3

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة

: لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

126
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/05

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

ما هو المعنى الحقيقي للنجاة التي ندعو بها في الأدعية؟ كيف يُمكن لتقديس الأولياء أن يتحوّل إلى شرك خفيّ؟ وما هو سرّ وحدة الإرادة الإلهيّة التي تقف خلف أفعال المؤمن والكافر على السواء؟ ماذا يتوقّع الناس من المرجع؟ كيف يأخذ الله تعالى بيد الإنسان الصادق؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة العميقة.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة

  • لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الثالثة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ

  • وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرْسَلِينَ

  • وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ

  • وَاللَّعْنَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ

  •  

  •  

  • «إِلَهِي لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِّ وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ؟ لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلَا الَّذِي أَسَاءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ. يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ!».۱

  • إنّ هاتين الفقرتين: «وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ؟» و «خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ» تجدان معناهما في ضمن مسارٍ واحد.

  • معنى النجاة في لسان العوام

  • بيّنتُ في الجلسة السابقة ما هو معنى النجاة. فالنجاة تُفسَّر وتُعرَّف على ألسنة الناس بأنّها الحالة التي يقع فيها الإنسان في مشكلةٍ أو يُصيبه مرض؛ ولكي يُشفى من هذا المرض، وبعد أن تنقطع به السبل من كلّ مكان، ويذهب إلى كلّ طبيب، ويزور كلّ مختبر؛ وباختصار، بعد أن يُفرغ جميعُ هؤلاء الأطبّاءُ جيوبَه، حينها فقط يتوجّه إلى الله، فيُقيم مائدة باسم القاسم وأمّ كلثوم، ويُنذر النذور، ويتوسّل بالإمام الرضا عليه السلام وأمثال ذلك، ويقول: «يا ربّ، لقد وصلتُ إلى نهاية المطاف!».

  • أو أن تكون لديه مشكلة أو يقع في دَيْن، فيأتيه الدائنون من كلّ حدبٍ وصوب، ويُهدّدونه قائلين: «إن لم تُسدّد دينك، فسنفعل كذا، وإن لم تدفع حتّى اليوم الفلاني سنقوم بإيداع شيكك ونودعك السجن، وسنُنزل بك مصيبة تجعلك كذا وكذا! لم تقُل لنا هذا الكلام! لماذا لم تخبرنا منذ البداية أنّك محتال؟!». يا هذا، لقد كنتم تضحكون مع بعضكم في البداية، فما الذي حدث حتّى أصبح الطرف الآخر خائنًا ومحتالاً ومنافقًا وكاذبًا ومخادعًا وما إلى ذلك؟!

  • خلاصة القول، إمّا أن يضرب ذلك المسكين البائس على طبل اللامبالاة ويقول: «ليكُن ما يكون»، أو يضطرّ إلى تناول حبوبٍ مهدّئة ليلاً كي يتمكّن من النوم. على أيّة حال، عندما تنقطع به السبل من كلّ جانب، يرفع يديه بالدعاء قائلاً: «يا ربّ، اقضِ ديون المديونين!»؛ ونحن نقرأ في أدعية شهر رمضان: «اللَّهُمَّ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ، إِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».٢ حينها، نلجأ إلى الله ونقول: «يا ربّ، أرسل لنا فرجًا من نافذة الغيب وخلّصنا!». وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة للمشاكل الأخرى التي تطرأ في الحياة، والأمور المرتبطة بشؤون الحياة اليوميّة، والدارجة والشائعة على الألسن والأفواه.

    1. الإقبال بالأعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷، مقطع من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
    2. المصباح، الكفعميّ، ص ٦۱۸.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

3
  • المشكلة الحقيقيّة سببها الجهل وازدواجيّة الرؤية

  • لكنّ الحديث يدور حول: ما هي تلك المشكلة الواقعيّة والحقيقيّة؟ ما هي تلك المشكلة التي هي أمُّ الأمراض، والتي تنشأ عنها كلّ الآلام والأسقام؟ تلك المشكلة هي «الجهل»! الجهل بالحقيقة، والجهل بالواقع، والجهل بالمسألة! انظروا، إنّ تسعمائة وتسعًا وتسعين حالة من بين ألف حالة من الحالات التي يضرب فيها الناس بعضهم بعضًا في هذا العالم ـ ونحن نتساهل كثيرًا في استثناء تلك الحالة الواحدة ـ سببُها جميعًا هو الجهل!

