2

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها

أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

173
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/11

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

ما هي النجاة الحقيقية وممَّ تكون؟ وكيف تكون رؤية العارفين للحكم والسلطة؟ ما هو الفرق بين التوكّل على الله والاعتماد على النفس؟ ومن هو الفقيه الذي يجوز تقليده حقًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمّد محسن الطهرانيّ في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، مُوضّحةً أنّ الخلاص الحقيقيّ من سجن الخيال والهوى لا يكون إلاّ بالله تعالى.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها

  • أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الثانية

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللَهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ اللَه الرّحمنِ الرّحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ

  • والصّلاةُ والسّلامُ على أشرَفِ المُرسَلينَ وخاتمِ النّبيينَ 

  • أبي‌ القاسمِ محمّدٍ وعلى آلِهِ الطّيبينَ الطّاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائِهم أجمَعين

  •  

  • ‌ 

  • «إلهي لا تُؤَدِّبني بِعُقوبَتِك ولا تَمكر بي في حيلَتِك! مِن أينَ لِي الخَيرُ يا رَبِّ ولا يوجَدُ إلّا مِن عِندِك؟! ومِن أينَ لِي النَّجاةُ ولا تُستَطاعُ إلّا بِك؟!».۱

  • الفلاح يعني النجاة من المشاكل النفسانيّة

  • يقول الإمام عليه السلام: «من أين تحصل لنا النجاة والفلاح؟». النجاة: تعني الفلاح، والنجاة من الشرك، النجاة من النفس، النجاة من هذه المشاكل وهذه الخيوط التي نسجناها حول أنفسنا، فحصرنا أنفسنا في تلك الشبكات الخياليّة مثل العنكبوت! إذا نظرنا إلى الواقع، فكما تقول هذه الآية القرآنية: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾٢، فإن هذه البيوت التي بنيناها وجلسنا فيها، وهذه الصروح الشاهقة التي شيّدناها في أذهاننا، هي في الحقيقة واهية لدرجة أنّها أوهن من بيت العنكبوت حقًّا!

  • ننظر، فنجد أنّ شخصين يختلفان بخصوص قضيّة ما، أو نرى هذه الخلافات الموجودة الآن بين الناس، وكلّ ذلك يحصل بسبب كلام فارغ، بل وفارغ حقًّا، حيث يتسبّب ذلك في اضطراب العلاقات؛ وأحيانًا، يُفسد العلاقة بين عائلتين! وفي النهاية، عندما تنظر، ترى أنّ هذا الرجل أو تلك المرأة قد فهم كلامًا بشكل خاطئ؛ ثمّ انظر إلى المسرحيّات التي يُمثّلونها، مع أنّها فارغة بأجمعها! هذه الخلافات وهذه المسائل الموجودة، كلّها بسبب ما نسجناه في أذهاننا، وجعلناه ملاكًا ومعيارًا لأنفسنا؛ هذا، مع أنّنا لم نكتفِ بأنفسنا، بل إنّنا نجرّ الناس إلى أنفسنا وإلى أهوائنا وتخيّلاتنا! وهنا، نقول: «نعوذ بالله من أن يأتي يوم ويُكشف الستار، ثمّ يتبيّن أن كلّ هذا كان لجذب [الناس] نحو الذات!».

  • نماذج من مخالفة الهوى

  • بعد المرحوم السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ، كان السيّد الحكيم رحمه الله هو المرجع. كان سماحة الوالد من تلاميذ الشيخ حسين الحلّي رحمه الله؛ حسنًا، كان الشيخ حسين الحلّي رحمه الله قويًّا جدًّا [علميًّا]، وكان شديد الصلابة والقوّة في المباني، وكان له فضلٌ من الناحية المعنويّة على المرحوم السّيد الحكيم رحمه الله، وكان رجلاً منزّهًا كثيرًا عن الهوى. ذات مرّة، قال المرحوم العلاّمة

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
    2. سورة العنكبوت، الآية ٤۱.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

3
  • في إحدى جلسات الدرس، عندما وصل البحث إلى هذا النصّ الشريف: «فَأمّا مَن كانَ مِنَ الفُقَهاءِ...»۱، كان الحديث يدور حول أنّ البعض يدّعي أنّ مصداق هذا النصّ يجب ألاّ يكون فردًا عاديًّا كحدّ أقلّ، وأن يكون له ارتباط إلى حدّ ما [بالإمام عليه السلام]؛ لكنّ السيد البروجرديّ رحمه الله وغيره كانوا يقولون: «كلاّ، هذه العدالة الظاهريّة وهذا المضمون لهذه الرواية يكفي؛ «حافِظًا لِدينِهِ» يعني أن يحفظ دينه، و «مُخالِفًا لِهَواهُ» يعني أنّه إذا وُضع في موقع القضاء والحكم وجاء أقاربه، فإنّه يقيم العدل!

