6

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟

لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

177
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/09

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

كيف تتحقّق المعرفة الحقيقيّة بالله تعالى؟ ولماذا يجب التسليم المطلق لأولياء الله، وكيف أنّهم أعلمُ بنا من أنفسنا؟ وما هو سرّ أوامرهم التي قد تبدو غريبة؟ تُجيب هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، عن هذه الأسئلة العميقة، كاشفةً عن أنّ طريق المعرفة الوحيد هو الفناء في الذات الإلهيّة، وهو ما يفسّر المقام التكوينيّ للوليّ.

/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟

  • لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟ 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة السادسة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم 

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم 

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمینَ والصّلاةُ والسّلامُ علیٰ أشرَفِ المُرسَلینَ 

  • وخاتمِ النّبیّینَ أبی‌‌القاسمِ محمّدٍ وعلیٰ آلِهِ الطّیِّبینَ الطّاهرینَ

  • واللعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین

  •  

  •  

  • «بِکَ‌ عَرَفتُکَ‌، و أنتَ‌ دَلَلتَنی عَلَیکَ و دَعَوتَنی إلَیکَ، و لَولا أنتَ لَم أدرِ ما أنتَ!»

  • «بِکَ‌ عَرَفتُکَ»؛ أي: يا إلهي، لقد عرفتك بك، فمعرفتي قد تحقّقت بواسطتك.

  • «وأنتَ‌ دَلَلتَنی عَلَیکَ»؛ أي: وأنت الذي أرشدتني إليك «ودَعَوتَنی إلَیکَ».

  • سرّ امتناع المعرفة الإلهيّة إلّا بواسطة الله نفسه

  • يقول الإمام عليه السلام هنا: إنّ المعرفة التي حصلتُ عليها كانت بواسطتك. طبعًا، جملة «عَرَفتُکَ» هنا تفيد الاستمرارية، أي إنّ معرفتك تتحقّق بواسطتك.

  • لماذا تتحقّق معرفتك بواسطتك، ولا يمكن لأحدٍ غيرك أن يحصِّل لنا المعرفة بك؟ هذا هو المعنى المشهور لهذه الفقرة، ولها نظائر في مواضع أخرى عن الأئمّة عليهم السلام.

  • ففي دعاء يوم عرفة لسيّد الشّهداء عليه السلام۱، يذكر عليه السلام العبارة نفسها هناك. إنّ كلّ ما سوى وجود الله عاجزٌ عن معرفته لجهاتٍ عدّة: 

  • أحدها: أنّ ما سوى الله معلولات، والمعلول من حيث السّعة والضيق لا يكون أبدًا بسعة العلّة وشدّتها، ولا يبلغ أوّليّتها وأولويّتها؛ وبناءً على ذلك، لن يكون العلم بالمعلول علمًا بالعلّة أبدًا، بل هو في رتبة أدنى. حسنًا، هذا أمرٌ صحيحٌ يوضّح المسألة إلى حدٍّ ما، ففي نهاية المطاف، تقع العلّة في مقامٍ ومرتبةٍ أسمى، ولا يمكننا القول إنّ الإنسان إذا أحاط بمعلولٍ ما، فإنّه يستطيع في الواقع أن يحيط بجميع مراتب العلّة من حيث الهويّة.

  • الأمر الآخر الذي يذكرونه هو أنّه مع غضّ النظر عن جانب العلّيّة، فإنّ جميع ما سوى الله ماهيّات، وقد ألقت ظلمة الإمكان بظلالها على كلّ ما سوى الله، فلا يمكننا أبدًا أن نبحث عن نورٍ يستطيع أن يهدينا إلى منبع الشّمس. وبعبارةٍ أخرى، كلّ وسيلةٍ تُقرّر لهدايتنا وتعريفنا بالله وتبيين صفاته وأسمائه وذاته لنا، هي نفسها قد استنارت وتنوّرت بنور وجود الذّات، فلا يمكنها أن توصلنا إلى ذلك المنبع؛ لأنّها في مراتب ماهيّتها محتاجةٌ إلى غيرها، ويقولون: «يجب أن يكون المعرِّف أجلى من المعرَّف».

    1. إقبال الأعمال، ج ١، ص ٣٤٨، فقراة من دعاء عرفة الشريف:
      «إلهي، تَرَدُّدي في الآثارِ يوجِبُ بُعدَ المَزارِ؛ فَاجمَعني عَليك بِخِدمَةٍ توصِلُني‌ إلَيك!‌ كيف‌ يستَدَلُّ عَليك بِما هو في وُجودِهِ مُفتَقِرٌ إليك؟! أيكونُ لِغَيرِك مِنَ الظُّهورِ ما لَيسَ لك حَتّىٰ يكونَ هو المُظهِرَ لك؟! مَتىٰ غِبتَ حَتّىٰ تَحتاجَ إليٰ دَليلٍ يدُلُّ عَليك، ومَتىٰ بَعُدتَ حَتّىٰ تَكونَ الآثارُ هي الّتي تُوصِلُ إلَيك‌؟!»

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

3
  • الموضوع طويل جدًّا في هذا الصدد، والرفقاء مطّلعون على هذه الأمور في الكتب والبحوث العلميّة بنسبٍ متفاوتة، وللمرحوم العلامة رضوان الله عليه أيضًا كلام في هذا المجال۱.

  • المعرفة الحقيقيّة بكلّ شيء لا تكون إلّا بالاتّحاد الوجوديّ معه

  • الأمر الآخر الذي يتبادر إلى الذّهن هنا هو أنّه ربّما يكون مراد الإمام عليه السلام من «بِکَ‌ عَرَفتُکَ» جهة أخرى غير التي ذكروها، وهي أنّه هل من الممكن أن نحصل على معرفة بشيءٍ من غير ذلك الشّيء نفسه٢؟ أي أن نحصل على معرفةٍ به من غير نوعٍ من الاتّحاد الوجوديّ معه؟ هذا غير ممكن!

  • افرض أنّك تقف جانبًا وتريد أن تعرف زيدًا الذي لم تره قطّ؛ حينئذٍ ترى من بعيد شبحًا يقترب، في البداية تكون بعيدًا وتتخيّل أنّه شجرة، أي إنّك في الحقيقة تجهل زيدًا جهلاً تامًّا وليس لديك أيّ معلومة عنه. ثمّ تقترب أكثر فترى أنّه ليس كذلك، بل هو حيوان يتحرّك، وعندها تحصل على اطّلاعٍ ضئيلٍ إجمالاً عن زيد في عالم نفس الأمر والثبوت، بمقدار أنّه يمشي. ثمّ تقترب قليلاً أكثر فترى أنّه ليس كذلك، بل هو إنسان، فتزداد معرفتك بزيد، وفي النهاية تدرك أنّه إنسان؛ لكنّك في مقام الإثبات لا تزال لا تعلم أنّه زيد، ولكن على أيّ حال، تزداد معرفتك وعِرفانك قليلاً بنفس الأمر الذي هو زيد، أي إنّ هذا المفهوم الكلّيّ للإنسان منطبق على هذا المصداق والشخص الخارجيّ.

