5

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء

لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

118
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1419

التاريخ 1419/09/06

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

كيف تكون سرعة الاستجابة صفةً رحمانيّة لا ناشئة عن استعلاء؟ ولماذا يجب على السالك أن يتجنّب فرض الحقّ بالقوّة؟ وكيف تؤثّر الحياة الزوجيّة على كمال الإنسان؟ وكيف يكون الاعتراف بالخطأ علنًا علامةً على كمال النفس؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة، وتبيّن ضرورة التواضع في السير إلى الله.

/۱۲
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء

  • لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة الخامسة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ 

  • بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ 

  • الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ 

  • على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وأهلِ بيتهِ الطيّبينَ الطاهرينَ 

  • واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • سرعة الإجابة من الصفات الرحمانيّة للّه وأوليائه 

  • «الحمدُ للهِ الذي أدعوهُ فيُجيبُني وإنْ كنتُ بطيئًا حينَ يدعوني!». 

  • الحمدُ مختصٌّ بالإله الذي كلّما دعوته وطلبت منه، أجابني فورًا، وكلّما كنتُ مدعوًّا ودعاني هو، قصّرتُ، وتباطأتُ، وتساهلت وتكاسلت.

  • ذكرنا في الجلسة السابقة بعض الأمور بمقدار فهمنا لهذه الفقرة المباركة، وهي أنّ الدعوة التي نوجّهها إلى الله، هي دعوة في مقام الحاجة والاستدعاء والطلب من مقامٍ عالٍ، وهو ربُّ الأرباب، الذي هو العلّة المفيضة لجميع عوالم الوجود، والقاهر على كلّ الأشياء، والعالم بكلّ شيء، وأزمّة الأمور طرًّا بيده۱، وكلّ المسائل بيده؛ فمن ناحيتنا هذه الخصوصيّة، ومن ناحيته تلك الخصوصيّة.

  • وبالنظر إلى هذه الخصوصيّة، فهو سريع الإجابة. وهذه المسألة تُعتبر حُسنًا بالتأكيد بالنسبة إلى الله، لا مذمّةً وقدحًا. فذلك الإله الذي هو في مقام الاستعلاء والعلوّ، وهو المبدأ والعلّة والمفيض، يكون سريع الإجابة بالنسبة إلى العبيد والإماء. إذن، هذه الصفة هي صفة رحمانيّة، لا صفة شيطانيّة. ونحن نجد هذه الصفة نفسها في الأنبياء والأولياء والأئمّة عليهم السلام؛ فرغم كونهم في مقام العلوّ والاستعلاء والرفعة، هم سريعو الإجابة لمسائل من هم دونهم. أي أنّهم لا يلتفتون أصلًا إلى خصوصيّة هذا الإنسان؛ هل هو ثريٌّ أم فقير، عالمٌ أم غير عالم، ذو مكنةٍ أم عديمها؟ بمجرّد أن يدعو، يجيبونه. وهذه الإجابة لأنّ تلك الصفات الرحمانيّة قد تجلّت في وجود هذا الوليّ. فهو لم يعد يرى عاليًا وسافلًا، ولا صغيرًا وكبيرًا، فكلّ المخلوقات عنده على حدٍّ سواء.

  • ضرورة تواضع الإنسان لمن دونه

  • ولكن لكي نصل نحن إلى مثل هذه الصفة الرحمانيّة، يجب أن نتّصف بها تجاه الآخرين؛ يعني إن كان معلّمًا، فلا ينبغي أن ينظر إلى تلامذته نظرة استعلاء؛ وإن كان أبًا ووالدًا وربّ أسرة، فلا ينبغي أن ينظر إلى زوجته وأطفاله نظرة استعلاء. فنظرة الاستعلاء نظرةٌ شيطانيّة. يجب أن تكون النظرة نظرة تربية ومربٍّ. فإن كانت النظرة نظرة استعلاء، فهذا مخالفٌ لتلك الصفة الرحمانيّة. فهذه الزوجة والأطفال هم عباد الله، وهم أسرى في يد الإنسان وأمانة. لا ينبغي أن تنظر هكذا بأنّني لأنّني الآن ربّ هذه الأسرة ومسؤول عنها، أفعل كلّ ما يحلو لي. سيأتي يومٌ يجب أن تؤدّي فيه حساب كلّ هذا! فالعبسة في غير محلّها لها حساب؛ لا شكّ في ذلك! وإذا أردتم، فجرّبوا! 

    1. شرح المنظومة، ج ٢، ص ٣٥.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

3
  • تمثيل سعدي لحركة الإنسان بحركة الطين ليصبح وردة

  • أصلًا، في تربية الأولياء، الأمر السلوكيّ هو أن يفترض الإنسان نفسه أدنى من الجميع. كان المرحوم العلامة يقرأ شعرًا جميلًا جدًّا من «كلستان سعدي»، وهو أنّ «الوَرْد» (گُل) كان في الأصل «طينًا» (گِل)، والاختلاف بينهما مجرّد فتحة وكسرة. ونتيجة أن يصبح الإنسان طينًا وترابًا هي أن يتحوّل إلى وَرْد۱. فهو لا يكون وردةً في البداية، بل يجب أن يطوي هذه المراتب واحدةً تلو الأخرى؛ لأنّ الطفرة٢ في الفلسفة محالة! يجب أن يكون ترابًا أولاً، ثمّ يتحوّل هذا التراب إلى عشب، والعشب خشبٌ وشجرٌ وهو صلبٌ وقويّ، ثمّ تتحوّل هذه الشجرة إلى أغصانٍ وفروع، وهذه الفروع تكون ليّنة وناعمة، ثمّ تتحوّل إلى أوراق، وفي النهاية تتحوّل إلى وردة. هذه المراتب يجب أن تُطوى من الأسفل صعودًا لتصبح وردة. والإنسان أيضًا يجب أن يرتقي هذه المراتب واحدةً تلو الأخرى ليصبح وردة.

  • في أحد الأيام، ذهب النبيّ صلّى الله عليه وآله لتشييع جنازة رجل، ووضع هو بنفسه وجهه على التراب وقام بكلّ شؤونه. وعندما خاطبه أحدهم قائلًا: «طوبى لك!»، قال له النبيّ: «ومن أين لك أن تقول طوبى له؟! أنتم لا تعلمون، فالقبر الآن يضغطه ضغطةً قد ارتفع منها صراخه إلى السماء!»٣. وذلك لأنّه كان يضيّق على أهله.

  • هذا في محلّه، وذاك في محلّه. الآن عندما نكون مسؤولين عن دائرةٍ أو مؤسّسة، فلا ينبغي أن ننظر إلى الموظّفين والعمّال هناك نظرة استعلاء. 

  • كان للإمام الرضا عليه السلام عبيدٌ وخدمٌ كثر؛ خصوصًا عندما كان في مرو. وعندما يحين وقت العمل، إذا أخطأ بعض هؤلاء العمّال، كان الإمام يضربه قائلًا: لماذا أخطأت٤؟! ولكن عندما يحين وقت الطعام، كان يبسط السفرة ويجلس جميع الخدم مع الإمام نفسه ويتناولون الطعام٥. إذن، يجب أن تُحفظ كلّ مسألةٍ في مكانها. أمّا مسألة أنّني إمامٌ وهذا عبدي، فهذا غير مطروحٍ أصلًا! هذه الصفة هي صفةٌ رحمانيّة، وهي مؤثّرةٌ بشكلٍ عجيب في تربية الإنسان وسيره وسلوكه! أي أنّ السالك، من أجل تربية نفسه، لا ينبغي أن ينظر إلى أفراد عائلته، أو عمّاله، أو موظّفي دائرته، والمعلّم بالنسبة إلى تلامذته، وبشكلٍ عامٍّ في أيّ مكان كان، لا ينبغي أن ينظر إليهم من مكانةٍ أسمى وأعلى.

    1. گلستان سعدی، دیباچه:
      بگفتا من گِلی ناچیز بودم***ولیکن مدتی با گُل نشستم
      کمال هم‌نشین در من اثر کرد***وگرنه من همان خاکم که هستم
      والمعنى: أنا طينةٌ من دُونِ قَدْرٍ ذُكرِ *** لَكِنْ مَعَ الوَرْدِ اسْتَقَرَّ مَقَامِي فَأَثَّرَ فِيَّ كَمَالُ مَنْ صَاحَبْتُهُ *** وَإِلّا فَأَنَا التُّرَابُ الَّذِي تَرَانِي
    2. الطفرة تعني الوصول إلى مرحلة قبل الوصول إلى المراحل السابقة عليها، كأن يصبح الإنسان طاعنًا في السنّ قبل أن يمرّ في مرحلة الشباب. (م)
    3. الكافي، ج ٣، ص ٢٣٦:«عن أبی‌بصیرٍ قال: قلتُ لأبی‌عبداللَه علیه السّلام:...؛ فقال: ”...و إنّ رسول ‌اللَه صلّی اللَه علیه و آله وسلّم خرَج فی جنازةِ سَعدٍ و قد شَیَّعَه سبعونَ ألفَ مَلَك، فرفَعَ رسول ‌اللَه صلّی اللَه علیه و آله و سلّم رأسَه إلَی السّماء ثمّ قال: مثلُ سَعدٍ یُضَمُّ.“ قال: قلتُ جُعلتُ فداك! إنّا نُحدِّثُ أنّه کان یستَخِفُّ بالبَولِ. فقال: ”معاذَ اللَه! إنّما کان من زَعارَّةٍ فی خُلُقِه علیٰ أهلِه.“ قال: ”فقالتْ أمُّ ‌سَعدٍ: هنیئًا لك یا سعدُ!“ قال: ”فقال لها رسول‌ اللَه صلّی اللَه علیه وآله وسلّم: یا أمَّ ‌سعدٍ، لا تَحتِمی علَی اللَه“
    4. الكافي، ج ٥، ص ٢٨٨.
    5. الكافي ج ٨، ص ٢٣٠.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

4
  • كيفيّة إعمال الحقّ دون حالة استعلاءٍ وقهّاريّة

  • أريد أن أقول لكم هنا أمرًا دقيقًا، وهو أنّه أحيانًا يكون الحقّ مع الإنسان مائة بالمائة، ولكن في طريقة العمل يريد أن يفرض هذا الحقّ على الآخرين من مقام الاستعلاء؛ وهذا خطأ! في مسألةٍ علميّةٍ أو عقائديّةٍ أو اجتماعيّة، يكون الحقّ معه وهو يعلم ذلك وهو صحيحٌ أيضًا؛ ولكنّه في موقع يريد أن يستغلّه لإعمال هذا الحقّ. فهذا باطل! هذا المقدار حقٌّ، وهذا المقدار باطل؛ أي أنّ الحقّ والباطل قد امتزجا واختلطا.

  • على سبيل المثال، رئيس جمهوريّةٍ أو قائد جيشٍ يريد أن يطبّق مسألةً على فرد ما والحقّ معه، ولكنّه في إعمال هذا الحقّ، يستغلّ سلطة رئاسة الجمهوريّة ويزجّ بذلك الإنسان في السجن ليسمع كلامه؛ أمّا لو كان فردًا عاديًّا، لما استطاع أن يزجّ به في السجن. فهذا خطأ! عليك أن تفترض أنّك فردٌ عاديّ، حينها تتحدّث مع هذا الإنسان.

  • سابقًا، عندما كان الملوك يريدون الذهاب لتفقّد مكانٍ ما، لم يكونوا يعلنون قبل شهرٍ أنّنا نريد الذهاب إلى المكان الفلانيّ، لكي تُنصب أقواس النصر وتُزيّن المدينة وتُنفق مئات الملايين من أموال الفقراء وبيت المال، وتُذبح الأبقار والأغنام، وتمتلئ كلّ الأبواب والجدران وكلّ مكانٍ باللافتات: «نرحّب بزيارة فلان»، ومسائل أخرى! يقولون: عندما ذهب سلمان الفارسيّ إلى المدائن، كان يركب حماره. وعندما سمع الناس أنّ سلمان قادمٌ إلى المدائن، خرجوا من المدينة لاستقباله. وفي هذه الأثناء، رأوا شيخًا يركب حمارًا ويضع على كتفه بعض الخبز اليابس؛ فقالوا له: «هل رأيت سلمان الفارسيّ؟!». 

  • فقال: «ماذا تريدون منه؟». 

  • قالوا: «لقد جئنا لاستقباله». 

  • قال: «إن كنتم تريدون سلمان، فأنا هو. وإن كنتم تريدون أميرًا وهيبةً وموكبًا وجهازًا، فاذهبوا إلى شخصٍ آخر؛ نحن هكذا». ثمّ شيّعوا سلمان الفارسيّ حتّى مدخل دار الإمارة؛ لكنّه لم يدخل دار الإمارة، بل استأجر دكّانًا وجعله دار إمارته۱.

  • تلك الحكومة كانت حكومة سلمان. وعندما جاء السيل أيضًا، حمل إبريقه ووضع كيس خبزه على كتفه وقال: «وداعًا جميعًا، لقد ذهبنا؛ هكذا ينجو المخفّون!»٢. والآن، اضربوا على رؤوسكم قائلين: «يا ويلتاه، لقد ذهبت دار الإمارة!». لقد ذهب هو، ولكن بقي هذا الاسم الحسن. إذا قسم الله لجميع الرفقاء وتشرّفوا بزيارة العتبات، فسيشاهدون بجانب مسجد الكوفة وقرب منزل أمير المؤمنين عليه السلام خرابًا ومزبلة، تنبعث من هذه المزبلة والخراب رائحة ماءٍ عفنٍ وغير مناسبٍ وكريه، وكلّ المكان موحل. هذه كانت دار إمارة جناب عبيد الله والحجّاج بن يوسف وزياد بن أبيه وأمثالهم، ولا تزال أسسها قائمة. أمّا سلمان الذي ذهب إلى هناك، فقد ذهب بتلك الطريقة!

    1. الأنوار النّعمانیة، ج ١، ص ٤٣.
    2. نفس المصدر السابق.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

5
  • هذه الحكومة التي يعلنون قبلها ويقولون «نرحّب بزيارتكم» و...، هذه الأمور خاصّةٌ بأهل الدنيا. في صحن مسجد الكوفة، يوجد مكانٌ يُسمّى «دكّة القضاء»، وهو أعلى من سطح الأرض بنحو نصف متر، فقط ليكون مميّزًا. يقولون إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يجلس هناك ويقضي۱. ويُستحبّ للإنسان أن يذهب إلى هناك ويصلّي؛ وهو أحد المواضع التي يُستجاب فيها الدعاء٢.

  • الآن، عندما يريد زعيم أن يأتي إلى مكانٍ ما، يعلنون قبل شهر؛ وتتحرّك ثلاثون سيارةً من الخلف وستون سيارةً من الأمام حتّى لا تصل إليه يد أحدٍ ليأتي ويقول: «إنّي أعاني من الألم الفلانيّ، فما علاجه و...!». هو فقط يأتي ويذهب؛ ولكن سابقًا، لم يكونوا يفعلون ذلك. كان أمير المؤمنين عليه السلام يأتي متخفّيًا ويتجوّل في مدينة الكوفة. وفي ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، بعد الغروب، استُشهد أمير المؤمنين عليه السلام وارتحل عن الدنيا، فشيّعه ودفنه بضعة نفرٍ من أصحابه مع أولاده: الإمام المجتبى، والإمام الحسين، ومحمّد بن الحنفيّة، وأبي الفضل عليهم السلام. كانت مقدّمة جنازته مرفوعةً من تلقاء نفسها ولم تكن بحاجةٍ إلى من يحملها؛ فهم أمسكوا بمؤخّرة النعش فقط. جاءت الجنازة، وفي هذا المكان الحاليّ هبطت مقدّمة النعش. وعندما حفروا هناك، وجدوا قبرًا جاهزًا كان قد أعدّه النبيّ نوح عليه السلام لأمير المؤمنين عليه السلام قبل الطوفان بسبعمائة عام٣. يا له من حظٍّ عظيم! لقد كان ذكيًّا جدًّا وبارعًا؛ فالأمر يحتاج إلى براعةٍ ليأتي الإنسان ويستغلّ الفرص، ويلطف به أمير المؤمنين عليه السلام ويرحمه! «السلامُ عليكَ وعلى ضجيعَيكَ آدمَ ونوح»٤؛ السلام عليك وعلى اللذين بجانبك. فقبرا آدم ونوح عليهما السلام موجودان هناك أيضًا. وعندما دفنوه، جاء الخضر عليه السلام إلى هناك وعزاهم٥.

  • وفي أثناء عودتهم، مرّوا بخرابة، فسمعوا صوت بكاء. وعندما تقدّم الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، رأوا شيخًا وأفرادًا آخرين هناك، كانوا فقراء وليس لديهم أحد. قالوا: «لماذا تبكون؟». قالوا: «كان يأتينا كلّ ليلةٍ رجل ويحضر لنا طعامًا وخبزًا...، ولكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ ونحن نشتاق إليه ...». سألوا: «ما هي صفاته؟». فقال ذلك الشيخ ـ الذي لم يكن مسلمًا بل كان نصرانيًّا ـ : «كانت صفاته أنّه كلّما جاء إلى هنا، سبّحت معه كلّ الحصى والجدران». حينها قالوا: «لقد كان والدنا وقد استُشهد»٦. كان أمير المؤمنين عليه السلام في هذه المدّة، يذهب هكذا بحيث أنّ الذي كان يحمل له الخبز والطعام لم يكن يعلم من الذي يأتيه ويحضر له الطعام!

    1. عیون المعجزات، ص ٢٢؛ نوادر المعجزات، ص ١٠٧؛ الفضائل، ابن‌شاذان، ص ٧٤.
    2. المزار الکبیر، ابن‌مشهدی، ص ١٧٦.
    3. مناقب آل ‌أبي طالب عليهم السّلام، ج ٢، ص ٣٤٨ ـ ٣٤٩
    4. الإقبال، ج ٣، ص ١٣٥.
    5. مناقب آل ‌أبي ‌طالب عليهم السّلام، ج ٢، ص ٣٤٧
    6. روضة الشّهداء، الكاشفي، ص ٢٣٩.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

6
  • بعضهم يذهبون بطريقةٍ أخرى. على كلّ حال، فريقٌ يختار هذا وفريقٌ ذاك. إذا كنّا أتباعًا لأمير المؤمنين عليه السلام، فعليٌّ هكذا، والأمر لا يحتمل المزاح؛ وإن كنّا نخدع أنفسنا والآخرين، فتلك مسيرةٌ أخرى.

  • كان الملوك الصفويّون مفيدين جدًّا ومؤثّرين للغاية في نشر التشيّع. أحدهم كان الشاه إسماعيل الصفويّ، الذي قام بنهضةٍ عظيمةٍ من أجل التشيّع؛ والآخر كان الشاه عبّاس الصفويّ. لا نريد أن نقول إنّ الشاه عبّاسًا لم يرتكب أيّ خطأ، ولكن نقول هذا القدر فقط: في زمن الشاه عبّاس، كانت إيران أحد قطبين قويّين في آسيا الوسطى؛ أحدهما إيران والآخر الدولة العثمانيّة. لقد حوّل الشاه عبّاس دولة الشيعة إلى أقوى قوّةٍ في آسيا والشرق الأوسط؛ فسلمت يداه!

  • يقولون: كان الشاه عبّاس أحيانًا، عندما يريد أن يتفقّد ويتفحّص ليلاً، يخلع لباسه الملكيّ ويرتدي لباس الدراويش ليسير في المدينة بسهولة ويزور هذا المكان وذاك دون أن يعرفه أحد. هكذا ينقلون ـ لا شأن لنا إن كان حقيقةً أم لا ـ : في إحدى تلك الليالي، رأى الشاه عبّاس في مكانٍ ما ضجّةً وصوتًا. فانتبه إلى أنّ ثلاثة لصوصٍ يقتسمون مالاً. وما إن وقعت أعينهم عليه، حتّى أتوا وأمسكوا به وقالوا: «لأنّك رأيتنا، يجب أن نقضي عليك». قال: «أنا درويشٌ وصوفيٌّ، فقيرٌ، لا شأن لي بكم، وأنا مستعدٌّ لمساعدتكم». قالوا: «كلّ واحدٍ منّا يستطيع فعل شيء». قال: «أيّ شيءٍ تستطيعون فعله؟».

  • قال أحدهم: «لديّ وِرْدٌ إذا قرأته، فُتح لي الباب المغلق». هذه أمثالٌ بالطبع. وقال آخر: «أنا إذا أشرتُ، يحدث كذا». وقال الثالث: «أنا كلّ من أراه، لا يغيب عن ذهني حتّى آخر عمري». قالوا: «ماذا لديك أنت؟». قال: «أنا كلّما حرّكتُ لحيتي، حُلّت كلّ المشكلات». قالوا: «عجبًا، جيّدٌ جدًّا!». وقولهم «حرّك لحية» جاء من هنا. خلاصة القول، هرب هذا الدرويش وأفلت من أيديهم. في اليوم التالي قال لرجاله: «اذهبوا وأمسكوا بهم وأحضروهم!». فذهبوا وأمسكوا بهؤلاء اللصوص الثلاثة وأحضروهم، بينما كان الشاه عبّاس جالسًا على العرش وقد وضع تاج السلطنة أو العمامة على رأسه. عندما جاء هؤلاء اللصوص، نظروا، فالتفت ذلك الذي قال: «أنا كلّ من أراه، أعرفه حتّى آخر عمري» إلى البقيّة وقال: «هذا الشاه عبّاس هو درويش الأمس الذي جاء بهذا اللباس».

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

7
  • عندما رأوا أنّهم قد وقعوا، قالوا: «كان من المفترض أن تحرّك لحيتك؛ نحن الآن واقعون هنا، فحرّك لحية!». فأنعم عليهم الشاه عبّاس، فتركوا عملهم وأصبحوا من حاشيته.

  • الحديث هو في أنّه لا ينبغي للإنسان أن يدخل من مقام الاستعلاء ويفرض الحقّ؛ هذا مهمٌّ جدًّا! ولو كان الحقّ في تلك القضيّة مع الإنسان، فيجب عليه أن يواجه القضيّة من غير مقام الاستعلاء. فإذا أدخل مقام علوّه في إعمال الحقّ، فإنّ الله سيوقعه في مشكلةٍ ما؛ أي سيجعله محتاجًا إلى هذا الإنسان نفسه الذي تعامل معه من مقام الاستعلاء. لأنّ قيمة الحقّ في حقّانيّته ذاتها. فالحقّ له قيمةٌ لأنّه حقّ، لا لأنّه يخرج من فمك، ولا لأنّه يظهر الآن ويبرز في الخارج من هذا الموقع. للحقّ قيمةٌ دائمًا، سواء قلته أم لم تقله، سواء كنت في مقام الاستعلاء أم لا، وسواء كنت في مقام الأستاذيّة والتلمذة أم لا، سواء طرحته من مقام أب العائلة أم لا. فالحقّ حقّ.

  • مع الأخذ بعين الاعتبار هذه المسألة، يجب على الإنسان أن يضع علوّه هذا جانبًا ويتعامل مع الطرف المقابل كفردٍ عاديّ؛ فإذا رأى أنّ مطلبه الحقّ غير مقبول، فلا يستخدم الوسائل والوسائط لإعماله، وليدع الأمر يجري بشكلٍ عاديّ. لا يقبل، فليكن. إذا وضع الإنسان هذه الطريقة في العمل نصب عينيه في مراقبته، فإنّ لهذه المسألة تأثيرًا عجيبًا وكبيرًا جدًّا في سرعة السالك وفي رفع المسائل والمشكلات.

  • عدم إمكانيّة الوصول إلى المراتب العالية دون سعة الصدر والمداراة

  • على الإنسان أن يرى الجميع سواسية، وأن يتحمّل الجميع. لقد وصل النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله إلى تلك المكانة لأنّه تحمّل هؤلاء الجهّال في عالم الكثرات. الناس جميعًا أطفالٌ وجهّال. هذا يريد هذا، وذاك يريد ذاك، هذا طلبه كذا، وذاك مطلبه كذا، هذا يقول: لنفعل هذا، وذاك يقول: لا نفعل هذا، يقاتلون ويجاهدون، يدافعون، يؤذون، يتكلّمون؛ كلّ هذا بسبب الجهل. والنبيّ يتحمّل كلّ هذه الأمور. تحمّل النبيّ هو الذي أدّى به إلى أن يصل إلى تلك المكانة وتلك العظمة وتلك السعة. لو بقي النبيّ في غار حراء ولم يأتِ ويتعامل مع هؤلاء الناس، ولم يدارِهم، ولم يتسامح، ولم يجامل، لما أصبح نبيًّا!

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

8
  • أي، أريد أن أقول إنّ الخصوصيّة التي كان يتمتّع بها النبيّ عند وفاته، لم تكن لديه وقت نزول الوحي وآية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾۱؛ بل اكتسب تلك الخصوصيّة فيما بعد.

  • أهميّة الحياة الزوجيّة للسالك إلى الله

  • يُعدّ الزواج وتشكيل عائلةٍ من أهمّ الأمور بالنسبة للسالك؛ لأنّه من خلال الارتباط بالعائلة والصبر والمداراة مع الأطفال والصبر على الزوجة والمسائل التي تحدث، يكتسب سعةً لا تحصل له أبدًا بدون ذلك! هذه الأمور يجب أن تكون حتمًا. الطفل يتصرّف كطفل، يلعب، يثير الضجيج، وعلى الإنسان أن يداريه. أحيانًا تحدث مسائل، تكون الزوجة منزعجة، فيجب على الإنسان أن يداريها. وفي الدائرة التي يعمل فيها الإنسان، يجب عليه أن يراعي أولئك العمّال والموظّفين والأفراد الموجودين هناك.

  • هنا مسألتان؛ يجب فصل حساب التكليف عن حساب العلوّ والاستعلاء، وإلّا فلن يختلف الإنسان عن الآخرين شيئًا! فالآخرون هم كذلك؛ عندما تكون لديهم القوّة يمارسونها، وعندما لا تكون لديهم يرفعون أيديهم. ونحن أيضًا كذلك؛ عندما تكون لدينا القوّة نفرض، وعندما لا تكون نسلّم.

  • كيف تعامل أولياء الله مع الانتقادات والأسئلة؟

  • لا ينبغي للإنسان أن يسيء استخدام انتمائه لشخصٍ ما؛ فهذا سيّئٌ جدًّا! وعلى الإنسان في مثل هذه المواقف أن يضع نفسه مكان غيره ويفترض غيره مكانه ثمّ لينظر ما الذي يطلبه منه. يأتي من يطرح على الإنسان إشكالاً أو سؤالاً أو يوجّه له نقدًا، ولكن لأنّني في مقام الاستعلاء، أضرب، وأسحق، وأردع، وأشتم، وأسبّ! يا عزيزي، هو لم يقل شيئًا، تعال وأجب! افترض أنّك أنت من لديك هذا الإشكال، فهل يصحّ أن أقول لك أخطأت وتجاوزت حدّك! ومن أنت أصلًا لتنتقدني؟! هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّني الآن أسيء استخدام مكانتي هذه. لو بدّلتُ مكاني مع هذا الإنسان، فماذا سأطلب؟ لو ذهبتُ أنا بنفسي وطرحتُ مثل هذا الإشكال على من هو أعلى منّي فسبّني وشتمني، ألن أعترض عليه؟! لو تكرّر لي هذا الموقف نفسه، فماذا سيكون موقفي؟!

  • أولياء الله ليسوا كذلك؛ أولياء الله لا يفرّقون، سواء طلب منهم الوضيع أم الرفيع، لا فرق عندهم أبدًا. وسواء انتقدَهم وضيعٌ أم رفيع، لا فرق أبدًا. إن كان لديه جوابٌ، أجاب.

    1. سورة العلق (٩٦)، الآيات ۱-٣.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

9
  • ضرورة الاعتراف بالخطأ وجبران عواقبه

  • ولكن إذا أدركنا لاحقًا أنّ ذلك الإنسان كان على حقّ، فإنّنا، حفاظًا على مكانتنا، لا نكون مستعدّين لأن نأتي ونلقي باللائمة على أنفسنا ونقول: «هذا الإنسان لا ذنب له، الذنب ذنبنا ونحن لم نفعل!». لأنّ القضيّة ستعود علينا وسيقولون: «لقد أخطأت!». فإذا فعلنا عملًا وتبيّن بعد ذلك أنّ طرفًا ما قد ظُلم هنا، فيجب علينا أن نأتي بصراحةٍ ونعلن: «إنّه قد ظُلم والحقّ معه». لا رجعة في ذلك! فإن لم نفعل هذا، نكون قد خسرنا المسألة هنا.

  • أولاً: لأنّنا قد ضحّينا بالحقّ من أجل الشخصيّة، وهذا لا يمكن جبرانه؛ فالحقّ لا يُضحّى به من أجل الشخصيّة! 

  • والمسألة الثانية، وهي الأهمّ، هي أنّنا بعدم تصريحنا بهذا الأمر، نكون قد أوقعنا ظلمًا مؤكّدًا ومجدّدًا على ذلك المظلوم مرّة أخرى. فماذا سنفعل بهذا؟! لأنّنا لم نعلن؛ في حين أنّ الحقّ أعلى من كلّ شيءٍ ومرتفعٌ على كلّ شيء.

  • هنا يتّضح الفرق بين الأفراد من وجهة نظر تجاوز المسائل النفسانيّة وعدم تجاوزها. وحينها، يبتلي الله الإنسان ابتلاء دقيقًا. لقد قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم في آخر حياته: «من كان له عليّ حقٌّ فليأتِ وليطلبه». فجاء رجلٌ وقال: «في إحدى المرّات أردتَ أن تضرب بعيرك بعصا كانت في يدك، فأصابتني تلك العصا؛ وأنا الآن أريد أن أقتصّ هنا». فرفع النبيّ صلّى الله عليه وآله قميصه، فجاء الرجل وقبّل بطن النبيّ۱. لا فرق عند النبيّ، فهو رسول الله، ولكن من الممكن أن تكون عصاه قد أصابت شخصًا ما خطأً.

  • أحد السادة ـ لن أذكر اسمه وهو على قيد الحياة الآن من علماء قم ـ كان يروي لوالدي ـ رضوان الله عليه ـ قضيّةً عن السيّد البروجرديّ ـ رحمه الله ورضوان الله عليه ـ قائلاً: في إحدى الوقائع، ذهب أفرادٌ إلى السيّد البروجرديّ وسعوا بي عنده. فأظهر السيّد البروجرديّ ردّة فعلٍ تجاه هذه القضيّة بين بضعة نفر. وبعد أن اتّضحت القضيّة، ذهبتُ إلى السيّد البروجرديّ وأثبتُّ له بالأدلّة والبراهين والشواهد أنّ ما قيل له كان خطأً؛ فقبل هو وقال: «أعتذر منك لأنّني فهمتُ هذا خطأً وقلتُ تلك الأمور!».

    1. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٦٣٤.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

10
  • فقلتُ للسيد البروجرديّ: هذا لا يكفي. 

  • قال: «ماذا أفعل؟». 

  • قلت: لقد أظهرتَ ردّة فعلٍ تجاه هذه القضيّة وجئت وطرحتها؛ والآن يجب عليك أن تقول أمامهم إنّني أخطأت! 

  • فقال السيد البروجرديّ: «حسنًا، سأقول». ولأنّه من الممكن أن يكون أولئك النفر قد أخبروا بقيّة الأفراد أيضًا، جاء واعتذر رسميًّا من هذا السيد على المنبر وأثناء الدرس، وقال: «الحقّ معه ونحن أخطأنا!».

  • ثمّ نقول نحن: إنّهم ليسوا سالكين، ونحن سالكون وقد أطلقنا على أنفسنا اسم السالك! نطلق على أنفسنا اسم الوليّ، نطلق على أنفسنا ألف اسم، ثمّ لا نستطيع أن نتجاوز عن أقلّ وأقلّ وأقلّ مسألة! الله يبتلي كلّ إنسانٍ بهذه المسألة؛ يبتلي الله الإنسان تمامًا من حيث نقطة ضعفه. والآن يجب اجتياز الامتحان. يجب أن تقول: «يا فلان، لقد أخطأت!». فإذا قلت أخطأت، تجاوزتَ؛ وإذا لم تقل أخطأت، وقفتَ مكانك ولم تتحرّك! إذا تحرّك جبل دماوند هذا من مكانه، تحرّكتَ أنت أيضًا! لا فائدة أبدًا! فطريق الله طريق الحقّ. كلّ خطوةٍ تُخطى يجب أن تكون مصحوبةً بالحقّ؛ وإن لم تكن كذلك، فلن تُخطى أيّ خطوةٍ أصلاً. يقف أمامه سور الصين العظيم، فلا يستطيع أن يذهب ويتحرّك.

  • هذا المنهج هو منهج الأولياء، وعلى السالك أن يتّصف بهذا المنهج وبهذه الصفات. بل على السالك أن ينتظر فرصةً كهذه لتسنح له فيستغلّها؛ لا أن يهرب منها. فلو سنحت لنا فرصةٌ وأخطأنا، لأردنا بسرعةٍ أن نهرب من تحتها بطريقةٍ ما ونقوم بها دون دقّةٍ ونتلاعب بها.

  • أريد أن أقول شيئًا آخر، وهو أنّ على السالك أن ينتظر أن تسنح له فرصةٌ كهذه؛ وإلاّ، فليذهب هو ويهيّئها! طبعًا أنا أمزح، لا حاجة للبحث عنها، فهي تتهيّأ بنفسها. أمّا في أيّ موارد يجب على الإنسان أن يهيّئها لنفسه، فتلك مسألةٌ أخرى لن أقولها الآن؛ لتكن لوقتٍ لاحق. أمّا الآن وقد هيّأها الله بنفسه، فعلى الأقلّ لا نتجاوز هذا المقدار! أنت الذي تريد أن تمرّ خفيةً، هل تخدع الله أم نفسك؟! قبل بضع سنواتٍ، تحدّثنا عن الفقرة الشريفة «ولا تمكُرْ بي في حيلتِكَ». بمجرّد أن تريد الهرب بطريقةٍ ما، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾۱؛ أي أنّ مكر الله أعظم، وبمجرّد أن تهرب، فهذا هو مكر الله وأنت لا تفهم! تظنّ أنّك تخدع الله، بينما عندما تهرب، فإنّ الله هو الذي يخدعك! لو لم يخدعك الله، لما هربت، بل لوقفتَ وعبرتَ وخرجتَ من الامتحان واستفدت أنت. هنا يجب على الإنسان أن يكون مترصّدًا وحذرًا، وأن يستغلّ هذه الفرص الاستثنائيّة التي تسنح له في طريق السلوك ومسيره. وبالطبع يجب أن يسلّم نفسه للّه.

    1. سورة آل عمران (٣)، الآية ٥٤.

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

11
  • علامة الانقياد للحقّ

  • قبل بضعة أشهر، كنتُ ذاهبًا إلى مكانٍ ما في طهران، فأوصلني أحد الأصدقاء بسيّارته إلى الوجهة التي كنت أريدها. وفي أثناء الطريق، سأل سؤالاً فقال: «كيف أعلم أنّني مسلّم؟». 

  • فقلتُ له: سأسألك سؤالًا: هل أنت الآن على يقينٍ من طريقك ومبانيك واعتقاداتك؟ 

  • فقال: «نعم». 

  • فقلتُ: فكّر جيّدًا، انظر ماذا أريد أن أقول! هل تعلم أنّ هذه الاعتقادات المخالفة وهذه المباني المخالفة، أيّ مسائل ومصائب وقضايا قد أوجدتها لك ولأمثالك؟! 

  • قال: «أعلم هذا أيضًا ولا أشكّ فيه!».

  • قلتُ: هناك تيّاراتٌ مخالفة، وبالتأكيد أنتم تعتبرون هذه التيّارات شيطانيّة، وعلاوةً على ذلك، يتأثّر الإنسان بهذه الأوضاع؛ فهل أنتم مستعدّون للتعامل مع مثل هؤلاء الأفراد؟! 

  • قال: «أبدًا!». 

  • قلتُ: لقد قلتَ كلامًا صحيحًا حتّى الآن، والآن أريد أن أستنتج؛ لو قُدّر أن تنقلب الصفحة هذه الليلة نفسها، ويتبدّل أولئك الذين أوجدوا هذه المباني، وهذه المسائل، وهذه الاختلافات، وهذه القضايا، وهذه المصائب، وهذه المشكلات، وهذه الفضائح، وهذه الضجّة، وهذا الزمن العصيب، لو تبدّلوا فجأةً إلى أفرادٍ صالحين، فماذا ستفعل تجاههم؟ 

  • فكّر قليلًا ثمّ قال: «على الإنسان أن ينظر إليهم بحسب حالهم في ذلك الوقت». 

  • قلتُ: هذه علامة التسليم! امتحنْ نفسك دائمًا، وشاهدْ نفسك دائمًا في بوتقة الامتحان، فإذا تغيّر الوضع الآن، فلا تتأخّر!

  • أصلًا، لنفرض أنّ رجلاً في زمن أمير المؤمنين عليه السلام تبدّل فجأةً إلى رجلٍ صالح، فهل ستأخذ بعين الاعتبار المسائل الماضية والأحداث الماضية أم حاله الآن؟! لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى الماضي؛ يجب أن ينظر إلى حاله الآن. كلّ ما فعله الطرف الآخر، فقد فعله، ولكن كيف حاله الآن وما هو وضعه الآن! طبعًا، الفرض هو أن يدرك حقًّا أنّ هذا الإنسان قد تبدّل؛ حينها يجب عليه أن يسلّم للحقّ، ولا معنى لأن ينفصل عنه. فإذا رأيتَ أنّ لديك هذا الاستعداد والتهيّؤ، فاعلم أنّك مسلّمٌ لرضا الحقّ، وهذا الحال نفسه يبيّن أنّك على حقّ.

  • النقطة هنا هي أنّه إذا كان الإنسان في وضعٍ يعلم فيه أنّه لو انكشف له الحقّ فلن ينكره، فهو على حقٍّ في تلك اللحظة نفسها. مهما تحدّثنا عن كلمات الإمام عليه السلام هذه، فإنّنا لم نستطع أن نفهم قطرةً من هذا البحر! ولكن من باب أنّ التطويل يوجب الملل، إن شاء الله سنتجاوز هذه العبارة، ومن ليلة الغد سنتناول العبارة الأخرى: «والحمدُ للهِ الذي أسألُه فيُعطيني وإنْ كنتُ بخيلًا حينَ يستقرِضُني».

سرعة الإجابة في مقام الاستعلاء - لماذا يُعدُّ فرض الحقّ من موقع القوّة باطلًا؟

12
  •  

  • اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد