4

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة

كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

112
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1419

التاريخ 1419/09/05

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

لماذا تختلف رؤية الله وأوليائه للأمور عن رؤيتنا؟ وكيف تؤثّر أهواء النفس على أحكامنا فتدفعنا لمعارضة الأعاظم؟ وما هو السبيل لتجاوز هذا الجهل والوصول إلى المراتب العالية؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وتكشف عن حقيقة السير والسلوك إلى الله.

/۱۵
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة

  • كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة الرابعة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ 

  • بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ 

  • الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلّى اللهُ 

  • على سيّدنا ونبيّنا محمدٍ وآلِهِ الطيبينَ الطاهرينَ

  • واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • تساوي جميع الخلائق في نظر الله

  • «الحمدُ للهِ الذي أدعوهُ فيُجيبُني وإنْ كنتُ بطيئًا حينَ يدعوني».

  • تقدّم في الجلسة السابقة أنّ مقتضى صفات الكمال للحقّ هو تساوي هذه الصفات في العلاقة مع جميع الخلائق. فهذه الصفات الجماليّة والجلاليّة، وكلاهما لازمٌ للتربية ولتفعيل الاستعدادات، تكشف عن جانب الرحمانيّة والرحيميّة للّه؛ ومن هذه الجهة، هي لجميع الأفراد على نحوٍ متساوٍ وعلى السواء، ولا فرق بينهم أبدًا.

  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾۱؛ أو يقول في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾٢؛ لقد أرسلناك للجميع، لا لفئةٍ مخصوصة. لقد أرسلناك لمن يريد أن يتكامل بهذا المقدار، وأرسلناك لمن يريد أن يتكامل بذلك المقدار، وأرسلناك لمن يريد أن يرتقي مراتب أعلى، وكذلك أرسلناك لمن يريد أن يصل إلى المرتبة العُليا؛ أو يقول في آيةٍ شريفةٍ أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾٣؛ لقد أرسلناك رحمةً للجميع.

  • نظرة الأفراد وتصرّفاتهم القائمة على الأهواء النفسانيّة والمصالح الشخصيّة

  • إنّ قياس هذه المسألة والقضيّة يختلف عندنا عمّا هو لدى الأئمّة عليهم السلام والأولياء. فنحن ننظر إلى الأفراد، وبواسطة خصوصيّاتهم وكيفيّة أفعالهم، والرؤية التي تركّزت فينا وتحقّقت، والبصيرة التي نملكها تجاه الأوضاع، نصدر حكمًا على ذلك الإنسان إمّا بضرره أو بنفعه. والجميع هكذا؛ فطالما أنّ ذلك الإنسان صديقٌ للإنسان ورفيقٌ له، فإنّ عيوبه تكون مجهولةً بالنسبة إليه، وينظر إلى معايبه بعين الإغماض، ولكن ما إن يتغيّر موقف ذلك الإنسان تجاهنا قليلاً، فإنّنا نقيّم أعماله بدقّةٍ أكبر. هو لم يتغيّر، ونحن أيضًا لم نتغيّر، ولكنّ رؤيتنا هي التي تغيّرت؛ يعني أنّ اعتبار الصداقة وحيثيّة الرفقة السابقة قد انتفى الآن.

  • بناءً على ذلك، تختلف المعايير، فطالما أنّ الإنسان صديقٌ للمرء، فإذا رأى منه فعلاً، فربّما يعجبه ويضحك؛ ولكن في وقتٍ آخر، ترى أنّ سنواتٍ قد مرّت على هذه القضيّة وتغيّرت الأوضاع والأحوال، ثمّ إنّ الفعل نفسه الذي كان هو يمتدحه سابقًا، يطرحه الآن عيبًا أمام الآخرين. هذا بسبب اختلاف المعايير. فبسبب الصداقة، تتخذ قضيّةٌ واحدةٌ صورتين؛ في وقتٍ ما تُعدّ مستحسنة، وفي وقتٍ آخر تُعتبر قبيحة.

    1. سورة الأحزاب (٣٣)، الآيتان ٤٥-٤٦.
    2. سورة سبأ (٣٤)، الآية ٢۸.
    3. سورة الأنبياء (٢۱)، الآية ۱۰۷.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

3
  • كلّ هذا يعود إلى عالم النفس. فالقضيّة لم تتغيّر، لقد كانت في زمنٍ مضى والآن قد ولّت، ولم تتكرّر أيضًا؛ فلماذا تختلف تلك النظرة الأولى عن النظرة الثانية؟! هذه هي النفس ذاتها. تأتي النفس وتضع المدرَكات تحت سيطرتها، وتُخضِع القوى العاقلة لسيطرتها، وتضع القوى المتخيّلة والمتوهّمة والواهمة تحت سيطرتها، ثمّ نرى أنّ الحكم يتغيّر، والقضاء يتبدّل، والقضيّة تتغيّر ۱۸۰ درجة! أمّا بالنسبة للّه، فالمسألة لا تتبدّل ولا تتغيّر.

  • معارضة الأعاظم والعرفاء بناءً على الأهواء النفسيّة

  • لقد ربّى العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه تلاميذ، واشتغل لسنواتٍ عديدةٍ بتدريس التفسير والفلسفة وأمثال ذلك، وكان وجوده ذا خيرٍ وبركةٍ للحوزة. وفي أحد الأيام، كان المرحوم العلامة يتحدّث معنا عن العلامة الطباطبائي، فقال: «سأسألكم سؤالاً: ما هو سرّ نجاح العلامة الطباطبائيّ في الحوزة، وسرّ صموده على الرغم من المعارضة الشديدة لمدرسة الفلسفة والعرفان؟».