  • إلى أن تتقدّم فيسلِّم عليك بقوله: «السلام عليكم»؛ وعندما تردّان السلام، ترى يا له من أمر! يا له من رجلٍ بشوش الوجه، ويا له من رجلٍ طيّب! فلنذهب ونتصادق معه! نحن لا نحبّ هؤلاء الذين يعبسون دائمًا و...، فلنذهب ونضحك معه؛ فترى أنّه لا، بل هو بطبيعته رجلٌ بشوش. تزداد معرفتك قليلاً، حسنًا، فتدعوه أو تذهب أنت إلى منزله. تطّلع على شيءٍ من حياته، فترى أنّ له صفاتٍ أخرى؛ فهو كريم، ومستواه العلميّ كذا، وخصوصيّته كذا.

  • كلّما ازداد أنسك به، ازداد اطّلاعك على خصوصيّاته؛ ثمّ تصبح علاقتك به حميمة إلى درجة أنّك تغدو كاتم أسراره، وتطّلع على أمورٍ لا يعلمها الآخرون، فتعرف أنّ خصوصيّاته كذا وكذا... هل يمكنك القول الآن إنّك بلغت مرحلة المعرفة الكاملة بزيد؟! ليس الأمر كذلك!

    1. معرفة الله ج ١، ص ٢٤٥ ـ ٢٥۰
    2. راجع حول قاعدة: لا يعرِفُ شيءٌ شَيئًا إلّا بما هو فيه مِنه. معرفة الله، ج ۱، ص ۷٦

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

4
  • متى يمكننا حقًّا وحقيقةً أن نشعر بزيديّة زيد في وجودنا ونعرّفه كما هو، لا كما نعلمه ولا كما نفهمه؟

  • عدم معرفة الإنسان لنفسه معرفةً واقعيّة

  • أنتم تعرفون قصّة ذلك الفيل في المثنوي الذي أحضروه من الهند، فجاء كلّ واحدٍ منهم وأصبح صديقًا له بحسب ظنّه، لكنّهم لم يعرفوا حقيقة الفيل؛ هذا قال: هو كذا، وذاك قال: هو كذا! متى يمكننا أن نعرّف زيدًا كما هو؟! في الوقت الذي نصبح فيه نحن زيدًا، حينها يمكننا أن نقول من هو زيد؛ طبعًا هذه مجرّد معرفة ظاهريّة! وإلّا فمن حيث المعرفة الباطنيّة، نحن أنفسنا لا نعرف أنفسنا!

  • هل تستطيع أن تعرّف نفسك؟! لنفرض أنّ السيّد فلانًا يريد أن يعرّف بنفسه؛ فيقول: أنا أمتلك هذه الخصوصيّات. هذا إن صدق في قوله، وذكر خصوصيّاته وصفاته، وقال: أنا كذا وأمتلك هذه الخصوصيّات والصفات؛ فيّ كذا من الخير وفيّ كذا من السّوء. إن شاء الله ليس فيكم شيءٌ سيّئ! نقول له: حسنًا، ألم يبقَ شيءٌ في نهاية المطاف؟ فيقول: لا، لا يخطر ببالي شيءٌ آخر، أنا هكذا؛ استعدادي هو هذا، ومعلوماتي هذه، وعلمي هذا، وفكري هذا، وثروتي بهذا المقدار، وعلاقتي بالدّنيا في هذا الحدّ، وعلاقتي بالزّوجة والأولاد في هذا الحدّ، وعلاقتي بالطّريق والمسير في هذا الحدّ، و... . ويعرض المسألة بصدقٍ كما هي ـ كما يُقال ـ يكشف كلّ أوراقه. نقول: أليس هناك شيءٌ آخر؟ يقول: لا!

  • نقول: حقًّا؟! لو كنت تعرف نفسك لكنت قد عرفت ربّك! «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ!»۱ لو كنت قد عرفت نفسك حقًّا، لعرفت مصالحك ومفاسدك، ولعرفت طريقك، ولعرفت المنهج الصّحيح لحياتك؛ فهل تعرف هذه الأمور؟! يقول: لا، أنا لا أفهم شيئًا؛ ولو كنت أفهم لما أتيت إلى السيّد! أحسنت! لقد أفصحت عن رأيك بسرعة، جزاك الله خيرًا، وأرحت الجميع! فالبعض يقولها بسهولة، والبعض لا يقولها ويُخرج روح الإنسان؛ يظلّون يقولون: سيّدنا، الأمر كذا! وقد قيل لي أنا أيضًا، ونحن أيضًا لا نقول! ولكن لا، خلاصة القول إنّ البعض يكشفون بسهولة كلّ ما لديهم ويقولون نحن هكذا!

    1. مصباح الشريعة، ص ١٣. معرفة الله ج ١، ص ١٧١

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

5
  • فنقول له: لا يا عزيزي، أنت مخطئ، هناك مسائل في باطن الباطن من باطنك لا تعلم عنها شيئًا حتى عن نفسك! نحن أنفسنا لا نعلم عن أنفسنا؛ ولو كنّا نعلم، لكان عمل الأعاظم سهلاً جدًّا، ولأنهوا الأمر في سنةٍ أو ستّة أشهر! ولكنّا نحن أنفسنا لا نعلم! فتمرّ فترةٌ من الزّمن فيكشفون عن واحدةٍ منها؛ فنصرخ ونستغيث ونولول! نقول: هذا السيّد ـ نعوذ بالله ـ قد تكلّم بالباطل، لقد أخطأ! لقد أوصلوا إلى مسامعه كلامًا خاطئًا؛ أين أنا من هذه الأمور؟! وهو يجلس ويضحك؛ حسنًا، قل الآن ما تشاء!

  • عندما يشتدّ غضبك و...، يتنحّى قليلاً؛ ثمّ بعد أن تهدأ، يكشف عن أمرٍ آخر؛ هنا وهناك إلى أن نستسلم في نهاية المطاف؛ هو يتنازل قليلاً، ونحن نتنازل قليلاً، حتى نضطرّ في النّهاية إلى التّصالح معًا لنصل إلى المقصد إن شاء الله! والبعض الآخر يقولون في منتصف الطّريق: لا يا سيّدنا، لم تكن لدينا مشكلة من البداية؛ وداعًا!

  • إذًا، يتّضح أنّنا لا نملك معرفةً وعِرفانًا واقعيًّا بأنفسنا! عندما نصبح نحن زيدًا بحسب هذا الظّاهر، حينها فقط يمكننا أن نقول إنّني الآن أستطيع أن أعرّف زيدًا، والآن فقط أستطيع أن أقول من هو زيد، وما هي خصوصيّاته، وكيف هو من النّاحية النّفسيّة، وما هي مكانته!

  • ولكن لو كنّا نحن مكان زيد هذا، ولم يكن هناك إلهٌ في الأمر، وأردنا أن نقول: يا زيد، تعال وعرّفنا بنفسك! ماذا كان سيقول؟ كان سيقول: أنت تعرفني بنفسي؛ أي عندما تصبح أنت أنا، حينها فقط ستعرفني! وما دمت لم تصبح أنا، فأنت لا بعيد عن حقيقة الأمر؛ لأنّط لم تصبح أنا بعد!

  • لزوم اتّباع أولياء الله بسبب إحاطتهم العلّيّة وإشرافهم التّامّ على ذات الإنسان

  • لذلك، عندما يخبر الأولياء والأعاظم عن باطن الإنسان، فإنّهم نحن، ونحن هم. أي، على سبيل المثال، يأتي وليٌّ إليك ويقول لك: أيّها السيّد المحترم، يجب عليك أن تفعل هذا العمل، وهذا الأمر ضروريٌّ لك! وأنت تستنكف وتتهرّب منه، وتقضي الأمر بالمسامحة والمماطلة حتى تنتهي القضيّة، ثمّ تقول: يا سيّد، لقد فاتت القضيّة ولم نتمكّن من إنجازها!

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

6
  • عندما يقول ذلك الوليّ هذا الكلام، فماذا يقول؟ ليس الأمر أنّه يشرف على هذا المعنى ويعلم ما يدور في نفسك؛ بل في تلك اللحظة التي يقول فيها هذا الكلام، قد أصبح هو أنت، وهو أقرب إليك من نفسك، أي إنّه يعلم عنك أكثر من نفسك! لا ذلك الذي لا يعلم شيئًا، ويعرف فقط مجموعةً من المسائل الظّاهريّة وشيئًا من الباطن!

  • إنّ قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾۱ هو لهذا السّبب؛ وقولهم: عندما تذهب إلى النّبيّ والوليّ، فاذهب بحيث تكون معتقدًا أنّه لا وجود لك من نفسك، وسلِّم أمرك! هو لهذه المسألة؛ وكون الإنسان يجب أن يتحلّى بروح التّعبّد أمام النّبيّ والإمام هو لهذه القضيّة. وإلّا، لو قلنا من منطلق التّشريع فقط إنّ المسألة نظريّة، أي من منطلق التّشريع تحلَّ بروح التّعبّد؛ فإنّ الله قد أذن للوليّ والإمام والنّبيّ بالأمر والنّهي، وهو يأمر وينهى ويقول: الباقي لا يعنيك!

  • لا يا عزيزي، ليست هذه هي المسألة! كيف لا يعنيك؟! لماذا أعطى هذا الإذن له ولم يعطه لغيره؟! القضيّة لها حسابٌ وكتاب، فلماذا يجب على الله تعالى أن يعطي هذا الجانب من الأمر والنّهي لشخصٍ دون آخر؟! إذا كان الحساب حسابًا آخر، وهي مسألة عاديّة تُفهم على هذا النّحو، مثل الأوامر والنّواهي الفقهيّة والشّرعيّة والولائيّة؛ فما الفرق بينه وبين البقيّة؟!

  • كيفيّة الإشراف التّامّ لأولياء الله على ذات الإنسان

  • لقد قلت مرارًا وأقول: يجب أن يكون هناك توافقٌ بين التّشريع والتّكوين! فالذي يمكنه أن يأمرنا وينهانا هو الذي أصبح من النّاحية التّكوينيّة «نحن»، «نحن» الحقيقيّة، لا المزيّفة! نحن الآن «نحن»، ولكنّنا «نحن» مجازيّة! أنا الآن لا علم لي بما في ضميري ومسائلي وخصوصيّاتي النّفسيّة، والله وبالله وتالله لست مطّلعًا! وعندما لا أكون مطّلعًا، فالعقل يحكم بأنّني لا أستطيع أن أُسلم صلاحي وفسادي ليدي وعقلي النّاقص هذا؛ فإلى من يجب أن أذهب؟ إلى من هو أقرب إليّ من نفسي؛ أي لديه إشرافٌ ولائيّ!

  • هل فهمتم الآن معنى الإشراف؟ الوليّ الذي يشرف على فردٍ ويأمره، هو «هو» الحقيقيّ، لا أنّه يعلم ما في ضميره فحسب؛ ليس الأمر كذلك! أي عندما يذهب إلى الأستاذ فلان فيقول له: «عليك الآن أن تذكر ذكر السجدة اليونسيّة بهذا المقدار، وأن تتوجّه بهذا المقدار، لا أكثر ولا أقلّ، ويجب أن تفعل العمل الفلانيّ»، فإنّه هو الاستاذ الذي يشرف حقًّا وحقيقةً إشرافًا تامًّا لا ناقصًا على مصالحه ومفاسده، وعلى جميع شؤون وجوده وشوائبه.

    1. سورة النساء (٤)، الآية ٦٥.

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

7
  • أي لو أنّ الله ـ الذي جانبه الولائيّ هو جانبٌ عِلّيٌّ ـ نزل وتنزّل في هذا العالم، لقال الكلام نفسه! ألم يقل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾۱؟! فماذا يعني أقرب من حبل الوريد؟!

  • ما معنى أقرب من حبل الوريد؟ 

  • حبل الوريد يعني عرق الحياة؛ أي من صفة "الحيّ" التي تتّصفون بها، نحن أقرب إليكم من تلك الصّفة. وعندما تكون الصّفة نفسها لك، فما هو الأقرب من تلك الصّفة؟ إنّها الذّات نفسها! أي أنا ذاتك، وهذه الصّفة عارضةٌ على تلك الذّات. هذا هو معنى الأقربيّة! وعندما تصبح الذّات نفسها هي هو، تصبح الصّفات من باب أولى صفاته؛ والآن، يمكن لهذا الإنسان أن يأمر وينهى بأن افعل هذا ولا تفعل ذاك!

  • مقام الولاية يعني الاتّحاد والمعيّة مع كلّ عالم الوجود

  • لذلك، فإنّ من يدخل مقام الولاية ويطوي المراتب، فإنّ إحدى المراتب التي يطويها هي الاتّحاد والمعيّة مع كلّ عالم الوجود. أي في المرتبة الأولى ـ وطبعًا ليس هناك مرتبة أولى وأخيرة، فالأمر يختلف باختلاف سنخيّة نوع سير كلّ شخص ـ يُقيم اتّحادًا مع جميع الجمادات؛ فلو سألته: ما حقيقة الكبريت؟ لبيّن لك أنّه كذا وكذا؛ لا أنّه ينظر في سجلٍّ ما أو مثلاً في الجفر الكبير والجفر الصّغير والجامعة وأمثال ذلك، وهذه الأمور التي يفسّرها العلماء، وأنّه كتابٌ مكتوبٌ على جلد غزال يفتحه ويضرب الرّمل وهذه الأمور، وينظر هناك فيرى ما هي خواصّ الكبريت المكتوبة فيقول: أيّها النّاس، الكبريت كذا! لا، بل يرى الكبريت نفسه في وجوده ويبيّنه، يرى الحديد نفسه في وجوده ويخبر عنه.

  • عندما يقول ذلك الرجل: يا عليّ «جَلَّ مُحصيهِ!» أي سبحان الذي يحصي عدد هذا النّمل! يقول الإمام عليه السلام: «إنّي أُحصي عَدَدَهُم وأعلَمُ الذَّكرَ مِنهُم والأُنثىٰ!»٢، يقول الإمام عليه السلام لك: سأقول لك ما هو أعلى من ذلك؛ أصلاً أنا هو النّملة التي تتحدّث معك، أنا هو الأسد الذي يكلّمك، أنا هو الجمل الذي يتحدّث معك، أنا هو الزّرافة التي تتحدّث معك، أنا هو سمكة البحر التي تتحدّث معك؛ أنا هو عالم الوجود الذي يخبر عن عالم الوجود!

    1. سورة ق (٥۰)، الآية ۱٦
    2. تأويل الآيات الظاهرة، ص ٤٧٩؛ البرهان في تفسير القرآن، ج ٤، ص ٥٦٩:
      «و هوَ ما رَواهُ الشّيخُ أبوجَعفَرٍ الطّوسي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ ذَكرَهُ في كتابِهِ مِصباحِ الأنوارِ، قالَ: و مِن عَجائِبِ آياتِهِ و مُعجِزاتِهِ ما رَواهُ أبوذَرٍّ الغِفارِي، قالَ: كنتُ سائِرًا في أغراضٍ مَعَ أميرِالمُؤمِنينَ عليه السّلام إذ مَرَرنا بِوادٍ و نَمله كالسَّيلِ السّارِي! فَذَهَلتُ‌ مِمّا رَأيتُ فَقُلتُ: اللهُ أكبَرُ، جَلَّ مُحصيهِ!
      فَقالَ أميرُالمُؤمِنينَ عليه السّلام: ”لا تَقُل ذَلك يا أباذَرٍّ؛ و لَكن قُل: جَلَّ باريهِ! فَوَالَّذِي صَوَّرَك إنّي أُحصي عَدَدَهُم وأعلَمُ الذَّكرَ مِنهُم والأُنثىٰ، بِإذنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ!“»

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

8
  • ربّما يكون مراد الأعاظم من قولهم في الحكمة: «الحِکمَةُ صَیرورةُ الإنسانِ عالَمًا عَقلیًّا مُضاهیًا لِلعالَمِ العینیِ»۱ هو هذا المعنى؛ أي على الرّغم من وجود حدودٍ ماهويّة بيننا من النّاحية الملكيّة والجانب الجرثوميّ والجانب الجسمانيّ؛ إلّا أنّ الإنسان من ناحية حقيقة الشّيء ـ التي هي وجودها المجرّد على نحوٍ أعلى وأتمّ ـ يتّحد ويتّحد معها! هذا يقول: أصلاً أنا هو الذي يخبر الآن بهذه الطّريقة! لذلك، لا تتعجّب عندما يقول الشّاعر:

  • علي آدم، علي شيث وعليّ نوح***که در دور نبوّت جز علي نیست 
  • علي احمد، علي موسی و عیسی***که در أطوار خلقت جـز علی نیست 
  • يقول: 

  • عليٌ هو آدم، وعليٌ هو شيث، وعليٌ هو نوح *** فما في زمن النبوّة إلا عليّ

  • عليٌ هو أحمد، وعليٌ هو موسى وعيسى *** فما في أطوار الخلقة إلا عليّ

  • حقًّا، إنّ عليًّا عليه السلام في مراتبه الكماليّة قد صار عيسى عليه السلام وتجاوزه؛ لذلك يمكنه الآن أن يعرّفنا بعيسى عليه السلام تعريفًا واضحًا وكاملاً وأفضل من عيسى نفسه، بحيث لو جاء عيسى عليه السلام نفسه لما استطاع أن يفعل مثل هذا الأمر! يأتي عليٌّ عليه السلام ويعرّف هودًا عليه السلام تعريفًا لم يكن هود عليه السلام نفسه المطّلع على ذاته يستطيع أن يعرّفه! لأنّ عليًّا عليه السلام صار هودًا وتجاوزه، أصبح إلياس وتجاوزه، أصبح إبراهيم وتجاوزه.

  • النّبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هو المظهر الأتمّ والأكمل للصّفات الإلهيّة؛ أي إنّه حاز وجمع في وجوده جميع مراتب الوجود، وعندما ينظر إلى الأفراد، فكأنّه يتحدّث معهم بآلاته وأدواته وأسبابه. فمثلاً عندما ترفع هذا الكوب بيدك، فإنّ هذه اليد هي إحدى آلاتك وأدواتك. والنّبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله أيضًا يتحدّث بآلاته وأدواته؛ وزيدٌ إحدى آلاته، وعمروٌ إحدى أدواته، و... جميعهم وجوداتٌ نازلةٌ من هذا المجرى وهذه المشيئة، بناءً على ذلك، هل يمكننا أن نقول إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يعلم بنا؟! كيف لا يعلم؟! يجب أن يكون أعلم بنا من أنفسنا! لذلك، هذا التّكوين يمكنه أن يجلس في مصدر الأمر وفي مصدر النّهي ويقول: افعل ولا تفعل! يمكنه أن يفعل هذا الأمر.

    1. شرح منظومة، ج ٢، ص ٥٠.

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

9
  • الجهل بمراتب أولياء الله سبب الاعتراض على فعلهم وقولهم

  • عندما يأتون إلى النّبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ويقولون: يا رسول الله، لقد جلب عليٌّ عليه السلام في هذه الحرب كلّ هذه الأشياء معه، وكانت هناك جاريةٌ أيضًا، فأخذها لنفسه!

  • هذا في الوهلة الأولى يثير فينا تساؤلاً: لماذا لم يعطها عليٌّ عليه السلام لهم؟! لماذا فعل عليٌّ عليه السلام هذا؟! كانوا يعترضون على رسول الله صلّى الله عليه وآله نفسه! فماذا يقول لهم؟! ماذا يفهم هؤلاء النّاس؟! لو قال لك إنّ عليًّا عليه السلام فعل الصّواب، لقلت إنّك تحميه وتدافع عنه؛ ولو قال: كفّوا عن الفضول، لقلت: ماذا حدث؟ أنذهب نحن لنقاتل وتتلطّخ رؤوسنا ووجوهنا وأقدامنا وكلّ مكانٍ فينا بالدّماء، ويأخذ عليٌّ عليه السلام الجارية لنفسه؟! أين العدل في هذا؟! هم لا يفهمون في أيّ مرتبةٍ عليٌّ عليه السلام الآن، لا يفهمون لماذا هذا الفعل الآن؛ أصلاً لا يمكن تصديق ذلك بأيّ شكلٍ من الأشكال! أشهد الله أنّني الآن، بعد مرور ستّة أشهرٍ على ارتحال السيّد، أفهم سبب بعض الأعمال التي كان يقوم بها حينها؛ هذا فقط بالمقدار الذي أفهمه أنا! قلت إنّ للمعرفة مراتب؛ ولكن في ذلك الوقت لم أكن أعلم ولم أفهم، كنت أتضايق، وأفتر، وأتعب، وأترك الأمر وأقول: ما معنى هذا؟!

  • في النّهاية، لقد قال لي هو نفسه كذا، فلماذا يعود غدًا ويقول شيئًا آخر؟! ما هذا؟! كنت أحتار في الأمر، فعندما يقال لي: يا فلان، اذهب وقل الكلام الفلانيّ، وأنا آتي وأقول هذا الكلام، ثمّ في اليوم التّالي ترى أنّه قد قال شيئًا آخر لشخصٍ آخر! ماذا أفعل؟! وأصلاً لا يسألني مرّةً واحدة: هل فعلت ما قلته لك أم لا؟! أبدًا، إطلاقًا! فقط اذهب وافعل هذا الأمر؛ ولا يسأل بعد ذلك: حسنًا، هل تمّ أم لا، وماذا حدث، وماذا كانت نتيجته؟ ولكن من جهةٍ أخرى، ترى أنّه قالوا كلامًا، ونحن بقينا حائرين أن ما هذا الكلام؟! أنا الآن أفهم أنّ كلّ هذا كان من أجل مسألةٍ أخرى.

  • وظيفة السّالك تجاه أقوال أولياء الله وأوامرهم

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

10
  • إذًا، لو كان هناك شخصٌ هنا، في هذه الحالة يمكننا أن نظهر ردّ فعلٍ بطريقتين أو ثلاث؛ طريقةٌ هي أن نذهب إليه أصلاً ونسأله: سيّدنا، أنت الذي قلت هذا الكلام، لماذا فعلت ذلك؟ حسنًا، هو أيضًا سيجيب بطريقةٍ ما؛ وفي وقتٍ آخر نقول: ما دام الأمر هكذا، فلندعه، وليكن ما يكون! وهذا أيضًا نوعٌ من ردّ الفعل، وهو أن لا يقول الإنسان شيئًا، وهذا أفضل قليلاً؛ ولكن هناك حالٌ أفضل من حالي، وهو أن تزداد روح التّعبّد في الإنسان إلى درجةٍ لا يبالي فيها بردّ الفعل ولا بالنّتيجة!

  • ذات مرّة، جاء اثنان إلى المرحوم العلاّمة وأرادا منه أن يحكم بينهما؛ كان لديهما خلافٌ في هذه المسائل الظّاهريّة والمرافعات الماليّة والمعاملات. فرأيت أنّ أحدهما يذهب ليجمع لنفسه أعوانًا وأنصارًا، والآخر يذهب ليحضر شهودًا ليقولوا: نعم، لقد قال كذا في ذلك الموقف والآن خدعنا، وهذه الأمور! فقلت لأحدهما: أنا لا أستطيع أن أتحدّث مع الآخر؛ أقول لك أنت الذي تريد أن تذهب أمام المرحوم العلاّمة، ماذا ستقول! ماذا تريد أن تجمع؟!

  • لنفترض أنّك جمعت ما تريد وجئت إلى المرحوم العلاّمة وأثبتّ دعواك، ثمّ لو حكم لصالح الطّرف الآخر، فماذا ستفعل؟ دع الأمر يا عزيزي! فالذي يذهب إلى محضره لا يتكلّم بعد ذلك! هل يختلف طرفا القضيّة عند وليّ الله حتى يتكبّد الإنسان كلّ هذا العناء؟! يا عزيزي، كن مرتاحًا، حسنًا، يا عليّ؛ انتهى الأمر وذهب! ما معنى جمع الأنصار؟! ما معنى إحضار المستندات؟! ما معنى إقامة الدّليل؟! كلام الوليّ هو المعيار؛ لا أن تنظر ماذا يقول، هذا لا ينفع، ارمه جانبًا! ما يقوله هو الصّواب؛ هذه هي القضيّة! نحن عالقون في هذه القضيّة؛ مشكلتنا هي أنّنا نبحث عن «لماذا يقول؟»، لا عن «ماذا يقول؟»! نقول: «لماذا قال؟».

  • مؤخّرًا، جاء إليه رجل وقال: «سيّدنا، تمّ إنجاز الأمر الفلانيّ، وهكذا حدث؛ وكان المبلغ حوالي مائتي مليون، ونريد أن نقدّم لحضرتكم عشرين مليونًا!» لا أعلم إن كان مالاً مجهول المالك أم شيئًا آخر؛ لن أوضّح أكثر من هذا الآن. فقال سماحته: «اذهب وأعطها لمكتب السّيّد فلان...!» خرج ثمّ قال لأخي السّيّد محمّد صادق: «إمّا أنّني لم أستطع إيصال الفكرة بشكلٍ صحيح، أو أنّ السيّد...؛ ولكن اذهب أنت وقل للسيّد إنّ الأمر كان كذا وكذا!». فجاء السّيّد محمّد صادق، وقبل أن يفتح فمه، لم يدعه سماحته يتكلّم أصلاً، فقال: «أقول كلمة واحدة! ما معنى هذا؟! اجمع أغراضك واذهب! أقول لك اذهب وأعطه، يعني انتهى الأمر! ماذا تقول لي؟ هل تقول إنّ الأمر لم يكن كذلك؟! اجمع أغراضك!».

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

11
  • ذات مرّة، حدثت قضيّةٌ بيننا وبين أحدهم، فدعانا سماحته وقال: تعالوا لنرى ما الأمر! فذهبنا إلى محضره، وفي تصوّرنا، كانت القضيّة صحيحةً بالنّسبة لنا ولديها شواهد على أنّني لم أقل خلاف ما قاله، بل لم أقل له حتّى خلاف ما قاله السيّد؛ ولكن فهمه لكلامي كان مختلفًا، وكان في ذهنه تصوّرٌ آخر، وعلى أساس ذلك التّصوّر كان يقضي لياليه وأيّامه، وفي النّهاية رأى أنّ الأمر لم يسر على هذا النّحو! الآن، إمّا أنّه ألقى باللائمة عليّ أو على المرحوم العلاّمة، وعلى أيّ حال، أراد المرحوم العلاّمة أن يفصل في القضيّة وينهيها.

  • فذهبنا إليه، وكنت هناك أضحك أصلاً! في البداية ضحكت قليلاً، طبعًا في سرّي، ثمّ رأيت أنّ هذا المسكين خجل وندم؛ أي إنّه في المجلس نفسه علم أنّ الأمر ما كان يجب أن يكون هكذا، وبعدها أدرك أنّني لم أقل شيئًا. فقلت: نعم، الأمر هكذا! وتمّت إدانتي بأنّ السّيّد محسن لا ينبغي له أن يفعل هذا الأمر ويجب ألّا يفعله مرّةً أخرى؛ والحمد للّه انتهت القضيّة على خيرٍ وخرجنا. قال السّيّد أبو الحسن: «إنّ السيّد، دائمًا يحتاج إلى طبيبٍ يلقي عليه المسؤوليّة!» فقلت: لا بأس، فلأكن أنا ذاك الطبيب، ولكن ليعطني الله الصّبر، لا بأس، فأنا الطّبيب!

  • أنتم تعرفون قصّة الطّبيب، أليس كذلك؟ يقال: إنّ كريم خان كان يعاني من الإمساك ولم يكن يقضي حاجته! ومهما فعلوا لم يجدِ نفعًا، إلى أن جاء الطّبيب ووصف له وصفةً بأنّه يجب حقنه! وقال: «لا، لا يمكن من الأعلى، يجب حقنه من مكانٍ آخر حتى يشفى!». فاستاء كريم خان وقال: «أضجعوا هذا الوغد واحقنوه هو!». فأضجعوا الطّبيب وحقنوه! ومن باب الصّدفة، تحسّن مزاج كريم خان عندها! فصاروا كلّما يصيبه الإمساك، يحضرون الطّبيب ويحقنونه!

  • فالحديث يدور حول أنّ الذي يذهب إلى وليّ الله لا ينبغي له أن ينتظر ليرى إلى أيّ طرفٍ ستنتهي القضيّة؛ من يذهب عليه فقط أن يرى ماذا يقول الوليّ! فماذا أقول أصلاً؛ يجب أن نسأل أولئك الذين هم أذكياء قليلاً، وأولئك الذين هم ماهرون بعض الشّيء! أنا لست كذلك، لم أرَ هذا في نفسي، وفي ذلك الزّمن لم أكن كذلك؛ ولكن أولئك الذين هم أذكياء قليلاً، يذهبون ويتعمّدون فعل شيءٍ بطريقةٍ تجعل الأستاذ يخجلهم أمام البقيّة فتسير الأمور أسرع! كانوا حقًّا كذلك! لقد حدثت أمورٌ شبيهةٌ بهذه؛ أي إنّهم هم أنفسهم يعرفون ماذا يفعلون حتّى لا تحدث ضجّةٌ ولا يكون هناك صخبٌ كبير، وفي الوقت نفسه يتمكّن ذلك الوليّ من القيام بعمله بهدوءٍ وذكاءٍ ودقّة، فيقولون: عجبًا، لقد أُدين هذا! أرأيتم كيف أفسد الأمر وخجل، والحقّ مع الآخر! هؤلاء لا يعلمون أنّ هذا قد ارتقى، وذاك قد سقط!

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

12
  • أولئك الذين يبحثون عن المطلوب ويريدون الوصول إلى النّتيجة أسرع، ينتظرون الفرصة هكذا؛ لا أن نتكبّر في مكانٍ ما ونريد دائمًا أن يرفعوا من شأننا، وإذا أرادوا أن يعبسوا في وجوهنا قليلاً، يرتفع صراخنا: يا للأسف ويا للويل! ليس الأمر كذلك؛ مسألة السّلوك مسألةٌ مهمّةٌ ودقيقةٌ جدًّا!

  • إنّ هذه الأمور التي أذكرها لحضراتكم هي مشاهداتي الشّخصيّة طوال حياة المرحوم العلاّمة مع أساتذته. لم أكن أقول الكثير من هذه الأمور في حياة المرحوم العلاّمة، حسنًا، الآن أذكر بعضها بهذه الكيفيّة، طبعًا ليس كثيرًا، بالقدر الذي فيه صلاح؛ ولكن كما قال هو للّذي اعترض عليه قائلاً: لماذا أغلب الأفراد المحيطين بك ليسوا من أهل العلم ليتمكّنوا من الاستفادة بشكلٍ أفضل؟! إنّه بقّالٌ، وميكانيكيٌّ، وحدّادٌ، ومهندسٌ معماريٌّ، وتاجرٌ، و...!

  • فقال سماحته: «مائدتنا مفتوحةٌ للجميع، ولكن من الذي يأتي؟!» يأتي الإنسان إلى هنا بمجموعةٍ من المسائل التي اعتاد عليها وأنس بها؛ فهذه أشياء أنسنا بها عمرًا طويلاً، ويأتي الوليّ ويريد أن ينتزعها واحدةً تلو الأخرى من وجودنا، والانتزاع يصحبه صراخٌ واستغاثة! فنحن مأنوسون بذهنيّاتنا.

  • قولهم: إنّ العرفان يحتاج إلى عقل، والعرفان يحتاج إلى فطنة، والعرفان يحتاج إلى تحمّل الصّدمات؛ كلّ هذه العبارات والبيانات هي لهذا السّبب!

  • كنت مرّةً في مشهد، فأمر المرحوم العلاّمة أحدهم بأمر ما، فقال ذلك المأمور: «سيّدنا، أخشى أن يكون هذا الأمر خلاف الشّرع! أليس هذا خلاف الشّرع؟» ما القضيّة؟! انظروا إلى أين يصل الأمر! قال: «أليس هذا خلاف الشّرع؟!» ما إن قال هذا الكلام، حتى قال السيّد فجأة: «لا، لا، إيّاك أن تفعله! لا تفعله!». أي بمجرّد أن ظهرت هذه الشّبهة في ذهنه بأنّ هذا المسار هو مسارٌ خاطئ، انقطع الأمر وانتهى شأنه؛ ذهب وانتهى!

  • بمجرّد أن تقول إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول خلاف ما أمر به الله، فإنّك لن تستطيع بعد ذلك الاقتداء به، وتنتهي القضيّة! يجب عليك أن تذهب وتلطم رأسك وتصرخ وتبكي قائلاً: يا إلهي، أرجع القضيّة! مع الشّكّ في رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يمكنك أن تخطو خطوةً؛ لقد توقّفت، وبقيت في مكانك، انتهى الأمر! إذا ظهرت شبهةٌ هنا، يجب أن تردّها بسرعة؛ لا ينبغي أن تبقى ولا أن تسمح لها بالرّسوخ! هذه الأشياء التي أنسنا بها عمرًا طويلاً، يأتي هذا الوليّ الآن ليزيلها واحدةً تلو الأخرى!

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

13
  • حسنًا، التّوحيد ليس سهلاً! قضيّة التّوحيد هي قضيّة ذلك الأسد والبقرة في المثنوي، حيث كان ذلك الرّجل يتخيّل أنّها بقرةٌ ويظلّ يمسح على رأسها ووجهها. قال: لو علم هذا الرّجل ما هذا، لكان قلبه قد امتلأ دمًا! لو علم ما الذي يمسح عليه؛ هل يمسح على عُرف الأسد؟! هل يمسح على رأس الأسد وذيله؟! يقولون: لا تلعب بذيل الأسد! لو أشرق مصباح التّوحيد ورُفع الحجاب عن أعيننا، لرأينا أنّنا بهذا الوضع الذي نحن فيه، فانون ومعدومون! أي إنّنا فجأةً نهرب إلى الجبال ونرفض كلّ شيء؛ هذا إن لم يحدث لنا شيءٌ من النّاحية الجسديّة!

  • اختلاف مراتب الأفراد في فهم وإدراك حقائق التّوحيد

  • يقولون إنّ هناك تلسكوبات تظهر السّماوات؛ بعضها مهمٌّ ودقيقٌ لدرجة أنّهم لو أروها لشخصٍ فجأةً، لربّما يفقد صوابه! لذلك، يجب أن يمرّ بمراحل ويدرّبونه لفترة؛ في البداية بكاميرا كذا، ثمّ يكبّرونها باستمرار حتى يروه ذلك التّلسكوب، وبعدها يرى تلك الأجرام السّماويّة و...، حتى لا يصاب بصدمةٍ مفاجئة.

  • قضيّة التّوحيد هي أنّ الحقائق والقضايا لو اتّضحت للإنسان دفعةً واحدة، مع الأخذ بالاعتبار ما نعلمه، فإنّنا نرفض الشّرع والدّين والتّديّن و...، أو «كَفَّرَهُ أو قَتَلَهُ»۱! هذه هي القضيّة! لو أنّ سلمان قال لأبي ذرٍّ حقيقة التّوحيد، لكان بإمكان أبي ذرٍّ أن يُظهر ردّي فعلٍ هنا: إمّا «كَفَّرَهُ»؛ فيقول إنّه كافر، وبذلك تنتهي مسألته، أو «قَتَلَهُ»؛ لأنّ الأمر واقعيٌّ ولا يستطيع تحمّله، فيقتل نفسه! «لَقَتَلَهُ»: هي من باب الاستخدام٢، أي إنّ ذلك العلم يقتله ويفنيه! أو أنّه من البداية يرفض الأمر قائلاً: هذه أكاذيب، وهذا كافر! يا عليّ، اضرب عنقه! ولكن بما أنّ القتل يحدث بسبب الكفر، فلا معنى لقولنا: «كَفَّرَهُ أو قَتَلَهُ!»؛ فـ«قَتَلَهُ» التي جاءت مقابل «كَفَّرَهُ» خطأ؛ لأنّ ما يوجب القتل هو الارتداد والكفر، وقد قال في البداية «كَفَّرَهُ»، وهذا التّكفير نفسه يوجب القتل، فما معنى «قَتَلَهُ» بعد ذلك؟! معناها أنّ هذا العلم قتله؛ أي إنّه كان سيصدّق، ولكن لأنّ هذا التّصديق لا يتطابق مع ذهنيّاته، فإنّه كان سيصيبه بالجنون ويقضي عليه!

    1. بصائر الدرجات، ج ١، ص ٢٥: «عَن مَسعَدةَ بنِ صَدقةَ، عَن جعفرٍ، عَن أبيهِ قالَ: ذُكرَتِ التَّقيةُ يومًا عندَ علي بنِ الحسينِ عليه السّلام فَقالَ: ”وَاللهِ لَو عَلِمَ أبوذَرٍّ ما في قَلبِ سَلمانَ لَقَتَلَهُ، و لَقد آخىٰ رَسولُ اللهِ صلّي الله عليه و آله و سلّم بَينَهما؛ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الخَلقِ؟ إنّ عِلمَ العالِمِ صَعبٌ مُستَصعَبٌ لا يحتَمِلُه إلّا نَبي مُرسَلٌ أو مَلَك مُقرَّبٌ أو عَبدٌ مُؤمنٌ امتَحَنَ اللهُ قَلبَهُ لِلإيمانِ.“ قالَ :”و إنَّما صارَ سَلمانُ مِنَ العُلَماءِ لِأنّهُ امرُؤٌ مِنّا أهلَ البَيتِ عليه السّلام، فَلِذَلك نَسَبُهُ إلَينا
      الوافي، ج ١، ص ١١: «و قال سَيدُ العابدين و زَينُهُم عليه السّلام: ”لو عَلِمَ أبوذَرٍّ ما في قَلبِ سلمانَ لَقَتَلَه!“ و في رواية: ”لَكفَّرَه!»
    2. الاستخدام اصطلاح في علم البديع من البلاغة ويعني عود الضمير على لفظ له معنيان فيراد به في مرجع الضمير أحدهما وفي الضمير المعنى الآخر مثل قول الشاعر: إذا نطل الغمام بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابًا. فإنّ الغمام له معنيان أحدهما حقيقي وهو الغمام المعروف، والآخر مجازي وهو ما يسبّبه الغمام من النبات، وقد أراد بضمير رعيناه المعنى الثاني. 
      وهنا الضمير المتّصل له معنيان سلمان والعلم، وهو في كفّره يرجع إلى سلمان أي يقتل أبو ذر سلمان، وفي قتله يرجع إلى العلم أي يقتل العلم أبا ذر ويجعله يقتل نفسه بسبب عدم التحمّل. (م)

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

14
  • يقولون: لا تبوحوا بالأسرار لكلّ أحد، لأنّه يصاب بالجنون! أي إنّهم أصيبوا بالجنون حقًّا! من جهةٍ يرى أنّ هذا الكلام صحيحٌ وأنّ القائل صادق؛ ومن جهةٍ أخرى يجب عليه أن يرمي جانبًا كلّ ما اكتسبه طوال عمره، وكلّ ما قاله المراجع العظام، وكلّ ما قاله الخلف الصّالح وجميع هؤلاء، وكلّ ما هو مُجمَعٌ عليه! فهل يعقل أن يخطئ كلّ هؤلاء؟! يا للويل، هل أخطأ الجميع منذ صدر الإسلام حتى الآن؟! لا يستطيع أن يتحمّل فيصاب بالجنون! أو أنّه يقول: لا يا عزيزي، إنّه يهذي! إنّه مجنون! اذهب في سبيلك أيّها المجنون! البعض يقول هذا عن المثنوي؛ البعض حقًّا يحتارون في المثنوي ويصابون بالجنون، والبعض الآخر يريحون أنفسهم ويقولون: مولوي مجنون! كان مرّةً جبريًّا، ومرّةً قدريًّا، ومرّةً كان يقول بالاختيار، ومرّةً كان كذا؛ كلّ عامٍ كان يتبنّى مذهبًا! هذه الأقوال لها قائلون! يقولون إنّه مجنون؛ يستيقظ من نومه في الصّباح ويخترع رأيًا ويكتبه، وفي اليوم التّالي يستيقظ ويقول شيئًا آخر! ولكن هذه الحقيقة هي حقيقة التّوحيد!

  • الإمام السّجّاد عليه السلام: «بك عرفتك وأنت دعوتني إليك!»

  • بناءً على ذلك، انظروا الآن، لو أردنا أن نحصل على معرفةٍ بذات الله، فبأيّ وسيلةٍ تحصل هذه المعرفة؟ إنّها تحصل بالذّات نفسها: «بِکَ عَرَفتُکَ»؛ أي إنّني عرفتك بنفسك! لا بشيءٍ سواك! لأنّه لو كانت المعرفة بشيءٍ سوى الذّات، لما حصلت المعرفة، ولكان هناك حدٌّ ورتبةٌ ومرتبةٌ للمعرفة؛ ولكن عندما تحصل المعرفة بالذّات نفسها، أي عندما تفني تلك الذّات هذا الإنسان فيها، حينها يمكنه أن يقول: «بِکَ‌ عَرَفتُکَ»؛‌ «لقد عرفتك بك! (لا بصفاتك ولا بأسمائك!) لقد عرفتك بنفسك وبذاتك!».

  • هذا هو الفناء الذّاتيّ! إذًا، الإمام السّجّاد عليه السلام هنا في مقام الفناء الذّاتيّ، لذلك يقول: «و أنتَ‌ دَلَلتَنی عَلَیکَ»؛ أنت دللتني على نفسك! لا على آثارك!. لا أن تنظر وترى ما في عالم الوجود، فتلك الأمور أعطيتك العين لتبصرها وأنت تراها بنفسك؛ بل دللتني على نفسك! والأهمّ من ذلك: «ودَعَوتَنی إلَیکَ»؛ دعوتني إلى نفسك!.

  • تعالوا إليّ؛ لا إلى جنّتي، فالجنّة ليست هو؛ ولا إلى الحور، فالحور لسن هو، بل هنّ مظاهره! ولكن هنا يقول: «دَعَوتَنی إلَیکَ»؛ دعوتني إلى نفسك وإلى ذاتك!

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

15
  • يقال: يا فلان، تفضّل بزيارتي في منزلي! أنا لم أدعُك إلى نفسي، بل دعوتك إلى منزلي. أقول: يا فلان، تعال واحضر درسي! أنا لم أدعُك إلى نفسي، بل دعوتك إلى علمي؛ فأنا وعلمي شيئان. أقول: يا عزيزي، تعال إلى تجارتي! أنا دعوتك إلى ثروتي، دعوتك إلى جودي وكرمي؛ لا إلى نفسي! حتّى عندما تدعو إلى نفسك في الزّواج، فأنت لا تدعو إلى نفسك، بل تدعو إلى أشياء أخرى، وتبقى الذّات مخفيّةً في الدّاخل! الدّعوة إلى النّفس تتحقّق عندما تقول: تعال، أضع وجودي تحت تصرّفك! تلك هي الدّعوة إلى النّفس؛ لا الدّعوة إلى المال، ولا الدّعوة إلى العلم، ولا الدّعوة إلى المنزل، ولا الدّعوة إلى الرّئاسة، ولا الدّعوة إلى المنافع؛ أيٌّ من هذه ليست دعوةً إلى النّفس!

  • عدم دعوة أولياء الله إلى أنفسهم

  • لذلك، فإنّ أولياء الله والأئمّة عليهم السلام لا يدعون أبدًا إلى أنفسهم! إذا رأيت وليًّا يذهب إلى أحد ما، فإلى من يدعو؟ إنّه يدعوه إلى الله؛ على عكسنا نحن الذين ما إن نرى لقمةً دسمة، نذهب إليه ونقول إنّه سينفعنا يومًا ما! وما إن نرى ذا مكانة، نذهب إليه لأنّه سينفعنا. لا يدعو وليّ الله أبدًا إلى هذه الأشياء! إذا ذهب إلى أحد، فالدّعوة ليست لنفسه، وإذا ذهب إلى غنيّ، فالدّعوة ليست لنفسه، وإذا ذهب إلى فقير، فالدّعوة ليست لنفسه.

  • كنّا نحن الرّفقاء نتعجّب في ذلك الوقت كيف أنّ المرحوم العلاّمة في سنواته الأخيرة كان يلتقي ببعض النّاس! كان أحدهم يقول: يريد أن يجعله سالكًا؛ والآخر يقول... وكنت أقول: يا عزيزي، ليس أيًّا من هذه الأمور! كنت أعلم أنّ الأمر ليس كذلك، ولكنّني لم أكن أعلم ما هي القضيّة! وفي ذلك الوقت كنت أقول بين الرّفقاء إنّ الأمر ليس لأنّ المرحوم العلاّمة أصبح أفضل أو أقلّ؛ لا شيء من هذا القبيل! الآن نفهم أنّ تلك اللقاءات كانت من أجل الآن، كلّها كانت من أجل المستقبل!

  • عندما التقينا ببعضهم بعد رحيل سماحته، كان الكلام الذي قالوه لنا هو أنّ سماحته كان يقول: أنا نفسي حتّى الآن أحتار كيف أنّ الله ألقى محبّته في قلبي دون أيّ سبب، فأنا لم تكن لي به علاقةٌ ولا أيّ شيء، حتّى إنّني لم ألتقِ به لقاءً حضوريًّا ولو مرّة واحدة! فكيف وقعت محبّته في قلبي، أنا نفسي لا أعلم!

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

16
  • قلت: لا أعرف؛ فالموضوع أسمى من هذه الأمور! لا يأتي الوليّ أبدًا ليدعو أحدًا إلى نفسه، كلّ الأعمال التي يقوم بها هي في سياق تلك الوجهة. نحن لا نعلم ولا ندرك، سندرك بعد سنوات، بعد عشرات السّنين؛ ولكن للظّاهر صورةٌ وهذه الصّورة لها كيفيّةٌ ما. بناءً على ذلك، فإنّ الوجهة الكماليّة الوحيدة التي يمكننا أن نتصوّرها لأنفسنا هي معرفة ذات الله!

  • اختلاف مراتب الظّهورات رغم وحدة الأصل والمنشأ

  • «بِکَ‌ عَرَفتُکَ»؛ لقد عرفتك بواسطتك وبذاتك! لا بأسمائك وصفاتك؛ فالأسماء الإلهيّة لا توجب معرفة الذّات!».

  • الأمر كذلك بالنّسبة لكلّ ما هو دون الذّات؛ فهناك اختلافٌ بين هويّة العلم وهويّة القدرة، ليس فقط في المفهوم نفسه، بل في الهويّة أيضًا؛ وهناك اختلافٌ بين هويّة الرّزق وهويّة الموت. وكما نرى اختلافًا بين الهويّات في عالم الملك، فكذلك الأمر في المجرّدات. كلّ واحدةٍ من هذه هي مظهر لاسمٍ من الأسماء الإلهيّة، والاختلاف في ذلك المظهر أدّى إلى الاختلاف في الأشكال؛ فلو لم يكن هناك اختلافٌ هناك، وكان مجرّد اختلافٍ مفهوميّ ـ على حدّ تعبير الفلاسفة ـ فمن أين جاءت كلّ هذه الصّور المتعدّدة والنّقوش المتخالفة؟! إذا كان الاختلاف مفهوميًّا، فمن أين أتت هذه؟! ما لم يكن في العلّة جانبٌ من التّخالف، فلا يمكن أن تظهر في المعلول مظاهر مخالفة؛ مع أنّ كلّ جذورها ومنشئها هو ذلك الوجود البحت والبسيط والمجرّد!

  • «بِکَ‌ عَرَفتُکَ‌ و أنتَ‌ دَلَلتَنی عَلَیکَ»؛ أنت دللتني على نفسك وقلت: تعالوا إليّ!. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾۱؛ اذهبوا إلى الله ودعوا ما سواه!.

  • «دَعَوتَنی إلَیکَ، و لَولا أنتَ لَم أدرِ ما أنتَ»؛ فلو لم تكن أنت لما عرفت أبدًا من أنت!.

  • سبب عدم بيان حقائق التّوحيد

  • إذًا، يتّضح أنّ الإمام السّجّاد عليه السلام قد أدرك؛ ويمكن للإمام السّجّاد عليه السلام الآن أن يبيّن لنا الله كما هو، لأنّه ذهب وفني فيه وأصبح هو، والآن يعود. والآن إذ يعود، فأين الأذن الصّاغية؟! يقول الإمام عليه السلام: لقد أتعبت نفسي وذهبت إلى هناك، وأردت أن أعود وأبيّن، والآن أنت تتهرّب؟! أريد أن أقول: يا عزيزي، الله هنا! فيقول: لا، لا، لا!

    1. سورة الحج (٢٢)، الآية ٦٢

كيف تحصل المعرفة الحقيقيّة بالله؟ - لماذا يجب التسليم لأولياء الله تسليمًا مطلقًا؟

17
  • ـ الله هكذا!

  • ـ لا، لا تقل!

  • ـ الله كذا! 

  • ـ لا، لا تتحدّث عن الأمر أصلاً! ضع الله على الرّفّ هناك في الأعلى وانظر إليه من بعيد! لا تُنزله؛ فلو أنزلته لوقع زلزال، ماذا سيحدث لو أنزلت الله!

  • ـ يا عزيزي، الله أمام عينيك!

  • ـ لا، لا!

  • ـ فماذا إذن؟!

  • ـ لا تتكلّم أبدًا! تحدّث معنا إلى الحدّ الذي لا تضطرب فيه أوضاعنا! بمجرّد أن تبدأ أوضاعنا بالاضطراب، فاصمت! نحن نقول هذا للإمام السّجّاد عليه السلام!

  • فيقول الإمام عليه السلام: حسنًا!

  • يقول الإمام السّجّاد عليه السلام في تلك الأشعار:

  • إنِّي لَأکتُمُ مِن عِلمي جَواهِرَهُ***کَي لا یَرَى الحَقَّ ذو جَهلٍ فَيفتَتِنـا 
  • فَرُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أبوحُ بِهِ***لَقيلَ لي: أنتَ مِمَّن یَعبُدُ الوَثَنـا
  • يقول الإمام عليه السلام: لو أردت أن أفتح فمي وأتكلّم، لقالوا لي: أصلاً أنت عابد وثن!. لماذا يقولون: «أنت عابد وثن»؟! انظروا ماذا يقول الإمام عليه السلام! لقد قال الشّلمغاني شيئًا۱! لن أقول أكثر من هذا الآن.

  • خلاصة القول، لو أنّ الإمام السّجّاد عليه السلام جاء وبيّن حقيقة العالم، وحينها بدلاً من وثنٍ واحد، لأصبح العالم كلّه أوثانًا! ولكن الإمام السّجّاد عليه السلام لديه علمٌ ومعرفة، وبصيرته نافذة، وهو موحّد، ويضع كلّ وجودٍ في رتبته، ولا يخلط بين العوالم، ولا يلحظ الوحدة بدون الكثرة، ولا الكثرة بدون الوحدة؛ ولكن البقيّة ليسوا كذلك، فما إن تلمع شرارة، يصرخون ويستغيثون ويفسدون الأمر!

  • «لَولا أنتَ لَم أدرِ ما أنتَ! الحَمدُ لِلَّهِ الّذی أدعوهُ‌ فیُجیبُنی‌، و إن کُنتُ بَطیئًا حینَ یَدعونی!»

  • إن شاء الله نترك البقيّة لوقتٍ لاحق.

  •  

  • اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد

    1. بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٣٧٤.