  • كان [الشيخ حسين الحلّي] يذكر هذا الأمر في جلسة كان يحضرها أفراد منهم السيّد إبراهيم الكرمانشاهيّ رحمه الله، والشيخ محمد علي الشاه آبادي رحمه الله، وبضعة أشخاص آخرين.

  • بحسب ما يُقال، وبحسب ما عرفته عن "أمير كبير"، فإنّه كان رجلاً شديد الإيمان بمبادئه؛ لم يكن رجلاً متديّنًا جدًا، ولكنّه كان يضع لنفسه مجموعة من المبادئ، وكان يسعى للقيام بالعمل الصحيح والسليم. نحن لم نجنِ سوى الحسرة والأسف على أمثال هؤلاء الرجال! ذات يوم، جاء رجل الدين الذي كان مسؤولاً عن القضاء إلى أمير كبير وقال: 

  • اليوم، جاءني شخصان للمحاكمة، أحدهما من أقاربكم؛ فأحلتهما إلى الغد، لأستفسر أوّلاً من الحضرة الشريفة للصدر الأعظم عن حقيقة المسألة؛ ومهما كان رأي سيادتكم، أحكم بموجبه غدًا عندما يأتيان؛ فالآن، ما هو رأيكم؟

  • نهض أمير كبير، ونزع عنه عمامته، وضرب بها على رأسه، وصفعه على أذنه وقال: «اغرب عن وجهي، رجل الدين الذي يأتي ليسألني لا يصلح لشيء!».٢ على أيّ حال، إن كان قد ارتكب ذنبًا فليغفر الله له؛ وخلاصة القول، أنّنا نطلب الخير لأمثال هؤلاء الأفراد!

  • يقولون: «مُخالِفًا لِهَواهُ»؛ يعني الشخص الذي إذا جاء أحدهم وقال: "هذا قريبي"، فإنّك لا تُعطيه حقًّا [بغير حقّ]، بل تُطبّق الحقّ؛ هذه هي العدالة، العدالة الظاهريّة هي هذه!».

  • يُنقل ويُقال: إنّ السلطان محمود الغزنويّ صنع أجراسًا ليقرعها من يأتي للتظلّم، فيعلم بذلك. ذات مرّة في منتصف الليل، دُقّ هذا الجرس، فتعجّب السلطان محمود كثيرًا من أنّ جرس هذا المكان يُدقّ في منتصف الليل! 

    1. الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٥٨.
    2. أمير كبير وإيران (فارسي)، ص ٣۰۸؛ امیر کبیر یا قهرمان مبارزه با استعمار (أمير كبير أو بطل مقارعة الاستعمار) (فارسي)، ص ۱٢٩، مع اختلاف يسير.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

4
  • قال السلطان محمود: مهما كان هذا الشخص، فلا بدّ أن لديه مسألة؛ قولوا له فليأتِ! 

  • جاء الرجل؛ فقال السلطان محمود: أتيت في هذا الوقت من الليل وأزعجتنا في نومنا وحياتنا؛ فماذا حدث؟! 

  • قال: لم أجد أيّ سبيل؛ خلاصة القول، خرجتُ من المنزل لآتي وأخبرك بالمسألة. 

  • قال: ما القضيّة؟ 

  • قال: أحد المنسوبين إليك رأى زوجتي في مكان ما، وهو منذ مدّة، يأتي ليلاً إلى منزلنا، ويطردني منه، ويمضي هناك بعض الوقت، ثمّ يخرج صباحًا، ويذهب إلى عمله؛ وهذا دأبه كل ليلة! 

  • قال السلطان محمود: أهو في منزلك الآن؟ 

  • قال: نعم! 

  • قال: انهض لنذهب! 

  • استلّ سيفه، وتوجّه نحو المنزل. كان هناك سراج مُضاء يتلألأ، فقال: اذهب وأطفئ السراج!

  • أطفأ السراج وعاد، لم يكن يرى هذا الشخص، ولكنّه أدرك أن هناك شخصًا ما، كما كانت زوجته أيضًا هناك. فجاء، وضرب بالسيف وفصل رأس ذلك الشخص عن جسده! 

  • ثمّ قال: الآن، أضئ السراج! 

  • عندما أُضيء السراج، نظر إلى هذا الرجل، وخرّ ساجدًا للشكر، وقال: 

  • أتعلم لماذا قلت لك أطفئ السراج؟ لأنّني رأيت أنّه لا أحد في حكومتي يجرؤ على فعل مثل هذا العمل إلاّ أبنائي، فهم فقط من يستطيعون ارتكاب مثل هذه الحماقة؛ ورأيت أنّني لو أتيتُ والسراج مضاءً، ووقعت عيني عليه، فربّما لن تدعني المحبّة الأبويّة أن أفعل ذلك؛ لهذا، قلت: أطفئ السراج، كي أرى بعد أن أفصل رأسه من هو، هل هو ابني أم أن أحد قادة الجيش هو من فعل ذلك۱؟!

  • هذا لا يعني أنّ السلطان محمود رجل صالح، بل نحن نقلنا هذه المسألة من باب الحكاية فقط.

  • رأي المرحوم الشيخ حسين الحلّي بخصوص عدالة الفقهاء

  • كان المرحوم السيّد البروجرديّ وأمثاله يقولون: مضمون هذه الرواية هو العدالة الظاهريّة؛ وبالنسبة للمرجع، تكفي هذه العدالة الظاهرية؛ أي أن يكون عادلاً، ولا نحتاج أكثر من هذا. بناءً على ذلك، فإنّ مضمون الرواية: 

  • «فَأمّا مَن كانَ مِنَ الفُقَهاءِ صائِنًا لِنَفسِهِ حافِظًا لِدينِهِ مُخالِفًا لِهَواهُ مُطيعًا لِأمرِ مَولاهُ، فَلِلعَوامِّ أن يُقَلِّدوهُ!»٢.

  • هو فرد عاديّ يتّصف بالعدالة، بحيث إنّ بائع اللبن والقصّاب والبقّال٣ إذا درسوا، فيجب تقليدهم في هذا الحدّ!

    1. معراج السعادة، ص ٤٩٧.
    2. الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٥٨.
    3. عبارة كنائيّة للإشارة إلى الأفراد العاديّين. المترجم

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

5
  • كان المرحوم العلاّمة يقول: 

  • قال المرحوم الشيخ حسين الحلّي رحمه الله في جلسة الدرس تلك: «ما معنى العدالة الظاهرية؟! يا سيّدي هذه حقائق، هذه مراتب! أنّى يتسنّى لي أنا...۱ الوصول إلى هذه الحقائق؟! ما معنى العدالة الظاهريّة؟!».

  • كان الشيخ حسين الحلّي رحمه الله رجلاً قد تجاوز الهوى كثيرًا؛ رحمه الله. بعد وفاة المرحوم السيّد أبي الحسن، تقرّر أن يُصبح المرجع إمّا السيّد الحكيم رحمه الله، أو الشيخ حسين الحلّي رحمه الله؛ حسنًا، كان المرحوم العلاّمة طبعًا يُريد أن يكون الشيخ حسين الحلّي رحمه الله هو المرجع؛ لأنه كان الأَوْلى من كل النواحي؛ لكن، خلاصة القول: في النهاية، تقدّم السيّد الحكيم رحمه الله، فقال [الشيخ الحلّي]: 

  • الآن، وقد تقدّم هو، يجب علينا أن نسانده، ويجب أن نحافظ عليه، ولا ندع المسألة تأخذ منحى آخر؛ حتّى الآن، كان الأمر بنحو، والآن هو بنحو آخر.

  • هذا ما يسمى بالشخص الذي تجاوز الهوى، ويُريد الخير لنفسه، ويُريد الصلاح والأمر لنفسه!

  • معاناة الشعوب بسبب مصالح الملوك وتخيّلاتهم

  • وصلنا إلى مسألة أنّنا جئنا، وبدأنا ندعو الجميع إلى أنفسنا؛ أي أنّنا نُحيك المسائل، وننسجها في أذهاننا، ثمّ نرى أنّ هذه هي المصلحة؛ وعندما تصبح هذه هي المصلحة، إذن، يجب على الناس أن يتّبعوها، ويكون هذا هو حكم الإسلام!! 

  • في السابق كان الأمر كذلك؛ فكان يتربّع ملكٌ على أريكة الحكم، ويُثير النزاع بين أمّة وأخرى! خذوا هذه الشاهنامه٢ الكاذبة، واقرأوها، وانظروا،٣ فإنّها تتحدّث عن هذه الأشياء! الآن، بغضّ النظر عن هذا الأمر، في طول التاريخ كان الأمر هكذا، وذلك بأن يشتم أحدهم آخر، فيأتي الآخر باسم القوميّة وباسم الإسلام ويقطع علاقته مع ذاك و.... 

  • في الزمن الماضي وزمن محمد رضا شاه، كان كلّ من لم يكن له شأن بالناس ولا بنا، ولكنّه كان يشتمه، كان [الشاه] يأتي باسم إيران وباسم القوميّة وباسم إهانة المقدّسات القومية، ويقطع علاقته تمامًا مع تلك الدولة، ويُنفق مبالغ طائلة على مسألة: لماذا قال ذاك كذا وكذا؟ وأنّ هذا قد مسّ كبرياءه! حينها، كانت كلّ هذه الخسائر تُنفق من خزانة المملكة ومن ميزانيّة هذا الشعب المسكين! وذلك لأنّه مس طرف رداء جلالته الأعلى؛ هو لم يكن له رداء، بل لأنّ الأمر مسّ قبّعته! في حين أنّك عندما تنظر، تجد أنّه هو الذي له مشكلة معه، فما ذنب الأمّة؟! لماذا يجب على الناس أن يدفعوا الثمن؟! لماذا يجب عليهم أن يُقتصّ منهم؟! إلى متى يجب على هذه الأمّة أن تدفع ثمن تخيّلات الملوك وشبكات العنكبوت التي نسجوها؟! على أيّ أساس هذا؟! الآن فقط، أصبحت جمهوريّة إلى حدّ ما، وتغيّرت أوضاع العالم، حيث يوجد ـ في نهاية المطاف ـ حساب وكتاب وقانون وبرلمان و ... فنفس هذا التقسيم للسلطة، قد قلّل من القضية؛ وأمّا في السابق، فلم يكن الأمر هكذا، بل كانوا جميعًا ملوكًا! هذا كان ملكًا، وذاك كان ملكًا: ملك توران والإيرانيّين والأشكانيّين والساسانيّين و ... إلى أن وصل الأمر إلى الحكومة القاجاريّة والصفويّة و .... فكلّ هذه كانت نزاعات شخصية! وفي هذه النزاعات الشخصيّة، كانت هذه الأمّة المسكينة تُحصد؛ إذ فجأة، كان يجب أن يموت عشرون ألف شخص، أو مائة ألف شخص؛ لأنّه قال كذا!

    1. لقد خجل هذا القلم أن يذكر في المتن اللفظ الصريح الذي عبّر به عن نفسه؛ لكن، لإثبات طهارة نفس هذا الرجل الإلهيّ وعلوّ روحه، أرى أن أذكر تلك الكلمة في الهامش وهي: (حمار). رضوان الله وبركاته عليه. (الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد، ص ٤۱، الهامش).
    2. تعني بالعربيّة: كتاب الملوك؛ وهي ملحمة فارسيّة كتبها أبو القاسم فردوسيّ. المترجم
    3. لمزيد من الاطّلاع على الفردوسيّ والشاهنامه، راجع: نور ملكوت القرآن، ج ٤، ص ۱۱٤.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

6
  • هذه هي الخيوط، هذه هي التخيّلات، هذه هي الأصنام! ثمّ على هذا الأساس، نضع الخطط، ونشكّل المقدّمتين الصغرى والكبرى، ونحصل على النتيجة؛ وباسم حكم إسلاميّ أو فتوى إسلاميّة أو فتوى وطنيّة، نأتي ونُقدم؛ لكن، في الواقع، كلّ هذا خيال! فيجب أن ننجو من هذه الأشياء!

  • حينما يقول: «فَأمّا مَن كانَ مِنَ الفُقَهاءِ صائِنًا لِنَفسِهِ، حافِظًا لِدينِهِ»، فإنّه يتحدّث عن شخص قد نجا. عزيزي! أنا بعد أربعين سنة، أرى في نفسي أنّني لم أنجُ! والله، لم أنجُ! أقسم بهذه السيّدة المعصومة عليها السلام، أنّني لم أنجُ! حسنًا أنت مثلي، ولستَ استثناءً! ربّما أنا أسبقك! ففي نهاية المطاف، على أيّ أساس؟! كيف حدث أنّه: طالما نحن على رأس السلطة، فإنّ هذه الحكومة تكون حكومة الإسلام؛ وعندما يريدون إزاحتنا، تُصبح الحكومة أسوأ من حكومة يزيد؟! حسنًا، هذا واضح أنّ جانبك ذاك كان فاسدًا أيضًا! كيف أنّه: طالما كنت أنت القاضي، كان الأمر كذا وكذا؛ والآن، بعد أن أزاحوك، تقول: سأكشف كلّ أسراركم؟! حسنًا، معلوم أن جانبك ذاك كان فاسدًا أيضًا! النجاة من هذا، النجاة من الهوى، النجاة من الخيال؛ هذا هو مراد الإمام عليه السلام!

  • الله تعالى وحده المُنجي

  • «ومِن أينَ لِيَ النَّجاةُ»؛ أي: متى يُمكننا أن ننجو ومتى تتيسّر لنا النجاة، «ولا تُستَطاعُ إلّا بِك»؛ أي: في حال أنّ هذه النجاة وهذا الفلاح بيدك أنت فقط؟! بيدك أنت فقط وفقط!

  • نحن نتخيّل أنّنا نستطيع أن نخطو خطوة من تلقاء أنفسنا! لكن، وفقًا للبرهان، المتحرّك لا يمكن أن يكون مُحرِّكًا أبدًا.. هذا غير ممكن! إذا كانت ذواتنا محتاجة [إلى الله تعالى] من جهة الفعليّة، ومتجلّية به، ومتكّلة عليه في وجودها، وظلّ له، فكيف يُمكن أن نكون في أفعالنا مستقلّين بالذات ومستغنين عنه؟! كيف يمكن ذلك؟! هل هذا ممكن؟! هؤلاء الأفراد الذين يُردّدون باستمرار عبارة: «الاعتماد على النفس والاعتزاز الوطنيّ و ...»، هؤلاء لم يشمّوا رائحة الإسلام أبدًا! ما معنى الاعتماد على النفس؟! يجب أن يكون الاعتماد على الله، ويجب أن يكون المرء متّكلاً عليه تعالى.۱ ما هي النفس؟! من نحن؟! يجب أن تختلف شعاراتنا، يجب أن تختلف شعاراتنا عن بقية الأماكن! فالشيوعيّون يقولون نفس هذا الكلام! فما الفرق إذن بين الإسلام وبينهم؟! "هو تشي منه" كان يقول نفس هذا الكلام، حيث كان يقول: «فيتنام تستطيع أن تتغلّب على أمريكا عندما تتمّكن بنفسها من الوقوف على قدميها!». كان يقول نفس هذا الكلام؛ لكنّ الإسلام لا يقول هذا الكلام، بل يقول: الله فقط!

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: سبيل الفلاح، ص ٣۷.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

7
  • في معركة أحد، كانوا يقولون: «اعلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! ارفعوا هُبَل! ارفعوا هُبَل!»، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!».۱ طبعًا، هناك بعض الاختلاف في هذا المضمون. فلم يقُل: نحن مُعتمدون على أنفسنا، ولم يقل: لدينا اعتزاز وطنيّ، ولم يقل: نحن المسلمون كذا وكذا! بل قال: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!»؛ فمنذ البداية، هناك الله!

  • من نحن؟! ما هي الطبيعة؟! ما هو غضب الطبيعة؟! ما هذا الكلام؟! كلّ ما هو كائن هو الله! حتى هُبَل ذاك الذي يرفعه، الله تعالى هو الذي يرفعه. فعندما يقول النبي صلّى الله عليه وآله: «اللَهُ أعلىٰ وأجَلُّ!»، فإنّه لا يضع حدًّا ولا قيدًا لكلامه، بل يُعبّر عن هذا الكلام على نحو الإطلاق، وهو يشمل المسلمين وغيرهم؛ وهذا يصبح توحيدًا. لا أن يأتي النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويقول: «إنّكم أتيتم لتقفوا في وجهنا وفي وجه الله!»؛ لأنّ الله ليس له مقابل! فمن ذا الذي يأتي، ليقف في مقابل الله؟! ومن يستطيع أن يأتي، ليرفع رأسه في مقابل الله؟! هذا ليس توحيدًا، بل هذا شرك! ذاك الذي يرى يزيد في مقابل الإمام الحسين عليه السلام، هو مشرك! مَن يكون يزيدًا ليأتي، ويقف في مقابل الإمام الحسين عليه السلام؟! من يكون الشمر؟! هل للشمر قوّة في مقابل الإمام عليه السلام؟! من أين أتى الشمر بهذه القوّة؟ ومن أين أتى يزيد بهذه القوّة؟ هل تفهمون إلى أين نذهب؟! من أين أتت هذه النجاة؟! فالإسلام يأتي، ويُزيل الحدّ، ويقول: كل ما هو كائن هو الله فقط!

  • تفاوت النظرتين المادّية والملكوتيّة للحكم والملك

  • على ما يبدو، ورد في دعاء الجوشن:

  • «يا مَن لا يُهرَبُ مِنهُ إلّا إلَيهِ»!٢ أي: نفرّ منه؛ غير أنّ هذا الفرار لا يُبعدنا عنه، بل الابتعاد عنه هو عين الاقتراب منه؛ فكلّما أردنا أن نبتعد عنه، اقتربنا!.

  • وحينئذ، نأتي وننسب هذا لأنفسنا!

  • كان هارون [الرشيد] يومًا ما يقول للسحابة: «أيّتها السحابة، أينما شئتِ فاذهبي، فلن تستطيعي الخروج من مملكتي!»، وكان يقول للشمس أيضًا: «من أيّ مكان شئتِ فاطلعي، ومن أي مكان شئتِ فاغربي، فإنّ طلوعك وغروبك في مملكتي!»٣. هذا لله، ولكنّه ينسبه لنفسه! تلك الحكومة على الإطلاق هي لله تعالى، وهو ينسبها لنفسه! الفرق بين هارون وبين النبيّ سليمان عليه السلام كان في أن النبيّ سليمان عليه السلام لم يكن يرى هذه الأشياء من نفسه، مع أنّه كان يملك أكثر من هارون؛ إذ كانت الريح تحت طاعته، والجنّ تحت طاعته، والملك تحت طاعته، وآصف بن برخيا ـ مع تلك القدرة الخارقة ـ تحت طاعته.. فكلّ هؤلاء كانوا تحت طاعة النبيّ سليمان عليه السلام؛ ولكن، ما جعله نبيًّا وجعل ذاك هارون، هو هذا: 

    1. تفسير القمّي، ج ١، ص ١١٧.
    2. من الجدير بالذكر أنّه ورد في بحار الأنوار، ج ٩٢، ص ٤٥٣، في الصحيفة المنسوبة إلى نبي الله إدريس عليه السلام: «ولا يُهرَبُ منه إلاّ إليه!»؛ ولكن، وردت في كتاب البلد الأمين، ص ٤۰٥، ضمن دعاء الجوشن الكبير، عبارات قريبة من هذا المضمون: «يا مَن لا مَفَرَّ إلاّ إليه! يا مَن لا مَفزَعَ إلاّ إليه!». المحقّق
    3. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ٣۱٢؛ بحار الأنوار، ج ٤۸، ص ۱٤۱.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

8
  • نظـر كـردن بـه درويشـان منافـى بـزرگـى نيسـت***سـليمان بـا چنـان حشـمت نظرهـا بـود بـا مـورش۱
  • يقول: 

  • النظر إلى الدراويش لا ينافي العظمة *** فسليمان مع ذلك الجاه كانت له نظرات إلى نملته.

  • يعني: عندما يملك ذلك الجاه، لا يراه من نفسه، فيكون له نظر أيضًا إلى تلك النملة. لكنّ هارون لا، هارون يرى هذا الجاه من نفسه.

  • كن أنت سليمان، ثم اذهب وافعل ما تشاء! نحن لم نصبح سليمان، ونريد أن نقلّده! حسنًا، هذا لا يُمكن! أوّلاً، يجب أن تتغيّر ذاتنا، ويحدث فيها تحوّل وتغيّر وتبدّل؛ ثمّ، عندما يصبح الأمر كذلك، فإن أعطوك الحكومة فلا بأس، وإن لم يعطوك إيّاها، فلا بأس؛ وإن جعلوك مرجعًا فلا مشكلة، وإن لم يجعلوك فلا مشكلة؛ وإنّ جعلوك ملكًا فلا ضير، وإن لم يجعلوك فلا ضير؛ وإن أعطوك المال وأصبحت مستغنيًا وغنيًّا، فليكُن، وإن لم يعطوك كلّ ثروة الدنيا، فليكُن!

  • مكانة الدنيا في نظر أمير المؤمنين عليه السّلام

  • كان أمير المؤمنين عليه السلام شخصًا عندما جاءت فضّة، وأحضرت تلك الكيمياء وأعطته ذلك الذهب، قال عليه السلام: «ما هذا ولمن أحضرته؟! لماذا أحضرته؟! انظري!»؛ فنظرت، فرأت نهر ماء يجري، ومجموعة من الجواهر العجيبة التي صنعها ـ والتي لا تدخل في الحساب أبدًا ـ تسير هكذا. 

  • قال الإمام عليه السلام: «عزيزتي، هذا لنا! فهل تُريدين أن تُحوّلي النحاس ذهبًا، وتحضرين لنا ذهبًا؟!». عندما رأت شيئًا كهذا، تخلّت [عمّا كان لديها]، وقالت: «ماذا أفعل؟». قال: «ألقيه في هذا النهر ليذهب!». فأخذت بدورها تلك الكيمياء وذلك الإكسير الذي كان لديها، وألقته في النهر، فذهب به.٢

  • وحينئذ، نجد شخص كهذا يأكل خبز الشعير لثلاثة أيّام.. حسنًا، لقد فعل ذلك [وماذا بعدُ؟!] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾٣.

  • كان معاوية الأخرق هو الذي قال: «لو كان في يد عليٍّ بيت من تبن، وفي يده الأخرى بيت من ذهب، لبذل الذي من ذهب أسرع!».٤ فذلك المسكين هو الذي كانت قيمة الذهب بالنسبة إليه أكثر من قيمة التبن والقمح حتّى قال هذا الكلام؛ لكن، بالنسبة لعليٍّ، لا فرق بتاتًا بين التبن والذهب! والله لا فرق! يعني: في الأساس، عندما ينظر إلى التبن فكأنّه ذهب، وعندما ينظر إلى الذهب فكأنّه تبن؛ لأنّه يرى كليهما من مبدأ واحد؛ وعندما يكون كلاهما من مبدأ واحد، وأنت في البين لا حول لك ولا قوّة، وعلى حدّ قول الأتراك: «مرا سَنَنه؟»٥.... افترض أنّ في جيبك أنت شيكًا بمائة مليار، فما الفرق بالنسبة لي بين هذا الشيك، وبين كوب من الماء؟! وماذا سيعطونني من ذلك؟! كان الإمام عليّ عليه السلام يرى هذين من مبدأ واحد؛ لهذا، ولم يكونا يفرقان بالنسبة إليه في أيّ شيء!

    1. ديوان حافظ، الغزل رقم ٢۸۰.
    2. مشارق أنوار اليقين، ص ١٢٦؛ أنوار الملكوت (فارسي)، ج ١، ص ٦٩، مع اختلاف يسير.
    3. سورة الإنسان، الآية ۸.
    4. كشف الغمّة، ج ١، ص ٤٢١:
      «قال معاوية: "...فواللَه، لو كان بَيتانِ: بَيتُ تِبنٍ وبَيتُ تِبرٍ، لأَنفَدَ تِبرَه قبلَ تِبنِه!"»
    5. أي: ما شأني أنا؟!

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

9
  • كان يذهب صباحًا، ويحفر بئرًا حتّى المساء، ويُعرّض نفسه لأنواع المشقّات؛ وفي اليوم التالي، يأتي، ويحفر مرّة أخرى؛ وبعد غد، يأتي، ويحفر مرّة أخرى؛ وبعد أسبوع، يصل فجأة إلى الماء، فينهض، ويخرج موحلاً ومغبرًّا. وعندما يرتفع الماء، يقول [ما معناه]: «وقفتها لبني فلان، وأهل بيتي لا حقّ لهم فيها!».۱ وكان يشكر الله أيضًا قائلاً: «إلهي، أنت أعطيتني القوّة لأتمكّن من فعل هذا، وإلاّ لما استطعت أن أضرب ضربة معول واحدة!». هو يذهب، ويُعرّض نفسه للمشقّة، ويستخرج البئر، ويتبرّع به، ثمّ يقول: «إلهي، أنت الذي وهبتَ كل شيء!». هذا رائع جدًا! يعني: أيّة بهجة كان يشعر بها عليٌّ عليه السلام حقًّا هناك!

  • في الجلسة السابقة، ذكرت أنّ الإنسان أحيانًا يُنفق، ويشعر في هذا الإنفاق بالرضا، والأفضل ألاّ يكون الأمر كذلك. هذا لنفس السبب؛ وهو أنّه يرى أنّ هذا الإنفاق قد صدر منه هو؛ فلماذا يجب أن يرى صدور الفعل من نفسه؟! لماذا [يرى] صدور هذا الإنفاق منه؟! حسنًا، الله هو الذي أعطى هذا المال، وكان بإمكانه ألاّ يعطيه؛ هل أعطى الله تعالى مالاً للسيّد الحدّاد لكي ينفقه؟! هل حزن لذلك السيّد الحداد؟! فالسيّد الحداد كان محتاجًا لخبزه! نعم، لقد قام بأعمال أخرى لا يفعلها ألفُ مُنفق! وهذا نفس ما ذكره المرحوم العلاّمة؛ وهو أنّه: عندما كان يكسب مالاً، كان يطلب من مساعده أن يأخذ أوّلاً، ليأخذ كلّ ما بقي موجودًا، حيث يبقى له خمسون فلسًا أو عشرة فلوس.٢هذا أفضل من ألف إنفاق! ولكن، هل يجب على السيد الحدّاد أن يحزن؛ لأنّه الآن يعيش هذا الفقر الذي لا يستطيع فيه أن يُنفق؟! القضيّة مهمّة جدًا! أنت الذي تنفق الآن، من الذي أتى بهذا المال، ووضعه في جيبك لتنفق؟! من الذي يفعل هذا؟!

  • عدم جواز التدخّل في شؤون الله تعالى

  • منذ مدّة، في زمن المرحوم العلاّمة، كان يأتينا أحيانًا بعض الرفقاء، ويقولون مثل هذا الكلام بأنّه لا يوجد شيء في ملكنا. ثمّ شيئًا فشيئًا، كنت أقول مع نفسي: «إنّ عباد الله هؤلاء يأتون بهذا العدد، حسنًا، ماذا يفعل المرء؟ في النهاية، يجب أن يفعل شيئًا!»؛ غافلاً عن أنّ هذا لا يعنيك! من تكون أنت لتُحرق قلبك؟! هؤلاء عباد لله، وأنت أيضًا عبد لله؛ إن كان لديك فأعطِ، وإن لم يكن لديك فلا تعطِ؛ لماذا تتدخّل فيما لا يعنيك؟! لماذا تفرض على الله تكليفًا فتقول: «إلهي، تعال وأعطني لأعطيهم»؟! لماذا تفرض على الله تكليفًا؟! إذا أعطى، فحسنًا، أعطِ، ثمّ اجلس في مكانك! ثمّ قلت لنفسي: «لأنهض، وأذهب، وأبيع بساطي، وأقضي حاجة هؤلاء، ثم: إنّ الله كريم!». هذه القضيّة تعود إلى سبع أو ثماني سنوات مضت في مشهد نفسها. ذهبت، ودعوتُ شخصًا ليأتي، ويأخذ زوجين من البسط ويبيعهما، وأظنّ أنّهما كانا يساويان مائة تومان في ذلك الوقت؛ وبمجرّد أن أراد أن يأتي غدًا ليفعل ذلك، فجأة، اتّصل شخص غريب تمامًا لم يلتقِ بي إلاّ قبل خمسة عشر عامًا، وقال: «يا سيّدي، لديّ حاجة أريد أن أعرضها عليك». قلت: «تفضّل!». جاء وقال: «يا سيّدي، لقد حصلتُ على أرباح هذا العام بعض الشيء، ولم يُطاوعني قلبي أن أعطي المال لأيّ شخص، بل وقع في قلبي أن آتي، وأعطيه لك». انظروا إلى الأوضاع! الله تعالى يُريد أن يعلّمني، ويقول: «لا تتدخّل في عملي؛ أنا أدير الأمور بنفسي!». كان قد ربح خمسة عشر مليونًا، وكان خمسها ثلاثة ملايين، فأعطاني إيّاها؛ فوزّعتها كلّها، وعمّ الخير على الجميع، وحُلّت أمورهم وبقي بساطي في مكانه! قال الله تعالى: «لا حاجة لبيع بساطك، اتركه في مكانه!». الآن، من الذي وضع في رأس هذا السيّد أن أحسب له [خمسه]؟! لم يرني منذ عشر سنوات؛ وحينئذ، وجب عليه أن يتّصل، وينهض، ويأتي إلى هنا، ويفعل هذا، ثم يقول الله تعالى: لا تتجاوز حدّك، ولا تتدخّل في عملي؛ إن شئتُ أعطيت، وإن لم أشأ لم أعطِ! من أنت؟! أنت تفرض عليّ تكليفًا وتقول: إلهي أعطني! فيقول: لا أريد أن أعطي!

    1. الكافي، ج ٧، ص ٤٩؛ تهذيب الأحكام، ج ٩، ص ١٤٦.
    2. الروح المجرّد، ص ۷٤.

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

10
  • بطبيعة الحال، هناك مسائل أخرى هنا، وثمّة دقائق ولطائف تقتضي الفطنة والنباهة؛ غير أنّنا سنتركها لوقتها إن شاء الله تعالى؛ ولكن حاليًا، فإنّ المسألة في المرحلة الأولى هي أنّه: لا ينبغي لنا أن نتدخّل في عمل الله تعالى!

  • الفرار من الحقّ تعالى عين القرب منه

  • وهنا، فإنّ هذا الهرب الموجود: «يا مَن لا يُهرَبُ مِنهُ»، من أين نريد أن نهرب؟! مِن مَن نريد أن نهرب؟! «يا مَن لا يُهرَبُ مِنهُ إلّا إليهِ»! الهروب منه هو نحوه!» يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «أفِرُّ مِن قضاء اللَه إلى قَدَرِه».۱ فكلاهما متعلّق بالله؛ فالمجيء من تحت الجدار هو بأمر الله وبقدرة وإرادة الله، والنجاة التي تحصل بواسطته هي أيضًا بقدرة الله!

  • كانت هناك فتاة من عائلة أمّي في كرمانشاه. وكان هناك شخص من أعيان تلك المنطقة كانت عادتُه أن يقوم أثناء نومه، ويرتدي ملابسه بشكل جيّد، ويخرج من المنزل، ويتجوّل، ثمّ يعود، وينام؛ لاحقًا عندما كانوا يسألونه، لم يكن يتذكّر شيئًا! فهناك بعض الأفراد يقومون أثناء نومهم، ويمشون، ويتحدّثون! ذات يوم، كان الجوّ حارًّا، وكان أهل المنزل ينامون فوق السطح، فنهض ونزل إلى فناء البيت، وبدأ يمشي باتّجاه الباب. في هذه اللحظة، تدحرجت طفلة صغيرة في نومها من فوق السطح ـ الذي لم يكن له سياج ـ وسقطت إلى الأسفل، ووقعت على رأس هذا السيّد الذي كان يمشي في الفناء! انتبه، وأمسك بالطفلة في الحال؛ ورغم أنّه أمسك بها فجأة، وسقطت الطفلة من ارتفاع متر، لكن لم يحدث لها شيء. استيقظ هذا من نومه للتوّ، وتعجّب ممّا تفعله هذه الطفلة هنا؟! كبُرت هذه الطفلة، وتزوّجت؛ وبعد فترة وجيزة من ذلك، انزلقت قدمها من على سلّم، فوقعت، وارتطم رأسُها بزاوية الدرج، وماتت في الحال! هذه الطفلة نفسها تسقط من السطح ويُنجّيها الله، ثمّ هذه المسكينة تلتوي قدمها هكذا من على سلّم، وتقع، وتتوفّى قبل أن ينزل الماء في حلقها!

  • وعليه، حينما يطلب الإمام عليه السلام الآن النجاة: «مِن أينَ لِيَ النَّجاةُ»؟!، ما هي هذه النجاة؟ وفي أيّ وضع ومكانة نحن حتّى نطلب النجاة؟ والنجاة من أيّ شيء هي؟ والفلاح في أيّ شي؟ وما هي نتيجة تلك النجاة؟ وإلى أيّة مسألة ينبغي أن يصل الإنسان حتّى يشعر هناك أنّه قد نجا؟ حسنًا، هذه الأمور واضحة، لكنّها من باب تكرار المكرّرات، ونترك البقيّة للجلسة القادمة إن شاء الله تعالى.

    1. التوحيد، الشيخ الصدوق، ص ٣٦٩:
      «إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام عَدَلَ مِن عند حائطٍ مائلٍ إلى حائطٍ آخَرَ؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين، أ تَفِرُّ مِن قَضاءِ اللَه؟ فَقالَ: "أفِرُّ مِن قَضاءِ اللَهِ إلى قَدَرِ اللَهِ عَزَّوَجَلَّ!"».

معنى النجاة الحقيقيّة وكيفيّة تحقّقها - أوهام السلاطين في مقابل توحيد الأنبياء

11
  •  

  • اللَهمّ صَلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد