المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/09
التوضيح
هل الجود حسن والبُخل قبيح عند جميع الشعوب؟ ما علاقة الأخلاق بالقُرب من الله تعالى؟ ما هو السبب الرئيسيّ لبخل الإنسان؟ وكيف ينعكس الجود والبخل في نظام الوجود الدقيق؟ ولماذا يُعدّ الإنفاق في الحياة أفضل من الوصيّة بعد الموت؟ تُجيب هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً في ضمن ذلك عن أنّ أساس السير إلى الله هو التحلّي بالإنسانيّة أوّلاً.
هوالعلیم
جذور البُخل في نفس الإنسان
لماذا لا تكون للسلوك إلى الله أيّة قيمة دون مراعاة أصول الإنسانيّة؟
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة السادسة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ وآلِهِ الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ
اعترافُ جميع الشعوب بحُسن الجود وقُبح البخل
«الحمدُ للهِ الذي أسألُهُ فيُعطيني»؛ أي: الحمدُ مختصٌّ بالله تعالى الذي كلّما طلبتُ منه وسألتُه قضاءَ حاجةٍ، أعطاني.
«وإنْ كنتُ بخيلاً حينَ يستقرِضُني»؛۱ أي: ولكن من الطرف الآخر، إذا طلب هو منّي شيئًا، فإنّني أبخل.
إنّ من الصفات المستحسنة صفة الجود؛ وهي مطروحةٌ في جميع الشعوب والملل كصفةٍ حميدةٍ وقيّمة. فما هي علّة استحسان هذه الصفة؟ ولماذا تُعدّ هذه الصفة مستحسنة والبخل صفة قبيحة؟
حكم الفطرة الإنسانيّة بمساعدة الآخرين على استمرار الحياة
إنّ وجه استحسان الجود هو أنّ الإنسان يشترك مع سائر الأفراد والموجودات ـ أعمّ من الحيوانات والنباتات ـ في وجه اشتراكٍ واحدٍ، وهو الحياة. فالإنسان حيٌّ، والحيوان حيٌّ، والنبات حيٌّ. وكما أنّ حقّ الحياة بالنسبة للإنسان يُعدّ حقّه الأوّلي والطبيعيّ، فإنّ حقّ الحياة هذا بالنسبة لبقيّة الموجودات ـ أعمّ من الحيوان والنبات ـ يُعدّ حقّها الأوّلي والطبيعيّ أيضًا؛ وهذه المسألة مقبولةٌ ومعترفٌ بها بشكلٍ عامٍّ في جميع الملل والنحل.
لا يستطيع الإنسان أن يقتلع شجرةً، بل حتّى عُشبةً من الأرض دون سببٍ، ويرميها جانبًا لتجفّ، وهو مسؤولٌ عن ذلك؛ لأنّ تلك الشجرة لها حقّ الحياة. ولا يستطيع الإنسان أن يقتل حيوانًا دون سبب. فالعنزة التي تسير في الجبل، لا يستطيع الإنسان أن يقتلها هكذا؛ فهذا الفعل حرام. نعم، إذا ترتّبت على هذا الفعل منفعةٌ مُفيدةٌ ومُحلَّلة، فلا إشكال؛ أمّا مجرّد أن يرى الإنسان عنزةٍ في الجبل، فيُعجبه أن يطلق عليها النار، فهذا الفعل حرامٌ ولا ينبغي فعله٢.
كان شخصٌ موثوقٌ به يقول:
كان لي أصدقاء في إحدى المدن الواقعة في أطراف قمّ، وكانوا هم أيضًا من هواة تسلّق الجبال. وفي إحدى المرّات، ذهبنا برفقة مجموعةٍ منهم ـ وكانوا نحو عشرة أو اثني عشر رجلاً ـ إلى الجبال المحيطة بخرم آباد وبروجرد. كنّا قد عزمنا على الذهاب والبقاء هناك ليومٍ أو يومين ثمّ العودة. انطلقنا؛ وفي طريقنا، وصلنا إلى مفترق طرقٍ كان في وسطه وادٍ، وكان الطريقان ينفصلان ثمّ يلتقيان مجدّدًا؛ وفي هذه المسافة، كان يوجد وادٍ عميقٌ جدًّا، وقد تشكّلت على كلا جانبيه هاوية. قال بضعة رجال: «نحن سنسلك هذا الطريق». وقال البقيّة: «نحن سنسلك ذلك الطريق»؛ فانقسمنا إلى مجموعتين، وانطلقنا.
وعندما أصبحنا في مواجهة بعضنا، انتبهنا فجأةً إلى أنّ الذين في مقابلنا يصرخون! نظرنا، فرأينا نمرًا ضخمًا يسير فوقنا، ولا يفصلنا عنه أكثر من مترين! لقد رأينا الموت أمام أعيننا! جاء هذا النمر، والتفّ حول تلك الصخرة، واتّجه نحونا. لقد استسلمنا جميعًا لمشيئة الله، ورأينا عزرائيل ومُمثّله ووكيله ـ فكلّ هؤلاء هم وكلاؤه وجزءٌ من آلات وأدوات وأسباب حضرة عزرائيل ـ أمام أعيننا! لقد عزمنا على الموت، ولم نكن نستطيع فعل أيّ شيءٍ بتاتًا!
تقدّم هذا الكائن المُوقّر أكثر فأكثر؛ ولكن، العجيب أنّه عندما جاء، نظر إلى كلّ واحدٍ من الأفراد، ليرى هل هو مأمورٌ به أم لا، ثمّ مضى! كنّا ستّة رجال، وكنتُ أقف في الموقع قبل الأخير باثنين. وعندما جاء دوري، نظر إليّ، فقلتُ في نفسي: يبدو أنّه قد اختارني! فاستشفعنا بجميع الأنبياء، ونذرنا كذا وكذا! لكنّه ألقى إليّ نظرةً ومضى. والعجيب أنّه ذهب، وعندما وصل إلى الرجل الأخير، نظر إليه نظرةً ومضى! وما إن مضى، ووصل إلى حافة الهاوية، حتّى قام ذلك الرجل الأخير بفعلٍ صبيانيٍّ وبعيدٍ عن الإنسانيّة حقًّا، حيث جاء في لحظة غفلةٍ من النمر، وركله بقدمه بقوّةٍ، وألقى به من تلك الهاوية العظيمة إلى الأسفل! وعندما كان يسقط من ذلك العلوّ، كنّا نسمع صوت ارتطامه؛ وأطلق صوتًا وأنينًا دوّى في كلّ مكان! تأثّرنا كثيرًا وقلنا: «في النهاية، لقد تعدّانا هذا الحيوان، ولم يعد له شأنٌ بنا، فلماذا فعلتَ هكذا، وارتكبتَ هذا الفعل الصبيانيّ؟!».
مرّ عامٌ على هذه الحادثة. وفي العام التالي، وفي الوقت نفسه، وكان صيفًا (أو ربيعًا) والجوّ لطيفًا، قلنا مجدّدًا: «أيّها الرفقاء، لنجتمع وننطلق إلى الجبل كما في العام الماضي». انطلقنا، وجئنا، ووصلنا إلى المكان نفسه، فقلنا: «يجب أن ننقسم إلى قسمين كما في العام الماضي؛ قسمٌ يذهب من هذا الجانب والآخر من الجانب الآخر». وكان المسار ضيّقًا لا يتّسع لأكثر من رجلٍ واحد، فكان علينا أن نسير الواحد تلو الآخر. وصلنا إلى النقطة نفسها التي وقعت فيها حادثة العام الماضي؛ فبغتةً، وبغفلةٍ واحدة، التوت قدم هذا الرجل نفسه، وسقط من المكان نفسه الذي ألقى منه ذلك النمر! لم يكن مترًا واحدًا إلى هذا الجانب أو ذاك؛ بل من المكان نفسه تمامًا!
كلّ شيءٍ محسوب! هذا حيوان، فلماذا تقتله دون سبب؟! أحيانًا يكون عقربًا ويريد أن يلدغك، فتلك مسألةٌ أخرى. إنّ فطرة الإنسان تحكم بأنّه إذا كان استمرار الحياة ممكنًا لأحد، فيجب على الإنسان أن يُساعده على استمرار حياته؛ هذا هو الأصل الكلّي في تقييم هذه المسألة.
تساوي الإنسان مع جميع المخلوقات بسبب الاشتراك في عبوديّة الله
ولكنّ النقطة الأسمى هنا هي: يجب علينا أن نلاحظ أنفسنا في مقام عالم الوجود، وأن نأخذ بعين الاعتبار الأفراد والموجودات الأخرى في هذا المقام مقارنةً بأنفسنا. ففي مقام الوجود، نحن عبيدٌ لله، وجميع الأفراد الآخرين هم أيضًا عبيد.
القرب من الله بمقدار التخلّق بصفاته
لقد وضع الله تعالى نعمته في متناولنا دون منّةٍ ودون مقابل. فالله تعالى عندما يُعطينا نعمة، لا يحصل في مقابلها على شيء، ولا تتحقّق له تعالى أيّة منفعة. إذن، صفة الرازقيّة، وصفة العطاء، وصفة الرحيميّة والرحمانيّة هي من أوصاف الله المستحسنة والجماليّة.
ووفقًا لما عُرض في الجلسات السابقة، فإنّ ذلك العبد الأقرب إلى الله هو الذي يكون له نصيبٌ أكبر من صفاته تعالى. وفي روايةٍ ـ وإن لم يكن سندها معلومًا وقد تكون من كلام أحد الأعاظم ـ يقول: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللهِ»۱. وقد رُوي نظير هذا الكلام عن أمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال: «لَيْسَ الْعِلْمُ فِي السَّمَاءِ فَيَنْزِلَ إِلَيْكُمْ [لتنتفعوا منه]، وَلَا فِي تُخُومِ الْأَرْضِ فَيَخْرُجَ لَكُمْ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ مَجْبُولٌ [ومكنونٌ] فِي قُلُوبِكُمْ؛ تَأَدَّبُوا بِآدَابِ الرُّوحَانِيِّينَ يَظْهَرْ لَكُمْ»٢.
أخلاق الروحانيّين تعني تلك الصفات اللازمة للتجرّد الوجوديّ لموجودٍ من الموجودات المتعيّنة، واللازمة للتقرّب إلى الحقّ؛ إذن، ما يلزم من أجل التقرّب إلى الحقّ هو التخلّق بهذه الأخلاق. ومن صفات الله تعالى، الرازقيّة، والجود: «هو الجواد»، والفيض: «هو الفيّاض»، والإعطاء: «هو المعطي». هذه الصفات هي لازمة لبساطة الوجود؛ أي الوجود الذي ليس له أيّ تعيّنٍ ولا أيّ محدوديّة. ولأنّ صفات الله هي صفاتٌ تعود إلى أصل الوجود، وبما أنّ وجود الله هو وجودٌ غير متعيّنٍ ومحضٌ وبسيط، فإنّ صفاته تكتسب قيمتها بلحاظ نفس حقيقة الوجود ونفس حقيقة الكينونة.
ومن هنا، فإنّ كلّ إنسانٍ، بمقدار ما يكون تجرّده ـ من حيث التجرّد الوجوديّ ـ أكمل وأتمّ وأقوى، تكون هذه الصفات الجماليّة والجلاليّة للحقّ في وجوده أقوى؛ وكلّ إنسانٍ يكون ـ من حيث الحقيقة الوجوديّة ـ في مرتبةٍ أبعد، يكون فاقدًا لهذه الصفات الإلهيّة. وهذا معيار.
عندما نُشارك في مجلس الإمام الحسين عليه السلام، فإنّ ذكرى سيّد الشهداء عليه السلام تبعث على النور، وتؤدّي إلى إزالة الكدورات. وذِكر أبي عبد الله عليه السلام المبارك يوجب نزول الرحمة. والحالة التي تعتري الإنسان في ذلك المجلس هي حالة الرقّة وحالة الانبساط؛ وهذا بسبب ذِكر سيّد الشهداء. وفي تلك الحال، لو جاؤوا وطلبوا منك: «يا سيّد، ساعد فقيرًا!»، فإنّك ستُعطي المال من جيبك بسهولةٍ تامّة؛ ولكن، لو ذهبت إلى مكانٍ يُطرح فيه ذِكر الدنيا ومسائلها، فسترى أنّ حالة الكدورة تعتريك، ولو جاء الفقير نفسه لقلت: «اذهب إلى حال سبيلك!». أو عندما تُصلّي، فلأنّ الصلاة ذِكرٌ لله، والذِكر نفسه يوجب الرحمة والنور، ترى أنّ حالة انبساطٍ وتجرّدٍ تحصل لك؛ لهذا، لو جاء سائلٌ بعد الصلاة أو في أثنائها أو طلب إنسانٌ منك شيئًا، فإنّك تفعله بسهولة؛ أمّا لو جاء في الزقاق والسوق وأمثال ذلك وذهبَت تلك الحالة، فلن يستطيع الإنسان؛ لأنّ المقام هناك كان مقام روحانيّة.
بناءً على ذلك، فإنّ هذه مسألةٌ مهمّةٌ جدًّا، وهي أنّه في مختلف الأحداث، على الإنسان القيامُ أوّلاً بما يُقوّي به ارتباطه بذلك الوجود المطلق وبذلك الوجود التامّ؛ ثمّ يشرع في ذلك العمل. فإذا أراد أن يتصدّى للقضاء، فليُصلِّ ركعتين أوّلاً، ثمّ يقضي بين الناس؛ فهذا يختلف كثيرًا! أو إذا أراد أن يبدأ عملاً فيه ارتباطٌ بالناس، كأن يفتح دكّانه للتجارة؛ فعندما يريد أن يخرج من منزله، ليُصلِّ ركعتين أوّلاً، ثمّ يذهب ويفتح دكّانه للتكسّب؛ فتأثير هذا أكبر بكثير! لأنّ الصلاة توجب تقرّب الإنسان، والعمل الذي يُفعل عقب التقرّب يكون أقرب إلى الحقّ من العمل الذي لا يكون عقبه. كلّ هذا بسبب أخلاق الروحانيّين هذه؛ «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الرُّوحَانِيِّينَ، تَكُونُوا مِنْهُمْ أَوْ تَكُونُوا مَعَهُمْ».۱
سبب اختلاف مراتب العطاء في نظام الجود الإلهيّ
فبمقتضى هذه المسألة، وبمقتضى التساوي والجانب العامّ الذي لله تجاه جميع مخلوقاته، فإنّه تعالى يُجري فيضه وعطاءه ورزقه عليهم سواسيةً ودون اختلاف؛ أجل، يبقى أنّ فيض الله مختلف؛ فهناك فيضٌ عامّ وفيضٌ خاصّ، والخاصّ نفسه له مراتب. وهو يُفيض على كلّ أحدٍ وفق مشيئته وتقديره؛ فيومًا يُعطي هذا قليلاً وذاك كثيرًا، وغدًا يعطي ذاك كثيرًا وهذا قليلاً؛ ويومًا يعطي هذا من هذا الجانب، وذاك من ذلك الجانب.. كلّ هذا لكي يحصل للإنسان ـ في هذا النقص والزيادة ـ العلمُ بالتوحيد والعلمُ بالحقيقة والمنشأ والسبب ومُسبّب الأسباب.
فمن جهةٍ، يعطي شخصًا ما كثيرًا؛ ومع كثرة العطاء، يُرسل إلى باب بيته المساكين والمحتاجين؛ ومن جهةٍ أخرى، لا يعطي شخصًا ما، وبسبب عدم العطاء، يُوجّهه إلى ذاته، ويجذب حواسّه وفكره إليه.. كلّ هذا محسوب. وهذا العطاء الذي يعطيه الله الآن، من أين جاء؟!
انعكاس جود الإنسان وبخله في النظام الدقيق لعالم الوجود
جمعَ أحدُ التابعين في زمن الإمام الصادق عليه السلام مالاً، وأراد أن ينطلق به من الكوفة إلى مكّة لأداء الحجّ؛ وبالطبع، لم يكن حجًّا واجبًا. وقبل أن يخرج من الكوفة، وصل في المنزل الأوّل إلى خرابة، فرأى هناك امرأةً تبحث عن شيء، ويبدو أنّه رأى في يدها ميتة. فذهب وسألها: «أيّتها السيّدة، ما هذا؟». لم تُجبه المرأة في البداية، ولكنّها قالت بعد ذلك:
أنا علويّة، وقد توفّي زوجي منذ مدّة، ولم يكن لدينا مالٌ لنشتري شيئًا، وأطفالي جياعٌ منذ أيّام. فجئتُ اليوم، ورأيتُ دجاجةً وطائرًا ميّتًا ملقىً هنا، فقلتُ في نفسي: سآخذ هذا من باب أكل الميتة [اضطرارًا]، وأذهب به إلى منزلنا.
فأعطى هذا الرجل كيس المال الذي كان قد خصّصه لحجّه لهذه السيّدة المصونة، وعاد إلى منزله، ولم يعُد لديه مالٌ للحجّ. فقالوا له: «لماذا لم تذهب؟!». فقال: «حصل لي بداء فانصرفتُ عن الحجّ؛ لن أذهب». فرأى النبيَّ الأكرم صلّى الله عليه وآله في المنام، فقال له:
لقد أكرمتَ وُلدي، وقد وكّلتُ ملكًا ليحجّ عنك كلّ عامٍ إلى يوم القيامة؛ سواء ذهبتَ إلى مكّة كلّ عامٍ أم لم تذهب.
فصبر، وعندما ذهب الناس إلى مكّة وعادوا، قالوا له جميعًا:
أيّها الحاجّ، حجّك مقبول. لقد رأيناك في عرفات، ورأيناك في منى، ورأيناك عند زمزم، ورأيناك بين الصفا والمروة.
فكان يقول: «الحمد لله»، من دون أن يظهر على وجهه أيّ شيء۱!
إنّ هذه القضيّة وغيرها من القضايا كلّها محسوبة. وعلى هذا، فإنّ جميع الأشياء ونظام العالم يسير بدقّة. فلا نتخيّلنّ أنّنا إذا بخلنا بشيء، فإنّ ذلك الشيء سيبقى لنا. أنا طالب علم، وواجبي أنّه إذا جاء شخصٌ وسألني مسألة، فلا أبخل، بل أقول ما يخطر ببالي. أحيانًا، يقتضي التكليف ألاّ أقول، فتلك مسألةٌ أخرى؛ ولكن، عندما أصل إلى مسألةٍ علميّة، إذا أردتُ أن أبخل، وأحتفظ بها لنفسي حتّى لا يعرفها أحد، سيقول الله تعالى: «حسنًا جدًّا، إذا كنت لا تريد فلا تقل؛ ولكن، اعلم أنّك لم تقل مسألةً واحدة، ونحن أيضًا سنمنعك من مليون مسألةٍ أخرى! والآن اذهب في سبيلك!». أو يأتي الفقير الفلانيّ، ويستطيع الإنسان أن يُساعده، ولكنّه يبخل ولا يساعده؛ فيقول الله تعالى: «لم تعطه، لا بأس، لا تعطِ؛ ولكنّنا منعناك من ألف ألف نعمةٍ كان يجب أن تصل إليك. والآن، إذا استطعتَ فاذهب وحصّلها!». أو يكون في مقدور الإنسان أن يُقدّم مساعدةً في مكانٍ ما، كأن يحمل متاع إنسانٍ بائسٍ مسكينٍ ويُساعده، ولكنّه لا يفعل؛ فيقول الله تعالى: «سوف نحبسك في عقبات يوم القيامة، حَتَّى تَضِيقَ بِكَ السُّبُلُ وتَغدُو بائساً ذليلاً! ألا تُريد حمل الآن متاع هذا الضعيف وهذه العجوز وتوصله إلى بيتها؟! عندما ترى شيخًا أو عجوزًا يسير وفي يده سلّة، يجب عليك أن تساعده وتوصلها له! لا تريد أن تفعل؟ حسنًا، لا تفعل، لا مشكلة، ولكنّنا موجودون يوم القيامة، فماذا عساك أن تفعل هناك؟!».
كلّ هذا لأنّ العالم ليس كحكومة الفوضى التي ترونها هنا وهناك، بل له نظام؛ ولو خطر للإنسان خاطرٌ واحد، فإنّ له حساب! في إحدى سفرات المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ ـ رضوان الله عليه ـ إلى مشهد، كان يلازمه شخصٌ ما. وكان هذا المسكين رجلاً صالحًا، خدومًا، مُعينًا ومُساعدًا للمرحوم العلامة؛ جزاه الله خيرًا! وفي أحد الأيّام، دُعي هذا الشخص إلى منزلنا. وكان أحد الرفقاء هناك يقول:
عندما كان هذا الشخص يتوضّأ، خطر ببالي خاطرٌ، مثلاً أنّ هذا الشخص يتوضّأ هكذا ويُطيل كثيرًا! قال: وبعد ذلك، عندما كنتُ جالسًا على المائدة، دخل السيّد [العلاّمة] فجأةً، ونظر إليّ نظرةً تذكّرتُ معها عزرائيل!
وحينها، في تلك النظرة نفسها، أفهمَني أيضًا أنّه: لماذا خطر لك مثل هذا الخاطر في حقّ مثل هذا الشخص؟! أي أنّه ينظر إليه، ويُفهمه في الوقت نفسه أنّ هذا الرجل يرغب في أن يتوضّأ هكذا، فما شأنك أنت لتفكّر بمثل هذا التفكير!
بمجرّد أن يخطر خاطرٌ في ذهن الإنسان، يُدوَّن هذا الخاطر في السجلّ؛ أمّا إذا أقدم الإنسان على هذا الخاطر، وأظهر ردّة فعلٍ، وأوجد مسائل خارجيّة، فالويل ثمّ الويل! وتلك مسألةٌ أخرى!
علل بُخل الإنسان
إنّ سبب بُخلنا في فقرة: «الحمدُ للهِ الذي أسألُهُ فيُعطيني وإنْ كنتُ بخيلاً» هو وجود ثلاث مسائل هنا:
المسألة الأولى: هي أنّنا لا نرى أنفسنا مشتركين مع الآخرين.
المسألة الثانية: هي أنّنا لا نعتبر هذا المال والملكيّة من آخر، بل نراه مالنا الخاصّ.
المسألة الثالثة: هي أنّنا، في حال العطاء، نعتبر هذه الملكيّة والمال قابلين للزوال.
البخل بسبب الخوف من زوال المال
في أحد الأيّام، كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ذاهبًا إلى خارج المدينة، فقال لإحدى زوجاته [ما معناه]: «اذبحي هذه الشاة الموجودة في المنزل وأعطيها كلّها للفقراء». وعندما عاد، قال: «هل فعلتِ ذلك؟». قالت: «نعم، ولكن بقي منها كتفٌ واحد». فقال صلّى الله عليه وآله [ما مفاده]:
لقد بقي كلّها إلاّ ذلك الكتف الواحد.۱
فالذي يُعطى هو الذي يبقى؛ لا الجزء الذي بقي! فالجزء الذي بقي، لا يزال معلّقًا: هل هو باقٍ أم لا؟ فإذا أكلته أنت لم يبقَ، أمّا إذا أعطيته للآخرين فقد بقي. وبالطبع، يجب على الإنسان أن يحتفظ لنفسه بما يكفي أيضًا؛ ففي القرآن، يقول الله تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾٢؛ وفي آيةٍ أخرى، يقول: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾٣؛ أي: يجب على الإنسان أن يكون له نصيبٌ لنفسه وعياله وأفراده؛ وكذلك بالنسبة لسائر المسائل.
البُخل بسبب عدم لحاظ مالكيّة الله الحقيقيّة
تقول الآية الشريفة:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾۱؛ أي: من ذا الذي يقرض الله، فيضاعفه الله له؟
انظروا كم تنازل الله هنا! فهو تعالى الذي أعطى المال للإنسان، وقال له: «إنّ هذا المال مالك»، ثمّ نراه، يقول بنفسه: «أطلب منك أنّه عندما يأتي فقيرٌ أو مؤمنٌ ويطلب، فتعالَ ومن باب المروءة والتسامح، أقرضه!». وقد ورد في الروايات [ما معناه]: «القرض للمؤمن، قرضٌ لله»٢. وبالطبع، هذا المعنى هو معنى الملكيّة في المال؛ وفي العلم أيضًا كذلك، وفي القدرة كذلك، وفي المسائل الأخرى كذلك. من ذا الذي يُقرض الله وينفع الآخرين بعلمه، ولا يقول: هذا العلم مالي، ولا يقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾٣، بل يُخصّص وقتًا لشخصٍ ما، ويُدرّسه؟! فإذا فعل هذا، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾؛ «يزيده الله ويضاعف له».
فالقرض من الناحية الفقهيّة هو: «إعطاء عينٍ ـ سواء كانت درهمًا أو دينارًا أو غير ذلك ـ بعوضٍ في أجلٍ»؛ وفي المقابل، يجب أن يكون ذلك العوض نفسه للإنسان. على سبيل المثال، أقرضك كتابًا لمدّة شهرٍ لتُعيده إليّ؛ أو أقرضك ألف تومان، فتصرفها، وتعيد ألف تومان بعد شهر؛ وهكذا دواليك. ولكنّ المسألة هي أنّ الإنسان عندما يقترض من شخصٍ ما، يذهب ويقترض بسهولةٍ تامّة؛ ولكن، عندما يحين وقت سداد القرض، يبخل ويتكاسل. كلّ هذا بسبب مسألة طلب الكثرة هذه. في حين، يجب أن يكون الأمر بالعكس؛ أي عندما يريد الإنسان أن يقترض، يجب أن يتأمّل ويتسامح في الأخذ؛ وبعد أن يقترض، يجب أن يستحضرفي باله دائمًا أنّه مدين، ويجب أن يذهب ويُهيّئ المال ويُسدّده! ولكنّنا نرى أنّ المسائل تنقلب تمامًا! فكلّما تقوّت رؤية الذات واعتبارها لنفسها ورؤيتها كمحور، قلّ جانب الجود وجانب العطاء؛ حتّى بالنسبة لما هو مدينٌ به الإنسانُ للآخرين.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾؛ من ذا الذي يقرض الله؟ من ذا الذي يُنفق في سبيل الله؟ إنفاق المال، إنفاق العلم، إنفاق الرزق، الإنفاق كمساعدةٍ للناس، الإنفاق كرفعٍ للحوائج؛ من ذا الذي يفعل هذا ليُعوّضه الله في المقابل؟ في حين أنّه نسي أنّ كلّ هذه الأموال وهذا العلم وهذه القدرة وهذا الجمال وهذا الكمال، قد جاءت من مبدأٍ واحد. والآن، ذلك المبدأ يغضّ الطرف عن هذه الأمور ويقول: «هذا الحساب الذي لديك في البنك، لو لم ترجع إليه لسنةٍ واحدة، لظلّت أموالك باقيةٌ هناك؛ فلا فرق إذن أن تكون في حسابك أم في ذلك الحساب!». ولكنّ هذا الإنسان لا يقبل؛ في حين أنّ المال قد انتقل فقط من هذا الحساب إلى ذلك الحساب وتغيّر مكانه؛ فلم يذهب مالُك، بل هو في جيوب الناس. المال لا يذهب أبدًا، بل ينتقل من هذا الجيب إلى ذاك الجيب، ومن ذاك الجيب إلى هذا الجيب؛ وهكذا، من هذه المدينة إلى تلك المدينة. فلتطمئنّوا أنّ المال لا يذهب، إلاّ إذا أحرقوه! ولو ذهب إلى كوكبٍ آخر، فهذا المال باقٍ في مكانه؛ يدور دورةً ويعود إلى المكان نفسه، وإذا لم يعد إلى هنا، فإنّ حقيقته مدوّنةٌ في السجلّ وهي لا تزول.
إذن، لقد تنازل الله وقال: لقد أعطيتك هذا المال، وأغضّ الطرف عن كرمي؛ ولكن في النهاية، ليكُن لديك أنت أيضًا بعض الشعور، ليكُن لديك أنت أيضًا بعض الفهم! فهذا العبد الذي هو مثلك، مبتلى بسببٍ من الأسباب، فلماذا لا تُساعده؟!
مراعاة أصول الإنسانيّة كشرطٍ ضروريٍّ قبل السلوك إلى الله
هذه المسائل التي أعرضها على حضراتكم، كان المرحوم العلاّمة يُذكّر بها مرارًا في حياته. مؤخّرًا، واجه أحد أصدقائنا في مشهد مشكلة، وأنا على يقينٍ أنّه لم يكُن يملك مالاً. وفي هذه السفرة التي قمتُ بها قبل أسبوعين، قال:
اتّصل بي فلان وفلان وقالا: «سوف نُمهلك حتّى التاريخ الفلانيّ، وإلاّ، فلا تلومنّ إلاّ نفسك!».
ثمّ قال لي هذا السيّد: «ما حقيقة هذه المسألة؟!». قلتُ: هذا هو السلوك الخالص!! وهذا النوع من السلوك يجرّ الإنسان إلى هنا، وهذا حقًّا ممتاز! أي: لا يُمكن تصوّر ما هو أعلى من هذا! أو فلان يعطي مالاً لفلان ويأخذ في مقابله فائدة ٣۰% ثمّ يقول: «لا أعطي بأقلّ من هذا، وإذا لم تفعل سألاحقك وأؤذيك!». هؤلاء هم السالكون المحترمون، وهؤلاء هم المدافعون عن الحقّ والحقيقة والفضيلة و ...!!
بالطبع، هذه المسائل ليست فينا، بل هي خاصّةٌ بالغرباء!! كان أحد المشايخ يقول على المنبر: «أنفقوا في سبيل الله!». فذهبت زوجته وأنفقت كلّ ما لديها. فقال لها: «أيّتها المرأة، أنا أقول هذا للناس لا لأنفسنا!». ولا عجب في ذلك؛ لأنّ المسألة واضحة.
كان يقول هذه الأمور مَن كان نفسه هو أوّل من عمل بها، وهذا حجّةٌ تامّةٌ علينا، ونحن لسنا بحاجةٍ إلى أحدٍ آخر. بالله عليكم، هل نأتي إلى شيخٍ طاعنٍ في السنّ، قضى عمره في هذا البيت ذاكرًا لأهل البيت، يذكر ويمدح الإمام الحسين والأئمّة، ثمّ نقول له في وقت شيخوخته: «إذا لم تُسدّد دينك، سنلقي بك في السجن!». هذا حقًّا تحفة، وهذا ممتازٌ جدًّا! كلّّ هذا بسبب سلوك الطريق الخطأ. عندما يسلك الإنسان الطريق الخطأ، تصل المسألة إلى هنا. إذا جئت وفعلت هذا، حسنًا، افعل؛ ولكن عندما تكون راكبًا في السيّارة وتسير، ستأتي سيّارةٌ فجأةً وتدهسك، وكلّ ما أخذته، يجب عليك أن تدفع ثلاثة أضعافه، ولا يُحسب لك شيءٌ بتاتًا!
في النهاية، عندما يأتي الإنسان إلى هنا، فإمّا أن يأتي بقبول هذه المعايير والمباني، أو لا يأتي! أنتم الذين تأتون إلى هنا، يجب أن تعلموا أنّ لهذا المكان مبانيه وقواعده وقوانينه؛ فلم تُرسل دعوةٌ لأحد! وهذه الأمور هي الأصول الأوّلية والبديهيّة للقضيّة، لا أنّها تتعلّق بالسلوك؛ هذه تتعلّق بالإنسانيّة، ولا تتعلّق بالسلوك بتاتًا، ولا بالإسلام، ولا بالتشيّع! لا يُمكن أن نتجاوز الإنسانيّة، ونتناول مسائل الإسلام ثمّ التشيّع ثمّ السلوك! لقد ابتعدنا عن شؤون الإنسانيّة، ناهيك عن شؤون السلوك!
علل بُخل المنافقين
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾۱؛ أي: هم (المنافقون) الذين يقولون: لن نُعطي مالاً للنبيّ ومن حوله من الحواريّين و ... ولن نُساعدهم ولن ندفع من المسائل والحقوق و ...، حتّى يذهبوا من حول النبيّ بسبب ضغط الحياة.
يقولون: «لنُعطِ الآخرين حتّى يذهب هؤلاء المحيطون به من هناك». أيّها الحمقى، ما هذا الكلام؟! ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
هذه الأمور التي أعرضها على حضراتكم، سمعتها سابقًا بأذني؛ فلا تتخيّلوا أنّني أخترعها من عندي! ففي النهاية، هل يُمكن صُنع الحقّ بالإشاعات؟! هل يمكن بيع الحقّ؟! وهل يمكن مقايضة الحقّ؟!
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾٢؛ أي: عندما يُقال لهم: أنفقوا! يقولون: لماذا ننفق؟! لو أراد الله لأنفق! [أنتم في ضلالٍ مبين]».
نعم، لو أراد الله لأنفق، ولكنّه تعالى يريد أن تكون هذه النعمة من نصيبك أنت. فهذا المال الذي يُريد الله أن يعطيه لذلك الفقير، يعطيه لك أنت أوّلاً ثمّ يقول له: «اذهب، وخذه منه!»؛ وإلاّ، فإنّ الله يستطيع أن يُعطيه ذلك المال نفسه، ويُبدّل مكانيهما؛ فمثلاً، عندما يريد الزبون أن يأتي إلى هنا، يُرسله إلى هناك؛ وحينها، ما يُريد هو أن يحصل عليه، يحصل عليه هذا.
قيمة الإنفاق هي في بذل الإنسان للمال عن رغبةٍ أثناء حياته
بعضهم يُوصون بالثلث؛ في الأساس، الوصيّة بالثلث خطأٌ، ولا معنى لها! ما معنى الوصيّة بالثلث؟! إذا أردتَ أن تُنفق مالاً في سبيل الله، فأنفقه الآن وأنت حيٌّ في هذه الدنيا. لقد سمعتم تلك الرواية أنّ أحد الصحابة تُوفّي في المدينة، وكان قد أوصى أن يأتي النبيّ ويُوزّع أمواله. فجاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وأنفق التمر الذي كان في مخزنه. وكانت هناك تمرةٌ متعفّنة ملقاة، فالتقطها النبيّ وقال [ما معناه]: «لو أعطى هذه في حياته، لكان خيرًا له!»۱. لأنّ إعطاء التمر بعد الموت، هو كنذر زيت المصباح المسكوب لأحد المزارات! فإذا رأيت أنّ شخصًا ما يحتضر ويده قصيرة ويقول: «دعني أوصي بأن يُعطى هذا المال للفقراء»، فاعلم أنّ هذا هو زيت المصباح المسكوب! هو لا يستفيد إلاّ بمقدار ما يصل إلى ذلك المسكين؛ أمّا تلك المنفعة المهمّة التي تساوي آلاف الأضعاف، فهي إخراج المال من نفسه! وإخراج المال من نفسه ومن قلبه، يكون في زمان الحياة لا في زمان الممات. في زمان الممات، لا يوجد إخراجٌ للمال من النفس، فلا يصل إلى هذا الإنسان إلاّ جزءٌ يسيرٌ من المنافع والثواب؛ في حين أنّ ملايين الملايين قد ضاعت منه! يقول: «سأصبر حتّى وقت الموت، وأستفيد من مالي هذا وأضيف إليه باستمرار؛ وعندما أموت، فسيّان أن يصل إلى الورثة أو إلى شخصٍ آخر!». فيقول: «أعطوا ثلثيه للورثة، والثلث الآخر اقرأوا به عزاء سيّد الشهداء، أو أطعموا المساكين و ...». لا يا عزيزي، هذا لا فائدة فيه!
الفرار من أداء الحقوق الشرعيّة والتسامح في أداء فريضة الحجّ بسبب البخل
هؤلاء مثل الذين يأتون إلى الإنسان، ويحسبون خمسهم، ويتعلّق بهم الخمس الآن، ولكنّهم يعطون شيكًا لثلاث سنواتٍ قادمة! هذا لا يساوي قرشًا واحدًا ولن تبرأ ذمّته! هو يحسب مع نفسه أنّه في الوقت الحاليّ سيُحصّل منافع بهذا المال، لكي يُعوّض المال الذي من المفترض أن يدفعه. لا يا عزيزي، لن يُحسب لك أبدًا ويجب عليك أن تدفع! إلاّ إذا رأى الإنسان بنفسه أنّه: هل يوجد في ذلك الوقت مقتضٍ أم لا، وهل يستطيع بتاتًا أن يدفع أم لا؛ فتلك مسألةٌ أخرى. غير أنّه عندما يحين وقت السنة الخمسيّة، نجدهم يتلاعبون، ويقولون: «يتعلّق الخمس بالذهب والفضّة و ... في حال كان كذا». فيأخذه، ويهبه لزوجته ويقول: «لقد وهبتكِ هذا، وعندما تمرّ السنة الخمسيّة، أعيديه إليّ!». كلّ هذه حيلٌ شرعيّة! بل هي ليست حيلاً شرعيّة، بل هو يخدع نفسه، ولا تبرأ ذمّته أبدًا!
فالله تعالى عندما يقول: «أعطِ الزكاة»، يجب عليك أن تعطيها، ولا مجال للتأخّر. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾؛ يعني حساب الحقوق، يعني إعطاء أموال الفقراء. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾۱؛ يعني: يجب إعطاء سهم الفقراء والمحتاجين والمساكين، لا أن تتخيّلوا أنّكم بالحيل الشرعيّة قد غيّرتم المسألة، وخدعتموهم! فمن تخدعون؟!
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾٢؛ «من استطاع يجب عليه أن يحجّ!».
يُقال: أشهر الحجّ هي شوّال وذو القعدة وذو الحجّة٣. ولقد سمعتُ أنّ بعضهم يحصل لديهم مال الحجّ؛ وقبل شوّال بيومٍ واحد، يهبه لابنه ليقول: «إنّني لست مستطيعًا للحجّ». لقد أخطأتَ! سيُوقعك الله تعالى في البؤس والشدّة! ما معنى: لستُ مستطيعًا؟!
أشهر الحجّ ليست شرطًا للوجوب، بل هي شرط للواجب؛ أي: في هذه الأشهر، لا يُمكنك أن تصرف هذا المال في موارد مفيدةٍ أخرى. تعلُّقُ الاستطاعة هو شرط وجوبٍ على نحو الإطلاق. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾؛ يعني: كلّ من صار مستطيعًا وجب عليه الحجّ. فإذا استطعتَ قبل الحجّ بعشرة أشهر، فلا يُمكنك أن تُنفق هذا المال، بل يجب عليك أن تحتفظ به وتذهب به إلى الحجّ. ولكنّ الشارع يمنحك مهلةً بأنّه: إذا طرأ أمرٌ ضروريّ، فأنفق ذلك المال؛ لا أن تأخذ مالك، وتشتري به سيّارةً لزيد، ودرّاجةً ناريّة لعمرو، وشيئًا آخر لخالد و ... لا يا عزيزي، الاستطاعة على نحو الإطلاق هي نفسها منجّزةٌ للحجّ. لهذا، في أشهر الحجّ، إذا طرأت للإنسان موارد مفيدةٌ من النفقات العاديّة، فلا ينبغي له أن يمسّ ذلك المال هناك؛ ولكنّ الشارع أجاز له أن يقوم بهذه النفقات قبل تلك الأشهر. ومن هنا، كان كثيرٌ من الأفراد في السابق يستغرق مسيرُهم إلى مكّة أربعة أو خمسة أو ستّة أشهر. فلم تكن بيوت الجميع في المدينة؛ فواحدٌ في ذلك الطرف من الدنيا، وآخر في هذا الطرف؛ ولم يكونوا يأتون بالطائرات والصواريخ. كانوا ينطلقون منذ رجب أو شعبان، فيأتون مشيًا على الأقدام أو على الحمير والبغال حتّى يحين وقت الحجّ. فهذا الشخص لا يستطيع أن يقول: فقط أشهر الحجّ هي التي لا يُمكنني الإنفاق فيها.
الآن، الخطأ الذي ارتكبه الفقهاء هنا هو أنّهم يعتبرون أشهر الحجّ شرطًا للوجوب؛ في حين أنّها شرطٌ للواجب۱؛ أي: عندما يحلّ شهر الحجّ، تتنجّز تلك الاستطاعة، لا أنّه لم تكن هناك استطاعة؛ بل كانت هناك استطاعة، ولكنّ الشارع يُجيز للإنسان أن يُنفق ذلك المال في الموارد الضروريّة. ولكن، في وقت الحجّ، يجب عليه أن يُخصّص هذا المال للحجّ فقط؛ هذا، مع أنّ هذا العنوان هو عنوانٌ مشير، لا عنوانٌ استقلاليّ؛ وهو بالنسبة للأفراد الذين يريدون الانطلاق في شهر شوّال وذي القعدة، لا بالنسبة للأفراد الذين يجب عليهم من وقتٍ سابق أن يتهيّؤوا للحركة والزاد والراحلة وأمثال ذلك.
حينها، نجد أنّ فلانًا لديه مالٌ، ولكنّه يتسامح ويقول: «أريد أن أسجّل اسمي [في قائمة المرشّحين للحجّ]». لماذا تريد أن تُسجّل اسمك؟! أنت الذي لديك الآن عشرة ملايين أو عشرون مليونًا، يجب عليك أن تذهب بنحو مستقلّ وحُرّ! فلربّما تموت غدًا؛ ولهذا، يجب عليك الآن أن تُنفق هذا المال وتذهب إلى مكّة. ولو أصبحت تكلفة الحجّ مائة مليون وأنت تملكها، لوجب عليك إنفاقها، والذهاب إلى مكّة؛ لأنّه لا شرط له، ولا محدوديّة. أمّا إذا كان الذهاب إلى مكّة منحصرًا في هذا الطريق، فتلك مسألةٌ أخرى. وهذا التسامح بسبب: «وإنْ كنتُ بخيلاً حينَ يستقرِضُني». فعندما يطلب الله منّا، نبخل ونختلق الأعذار بأنّه حدث كذا وكذا، ونقول: «دعني أنتظر حتّى يصبح الجوّ لطيفًا، والفصل في مكّة مناسبًا!».
البخل بسبب الجهل بمالكيّة الله الحقيقيّة
كلّ هذا بسبب الجهل. فعندما يكون الإنسان جاهلاً بالمبدأ، وجاهلاً بالمنشأ، وجاهلاً بالمنبع، وجاهلاً بحقيقة نزول الفيض ونزول الوجود في عالم الكثرة هذا، تضعُف فيه صفة البذل والجود والعطاء. ولكنّ الله ليس جاهلاً، وأولياء الله ليسوا جهّالاً، والأئمّة عليهم السلام والأنبياء ليسوا جهّالاً؛ ولأنّهم ليسوا جهّالاً، يعلمون أنّ هذا المال مال الله.
في رواية عنوان البصريّ، قرأنا جميعًا ـ إن شاء الله نُطالعها مرّتين في الأسبوع ولا ننساها ـ أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول لعنوان [ما معناه]: «اعتبرْ كلّ الأموال أموالَ الله»٢. أنت وكيلٌ وأمين، وهذه الأموال في يدك، ويجب عليك ـ عند العطاء ـ أن تُراعي التكليف وتراعي ذلك الموقف الخاصّ؛ ولكن، يجب عليك أن تعتبر المال مال الله. يختلف الأمر كثيرًا أن يعتبر الإنسان الورود والخروج والمداخيل والمصارف من مبدأٍ واحد؛ أي أنّ مبدأً واحدًا أدخل هذا المال، والمبدأ نفسه أخرجه. حينها، يُصبح الأمر حقًّا شيّقًا وجميلاً للإنسان! كم يصبح الأمر جميلاً للإنسان أن يشعر أنّ مبدأ المداخيل والمصارف كلاهما واحد، وأنّه ليس له دورٌ هنا بتاتًا. وهذه القضيّة نفسها تُؤدّي شيئًا فشيئًا إلى أن تتجلّى وتظهر في الإنسان تلك الصفات التوحيديّة الأخرى.
لقد طال الحديث.
| مجلس تمام گشت وبه آخر رسید عمر | *** | ماهمچنان در اول وصف تو ماندهایم۱ |
يقول:
انقضى المجلس وانتهى العمر *** ونحن لا زلنا حائرين في بداية وصفك
إذا أردنا أن نشرح هذه الفقرة بهذا النحو أيضًا، فستُصبح مثل فقرة: «الحمدُ للهِ الذي أدعوهُ فيُجيبُني»!! نأمل أن يخرجنا الله تعالى من صفات عالم الكثرة والأهواء النفسانيّة، ويُحقّق في وجودنا صفات الروحانيّين!
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد