المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/16
التوضيح
لماذا يُعَدّ الله أقرب الموجودات للإنسان وأكثرهم كتمانًا لسره؟ ولماذا لا يشعر الإنسان بالخجل أمامه تعالى عند ارتكاب الذنب؟ وما هي السمة الأساسيّة التي تُميّز السالك الحقيقيّ عن غيره؟ وكيف يجب أن تكون نظرتنا إلى غير الله حتّى من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام والأولياء تجيب هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذه الأسئلة المهمّة.
هوالعلیم
الله هو الأقرب إلى الإنسان وأكثرهم كتمانًا لسره
انشغال السالك الحقيقي بعيوب نفسه
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة التاسعة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ على أشرفِ خلقهِ
وأفضلِ رسلهِ محمدٍ وآلهِ الطيبينَ الطاهرينَ
ولعنةُ اللهِ على أعدائِهم أجمعينَ
الله هو الأقرب إلى الإنسان وأشدّهم كتمانًا لسرّه
في هذه الفقرة الشريفة، يقول الإمام عليه السلام: «الحمدُ للهِ الّذي أُناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي، وأخْلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسِرّي بِغَيرِ شَفيعٍ، فَيَقْضي لي حاجَتي. والحَمدُ للهِ الّذي لا أدْعو غَيرَهُ، ولَو دَعَوتُ غَيرَهُ لَم يَستَجِبْ لي دُعائي. والحَمدُ للهِ الّذي لا أرْجو غَيرَهُ، ولَو رَجَوتُ غَيرَهُ لأخْلَفَ رَجائي».
وصل بنا الكلام إلى أنّ أقرب الناس إلى الإنسان هو مَن يكون مَحرَمًا لأسراره؛ ولا فرق في أن يكون ذلك المَحرَم للسرّ أخًا للإنسان، أو أختًا له، أو زوجةً، أو زوجًا، أو أبًا وأمًّا، أو صديقًا. وكلّما كانت محرميّة السرّ هذه أكبر، يتبيّن أنّ ذلك الإنسان أقرب، وأنّ المجاملات الرسميّة معه أقلّ، وأنّ الإنسان يشعر معه براحة أكبر، ويستطيع التحدّث معه بأريحيّة أكبر، وعرض موضوعه عليه بشكل أفضل.
في بعض الأحيان، يمرّ الناس بمشكلات لا يستطيعون معها أن يُخبروا أيّ إنسان بأمورهم؛ لذا يأتون ويقولون: «بما أنّ المجاملات الرسميّة بيننا وبينكم أقلّ، ونحن صريحون معكم، ونستطيع التحدّث بأريحيّة أكبر، فقد جئنا لنعرض عليكم هذه المشكلة». وهناك البعض ممّن هم مَحارم سرّ مزدوجون، مثل الجواسيس المزدوجين الذين يتجسّسون لهذا البلد وذاك في آنٍ واحد! يأتي إلى هذا ويأخذ منه المعلومات، ثمّ يذهب إلى الآخر. ورغم أنّه يعارض هذا، لكنّه يتظاهر بأنّه مَحرَم له.
إذًا، كلّما كان الإنسان أقرب كانت محرميّته أكبر. وطبعًا، في بعض الحالات قد تختلف الخصوصيّات؛ فمثلًا، للإنسان نوع من المحرميّة مع زوجته، ونوع آخر مع صديقه. أي قد يرى من غير الصواب أن يقول كلامًا معيّنًا لإنسان ما، ويرى من الصواب أن يقول كلامًا آخر؛ فهذه الأمور تختلف. ولكن، هل رأيتم إنسانًا يكون مع مَحرم سرّه بحيث لا يكتم عنه أيّ موضوع على الإطلاق؟! لا أظنّ أنّ أمرًا كهذا قد حصل لأحد؛ أي أنّه لا وجود له أصلًا وأبدًا! في النهاية، مهما كان الآخر صديقًا له، فإنّه لا يخبره ببعض الأمور، أو كما يُصطلح، لا يُطلعه على كلّ تفاصيل أموره من الألف إلى الياء.
ولكنّ الإمام السجاد عليه السلام يقول هنا: إنّ ذلك الذي لا يخفى عليه أيّ أمر من أمور الإنسان على الإطلاق، وسواء أخبره الإنسان أم لم يخبره، فإنّه يعلم قبل الإنسان، هو الله. فهل حصل مرّة أن خجلنا من الله؟! لا، إنّنا نرتكب الذنوب بكلّ شجاعة واعتزاز، ولا نبالي أصلاً! لأنّنا نعتبر الله مَحرم أسرارنا. فمهما كان لديك من أصدقاء، ومهما كنت قريبًا منهم، فإنّك في النهاية إذا أخطأت، لا تحبّ أن يسمع صديقك بهذا الخطأ؛ فهو لا يتوقّع منك هذا، وقد ينزعج، لذا أنت تُخفيه عنه. ولكن لم يحصل أبدًا أن ارتكبنا ذنبًا ثمّ جئنا وأخفيناه عن الله. طبعًا، لهذا الأمر جانبٌ إيجابيّ؛ وذلك الجانب الإيجابيّ هو أنّنا لا نعتبر أحدًا مَحرَمًا لنا سوى الله. فنحن لا نمتلك هذه الحالة حتّى تجاه الإمام عليه السلام، رغم علمنا بأنّ الإمام مُطّلع على جميع أوضاعنا؛ وكذلك الأمر بالنسبة لوليّ الله الذي يُشرف على كلّ لحظات الإنسان وأعماق وجوده، لأنّ ذلك الوليّ لا يختلف عن الإمام.
علم الأئمّة الأطهار والأولياء الإلهيّين الباطني بأسرار الإنسان، مع الحفاظ على مقام الستّاريّة
نحن نعتبر الإمام عليه السلام كائنًا بشريًّا، ولذلك نتخيّل أنّ التوقّعات والأمنيات الموجودة فينا تجاه الأحداث، وردود الأفعال التي تحصل في وجودنا تجاه الحوادث والظواهر، موجودة في وجود الإمام أيضًا. ونتخيّل أنّ الإمام يُعجبه الشيء الفلاني، ويكره الشيء الفلاني، ويُظهر نفرته تجاه هذه القضيّة، ويُثني على تلك القضيّة! ولأنّنا أنفسنا في هذا الوادي، فإنّنا نُسري هذه الحالة من أنفسنا إلى الإمام عليه السلام، وبما أنّنا متأثّرون بهذه الصفات والمَلَكات، نتخيّل أنّ الإمام أيضًا متأثّر بهذه المسائل والصفات مثلنا! ولهذا السبب نشعر بالخجل.
لنفترض أنّ لصًّا يريد أن يرتكب عملًا باطلاً أو يسرق، فلو كان في اللحظة التي يفتح فيها باب الصندوق، يوجد كبش مربوط بسلسلة وحبل إلى الجدار بجانبه، فإنّه لن يخجل أبدًا من هذا الكبش؛ لأنّ هذا الفعل لا تسعه مدارك هذا الكبش أصلاً، ولا ينشأ في مخيّلته حُسنٌ وقُبحٌ تجاهه. تمامًا كما لو أنّ الكبش نفسه أراد أن يفعل شيئًا، فإنّه لا يخجل منّا أبدًا؛ يقف أمامنا هكذا ويقضي حاجته، وكأنّه لا يوجد راعٍ محترم مُميّز أو بالغ ينظر إليه، يفعل فعلته ثمّ يذهب وراء أكله للعلف. فكما أنّ له هذه الرؤية تجاهنا، لنا نحن أيضًا هذه الرؤية تجاهه؛ لذا نفعل أمامه أيّ شيء ولا نبالي أبدًا بأنّ هناك خروفًا ينظر إلينا الآن. في حين أنّه من السيّئ أن يقضي الإنسان حاجته أو يرتكب فعلًا باطلًا وغيره.
يجب أن نعلم أنّ الإمام عليه السلام يقع في أفق قد تجاوز نطاق ردود أفعالنا تجاه المسائل! فتمامًا كما أنّنا لا نخجل في المسائل التي تصدر منّا إذا كان هناك طفل رضيع أو حيوان حاضر، لأنّ هؤلاء مجرّد كائنات حيّة ولا يملكون أيّ قوّة تمييز، ووجودهم وعدمهم لا يختلف بالنسبة لنا؛ فإنّ الإمام عليه السلام أيضًا في أفق لا يؤثّر فيه وجود هذه الأوصاف والمَلَكات أصلًا أو عدمها، وقد خرج أساسًا من نطاق ترتّب ردود الفعل والتفاعل تجاه هذه القضايا. طبعًا، ما لم تحصل لنا هذه الحالة، فلن نفهم في أيّ حال هو؛ ولكنّني ضربت مثالين من باب التشبيه لكي تتّضح القضيّة قليلاً.
إذًا، بالنظر إلى هذه القضيّة، هل سيخجل الإنسان من الإمام إذا ارتكب ذنبًا مرّة أخرى؟! لا يوجد أيّ خجل؛ لأنّه مُطّلع على كلّ شيء! فممّن يخجل؟! هو نفسه يعلم، وهو مُطّلع على كلّ أعماق الوجود وكلّ البواطن وكلّ الخفايا. لم يعد للخجل معنى.
قال لي أحد الأصدقاء: ذهبنا برفقة الأهل والأسرة لزيارة المرحوم العلّامة، فبدأ العلّامة يسأل واحدًا تلو الآخر ويذكر أسماءهم: «السيّدة فلانة، كيف حالك؟ السيّدة فلانة، كيف حالك؟». ثمّ وصل إلى واحدة منّا لم يكن اسمها مناسبًا، فلم يذكر اسمها وقال: «حسنًا، وأنتِ كيف حالك؟» مع أنّهم كانوا قد أخبروا العلّامة باسمها. لقد فهمت أنّ اسمها ليس جيّدًا، وبالطبع غيّرت اسمها.
كانت هناك فتاة، لم تكن كبيرة في السنّ، في حدود العشرين من عمرها، قد قرأت في الليلة السابقة ديوان حافظ وظهر لها شعر ما؛ وبينما كان يسأل واحدة تلو الأخرى، قال لها فجأة بضحكة ومزاح، وكأنّه لا يعلم: «حسنًا يا سيّدة، قولي لنا، ما معنى هذا البيت؟». معنى هذا أنّ ذلك السيّد الذي يعلم أيّ فألٍ أخذتِ الليلة الماضية، يرى بقيّة الأعمال أيضًا! هو لا يرى أخذ الفأل فقط؛ إنّه يرى الذهاب، ويرى المجيء، ويرى العمل الصالح، ويرى العمل الطالح، وإذا صلّينا صلاة الليل، فهو يرى كلّ ذلك. هذا أمر لا مجال للتردّد فيه. والإمام عليه السلام يرى كلّ هذه الخصوصيّات.
لقد رويتُ للرفقاء القصّة التي وقعت بين المرحوم العلّامة وجدّنا المرحوم السيّد معين الشيرازي، في جدّة. كنتُ في تلك الحادثة في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمري. وقد ذكر [السيّد الحدّاد] كلّ تلك الأحاديث بالرمز والإشارة من أوّلها إلى آخرها. مثلًا، كان يذكر قضيّة ثمّ يقول: ماذا سيحدث لهذا؟ طبعًا، كلّ هذا كان موجّهًا لنا، أمّا هما فكان بينهما سرّ ورمز. كان هذا لكي يطّلع الآخرون ونفهم نحن. في خلال هذه الساعة من اللقاء، طرح [السيّد الحدّاد] كلّ ما جرى بينه وبين جدّنا والمسائل التي تمّ تبادلها، وجوانب النقص والإشكال التي كانت واردة، وبعض مشاهداته وبعض الأمور الأخرى، كلّ ذلك ببيان عجيب ولطيف، ثمّ قال كوصيّة أخلاقيّة وسلوكيّة:
| داند و خر را همی راند خموش | *** | بر رُخت خندد برای رویپوش۱ |
يقول:
يَعلمُ وَيَسوقُ الحمارَ صامتًا *** يضحكُ في وَجهِكَ لِيَتسَتَّر
يقول: ذهبتَ وفعلتَ كذا وكذا. ثمّ يبتسم لك ابتسامة، ويمازحك، ويروي لك نكتة ليُغطّي على المسألة. هذا هو مقام ستّاريّته الذي يتجلّى في هذا الوليّ أو في هذا الإمام عليه السلام. إنّ تجلّي ستّاريّته يظهر بهذه الكيفيّة هنا، وذلك الإنسان يظنّ أنّ هذا لا يعلم. يقول: «لقد ضحك معي السيّد ولم يلتفت». ثمّ ينسلّ من بينهم بهدوء؛ ولكنّه، مسكين، لا يعلم أنّه قد خُدع حتّى النخاع!
على الإنسان أن يكون ذكيًّا، على الإنسان أن يكون يقظًا. كلّ هذه الأشعار في ديوان حافظ التي تتحدّث عن الذكي، إنّما تقصد ذلك الذي يقوم بعمله دون أن يطّلع أحد على سرّه. الذكيّ هو الذي لا يعلم به أحد، لا يُطبّل ويُزمّر، لا يصرخ ويصيح، يُشخّص المسائل جيّدًا، ويتّخذ ردود الأفعال المناسبة؛ بينما الناس منشغلون بالقيل والقال، وماذا فعل هذا وماذا فعل ذاك.
الاهتمام بعيوب النفس السمة المميّزة للسالك الحقيقيّ
لقد كنّا نعاني من هذه المصيبة في زمن المرحوم العلّامة أيضًا؛ ولا زلنا نعاني منها الآن، وقد قلت مرارًا إنّني ألاحظ وجودها الآن؛ ولذلك أقول: أيّها السادة، أيّها الرفقاء، أيّها الأصدقاء، بلا شكّ، كلّ واحد منّا، أي أنا، وأنتم، وفلان، وفلان، وفلان... لديه من المصائب والشقاء ما لو أردنا أن نهتمّ به، لما وجدنا وقتًا لنحكّ فيه رؤوسنا! ولكنّنا وضعنا كلّ هذه المصائب جانبًا، وثبّتنا أعيننا فقط على ما يفعله فلان!
وأقول لكم هذا: كلّ مَن رأيتموه، بدلًا من أن يهتمّ بنفسه، يهتمّ باستمرار بأعمال الآخرين، فاعلموا أنّ عمله باطل، وخطوته خطوة باطلة. ونحن نسمّيه إنسانًا بطّالاً. الإنسان البطّال هو الذي وبدلاً من أن ينظر إلى نفسه، يبحث عن: «لماذا فعل ذاك كذا، ولماذا فعل ذاك كذا، ولماذا وضع هذا عمامته معوجّة، ولماذا فعل ذاك بلحيته كذا، ولماذا مشى ذلك السيّد في الشارع بتلك الطريقة، ولماذا كان ذلك السيّد يتحدّث مع فلان!».
يا هذا، ما علاقتك أنت بالأمر؟! أصلًا ما شأنك؟! هل انتهت مشكلاتك أنت حتّى أتيت الآن لتهتمّ بهذا وذاك؟! وكم لحق بنا من ضرر من هذه الحالة في زمن المرحوم العلّامة! فالذي لديه ألف عيب ونقص، ويذهب ليهتمّ بهذا وذاك.
عندما كنّا في مشهد، جاءنا أحدهم ذات يوم وقال: سيّدنا، ذهبتُ إلى مجلس ورأيتُ رجلاً هناك، ورأيتُه يضحك مع فلان (لا أذكر اسمه؛ أحد أساتذة الجامعة من المنحرفين جدًّا)! فقلتُ له: ما علاقتك أنت؟! ما شأنك؟! قال: «جئتُ لأخبركم». قلتُ: أخبرتني؟ والآن مع السلامة؛ اذهب واهتمّ بحياتك! لقد ظنّ أنّني سأشقّ جيوبي. قلتُ: يا عزيزي، اهتمّ بأمورك! أصلًا لماذا أتيت وأخبرتني؟! إن كان لديك درس، فاذهب وادرسه! إذا كان لديك عمل وكسب فاذهب واعمل!
كم كان السيّد الحدّاد رضوان الله عليه ينتقد هذه الصفة الرذيلة وهذه الصفة القبيحة! ذلك الذي ذكر المرحوم العلّامة اسمه في كتاب «الروح المجرّد»، كان عمله الوحيد أن يرى ماذا يفعل حسن، وماذا يفعل حسين! فما علاقتك أنت؟! أصلًا ما شأنك؟! هل حصل مرّة أن جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى النبيّ وقال: يا رسول الله، هذا الذي كان جالسًا عندك، هو كذا وكذا؟! هل ورد أصلًا في الروايات أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قام وجاء إلى النبيّ وقال: يا نبيّ الله، لقد رأيتُ بنفسي فلانًا يفعل كذا، فاحذر منه؟! هل رأيتم مرّة أن فعل سلمان ذلك؟! لأنّ هؤلاء كانوا يحملون همّ أنفسهم.
بقي بايزيد ستّ سنوات في خدمة الإمام الصادق عليه السلام. وفي أحد الأيّام، قال له الإمام عليه السلام: «أحضر ذلك الكتاب من على ذلك الرفّ!». في السابق، كانت هناك تجاويف في جدران المنازل يوضع فيها السراج أو الكتب، وكانت الجدران خلفها سميكة؛ كانوا يسمّون تلك التجاويف «رفوفًا». فقال بايزيد: «أيّ رفّ؟!». فقال الإمام عليه السلام: «ألا ترى الرفّ في الأعلى؟!». ثمّ قال: «أنت هنا منذ ستّ سنوات ولا تزال لا تعلم بوجود مثل هذا الرفّ هنا!». قال: «منذ أن أتيت إلى هنا، لم تقع عيني على شيء سوى جمالك»۱!
