟ يعني: لو كنّا نحن مكانه، لقلنا: «إنّ الله يفعل أفعالاً عبثيّة، ونحن نُدير الأمور أفضل منه!». قال: «لأبقيت العالم بهذه الكيفيّة!».. هؤلاء صاروا مجرىً لمشيئته تعالى.

    1. راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ۱٦٦، الهامش.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

11
  • وحينما يكون مجرى لمشيئته تعالى، فإنّه لا يُفرّق في إجراء هذه المشيئة بين معاوية وبين نفسه، فيقول: معاوية يجب أن يترأّس، وأنا لا! فيُحارب ثمانية عشر شهرًا، ويقضي ليلة الهرير، ويتعرّض ببدنه للسهام والجراح، ويُقتل أصحابه، فيُقتل أويس القرنيّ، ويُقتل عمّار... وكلّ هذا محفوظ في محله؛ وفي النهاية، تنتهي الأمور لصالح معاوية ويعود للكوفة،۱ ويقول: أهلاً بكم جميعًا! ثمّ يظهر الخوارج، فينهض ويخطب ويقضي على فتنة النهروان!٢

  • جلّ الخالق، المعجزة هي هذه! فالإمام لا يتخطّى مشيئة الله قيد أنملة! يعني: لو فرضنا أنّ الله تعالى نزل إلى هذا العالم، ماذا كان سيفعل؟ عليٌّ يفعل نفس ذلك الفعل! أجل، الله تعالى في ذلك المقام، لا يُرى ولا يُنظر؛ ولكن، لو تجسّد في هذا العالم، فإنّ فعله في الأسفل لن يختلف عن فعله في الأعلى! فما يجري في الأعلى، لو نزل، لكان "عليًّا"! فقولهم: "عليّ لا ينفك عن الله" يعني هذا، حيث تُصبح رؤية الموحّد رؤية توحيديّة! وعلى سبيل المثال، فإنّ رؤية أمير المؤمنين هي رؤية التوحيد: أخذوا منه السيّدة الزهراء، فليأخذوها؛ لأنّ الله تعالى يُريد ذلك!

  • يجلس ويبكي؛ لأنّ لديه نفسًا، وهذا [البكاء] لازم لعالم الطبيعة. فهو راضٍ برضا الله؛ وفي الوقت ذاته، يتأثّر، لكنّه في عين تأثّره يُؤدّي وظيفته! فينهض، ويقف خلف أبي بكر، ويُصلّي؛٣ وحين تحدث مشكلة، يكون أوّل الحاضرين!٤ هذا، مع أنّ كلّ القدرات ـ باطنًا ـ في محلّها، ولا تتحرّك أيّة شعرة بدون ولايته! العارف يعني هذا!

  • إذا تقرّر أن نتحدّث لاحقًا إن شاء الله تعالى عن شمّة من حالات المرحوم العلاّمة، سأذكر لكم كيف كان يعيش رضوان الله تعالى بيننا؛ فهذه الأمثلة التي نضربها تعني ذلك!

  • مقام "الجمع" بين التكوين والتشريع في العرفان الحقيقيّ

  • حسنًا، فهؤلاء الأفراد والآخرون... هم عباد لله تعالى أيضًا؛ وحين يكون الجميع عبيدًا لله، فكيف يجب أن نتعامل معهم؟ يجب أن يكون لدينا نمطان من التفكير:

  • أوّلاً: موقفنا في الارتباط بهم من وجهة نظر التشريع.

  • ثانيًا: موقف الجميع وعلاقتهم بالله تعالى من وجهة نظر التكوين.

  • مقام الجمع هو ألاّ نخلط بين هذين الأمرين.. هذا هو مقام الجمع، وهذا هو طريق العرفاء الحقيقيّين، لا الدراويش المزيّفين أصحاب العصيّ الذين يقضون ليلهم مع "الجانّ"! كلاّ! مقام الجمع هو الجمع بين القضيّتين: مقام التشريع في معاشرة الناس، ومقام التكوين والثبوت في الارتباط مع الله؛ فهذان المقامان يجب أن يُحفظا، ولا ينبغي لأحدهما أن يضرّ بالآخر. إذا أضرّ أحدهما بالآخر، فثمّة خلل في المسألة!٥

    1. راجع إلى كتاب: وقعة صفّين.
    2. راجع: شرح الأخبار، ج ٢، ص ٣۷؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢، ص ۱٩٣؛ الدرّ النظيم، ص ٣٦۸.
    3. تفسير القمّي، ج ٢، ص ۱٥٩.
    4. الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ٢٥۸؛ أنساب الأشراف، ج ٢، ص ۱۰۰ و۱۷۸؛ المناقب، الخوارزميّ، ص ۸۰ و۸۱؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٢، ص ٣۱.
    5. لمزيد من الاطّلاع، راجع: مباني الإسلام، نفحات الأنس، الجلسة الثالثة.

أولياء الله مجرى نزول مشيئة الله تعالى - العارف بين النظرتين التشريعيّة والتكوينيّة

12
  • نترك تفصيل هذا البحث للجلسة القادمة إن شاء الله.

  •  

  • اللهم صلّ على محمد وآل محمد