  • ثمّ أجاب هو بنفسه، وقال: «كان سرّه في أنّه لم يكن يتدخّل في شؤون أيٍّ من العلماء!». فطالما أنّه لا يتدخّل في شؤون أحد، فلن يتدخّل أحدٌ في شؤونه أيضًا، فهو يلقي درسه، وربّما يذهب إلى مجالس العزاء والفاتحة، ويأتي إليه الأفراد ويتحدّثون عن هذا العالم وذاك، لكنّه يقوم بعمله ولا شأن له بأحد.

  • ثمّ قال: «لو أنّ العلامة الطباطبائي كان يتعرّض لهم، لاستخرجوا له عشرة إشكالاتٍ من كلّ سطرٍ وتتبّعوا الأمر!». كانوا سيشكلون: «يا عزيزي، لقد قال كذا! وقال كذا!»، كلّ هذا بسبب النفس! ثمّ كانوا يصدرون أحكامًا، ويحكمون بالنجاسة والكفر وأمثال ذلك! كلّ هذا كان لأنّه قد وصل إلى سرّ الموضوع وسرّ القضيّة؛ لم يكن له شأنٌ بأحد، وهم أيضًا لم يكن لهم شأنٌ به.

  • يقولون إنّ صيت حافظ وشهرته قد عمّت كلّ مكان، وكان علماء أهل السنّة يحسدونه. وفي يومٍ من الأيام ذهبوا إلى الشاه شجاع وشكوا إليه قائلين: «إنّ حافظًا كافر أصلاً، وأشعاره فاسدة!». ولم يكن الشاه شجاع مرتاح البال من حافظ، مع أنّ حافظًا قد ذكر اسمه: 

  • سحر ز هاتف غیبم رسید مژده به گوش***که دور شاه‌شجاع است، می دلیر بنوش 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

4
  • والمعنى: 

  • سحرًا أتتني البشرى من هاتف الغيب *** أنّ هذا عهد الشاه شجاع، فاشرب الخمر بجرأة

  • طبعًا، كان الشاه شجاع يتوقّع عنايةً أكبر، وهو لم يكن يستطيع أن يقول كلّ شيء. خلاصة القول، اجتمع هؤلاء العلماء وقالوا: «إنّه قد أنكر المعاد بهذا الشعر:

  • گر مسلمانی از این است که حافظ دارد***وای اگر از پیِ امروز بوَد فردایی 
  • والمعنى: 

  • إن كان الإسلام هو ما عليه حافظ *** فالويل إن كان بعد اليوم من غدِ

  • في حين أنّه لم يقل إنّه لا يوجد معاد؛ بل قال: «الويل إن كان!». هذا لا يدلّ على الإثبات، بل ترك المسألة في حالة تردّد. قالوا: «يجب إعدامه!». جاء أحد أصدقائه وأخبره بالقضيّة، وقال: «ألقِ بهذا الشعر على عاتق شخصٍ آخر؛ لا تقل إنّي قلته!». قال: «حسنًا جدًّا، إنّه كلامٌ جيد». وأضاف هذا البيت إليه: 

  • این حدیثم چه خوش آمد که سحرگه می‌گفت***بر درِ میکده‌ای با دف و نی ترسایی 
  • گر مسلمانی از این است که حافظ دارد***وای اگر از پی امروز بوَد فردایی 
  • والمعنى: 

  • كم أعجبني هذا الحديث الذي كان يقوله سحرًا *** مسيحيٌّ على باب حانةٍ مع الدفّ والناي 

  • إن كان الإسلام هو ما عليه حافظ *** فالويل إن كان بعد اليوم من غدِ

  • قال: «لقد كان هناك بيتٌ إضافيٌّ وقد سقط من قلمه». خلاصة الأمر، أنّه نجا. هذه القضيّة كانت حقيقيّة وليست مزحة. كلّ هذا يعود إلى النفس.

  • تأثير مراعاة المصالح الشخصيّة والأهواء النفسيّة على الفتاوى والأحكام

  • لذلك، ترى أنّ الرأي في أسبوعٍ يكون بشكلٍ ما، وفي الأسبوع التالي يتغيّر! هذا بسبب النفس. كنتُ في مجلسٍ يُنتقَد فيه شخصٌ ما على أنّه ليس مجتهدًا أصلاً، وليس لديه أيّة صلاحيّةٍ أو قابليّة، وكانوا يقولون إنّنا امتحنّاه، وإنّنا فعلنا كذا وكذا! خلاصة الأمر، كان يُقدَح في ذلك المسكين قدح عجيب جدًّا! فصبرنا حتّى أخرج الطرف الآخر كلّ ما في جعبته، وفي النهاية قدّمه على أنّه طالب علمٍ عاديّ.

  • بعد ذلك، قلت: «هذه الأمور التي تقولها تتنافى مع إجازة الاجتهاد التي منحها فلان العالم له!». وهو لم يكن يعلم بهذه القضيّة أصلاً، وكان من مريدي ذلك العالم نفسه، وكان كلامه حجّةً تامّةً بالنسبة إليه. قال: «عجيب!». 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

5
  • قلت: «نعم، إنّه يملك إجازة اجتهادٍ من فلان العالم، وهذا من المسلّمات». 

  • فتردّد قليلًا ثمّ قال: «الآن، لنرَ ما سيحدث». وبعد مدّةٍ، قال: «لقد كنّا نظنّ ذلك!». ثمّ تراجع عن هذا الكلام شيئًا فشيئًا. ظواهر الأفراد تختلف، ولكنّهم في الحقيقة جميعًا مبتلون.

