المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/13
التوضيح
ما هي كيفية التخاطب مع الله تعالى؟ وما الفرق بين مقام عرض الحاجة ومقام الخلوة لبيان الأسرار؟ ولماذا يُعدّ إفشاء السرّ من أعظم الذنوب في طريق السير والسلوك؟ تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة المهمّة.
هوالعلیم
الدعاء الظاهر والمناجاة الباطنة مع الله
كشف السرّ أعظم الذنوب في طريق العرفان والسلوك
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة الثامنة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
عوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيمِ
بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيمِ
وصلّى اللهُ علىٰ سيّدِنا ونبيّنا محمّدٍ
وأهلِ بيتِه الطّاهرينَ واللّعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعينَ إلىٰ يومِ الدّينِ
كيف نخاطب الله؟
«الحَمدُ لِلهِ الَّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي، وَأَخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسِرّي، بِغَيرِ شَفيعٍ، فَيَقضي لي حاجَتي».
الحمدُ مختصٌّ بالله الذي كلّما أشاء، أناديه لحاجتي، وكلّما أشاء، أخلو به لأبوح له بسرّي، وهذه الخلوة وهذا الحضور لا يحتاجان إلى شفيع، فيقضي لي حاجتي.
خاطب النبيّ موسى عليه السلام ربّه قائلاً: «يا رَبِّ، أَقَريبٌ أَنتَ مِنّي فَأُناجيكَ، أَم بَعيدٌ فَأُناديكَ؟!»۱
إنّ الإنسان لا يصرخ في وجه من هو قريب منه، بل ينادي دائمًا البعيد؛ أمّا من يريد أن يهمس في أذن غيره، فإذا صرخ، فإنّه يبتعد قليلاً عن سيرة العقلاء. عندما يقول النبيّ موسى عليه السلام هذا الكلام، يجب أن نرى في أيّ مقام كان، وكيف كان يتصوّر الله. على أيّ حال، نحن لا نعلم ما هي الحال التي كانت لديه حتّى يناجي الله بهذه الطريقة، فيقول: «أيّ جهة ينبغي أن نراعيها؟! هل نصرخ أم نتكلّم بهدوء؟!»، فالأدب في حال القرب والمجاورة يقتضي التكلّم بهدوء، وفي مخاطبة البعيد يقتضي رفع الصوت.
الخطاب غير اللائق للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾٢.
كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يجلس ويتحدّث، وهم أيضًا كانوا منهمكين يتصارعون فيما بينهم ويعلو صراخهم وصياحهم، وكان صلّى الله عليه وآله يستمع إليهم هكذا. يعود هذا إلى أنّهم لم يكونوا يراعون حرمة النبيّ صلّى الله عليه وآله ومكانته، ولم يكونوا يفهمون ذلك أصلاً، وكانوا يتصوّرون النبيّ صلّى الله عليه وآله فردًا مثلهم.
كنتُ أنا شخصيًّا في خدمة السيد الحداد رضوان الله عليه، وكنت أرى أفرادًا يأتون إليه ويتحدّثون مع بعضهم البعض، وأحيانًا كانوا يتشاجرون! وكان ذلك العبد الصالح والشيخ الطاعن في السنّ، جالسًا هناك وقد أطرق برأسه. ونحن نُطلق على أنفسنا اسم «السُّلّاك»! هذا هو معنى ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.
أمّا في محضر المرحوم العلامة رضوان الله عليه، فلم يكن أحد يستطيع فعل هذه الأمور أصلاً، فجلاله وعظمته وهيبته لم تكن تسمح بذلك؛ ولكن هذه القضيّة لم تكن كذلك بالنسبة للمرحوم السيّد الحدّاد، فلم تكن له تلك المكانة التي للمرحوم العلامة، وطبعًا عقول الناس في عيونهم. إضافةً إلى ذلك، كان سهل المعشر وليّن العريكة جدًّا، وكان يفسح المجال للجميع، وكانوا يستغلّون هذا المجال. أمّا المرحوم العلامة، فكانت طريقة تعامله وتربيته ومواجهته بحيث تسلب الأنفاس من الأفراد؛ أي لم يكن أحد يستطيع أن يفعل شيئًا في هذه الأمور! ويعود هذا إلى كيفيّة تربيته، حيث كان يتمتّع بمثل هذه المكانة بفضل تلك الجامعيّة والجوانب التكامليّة التربويّة التي اجتمعت فيه.
كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله أيضًا ليّن العريكة جدًّا، وكان ودودًا جدًّا مع الجميع، وكان حيِّيًا شديد الحياء؛ فمن شدّة حيائه، لم يُرَ قطّ أنّه نظر في عين أحد وهو يتحدّث مع الناس، بل كان رأسه دائمًا مطرقًا، وكان يلقي نظرة خاطفة على وجوه الأفراد بين الحين والآخر. وعندما كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يمشي، لم يكن ينظر إلى الأمام أبدًا، بل كان ينظر دائمًا إلى موضع قدميه۱. وكان يتجنّب قدر الإمكان الردّ على الأفراد، بل كان يصبر ويتحلّى بالحلم٢.
كان هؤلاء العرب والمسلمون يأتون ولا يفقهون شيئًا من مراعاة الآداب والاحترام، فيقولون: «يا رسولَ الله، حَدِّثنا؛ اقصص علينا القصص!»٣. كانوا يظنّون أنّ هذه السور التي ترد في القرآن عن قصص لوط وهود وصالح ونوح وموسى وعيسى عليهم السلام هي مجرّد قصص، وكانت تعجبهم. أو كانوا يجلسون في محضر النبيّ صلّى الله عليه وآله ويبدأون بالمشاجرة والمنازعة، ولا يراعون هذه الأمور٤.
تقول الآية القرآنيّة: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾؛ إنّ كلمة «حبط» هنا عجيبة جدًّا! أي إنّ جميع أعمالكم تذهب هباءً بسبب سوء أدب واحد، تذهب هباءً بسبب رفع الصوت في حضرة رسول الله صلّى الله عليه وآله. هذا ليس استخفافًا برسول الله صلّى الله عليه وآله، بل هو استخفاف بالله، استخفاف بواسطة الفيض، استخفاف بـ«مُرسَلٍ مِنَ اللهِ إلَى الخلقِ»، استخفاف بمقام الرسالة والنبوّة، استخفاف بمقام الهداية والتربية؛ وليس استخفافًا بإنسان له خصائص بشريّة.
أقربيّة الله من الإنسان
هنا يقول النبيّ موسى عليه السلام للّه: «يا رَبِّ، أَقَريبٌ أَنتَ مِنّي فَأُناجيكَ، أَم بَعيدٌ فَأُناديكَ؟!» فيخاطبه الله قائلًا: «أنا جَليسُ مَن ذَكَرَني»۱ فلستُ ببعيد ولا بقريب، بل أنا في قلب ذاكري.
إنّ المجنون لا يُخطِر شيئًا من كلامه بباله أصلاً، بل يتكلّم براحة تامّة حيثما وصل به الحديث؛ أمّا العاقل، فإنّه يُخطِر الأمر بقلبه أولاً، ويزنه، ويقلّبه، ويأخذ المصالح والجوانب بنظر الاعتبار، ثمّ يبيّن الموضوع، وإذا رأى أنّ بيان ذلك الموضوع يؤدّي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المقتضاة، فإنّه لا يبيّن ذلك الموضوع ولا يطرحه. إنّه يمرّر اللفظ عبر قلبه، لأنّ القلب يسبق الكلام النفسيّ؛ وذلك الكلام النفسيّ الذي ينشأ من ناحية القلب، يظهر ويبرز خارجيًّا بواسطة الكلام اللفظيّ.
والآن يقول الله: قبل أن تُخطِر ذلك الكلام النفسيّ بقلبك، أنا في قلبك؛ أي أنا خلف نيّتك تلك التي تريد من خلالها بيان أمرٍ ما بحجابٍ واحد. هذا هو معنى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾٢؛ الوريد يعني شريان الحياة؛ فلو قُطع الوريد، لتدفّق الدم بغزارة حتّى يموت الإنسان.
كيف يمكن أن يكون الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد؟ إنّ حبل الوريد سبب حياة البدن. هل يمكن أن يكون إنسان ما حيًّا وليس له شريان ووريد؟! أليس له شريان ووريد رئيسيّان؟! إذن قوام هذا البدن بذلك الوريد؛ فلو لم يكن الوريد، لحكم على البدن الفناء والزوال والعدم والهلاك. والأقرب إلى البدن من حبل الوريد هو البدن نفسه، الذي هو ذات الشيء. يقول الله تعالى: «نحن أقرب إليه من حبل الوريد»؛ أي نحن وجوده المتعيّن والمقيّد، ونحن أولى به من وسائط ووسائل بقائه نفسها. هذه عبارة أخرى عن: «أنا جَليسُ مَن ذَكَرَني»٣؛ أي أنا في قلب ذاكري ومن يذكرني؛ هذه العبارة تدلّ على القرب الذي للّه تعالى منّا.
كيفيّة عرض الحاجة والطلب في مقام الالتجاء إلى الله
يقول الإمام السجّاد عليه السلام في هذه العبارة: «والحمدُ للّهِ الّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي، وَأَخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسِرّي» مقامين:
مقام هو مقام البروز والظهور.
ومقام آخر هو مقام الخفاء والخلوة.
عندما يريد الإنسان أن يرفع حاجة ما إلى سلطان ويعرضها عليه، فإنّه لا يهمس بحاجته في أذنه. إنّ مقام عظمة الملك والسلطان يحجب الإنسان عن أن يذهب ويهمس في أذنه قائلاً: «تعال لأخبرك بهذا الأمر بهدوء!». لا يفعل هذا أبدًا؛ بل يقف على بعد مترين أو ثلاثة، يراعي البعد، يراعي الأدب، ثمّ يقول ذلك الأمر للسلطان بصوت هادئ ولكن مسموع.
لقد عُبّر هنا بالنداء؛ أي إنّ مقام عظمة الربّ الذي يجب على الإنسان أن يقف فيه ويعرض حاله وحاجته وقضاءه، قد شُبّه بمقام السلطان. وفي هذه العبارة أيضًا، يراعي الإمام السجاد عليه السلام الآداب في مواضع استدعاء الطلب. وكما يُستحبّ للإنسان أن يدعو ۱؛ مثل الصلاة الجهريّة التي يُستحبّ فيها أن يكون الذكر ظاهرًا وبارزًا٢، لا أن يصرخ ! لذا، فإنّ الصلاة على محمّد وآل محمّد ذكر، والذكر يجب أن يُقال في حالة من الظهور والإظهار والإبراز٣. ولكنّنا نرى أنّ الناس الآن يصرخون ويقولون: «صلّوا صلاة يصل صداها إلى الحرم!». وهذا يتنافى أصلًا مع الذكر. الصلاة ذكر، واحترام، وعظمة، وإرسال تحيّة على النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ وهذا يتنافى مع الصراخ. هل تريد أن تؤذّن؟! يجب أن تقال الصلاة بنحو لا يكون فيه خفاء ولا صراخ ولا شيء يخلّ بالأدب ويخالفه.
على خلاف الأذان الذي هو إعلان أصلاً. لذا يُستحبّ في الأذان رفع الصوت بالصراخ، لأنّ الإعلان لا ينسجم مع الهدوء٤؛ فالأذان هو إعلام الناس بوقت الصلاة. يستطيع الإنسان أن يؤذّن في بيته أيضًا، ولكن يقولون: قم واصعد على مئذنة المسجد وأذّن؛ من أجل أن تعرّف الناس بوقت الصلاة، وهذا يتنافى مع القول بهدوء، ولا يمكن قوله بهدوء أصلاً! أمّا الإقامة فيجب أن تقال بهدوء؛ لأنّ الإقامة لم تعد إعلانًا. الإقامة مسألة يعتبرها بعض الفقهاء جزءًا من الصلاة، حتّى إنّ بعضهم يشكّ في أنّ عدم الإقامة قد يخلّ بالصلاة٥. إذن، لم يعد في الإقامة إعلان، بل هي مسألة تخصّ المصلّي؛ أمّا الأذان، فيُستحبّ أن يقال بصوت عالٍ حتّى يُحفظ فيه جانب الإعلان.
وأمّا الصلاة على النبيّ فليس الأمر فيها كذلك؛ الصلاة هي ذكر. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾۱؛ فالله وملائكته يصلّون، وأنتم أيضًا عندما يذكر النبيّ يجب أن تصلّوا عليه!
سُئل النبيّ صلّى الله عليه وآله: «يا رسولَ الله، كيف نصلّي عليك؟». فبيّن صلوات الله عليه وآله الكيفيّة والطريقة التي يصلّي بها الشيعة٢. والروايات هنا مختلفة؛ وورد في بعضها: «اللّهُمَّ صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد، كَما صَلَّيتَ وَبارَكتَ عَلىٰ إِبراهيمَ وَآلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ!».٣
بناءً على هذا، في مقام الطلب، لا يذهب الإنسان ويهمس في أذن كبير ليطلب طلبًا بهدوء ويطرح المسائل التي تهمّه في هذه الدنيا، قائلًا: «يا ربّ نحن في كرب، يا ربّ نحن في شقاء، يا ربّ أصابنا كذا وكذا!». لذا ترون أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في دعاء كميل وفي دعاء الصباح، أو سيّد الشهداء عليه السلام في دعاء يوم عرفة، أو الإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي في أسحار شهر رمضان، أو الإمام الباقر عليه السلام وسائر الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم كانوا يطلبون من الله، بحيث يقول الراوي: «كنّا نسمع أن الأئمّة المعصومين كانوا يدعون بهذه الأدعية». ولم يكونوا يقولونها في قلوبهم وسرًّا؛ لأنّه عرض وطلب. أي إنّهم استَحضروا مقام السلطان ومقام الملك، وهذا يقتضي أن يستخدم الإنسان ليس قلبه فقط، بل جميع جوانب وشراشر وجوده، التي هي الوجود الظاهر والوجود البرزخي والوجود القلبيّ والسرّيّ، كلّها في مقام الالتجاء ومقام طلب الحاجات؛ يستخدم اللسان أيضًا، واليد أيضًا، والاتّجاه أيضًا، فيقف مستقبلاً القبلة وأمثال ذلك.
هذه هي الأمور التي يجب على الإنسان أن يراعيها٤. لذا عندما يكون الإمام السجاد عليه السلام في موضع الطلب وذكر الحاجة، يقول: «والحَمدُ للّهِ الّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي»؛ أي أريد أن أرفع حاجة إلى بابك وأناديك وأدعوك. النداء: يعني الدعاء والطلب؛ لا الصراخ.
كيفيّة المناجاة والخلوة مع الله في مقام بيان الأسرار والرموز الباطنيّة
هذا من جهة؛ أمّا إذا أردتُ أن أخلو بك وأبوح بسرّي، «حَيثُ شِئتُ لِسِرّي»؛ أي إذا أردتُ أن أبوح لك بأسراري، فهذا لم يعد فيه نداء، وهذا معنى «أَخلو بِهِ»، أريد أن أخلو بك، فلم يعد للصراخ محلّ، لم يعد لعرض الحال محلّ. فكلّما أردتُ أن أبوح لك بما في قلبي وباطني وأسرار وجودي، فإنّي لا أتكلّم هناك.
ذاك المقام عجيب، وأحوال الإنسان في علاقته مع الله مختلفة: ففي وقت على الإنسان أن يتّصل بالله باللسان؛ وفي وقت آخر، يتّصل به من دون صوت؛ وفي وقتٍ ثالث، يجب أن يستحضر تلك النيّة. أي إذا أراد الإنسان أن يجري الذكر على لسانه، فإنّ مجرّد إجرائه على اللسان يؤدّي إلى الانصراف من السرّ إلى عالم الظاهر، إلى عالم البرزخ والمثال، وإلى عالم الصورة. هناك، يجب أن تخطر تلك المعاني نفسها في القلب، من دون أن يتحرّك لسان الإنسان. حتّى في بعض الأوقات، يجب أن تكون لتلك المعاني جنبة وساطة، لا جنبة موضوعيّة. هذه هي مراتب السرّ.
عندما تذكرون في السجدة اليونسيّة أو ذكر «لا إله إلّا الله»، فإنّكم لا تضعون مكبّر صوت حتّى يسمع الجيران أيضًا! يقول سعدي: ذهب رجل مع ابنه إلى ملك. وعندما حان وقت الصلاة، صلّى صلاة طويلة جدًّا. وكان صائمًا أيضًا، وعندما أحضروا الإفطار، أكل كميّة قليلة. وعندما عاد إلى المنزل، قال لابنه: «جدّد الطعام فإنّنا جائعان». فقال له: «يا أبتِ، جدّد الصلاة أيضًا، فقد صلّيتها للملك!».
معنى السرّ
المقام هنا مقام السرّ، والسرّ هو علاقة دقيقة جدًّا وظريفة بين إنسان وآخر، أو هو تلك المسألة الباطنيّة التي يؤدّي إفشاؤها إلى ذهاب ماء وجه إنسان ما ويشوّه مكانته؛ فهذا ما يسمّى بالسرّ. وبالطبع، بمعنى آخر، هو مسألة باطنيّة قد لا يكون إفشاؤها مناسبًا وملائمًا للإنسان نفسه من جهةٍ ما.
في الإسلام، إفشاء السرّ حرام. وذلك لأنّ كلّ إنسان له حقٌّ في تلك المسائل والجوانب والحيثيّات الوجوديّة الخاصّة به؛ أي له الحقّ في أن يمتلك وجوده وحيثيّات وجوده. فلو جاء إنسان وأزهق روح آخر، فإنّه مجرم. يُقال له: «لماذا أزهقت روحه؟! لماذا قتلته؟!». كذلك تلك الخصوصيّات المرتبطة بهذا الوجود، فإنّ هذا الإنسان يملك تلك الخصوصيّات.
ولكن في وقتٍ ما، تكون هناك مسألة واضحة في الظاهر والعلن للجميع، فهو لم يعد يملكها. مثلًا، الذي يحلق لحيته ويخرج إلى الشارع، هو الآن لم يعد يملك هذا الوجه وهذه الصورة وهذا الظهور. لو كان يملكها، فلماذا يراها الجميع؟! ولكن في وقتٍ آخر، هذا الرجل نفسه يحلق لحيته ثمّ يضع نقابًا ويخرج، فهذا يصبح سرًّا مرّة أخرى؛ لأنّه لم يفش الأمر للناس، لم يره لأحد، بل وضع نقابًا وخرج، والناس لا يرونه إلّا بهذا النقاب.
ولكن يمكنك أن تقول للّذي يعرض وجهه للأنظار: لماذا تحلق لحيتك؟!
فلو قال: «لماذا تنظر إليّ؟!».
تقول: أريد أن أنظر، كان عليك أن تضع نقابًا، أنت من يخرج هكذا؛ لو لم تكن تريد ذلك، لبقيت في بيتك ولم تفعل هذا. أو على سبيل المثال، لو خرج إنسان ولم يستتر جيّدًا، فإنّ هذا النحو من الخروج وهذه الحيثيّة الوجوديّة قد خرجت عن اختياره وتملّكه الشخصيّ، وقد عرض نفسه للأنظار؛ فالآن لو نظر إليه ناظر وقال هو: «لماذا تنظر إليّ؟!».
يمكنه أن يقول: «أريد أن أنظر؛ لو كنت تريد ألّا يراك أحد، لما خرجت هكذا».
تلك المرأة غير المحجّبة التي تخرج، هي في الواقع تعرض نفسها لأنظار الناظرين، وهي من تفعل ذلك؛ فلو نظر إليها ناظر، فلا اعتراض عليه. بالطبع، لا يعني هذا أنّ من ينظر قد فعل فعلًا حسنًا؛ ولكن الحديث هنا هو أنّها لو ادّعت قائلة: «لماذا نظرت إليّ؟!». فليس لها مثل هذا الحقّ؛ لأنّها هي من عرضت نفسها أمام الآخرين. أمّا المرأة التي تغطّي نفسها بالبوشيّة أو تغطّي وجهها بنحوٍ ما وتخرج، فلا يمكن لأحد أن يذهب ويرفع البوشيّة ويقول: «أريد أن أنظر إليكِ!». فهو مخطئ إن أراد أن ينظر! لأنّها هنا لم تعرض نفسها، بل جعلت وجهها في ملكيّتها الشخصيّة، فعلى الإنسان أن لا يفعل هذا. تلك قد كشفت وجهها، وهذه قد سترته.
إذن، السرّ هو أن تكون مسألة ما خاصّة بإنسان واحد ولا يعلم بها غيره؛ فلو اطّلع زيد على هذه القضيّة صدفة، فمن المحرّم عليه أن يفشيها، ولا يمكنه إفشاؤها؛ لأنّ هذه القضيّة تخصّه هو، وهذا الشخص قد اطّلع عليها بالصدفة. وهذا يختلف عن المسألة الواضحة التي يراها الجميع. فلو ذهب الإنسان ونقلها، فهذا لا يُحسب غيبة ولا يوجد فيه خلاف؛ لأنّها مسألة واضحة وقضيّة جليّة.
كشف السرّ، أكبر ذنب في طريق العرفان والسلوك
كذلك، يُطلق اسم «السرّ» على المسائل التي لا يستطيع الأفراد إدراكها وتحمّلها. لأنّ المسألة في وضعٍ يكون فيه إفشاؤها لبعض الناس غير قابل للتحمّل، وقد يؤدّي إلى فساد وتبعات. وفي طريق العرفان، أكبر ذنب هو كشف السرّ۱! فمن يكشف السرّ ويفشيه، يُسلب منه كلّ شيء! أي إنّه في العرفان وفي طريق السلوك، لو ارتكب إنسان ذنبًا وفعل حرامًا، فإنّه ليس بحرام بقدر إفشاء السرّ! وذلك لأنّ إظهار أمرٍ ومسألةٍ ما قد يؤدّي إلى إغلاق طريق الإنسان؛ فمثلًا، هذا الإنسان يجب أن يصل إلى هذا الأمر بعد عشر سنوات، وأنت أخبرته به الآن، فإنّه لا يستطيع تحمّله، ويغلق طريقه بالكامل. لذا فإنّ ذنبه يقع على عاتق من قال له هذا السرّ؛ وعليه هو أن يأتي ويجيب عن كلّ هذه المسائل!
وفي يوم القيامة، يأتي هذا نفسه الذي أغلق طريقه، ويوقفه ويقول: «أنت من أغلقت طريقي! كانت لديّ القابليّة والاستعداد، فجئتَ أنت وبالضربة التي وجّهتها إليّ، قضيتَ على ذلك الاستعداد لديّ!». وهذا مسؤول!
الأمور التي كان يقولها المنصور الحلّاج لم تكن أمورًا غير صحيحة، بل كانت صحيحة؛ ولكن مشكلته كانت أنّه كان يبيّنها. يقولون: الكذب حرام، ولكن قول الصدق ليس بواجب. هل يستطيع الإنسان أن يبيّن كلّ صدق؟! أنتم تقومون بأعمال كثيرة في المنزل، هل تستيقظون في اليوم التالي وتعلنون كيف أكلتُ البارحة، وكيف شربتُ الماء، وفي أيّ ساعة نمتُ، ومتى استيقظتُ، ومتى مشيتُ، ومتى تناولتُ فطوري؟! إنّكم لا تقولون هذه الكلمات الصادقة! يقول الإنسان الأمور المفيدة؛ أمّا الأمور اللغو فلا يأتي ويقولها!
قال الشاعر:
| گفت: آن یار کزو گشت سرِ دار بلند | *** | جرمش این بود که اسرار هویدا میکرد۱ |
ذاك الحبيب الذي مِن أجله عَلا رأسُ المشنقةِ عاليًا *** جُرمُهُ كان أنّهُ يُفشي الأسرارَ جِهارًا
لا يعترض عليه لأنّه يقول كلامًا باطلاً؛ الاعتراض هو لماذا ينشر السرّ؟! لأنّ الناس لا يستطيعون تحمّل ذلك، فيقولون: «لقد كفر»، ويقولون: «لقد خرج من الدين». ويحكمون بقتله، وأمثال الجُنيد والثقفي [والشبلي] يقفون هكذا وينظرون! في النهاية، هذه هي ردّة فعل هذا الكلام. لا يستطيع الإنسان أن يذهب ويقول أيّ كلام للناس؛ فإذا قال، فعليه أن يتحمّل تبعاته. وأحيانًا تكون تبعاته ثقيلة!
إنّ أقوى إنسان في هذا الطريق وأكثرهم ثباتًا واستقامة هو من يكون أكثرهم كتمانًا للأسرار، ويتعامل مع الناس في الأحاديث العاديّة والمسائل العاديّة فقط، ولا ينبس ببنت شفة عن المسائل والأسرار التي يطّلع عليها!
أسألكم وأسأل الأفراد الذين كانوا في خدمة المرحوم العلامة لسنوات طويلة: هل سمع أحد من المرحوم العلامة سرًّا أو مسألة تخالف تحمّل الأفراد وعقولهم؟ إذا كان أحد قد سمع، فليأتِ ويخبرني!
كان المرحوم العلامة يقول لي في بعض الجلسات: «ترجم دعاء الجوشن الكبير هذا، وبيّنه وفسّره واشرحه إلى حدٍّ ما». فبدأت، وبالصدفة قال: «بيّن هذه الفقرة: ”يا نورًا بَعدَ كُلِّ نُور، يا نُورًا فَوقَ كُلِّ نور، يا نورًا لَيسَ كَمِثلِهِ نور»٢. وقد عبّرتُ عن هذا النور بحقيقة الوجود المنبسط، وشرحتُ الفوقيّة والبعديّة والقبل والبعد والعلّيّة والمعلوليّة، وتحدّثتُ عن هذه القضايا، وبيّنتُ بالإجمال قضيّة وحدة الوجود في محصّل ومفاد هذه الفقرة.
بعد أن انتهى الكلام، جاء واحد من أصدقائنا القدامى وقال: كنتُ جالسًا الآن، فقال هذا السيد الجالس هنا: «هذه الوسادة هي الله، ونحن الآن نتّكئ على الله! فاحذروا أن الله!». خلاصة الأمر، أنّ هذه القضيّة التي طرحناها، أدّت إلى أن يبتعد شيئًا فشيئًا ثمّ يذهب بالكامل. بالطبع، أنا لا أقول إنّي مقصّر هنا، لأنّ قصد المرحوم العلامة أصلًا كان أن أفسّر بهذه الكيفيّة، وكان مطّلعًا على كيفيّة تفسيري حين قال لي: «فسّر»؛ وإلّا فإنّه لا يقول ذلك عبثًا! لأنّه قد تمّ الحديث عن هذا الموضوع سابقًا. إذن، ما هو الرأي الذي كان لديه، وما هي القضيّة؟!
الحديث هنا هو أنّ ذلك المسكين ذهب وتحدّث مع علماء مشهد، فقالوا له: «هؤلاء نجسون، هؤلاء قائلون بوحدة الوجود!». وعلّموه بعض الروايات أيضًا. أتذكّر أنّ هذا المسكين كان يأتي ويتحدّث مع المرحوم العلامة قائلًا: «إِنَّ اللهَ خِلوٌ مِن خَلقِهِ، وَخَلقُهُ خِلوٌ مِنهُ»۱، وكان يذكر مثل هذه الروايات ويسرد أمورًا تلو الأخرى، ولم يكن يفهم ما هو أوّلها وآخرها! بالطبع، تحدّث معي هو أيضًا في وقتٍ ما، ولا أوضّح أكثر من هذا. خلاصة القول، أنّ هذه القضيّة أدّت إلى أن يعيد الصلوات التي كان يصلّيها خلف المرحوم العلامة شيئًا فشيئًا، ثمّ أراح نفسه من الاقتداء والإرادة بالكامل وذهب في سبيله! وإن لم يكن هذا الأمر سرًّا.
[عاقبة منصور الحلّاج أنّه أُلقي في السجن ثمّ صُلب وقُتل]، كان بعضهم يبكي عليه وبعضهم يضحك؛ [قال المنصور للشبلي في منامه]: كلاهما في الجنّة؛ سواء الذين قتلوني في سبيل الله، أو الذين يبكون في سبيل الله.
كان السيد الحداد يقول: في الليلة نفسها التي كانوا يصلبون فيها منصورًا الحلّاج، كان درويش في الأسفل يناجي في منتصف الليل ويقول: «يا ربّ، لماذا ألقيت عبدك هذا هكذا وبهذه الكيفيّة؟». فجاءه الخطاب: «أَطلَعناهُ عَلىٰ سِرٍّ مِن أَسرارِنا فَأَفشىٰ سِرَّنا؛ فَهذا جَزاءُ مَن يُفشي سِرَّ المُلوكِ»؛٢! دمه على عاتقه؛ كان عليه ألّا يفشي!
على هذا الأساس، يُعدّ إفشاء السرّ في السلوك أكبر ذنب. فأن يأتي الإنسان ويبيّن أمرًا أدركه بمشاهدةٍ، أو بنورٍ، أو بحدثٍ وبريق نور ما، لشخصٍ لم تصبه هذه المشاهدة وهذه الشرارة و... لو لم تكن هذه الشرارة قد أصابتك أنت أيضًا، لكنت مثله. الآن وقد أصابتك هذه الشرارة، وفهمت هذا الأمر؛ فاصبر حتّى تصيبه هذه الشرارة هو أيضًا، ثمّ إذا أردت أن تخبره فلا بأس ولا مشكلة؛ ولكن ما دامت لم تصبه، فإنّه مرفوض من الناحية العقليّة، وعلى الإنسان أن لا يقول! لذا، فإنّ ما يقولونه: «لا تخبروا أحدًا بأحلامكم، لا تخبروا أحدًا بمشاهداتكم، لا تخبروا أحدًا بأسراركم»، هو لهذه الجهة.
يقول الإمام السجاد عليه السلام: عندما أريد أن أبوح لك بسرّي وأخلو بك، فهناك لم يعد مقام عرض الحال والحاجة؛ بل هو مقام التوجّه إلى تلك الجهة الربطيّة للموضوع. هناك لم يعد المقام مقام حوار؛ إنّه مقام الحضور المحض، وفي الحضور لا يتّسع الكلام، هناك يُتبادل الأمر سرًّا.
علّة عدم وجود واسطة وشفيع في مقام الخلوة وبيان السرّ
أحيانًا يجد الإنسان إنسانًا آخر ويريد أن يأنس به ويتحدّث معه، وهو يريد أن يهرب منه، فهنا يطيل الحديث باستمرار ويقول: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾۱؛ يا ربّ، قف، لا تذهب! إلى أين تذهب؟! يقول الله: حسنًا، فهمتُ أنّها عصا؛ فلماذا تقول: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ بعد هذا؟! بمجرّد أن قلت: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، فهمتُ! وهو، خوفًا من أنّ يتركه الله ، يبقيه في حرج دائمًا!
ولكن أحيانًا، يكون المقام مقام عشق، والمقام مقام أُنس؛ فهناك لا معنى للحديث أصلاً! عن أيّ شيء يريد أن يتحدّث؟! هل يريد أن يتحدّث عن العصا؟! عندما يكون الإنسان مع الغرباء، يتحدّث ويفضفض ويبيّن الأمور؛ ولكن إذا زاد أُنْسُه بإنسان ما إلى حدّ يتجاوز مقام اللفظ، فإنّه لا يتحدّث هناك. لأنّ المسائل الظاهرة نافذة للمسائل الباطنة، وقضايا الظاهر قنطرة وحكاية عن الحالات التي تحدث للإنسان في الباطن؛ وهو هناك يريد الوجود المحض وصرف الوجود، فعن أيّ شيء يتحدّث؟! هل سيقول هناك: يا ربّ أعطني بيتًا، يا ربّ أعطني سيّارة، يا ربّ أعطني بستانًا وملكًا ومالاً، يا ربّ أعطني زوجة وحياة وأمثال هذه المسائل، يا ربّ أعطني الصحّة؟! هناك لا يأخذ وجوده بعين الاعتبار حتّى يأخذ هذه الجوانب وهذه الحيثيّات الوجوديّة بعين الاعتبار. طبعًا، لقد حدثت هذه الأمور للجميع.
هذا المقام هو مقام السرّ؛ لذا لا يُؤخذ بعين الاعتبار هناك إلّا الوصل. «وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرّي» يعني أنّ المطروح بالنسبة لي هناك هو الوصول إلى الذات فقط، والوصول إلى تلك الدرجات التي هي أدنى قليلاً؛ درجات لا يسعها اللفظ ولا تأتي على اللسان، وهي مراتب أقرب ومراتب الباطن. حتّى يصل إلى تلك المرتبة: «لي مَعَ اللهِ وَقتٌ لا يَسَعُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرسَلٌ»٢. هذه المرتبة تتعلّق بذلك المقام، والشرط هناك هو نفس الحضور فقط؛ لذا، فإنّ أيّ شيء غير حقيقة وجود الإنسان يريد أن يكون شفيعًا هناك، فإنّه يكون حاجبًا ومانعًا بين المحبّ والمحبوب، وبين العاشق والمعشوق. ذاك واسطة وهذا وجود، لذا يدفع تلك الواسطة ويرفعها. هناك لا يستطيع جبرائيل أن يشفع، ولا حاجب ولا بوّاب، ولا ميكائيل وعزرائيل. لا يوجد أحد هناك؛ فقط الإنسان والله! لذا هناك يكون «مِن غَيرِ شَفيعٍ»؛ لأنّ الشفيع نفسه هناك حاجب ومانع.
حاصل الكلام: مقامان في علاقة الإنسان بالله
إذن يبيّن الإمام السجّاد عليه السلام مرتبتين من مقام علاقة الإنسان بالله:
المقام الأوّل: مقام بيان الحاجة، الذي يبيّن فيه الإنسان ما يتعلّق بالكروب، والمسائل، والذنوب، والبعد، والمشاكل، والأقارب، والأعداء و...؛ مثل دعاء أبي حمزة هذا الذي نقرأه في الليالي، والذي يكون بالكلام واللفظ.
المقام الثاني: مقام الخلوة؛ حيث يبوح بسرّه للمحبوب، وهناك لم يعد المقام مقام اللفظ.
إمكانيّة الاتّصال الدائم بالله للمناجاة الظاهريّة أو الاتّصال الباطنيّ
النقطة التي يريد الإمام عليه السلام أن يبيّنها هنا هي: «كلّما أشاء، يمكنني أن أعرض عليه حاجتي». في دين الإسلام، لا يختصّ عرض الحاجة بوقتٍ دون وقت. ليس مثل المسيحيّة التي تختصّ بأيّام الأحد وأوقات خاصّة. كلّما أردت، يمكنك أن تفتح القرآن والله يتحدّث معك. كلّما أردت، يمكنك أن تصلّي وأنت تتحدّث مع الله. هذا هو معنى «كُلَّما شِئتُ».
المثير للاهتمام هنا هو أنّ برنامج حياة الإنسان قد نُظّم أصلاً بحيث يكون الإنسان دائمًا في اتّصال مع الله. عند أوّل طلوع الفجر يقولون: «صلِّ ركعتين». تصلّي ركعتي نافلة ثمّ تصلّي ركعتي صلاة الصبح. وعندما يحين الظهر، تجب صلاة الظهر. وبعد حوالي ساعتين ونصف، يحين وقت فضيلة صلاة العصر. بعد بضع ساعات، يحين وقت صلاة المغرب. وبعد ساعة ونصف، يحين وقت صلاة العشاء. من منتصف الليل فصاعدًا، تبدأ صلوات منتصف الليل. أي إنّ حالة استمرار النورانيّة هذه تكون مع الإنسان طوال الأربع والعشرين ساعة.
ليست هناك فترة طويلة تفصل بين هذه الحالة وتلك الحالة وتتغيّر حال الإنسان. بمجرّد أن تريد أن تقلّ شدّة هذه النورانيّة، يصل وقت الصلاة التالية. لذا، لدينا أمر بتفريق الصلوات. أحد الأوامر السلوكيّة التي كان لدى جميع الأعاظم والعرفاء لتلامذتهم، هو تفريق الصلوات. كان المرحوم العلامة الطباطبائي قد أمر المرحوم العلامة بتفريق الصلوات. وكذلك المرحوم السيّد جمال الگلپایگانی. وكان السيد الشيخ محمّد تقي اللاري، من تلاميذ المرحوم القاضي، قد أمر بتفريق الصلوات؛ كان على صلة بالمرحوم القاضي. وكذلك المرحوم الشيخ عباس القوچاني. وكان المرحوم السيد الحداد قد أمر بالتفريق بين الصلوات أيضًا. وكذلك المرحوم الشيخ الأنصاري. وكان المرحوم العلامة نفسه حتّى آخر عمره يوصي تلامذته دائمًا بمسألة تفريق الصلوات هذه، قائلًا: «صلّوا صلاة الظهر في وقت الظهر، وصلاة العصر في وقتها». لأنّ الإنسان يصلّي ثماني ركعات للظهر والعصر ويذهب حتّى وقت الغروب. من هذا الوقت حتّى وقت الغروب، قد تكون هناك ثماني ساعات فاصلة في الصيف. ولكن إذا جاء وصلّى في وقت الظهر بانتباه وبتلك الخصوصيّات، فبعد ساعتين ونصف يحين وقت صلاة العصر، ولم تعد المسافة حتّى الغروب طويلة جدًّا؛ تصبح حوالي أربع أو خمس ساعات فاصلة. وكذلك في الليل، بعد ساعة ونصف يحين وقت العشاء. وهكذا دائمًا.
«أُناديهِ كُلَّما شِئتُ»، أي كلّما أشاء، أناديه. والله نفسه قد هيّأ وسيلته ليأتي دائمًا إليّ؛ تعال الآن، تعال بعد ثلاث ساعات، تعال بعد خمس ساعات، تعال هكذا. كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يصلّي صلاة الليل هكذا: كان يصلّي أوّلًا أربع ركعات، ثمّ يستريح ساعة ونصف، ثمّ يصلّي أربع ركعات أخرى، ثمّ يستريح ساعة ونصف أو ساعتين مرّة أخرى، ثمّ يأتي ويصلّي تلك الركعات الثلاث ويوصلها بالفجر و... هذا يعني أنّه كان دائمًا في حالة اتّصال۱ ودائمًا في حالة تذكّر. بالطبع، كان هذا له، وليس لأمثالنا!
«بِرَحمَتِه تَرحَمونَ»٢؛ فنحن ليس لدينا شيء سوى عجزنا عن شكرك وعجزنا عن عبادتك!
«وَأَخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسِرّي»؛ تلك الجهة الربطيّة التي لا تأتي على اللسان ولا تتّسع في الفعل والجوارح، والتي هي السرّ بيني وبين الله، تؤدّي إلى أنّي كلّما أشاء، أخلو به، وكلّما أشاء، أبوح له بمسألتي. هذا الأمر يختصّ بمقامات الأئمّة عليهم السلام والأولياء أنفسهم. أمّا بالنسبة لنا، فإنّنا نبوح للّه بالسرّ الذي لا نستطيع أن نجريه على ألسنتنا ونقوله للآخرين، نقول: يا ربّ، هذه كربتي، هذا ألمي، هذا انزعاجي، هذه مسائلي.
حتّى لو كان لديك أقرب صديق إليك، فإنّك تخفي عنه بعض أسرارك. كثيرون أقرب الناس إليهم زوجاتهم، أقرب الناس إليهنّ أزواجهن؛ ولكن حتّى هذه الزوجة وهذا الزوج يخفيان الكثير من المسائل عن بعضهما البعض. هو لا يريد أن تعرف زوجته هذا الأمر، وزوجته أيضًا لا تريد أن يعرف زوجها هذا الأمر؛ ولكنّ هذه الزوجة نفسها وهذا الزوج نفسه أو هذا الصديق نفسه، عندما يخلون بالله، لا تعود هناك مجاملة، ويبوحون له بسرّهم؛ لأنّهم يرون أنّ وجودهم منه، فلماذا يجاملون؟! وجوده منه، وله عليه إحاطة علّيّة، سواء شاء أم أبى فهو يعلم، وهو عالم بالخفيّات. بناءً على هذا، لم يعد هناك واسطة يريد الإنسان أن يوصل السرّ من خلالها؛ فبمجرّد أن يخلو به، تكون يده مفتوحة ليفضي بما لديه. ولا يوجد أحد مثل الله هكذا.
لزوم الطلب من الله دون واسطة وشفيع
الروايات هنا مختلفة وكثيرة. إحداها رواية ذلك الذي ارتكب ذنبًا وحرامًا ثمّ جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله شفيعًا له فرفضه النبيّ صلّى الله عليه وآله، فخرج من المدينة وعاد بعد أربعين يومًا، ثمّ جاء الخطاب: «لقد جاء ودعاك؛ لو كان دعاني من البداية، لما احتاج أن يذهب ويفعل تلك القضايا»۱.
منذ مدّة، رأيتُ رواية عن قارون خطرت ببالي فجأة الآن، وهي أنّ: النبيّ موسى عليه السلام كان ابن عمّ قارون. عندما جاء النبيّ موسى عليه السلام وقال لقارون: «تعال وادفع زكاتك!». قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾٢؛ فأنا لم أحصل عليه هكذا عبثًا وبدون خبرة وتعب! ثمّ جمع قارون الناس وقال: «الآن أنا أعرف ما أفعله به». فذهب وأحضر امرأة فاجرة وأعطاها مالًا وقال: «تعالي وأعلني على الملأ!».
وبينما كان النبيّ موسى عليه السلام يتحدّث مع الناس، فجأة وقفت هذه المرأة وقالت: «يا موسى، هل كلّ من يفعل هذا الأمر، يكون كذا؟». قال النبيّ موسى عليه السلام: «نعم!».
قالت المرأة: «إذن أنت قد فسقت وفجرت بي!».
فقال موسى عليه السلام: «هل فعلتُ أنا هذا؟!».
قالت: «نعم، أنت فجرت بي».
فحزن النبيّ موسى عليه السلام وقال: « هل أنت فعلتِ هذا؟!». فانهارت المرأة عند قدميه وقالت: «إنّ قارون قد أعطاني مالًا لآتي وأقول هذا وأنسبه إليك». فحزن النبيّ موسى عليه السلام وخاطب قائلًا: «يا ربّ، انظر كيف يُفضَح عبدك هكذا بين الناس!». فوصل الخطاب إلى موسى عليه السلام: «لقد جعلنا الأرض في اختيارك». قال موسى عليه السلام: «كلّ من ليس مع قارون، فليأتِ إلى هذا الجانب!». فتنحّى الجميع، ولم يبقَ هناك سوى واحد أو اثنان كانا مع قارون.
فدعا النبيّ موسى عليه السلام فابتلعتهم الأرض. فصرخ قارون: «يا موسى أخطأت، فاعف عنّي!». ولكنّه كان غاضبًا جدًّا، فدعا مرّة أخرى فغاصوا حتّى ركبهم. فصرخ قارون مرّة أخرى وبكى وتضرّع قائلًا: «اعف عنّا فقد فعلنا هذا!». فدعا مرّة أخرى فنزلوا حتّى الخصر؛ ثمّ استمرّ يصرخ ويصيح ويتوسّل؛ ثمّ ابتلعتهم الأرض بالكامل. فوصل الخطاب إلى النبيّ موسى عليه السلام: يا موسى، ما أقسى قلبك! لو دعاني مرّة واحدة، لأجبته! لقد دعاك ألف مرّة ولم تجبه٣!
يجب أن ننظر إلى هذه المسألة هكذا، حيث يقول: «لو دعاني، لأجبته، ولكنّه لم يدعُني!». هنا يريد الله أن يقول: إنّ مقامي الرحمانيّ أعلى من مقامك. لا أنّ فعله كان باطلًا؛ فهو نبيّ ويفعل بأمر الله.
إذن، الإنسان من وجهة نظر علاقته بربّه، لا يحتاج إلى شفيع أصلاً، وكلّما أراد الإنسان أن يخلو بينه وبين ربّه ويبوح له بأمر، فإنّ الباب هناك مفتوح. وفي أيّ وقت من الأوقات وفي أيّ زمان وفي أيّ مكان أراد، فإنّ ذلك الباب مفتوح وذلك الفيض مستمرّ. هذا بسبب تلك السعة من الرحمة التي جعلها الله لعباده، خصوصًا لأمّة نبيّ آخر الزمان صلّى الله عليه وآله؛ لذا، من هذه الوجهة، تُرجّح هذه الأمّة على سائر الأمم.
لقد أوضحنا هذه المسألة إلى حدٍّ ما؛ حتّى يوفّق الله لإكمال الحديث.
اللّهُمَّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّد