المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/02
التوضيح
لماذا تكون إجابة الله لدعائنا فوريّة، بينما نستجيب نحن لندائه ببطء؟ وكيف يختلف حال أولياء الله عن حالنا عند حلول وقت الصلاة؟ وما هي حقيقة الفقر الوجوديّ للإنسان؟ على ماذا يدلّ تغيّر حال أصحاب المسؤوليّات؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة من خلال تحليل عرفانيّ دقيق لفقرة «الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني». من دعاء أبي حمزة.
هوالعلیم
لماذا يجيبنا الله فورًا ونتكاسل نحن عن إجابته؟
تغيّر أحوال أصحاب المسؤوليّة
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة الأولى
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلينَ وخيرِ النبيّينَ مُحمَّدٍ
وآلهِ الطيّبينَ الطاهرين
واللعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ إلى يومِ الدين
إجابة الله الفوريّة لكلّ أدعية العباد
«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي»
أي الحمدُ للّه الذي كلّما دعوتُه، أجابني فورًا.
والفعل في «أَدعُوهُ فَيُجِيبُنِي» هو فعلٌ مضارعٌ يدلّ على الاستمراريّة؛ أي إنّ مقتضى حال الله وخصوصيّته هي أنّه كلّما دعوناه، فإنّه يجيبنا. فلا تفيد عبارة «أَدعُوهُ فَيُجِيبُنِي» معنى الاستقبال؛ فليس معناها أنّني أدعوه فيجيبني بعد سنةٍ أو سنتين.
يقولون في علوم العربيّة: بعد مادّة «قال»، تأتي «إنَّ» مكسورة الهمزة. وكان أحدُهم قد وجد «إنَّ» بعد ثلاث صفحاتٍ من كلمة «قال»، فقرأها بكسر الهمزة! فقالوا له: «لماذا تقرؤها ”إِنَّ“؟!» قال: «يقولون إنّه بعد مادّة ”قال“، يجب أن تُقرأ ”إِنَّ“؛ وكلّما ابتعدت أكثر كان ذلك أفضل، لأنّ معنى البعديّة يصدق عليها أكثر!».
وهكذا ليس معنى «أَدعُوهُ» أنّني سأدعوه لاحقًا؛ بل إنّ «أَدعُوهُ» تدلّ على الحال، والحال هنا بمقتضى السياق، يدلّ على الاستمراريّة الحاليّة. والاستمراريّة الحاليّة تعني أنّ موقعيّة الحال مستمرّةٌ في الأزل والأبد، فهي حالٌ دائمًا، وهذه الصفة ثابتةٌ للإنسان دائمًا ولا تنفكّ عنه أبدًا. إذن، هذه الصفة ثابتةٌ له ولنا أيضًا.
يقول: «الحمدُ لله الذي وصفُه أنّه كلّما دعوتُه، أجابني». أمّا ما هي طبيعة إجابته، فهذا موضوعٌ آخر؛ لكنّه على أيّ حالٍ لا يترك الدعاء بلا جواب، بل يقول شيئًا، سواء وافق المُراد أم لم يوافقه! وليس الأمر أنّه قد تأخذه غفوةٌ أحيانًا: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾۱. فكلمة ﴿سِنَةٌ﴾ تعني الغفوة؛ أي إنّه لا تأخذه غفوةٌ ولا نوم، وكلّما دعاه أحد، فإنّه ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾٢، ويجيبه على الفور!
الفرق بين أحوال الأئمّة وغيرهم في الإسراع إلى الصلاة
«وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي!» ولكنّ المسألة هنا تكمن في الطرف الآخر، فكلّما دعانا هو، فإنّنا لا نجيب، نحن بطيئون، نحن نتكاسل، نحن نتهاون، ونحن نسوّف ونؤجّل! يقول لك: «أعن الفقير!» فنقول: «لنرَ ما سيحدث». يقول: «قُمْ وصلِّ!» فنقول: «هناك متسّع من الوقت».
وقت الأذان هو وقت دعوته؛ ونداء «الله أكبر» الذي يرفعه المؤذّن فور دخول الوقت هو دعوته. كان النبيّ صلّى الله عليه وآله كلّما انشغل بالحديث مع الناس وغير ذلك، وشعرت نفسه بشيء من الملل بسبب ارتباطها بعالم الكثرة، كان يقول: «أَرِحْنَا يَا بِلَالُ»۱، فإنّ هذا الارتباط بالكثرة قد أثقل أنفسنا وأورثها الملل.
فما إن يرتفع صوت المؤذّن، حتّى تصل دعوة الله: أيّها العباد، هلمّوا! هذا هو الوقت الذي يريد فيه فيضي أن يتنزّل على جميع عوالم الكثرة؛ هذا هو الوقت الذي يريد فيه جودي أن يفيض؛ هذا هو الوقت الذي تريد فيه رحمتي أن تنهمر! هذا هو وقت الأذان.
أنا شخصيًّا كنت مع بعض الأعاظم مثل المرحوم السيد الحدّاد رضوان الله عليه، وكنت أرى أنّه في الساعة الأخيرة المتبقّية قبل وقت الصلاة، كان كأنّه ينتظر وصول وقتها باستمرار، ويترقّبه، وينظر إلى الساعة مرارًا وتكرارًا. هكذا كان حال الذين استوت عندهم الكثرة والوحدة؛ أمّا نحن ففي إجازة! ليس هذا الأمر مزاحًا؛ بل هي حقيقةٌ وواقع، فأيّ أمورٍ كانوا يرونها في إدراكهم لهذا الوقت حتّى إنّهم كانوا قلقين بشأن وصول وقت الزوال، وقلقين بشأن غروب الشمس.
يرد في أحوال الإمام المجتبى عليه السلام أنّه ما إن كان يحين وقت الصلاة، حتّى كانت تظهر منه أحوالٌ غير عاديّة٢! وهذا لأنّ وقت دعوة الله قد حان؛ فالدعوة ليست من فلانٍ أو فلان!
لنفترض أنّ إنسانًا ما يريد مقابلة رئيس جمهوريّة أو من هو أعلى منه منصبًا، فإنّه لن يذوق طعم النوم لأسبوعٍ كاملٍ قبل الموعد، وهو يفكّر: لقد حدّدوا لي موعدًا في اليوم الفلانيّ، وأعطونا بطاقة دعوة، وكتبوا اسمي لأنّي أريد مقابلة الشخصيّة الفلانيّة، يقولون: «لقد سجّلت أسماء الذين سيحضرون». ويتّصل هاتفيًّا مرّتين أو ثلاثًا، ويسأل عن عدد الأفراد وتفاصيل أخرى. فيظلّ في حالة انتظارٍ دائمٍ قبل يومين أو ثلاثة من الموعد، لأنّ لديه لقاءً في اليوم الفلانيّ، في الساعة الفلانيّة، مع إحدى المقامات الرفيعة!
عندما تريد لقاء شخصيّةٍ كبيرةٍ من هذه المقامات الدنيويّة ـ إن شاء الله لن يحدث لكم ذلك، وإن حدث، فليكن إن شاء الله مقرونًا بالوحدة لا بالكثرة؛ فهذا هو الأهمّ ـ فإنّ قلوبكم تخفق بسرعة! في حين أنّه إنسانٌ مثلكم؛ فأفكاره وأعماله ورؤيته لا تختلف عنكم. إذن، قلبك يخفق من أجل بعض التخيّلات، وشيءٍ من الكثرة، وشيءٍ من الألقاب والاعتبارات.
فهذا الذي يخفق قلبك اليوم لرؤيته وزيارته، كان بالأمس يمشي في مدينة قم هذه ولم تكن تلتفت إليه أصلاً؛ كان بالأمس يمشي في طهران هذه ولم يكن أحدٌ يلتفت إليه! إنّه هو نفسه لم يتغيّر، ولم يُضَفْ إليه شيءٌ؛ فإذا كان وزنه ٧٥ كيلوجرامًا، فهو لا يزال ٧٥ كيلوجرامًا! فقلبك يخفق من أجل لقبٍ واعتبار إذن، لا من أجل إنسان ماديٍّ تريد لقاءه.
لذلك، ترى أنّك لا تنام في الليل، وتستيقظ صباحًا وتُعدّ نفسك، وتفكّر في كيفيّة التعامل معه، وكيف تتّخذ هيئة الأدب والاحترام، وكيف تلقي السلام، وكيف تجيب، وغير ذلك؛ كلّ هذا من أجل إنسانٍ عاديٍّ مثلك تمامًا!
والآن، لنفترض أنّهم قالوا لك: إنّك ستذهب للقاء شخصيّةٍ عظيمة ـ هذا إن كنت تملك المعرفة أصلًا ـ أو قيل لنا: إنّكم ستذهبون للقاء الإمام عليه السلام، فإنّنا لن نكاد نصدّق من شدّة الفرح! هل يمكننا أصلًا أن نتصوّر كيف نجلس في محضر الإمام؟! كيف نلتزم الآداب في محضره؟!
ولو قيل لنا إنّكم ستذهبون للقاء الله؛ فهنا لا مجال للفكر! الإمام المجتبى عليه السلام وحده من يفهم هذه المسائل ويدرك هذه الأمور. ولذلك، عندما كان يقترب وقت الصلاة، كانوا يسألونه: «لماذا تكون هكذا؟!» فكان عليه السلام يجيب: «أنتم لا تدرون من سألقى الآن!»۱.
عدم استجابة العباد لدعوة الله رغم عجزهم وحاجتهم
«وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي!» العجيب هنا هو أنّه كان يجب علينا ألاّ نكاد نصدّق من شدّة الفرح لمثل هذه الدعوة؛ ولكنّ القضيّة هنا معكوسة! هو يدعونا، ونحن نضع أيدينا مكتوفة ونقول: لنرَ ما سيحدث، فلنفطر الآن وإن شاء الله لاحقًا نصوم، لنهتمّ بهذه الضيافة الآن، وهكذا..! من أين يأتي هذا التصرّف؟! لماذا يحدث هذا؟ فبدلاً من أن يكون الدلال والتغنّج والاستكبار والكبريائيّة من ذلك الجانب، نجد أنّ الإجابة تأتي على الفور؟! إنّه أمرٌ عجيب! فما إن تقول: «يا ربّ»، حتّى يأتيك قول «لبّيك» قبل أن تنطق بـ «يا ربّ».
| گفت آن اللَهِ تو لبیک ماست | *** | وآن نیاز و درد و سوزت پیک ماست.٢ |
والمعنى:
قولك «الله» هو «لبّيك» منّا *** وحاجتك وألمك وشوقك هي رسولنا.
لم تقل «يا ربّ» بعد، وإجابته وقوله «لبّيك» قد سبقت؛ أمّا هذا الجانب الذي هو كلّه بؤسٌ وعجزٌ وحاجة، فتجده «بَطِيئًا»! ونقول بكلّ أناة: نحن أصحاب مقام الكبريائيّة، ونحن لا نخضع بهذه السهولة! حتّى لو كان الله، فعليه أن يرسل لنا بطاقة دعوة ورسالة يفدينا فيها! فهل نتنازل عن مقامنا هذا بهذه السهولة؟!
حمد الله على إجابته دعاءَ العباد رغم كبريائه وغناه الذاتيّ
فحمد الإمام السجّاد عليه السلام هنا هو لهذا السبب بالذات. يقول: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي...». يُقال الحمد في الموضع الذي تكون فيه قيمةٌ ومدحٌ وثناء.
فالقيمة هنا تكمن في أنّ الذي له الدلال وعدم الحاجة والغنى الذاتيّ، والذي وجوده واجب، وجميع المحامد في عالم الوجود مختصّةٌ بذاته «يُجِيبُنِي» ويستجيب لي على الفور. و«الحمدُ للّه» من هذه الجهة، فمع أنّ هذا الجانب هو الفقر والبؤس والكثرة والاعتماد عليها والإمكان الذاتيّ، ولا توجد عنده صفةٌ من صفات الكمال إلّا ومنشؤها من الله، إلّا أنّه يكون «بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي»، أي إنّ هناك تهاونًا وتكاسلًا! أفلا يستحقّ هذا الإله الحمد؟!
لنفترض وجود أحد في مدينة قم هذه، أو في إيران، أو في العالم، يتمتّع بهذه الخصائص: جميع ثروات العالم في خزانته، وجميع صفات الجمال في العالم منحصرةٌ به، وجميع القيم مختصّةٌ به، وجميع علوم العالم مختصّةٌ به، بحيث إنّ أيّ أحد في هذا العالم يحتاج إلى أيّ علم، يكون لديه ذلك العلم على أتمّ وجهٍ وأكمله، وبشكلٍ لا يترك أيّ سؤالٍ بلا جواب؛ كلّ رأس مالٍ موجودٍ في الدنيا هو في جيبه وتحت تصرّفه؛ ومن حيث الجمال، يحرّر يوسف كنعان بغمزةٍ واحدة؛ ومن حيث القوّة، يسقط أمامه أقوى الأقوياء؛ لا ينقصه شيءٌ من أوصاف الوجود المحمودة.
ولكن في المقابل، نحن لا نملك درهمًا واحدًا في جيوبنا، ولا نملك من العلم ما يعادل علم تلميذٍ في الصفّ الأوّل الابتدائيّ، ولا نملك من القوّة ما يكفي لرفع كوبٍ من الماء، وكلّ صفة ضعفٍ ونقصانٍ يمكنكم تصوّرها، فإنّها موجودةٌ فينا.
والآن، ضعوا هذين الأمرين جنبًا إلى جنب، وانظروا كيف أنّه بتلك الكيفيّة، كلّما قصدتموه، تجدونه واقفًا خلف الباب ينتظركم؛ بل إنّه ينتظركم خلف الباب قبل أن تطرقوه، أمّا كلّما قصدكم هو، فإنّكم تقولون من داخل فراشكم: «حسنًا، سأنهض الآن! لنرَ ما سيحدث! سآتي لاحقًا بنفسي!». بماذا نصف من يفعل ذلك؟
أي، أيّ كلمةٍ أو تعبيرٍ يمكننا أن نجده لوصف مثل هذا الفرد غير الجلال، وغير الكمال، وغير العظمة، وغير الكبريائيّة، وغير الرجولة المطلقة ـ إن كان رجلًا ـ وغير المناعة الذاتيّة، وغير الحمد المطلق الذي يليق به ونصفه به؟! أفلا يستحقّ مثل هذا الحمد؟! أفلا يستحقّ مثل هذا الثناء؟!
تغيّر أصحاب المسؤوليّات
في هذا العالم، لو أنّ إنسانًا حصل على مكانةٍ ما، فإنّه في اليوم التالي لن ينظر إلى أحد! ولو حصل على منصب، كأن يصبح مثلًا معاونًا في مبنًى مكوّنٍ من الطوب والحجر، أو معاونًا لشؤون بناءٍ ما أو وزارةٍ ما، فهل يمكن بعد ذلك العثور على هذا الرجل والوصول إليه؟! يتغيّر سلوكه، وتتغيّر أحواله، وتتغيّر طريقة حديثه! لقد حصل على مجرّد لقب؛ فما كلّ هذه الجلبة؟! إذن، يتّضح أنّ هذا اللقب هو لقب الشيطان؛ لأنّ الله ليس كذلك.
إذا رأيتم من وصل إلى مكانةٍ ما وتغيّر حاله، فهذا الحال يختلف عن حال التوحيد. حال التوحيد هو الحال الذي يبيّنه الإمام السجاد عليه السلام بقوله: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي». هذه الصفة هي صفة الله التوحيديّة؛ هذه الصفة مدحٌ لا ذمّ، وهذه الصفة منقبةٌ لا مثلبة. وإن كانت منقبة، فإنّ ضدّها يصبح مثلبة؛ وإن كانت هذه رحمانيّة، فإنّ ضدّها يصبح شيطانيًّا.
إذن، إذا رأيتم من تغيّر حديثه وحاله وطريقة تكلّمه مع الناس بتغيّر مكانته، أو اختلف وقت المقابلة الذي يمنحه للناس، أو تغيّر حديثه معهم، فقولوا بلا تردّد: هذا شيطان! ولا داعي للتردّد أصلًا؛ لأنّ هذا يخالف كلام الإمام السجاد عليه السلام. فالإمام السجاد لا يعرّف الله بهذه الصورة؛ بل يقول: إنّ الله هو «الذي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي».
كيف كان أمير المؤمنين عليه السلام؟ أيّ تغييرٍ طرأ على شخصيّته قبل وصوله إلى الحكم وبعده؟! لم يظهر في أمير المؤمنين عليه السلام أيّ اختلافٍ بين حالتيه. يقوم ويحمل متاع امرأةٍ عجوز، ويساعدها على إيصال ما اشترته إلى منزلها. ثمّ يدخل منزلها ويقول لها: «هل أعتني أنا بالأطفال حتّى تخبزي أنتِ، أم تعتنين أنتِ بالأطفال وأخبز أنا؟». فتقول: «اعتنِ أنت بالأطفال، فأنا أُجيد الخبز أكثر ». فينشغل عليه السلام بمداعبة الأطفال۱. فهل هذا فعل من يعيش في عالم الكثرة أم فعل من يعيش في عالم الوحدة؟!
ممّن يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل؟ إنّ الذي يعيش في الكثرة ويصل إلى منصبٍ ما، يخلق لنفسه حُجُبًا كثيرة، ويضع بوّابين كُثرًا، ويعيش في غرفٍ ودهاليز متداخلة، ويحصّن نفسه بالحُجّاب والموانع والحرّاس! فأيّ فرقٍ بينه وبين أمير المؤمنين الذي يقوم بهذا العمل وهو في سدّة الحكم؟! إنّ ذلك الذي بوصوله إلى الحكم، يفصل نفسه عن الصفات الرحمانيّة؛ أمّا أمير المؤمنين، فبوصوله إلى الحكم، يقرّب نفسه أكثر من الصفات الرحمانيّة، ويجعل نفسه أكثر تواضعًا أمام الناس!
هذا ليس تكلّفًا؛ فالتكلّف لا يجدي نفعًا. إنّ الحال التكوينيّ للمولى هو أنّه يرى نفسه صغيرًا ومتواضعًا أمام الناس. يقول عليه السلام قولًا عجيبًا: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ؟!»۱ هل أكتفي من نفسي بأن يُقال لي أمير المؤمنين وأتقبّل هذا اللقب لنفسي؛ ثمّ لا أشاركهم في مصائب الدهر؟!
هذا الكلام يخرج من قلب إنسانٍ حرّ؛ إنسانٍ تحرّر من الهوى والهوس، وتحرّر من كلّ ما يقيّده. إنّه يسخر من هذه الأوضاع! يأتي ابن عباس ويقول: «يا عليّ، في خضمّ هذه الفتن وهذه القضايا، هل تجلس لترقع نعلك»؟!٢ إنّ هذا الرجل ليس في هذا العالم أصلًا!
صورة المسألة التي يطرحها الإمام السجّاد عليه السلام وبالطبع هناك معانٍ أخرى في باطن هذه العبارة هي كالتالي: ذاتٌ هي الوجود المطلق، يختصّ بها كلّ الجمال، ويختصّ بها كلّ الكمال، ويختصّ بها كلّ الوجود، وتختصّ بها كلّ شؤون الوجود، وهي القدرة المطلقة، والعلم المطلق، والكمال والبهاء المطلق، فكلّ الصفات المطلقة والصفات المحمودة الإطلاقيّة تختصّ بهذه الذات؛ هذا هو أحد طرفي القضيّة. أمّا الطرف الآخر من القضيّة، فنحن، الذين لا كلام لنا! فمن صفات كمالنا الفقر المطلق، ومن صفات كمالنا الجهل المطلق، ومن صفات كمالنا الظلمة المطلقة!
الشبستريّ: لزوم الفقر للممكنات
| سيهرويى ز ممكن در دو عالم | *** | جدا هرگز نشد واللَهُ أعلَم |
والمعنى:
سواد الوجه في الدارين يلزم *** عن الممكنِ واللهُ أعلم.
هذا الشعر للشيخ محمود الشبستريّ؛ رحمه الله. كان الشيخ محمود الشبستريّ من أعاظم الأولياء وكبار هذا الطريق. يقع قبره على بعد ثمانية فراسخ من تبريز، في مدينة شبستر، على الطريق المؤدّي إلى الحدود. لطالما تمنّينا، ولا نزال نتمنّى، أن نزور مرقده؛ لأنّ له حقًّا عظيمًا جدًّا في أعناقنا.
كثيرٌ من هؤلاء الأعاظم لهم حقوقٌ في أعناقنا. كان المرحوم العلامة يقول مرارًا: «لحافظ حقٌّ عظيمٌ جدًّا في أعناقنا! لا بدّ لنا من الذهاب لزيارته!». حتّى إنّه في إحدى رحلات الحجّ، في نفس العام الذي وقعت فيه أحداث مكّة واعتُدي على الإيرانيّين وقُتل عددٌ منهم، كان المرحوم العلامة يقول: «رأينا هناك أنّه لا بدّ لنا من الذهاب إلى شيراز». وقد وضع أساس رحلة شيراز انطلاقًا من رحلة الحجّ تلك، ثمّ جاء وزار مرقد الخواجة حافظ. بالطبع لم أكن في خدمته، ولكن كان من الواضح ما هي الأمور التي جرت هناك.
ومولانا الروميّ هو أحد أولئك الذين لهم حقٌّ كبيرٌ جدًّا في أعناقنا، والحمد للّه قد وفّقنا هذا العام للتشرّف بزيارته، ومكثنا تقريبًا ليلةً ويومين في مدينة قونية، وله مرقدٌ مهيبٌ وجليلٌ للغاية! فعلى عكس مرقد حافظ الذي يتميّز بحالة من البسط والخفّة، فإنّ مرقد مولانا قويٌّ جدًّا، وآثار الجلال والعظمة باديةٌ عليه تمامًا.
أحد الذين كنّا نرغب في زيارة مراقدهم منذ فترةٍ طويلة هو الشيخ محمود الشبستريّ هذا، ولكن لم نوفّق لذلك بعد. إنّه رجلٌ عظيمٌ جدًّا، ومن كبار عرفاء الإسلام، وقد بيّن حقائق في كتاباته، سواء الشعريّة أو غير الشعريّة. وله رسائل أخرى أيضًا، وقد بيّن فيها حقائق عالية المضامين.
| سيهرويى ز ممكن در دو عالم | *** | جدا هرگز نشد واللَهُ أعلَم |
والمعنى:
سواد الوجه في الدارين يلزم *** عن الممكن واللهُ أعلم
الممكن هو الفقر، والفقر لا نور له، ولا وجود له، وجميع الأعدام تصدق على ماهيّات الأشياء الممكنة، وسواد الوجه لا ينفصل أبدًا عن هذه الماهيّات الممكنة للأشياء.
سبب سرعة الإجابة الإلهيّة وبُطء إجابة الممكنات
إذن، صورة المسألة هي بهذه الكيفيّة: في أحد طرفيها الله تعالى، وفي الطرف الآخر وجودنا "المبارك" الذي هو كلّه فقرٌ وجهلٌ... إلخ! ولازم هذا الفقر هو طلب الكثرة والتهاون والتساهل وعدم السير والاستخفاف بالأمور وعدم أخذ الحقائق على محمل الجدّ؛ كلّ هذه الأمور هي من لوازم هذا العالم. لذلك، فإنّ هذا الأمر وهذه المسألة أمرٌ ومسألةٌ طبيعيّة، أن يكون في ذلك الجانب «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي» وفي هذا الجانب «وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي».
والآن، هل يمكن أن يتبدّل هذا الأمر؟! هل يمكن أن يصبح «وَإِنْ كُنْتُ سَرِيعًا حِينَ يَدْعُونِي»؟! هذه هي صورة القضيّة: لماذا نحن بطيئون ولماذا هو سريع؟ لماذا لسنا سريعي الإجابة؟
تقول الآية الشريفة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾۱، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾٢؛ هذه الإجابات هي من لوازم ذلك الوجود. الأدعية والروايات والآيات التي وردت في هذا المجال، سأعرضها على حضراتكم إن شاء الله في الليالي القادمة، وإذا وفّق الله، سنتحدّث عنها.
بناءً على ذلك، فإنّ نفس هذه المسألة توجب الحمد. فالحمد يختصّ بذاتٍ تتّصف بالعلم المطلق، ذاتٍ هي القدرة المطلقة، ذاتٍ هي الغنى المطلق؛ الغنى المطلق عن كلّ شيء! وفي هذا الغنى يكمن كلّ شيء. الغنيّ بالذات يعني أنّه لا توجد فيه أيّ نقطة نقصٍ لتصل إلى الفعليّة؛ سواء من حيث العلم، أو من حيث القدرة، أو من حيث الجمال، من أيّ جهة، لا توجد فيه أيّ نقطة استعدادٍ لكي تصل تلك النقطة إلى الفعليّة. هذا هو معنى الغنيّ بالذات؛ أي إنّه غنيٌّ ذاتًا. ومثل هذا الموجود يستوجب الحمد.
حتّى لو كنّا نحن في الطرف الآخر من القضيّة، لظلّ هو مستوجبًا للحمد؛ أي لو كانت صورة القضيّة وصورة المسألة على هذا النحو: «وَإِنْ كُنْتُ سَرِيعًا حِينَ يَدْعُونِي»، أي عندما يدعونا كنّا نجيب بسرعة، لظلّ هو مستوجبًا للحمد أيضًا. لأنّنا لم نقم بعملٍ خارق، بل يجب علينا أن نكون سريعين؛ لأنّ الغنيّ بالذات هو، والمحتاج بالذات نحن، والفقر الذاتيّ لنا، والغنى الذاتيّ له! فيجب علينا كلّما دعانا، أن نجيب بسرعة! هذا هو لازم طبيعة القضيّة، فهو الذي يجب أن يتمنّع عنّا، لا أن نتمنّع نحن عنه.
إذن، حتّى لو كانت صورة المسألة بهذه الكيفيّة، لظلّ الحمد مختصًّا به، فكيف والحال أنّنا بطيئون! أي إنّنا بالإضافة إلى عدم سرعتنا، فإنّنا نتهاون ولا نأتي ولا نتحرّك. هو يدعونا باستمرار، ونحن نتكاسل باستمرار.
كم أجهد هذا النبيّ نفسه من أجل الناس! النبيّ الذي يملّ من الحديث مع الملائكة، النبيّ الذي يؤدّي به التكلّم مع الملائكة إلى التنزّل إلى عالم الكثرة؛ ولكنّها كثرةٌ نورانيّة لا كثرةٌ ظُلمانيّة. النبيّ الذي يملّ من حديث جبرائيل، هذا النبيّ يأتي إلى أبي سفيان وأبي جهل وغيرهما؛ ولكن بأيّ نيّةٍ أتى، فهذا موضوع ليلة الغد إن شاء الله.
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