  • في أحد الأيّام، قمنا بزيارة أسيرٍ محرَّر في مشهد بصحبة المرحوم العلامة. لم تدم جلستنا أكثر من نصف ساعة. كان المسكين قد أُسر، ومنذ مدّةٍ كان قد أُطلق سراحه، وكانت حالاته غير طبيعيّة؛ لأنّه تعرّض لأذىً شديدٍ على يد النظام العراقي! كان يشرح هذا؛ وفي أثناء حديثه كان يقول: «لو أخذونا إلى إسرائيل، لكانوا ألحقوا بنا ضررًا أقلّ ممّا لحق بنا في العراق!». عندما عدنا إلى المنزل، أصابت المرحوم العلامة حمّى وارتفع ضغطه إلى ٢۱، وبعد ذلك اللقاء الذي أجراه مع هذا الأسير، بقي مريضًا لمدّة أسبوعٍ تقريبًا!

  • هل كان رقيق القلب؟! هل كان شخصًا انفعاليًّا؟! في النهاية، لم يكن والدنا رجلًا جبانًا! والكثيرون يعلمون، وهو نفسه صرّح بأعماله في ثورة عام ٤٢ في كتاب «وظيفة الفرد المسلم»۱. بعد اللقاء بذلك الأسير، لم يتكلّم معنا بأيّ كلمةٍ أصلاً، وكان واضحًا كالشمس في رابعة النهار أنّ حاله قد انقلب تمامًا؛ ويا له من وضع! أو كلّما كنّا نذهب إلى صلاة الجمعة، ويرى هناك بعض هؤلاء المصابين الذين يأتون بهذه الدرّاجات ثلاثيّة العجلات، وبعض هؤلاء المساكين يأتون مع نسائهم ويركبون معًا، كان ينقلب حاله تمامًا ولم يعد بالإمكان التحدّث معه! وكان يغوص في حاله أصلاً!

  • إذن، يجب أن تكون جميع الأعمال محسوبة. يجب أن تكون الأعمال للّه. على الإنسان قبل أن يفكّر في منفعته الخاصّة، أن يتوجّه إلى الله. عندما يأتي شخصٌ ما إلى الإنسان، إذا فكّرتَ فيمَ ستفعل معه الآن، فقد خسرتَ المعركة! إذا جاءنا شخصٌ وقلنا: «هل أقبل هذا أم لا أقبله، فلأنظر إلى مكانته وأرى هل في ذلك نفعٌ أم لا»، فقد خسرنا وانتهى الأمر! هذا إذا لم نرتّب أثرًا على ذلك وأرجعناه؛ أمّا إذا رتّبنا أثرًا، فالويل ثمّ الويل، والأمر قد انتهى!

    1. وظيفة الفرد المسلم ص ٢٠ـ ٣٨ٰ؛ 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

6
  • الله تعالى لا يتعامل مع الناس على أساس هوى النفس؛ فمثلًا، الله لا يحبّ الإمام الحسين عليه السلام أكثر من زيد بن أرقم، فكلاهما مخلوقٌ للّه؛ ولكنّ الإمام الحسين عليه السلام أطاع، وتحمّل المشاقّ، وربّى نفسه، وأوصلها إلى مرضاة الله، ووضع كلّ وجوده وكيانه في طبق الصدق والإخلاص في حضرة الله، حينها أصبح الإمامَ الحسين عليه السلام؛ أمّا زيد بن أرقم فلم يفعل ذلك، وأنس لم يفعل ذلك، مع أنّهم كانوا أيضًا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله.

  • لذا، فإنّ القياسات التي يقوم بها الأولياء ويقيسون بها المسائل والقضايا، تختلف عن قياساتنا وتتباين أصلًا! فهم ينظرون إلى القضايا بنحوٍ، ونحن ننظر إليها بنحوٍ آخر. إنّ وضعهم يختلف عن وضعنا تمامًا! ونحن لا ندرك هذا المعنى أبدًا، إلّا أن تتجلّى فينا لمحةٌ من حالهم؛ ومن غير الممكن أيضًا أن ندرك! 

  • درنیابد حال پخته هیچ خام***پس سخن کوتاه باید والسّلام 
  • والمعنى: 

  • لا يدرك حال الناضج أيّ فجٍّ *** لذا، يجب اختصار الكلام والسلام

  • حال الإنسان الناضج لا يدركه الإنسان الفجّ، وحال العالم لا يفهمه الجاهل، وحال الكبير لا يفهمه ذلك الطفل الذي يبحث عن المثلّجات والحلوى. الآن، كان هذا الطفل هنا يقول: «دجاجتنا حدث لها كذا وكذا»، ولم يكن يراعي حرمة المجلس أصلًا؛ لأنّه لا يفهم شيئًا. عندما يكبر، سيقول: «عجبًا، لقد قلتُ كلامًا كهذا! لقد فعلتُ الأمر الفلاني!». في ذلك الوقت الذي يكبر فيه، إذا أراد أن يكون على حال طفولته، سيقول الناس: «إنّه مجنون!». ولكن الآن، هذا الحال ليس عيبًا بالنسبة إليه. الآن إذا نهض هذا الطفل وقفز هنا وتكلّم، فإنّ أقصى ما نفعله هو أن نضحك عليه. إذا جاء وجلس بهدوء، سنتعجّب من سبب جلوسه بهدوء؟! عجيبٌ، الطفل لا ينبغي أن يجلس بهدوء، يجب أن يتكلّم! أمّا إذا فعلنا نحن هذا الأمر، فلن يتعجّب أحد. ولكن إذا نهضتَ في مجلسٍ وقلت: «حمامة بيتنا قد فقست بيضها؟!»، سيقولون: «لقد جُنّ!». هذا العمل عيبٌ بالنسبة لنا، ولكنّه ليس عيبًا لذلك الطفل؛ لأنّه لا يفهم. هو لا يدرك حالنا، لذا يتصرّف كطفلٍ، وهذا ليس عيبًا، بل يجب عليه أن يفعل ذلك.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

7
  • إنّ أفكارنا وحالنا بالنسبة إلى الأولياء كحال الطفل الذي لا يفهم أصلاً. ترى أنّ طفلاً يمسك طفلاً آخر ويأتي به ويقول: «يا أبي، هذا الطفل ضربني؛ عليك أن تضربه أنت أيضًا حتّى يموت!». ولا يرضى بأقلّ من الموت. يأخذ والده بأذن ذلك الطفل؛ لكنّ هذا الطفل يقول: «لا فائدة؛ أريد أن أراه ميتًا أصلاً!». هل تستمع إلى كلام هذا الطفل وتضربه حتّى يموت؟! أنت لا ترتّب أثرًا على كلامه، بل تقول: «يا عزيزي، كونا صديقين، والعبا معًا». وتلهيه، تعطيه قطعة حلوى، وتعطي الآخر قطعة حلوى، وتنهي القضيّة.

  • نحن في المسائل والقضايا مثل ذلك الطفل الذي يقول: «يا أبي، يجب أن يموت هذا!». أمّا هو ففي مرتبةٍ عالية، هو ينظر من أفقٍ آخر، هو ينظر إلى القضايا من مجرىً آخر، هو لا يستطيع أن يرتّب أثرًا بناءً على أفكارنا؛ هو يخالفنا باستمرار، يلهينا، يحاول معنا من هنا وهناك حتّى تخرج القضيّة من أذهاننا. ولأنّنا لا نفهم حاله، نتخيّل أنّه كما نقيس نحن القضايا، يجب عليه هو أيضًا أن يقيس مثلنا. لا يمكن ذلك، وإلّا لصار مثلنا؛ هو لا ينبغي أن يصبح مثلنا! إنّ حُسنه وامتيازه يكمن في اختلافه عنّا. هو لا ينظر إلى سيئاتنا، بل ينظر من أفقٍ أعلى.

  • يروي مولانا حكاية موسى عليه السلام بشكلٍ رائع، حيث كان لديه قطيعٌ من الأغنام يرعاه. يهرب حملٌ من ذلك القطيع. وهناك يتناول هذه القضيّة، كيف أنّ نظرة الأولياء إلى الأفراد تختلف عن نظرتنا، وكيف أنّهم في تربية الأفراد يضعون مصلحة ذلك الإنسان نصب أعينهم، لا مصلحتهم الخاصّة، فيقول: 

  • گوسپندی از کلیم‌اللَه گریخت***پای موسی آبله شد، نعل ریخت 
  • در پیِ او تا به شب در جستجو***وآن رَمه غایب شده از چشم او 
  • گوسفند از ماندگی شد سست و ماند***پس کلیم‌اللَه گَرد از وی فشاند 
  • کف همی مالید بر پشت و سرش***می نوازش کرد همچون مادرش 
  • گفت: گیرم بر مَنَت رحمی نبود***طبع تو بر خود چرا اِستُم نمود» 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

8
  • والمعنى: هربت شاة من كليم الله***فتقرّحت قدما موسى وسقط نعله 
  • بحث في إثرها حتّى الليل***والقطيع غائبٌ عن عينه
  • الشاة من التعب وهنت وتوقّفت***فنفض كليم الله الغبار عنها 
  • ومسح بكفّه على ظهرها ورأسها***وداعبها كأمّها وقال: 
  • هبْ أنّه لم تكن لك رحمةٌ بي***فلماذا ظلمتَ نفسك؟
  • قال: «إن لم ترحمني، فلماذا ظلمتَ نفسك؟!». 

  • «با ملائک گفت یزدان آن زمان***که نبوّت را همی زیبد فلان 
  • مصطفی فرمود که خود هر نبی***کرد چوپانی چه بُرنا چه صبی 
  • بی‌شبانی کردن و آن امتحان***حق ندادش پیشواییِ جهان 
  • تا شود پیدا وقار و صبرشان***کردشان پیش از نبوّت، حقْ شبان 
  • حلمِ موسی‌وار اندر رَعیِ خود***او بجای آرَد به تدبیر و خِرَد 
  • لاجرم حقّش دهد چوپانیی***بر فراز چرخ مه روحانیی» 
  • والمعنى: قال الله للملائكة حينها***إنّ النبوّة تليق بفلان 
  • قال المصطفى إنّ كلّ نبيّ***قد رعى الغنم، شابًّا كان أم صبيًّا 
  • ولولا رعي الغنم وذاك الامتحان***لما أعطاه الحقّ إمامة العالم 
  • ليظهر وقارهم وصبرهم***جعلهم الحقّ رعاةً قبل النبوّة 
  • فيأتون بحلمٍ كحلم كموسى في رعيته***بالتدبير والعقل 
  • فلا جرم يعطيه الحقّ رعاية***على قمرٍ روحانيٍّ فوق الفلك
  • ثمّ يستمرّ هكذا ويبيّن أنّ الأنبياء، وبفضل الامتحانات والتربية التي يجريها الله لهم، يتجلّى في وجودهم ذلك الجانب الرحمانيّ وجانب صفات الجمال والجلال التي للحقّ، وهم حقًّا ينظرون إلى الخلق من أجل الله، ويضعون مصلحة الخلق من أجل الخلق أنفسهم نصب أعينهم. هؤلاء هكذا؛ أي أنّهم لا يضعون مصلحتهم الخاصّة في الاعتبار أصلاً.

  • الرؤية السامية والهمّة والصبر المنقطع النظير لأولياء الله في هداية الأفراد وتربيتهم

  • في إحدى المرّات، كان المرحوم العلامة يروي عن أحوال السيد الحدّاد فقال: كان كلّ همّه وغمّه هو الأخذ بيد إنسان! ولم يكن في وجوده أصلًا أيّ شيءٍ غير تجلّي وطلوع صفات الرحمانيّة وصفات الجمال والجلال للحقّ! وكانت جميع أوامره ونواهيه من أجل الإنسان نفسه، ولم يكن هو يستفيد شيئًا. أي تلك الصفة نفسها للتربية والهداية التي يقول عنها القرآن: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾۱.

    1. سورة طه (٢۰)، الآية ٥۰.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

9
  • والعجيب هنا أنّه يأمر، ولكنّ الإنسان بناءً على تلك الأوامر، يتذمّر ويشكو ويقول هنا وهناك؛ في حين أنّه لا ينبس ببنت شفة! هذا عجيبٌ جدًّا أن يأتي الإنسان ويطرح هنا وهناك أنّ فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا، وربّما يفضحه وربّما يطعن فيه، ولكنّه بكلّ شهامةٍ لا يقول شيئًا ويبقى هادئًا ولا يفعل شيئًا ولا يُظهر أيّ ردّ فعل! ذلك لأنّه يرى أنّ هذا الإنسان يفعل هذا من منطلق جهله.

  • انظروا أيّ مراحل وكيفيّة ووضعٍ يوجد هنا. من جهةٍ، لديه الأنس والخلوة مع الله، وهو ألذّ عنده من الدنيا وما فيها؛ ومن جهةٍ أخرى، يأتي وبسبب إرشاد الناس، يضع ذلك جانبًا ويُخرج نفسه من ذلك الأنس والجذبات وحالة الخلوة، ويجالس ويصاحب زيدًا وعمرًا. هذه بليّةٌ. 

  • والبليّة الثانية أنّه يأتي وبسبب هذه المجالسة والمصاحبة والأمر والنهي، يضعهم في كيفيّة فعلٍ وانفعال، فيبدؤون بالتحدّث وإيذائه وإزعاجه. 

  • والبليّة الثالثة أنّه يسمع سبّهم وقدحهم وتنقيصهم وانتقادهم وأمثال ذلك، ولا ينبس ببنت شفة!

  • عندما يرى موسى عليه السلام عصيان الحمل وانفصاله عن الأغنام والقطيع، يركض خلفه وتتقرّح قدماه حتّى يمسك به. الآن، هل هذا من أجل أن يمسكه ويذبحه ويعدّ طعامًا؟! لا، بل لكي لا يفترسه الذئب! إذن، هو يعرّض نفسه للتقرّح والمرض، من أجل مصلحة الحمل ولكي ينقذه من خطر الذئب: 

  • خر گریزد از خداوند، از خری***صاحبش در پی ز نیکو گوهری 
  • والمعنى: 

  • الحمار يهرب من صاحبه لحماريّته *** وصاحبه يلحقه لنبل جوهره

  • هو بسبب حماريّته يهرب باستمرار من صاحبه ويركض بسرعة، وصاحبه أيضًا يركض خلفه لكي لا يفترسه الذئب ويمزّقه! هذه الخصوصيّة هي من خصوصيّات صفات الله الذي يفعل هذا؛ كما ذُكر في الجلسة السابقة.

  • هلاك البشر بسبب الجهل وعدم إدراك العجز والنقصان

  • في حين أنّنا بطيئون، لأنّ لدينا جهلاً. جهلنا هو الذي أوقعنا في البطء، وجهلنا هو الذي أوقعنا في البعد. لو كنّا نعلم ولدينا علم، لما كنّا هكذا؛ لكنّا تحرّكنا في الطليعة وكنّا ممهّدين للأولياء طريقهم، لا أن نضعهم أمامنا ليمهّدوا لنا الطريق. لكنّا سببًا في تسهيل عمل الأعاظم، لا أن نجعلهم دائمًا درعًا لأعمالنا. هذا بسبب جهلنا. فالذي لديه فراغٌ ونقص، يبحث عن الكامل ويمهّد له الطريق.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

10
  • داؤنا هو داء الجهل، داؤنا هو داء عدم الشعور بالداء؛ وداء عدم الشعور بالداء هو داءٌ لا دواء له. إذا شعرنا بالألم، ذهبنا نبحث عن طبيب، وإلّا فلا نذهب؛ عندما يمرض الطفل، يجب أن يأخذ حقنة؛ وإن صرخ وصاح. يُقال له: «إن لم تأخذ الحقنة ستموت!». 

  • فيقول: «لا أريد أن آخذ الحقنة!». لأنّه لا يشعر بالألم! لو كان واقفًا على أوضاعه، ولو كان يعلم أنّ هذا المرض وهذا الخُنّاق (الدفتيريا) سيؤدّي إلى هلاكه، لذهب إلى الصيدليّة قبل والديه وأخذ لقاحه، ولأوصل نفسه إلى الطبيب والمستشفى قبل والديه؛ ولكن لأنّه لا يعلم بعواقب القضيّة، ولأنّه لا يعلم بمرضه، يهرب من أخذ اللقاح ومن حقنة مضاد الخُنّاق ويقول: «لا أريد!». لأنّ الحقنة والإبرة فيها لسعة، فهو يرجّح الخوف من هذه اللسعة المؤقّتة على الخوف من الهلاك الدائم. هذه تلسع قليلًا وبعد ساعةٍ تتحسّن؛ ولكنّه يرجّح الخوف من هذه اللسعة التي تدوم ساعةً على الخوف من الهلاك الأبدي! فيا له من إنسانٍ أحمق!

  • في إحدى المرّات، كان أحد الأصدقاء والرفقاء يقول: في يومٍ من الأيام كانت زوجتي في خدمة المرحوم العلامة، فقالت: «سيّدنا، لو شكرتُ الله من الليل حتّى الصباح على أن هداني ووضعني بين يديك، لما استطعتُ أن أؤدّي حقّ ذلك!». 

  • فقال المرحوم العلامة: «لو شكرتِ حتّى يوم القيامة، لما استطعتِ أن تؤدّي حقّ ذلك!». إن بذلتِ جهدًا كبيرًا، فإنّك تشكرين ثلاث ساعاتٍ من الليل حتّى الصباح! لم يكن كلام المرحوم العلامة هذا من باب «لأنّك أتيتِ إلينا»، بل كان حديثه لأنّكِ وجدتِ الطريق؛ سواء بواسطتي أو بواسطة آخر. وهو يقول هذا عن نفسه أيضًا؛ ألا يقول: «لو لم أصل إلى خدمة العلامة الطباطبائي، لكنتُ من الخاسرين في الدنيا والآخرة!». هذا صحيح، حتّى يوم القيامة لا يمكن أداء شكر ذلك؛ لأنّ الجانب الآخر من القضيّة هو الأبديّة، فماذا تريدون أن تفعلوا بالأبديّة؟! يا عبد الله، أنت لا تستطيع أن تصبر على يومين في الدنيا مع قليلٍ من مشاكلها، والعالم الآخر ليس قضيّة يومٍ أو يومين؛ العالم الآخر هو قضيّة اللانهاية المضافة إلى اللانهاية! «صَبَرُوا أَيَّامًا قَلِيلَةً فَأَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً»۱. لقد صبروا أيّامًا قليلة!

    1. کنز الفوائد، ج ١، ص ٩٠. روح مجرّد، ص ١٠٥

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

11
  • لقد عاش المرحوم العلامة ۷٢ عامًا، وفي هذه الـ ۷٢ عامًا، نعلم ما الذي أنزلناه به! وقد تحمّل هو كلّ هذه المتاعب والآلام وهذه الأقاويل، وبعد تلك السنوات القليلة، وصل إلى اللانهاية في اللانهاية، وصل إلى اللانهاية في اللانهاية. ألم يكن الأمر يستحقّ أن يصبر الإنسان هذه السبعين عامًا؟! يعطون الإنسان «تومانًا» واحدًا أو قطعة حلوى، فلا نتخلّى عن قطعة الحلوى هذه! إذن، من الصحيح والصدق أنّا: «لو شكرنا حتّى يوم القيامة، لما استطعنا أن نؤدّي حقّ ذلك!». وأنا أيضًا أعترف بأنّني لو شكرتُ حتّى يوم القيامة، لما استطعتُ أن أؤدّي شكر تلك الجهود وتلك التوجيهات والتربية والآثار التي خلّفها المرحوم العلامة في ذهني وفي خيالي وفي نفسي! والحقيقة هي هذه.

  • ضرورة الشعور بالعجز والألم للسلوك في طريق الله

  • يهرب الطفل لأنّه لا يدرك المشكلة؛ إذن، يجب على الإنسان أولًا أن يدرك المشكلة، وأن يقيّم مكانته، وأن يفهم من هو وأين هو، ثمّ يذهب ويتجوّل هنا وهناك حتّى لا يكون سيره أعمى. في الليلة الثالثة من وفاة المرحوم العلامة، أعلنتُ لجميع الرفقاء: «أيّها الرفقاء، لا تجلسوا، انهضوا واذهبوا، لعلّ أحدًا يجد من هو أرجح». هذا طريق الله، ليس طريق دكّانٍ وجهاز! إذا كنتم تعلمون أنّ شخصًا ما يستطيع أن يأخذ بيدكم بشكلٍ أفضل، فإذا بقيتم، يجب عليكم أن تجيبوا يوم القيامة! هذا الطريق لا مزاح فيه! الطريق هو طريق الله، طريق الصدق. إذا كان القصد هو أن يجلس الإنسان ويكون هناك أرزٌ وحلوى وهذه الأجواء، فهذا موجودٌ في كلّ مكان، وأفضل منه موجودٌ في مكانٍ آخر؛ ولكن إذا كان القصد هو أن يسلك الإنسان طريق الله، فإنّ طريق الله لا يُسلك بالمكر والخداع.

  • الله يعني الحقّ؛ فالإنسان لا يستطيع أن يغطّي الحقّ، والإنسان لا يستطيع أن يشوّه الحقّ. والدنا علّمنا هذا، هو أرانا طريق الحقّ، هو علّمنا التسليم أمام الحقّ، هو علّمنا الخضوع أمام الحقّ، وهو أخرجنا، بالقدر الذي كانت لدينا فيه قابليّة، من الإشاعات والمجاز والتصوّرات والتخيّلات والوهم وهذه الأمور. إذن، يجب علينا نحن أيضًا أن نواصل ذلك الطريق. وكان منهجه هو نفسه هذا. بناءً على ذلك، قبل أن نبحث عن العلاج، يجب علينا أولاً أن نبحث عن الداء، ويجب أن نرى هل لدينا داءٌ أم لا! 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

12
  • آب کم جو تشنگی آور به‌دست***تا بجوشد آبت از بالا و پست 
  • والمعنى: 

  • لا تطلب الماء بل اطلب العطش *** حتّى يتفجّر ماؤك من علوٍّ ومن سفلٍ

  • من لا يشعر في نفسه بألم، فليذهب وليفكّر. من لا يعرف واقعه، فليذهب وليعرفه. كان الكثير من الأفراد يأتون إلى المرحوم العلامة ويقولون: «سيّدنا، لقد ضعفت أحوالنا مؤخّرًا؛ سيّدنا...!». ولكن عندما كان الإنسان ينظر، كان يدرك ما الخبر! كنّا طلابًا في مدرسة «سعادت» عندما جاء أحد هؤلاء الأفراد لزيارتنا. كان رجلاً مسنًّا. وفي أثناء حديثه كان يقول: «ماذا يجب على الإنسان أن يفعل ليسلك الطريق أسرع؟». فقلتُ له دون مقدّمات: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾۱. ثمّ حوّل الحديث إلى منحى آخر وقال: «نعم، أفضل شيءٍ يحبّه الإنسان هو نفسه؛ يجب أن يتجاوز النفس!». قلتُ: «لا يا عزيزي، تجاوز عن مالك، لا حاجة لأن تتجاوز عن نفسك؛ احتفظ بنفسك لنفسك!».

  • خلاصة القول، مرّت الأيّام حتّى تبقّى على وفاته ستّة أشهرٍ أو سنة، وفي يومٍ من أيام الشتاء الباردة وقد تساقط الثلج أيضًا، ذهبنا إلى منزله في إحدى المدن. كنّا نجلس تحت «الكرسي» [مدفأة تقليديّة]، فالتفت إليّ هذا السيد وقال: «يا سيّد محسن، لقد أضعنا عمرنا، فاحذر أن تضيع عمرك!». الآن يفهم أنّه قد خسر. إن شاء الله سيأخذ الله بيده؛ وبأيدينا جميعًا!

  • في إحدى المرّات، جاء المرحوم العلامة من مشهد إلى طهران بدعوةٍ من رفقاء بعض المدن، ومكث هناك أيّامًا. لم أكن برفقته، ولكنّ ناقل القضيّة كان في المجلس نفسه، ونقل لي أنّه في يومٍ من الأيام كنّا في منزل أحد أولئك الأصدقاء والرفقاء. فقال واحد أو اثنان: «يا سيّد، ماذا نفعل لتتحسّن أحوالنا، وفي النهاية لا نقضي عمرنا هكذا و... (من هذه المجاملات؛ نحن نسمّيها مجاملات)!».

  • صبر المرحوم العلامة قليلاً، وأخرج مسبحته من جيبه وأخذ استخارةً فجاءت «وسطًا جيّدًا» (وسط يعني لا فائدة، وجيّدها هو لكي أنقل لكم هذه القضيّة الليلة، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾٢. ثمّ قال: «يقول الإخوان: لماذا لم نصل؟! يقولون: لماذا حالنا هكذا؟! يا إخوان، طريق الله لا يحتمل المزاح، طريق الله لا يقبل السخرية، طريق الله طريق الصدق، طريق الله طريق الحقّ، يجب أن يكون المنهج هو منهج الأعاظم! هل أنتم الذين تقولون لي هذا الكلام، عملتم بما قلناه لكم ولم تصلوا إلى المطلوب؟! يا فلان، عندما أقول لك: أعطِ خمسة آلاف تومان للسيد الفلاني، تقول لي في الهاتف: هل أعطيها من أموال الحقوق الشرعيّة؟! 

    1. سورة آل عمران (٣)، الآية ٩٢.
    2. سورة الذاريات (٥۱)، الآية ٥٥.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

13
  • وأنا أقول لك: كلّا، أعطِ من جيبك المبارك! وأنت لم تعطِ! 

  • يا فلان، عندما أقول: من ذلك البستان الذي تملكه ومساحته أربعة آلاف متر، أعطِ مائتي مترٍ منه لرفيقك، لأنّه يعيش مع زوجته وأطفاله في غرفةٍ واحدة، أعطه هذا ليبني هناك! وأنت لم تفعل هذا! يا فلان، أنت لم تفعل الأمر الفلاني و...! فهل تظنّون أنّ هذه الأمور تخفى عن نظرنا؟! ثمّ تدّعون أنّا لماذا لم نصل؟! ولماذا حالنا ليس جيّدًا؟! بدلًا من أن نأتي ونتعامل معكم ونجالسكم، من الأفضل أن نذهب ونؤانس هؤلاء الشباب الطاهرين وهؤلاء الشباب المخلصين الموجودين الآن في الجبهة! هل عملتم بما قلناه والآن تدّعون؟! أنا أقول: يا فلان، اذهب وافعل هذا الأمر؛ لكنّ هذا الإنسان يفعل ذلك الأمر الآخر، ثمّ يدعونا إلى هنا! ما فائدة دعوتنا؟! وما نتيجتها؟! ليس القصد هو الجلوس معًا وتناول الطعام و...؛ القصد هو ترتيب الأثر على هذه المسائل وعلى هذه الزيارات! أن نأتي ونجلس ونُشعل المجلس ثمّ نذهب، نتيجته هي هذه!».

  • ثمّ قال: «لم أكن أريد أن أجيبكم، استخرتُ فجاءت وسطًا جيّدًا ولذا أجبت؛ وإلّا لم أكن أريد أن أجيبكم أصلًا! وداعًا!». ثمّ نهض وخرج من المجلس.

  • هذه حقيقة! معناها أنّكم حتّى الآن، لم تكونوا كما يجب وينبغي. كنتم مع الشيخ الأنصاري، كنتم مع السيّد الحدّاد، كنتم مع المرحوم العلامة، ولكن أين كنتم؟! كم جزءًا وضعتم هنا؟! كم بذلتم هنا؟! لم يكن الأمر هكذا، ونحن أيضًا لسنا هكذا! هذا كلّه لأنّه لا يوجد شعور بالألم والمشكلة. إذا وجد الألم، يحدث الإقدام؛ فما إن يقول السيّد إنّه يريد الشيء الفلاني، حتّى يقول الآخر: تفضّل! بل يبحث عن ذلك ولا يتأخّر! المسألة المهمّة هي أنّه يتألّم ويريد لدائه دواء. لا يأتي ليفعل شيئًا عن شبع! يريد أن يصل إلى نتيجة، ويريد أن يستفيد من كلّ ثانيةٍ من عمره.

  • أنا الذي أذكر لكم هذه الأمور، قد رأيتُ والدي بنفسي وأقول ذلك. والدنا لم يذهب عن شبعٍ فوصل! والدنا كان دائمًا يعتبر نفسه مدينًا، دائمًا يعتبر نفسه متألّمًا، دائمًا كان يشكّ في مكانته، كان يشكّ في عمره وحياته؛ لذا كان يتابع.

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

14
  • كيفيّة حركة العشّاق والمتألّمين في طريق الوصول إلى المحبوب والمطلوب

  • الآن، كنتُ أنظر في فهرس المثنوي، فرأيتُ حكاية ذلك العاشق الذي كان يأتي ليلاً على أمل وعد المعشوق إلى ذلك المكان الذي أشار إليه، وكان ينتظر بعض الليل حتّى غلبه النوم، فجاء المعشوق وملأ جيبه بالجوز وذهب: 

  • عاشقی بوده است در ایّام پیش***پاسبانِ عهد اندر عهد خویش 
  • سال‌ها در بند وصل ماه خود***شاه مات و مات شاهنشاهِ خود 
  • گفت: روزی یار او که‌امشب بیا***که بپختم بهر تو من لوبیا 
  • در فلان حجره نشین تا نیم‌شب***تا بیایم نیم‌شب من بی‌طلب 
  • مرد قربان کرد و نان‌ها بخش کرد***چون پدید آمد مَهش از زیر گرد 
  • شب در آن حجره همی بُرد انتظار***بر امید وعدۀ آن یار غار 
  • منتظر بنشست و خوابش در ربود***اوفتاد و گشت بی‌خویش و غُنود 
  • ساعتی بیدار بُد خوابش گرفت***عاشق دلداده را خواب؟! ای شگفت!» 
  • والمعنى: 

  • كان عاشقٌ في الأيّام الخوالي *** حارسًا للعهد في عهده 

  • لسنواتٍ أسير وصل قمره *** الشاه مبهوتٌ ومبهوتٌ بشاهنشاهه 

  • قال له حبيبه يومًا: تعال الليلة *** فقد طبختُ لك الفاصوليا 

  • اجلس في الحجرة الفلانيّة حتّى منتصف الليل *** حتّى آتي أنا منتصف الليل دون دعوة 

  • ضحّى الرجل ووزّع الخبز *** حين ظهر قمره من تحت الغبار 

  • في تلك الحجرة كان ينتظر ليلًا *** على أمل وعد صاحب الغار ذاك 

  • فجلس منتظرًا فغالبه النوم *** وسقط وغاب عن وعيه ونام 

  • كان مستيقظًا ساعةً فأخذه النوم *** عاشقٌ متيّمٌ ينام؟! يا للعجب!

  • هل أنت تبحث عن المعشوق وينام جفنك؟! 

  • بعد نِصفُ اللَّیل آمد یار او***صادقُ الوَعدانه آن دلدارِ او 
  • عاشقِ خود را فتاده خفته دید***اندکی از آستین او درید 
  • گِردکان چندش اندر جیب کرد***که تو طفلی گیر این، می‌باز نَرد 
  • والمعنى:

  • ثمّ في منتصف الليل جاء حبيبه *** صادق الوعد ذلك المحبوب 

  • رأى عاشقه ساقطًا نائمًا *** فمزّق قليلاً من كمّه 

علّة استجابة دعاء أولياء الله بسرعة - كيف تحجب الأهواء النفسانيّة الإنسان عن إدراك الحقائق؟

15
  • وضع بعض الجوز في جيبه *** قائلًا: أنت طفلٌ، خذ هذا والعب النرد

  • چون سحَر از خوابْ عاشق بر جهید***آستین و گردکان‌ها را بدید 
  • والمعنى

  • عندما استيقظ العاشق فجرًا من نومه *** رأى الكمّ والجوز

  • هذا لم يكن عاشقًا! هل تعلمون من هو العاشق؟ كان المرحوم العلامة دائمًا يقرأ هذا الشعر: 

  • رنجْ راحت دان چو شد مطلب بزرگ***گَرد گلّه، توتیای چشم گرگ 
  • والمعنى: 

  • اعلم أنّ المشقّة راحةٌ إذا كان المطلب عظيمًا *** غبار القطيع كحلٌ لعين الذئب

  • «التوتياء» في الطبّ القديم، كانت نبتةً لها خصائص، فعندما كانوا يكتحلون بها في العين، كانوا يستطيعون رؤية النجوم نهارًا. الآن، إمّا أنّ هذا كان صحيحًا أو كانوا يقولونه من باب المبالغة، فقد كانت تغيّر كيفيّة الرؤية أصلاً؛ وكان أهل الكيمياء يستخدمونها في هذه المسائل. القطيع عندما يتحرّك، يتصاعد منه غبارٌ، والذئب الذي يتبع هذه الأغنام، يدخل التراب في عينيه، ولكنّ هذا الذئب لا يتعب فحسب، بل يفتح عينيه أكثر ويعتبر ذلك التراب كالكحل لعينيه؛ لأنّه يريد أن يصل إلى الشاة ويأكلها، ويعتبر هذا الغبار بشارةً للوصول إليها، فيتعامل معه كالكحل. هذا هو العاشق!

  • يقول الإمام السجاد عليه السلام في مناجاة المريدين من المناجاة الخمس عشرة: «وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الَّذِينَ هُمْ بِالْبِدَارِ إِلَيْكَ يُسَارِعُونَ، وَبَابَكَ عَلَى الدَّوَامِ يَطْرُقُونَ»۱. ألحقنا بأولئك الذين يتسابقون في الوصول إليك، فيسبقون بعضهم ويتركون البقيّة خلفهم! [أولئك الذين يقرعون بابك باستمرار].

  • هؤلاء هم المتألّمون، الذين عرفوا داءهم، وفهموا وضعهم؛ هؤلاء لم يعودوا بحاجةٍ إلى توجيه. عندما يعرف الإنسان الداء، لا يعود بحاجة إلى توجيه؛ فهو يأتي بنفسه.

  • إن شاء الله، نأمل أن يوفّقنا الله ويشملنا بعنايات الأولياء العظام والأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجعلنا مصداقًا لهذه الكلمات الدرر للأئمّة!

  •  

  • اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد

    1. بحار الأنوار، ج ٩١، ص ١٤٧.