  • لو كانوا يرون الواقع والحقيقة، لما كان لكلّ هذا الكلام وجود. لماذا كان على النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يدخل في صراعٍ مع أبي سفيان وأبي جهل؟ لأنّهما كانا جاهلين! قال لهم: «أنا لا أريد منكم بيتًا ولا حياة، ولا أطلب منكم مالاً. يا عديمي العقول، في النهاية، لقد خلقكم الله بشرًا! فما هذه الأخشاب التي صنعتموها؟ وما هذه التمور التي صنعتموها على هيئة صنم، ثمّ حين تجوعون، تهجمون عليها وتأكلونها جميعًا؟ ما هذا؟!».

  • لقد كان الأمر هكذا! حيث كانوا يصنعون أصنامًا من التمر؛ وعندما يحلّ عام المجاعة، كانوا يأتون جميعًا، ويأكلون تمورهم۱. فكان أحدهم يحصل على رأس الإله، وآخر يحصل على ساقه، وآخر على بقيّة الأجزاء؛ وباختصار، كان الأمر يعتمد على الجزء الذي يقع في يد كلّ واحدٍ منهم! وبعد ذلك، لم يعُد هناك إله! والآن، هل تعبدون هذا الإله؟! وعلى حدّ تعبير النبيّ إبراهيم عليه السلام: «أين عقولكم؟!».٢ لقد ضرب الصنم الأكبر وحطّمها جميعًا!

  • ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾؛٣. قالوا: أ فهل يستطيع الصنم الأكبر أن يفعل أيّ شيء؟! ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾٤ «ما» هنا مصدريّة، أي: واللهُ خَلَقَكم وعَمَلَكم وفِعالَكم.

  • كلّ هذا ناشئٌ عن الجهل وازدواجيّة الرؤية! النجاة تعني أن نخرج من ازدواجيّة الرؤية هذه. النجاة تعني أن نخرج من رؤية الكفر والإيمان هذه، وأن نخرج من هذا الاستقلال في القدرة والتشخّص والتحيّز، وألّا نتصوّر بعد الآن إمامًا حسينًا وشمرًا [بنحو مستقلّ]، بحيث يأتي الشمر، ويقطع رأس الإمام الحسين عليه السلام بتلك الطريقة المعروفة، وألّا نتصوّر بعد الآن ابن ملجم وعليًّا [بنحو مستقلّ]، بحيث يوجد ابن ملجم له قدرة وقوّة وطاقة، فيقف في مواجهة عليّ عليه السلام، فيهزمه ويقضي عليه ويدفنه تحت التراب. هذه هي الجهالة، وكل هذه الأمور ناشئة عن الجهل!

    1. المعارف، ابن‌ قتيبة، ص ٦٢١.
    2. لعلّه إشارة إلى الآية القرآنيّة الشريفة: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الصافّات، الآيتان ٩٥ و٩٦). المترجم
    3. سورة الأنبياء، الآية ٦٤.
    4. سورة الصافّات، الآية ٩٦.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

4
  • وحدة الإرادة والمشيئة في عالم الوجود

  • لا توجد في العالم سوى قدرة واحدة، ولا توجد في العالم سوى إرادة واحدة، ولا توجد في العالم سوى مشيئة واحدة! إذا كان عليّ عليه السلام يمتلك قدرة، ومعاوية يمتلك قدرة، ثمّ تغلّبت قدرةُ معاوية على قدرة عليّ عليه السلام، فإنّ عليًّا هذا لن يكون إمامًا بعد ذلك، بل سيُصبح شأنُه كشأن أحد من المراجع! فهل هؤلاء المراجع يمتلكون قدرة؟ لا!

  • لقد ذهب ودرس وبذل جهدًا، وأصبح مجتهدًا بحسب الظاهر، وأصدر رسالته العمليّة بناءً على صفائه ونقائه وعلمه، ويُقلّده جمعٌ من الناس. ولكن، هل هو متّصل بالباطن؟ لا! إنّه يعمل وفقًا لواجبه وما استنبطه من الأدلّة، والله يجزيه على ذلك أجرًا. ولكن، هل يمكننا القول إنّ هذا الإنسان يمتلك قدرة الولاية وأمورًا من هذا القبيل؟ لا! إذا كان من المفترض أن يكون عليّ عليه السلام مثله، ثمّ يأتي معاوية ليتغلّب عليه، فهذا ليس بإمامٍ إذن!

  • في أحداث الانتخابات التي جرت في زمن الشاه بخصوص قضيّة المجالس الإقليميّة والمحليّة، كان بيان المرحوم العلاّمة هو نفسه، حيث كان يقول: «لقد جاء الشاه وخدعنا ومكر بنا، فوقفنا جميعًا حائرين لا ندري ماذا نفعل!».۱

  • ضرورة التصرّف والسلوك الصادق في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة

  • إنّ الشيطان لا يكلّ ولا يملّ! إذا كان الحساب حساب سياسة، فهم يسبقوننا! فلنكن على حذر؛ لأنّه إذا أردنا أن نواجه العالم بمنطق السياسة، فإنّهم سينتصرون علينا بنسبة مائة بالمائة؛ لأنّ الشيطان له اليد العليا. إذن، فلنعمل بصدقٍ، ولنكُن صريحين.٢

  • في أحد الأيّام، تُوفّي رجلٌ من روّاد هذا المسجد، كان رجلاً صالحًا من المؤمنين. هذه قضيّة تعود إلى عشرين عامًا مضت. شارك المرحوم العلاّمة في تشييعه، وكنت أنا حاضرًا أيضًا. وكان حاضرًا في التشييع عقيدٌ من الأقارب المقرّبين لهذا الرجل، وكان له شأنٌ كبير في جهاز الشاه. جاء هذا الرجل، وركّز بدقّة على تصرّفات المرحوم العلاّمة، وكان يُراقب فقط!

  • يا إلهي، ما هذا؟! قام المرحوم العلاّمة بالتشييع والصلاة والدفن في مقبرة «جنّة الزهراء»، حتّى إنّه وقف عند قبره، وأذكر أنّه لقّنه، وكانت عائلته من غير المحجّبات ومتبرّجات، لكنّهن تنحّين جانبًا، فقال المرحوم العلاّمة في الصلاة: «لا يحقّ لأيّة سيّدة أن تتقدّم؛ وفي أثناء التشييع، على السيّدات أن تتأخّرن، حتّى لا تكُنّ بوضع غير لائق!». وقد امتثلن لذلك، ووقفن جانبًا. بالطبع، كانت هناك بضع نساء محجّبات يرتدين العباءة، وزوجته أيضًا كانت امرأة مؤمنة جدًّا.

    1. راجع: وظيفة الفرد المسلم‌ في‌ إحياء حكومة‌ الإسلام، ص ٥٩.
    2. معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ۱٩٣:
      «أ لم نعلم أنّ الحكومة الإسلاميّة تُقام على أساس حكومة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وقواعدها هي عين الاستقامة والصدق. ولو خرجت من هذا المحور فهي ليست حكومة عليّ. وينبغي أن نُعْرَفَ داخليًّا وخارجيًّا كما نحن عليه. والزيادة والنقصان يُخزياننا ويُشوّهان سمعتنا. ناشدتكم الله، هلمّوا لا نتحمّس على الإسلام والمسلمين‌ أكثر من الحدّ المطلوب، فنتحمّس لصيانته وحفظه من خلال إشاعات كاذبة. وإلّا خسرنا في هذه المعركة، ذلك أنّ أعداءنا أشطن منّا وأمكر في الشيطنة. ولو أردنا إسقاطهم بالكذب والشيطنة لخاطرنا بأنفسنا، إذ على فرض تفوّق شيطنتهم فإنّهم سيوقعون بنا.
      إنّ سبيل تصدير الثورة هو الصدق والصدق وحده بلا بثٍّ للدعايات، وهو الذي يُخضع الأجانب حتّى اليهود والنصارى وسائر الحكومات الكافرة، ويستقطب الشعوب، لأنّهم يلمسون حقّانيّة الإسلام ونبيّه عمليًّا في وجودنا. بَيدَ أنّا إذا أردنا أن نخضعهم بغير الصدق فلن يتيسّر ذلك أبداً، لأنّهم يعرفون اسلوب الخداع وغير الصدق أفضل منّا، بل يظفرون بمعلومات جديدة حول كذبنا».

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

5
  • عندما انتهى كلّ شيء، وكانوا في طريق العودة، تقدّم ذلك العقيد من المرحوم العلاّمة، وسلّم عليه وصافحه، وقال له جملة واحدة: «إنّ ما فعلته اليوم قد دفعني إلى تأمّل جديد في شأن رجال الدين!». هذا الرجل نفسه كان مُعاونًا لوزير الأوقاف في زمن الشاه؛ والآن، ما معنى هذا الكلام: «إنّ العمل الذي رأيته منك اليوم دفعني إلى تأمّل جديد في شأن رجال الدين»؟! ما الذي رآه منّا، حتّى جاء وقال هذا الكلام للمرحوم العلاّمة؟

  • أقول هذا الكلام لكي نفهم ما يجب علينا فعله؛ فالماضي قد مضى، ونحن ـ لا سمح الله ـ لا نقصد تعيير الآخرين، نسأل الله أن يشمل الجميع بعفوه ودرجاته يوم القيامة!

  • قيل إنّ الآخوند الملا آغا الدربنديّ ذهب، وأمسك بضريح الإمام الحسين عليه السلام ولم يكن يفلته، وكان يقول للإمام الحسين عليه السلام: «بحقّ أمّك فاطمة الزهراء عليها السلام، لا تعفُ عن الشمر!». والآن، ما شأنك أنت بأن يعفو أو لا يعفو؟ مَن أنت لتتدخّل؟! وحينئذ، إذا جاء الإمام الحسين عليه السلام وأراد أن يعفو، فليعفُ، مَن الذي سيمنعه؟! إنّ تلك الرحمة الواسعة التي منحها الله للإمام الحسين عليه السلام قد تشمل الشمر ويزيد أيضًا؛ فما الذي نعرفه نحن؟! والآن، لماذا أنت مستاء؟! قل للإمام الحسين عليه السلام: «تعال واشفع لي»؛ وما شأنك بالبقيّة؟! اذهب، واهتمّ بشؤونك! فأنت الآن تُحدّد للإمام الحسين عليه السلام تكليفه، وتقول له: «بحقّ أمّكم...»، وتُقسم عليه أيضًا حتّى يقع في الحرج؟! لأنّه يُقال: إنّ أيًّا من الأئمّة عليهم السلام إذا أُقسم عليه بحقّ فاطمة الزهراء عليها السلام، فإنّ الدعاء يكون حتميًّا ولا يُردّ. وهذا أيضًا أراد أن يُحكم الأمر كما يُقال!

  • الآن، الحديث هو أنّه يجب علينا أن نرى من نحن. هذه الأمور التي أنقلها هي أمثلة، أي: لكي نشعر بالمسؤوليّة تجاه أنفسنا. إنّ تعامل المرحوم العلاّمة مع رفيقه كان يُماثل تعامله مع الجنرال الفلانيّ الذي كان يأتي إليه. لم يكن يخدع أحدًا وكان صادقًا. ذلك العقيد يرى الآن رجال الدين، وينظر إلى أنّ ذلك الرجل الذي تُوفّي الآن لم يترك إرثًا للمرحوم العلاّمة، ولم يوصِ له بالثلث، وليس للمرحوم العلاّمة أيّ نفع في هذه القضيّة ـ وهو يعلم ذلك لأنّه من عائلته المقرّبة ـ وليس هناك أيّ ملاك أو مناط لهذه المشاركة سوى رضا الله. هذا هو الأمر الوحيد! إنّهم يفهمون، ويفهمون جيّدًا، أفضل منّا!

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

6
  • إذا كنّا نتخيّل أنّهم لا يفهمون، فنحن الذين خدعنا أنفسنا. إنّ رئيس جمهوريّة أمريكا الآن ينظر إلى أعمالنا بدقّة ويفهمها جيّدًا؛ وإذا لم يفهم هو، فإنّ مستشاره يفهم. إنّهم يفهمون بدقّة وحساب! لن أقول أكثر من هذا، لكنّهم يعلمون أنّه إذا كان من المفترض أن يُحترم القانون، فيجب أن يُحترم أوّلاً تجاه المقرّبين منّا!

  • السلوك الصادق للأئمّة المعصومين عليهم السلام واعتراف أعدائهم بذلك

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام لابنته [ما معناه]: «هل ذهبتِ، وأخذتِ هذا من بيت المال؟! سأقطع يدكِ الآن! لقد أخطأتِ!». قالت: «أنا لم أذهب لآخذه لنفسي!». قال: «لو كنتِ قد أخذتِه لنفسكِ لقطعتُ يدكِ! لقد أخطأتِ حين ذهبتِ وأخذتِ من بيت المال».۱

  • لهذا السبب، عندما يُذكر اسم أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ معاوية نفسه ـ عليه اللعنة ـ يبكي؛ إنّه يبكي حقًّا! وهو لا يبكي كذبًا، بل يتأثّر حقًا! عندما يذهب ضرار بن ضمرة الليثيّ، ويشرح أحوال عليّ عليه السلام لمعاوية، يجلس معاوية ويبكي.٢

  • في أحد الأيّام، أحضر المأمونُ أحدَ شعراء عصر الإمام الرضا عليه السلام، واسمه أبو نواس، وقال له: «حدّثني عن مولاك!». خاف أن يتكلّم؛ فقال المأمون: «لا، لا تستخدم التقيّة، تكلّم!». فبدأ يُحدّث المأمونَ عن أحوال الإمام عليه السلام، فقال المأمون بعد ذلك: «هل هذا كلّ ما تعرفه؟! أنا أعرف أكثر منك!». ثمّ قال: «ليأتِ قرّاء المراثي، وليقرؤوا المراثي، ويتحدّثوا عن هذه الأمور!». ثمّ بدأ هو بنفسه يتحدّث عن أحوال الإمام الرضا عليه السلام ويبكي! مع أنّه لم يكُن يبكي كذبًا، بل كان يبكي بصدق٣! هم يعرفون أفضل، ولكنّ النفس لا تدعهم أن يأتوا، ويُسلّموا لهذا البكاء، ويخضعوا لهذه الحقيقة التي قبلوها.

  • نموذج من السلوك غير الصادق لبعض المشايخ

  • أُودِع أحدُ المشايخ بالسجن ـ سأقول الأمر بإيجاز لأوصل فكرتي ـ وجاء أحد المسؤولين في الدولة لزيارته، فقال لمُساعده: «اذهب وانظر من ثقب باب السجن دون أن تخبره، لترى في أيّ حالٍ ووضعٍ هو، ولترى إن كانت الظروف غير مواتية حتّى لا نزعجه». قال المُساعد: «نظرت، فرأيته قد ألقى شيئًا على نفسه ونام». قال المسؤول: «حسنًا جدًا؛ فلنذهب الآن».

    1. تهذيب الأحكام، ج ١٠، ص ١٥١، مع اختلاف يسير.
    2. أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص ١٥٠.
    3. بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٣٠٦؛ الغيبة، ص ٥٣.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

7
  • دخل، وبدأ يطرق الباب، طرق باب السجن ونظر مرّة أخرى، فقال السجين من الداخل: «تفضّلوا، من الطارق؟». عندما دخلوا، وجدوه جالسًا والكتاب في يده، وهو يقرأه!

  • هل فهمتم ما أقول؟! هل يحقّ له ألاّ يخضع لهذا الأمر أم لا يحقّ له؟! أين نحن من هذا؟!

  • توقّع الناس من المرجع هو توقّعهم من نبيّ!

  • ورد في كتاب ولاية الفقيه أنّ أحدًا ذهب إلى الحاجّ السيّد حسين القمّي۱ وقال له: 

  • يا سيّدنا، إنّ ما يتوقّعه الناس منكم ليس توقّعًا من مرجع، بل يتوقّعون منكم توقّع النبيّ! فهل أنتم في هذا المقام أم لا؟!

  • الشيخ مطهّري رحمه الله عندما ذهب إلى باريس وعاد، كان يقول في ذلك المجلس الذي حضره بعد عودته من باريس، وكان يشرح للمرحوم العلاّمة مجريات الأمور والأحداث؛ بالطبع، كنت حاضرًا في جزءٍ منه، ثمّ رأيت أنّه من الأفضل أن يكون اللقاء خاصًّا:

  • ذهبت إليه يومًا، وقلت: يا سيّدنا، هل تعلمون كيف هي مكانتكم الآن في إيران؟! كلمتكم هي الكلمة الأولى، وكلامكم هو الكلام الأوّل. إنّكم تصدرون بيانًا واحدًا؛ وبعد ساعة، يُنفّذ في جميع أنحاء إيران. ليس في إيران فحسب، بل إنّ أنظار العالم الآن مشدودة إليكم! إنّ التوقّع الذي يتوقّعه الناس منكم، والاهتمام بتنفيذ أوامركم، هو الاهتمام الذي كان للناس برسول الله صلّى الله عليه وآله! فهل ترون أنفسكم في هذا المقام، وهل أنتم واعون لمكانتكم؟! لم يُجب بأيّ جواب، بل أطرق رأسه ولم يتفوّه بكلمة!

  • انظروا، هذه أمورٌ كان هؤلاء أنفسهم واعين لها؛ فالمسألة حسّاسة جدًا!

  • ضرورة تصحيح كيفيّة الأداء في التعامل مع الآخرين

  • يجب ألّا نكتفي بادّعاء السلوك؛ وذلك بأن نقول: «الحمد لله، نحن نذكر الله، ونُصلّي صلاة الليل، ونقوم بهذه الأمور»، ونعتبر أنفسنا "شعب الله المختار"! يجب أن نعلم ما هو عملنا وفعلنا. نحن لا نعلم مقامه الثبوتيّ [أي للمرحوم العلاّمة]، ولا خبر لدينا عنه، فما شأننا بأن نتفوّه بهذا الكلام؟! ولكن على الأقلّ، بما أنّني ابنه وعشت في كنفه، فإنّني أقول هذا: لقد أقام عدلاً في حياته الأسريّة لدرجة أنّ أصواتنا ارتفعت جرّاء ذلك! هذه هي القضيّة.

    1. لمزيد من الاطّلاع على أحوال الحاجّ السيّد حسين القمّي، راجع: ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ٤، ص ۱٩.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

8
  • المسألة هي: أين نضع أقدامنا؟ وما هي المسائل والقضايا التي في أذهاننا؟ وما هي أهدافنا من هذه القضيّة، والمكان الذي نذهب إليه، والعمل الذي نقوم به؟ وكلامنا وأفعالنا وسلوكنا على أيّ نحو هو؟ فأولئك الذين لا نعتبرهم مسلمين، أليسوا بشرًا حقًا؟! أليست بينهم وبين الله علاقة؟! أليس لديهم طريق للهداية؟!

  • حذارِ أن نسدّ طريقهم يومًا ما! «كُونُوا لَنَا زَيْنًا وَلَا تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْنًا»،۱ حذارِ أن نكون قد سددنا طريقهم بعملنا هذا! هو لم يأتِ الآن، وكما يقول المثل [الفارسي]، ليأكل الأفعى ويصبح ثعبانًا.٢ فعندما يأتي فردٌ، ويصبح جزءًا منّا، ويعتاد [على أجوائنا]، ويعتاد على سلوكياتنا "الطائشة"، حينها لا نبالي! ولكن الأمر هو أنّ هناك أفرادًا آخرين يُمكنهم ذلك.

  • مَن الذي جاء وأخذ بأيدينا؟ «مِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ؟». من أين أتيتم بهذه النجاة؟! من أين أتينا بها نحن؟! مَن الذي بعث إليكم رسالة يستعطفكم فيها؟! وبتعبير أهل العصر، من الذي جاء إلى باب داركم بمنديل من حرير؟! كلّ واحدٍ [جاء] بطريقة مختلفة، وكلّ واحدٍ بنحوٍ مختلف!

  • رواية الإمام الصادق عليه السلام في كيفيّة أخذ الله بأيدي المؤمنين الصادقين

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام في تلك الرواية [ما معناه]: «أيّما رجل من شيعتنا كان لديه صدق وصفاء، فإنّ الله يضع في طريقه مؤمنًا».٣

  • فإذا نظرت إلى أيّ إنسان، تجد أنّ هناك وسيلة وطريقًا كان من شأنه أن يأخذه، ويدور به، ويلفّ به، ويحضره إلى هنا. أراد أحد الرفقاء أن يرى شخصًا ما، فقلت له: «هذا لا ينفع!». قال: «لا، هيّا بنا نذهب!». خلاصة القول، ذهبنا إلى ذلك الرجل. بدأت أطرح عليه أسئلة، ونشأ نقاش تحدّث فيه لنا لمدّة ساعتين تقريبًا. فهل يُقال الأستاذ لهذا الفرد، أم للشخص الذي تذهب إليه فيقول لك الأمر بصراحة؟! الأستاذ هو الذي يقول للشيخ مطهّري: «اسألني عمّا شئتَ حتّى أجيبك!».٤ في حين أنّه لا يملك علمًا ظاهريًا! أين يوجد مثل هذا الإنسان؟! قال [المرحوم الوالد] للسيّد إبراهيم الكرمانشاهيّ: «اسأله عن أيّ كتاب شئت حتى يُجيبك! اسأله عن فصوص محيي الدين، يُخرج لك [أسراره]! اسأله عن الأسفار، يُخرج لك [أسراره]!».٥ هذا، مع أنّه رجلٌ لم يدرس حتّى نصف كتاب السيوطيّ! من أين أتى كلّ هذا؟!

    1. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٤٠٠.
    2. مثل عاميّ فارسيّ يُراد به الشخص الذي تحمّل المصاعب بشكل كبير، فصار شخصًا ذا تجربة، ولم تعُد المشاكل والمصاعب تهدّ من عزيمته. المترجم
    3. راجع: الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٥٨.
    4. المُراد هو السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه، راجع: الروح المجرّد، ص ١۷٠. المترجم
    5. المصدر نفسه، ص ۱٣۰ ـ ۱٣٢.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

9
  • أيّ توفيقٍ هذا الذي قُسِم لنا، فاختارنا الله من بين هؤلاء الناس، وجمعنا، وأجلسنا على هذه المائدة؟! من أين أتينا بهذا؟! حسنًا، تفضّلوا إذن! حسنًا، اذهبوا إذن! مَن أراد، فلينهض، وليذهب! ليذهب ويبحث، ليذهب إلى العراق، وليذهب إلى الهند، وإلى باكستان، وإلى ماليزيا، وإلى إندونيسيا، وإلى أمريكا، وإلى أيّ مكان، سواءً هنا وهناك؛ فإذا عثر هناك على أشياء جيّدة، فليتفضّل!

  • طريق الله تعالى هو طريق اليقين والعلم

  • حسنًا، الواقع هو هذا، وهكذا كان منذ البداية! في آخر مرّة تشرّفتُ بلقائه [أي المرحوم العلاّمة]، كان يكتب، وكان وقت العصر، وذلك قبل ثلاثة أشهر من ارتحاله. كنت واقفًا بجانب الباب، وهو كان مشغولاً، فقال: «حسنًا، كيف حالك؟ كيف حال رفقاء قمّ؟». سأل بعض الأسئلة، وبعد هذا الكلام، قال:

  • كلّ من لديه شكّ، يجب ألّا يدع هذا الشكّ يبقى فيه! هذا الطريق هو طريق اليقين وطريق العلم، هذا الطريق لا يجتمع مع الشكّ. كلّ من لديه شكّ فليذهب وليبحث، وليُزل شكّه، حتى يتقدّم بيقين وعلم!

  • كان هذا آخر كلام قاله لي. لا يوجد هنا: «لا تأتِ إلى هنا»، بل قُم وتعالَ بيقين! حسنًا، من أين أتينا بهذا؟ من الذي أعطانا هذا؟ هل كنّا نحن، هل نحن كنّا السبب، وهل نحن كنّا الموجِب؟! هيهات! أين نحن من أن نخطو خطوة واحدة؟!

  • كلّ هذا من أجل أن يخرج الجهل، ﴿وَيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾۱. كلّ هذا المسير من أجل أن تعلموا أنّ الله هو الحقّ! والآن، هل إذا قلت: «يا ربّ أنت الحقّ»، فإنّ الأمر قد انتهى؟! ﴿وَيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ...﴾، لا أن تقولوا فقط: «يا ربّ أنت الحقّ! يا ربّ، أنت الحقّ، يعني أنّ الحقيقة في العالم منحصرة في ذات واحدة، وفقط!»؛ فلا الكافر له وجود هناك، ولا المؤمن؛ ولا أبو سفيان يستطيع أن ينهض هناك، ولا النبيّ الأكرم رسول الله! أمام حقيّة الحقّ، كلّ ما سواه فهو صفر، ولا يوجد شيء آخر! ﴿وَيَعْلَمُوا﴾ يعني: أن تصلوا إلى هنا! ﴿وَيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ يعني: لا ذلك الكافر يملك قدرة من نفسه، ولا غيره!

    1. سورة النور، الآية ٢٥.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

10
  • مـرا پیر طریقت جز علی نیست***که هستی را حقیقت جز علی نیست 
  • مجـو غیر از علی در کعبه و دیر***که هفتـاد و دو ملّت جز علی نیست۱ 
  • يقول:

  • ليس لي شيخ طريقة سوى عليّ *** فليس للوجود حقيقة سوى عليّ

  • لا تبحث عن غير عليّ في الكعبة والدير *** فالاثنتان والسبعون ملّة ليست سوى عليّ

  • إنّها أشعار مفعمة بالحياة! وعلى حدّ تعبير المرحوم العلاّمة، كان يقول: «كان الحاج الميرزا حبيب الله الخراسانيّ رحمه الله رجلاً مُفعمًا بالحياة!»، حيث يقول:

  • شنیدم عـاشقی مستانه می‌گفت***خـدا را حول و قوّت جز علی نیست
  • يقول: 

  • سمعت عاشقًا يقول بسُكرٍ *** ليس لله حول ولا قوّة إلا عليّ

  • ثم يأتي ويقول:

  • تو را پیر طریقت گو عمـر بـاش***مـرا پیر طریقت جز علی نیست 
  • يقول:

  • ليكُن شيخ طريقتك عُمر *** أمّا أنا فشيخ طريقتي ليس سوى عليّ

  • التوجّه إلى المبدأ والحقيقة، هو الهدف والرسالة الوحيدة لأولياء الله

  • في النهاية، يقول: كلّ الملل الاثنتين والسبعين هي هو! إنّ مظاهر الله تحمل صفات الربّ المختلفة، حيث يكون لكلّ مظهرٍ ظهورٌ في مظهريّته؛ والتوحيد هو أن يقف الإنسان على منشأ هذا الظهور، لا أن ينظر إلى هذا المظهر! ما دامت رؤيتنا مقتصرة على المظهر، فإنّنا باقون في الجهل وعبادة الذات والشرك. عندما يُزاح المظهر جانبًا؛ حينها، لن نُفرّق بين النبيّ وغير النبيّ. كلّ هذا لأنّنا أسرى المظهر؛ فنحن أسرى هذه الظواهر، ونحن أسرى الصور المتعيّنة في هذا العالم. لقد أصبحنا قائلين بالثنويّة، بل بالتثليث والتربيع والتخميس والتسديس! إذا اتّخذنا ألف تأليف، نكون قد صنعنا ألف صنم!

  • يقول الله تعالى: أنا الذي أُدبّر الأمور في هذا العالم؛ فمن يكون زيد وعمرو وهذا وذاك؟! فكلّ هذه الجهود وصيحات النبيّ وهذه الحروب وهذا الكلام، كان من أجل أن يقول للناس: «أيّها الناس، أنا لا شيء!». كلّ هذا كان من أجل هذا. حينها، كان الناس يقولون: لا، أنت رسول الله! قال: «حسنًا، في النهاية، لا تُحلّ الأمور بالمجاملات!».

  • هل رأيتم هؤلاء الموالين الذين يجلسون ويقولون: «عليّ، عليّ، فقط عليّ!». يا هذا، عليّ عليه السلام نفسه يقول: «كلّ هذه الحروب، صفّين والنهروان والجمل، وخمس وعشرون سنة من الجلوس في البيت، كانت من أجل أن تفهموا أنّ عليًّا ليس بشيء!».

    1. ديوان الميرزا حبيب الله الخراسانيّ، المدائح، ص ٢۰۰ و٢۰۱.

النجاة في الخلاص من الجهل والكثرة - : لماذا بكى معاوية حين وُصِف له الإمام عليّ عليه السلام؟ وكيف يُجبر الصدقُ الأعداء على الاعتراف بالحق؟

11
  • بعد ارتحال المرحوم العلاّمة، سقط أحد الرفقاء سقوطًا شديدًا وتدهورت أحواله، فتوسّل به. كان يقول: كلّما كنت أقول للمرحوم العلاّمة: «أنت وحدك الذي أخرجتنا من المشاكل!»، كان يقول: «أنا لم أفعل شيئًا». فكان يقولها بحزم! كان حازمًا في ذلك الوقت، وهو على حزمه ذاك لم يتغيّر! وكان الرفيق يقول له: «كنت كذا وكنت كذا؛ وأنت فعلت كذا!». فكان المرحوم العلاّمة يردّ: «لم أفعل شيئًا!». وكان ذلك الرفيق قد أخذ الأمر على محمل الجدّ أيضًا! وكان يقول مرّة أخرى: «كنّا هكذا، وكنّا كذلك، كنّا بؤساء، كنّا تعساء!». فكان يرد: «لم أفعل أيّ شيء! ولا تقل هذا الكلام مرّة أخرى! أنا لست بشيء!».

  • يعني أنّ هذا الرجل تحمّل كلّ هذه المصائب في هذه السبعين سنة، والآن يقول: لم أفعل شيئًا! لماذا تقول: أنا؟! لماذا أنت مشرك وتأتي بالشرك؟! كانت جهودي هذه لكي تصل إلى التوحيد، لا لكي تضعني الآن في مقابل الله تعالى! هل تضعني في مقابل الله تعالى؟! أنت الآن مشرك، اترك شركك جانبًا؛ أنا لم أكن شيئًا! وكان يقول الصدق!

  • كيف يجب علينا الجمعُ بين هذا وذاك؟! فهو الذي يقول: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ المَخْلُوقَ لَمْ يَشْكُرِ الخَالِقَ»۱. من هذا الجانب، القضيّة هكذا. ومن الجانب الآخر، يقول: إنّ كلّ ما لا لون له عندما أتى إلى هنا، أصبح ذا لون! حسنًا، كيف نجمع هذا الوضع المضطرب؟! ماذا نفعل بهذا؟!

  • فلندع هذه المسألة لليلة غد إن شاء الله تعالى.

  •  

  • اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

    1. عيون أخبار الرضا عليه السّلام، ج ٢، ص ٢٤:
      «عن عبد العَظيمِ بنِ عبداللَهِ الحَسَنيّ عن محمودِ بنِ أبي ‌البِلادِ قال: سَمِعتُ الرّضا عليه السّلام يقولُ: "مَن لَم يشكُرِ المُنعِمَ مِنَ المَخلوقينَ لَم يشكُرِ اللَهَ عَزَّوَجَلَّ"».