أمّا نحن، فما إن ندخل الغرفة حتّى نبدأ بالنظر إلى الثريّات واللوحات واحدة تلو الأخرى، وكم عدد المصابيح فيها، وكم مترًا مساحتها، وكم عمودًا فيها؛ بينما صاحب البيت لا يزال جالسًا! هؤلاء الناس بهذه الخصوصيّات، لو بقوا مائة عام ـ وها أنا ذا حيّ وأنتم أحياء ـ فلن يتقدّموا سنتيمترًا واحدًا؛ فإن تقدّموا، فحاسبوني يوم القيامة! هذا الكلام الذي أقوله، أقوله عن يقين.
كان عمل هذا أن يرى: فلان فعل كذا، وذاك فعل كذا. كان أناس يأتون إلى السيّد الحدّاد، وكان هذا السيد يدّعي: لماذا جاء هؤلاء إلى هنا؟! يا هذا، ما علاقتك أنت؟! هذا البيت له صاحب؛ والآن يريد أن يسمح لهذا بالدخول! كان المرحوم السيد مصطفى الخميني، نجل المرحوم آية الله الخميني، يأتي إلى السيّد الحدّاد؛ فكان هذا يعترض: «هذا أيضًا من تُحف الشيخ الفلاني التي جلبها!». كان المرحوم السيد مصطفى الخميني حقًّا إنسانًا محترمًا وجيّدًا، كان إنسانًا طيّب النفس، طيّب الذات. لديّ عنه حكايات تدلّ على صدقه وصفائه. كنتُ أراه مرارًا يأتي ويجلس هناك، لا يتكلّم ولا يتحدّث، فيقول السيّد الحدّاد بضع كلمات، وكان هو يطرح أسئلة مفيدة جدًا فيجيبه. ولم يكن يزعج كثيرًا، بأن يأتي ويبقى هناك من الصباح إلى الظهر؛ كان يبقى ساعة أو ساعة ونصف، يستفيد فائدته ويذهب. رحمه الله. ولكنّ ذاك الرجل كان يتطفّل على السيّد الحدّاد قائلًا: «لماذا يأتي هذا السيّد إلى منزل السيّد الحدّاد؟!». وقد أدركتم ما كانت عاقبته، حيث وصل به الأمر إلى أن طرده السيّد الحدّاد ولم يعد يسمح له بالدخول! حتّى أنّه قال للمقرّبين منه: «لم أعد أرغب في أن تذكروا اسمه أمامي!». ذلك لأنّه كان يشعر بالاستغناء. لو كان إنسان ما محتاجًا حقًّا ويشعر بالألم، لبحث عن دواء لألمه هو أوّلاً.
التدخّل في شؤون الآخرين بسبب الشعور بالاستغناء
لقد قلتُ إنّكم لو رأيتم الآن أنّ مسألة مهمّة قد ظهرت في أجسادكم، فلن تبحثوا عمّن هو مريض ومن ليس بمريض؛ بل ستُسرعون بأنفسكم إلى الطبيب ولن تنتظروا. بعد وفاة المرحوم العلّامة، ما تسبّب في حلول هذا البلاء والشقاء على عدد كبير من الناس، كان عدم الشعور الألم هذا، والشعور بالاستغناء، والشعور بالغنى، والتطفّل على أعمال الآخرين؛ وأنّه لماذا ذهب فلان هكذا، ولماذا تحدّث فلان معه، ولماذا ذهب فلان إلى بيته، ولماذا فلان هكذا، ولماذا فلان هكذا؟!
إن كنتَ ترى أنّ هذا الطريق صحيح، فاسلكه وطأطئ رأسك وسر! كنتُ أقول هذا الكلام في ذلك الوقت لعدد من أصدقائنا، ولكنّهم في النهاية لم يكونوا يدركون! لم أحصل على هذه المواضيع بسهولة؛ لقد حصلتُ عليها من خلال تجربة علميّة وعمليّة عند السيّد الحدّاد و المرحوم العلّامة والشيخ الأنصاري وغيرهم، وكنتُ أضع هذه المواضيع تحت تصرّفهم بالمجّان، ولكنّهم لم يكونوا يدركون ولا يقبلون.
كنتُ أقول لهم: يا عزيزي، إن كنتَ تقبل برجل ما كنبيّ، فلا أحد يمنعك؛ هذه قضيّة بينك وبين الله. فما شأنك بأعمال الآخرين وما علاقة الآخرين بك؟! أنت تقبله كنبيّ، حسنًا، تمسّك به وسر إلى الأمام! وأنت الذي تعتبرني إنسانًا عاديًّا، حسنًا، تمسّك بي وسر إلى الأمام! ولكنّك حين أتيت وتدخّلت باستمرار في شؤون هذا وذاك، فقد ضللتَ الطريق بنفسك أوّلًا!
لقد مضت أربع سنوات تقريبًا على وفاة المرحوم العلّامة. فلنأتِ الآن ونرى كم نضج هؤلاء! فليأتوا وليقولوا لنا إنّه قد زاد فهمنا بهذا المقدار، وزادت بصيرتنا بهذا المقدار. لا بأس، فليُخرجوا ما في جعبتهم! في النهاية، نحن أيضًا كنّا يومًا ما في هذه الأجواء، أمّا الآن فقد تنحّينا جانبًا، وبحكم ما سبق، فقد ابتعدنا. إنّ الضربة التي لحقت بمسيرة السلوك بعد العلّامة، كانت بسبب التطفّل! كلّ مشكلتنا هي هذه، وهي لا تزال موجودة بدرجات مختلفة. الإنسان الغارق في مشاكله حتى أذنيه، هل يريد أن يُحدّد تكليف زيد وعمرو وبكر؟!
كنّا نقول دائمًا: اترك، اهتمّ بنفسك، ما شأنك بالآخرين؟! أنتم هكذا، وأنتم هكذا! ولكنّهم كانوا يقولون: «لا معنى لأن يفعل هو هذا الأمر! إذًا ما دوري أنا هنا؟!».
قلت: نحن الذين لدينا كلّ هذه المشاكل، ما شأننا بالآخرين؟! هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم على مسار ومنهج العلّامة، ويدافعون عن العلّامة باستماتة أكثر منكم، ويقدّمون تضحيات أكثر، كيف يمكننا أن نقول عنهم إنّ هذا من أهل النار؟! كيف يمكننا أن نقول إنّ هذا لديه كدورة؟! هؤلاء يقدّمون تضحيات هنا أكثر من زيد وعمرو، وهم مستعدّون أكثر منهم للتخلّي عن كلّ مواهبهم وعن كلّ النعم.
إذًا، كان الإشكال يكمن في الجهل؛ الجهل بالمسار، والجهل بالمكانة، والجهل بالواقع، والجهل بالطريق، والجهل بآلام النفس. نحن أنفسنا لدينا آلام كثيرة، ولكنّنا كنّا جاهلين بها. إذًا، الجهل هو الذي أوجد هذه القضيّة. وإذا كانت تلك المسألة موجودة الآن أيضًا، فالوضع الآن مثل ذلك الوقت؛ لا فرق.
إحدى السمات التي يمكننا أن نعتمدها لاختبار الناس، لنعرف مَن لديه رصيد ومَن ليس لديه، ومَن يشعر بالألم ومَن لا يشعر به، ومَن ينفع ومَن لا ينفع، هي أن تنظروا؛ فإذا رأيتم أحدًا يبحث في أنّ «هذا فعل كذا، وذاك فعل كذا»، فاعلموا أنّه أصلًا من عباده المُرخَصين! هذه الآية أنا اخترعتها وأُوحيت إليّ!! الآية تقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلمُخلَصِينَ﴾۱، وقد نزلت عليّ آية أيضًا: إنّهم مِن عبادِ اللهِ المُرخَصين! أمّا إذا رأيتم من هو مهتمّ بشأنه، مُطأطئ رأسه مفكّرًا، لا شأن له بأحد، يذهب ويأتي ويتكلّم ويضحك ويتحدّث ويمازح، ولكن لا شأن له بأحد، فاعلموا أنّه مهما كان، فإنّ لديه شيئًا ما، ويبحث عن مطلوب ما، ويبحث عن دواء وعلاج. ومثل هؤلاء الناس سيصلون في النهاية إلى نقطة ما.
الشعور بأشدّ درجات المحرميّة تجاه الله لعدم وجود واسطة واثنينيّة في مرتبة التعيّن
هؤلاء الأولياء والأئمّة عليهم السلام هم أكثر الناس محرميّة؛ أي أنّه لم يعد هناك أيّ أمر! ولكن في الوقت نفسه، وبالنظر إلى هذه القضيّة، يبقى الله هو الأكثر محرميّة؛ لأنّه هو بلا واسطة. الإمام عليه السلام مهما كان، فهو في النهاية معلول ومخلوق؛ أمّا ذلك المَحرَم الذي يصاحب الإنسان ويقارنه بلا واسطة ولا حجاب وبدون أيّ تعيّن، فهو الذات الأقدس للّه. لذا، حتّى لو كان الإنسان غير عارف ومن عامّة الناس، فإنّه إذا التقى بالإمام عليه السلام، يخجل ويُطأطئ رأسه؛ ولكنّه عندما يلتقي بالله، لا يخجل، لأنّ الإنسان لا يشعر أصلًا باثنينيّة بينه وبين الله، ولا وجود لأيّ اثنينيّة على الإطلاق! أي أنّه حتّى في مرتبة التعيّن، لا وجود لاثنينيّة. ولهذا، كان الأولياء والأئمّة أنفسهم عليهم السلام يلحظون هذه المسألة في توجّههم واتّجاههم إلى المبدأ.
ضرورة التوجّه الآلي وغير الاستقلالي إلى النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار عليهم السلام
لقد رأيتم في كتابات ومؤلّفات المرحوم العلّامة، وفي كتاب «الروح المجرّد»، الأوصاف التي ذكرها بحقّ السيّد الحدّاد. لم نرَ حتّى الآن تعابير أسمى من هذه ممّن يريد أن يمدح آخر! أي أنّ أسمى وأعلى مرتبة يمكن أن يصف بها تلميذ أستاذه ومولاه، هي تلك الصفات التي أوردها المرحوم العلّامة في «الروح المجرّد» عن السيّد الحدّاد. هذا السيد محمد حسين نفسه بهذه الخصوصيّات التي قرأتم وصفها، نحن قد شاهدناها.
سأروي قصّة عن نفسي. في تلك السنة التي تشرّف فيها السيّد الحدّاد رضوان الله عليه بزيارة إيران، ذهب إلى همدان وأصفهان ومشهد. كنت صغيرًا حينها وفي حدود الحادية عشرة من عمري، وكنت أرافقه. ابن الحادية عشرة طفل صغير جدًّا! وكان كلّ حماسي أن يذهب هو إلى مكان ما، فأذهب أيضًا وألعب مع الأطفال في الساحة. كانوا يذهبون وينشغلون بالجلسة وغيرها، ونحن كنّا نذهب ونلعب!
ذات يوم، كان المرحوم العلّامة جالسًا بجانب السيّد الحدّاد ـ وقد روى لي الذين كانوا شهودًا على القضيّة ـ فجاء رجل وقال شيئًا في أذن المرحوم العلّامة. حسنًا، لقد التفت السيّد الحدّاد لذلك (إمّا عن طريق الظاهر أو غير الظاهر). ما إن قال تلك الكلمة، حتّى نهض المرحوم العلّامة ليأتي إلى الساحة ويناديكم ويؤنّبكم أو ليأتي بكم ويُجلسكم في المجلس. وما إن خطا خطوتين أو ثلاث، حتّى قال السيّد الحدّاد فجأة: «لا شأن لك بهم؛ إنّهم أطفال!». بمجرّد أن قال ذلك، استدار المرحوم العلّامة وعاد وجلس في مكانه كتمثال، ولم ينطق بكلمة واحدة. فهذا السيّد يصل إلى مكانة ما! وكما هو مكتوب في الكتب، كان تجاه أستاذه كالميّت بين يدي الغسّال. هذه الخصوصيّة والكيفيّة كانت شيئًا كنّا نشاهده، وأنتم قد رأيتموه في كتاباته.
في أواخر عمره، سألته ذات يوم عن موضوع يتعلّق بالسيّد الحدّاد: هل كنتم هكذا؟! فقال المرحوم العلّامة: «يا سيّد محسن! عندما كنتُ مع السيّد الحدّاد، لم أكن أنظر إليه كوليّ بشكل استقلاليّ؛ بل كنتُ أنظر إليه نظرة آليّة!». أي حتّى شخصيّة بهذه المكانة التي تمثّل كلّ وجوده، يقول: «كانت نظرتي إليه آليّة، لا استقلاليّة!». هل تدركون ما أريد قوله؟! يعني أنّ الإنسان يجب أن يضع في اعتباره شيئًا واحدًا ومبدأً واحدًا فقط.
هذا هو التوحيد نفسه الذي جاء به السيّد الحدّاد؛ أي في عين مراعاة الكثرة والأدب والاحترام والاهتمام في أعلى المستويات، ولكن في الباطن، لديه حال يتوجّه فيه إلى مبدأ واحد فقط. فلو أراد أن ينصرف من ذلك المبدأ إلى هذا الظاهر، فإنّ ذلك يُخالف منهج السيّد الحدّاد. هنا لا يجوز للإنسان أن ينظر حتّى إلى الإمام عليه السلام، وحتّى إلى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم نظرة استقلاليّة. النظرة هي نظرة آليّة فقط، والتوجّه إلى مبدأ واحد فقط، وحقيقة واحدة فقط هي الموجودة.
النبيّ بتلك اليد البيضاء، وهو أوّل الممكنات وأوّل نزول للتعيّن، وجميع عوالم المُلك والملكوت هي من رشحات فيضه، ولكن عندما يريد الموحّد أن ينظر، يجب أن يكون توجّهه إلى المبدأ فقط لا غير! هكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام ينظر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله؛ أي أنّ نظرته لم تكن نظرة استقلاليّة. لو كانت النظرة استقلاليّة، لما كان أمير المؤمنين أميرَ المؤمنين، لكان فيه شائبة، وخلط، ومزج، وتركيب. ذلك التوحيد الذي لا تشوبه شائبة، وذلك التوجّه الذي لا سبيل فيه لأيّ شائبة كثرة أو تعيّن، هو التوحيد الموجود في أمير المؤمنين عليه السلام. ذلك التوحيد هو التوجّه إلى مبدأ واحد فقط. رسول الله هو مجرّد واسطة، آلة، وسيلة، تعيّن؛ ولولا أنّه كذلك، لما تنزّل حتّى إلى هذا المقدار من النظرة إليه.
ضرورة التوجّه التام إلى ذات الله وعدم التنزّل إلى واسطة غير الأئمّة عليهم السلام
يقول ابن الفارض:
| عَلَيكَ بِها صِرفًا وَإِن شِئتَ مَزجَها | *** | فَعَدلُكَ عَن ظَلمِ الحَبيبِ هُوَ الظُّلمُ۱ |
أي في المرحلة الأولى، أوصي: «عليك بها؛ تمسّك فقط بتلك الذات المحبوبة وتلك الذات المعشوقة التي هي الذات الأحديّة!».
أي هو يقول: نحن سلكنا هذا الطريق!
أمّا أنا وأنت فإن سمّينا أنفسنا موحّدين، [فهذا من العجائب و]عندها يكون قد حلّ آخر الزمان، وهذا من علامات الظهور أن يُقال لنا نحن: موحّدون!
هو يقول: نحن ذهبنا إلى هنا، فتعال أنت أيضًا إلى هنا. «عليك بها صِرفًا»؛ لا تخلط أيّ شيء بالتوحيد، لا تمزج أيّ شيء بالتوحيد؛ مهما كان، وأيًّا كان، وأيّ تعيّن كان، وفي أيّ حدّ كان، وفي أيّ مرتبة كان، لا تخلطه بالتوحيد! فإن استطعت، ووفّقك الله، فيا لها من سعادة؛ وإن لم تستطع، ورأيتَ أنّه في مرتبة عالية جدًّا وأعلى، وأردتَ في النهاية أن تخلط شيئًا من التعيّنات بالتوحيد، فلا ينبغي لك أن تنزل عن مرتبة الأئمّة! كان المرحوم القاضي يقول: «مراد ابن الفارض من ”ظَلمِ الحَبيب“ هم الأئمّة»٢. الظَّلْم: يعني ماء الفم. فليفسّر السادة لماذا أورد هنا «ظَلمِ الحَبيب»، لأنّنا نخرج عن البحث.
يقول ابن الفارض: في الوهلة الأولى، تمسّكْ بالذات فقط! وهو نفس ما قاله السيّد القاضي: «السيّد الحدّاد في التوحيد الصرف كالسنيّين المتعصّبين، ولا يعرف شيئًا غير التوحيد!». «وإن شئتَ مزجها»؛ يعني على الأقلّ لا تنزل عن هذا التعيّن الذي هو الإمام عليه السلام، واجعل جميع المسائل منحصرة في الإمام فقط! لا أن تذهب وراء بقيّة الكثرات، من زيد وعمرو، والعالي والسافل، والأستاذ وغيرهم؛ فمَن هم هؤلاء؟! الإمام عليه السلام فقط ولا غير! فإن أردتَ أن تتنازل عن الإمام، فقد ظلمتَ نفسك، وحصل لك الخسران!
لنُنهِ الكلام حول هذه الفقرة، وإن شاء الله، يبقى الحديث عن الفقرات الأخرى للّيالي القادمة، إن وفّقنا الله. نحن أيضًا نطلب هذا من الله: إلهي، في هذا الشهر المبارك، تفضّل علينا، وما تُعطيه لخاصّة أوليائك، فامنحنا إيّاه أيضًا! عندما يكون هو مَن سيُجيب، فلماذا نقصّر في الطلب؟! عندما يكون هو مَن سيُصلح الأمور، فإنّا نقول له: إلهي، أعطنا حقيقة «عليك بها صِرفًا» تلك التي هي غايتهم!
اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد