5

إظهار الأولياء لله تعالى

لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

150
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/07

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

لماذا يتغيّر شعورنا تجاه الأولياء بين الحين والآخر؟ وما هو سرّ الكمال التوحيديّ الذي بلغه النبيّ يونس عليه السلام في بطن الحوت؟ كيف يختلف توحيد الأولياء عن الآخرين؟ ما علاقة السلوك بالعلم والجهل؟ ما هو سبب اللجوء إلى الله تعالى؟ تُجيب المحاضرة التالية التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، وتُبيّن معنى مظهريّة أولياء الله للحقّ تعالى، وأنّهم مرآة تعكس حقيقة بواطن الناس.

/۱٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • إظهار الأولياء لله تعالى

  • لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه؟ 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الخامسة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على أشرَفِ المُرسَلينَ

  • وخاتمِ النّبيينَ أبي‌‌القاسمِ محمّدٍ وعلى آلِهِ الطّيبينَ الطّاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائِهم أجمَعين

  •  

  •  

  • بيان معنى مظهريّة الحقّ تعالى

  • «إلهي لا تُؤَدِّبني‌ بعُقوبَتِك ولا تَمكر بي في حيلَتِك! مِن أينَ لِي الخَيرُ يا رَبِّ ولا يوجَدُ إلّا مِن عِندِك؟ ومِن أينَ لِي النَّجاةُ ولا تُستَطاعُ إلّا بِك؟ لا الَّذي أحسَنَ استَغنيٰ عَن عَونِك ورَحمَتِك، ولا الَّذي أساءَ وَاجْتَرَأ عَلَيك ولَم يرضِك خَرَجَ عَن قُدرَتِك!».۱

  • تختلف مظاهر الله تعالى من ناحية كيفيّة تعيّن الظهور، ولكنّ مرجعها كلّها إلى منشأ واحد؛ إذ ليس معنى المظهريّة سوى إظهار منشأ الظهور؛ فهي لا تملك أيّ شيء! المرآة لا تملك أيّ شيء من نفسها، بل تُظهر فقط الصورة التي تقابلها؛ فإذا كانت تلك الصورة قبيحة أظهرتها قبيحة، وإذا كانت جميلة أظهرتها جميلة.

  • يُقال: إنّ طفلاً كان يبكي، وقد حمله رجل ذميم وكان يرفعه ويُنزله، وهو يبكي باستمرار! فقيل له: «ضعه على الأرض، سيهدأ بنفسه! فهو يراك فيزداد بكاءً؛ وإذا تركته سيهدأ سريعًا وينتهي الأمر!».

  • رأى أحدُهم وجهه في المرآة، فرآه ذميمًا، فحمل المرآة وضربها، فكسرها، ثمّ قال: «ما هذا الذي تُظهره هذه المرآة؟! ما هذا؟!». قالوا له: «إنّها تُظهرك أنت، ولا يوجد فيها شيء من نفسها».

  • مرآة وجود أولياء الله، مُظهِرة ومُبيِّنة لباطن البشر

  • هناك رواية عجيبة جدًا عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، والمسألة ملفتة للنظر حقًّا: كان النبيّ الأكرم جالسًا، فمرّ شخص وقال: «يا رسول الله، كم أنت جميل وحسن!". فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «صدقت، الأمر كذلك!». وبعد مدّة، جاء منافق وقال: «كم أنت كريه!». فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «قولك صحيح!». فاعترض ذلك الشخص قائلاً: كيف قلت أمرين [مختلفين]؟! فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما معناه]:

  • أنا مُظهر، أنا أُظهر باطن كلّ فرد؛ جاء هو، فرأى نفسه فيّ.٢

  • هل لاحظتم أنّكم كنتم تذهبون أحيانًا إلى المرحوم العلاّمة، فترونه كم هو نورانيّ، وأحيانًا أخرى تذهبون، فلا ترونه نورانيًا جدًّا؟! هل حدث لكم هذا أم لا؟! ما أقوله قد حدث فعلاً! المرحوم العلاّمة لم يتغيّر، فلماذا كنّا نراه تارة هكذا، وتارة أخرى هكذا؟! ما كان السبب في ذلك؟ وجه ذلك هو أنّ وليّ الله قد وصل إلى مرتبة لم تعُد له فيها أيّة نفسانيّة!

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
    2. المثنويّ المعنويّ، الكتاب الأوّل:
      دید احمد را ابوجهل و بگفت***زشت نقشی کز بنی‌هاشم شکفت
      گفت احمد مر ورا که راستی***راست گفتی گرچه کار افزاستی
      دید صدّیقش بگفت: ای آفتاب***نی ز شرقی نی ز غربی خوش بتاب
      گفت احمد: راست گفتی ای عزیز***ای رهیده تو ز دنیای نه چیز
      حاضران گفتند: ای صدر الوری***راستگو گفتی دو ضدگو را چرا
      گفت: من آیینه‌ام مصقول دست***ترک و هندو در من آن بیند که هست
      يقول:رأى أبو جهل محمّدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: «يا لَقُبحِ نقشٍ قد نبتَ في بني هاشم!» قال أحمدُ له: «صدقتَ فيما قُلت، رغم ما في قولك من جفاء» ثم ّرآه الصدّيقُ فقال: «يا شمسًا لا هي شرقيةٌ ولا غربيّة، أشرقي ببهائك».قال أحمدُ: «صدقتَ أيّها العزيز، يا مَن نجوتَ من دنيا لا تساوي شيئًا» فقال الحاضرون: «يا سيّد الورى.. كيف نعتَّ بالصدقِ كِلا المتناقضَيْن؟» قال: "أنا مِرآةٌ صَقيلةٌ، يرى فيها التركيُّ والهنديُّ ما هو عليه حقًّا»

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

3
  • علّة تفضيل النفس على الآخرين وتوقّع المزيد منهم

  • كلّ واحد منّا الآن في مكانة ما ويملك نفسًا، وهذه النفس هي التي تُسبّب حجابًا بيننا وبين الآخرين؛ فأنا أمتلك خصائص وغرائز، ولديّ أفكار، وأذواق، وميول، وخصائص نفسانيّة؛ وهذه الخصائص التي أمتلكها تختلف عن الآخر، بحيث أنّني كلّما واجهت أمثالي، أضع جدارًا وستارًا بيني وبينهم. في بعض الأحيان، وبمقتضى ما في داخلي، أتوقّع بعض الأمور من الآخرين؛ فإذا علمتُ شيئًا لا يعلمه الآخر، أتوقّع منه أن يحترمني؛ فإن لم يحترمني، يُسيئني الأمرُ، وأقول: «يا سيّدي، لماذا لا تحترمني؟! أنا علمي كذا وكذا»، أو بمقتضى الجمال الذي أملكه ولا يملكه غيري، أتوقّع منهم أن يحترموني؛ فإن لم يحترموني أقول: «يا لهم من أناس!»، أو أتوقّع ذلك بمقتضى المكانة التي أمتلكها ولا يملكها الآخرون. هذه الأمور تعود إلى مجموعة من الأسباب والصفات التي كدّستها وادّخرتها في داخلي، وعلى ذلك الأساس، مددتُ جدارًا وحاجزًا بيني وبين الآخرين، فأصبحت أتوقّع منهم بعض الأمور.

  • أنا لي توقّع، وحسن له توقّع، وحسين له توقّع، فإذا تحقّقت تلك التوقّعات، حسنًا، سنكون جميعًا بخير وسعادة معًا، نتحدّث ونضحك ونجلس على مائدة واحدة؛ أمّا إذا لم تتحقّق تلك التوقّعات ـ وبحقّ لم تتحقّق ـ فعندها يا ويلتاه! حسنًا، علمُك أكثر، فليكُن، لماذا نأتي لنحترمك؟! حسنًا، والدك هو فلان؟ فليكن، لماذا نأتي لنحترمك؟! أيًّا كان أبوك.. لنفرض أنّ أباك كان من الفضلاء، وما شابه ذلك! أو أنّ مكانتك كذا، كأن تكون رئيس الجمهوريّة أو ملك البلاد، فلماذا الاحترام؟! حسنًا، غدًا سيعزلونك؛ فهذا ليس بالأمر الصعب!

  • يُقال: «لا تفخر بمالك فإنه رهن ليلة واحدة!»، حيث يأتي لصّ ويسرقه، فتصبح غدًا مثلنا! «ولا تفخر بجمالك فإنه رهن حمّى واحدة!»۱. وحينئذ، فإنّ هذا المال الذي هو رهن ليلة، وهذا الجمال الذي هو رهن حمّى، أيّ وجه تفضيل وترجيح لهما؟! هل آتي أنا الآن لأحترم أمرًا هو بمنزلة عارية؟! إنّه عارية.

  • يُقال: كان هناك بعض الذين يشترون السيّارات وغيرها لتغلو ثمّ يبيعونها، وقد صادف أنّ أحد الرفقاء كان يملك مبلغًا زهيدًا من المال، فقال: «لأستفد منه قليلاً». فذهب واشترى سيّارةً ليرتفع سعرها؛ وفجأةً، صادف الأمر صدور القرار رقم ٥٩٨،٢ فانخفض سعر السيّارة فجأةً؛ تأثّر هذا المسكين قليلاً لأنّه خسر نصف ماله، لكنّ بعضهم أُصيبوا بجلطةٍ دماغيّة! وبشكلٍ خطير! فذلك المال الذي يضيع بقرارٍ، ثمّ يعود، ويزداد بسبب حربٍ ونزاع، أيّ احترامٍ يجلبه في النهاية؟! حقًّا، في أيّ عوالم نعيش؟ وحقًّا، في أيّ أوهامٍ نحيا؟!

    1. أمثال وحكم (فارسي)، دهخدا، ج ۱، ص ٤٦٢.
    2. قرار مجلس الأمن القاضي بإنهاء الحرب بين إيران والعراق. المترجم

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

4
  • كان الحاج الميرزا حبيب الله الرشتيّ بطلاً حقًّا، وأمثاله ليسوا بكثير، لقد كان رجلاً عظيمًا جدًّا! كان يقول: «عندما رحل الشيخ [الأنصاريّ]، أعطاني علمَه، وأعطى الرئاسة للميرزا، وأمّا تقواه فقد أخذها معه».۱ لكن، في أواخر عمره، كان عندما يكتب اسمه، ينسى هل هو الذي كتبه أم شخصٌ آخر!

  • وهذا كلّه لأنّ الله يُظهر نفسه ويقول: يا عبدي، إنّ هذه الصفات الموجودة في الدّنيا كلّها لي! أنا الذي أعطي وأنا الذي آخذ! فلو كانت لك، حسنًا، اذهب وأمسك بها ولا تدعها تذهب! ولو كان هذا الجمال لك، فاحتفظ به! ولو كان هذا المال مالك، فاحتفظ به! لماذا لا تستطيع أن تحتفظ به؟! لماذا لا تستطيع أن تحتفظ بهذا العلم؟! لماذا لا تستطيع أن تحتفظ بهذه القوّة؟! حسنًا، احتفظ بها إذن! ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾٢؛ إنّه هو القائل: يا عبدي، أنا الذي أمنح العمر، وأنا الذي أنكّسه وأسلبه!

  • اختلاف التوحيد الحقيقيّ لأولياء الله والتوحيد المجازيّ الكاذب لسائر الأفراد

  • كلّنا نعيش في هذه الأوهام! هؤلاء مظاهر، أي: لا يملكون من أنفسهم شيئًا؛ المَظهر يعني الشيء الذي لا يملك من نفسه شيئًا! كلّما فتّش في داخله لا يجد شيئًا.. لا شيء! هذا يصبح مظهرًا، والمظهر مختلف.

  • ذلك الشخص الذي يخرج من هذه النفسانيّات ويصفو قلبه، لا يعود يرى ذلك العلم وتلك القدرة التي فيه من نفسه؛ لا أنّه [يرى ذلك] عن تفكير وتعبّد، بل يراه وجدانًا وحقيقة! نحن نمزح ونكذب، وحقيقةً نكذب! فلو جاء أحدهم وقال لنا: «أيّها الجاهل، أنت لا تفقه شيئًا!»، لسعينا لكي نضربه ضربًا يطرحه أرضًا! فيقول: «عجبًا، ألم تقل أنت بنفسك: "إنّه ليس لي شيء من نفسي"، فلماذا ساءك الأمر الآن؟!». من الواضح أنّنا نكذب! أمّا الإمام عليه السلام حين يقول: «أنا لا أملك من نفسي شيئًا!» فهو يقول ذلك صدقًا. ولو جاء أحدهم وقال له: «أنت لا تملك من نفسك شيئًا»، لقال: «بارك الله فيك، بارك الله فيك!»، بل وقبّل وجهه وقال: «أحسنت، كنت أريد أن أقول لك هذا، كنت أريد أن أُفهمك هذا!».

    1. مطلع أنوار (فارسي)، ج ٣، ص ٣٣٥ و٣٣٦؛ نقلاً عن مجلّة الحوزة، الذكرى المائة لوفاة الميرزا الشيرازيّ، لقاء مع حفيده آية الله السيّد رضيّ الشيرازيّ.
    2. سورة يس، الآية ٦۸.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

5
  • ورد في رواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام جاء، وأنجز عملاً لشخص ما، فقال هذا الشخص بعدئذٍ: «لا تظنّن أنّ الأمر لك؛ أنت لم تفعل شيئًا، الله هو الذي فعل!». فقال أمير المؤمنين [ما معناه]: «موحِّدٌ وَاللهِ؛ هذا موحِّد!».

  • فلم يسُأ الإمام قولُه «أنت لم تفعل» وأمثال ذلك؛ بل كان يقول: أنا جئتُ لأعلّمكم التوحيد، فما بالكم تنسبون الأمور إلى أنفسكم؟! ما بالكم جئتم ورفعتم الإمام الحسين عليه السلام عَلَمًا في مقابل الله؟! ما بالكم جئتم ورفعتم الولاية عَلَمًا في مقابل التوحيد؟! ما بالكم قلتم: «لأنّ أيدينا لا تصل إلى الله، فلنتمسّك بذيل عليّ عليه السلام»؟! هذا كلّه كفر! والله إنّ هذا كلّه كفر وشرك! إنّهم بريئون من هذه الأقوال!

  • عندما يصل الوليّ إلى مقام الولاية، لا تعود ولايته تختلف عن ولاية الله؛ إنّ الله عليمٌ، إنّه عليمٌ، إنّ الله قادرٌ، إنّه قادرٌ، إنّ الله حيٌّ، إنّه حيٌّ. لا أن نقول: «إنّ الله قادرٌ»، فتكون لهذا الوليّ أيضًا قدرة في مقابل قدرته تعالى، فيقول: «أنا لي مكانتي أيضًا، أنا رجلٌ!». عندما يصل الوليّ إلى مقام الولاية، يصل إلى مقام الصفريّة، إلى مقام الصفر! أمّا نحن، فلا، نحن ألف ونحن مليون!

  • على حدّ قول السيّد الحدّاد رحمه الله الذي كان يقول: 

  • الجميع عندما يذهبون إلى حرم الأئمّة عليهم السلام، يقولون دائمًا: «اللهمّ زدنا، واملأ كيسنا باستمرار!». لا، عندما تذهبون إلى هناك يجب أن تقولوا: «أفرغ كيسنا!».۱ 

  • أنزلنا من المليون إلى الألف، ثم إلى تسعمائة وتسعة وتسعين، وهكذا أنزلنا؛ عندما نصبح صفرًا، حينها يصلح الأمر! ولكنّنا لا [نفعل ذلك]، فمقامنا عالٍ جدًا! مقامنا منيع جدًا ولا ينزل بهذه الأمور!

  • حالة الأبوّة والشفقة الأبويّة لأولياء الله تجاه جميع البشر

  • عندما يصل هذا الوليّ إلى مقام الولاية، لا يعود هناك جدار بينه وبين الآخرين.. لا سدّ، ولا حاجز، فلا يعود يرى نفسه اثنين مع الآخرين، حتّى مع الكافر! أقسم بالله الذي لا شريك له، إنّ رحمة رسول الله صلّى الله عليه وآله تجاه المؤمنين لا تختلف عن رحمته تجاه الكافرين بمقدار رأس إبرة! لو كان هناك اختلاف، فلماذا سعى وراءهم كلّ هذا السعي ليجعلهم مسلمين؟! ألم يكونوا كفّارًا؟! عندما يصل الوليّ إلى مقام الولاية، يرى جميع الأفراد عياله.. عياله هو؛ أي: لا يختلف الأمر شيئًا! وبقدر ما يحترق قلبه على ولده، يحترق قلبه على الآخر؛ أي يشعر بالأبوّة، وهو ما يقوله النبيّ صلّى الله عليه وآله: «أنا وعليٌّ أبوا هذه الأمّة».٢ 

    1. راجع: الروح المجرّد، ص ٢٦٩.
    2. مناقب آل أبي ‌طالب عليهم السّلام، ج ٣، ص ١٠٥.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

6
  • سبب الشعور بالرضا أو السوء تجاه أولياء الله

  • كان الحديث عن أنّه: عندما يصل هذا الوليّ إلى مقام الولاية، لا يعود يحسب حسابًا لعلمه، ولا يحسب حسابًا لقدرته؛ وحينما لا يحسب حسابًا، يُصبح مرآة؛ وعندما يصبح مرآة، ينظر الأفراد إلى أنفسهم فيها، فيراه أحدهم، فيعجبه ويقول: «يا له من سيّد صالح! كلّما رأيت هذا السيّد في مشهد، انتابتني حالة من البهجة والسرور!». ويأتي آخر، فيرى أشياء أخرى ومسائل أخرى، حيث يرى نفسه فيه. فلأنّ ذاك صافٍ، فإنّه رأى نفسه في هذا السيّد، وبما أنّ الآخر مكَدَّر، فإنّه رأى نفسه فيه.. لا فرق أبدًا!

  • فهذا أمر يرجع إليه هو، وليس إلينا! ولكن، توجد مسألة هنا، وهي أنّ هذه القضيّة هي قضيّة خاضعة للتشكيك [أي للشدّة والضعف]؛ أي: بقدر ما يخطو الإنسان نحو الصفاء، ﴿يَعرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُم﴾۱؛ أي أنّه: بقدر ما يخطو الإنسان نحو الأمام، عندما ينظر إلى شخص يفهم؛ فينظر إلى أحدهم، فيعجبه، وينظر إلى آخر، فيسوءه، حيث يرى أنّ هناك سنخيّة بينه وبين الأوّل فيعجبه، ولا توجد سنخيّة بينه وبين الثاني فيسوءه؛ مع أنّه لم يتحدّث معه بعد، ولا يوجد بينهما أي شيء! إذ بمجرّد أن تتواصل هذه النفس مع تلك النفس، إمّا أن تسوأها أو تعجبها.

  • جاء شخص إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال: «أيّها النبيّ، كم أنت جميل وحسن! يا رسول الله، كم أنت جليل!». وجاء ذاك الآخر وقال: «يا رسول الله، كم أنت قبيح!». كان هو نفسه قبيحًا ومكدّرًا، نظر إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فلم يستطع أن يرى صفاءه، بل رأى نفسه؛ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لديه صفاء، ولكنّ ذاك مكدَّر ولا يستطيع أن يرى الصفاء؛ وعندما لا يستطيع أن يرى مَن هو مِن جنسه، يتضايق؛ حينها، لا يستطيع أن يقول: «أنا سيّئ»، فيقول: «أنت سيّئ!».

  • الحقيقة والذات الواحدة لجميع تعيّنات الوجود ومظاهره

  • لهذا، فإنّ مظاهر الله في هذه الحالة ليست شيئًا سوى منشأ الظهور نفسه؛ والآن، نأتي نحن لنخلق استقلالاً لهذه المظاهر! فالمَظهر ـ من ناحية أصل الوجود نفسه وطبيعته ـ ليس إلاّ آثار تلك الذات التي تعيّنت واتخذت هذه الكيفيّة. إنّ تمام هذه الأعراض والتوابع واللوازم التي للوجود نفسه، كلّها نحوٌ من الوجود، وكلّها من آثار تلك الذات التي تعيّنت واتخذت هذه الكيفيّة، وإلّا فمن أين أتى هذا الأثر وهذه الخصوصيّة؟!

    1. سورة الأعراف، الآية ٤٦.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

7
  • وخلافًا لما يُقال، فإنّ طبيعة الوجود لا تقتضي أن يعود أصل حقيقة هذا الوجود إليه، بينما لا تعود طبيعة ماهيّته إليه! فهل التطوّر في الوجود نفسه نحوٌ من أنحاء الوجود أم لا؟! وهل الحركة في الوجود نفسه نحوٌ من أنحاء الوجود أم لا؟!

  • وهل تَشكُّلُ الوجود وتعيّنه هو بنفسه نحوٌ من أنحاء الوجود أم لا؟! فإن لم يكن كذلك، فلماذا يوجد تفاوتٌ بينها [أي بين هذه التعيّنات]؟! ومن أين أتى هذا الاختلاف؟! لماذا أصبح هذا أبيض وذاك أسود؟! ولماذا صار ذاك حامضًا وهذا حلوًا؟! إذًا، بدلاً من الحلو، ضع الحامض، وبدلاً من أن تضع السكّر في الماء، ضع عصير الليمون! يا عزيزي، إنّ أصل الوجود لا يختلف، وتطوّره هو الماهيّة، والماهيّة من الأعدام، وكلّ هذه أمورٌ عدميّة؛ وبناءً على ذلك، فكلّ هذا لا شيء؛ ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾۱! أنا لا أقصد من ذلك مذهب العدميّة وهذه الأقاويل التي ظهرت! بل مرادي هو: سوى تلك الذّات، فإنّ جميع هذه الأعراض، وجميع هذه التّوابع، وجميع اللوازم القائمة بالوجود نفسه، وكلّها نحوٌ من أنحاء الوجود، وكلّها من آثار تلك الذّات التي تعيّنت واتّخذت هذه الكيفيّة! وإلّا، فمن أين أتى هذا الأثر وهذه الخصوصيّة؟! ومن أين أتى هذا السكّر بحلاوته، وهذا الليمون بحموضته؟! لقد اجتمع الماء والريح والمطر والتراب و ... ليتحوّل هذا إلى حموضة، واجتمعت كلّها ليتحوّل هذا إلى حلاوة، واجتمعت كلّها لتتحوّل إلى مرارة، وهي نفسها اجتمعت، لتتحوّل إلى جمال، وهي نفسها اجتمعت لتتحوّل إلى قبح، وهي نفسها اجتمعت، لتتحوّل إلى سواد، وهي نفسها اجتمعت، لتتحوّل إلى بياض؛ إذن، كلّ هذه الأمور لها منشأٌ واحد، وأصل جميع هذه التطوّرات والحركات والتعيّنات والظواهر ـ التي نراها ونشعر بها ـ ذاتٌ بحتةٌ بسيطة، وتلك الذّات البحتة البسيطة هي الحقيقة المجرّدة نفسها التي اتّخذت ـ حين نزولها في هذه المرايا والمنازل ـ هذه الأشكال المختلفة!

  • رؤية المظاهر مستقلّةً، سبب طرد الشيطان

  • وحينئذ، إذا اعتبرنا لهذه المظاهر استقلالاً، فمعنى ذلك أن نضع أحدها فوق، والآخر تحت. لماذا طُرد الشيطان؟! لأنّه قارن، وقال: ﴿خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُۥ مِن طِينٍ﴾٢؛ أي أنّ قيمة الطين أدنى وقيمة النار أعلى! لكن، في النهاية، ما الفرق بين الطين والنار؟! هل أتى الطين بطينيّته من غير الله، وهل أتت النار بناريّتها من غير الله! من أين أتيا بهذه الأمور؟! هل أنت تقارن؟! أنت تفتح لنفسك حسابًا في مقابله تعالى؛ بينما تلك الحقيقة الوحدانيّة موجودة في جميع هذه المظاهر، سواء رأينا ذلك أم لم نرَه! فرؤيتُنا وعدمُ رؤيتنا لا تؤثّر في نفس الأمر والواقع! لأنّ ذلك الواقع قائم بواقعيّته.

    1. سورة النور، الآية ٣٩.
    2. سورة الأعراف، الآية ۱٢.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

8
  • حقيقة السلوك تعني رفع الجهل

  • نعم، إذا رُفع الحجاب نرى؛ وإذا لم يُرفع الحجاب، نبقى أسرى الجهل، وعلينا أن نضرب على رؤوسنا باستمرار حتّى يزول هذا الحجاب، وعلينا أن نصلّي باستمرار حتّى يزول! كلّ الحركة والسير والسلوك هي فقط من أجل أن يُرفع هذا الجهل من البين! فلا فرق بين العارف والجاهل إلاّ في الجهل! ذاك جاهل وهذا عارف، ذاك يعلم أنّ كلّ شيء بيده تعالى، وهذا لا يعلم، أو إذا كان يرى أنّ كلّ شيء بيده تعالى، فهو يعلم ذلك مجرّد علم، وقرأه في كتاب فقط، لكنّه لا يرى ذلك حقيقةً؛ لأنّ نفسه لم تتحوّل ولم تتغيّر؛ ولهذا، نجده يتبدّل بمنام، ويتراجع بسبب كلمة واحدة، ويتغيّر بمسألة!

  • السيّد جمال الكلبايكاني رحمه الله كان من الأعاظم والأولياء، وكان رجلاً عظيمًا ومتحرّرًا. كان للمرحوم العلاّمة رفيق اسمه السيّد عبد الله الفاطميّ الشيرازيّ ـ رحمه الله ـ كان من أهل الحال، وقد بقي في عالم الصورة. وقد توفي ودُفن في تلك المقبرة القديمة في شيراز. ذات يوم في النجف، قال له السيّد جمال:

  • يا فلان، في ليلة النصف من شعبان، لا أستطيع أن آتي لزيارة سيّد الشهداء عليه السلام؛ فتعال وخذ هذين الدينارين، واذهب أنت للزيارة نيابة عنّي، ولي سؤال واحد، فخذ جوابه، وأرسله لي برقيًّا!

  • قال: «حسنًا جدًّا.. حاضر!». أخذ الدينارين ووضعهما في جيبه وقال: «يا عليّ!». انطلق وجاء إلى كربلاء. يوجد حمّام في المخيّم [الحسينيّ]، اغتسل هناك ثم تشرّف بالذهاب إلى بالحرم. خلع السيّد عبد الله ملابسه ودخل الحمّام؛ كانت له أحوال طيّبة، فقال: 

  • عندما دخلت إلى ذلك الحوض لأغتسل، رأيت الحوض يقول بأجمعه: «يا هو!». كما أنّا الماء الذي كنت أغترفه لكي أصُبّه كان يقول بأجمعه: «يا هو!». وعندما كنت أغترفه مرّة أخرى، كان ذلك الماء يقول: «يا هو!». وهكذا أُصبتُ بالدوار! خرجت، وما إن هممت بوضع قدمي خارجًا، حتّى رأيت الحجر عند باب الحوض يقول: «يا هو!». نهضت، وخرجت لألبس ثيابي، فرأيتها تقول: «يا هو!». لبست الثياب وجئت إلى الحرم؛ وخلاصة القول، مازحتُ الإمام الحسين عليه السلام هناك و.... خلاصة القول، جاء الإمام وقال لي هناك: «اذهب وقل له: إنّنا قضينا حاجتك!». 

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

9
  • وباختصار، أدّيت الزيارة وقفلت راجعًا. وفي الغد، رأيت السيّد جمال في الشارع، وما إن وصلتُ عنده حتّى قال لي: «وصلني [الجواب]، فلا داعي لأن تقوله، لقد وصل الجواب قبل أن تقوله أنت».۱

  • والآن، هل كان يُدرك السيّد عبد الله عبارة «يا هو» كذبًا، أم كان يرى ذلك حقًّا؟! أيُّ الاحتمالين هو الواقع؟! إمّا أن نقول إنّ هذا السيّد قد تملّكه الهذيان، أو أنّ في ذهنه محض خيالات؛ وحينها، يتوجّب علينا طيّ هذه الملفّ، والذهاب لحال سبيلنا؛ لأنّ المفروض أنّ هذه الأمور ليست إلاّ أوهامًا! وإمّا أنّها حقيقة؛ لأنّ لها نظائر كثيرة، فالأمر ليس مجرد حادثة أو حادثتين!

  • موسِئى نيست كه دعوى «أنا الحق» شنود***ور نه اين زمزمه اندر شجرى نيست كه نيست ٢
  • يقول: 

  • ليس هناك من موسى ليسمع نداء «أنا الحقّ» *** وإلاّ فما من شجرة إلاّ وهي مترنّمة بهذه النغمة

  • إنّها حقيقةٌ واقعة! وحينما يقول أحدهم: «أنا لا أرى شيئًا»؛ حسنًا، وماذا أفعلُ لك إن كنتَ لا ترى؟! تعالَ إذن لكي ترى! فهذا السير والسلوك وهذه التعاليم قد وُضعت كي يبصر الإنسانُ! لقد ذهب الأعاظمُ ورأوا بأعينهم، ثمّ قالوا: «إنّ الأمر صحيحٌ»؛ بينما أقفُ أنا هنا وأقول: «كلّا، هذا غير ممكنٍ!». إذًا، ما حقيقةُ كلّ هذه المسائل التي ظهرت، وهذه الأمور التي وقعت بالفعل؟!

  • سبب وحشة الأفراد من سماع الكلمات التّوحيديّة السامية لأولياء الله

  • هؤلاء الذين جاؤوا وسدّوا الطّريق، وصدّوا عن سبيل الله، ويتفوّهون بالكلام السيّئ والبذيء بحقّ أهل الذوق، ما سبب كلّ هذا؟! فهم لا يسلكون الطريق بأنفسهم، ولا يتركون من يُريد أن يسلكه وشأنه! لقد نقل لي أحد الرفقاء السابقين للمرحوم العلاّمة الحادثة التالية مرّتين أو ثلاثًا، فقال:

  • عندما كان المرحوم السيّد الحدّاد قد تشرّف بزيارة إيران، كنتُ جالسًا لديه ذات يومٍ في منزل الأحمديّة الذي كان يرتاده مختلف النّاس لرؤيته، وكان هناك رجلان ـ وقد ذكر المرحوم العلاّمة اسم أحدهما كنايةً في كتاب «الرّوح المجرّد» ـ كان أحدهما يصبّ الشّاي والآخر يقدّمه، وكلاهما كانا معمّمين. وكان السيّد الحدّاد يتحدّث ويُبيّن مسائل توحيديّة، فأصبح الموضوع دقيقًا ورقيقًا بعض الشيء. وفجأةً، وقف الرجل الذي كان يُقدّم الشاي في حالةٍ وكأنّه يتساءل: ما الأمر! وكذلك تجمّد الرجل الآخر الذي كان يصبّ الشاي والإبريق في يده! ثمّ التفت إليّ [السيّد الحدّاد] وأنا جالسٌ، وقال: «ماذا أفعل مع هؤلاء؟! نريد أن نتقدّم بهم، ونستمرّ في التقدّم؛ ولكن، عندما نصل إلى الحدّ الذي يوشكون فيه أن يبلغوا حرارة العشق ويحترقوا، ويُصبح الأمر ثقيلاً عليهم بعض الشيء، يستوحشون فجأةً؛ فلا هم يتقدّمون ولا هم يتأخّرون!».

    1. مطلع الأنوار (فارسي)، ج ٢، ص ٤٢١
    2. ديوان الحكيم السبزواريّ (أسرار)، الغزليّات، ص ۷۱.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

10
  • يقول سماحته: «لا هم يذهبون ويتركوننا، ولا هم يأتون!» حسنًا، ونحن أيضًا لا يُمكننا أن نختصر الأمر دائمًا ـ وهذا كلامي أنا، هو لم يقله ـ بمجالس العزاء وزيارة أبي عبد الله عليه السلام! فماذا ستكون نهاية الأمر إذًا؟!

  • ثمّ تبسّم سماحته، فقال هذا الشّخص [الراوي]: يا سيّد، رحم الله المرحوم الشيخ الأنصاريّ! فقد كان يقول: «هؤلاء الأفراد كحمام الحرم؛ فحمام الحرم حرٌّ ومرتاح، ولا أحد يتعرّض له، يأتي ويلتقط حبّه ثمّ يذهب!».

  • فقال سماحته ثلاث مرّات: رحمة الله عليه، رحمة الله عليه، رحمة الله عليه! نعم، الأمر كذلك!

  • لزوم التغيير والتبدّل الجوهريّ لذات الإنسان من أجل دخول حريم القدس

  • الموحّد هو هذا، والعارف يُقال للشخص الذي حصل تغيير وتبدّل جوهريّ في ذاته؛ لا أن أبقى جالسًا هنا، وأقول بواسطة التفكير الذي أمتلكه: «إنّ العارف يفكّر هكذا!». أنا الآن بهذه الأفكار التي لديّ أقول: «إنّ الوليّ يفكّر هكذا»؛ في حين أنّني لا أستطيع أن أقول هذا الكلام أبدًا؛ لأنني لم أتحوّل، وكلّ ما أريد أن أقوله يُشبه أن يأتي صبيّ في الثامنة من عمره ليشرح لذّة الزواج لشخص في العشرين من عمره ومتزوّج! إنّكم تضحكون عليه! لماذا لا فائدة من هذا أبدًا؟ لأنّ النفس لم تتبدّل بعد؛ وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة البلوغ؛ حينها، تتبدّل النفس وتتغيّر؛ وفي ذلك الوقت، يبدأ يفهم، ويقول: «أجل، هذا الشيء الذي كانوا يقولونه لي، الآن بدأت أفهمه شيئًا فشيئًا، لم أكن أفهمه حتّى الآن!». والفرقُ بيننا وبين العارف والوليّ هو هذا بعينه؛ فكلّ ما نقوله نحن لا يتجاوز حدود أذهاننا؛ وبالطبع، نحن مكلّفون بحدود هذا الذهن فحسب، وأمّا هو، فقد تغيّر كِيانه وأصبح يشعر بشيءٍ لا نشعر به نحن أبدًا. إنّنا لا نستطيع إدراك معنى نزول نور الوجود على المرايا والمظاهر المختلفة، اللهمّ إلاّ إذا حصل لنا تغيير.

  • تشريع التكاليف الإلهيّة لتغيير وتبديل وجود الحقّ تعالى النازل

  • كلّ التكاليف والأوامر والنواهي والتشريعات هي لأجل لهذا الغرض! ذاك الذي يشرّع، لماذا يشرّع؟ إنّه يُشرّع لوجوده النازل هو؛ أي لأجل أن يرجع هذا الوجود الذي نزل الآن منه؛ وهكذا يعود وينضج، ثم يرى أنّه: يا للعجب، لقد كان هذا هو ذاك! هل تذكرون قصّة السيمرغ۱ للعطّار؟ فليس الأمر بأن يخلق الله تعالى وجودًا، ويضعه أمام الإنسان، ويقول له: «الآن، اذهب وصلِّ، والآن، اذهب وافعل ما تشاء!»، أو أن يكون قد أعطاه اختيارًا مستقلاًّ عنه، أو منحه قدرةً منفصلة عنه، أو علمًا مستقلاً عنه، ثمّ يقول له: «حسنًا، لقد أعطيتُك الآن قطعةً وحفنةً من القدرة والعلم و...»، أو يقول: «لقد زدتُ هذا قليلاً، ورفعتُ استعداد شخصٍ ما مثل ابن سينا، وجعلتُ استعداد شخص آخر ضعيفًا، وهكذا قسّمتُ هذه الأمور واحدًا تلو الآخر في هذا العالم ؛ فأعطيتُ هذا نصيبًا من الجمال، وذاك نصيبًا من الكمال، وهذا نصيبًا من العلم والقدرة...، وأعطيتُ هذا أيضًا القليل»؛ تمامًا كما لو أنّ أبًا يجمع أبناءه، ويُعطي كل واحد منهم كيسًا من المال، فيعطي أحدهم مليونًا، والآخر مليونين، والثالث ثلاثة ملايين، ويقول: «هذا هو رأس المال، والآن قوموا واذهبوا لتعملوا، فالأمر لم يعُد يعنيني؛ إن ربحتم فلأنفسكم وإن خسرتم فعلى أنفسكم!». هل الأمر كذلك؟! لا يا سيّدي! ما معنى «أعطيتكم، فاذهبوا لشأنكم»؟! كلاّ، بل هو سبحانه قد نزل مع هذا [العطاء]؛ وليس الأمر: إنّني أعطيتكم وانتهى الأمر، فأنتم أعلم بحالكم!

    1. "سيمرغ" باللغة الفارسيّة تعني: ثلاثون طائرًا. وفي هذه القصّة، يتحدّث العارف الكبير فريد الدين العطّار عن مجموعة من الطيور أرادت الالتقاء بطائر خرافيّ اسمه (سيمرغ) يقطن بجبل قاف، فشدّوا الرحيل؛ لكن، في الأثناء، بدأت الطيور تتوقّف في الطريق، إلى أن وصل منها إلى جبل قاف ثلاثون طائرًا، فاكتشفوا حينئذ أنّ عددهم ثلاثون؛ ممّا يعني أنّ الوصول إلى طائر السيمرغ يعني الوصول إلى حقيقة ذاتهم. المترجم

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

11
  • ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلعَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾﴿وَمَن أَرَادَ ٱلأٓخِرَةَ...﴾۱. ثمّ يقول في هذه الآية: ﴿كُلاً نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِن عَطَآءِ رَبِّكَ﴾٢﴿كُلاً نُّمِدُّ﴾؛ أي أنّ كلا الفريقين من إمدادنا، ونحن الذين نمدّ ﴿هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِن عَطَآءِ رَبِّكَ﴾؛ أي: أنت الذي تصير إلى جهنّم، إنّما تذهب إليها بعطائنا؛ وأنت الذي تصير إلى الجنّة، إنّما ذلك من عطائي؛ فلولا عطائي لما صرتَ جهنّميًا، ولولا عطائي لما صرت من أهل الجنّة!

  • ففي نهاية المطاف، بأيّ لسان عساه تعالى أن يتكلّم؟!

  • فهذه آية؛ لكن، انظروا إلى الآية الأخرى، وهي من الآيات التي يقول عنها المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه: «حينما يصل الإنسان إلى هذه الآية يُصاب بدنه بالارتعاش!»: ﴿وَإِذَآ أَرَدنَآ أَن نُّهلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُترَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾٣؛ أي: حينما نريد أن نهلك قرية (حسنًا، أولئك أناس طيّبون، فلا شأن لنا بهم)، نأتي إلى مترفيها. ﴿أَمَرنَا﴾؛ أي: نأمرهم. ﴿فَفَسَقُواْ﴾؛ أي: فيعصون!

  • فليس الأمر أنّنا نأمر الصالح والطالح على حدّ سواء؛ بل إنّ أمرنا يتعلّق بالمُترفین: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾؛ أي: نأمر المترفين بأن يرتكبوا المعاصي! ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾؛ أي: عندما نريد نحن فِعل ذلك الأمر، فإنّنا نذهب ونقوم به!

  • عندما يريد اللصّ أن يسطو على دارٍ ما، يأتي أوّلاً ليقطع سلك الهاتف ويُطفئ المصابيح؛ لأنّه ينوي السرقة، وقد وقعت القرعة على منزل ذلك المسكين! ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ﴾؛ فعندما تتعلّق إرادتنا بذلك، نذهب، ونقطع سلك الهاتف، ونقطع الكهرباء، ونقطع الماء، ونُحطّم جميع النوافذ والزجاج، ثمّ نسطو على الدار! كلّ هذا لكي يقول لنا الحقّ: «يا عبدي، أنت الذي تمثّل وجودي النازل [تجلّي وجودي]، لا تفتخر بنفسك ولا تغترّ!»

  • سبب وجوب الالتجاء والإنابة إلى الله تعالى

  • الله لا يقول كلامًا عبثًا! بل إنّ هذه الأمور لكي يقول: «إنّك عبارة عن وجودي النازل؛ فالآن، وبعد أن فهمتَ أنّني هكذا، فخُرّ باكيًا متضرّعًا، وتعال، وارفع يديك بالدعاء حتّى آتي أنا بنفسي وآخذ هذا الوجود النازل منّي، وأربّيه وأصلحه!». الله لا يقول مجازًا! أقسمُ بألوهيّة الله نفسِه، إنّ جناح بعوضةٍ لا يرفّ بغير إرادته وإِذنه! لقد قال هذا الكلام لنا نحن البشر: على الرغم من أنّ وجودك ليس وجودًا مستقلاًّ، وقدرتك ليست قدرةً مستقلّة، «فقدرتُك هي قدرتي، واختيارُك هو اختياري»؛ ولكنّ وجودي المستقلّ هذا قد منحك اختيارًا ـ وهو اختياري ـ، فماذا عساك أن تفعل الآن وأنت في مقام الجهل، ونفسُك لم تتغيّر بعد، ولا تعلم ما القرار الذي اتّخذه الله بشأنك؟

    1. سورة الإسراء، الآيتان ۱۸ و۱٩.
    2. سورة الإسراء، الآية ٢۰.
    3. سورة الإسراء، الآية ۱٦.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

12
  • لو كنّا نعلم ما القرار الذي اتّخذه الله بشأننا، لذهب كلٌّ منّا إلى حال سبيله! ولكنّنا لا نعلم، فربّما قضى الله تعالى بأن يوصلنا إلى الكمال! فالصادق المصدّق «صلّى الله عليه وآله» لم يقل لكم: «إنّكم لن تبلغوا الكمال أبدًا، فلا تضيّعوا أوقاتكم هنا سدًى!». نعم، عندما نمضي، ونصل إلى أيّة مرحلة، سينكشف لنا الأمر؛ وهكذا مع كلّ كشفٍ لاحق، يتجلّى لنا أنّ تقدير الله وقسمته لنا كانا على هذا النحو. ولكن، ما دامت الحقيقة لم تنكشف بعد، ونحن نرى أنفسنا الآن في وعاء الاختيار هذا، فماذا عسانا أن نفعل؟ حسنًا، نحن ندرك ونشعر، وبمقتضى هذا الشعور يأتي التشريع!

  • إذًا، فكلٌّ من التشريع، والأمر، والنهي، والعدل، والظلم، وغيرها... كلّ هذه إنّما هي في مقام الظهور؛ أمّا في مقام الذات نفسها، فلا معنى للعدل والظلم بتاتًا! فهل يُمكن القول: إنّ الله يعدل مع نفسه؟! هذا لا معنى له! وهل تعدل أنت مع نفسك؟! وهل تظلم نفسك؟! فلا معنى لأن تظلم الذاتُ ذاتَها، ولا معنى لأن تعدل الذاتُ مع ذاتها، ولا معنى لأن ترحم الذاتُ ذاتَها! كلّ هذه الأمور هي من شؤون مقام الظهور؛ أي: عندما تتنزّل الذات في المظاهر، عندها يظهر العدل، ويظهر الظلم، وتظهر الرحمة، ويظهر الرزق. طبعًا، العلم ليس كذلك، فالعلم يختلف. ففي الأساس، كلّ هذه الأمور إنّما هي متعلّقة بالمَظهَر وبمقام الظهور.

  • معنى سريان النور في جميع شوائب الوجود في العالم

  • بناءً على ذلك، فإنّ النتيجة التي نستخلصها من المواضيع السابقة، وإن شاء الله نختم بها هذا البحث، هي أنّ الإمام السجّاد عليه السلام عندما يقول: «مِن أينَ لِي النَّجاةُ ولا تُستَطاعُ إلّا بِك؟! لا الَّذي أحسَنَ، استَغنى عَن عَونِك ورَحمَتِك؛ ولا الَّذي أساءَ واجتَرَأ عَلَيك ولَم يُرضِك، خَرَجَ عَن قُدرَتِك!»، فإنّ معنى «خَرَجَ عَن قُدرَتِك» ليس أنّ يدك فوقه، وأنّ يدك فوق رأسه، مثل القطّ الذي يده فوق رأس الفأر، فهو أيضًا لم يخرج عن قدرة الله والله سيُمسكه؛ بل يعني أنّ هذا الذنب الذي ارتكبه، إنّما ارتكبه بقدرتك ولم يخرج عن قدرتك.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

13
  • حسنًا، هذا الذنب الذي ارتكبناه، بأيّة قدرة ارتكبناه؟! فعلى فرض أنّنا لن نخرج من يد الله (وسلطانه)؛ ولكن، هذه المعصية التي أقترفها الآن، بأيّة قدرةٍ أقوم بها؟! ومن أين أتيتُ بهذه القدرة؟! أليس من هذا الخبز والماء الذي أكلتُ وشربتُ؟! وهذا الخبز والماء من أين استمدّا القدرة؟! في نهاية المطاف، هذه القدرة هي وجود، وهذا العلم هو وجود، وهذا الفكر هو وجود؛ وكلّها أنحاءٌ من الوجود. «خَرَجَ عَن قُدْرَتِكَ» تعني هذه المسألة! وهذا أيضًا ما تعنيه عبارة «يا نورًا بَعدَ كلِّ نورٍ، يا نورًا فَوقَ كلِّ نورٍ، يا نورًا لَيسَ كمِثلِهِ نورٌ!»،۱ التي وردت في دعاء الجوشن، حيث يسري ذلك النور في جميع شوائب الوجود في عالم الوجود، بحيث لا تخرج هذه الشوائب وهذه المظاهر عن حيّز ذلك النور بمقدار رأس إبرة، ولا يكون لوجودها استقلال بمقدار رأس إبرة، ولا تخرج بأي وجه من الوجوه عن دائرة الولاية؛ لكن، لا بمعنى الإحاطة [الجسمانيّة]، بل الإحاطة العِلّية التي هي عين نزول العلّة بصورةٍ ما في مرتبة أضعف. 

  • وعليه، يُريد الإمام السجّاد عليه السلام أن يقول: ما دام الأمر هكذا، فإنّ قدرة الكافر وكفره وجرأته، وجرأة ذلك الفاسق، ما هي إلّا نفس القدرة التي منحتها له، وهو بها يتجرّأ عليك. وإذا كان المسلم الصالح يُطيعك، فعبادته هي عين قدرتك التي فيه، وهو يعبدك بها! أي إنّك تعبد نفسَك بنفسِك! وما دام الأمر كذلك، إذن «مِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ؟»؛ فإلى من أذهب لأجل نجاتي، ولكي أخرج من جهلي هذا؟! حيث إنّني لا أستشعر هذا المعنى، فأعترض قائلاً: «يا إلهي، ماذا حدث لهذا الأمر، وماذا جرى لذاك؟!». فمَن ذا الذي أتبعه بعد الآن؟! يا إلهي، كلّ الأبواب مغلقةٌ في وجهي! لا أعرف أحدًا أطلب منه النجاة؛ لأنّ نجاتي بيدك أنت! ولا أعرف أحدًا أطلب منه الحماية؛ لأنّ حمايتي لا تكون إلّا بك! فإن ذهبتُ إلى الكافر، فقدرته هي قدرتك أيضًا، وإن ذهبتُ إلى الشيعيّ، فقدرته هي قدرتك أيضًا. وما دام الأمر هكذا، إذًا «خَلِّصْنَا مِنَ النَّارِ يَا رَبِّ»؛٢ أي: «نجّنا يا ربّ من نار الجهل هذه!».

    1. البلد الأمين، ص ٤۰٦، مقطع من دعاء الجوشن الكبير.
    2. المصدر السابق، ص ٤۰٢.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

14
  • سرّ خطأ النبيّ داود عليه السلام في القضاء بين شخصين في مقام المكاشفة

  • يونس عليه السلام ابتُلي بهذا الداء، حيث كان نبيًّا، غير أنّ توحيده لم يكتمل بعدُ، ولم يكن وليًّا كاملاً، وكان لا يزال يرى الاثنينيّة. فالأنبياء مراتب، وليس كلّ أحد يصبح كنبيّنا صلّى الله عليه وآله! النبيّ داود عليه السلام [أيضًا] أخطأ: ﴿خَصمَانِ بَغَىٰ بَعضُنَا عَلَىٰ بَعضٍ﴾؛ أي: أتى إليه ملكان في صورة شخصين: مدّعٍ ومدّعى عليه. ﴿قَالَ لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلخُلَطَآءِ لَيَبغِي بَعضُهُم عَلَىٰ بَعضٍ﴾؛ أي: أصدر حكمًا خاطئًا وقال: «لقد أخطأ بأخذه نعجتك الواحدة، فهذه النعجة لك!» (وفجأة اختفيا! كيف اختفى هذان الشخصان، المدّعي والمدّعى عليه؟!). ﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ﴾؛ أي: لقد امتحنّاه! (يا حضرة داود، لقد أخطأت، لماذا لم تسأله؟! لعلّ تلك التسع والتسعين نعجة، وتلك الواحدة أيضًا كانت له، وهذا يكذب!). ﴿فَٱستَغفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾۱؛ أي: شرع بالاستغفار. 

  • وهل يوجد هناك أيضًا مستكبرون ومستضعفون كما هو الحال هنا؟! فالبعض يقول: «خذوا ممّن يملك المال، لمجرّد أنّه يملكه!». حسنًا، ربّما اكتسبه من طريقٍ حلال؛ فأيّ شيءٍ تأخذون؟! إنّ قولكم «خذوا» لا معنى له! في الأساس، هناك رأيٌ يقول بوجوب الأخذ من كلّ من يملك مالاً! فربّما كان يملك مائة نعجة، وهذا الأخ مخطئٌ ولا يملك شيئًا! ما معنى أن تقول فجأةً: «لقد أخطأ! هذه النعجة لك!»؟ على أيّ أساس؟! هل سألته واستفسرت منه؟! هل أقمتَ دليلاً أو بيّنةً أو أحضرت شهودًا؟! كلّا! عندها، رأى أيّ خطأ فادحٍ قد ارتكب! ولكنّ المسألة هي أنّ عصمة الأنبياء تكون في مقام الفعل؛ أمّا هذا المقام، فقد كان مقام المكاشفة. نعم، إنّهم لا يخطئون في مقام الظاهر، ولكنّه أخطأ لأنّ المقام كان مقام مكاشفة: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾٢؛ أي: فأخذ يبكي قائلاً: «يا إلهي، اعبر بي من هذه المرحلة!».

  • الاثنينيّة سبب غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه

  • النبيّ يونس عليه السلام كان كذلك أيضًا. سلك النبيّ يونس عليه السلام طريق الخطأ في التوحيد؛ فعندما رأى أنّهم لا يهتدون، غضب وتضايق وشرع يصرخ ويصيح وغادر قومه غاضبًا: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ﴾٣.

    1. سورة ص، الآيات ٢٢ ـ ٢٤. راجع: أفق وحي (فارسي)، ص ۱٢٣ ـ ٢٣٦.
    2. سورة ص، الآية ٢٤.
    3. سورة الأنبياء، الآية ۸۷.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

15
  • هذه الآيات القرآنيّة عجيبة جدًا! هذه الآيات هي آيات عينيّة؛ أي: يجب علينا أن نطبّق هذه الآيات في وجودنا! فالله تعالى لا يروي حكايات! فحينما يُقال: «إنّ القرآن كتاب صانع للإنسان»، فهذا يعني أنّه ليس حكاية، بل يعني: تعالوا، وطبّقوا المراحل التي قطعها النبيّ يونس على نبيّنا وآله وعليه السلام في أنفسكم، تعالوا وطبّقوا المراحل التي عبرها النبيّ داود وسليمان، تعالوا وطبّقوا مراتب النبيّ إبراهيم ونوح وإلياس ويوسف وهؤلاء، تعالوا واعتبروا من يوسف، تعالوا وانظروا ماذا فعل!

  • إنّه لا يروي حكاية: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ﴾.حسنًا، يا حضرة يونس، ماذا ظننت حتّى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ﴾؟! ما كانت القضيّة؟! أتدعو على قومك؟! أليس هؤلاء القوم عباد الله؟! لماذا يجب أن تدعو عليهم وتتركهم وتذهب؟! قال: «بما أنّ العذاب قادم، فسأخرج أنا!».. حسناً، هؤلاء أيضًا عبادي! لقد استبدّ بك الغضب بسبب عدم إيمانهم بي فخرجتَ؛ ولكن لماذا يُغضبك هذا الأمر؟! لم يقبلوا، فليكُن؛ الأمر لا يستدعي الغضب! يا سيّدي، آتي غدًا، وأؤدّي واجبي، وأؤدّي رسالتي قائلاً: «يا أيّها الناس، لا إله إلا هو!»، من قَبِل فبها ونعمت، ومن لم يقبل، فلا داعي للانفعال بعد ذلك! لماذا تغضب؟! ومِمَّ الغضب؟!

  • هنا هو الموضع الذي كان يقول فيه السيّد الحدّاد رحمه الله: «الغضب كفر!». هذا الذي ذكره المرحوم العلاّمة في كتاب "الروح المجرّد"۱ ينطبق على النبيّ يونس عليه السلام؛ هو لم يقل ذلك، ونحن نفسّره هنا الآن. غضبٌ من ماذا؟! أتغضب من فعل الله؟! ذاك أيضًا عبدٌ لله! من الذي أعطاك هذا الاختيار وهذا المقام وجعلك يونس؟! لماذا تغضب منهم؟! أدِّ واجبك وكفى! فإن أصغوا، فبها ونعمت؛ وإن لم يُصغوا، فلا عليك! لقد جعلتَ الأمر في مقابل الله تعالى، حيث ترى أنّهم لم يصغوا لكلامك، وتقول: «ما داموا لم يُصغوا إليّ، فلأضربنّهم على رؤوسهم!». فيقول الله تعالى: «كلّا، أنت عبدي، وهؤلاء أيضًا عبادي؛ ولا فرق عندي بينكم! أنت يونس، فليكن؛ ولكنّهم هم أيضًا أعزّاءٌ عندي وعبادي! والآن، اذهب وانظر هل أسلموا أم لا؟! انظر هل حلّت رحمتي بهم أم لم تحلّ؟! فذهب ورأى العجب! رأى القوم جميعًا قد استقرّوا في حياتهم، وكلّهم بخيرٍ وسعادة يتحدّثون ويضحكون! فسألهم: «ماذا جرى؟!»، فقالوا: «لقد تركتنا ورحلتَ، فجئنا جميعًا نبكي ونتضرّع!». كلّ هذه هي مقدّمات القضيّة؛ إنّها مقدّماتٌ تمهيديّة ليخرج الإنسان من طور النقص إلى طور النضج والكمال، وليتجلّى فيه نور التوحيد! فيقول الله تعالى: «بما أنّك فعلتَ ذلك، فاذهب إلى بطن الحوت! سأعطيك ذكرًا تُؤدّيه أربعين يومًا، فاذهب إلى بطن الحوت وابدأ بالذّكر! قل الذكر اليونسيّ أربعمائة مرّةٍ في اليوم!». ومن هنا جاء الذكر اليونسيّ.﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾٢؛ أي: لا تعيّن في هذا العالم! (إله: يعني تعيُّن) إلاّ أنت! 

    1. الروح المجرّد، ص ۱٤٩:
      «كان يقول: "لو تخاصمتَ مع الناس أو مع أولادك، فليكُن ذلك بشكل صوريّ لا يلحقك منه أذى ولا يحيق بهم الضرّر؛ فلو خاصمتهم بجدّ، فإنّ ذلك سيلحق الأذى بالطرفين؛ والعصبيّة والجدّيّة تضرّك وتضرّ الطرف المقابل"».
    2. سورة الأنبياء، الآية ۸۷.

إظهار الأولياء لله تعالى - لماذا غضب النبيّ يونس عليه السلام على قومه، وكيف اكتمل توحيده في بطن الحوت؟

16
  • ومعنى ذلك: [يا إلهي] لقد فرّقتُ بينك وبين هؤلاء، وافترضتُ لهم وجودًا مستقلاًّ، وقلتُ: «ما دام هذا الوجود المستقلّ لم يخرّ ساجدًا أمام ذلك الوجود، فلأُبيده!». [فيقول الله تعالى]: كلّا، لقد كنتُ أنا فيهم، ولكنّك لم تكن ترى! والآن ما دُمتَ في الجهل، فدعني أُخرجك منه؛ اذهب واجلس في الظلمات الثلاث، وقل بخشوعٍ أربعمائة مرّة وأنت على طهارةٍ وفي حال السجود: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: أنا الذي ظلمتُ نفسي، وظلمتُ في جهلي، وكنتُ لنفسي من الظالمين!

  • وما إن قال حضرة يونس إنّه كان من الظالمين، حتّى نجا! لقد اكتمل توحيدُه في بطن الحوت، ورأى أنّه: كلاّ، أنا لا أختلف عن البقيّة، فكلّنا نجلس على مائدةٍ واحدة، وكلّنا في مكانٍ واحد. فعاد وشرع يُصالح الجميع، وقال: «الآن سأعود وأصالح الكلّ؛ حتّى لو كانوا كفّارًا، فليكن!». فذهب ورأى أنّهم لم يعودوا كفّارًا، بل صاروا جميعًا مسلمين وصالحين! وعليه، فإنّ معنى «عدم رؤية الاثنينيّة»، ومعنى «الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة» هو هذا بعينه؛ وهو أن يرى الإنسان نور الوحدة في جميع المجاري والمظاهر، وألّا يغفل عنه؛ فإنّ غفلة لحظةٍ واحدةٍ تستوجب الذهاب إلى بطن الحوت! لكن، كان طريقه هو بذلك الشكل، وعلينا نحن أيضًا أن نسير بطريقتنا الخاصّة؛ فعلينا أن نذكر الله كثيرًا، ونتوب إليه كثيرًا، ونلوم أنفسنا ونُؤنّبها كثيرًا!

  • كلام العلامة الطهرانيّ رضوان الله عليه في الردّ على طلب الشفاعة منه

  • وعلى حدّ قول المرحوم العلاّمة الذي ذكره مؤخّرًا في جواب شخص سأله: «هل تشفعون لنا؟»، حيث قال: يجب أن تعملوا! لا يتمّ الأمر من دون عمل، فيجب أن تعملوا!

  • فقال ذلك الشخص: «لا، أقول اشفعوا لنا!».

  • فقال سماحته: يا سيّدي، الشفاعة ليست بشيء! اطمئنّوا، أنا أشفع لجميع الرفقاء، وأشفع لأقاربهم وأنسابهم، وأشفع لكلّ من أرغب فيه أيضًا!

  • خلاصة القول، وَسَّعَ القضيّة جدًا، فقال: «الشفاعة ليست بشيء، أنا أشفع للجميع؛ ولكن إذا أردت أن تصل إلى هناك، يجب أن تعمل!».

  •  

  • اللهمّ صَلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد