11

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى

تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

270
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1419

التاريخ 1419/09/26

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

لماذا يجب أن نتّكئ على الله وحده؟ وما علاقة التشريع بالتكوين في تحديد وجهتنا التوحيديّة؟ وكيف تؤدّي التصوّرات الخاطئة عن بشريّة الإمام إلى الانحراف؟ وهل يجوز التوجّه إلى حقيقة غير الله أثناء الصلاة؟
يستعرض آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ هذه الأفكار العميقة، موضحًا أنّ الاعتماد على الناس مهانة، وعلى الله كرامة.

/٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى

  • تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الحادية عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيم 

  • بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيم 

  • وصلّى اللهُ علىٰ سيّدِنا ونبيّنا محمّدٍ 

  • وآلِه الطيّبين الطّاهرين 

  • واللّعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعين

  •  

  •  

  • سبب لزوم الاتّكاء والاعتماد على الله

  • «الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي وَلَمْ يَكِلْنِي إِلَى النّاسِ فَيُهِينُونِي!» 

  • الحمد مختصٌّ بالله الذي وَصَلَني بنفسه وجعلني متوكّلاً عليه وأَوْكَلَ أمري إليه. ولم يُوْكِلْني إلى الناس كي لا يهينوني ويجعلوني وضيعًا وذليلاً. «وَالحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِّي!»

  • الفعل «وَكَلَ يَكِلُ» بمعنى الاتّجاه والاتّكاء والاتّصال. فالمعنى الجامع بين كلّ هذه هو الوُكول والإيكال. وأمّا «أهانَهُ» فمعناها عدم الاعتداد به واحتقاره وازدراؤه؛ هذا هو معنى الإهانة. فعندما يقول أحدهم: لماذا تهينني؟ فمعناه: لماذا تحتقرني ولا تحسب لي حسابًا، وتتكلّم معي بهذه الطريقة، وتضعني في مصافّ الحيوانات. هذا هو معنى الإهانة.

  • في قوله: «وَالحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي»، يبيّن الإمام السجّاد عليه السلام المطلب من وجهتي نظر: التشريع والتكوين، ومن جانبي التربية والتكوين. فمن وجهة نظر التكوين: 

  • أَزِمَّةُ الأُمورِ طُرًّا بِيَدِه***وَالكُلُّ مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَدَدِه۱ 
  • إنّ خيوط جميع القضايا والمسائل تعود إلى مشيئته، ومبدأ فيض ذلك هو لطف الله وعنايته وقضاؤه الكلّيّ الذي يتجلّى في صورة مقادير جزئيّة في العالم بإرادته. وكلّ ما يتحقّق في هذا العالم ينتهي إليه في نهاية المطاف. فهذه مسألة تكوينيّة، وعلى أساسها وضع الله تعالى بناء التشريع.

  • مطابقة التشريع للتكوين

  • لنفترض أنّك تريد أن تنطلق من هنا وتذهب إلى منطقة تقع على مرتفع وفي منطقة جبليّة، مثل المرتفعات الشاهقة فوق مدينة ياسوج. فهناك جانب تكوينيّ، وجانب تشريعيّ. 

  • فالسيّارة هناك تتحرّك ببطء ويُضغط عليها حتّى تصعد٢؛ لذا يجب على السائق الذي يريد السير إلى ذاك المكان أن يلاحظ وسيلة النقل التي سيقودها، وقدرة محرّكها، وعدد الركّاب فيها، ونوع الإطارات المناسبة لهذا الطريق، ويأخذ كلّ ذلك بعين الاعتبار ثمّ ينطلق. فنحن نسمّي هذا «تشريعًا»، والتشريع يعني مراعاة القوانين والمسائل التي توصلنا إلى ذلك التكوين.

  • ولنفترض أنّنا نريد الذهاب إلى منطقة أَزنا، وهي منطقة عالية جدًّا وتقع في المرتفعات، وفي الشتاء يتساقط الثلج وتكون الطرق جليديّة، فذهبنا بسيّارة ضعيفة وفيها عشرة ركّاب يزن كلّ منهم مائة كيلوغرام، فكيف يمكن لهذه السيّارة أن تصل إلى ذلك المرتفع؟! فهذا التشريع لا يتطابق مع التكوين. أي إنّ هذه القوانين [التي عملنا بها حين صعودنا] لا توصلنا إلى المقصد، ومراعاة هذه الأمور ليست موصلة، وستُبقينا في منتصف الطريق.

    1. شرح المنظومة، ج ٢، ص ٣٥؛ أسرار الملكوت، ج ١، ص ١٩.
    2. وهذا هو الجانب التكويني والحقيقة الخارجيّة في المثال. (م)

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

3
  • والآن، في هذا البناء التكوينيّ الذي تتّصل فيه جميع الأمور بتلك الذات الواحدة وبذلك المبدأ الواحد، هل يجب أن يتّجه التشريع نحو ذلك المبدأ؟ أم أنّه يمكن أن يكون التشريع بنحو آخر، فتكون المقرّرات والقوانين وكيفيّة العبادة وكيفيّة المعاملة وكيفيّة الارتباط بالناس، كلّها على خلاف ذلك الجانب التوحيديّ، متّجهة نحو الكثرة؟! هذا لا يمكن.

  • بعض الانحرافات الناتجة عن الخلط بين التكوين والتشريع

  • استحضار صورة الأستاذ عند الصلاة

  • يقول بعض الدراويش: «عندما يريد الإنسان أن يصلّي، يجب عليه أن يستحضر في ذهنه صورة مرشده». هذا عين الشرك! هذه لم تعد صلاة! إذا نُظر إلى المرشد بنظرة استقلاليّة ولوحظت صورته الخارجيّة المتعيّنة، فهذا عين الشرك. وإن كان المقصود بالمرشد تلك الحقيقة المتّصلة بالولاية، فتلك لا صورة لها؛ إذًا، أيّ صورة تريدون استحضارها في أذهانكم؟! هذه لم يعد لها صورة.

  • النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام عليه السلام 

  • وكنّا يومًا ما في مشهد، فجاءنا رجل وقال: «لقد جاء فلان إلى مشهد، فلنذهب لزيارته». كان ذلك الرجل معروفًا بالزهد بين الناس في طهران، ولا أعلم إن كان قد توفّي الآن أم لا. كان في ذلك الوقت شيخًا كبيرًا يقيم مجالس الولاية... وكان بيته مليئًا بمجالس العزاء؛ وبعبارة أخرى، كان الموالون يتردّدون على مجالسه. فقلت له: لقد أتى، فماذا في ذلك! لماذا نذهب إلى هناك؟! يأتي الكثير من أمثال هؤلاء. 

  • قال: «لا، مجلسه مفيد و...». وأخذني بالقوّة إلى منزله، وكان هناك شابّان أو ثلاثة. كان واضحًا كيفيّة هذه المجالس. فتحدّث هو، وقال في أثناء حديثه: «فلان عندما كان على وشك الموت، كان يقول: ”عندما أحتضر، لقّنوني «يا علي»؛ لأنّ مقام الله وعزّته أسمى من أن أستطيع معه قول «يا الله». قولوا لي «يا علي»!“».

  • وكنت أجلس صامتًا، فقلت بعد ذلك: لقد أخطأ في قوله هذا! هل كان يفهم أكثر من الأئمّة مع كلّ هذه التوجيهات التي وصلتنا منهم بشأن الشهادتين والمسائل المتعلّقة بالاحتضار...؟! فما هذه السخافات؟! إن كان يقصد بأمير المؤمنين هذا الجسد الظاهريّ الذي يحمل السيف ويقاتل، وعلى حدّ تعبيره يصرع مَرْحَبًا...، فهو وجودٌ استقلاليٌّ متعيّنٌ في مقابل ذلك الوجود الأحديّ البسيط اللامتناهي والإطلاقيّ؛ إنّ عليًّا بريءٌ من أن تطرحوا مثل هذا الوجود في مقابل الله وفي مقابل هذه المباني ولا تنظروا إلى الله! إنّه بريءٌ ممّن يطرح هذا ومنزعجٌ منه ورافض له! وإن كان المقصود بعليٍّ ولايته، فتلك الولاية هي عين التوحيد؛ سواء قلتم «يا علي» أم قلتم «يا الله»؛ فما الفرق؟! إن كان المقصود بأمير المؤمنين حقيقة ولايته، والولاية ليست منفصلة عن التوحيد، فلماذا تقولون «يا علي»؛ قولوا «يا الله» حتّى تكونوا قد عملتم بالتوجيهات أيضًا. 

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

4
  • هذا يُسمّى انحرافًا! فالانحراف يعني أن يكون الإنسان ملكيًّا أكثر من الملك، وأن يعتبر نفسه وصيًّا على الدين فيما هو أبعد ممّا أُمر به. وكلّ هذه انحرافات! 

  • نفي حاجة الإمام عليه السلام إلى الوضوء

  • لقد رأى ذلك الرجل هذا الموقف منّي، لكنّه أخذ الرجل إلى المرحوم العلّامة ـ وقد مضت هذه القضيّة الآن، ونحن اليوم نرى آثار طريقة التفكير تلك! ـ وسمعنا أنّ المرحوم العلّامة غضب منه أيضًا. فقد جلس عند المرحوم العلّامة وقال: «إنّ الوجود المبارك للأئمّة عليهم السلام لا يُحدِث۱ أصلاً؛ فالأئمّة لا يحتاجون إلى الوضوء!». 

  • فقال المرحوم العلّامة: «كلّا، هم أيضًا يجب عليهم أن يتوضّؤوا وهم أيضًا يُحدِثون». لقد ظنّ أنّه لأنّ الإمام إمام، فلا يُحدِث. فأيّ تفكير خاطئ وجاهل هذا الذي تنزّلون به مرتبة الإمام إلى هذه المسائل؟! هذا ليس بشيء؛ هذا أمر عاديّ. الإمام إذا لم يأكل يموت. لو أغلقتم فم هذا الإمام نفسه، لاختنق بعد دقيقة. ألم يقطع هذا الشمر رأس الإمام الحسين عليه السلام وسال الدم من جسده واستشهد٢؟! وهذا ابن ملجم نفسه جاء وضرب بسيفه على مفرق أمير المؤمنين عليه السلام، ومضى إلى رحمة الله بسمّ السيف٣. وهذا الإمام المجتبى عليه السلام نفسه تقطّعت كبده بسمّ معاوية٤. حقًّا، أيّ جهل هذا؟! هذه مشاكل! ولا تظنّوا أنّنا لسنا مبتلين، فنحن أيضًا مبتلون بهذه القضايا على طريقتنا؛ نحن لا نعرف ما هو الحقّ، لقد أدخلنا الحقائق في هذه المسائل بأفكار طفوليّة وصبيانيّة وهذه الأفكار المنحطّة، ونحن ننزّل مقامًا رفيعًا إلى هذه الأمور، كأن نقول مثلًا إنّ الإمام لا يبول أو أنّ بول الإمام كذا! إنّ بوله هو أيضًا من مادّة اليوريا وحمض البوليك.

  • تصوير صفات كماليّة خاصّة للمعصوم في بدنه

  • في إحدى الليالي، قال المرحوم العلّامة أمورًا لم يكن قد قالها حتّى ذلك الحين! كانت تلك الليلة عجيبة جدًّا. كان حديثه: «نحن نتخيّل أنّ قامة الإمام صاحب الزمان عليه السلام يجب أن تكون في أعلى المستويات القياسيّة، لا طويلة مملّة ولا قصيرة مخلّة، وحاجباه عندما نضع المسطرة والمليمتر يجب أن يكونا في أفضل هيئة، وأنفه يجب أن يكون كذا، وشفتاه كذا، ولون بشرته كذا؛ هذا من هذا الجانب. ومن الجانب الآخر، شرق العالم في يده، وغرب العالم في يده، وعندما يتحرّك تكون جميع الملائكة في يده. [لكن لو رأينا هذا الإمام نفسه قد واجهته مشكلة خاصّة وطلب منّا المساعدة] فإنّنا لا نستطيع أن نقبل! هذا بسبب جهلنا. هذه هي النظرة التي لدينا تجاه الإمام».

    1. المراد من الحدث بحسب الاصطلاح الفقهيّ هو ما يوجب الوضوء والغسل كالبول والغائط والجنابة (م).
    2. مقتل الحسین علیه السّلام، الخوارزمي، ج ٢، ص ٤٢.
    3. الإرشاد، ج ١، ص ٢٠.
    4. الکافی، ج ١، ص ٤٦٢.

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

5
  • هل فهمتم الآن لماذا كانوا في الماضي يسيئون الأدب مع الأئمّة عليهم السلام؟! لأنّ الأئمّة كانوا أمام أعينهم. نحن نعبد إمام الزمان عن بُعد، نحن نعبد إمام الزمان الغائب ونمدحه ونتقرّب إليه؛ لا إمام الزمان الذي في متناولنا، لا إمام الزمان الذي نتعامل معه كلّ صباح ومساء! ولن أوضّح أكثر من هذا. فهذا بسبب جهلنا، وهذا بسبب حماقتنا تجاه مقام الإمام!

  • رأيت في إحدى الروايات أنّ سيّد الشهداء عليه السلام كان طفلاً عمره سنة أو سنتان، كان رضيعًا، فبال في حجر النبيّ صلّى الله عليه وآله. فقام النبيّ وغسل ثوبه وطهّره۱. فاعترض بعض هؤلاء أنفسهم في مجلس آخر قائلين: «هل هذا ممكن؟! مستحيل أصلاً! هذا كذب، هذه الروايات من الإسرائيليّات، لا سند لها!». حسنًا، إنّه طفل صغير، قضى حاجته وبال على ثوب النبيّ، فقام النبيّ صلّى الله عليه وآله وغسله؛ هذا لا مشكلة فيه. هذا الطفل نفسه يكبر وينمو ويصبح سيّد الشهداء الذي لا يساوي شرق العوالم وغربها شعرة من جسده! هذا الطفل نفسه يكبر ويشفع لجميع الأوّلين والآخرين يوم القيامة! 

  • كلّ ذاك النحو من التفكير هو بسبب جهلنا! فالجاهل والذي لا علم له بالمسائل، يأتي ويمزج ويخلط تلك المعاني العالية والراقية والعميقة بالخيال والمسائل الطفوليّة والصبيانيّة ويقدّم أمورًا عجيبة! ولكن لو تغيّر الأمر قليلاً أمامه، لتغيّر الأساس كلّه فجأة؛ لأنّه بنى الأساس على هذا.

  • في ذلك المجلس، قال ذلك الرجل: «الإمام لا يُحدِث أصلاً! والوضوء الذي يتوضّأه، إنّما هو من أجل الناس!». 

  • فقال المرحوم العلّامة: «كلّا، هذا خطأ! الإمام يُحدِث أيضًا، ويجب عليه أن يتوضّأ مثل بقيّة الناس، ولا يمكنه أن يمسّ القرآن بيدٍ غير متوضّئة». 

  • ثمّ واصل هذا الرجل نفسه الحديث وقال: «الحمد للّه، من الفضل الذي منّ الله به عليّ، هو أنّني أرى أنّني لم أعد أقدر على المعصية!». 

  • فقال المرحوم العلّامة: «هذه أكبر معصية أنت مبتلى بها! هذا الشعور بأنّك لم تعد تستطيع أن تعصي، هو أعظم ذنب لن تستطيع الخروج من بئره!». 

  • ومع كلّ هذا فقد أخذني ذلك الرجل إلى مجلسه! وطريقة التفكير هذه ما زالت موجودة.

    1. معانی الأخبار، ص ٢١١؛ مثیر الأحزان، ص ١٧.

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

6
  • لا توجّه أثناء الصلاة حتّى إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله

  • كلّ هذا بسبب أنّه كما أنّ ذلك الجانب الواقعيّ والحقيقيّ لعالم التكوين في مكانه، فلا بدّ أن يكون التشريع أيضًا منطبقًا عليه. فتكوين الإنسان الآن هو هكذا وبهذه الكيفيّة من الارتباط بالله وحده، فيجب أن يكون التشريع متّجهًا نحوه. لذا، لا ينبغي للإنسان في الصلاة أن يأخذ حتّى النبيّ صلّى الله عليه وآله بعين الاعتبار؛ فلو فعل ذلك، لوقع التكوين والتشريع في تقابل. يجب على الإنسان أن يتوجّه إلى مبدأ واحد فقط؛ لأنّ الرسول وسيط ولا يريد أن يدعو الناس إلى نفسه، رسول الله يريد أن يدعو الناس إلى الله. أي إنّ الكاتب هو رسول الله، والرسالة يكتبها رسول الله؛ ولكنّ الهدف هو الله. هو يأتي بالرسالة إلى باب منزلك: نحن ندعوك ولكن إلى منزل المعبود، لا إلى منزلنا.

  • الكاتب هو النبيّ، والرسول هو النبيّ، والمبعوث هو النبيّ، والقرآن جاء من نفس النبيّ؛ ولكن المقصد هو آخر. 

  • وسأبيّن كيف يجب أن يؤخذ هذا نفسه بعين الاعتبار. فلو جاء النبيّ وجعل نفسه المقصد، لسقطت الحجيّة عن هذه الرسالة ولسقطت الحجيّة عن هذا القرآن. ونحن نرى أنّ جميع الأئمّة كانوا كذلك. أصلًا، الإمام يعني هذا؛ الإمام يعني أنّه يوجّه إلى الآخر، لا إلى نفسه.

  • علّة اعتقاد ضرورة تصوّر الأستاذ حين الصلاة

  • قول هؤلاء: «يجب في الصلاة أن نأخذ صورة الأستاذ وصورة المرشد بعين الاعتبار»، فهذا شرك محض! هذا انتقال من الباطن إلى الظاهر. هذا خداع من الإنسان لنفسه بالظاهر. هذا اهتمام بالظاهر، لأنّه لا يصل إلى ذلك الباطن. هذا لأنّه يرى أنّه لو أراد الوصول إلى تلك الحقيقة لاحترق، لذا يغرق نفسه بهذه المسائل حتّى تطمئنّ! كلّ هذا لهذا السبب؛ وإلّا فإنّ تلك الحقيقة وذلك النور التوحيديّ لا يُبقي شيئًا: «التَّوْحِيدُ نُورٌ يُحْرِقُ» التوحيد نار تحرق ما سوى الله. أي إنّه لا يُبقي أستاذًا، ولا يُبقي صديقًا، ولا يُبقي زوجة، ولا يُبقي ابنًا، ولا يُبقي نبيًّا، ولا يُبقي إمامًا، ولا يُبقي جبريل الذي هو في مراحل تلي الإمام. هذا هو معنى التشريع. في التشريع، جميع عباداتنا، وجميع فروعنا، وجميع مسائلنا، متّجهة إلى ذلك المبدأ. 

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

7
  • وهذا يصبح معيارًا ومقياسًا ليتمكّن الإنسان من تشخيص مكانة الأفراد في مراتب معرفتهم، ليرى في هذه التقلّبات والتذبذبات، إلى أيّ حدّ يدعون إلى الغير وإلى أيّ حدّ يدعون إلى أنفسهم، وما هو مقدار ذلك وخصوصيّاته.

  • عدم إهمال التشريع لحقوق الوسائط في التدبير

  • في هذه السلسلة التكوينيّة، نرى أنّ الله تعالى قد وضع مراتب لنزول نور الوجود في قوالب الممكنات المتعيّنة. وبما أنّ هذه المراتب لها حقيقة وأصالة في مقام التكوين، فيجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في نظام التشريع أيضًا. طبعًا في الأصالة، لا الاستقلال؛ لأنّ الأصالة والاستقلال شيئان مختلفان. الأصالة تعني أنّها واقعيّة وليست عدمًا؛ ولكن هذا الواقع متدلٍّ ومتّكئٌ على ذلك الواقع الأوّل. إذًا هي أصيلة ولكنّها ليست مستقلّة.

  • إنّ رعاية الوالدين، بعد عبادة الله، من أهمّ المسائل؛ لأنّ الوالدين مؤثّران في نظام تكوين الإنسان. فلو سخط أبٌ على ابنه، يُسدّ طريق الابن. ولو كانت أمٌّ غير راضية عن ابنها، يُسدّ طريق الابن. طبعًا، عدم الرضا بحقّ، لا عدم الرضا الناتج عن خطأ؛ فذلك غير مؤثّر. لأنّه قد تكون الأمّ غير راضية عن ابنها بناءً على فكر خاطئ ومغلوط؛ مثلما كان للمرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ مسائل مع والدته۱

  • لقد قرن الله في القرآن الكريم احترام الوالدين ورعايتهما بعبادته؛ لأنّهما في سلسلة التكوين٢. وهذا الدين هو دين الحقّ. الدين الحقّ والدين الكامل ليس ذلك الدين الذي يأخذ مكانًا واحدًا فقط بعين الاعتبار ويقول: «اركل هذا وذاك وتقدّم إلى الأمام، وانظر فقط إلى الأعلى»؛ بل هو ذلك الدين الذي يقول: «في عين أنّ هدفك ومقصدك هو الله، عليك أن تؤدّي حقّ هؤلاء في سياق ذلك الحقّ؛ فإن لم تفعل، فلم تؤدّ حقّي!». يجب أن يكون المقصد في نظرك، والهدف في نظرك، ولكنّ الغفلة عن هذا، هي غفلة عن ذلك الهدف. هذا هو معنى الدين الكامل.

  • جميع الملائكة المقرّبين هم في السلسلة الطوليّة، لذا تراهم يُذكرون في الصلاة٣. النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هو في السلسلة الطوليّة، لذا تراه يُذكر في الصلاة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ». أي إنّها عناية بأوّل مرتبة من فيض الله التي جاءت من الوجود المقدّس لذلك النبيّ، وآله الذين هم مراتب الفيض؛ يجب أن يُذكر اسمهم. يجب أن يُذكر اسم الملائكة: «السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَىٰ عِبادِ اللهِ الصّالِحِينَ»؛ هؤلاء الذين نفوسهم مؤثّرة في السلسلة الطوليّة لتربية الإنسان وتزكيته، يجب أن يُذكر اسمهم جميعًا. وفي الأدعية أيضًا عندما تُذكر أسماء الأنبياء، فكلّ ذلك بسبب السلسلة الطوليّة. ولكن في الوقت نفسه، يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله: يجب أن تحترم ثلاث فئات: الأولى الوالدان؛ والثانية الأستاذ والمعلّم يجب أن تحترمه؛ وكذلك من يربّيك٤.

    1. نقباء البشر، ج ١٧، ص ٨٧.
    2. سورة البقرة (٢) الآیة ٨٣؛ سورة النساء (٤) الآیة ٣٦؛ سورة الأنعام (٦) الآیه ١٥١؛ سور الإسراء (١٧) الآیة ٢٣.
    3. انظر من باب المثال ما في الدعاء الثالث من الصحيفة السجّاديّة
      اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَلا يَسْـأَمُـونَ مِنْ تَقْـدِيْسِكَ، وَلا يَسْتَحسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَلاَ يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَلا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إلَيْكَ وَإسْرافِيْلُ صَاحِبُ الصُّوْرِ الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الاذْنَ، وَحُلُولَ الامْرِ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى رَهَائِنِ الْقُبُورِ، وَمِيكَآئِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ، وَالْمَكَانِ الرَّفِيعِ مِنْ طَاعَتِكَ، وَجِبْريلُ الامِينُ عَلَى وَحْيِكَ، الْمُطَاعُ فِي أَهْلِ سَمَاوَاتِكَ، الْمَكِينُ لَدَيْكَ، الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ عَلَى مَلائِكَةِ الْحُجُبِ، وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْرِكَ، فَصَلِّ عليهم وَعَلَى الْمَلاَئِكَـةِ الَّـذِينَ مِنْ دُونِهِمْ مِنْ سُكَّـانِ سَمَاوَاتِكَ، وَأَهْلِ الامَانَةِ عَلَى رِسَالاَتِكَ...
    4. تفسیر روح البیان، ج ٢، ص ٢٦؛ جامع السعادات، ج ٣، ص ١٤٠؛ الغدیر، ج ١، ص ٣٦٩.

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

8
  • هذا لأنّ سلسلة التشريع يجب أن تتطابق مع التكوين. لذا، في كثير من المواضع والحالات التي نراها، فإنّ هذا النظام التكوينيّ الذي يعتمد فيه كلّ شيء على ذات الله، قد أخذ الله تعالى هذه السلسلة بعين الاعتبار من وجهة نظر مقام التربية والتشريع أيضًا؛ إلّا أنّ الفرق بين الموحِّد وغير الموحِّد هو أنّ الأوّل ينظر إلى هذه السلسلة ويأخذ حقيقة واحدة بعين الاعتبار، أمّا غير الموحِّد فينظر إلى هذه الأمور ويعطيها استقلاليّة.

  • لزوم التوكّل والاتّكاء على الله لمطابقته مع نظام التكوين

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام هنا: «الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي». فمن وجهة نظر سلسلة التكوين، أوكل الله عباده إلى نفسه، وبما أنّه هو المبدأ الفيّاض، وخارج عن الحبّ والبغض والأهواء النفسانيّة وطلب المنفعة والأنانيّة وأمثال ذلك، فعندما يوكل الأمر إليه، يكون جديرًا بالإكرام وهو يكرم أيضًا. أمّا الآخرون فهم عرضة للتقلّبات والحبّ والبغض والأنانيّة وأمثال ذلك؛ فتارة يعطون وتارة لا يعطون، وتارة يكرمون وتارة لا يكرمون، فإذا كانوا مرتاحي البال قالوا: «تفضّل بالدخول»، وإذا كانوا مشغولين وجب عليك أخذ موعد لمدّة شهر.

  • الناس هكذا! حتّى الأمس لم تكن تحبّ أن تسلّم عليه لأنّه لم يكن يُحسب له حساب، أمّا الآن فيبقيك منتظرًا عند الباب لمدّة شهر! هؤلاء «يُهِينُونِي». إذًا، لو اتّكل الإنسان على غير الله وتوكّل عليه اطبق عليه قوله «يُهِينُونِي!». فالناس هكذا. وبما أنّ الأمر كذلك، فلماذا يعتمد الإنسان على الآخرين بدلاً من الاعتماد على الواحد؟! أولئك الآخرون الذين يكونون حول الإنسان ما دامت مصلحتهم موجودة؛ وما إن تنتهي مصلحتهم، لا يسألون عنه أصلاً! هذا لا فائدة منه. لذا، على الإنسان أن يبحث عمّن يسأل عنه دائمًا؛ لا من يأتي ويطرق الباب كلّما جاع، ولا من يقوم ويأتي كلّما احتاج. يجب على الإنسان أن يتبع من يهتمّ به في الشبع والجوع، ويعطف عليه في الشدّة والرخاء.

  • قلت لأحدهم قبل فترة: «أنت الذي لديك الآن علاقة بفلان، أعد النظر في هذه العلاقة! هو الآن يحتاج إليك ولذلك لديه هذه العلاقة معك؛ فلو استغنى، لما اعتدّ بك». ولكنّه لم يأخذ كلامي على محمل الجدّ. فوصل به الأمر إلى أن أدرك الآن أنّ كلّ ذلك كان مبنيًّا على الحاجة. أمّا سلوك الوليّ الكامل، فليس مبنيًّا على هذا الأساس؛ ففيه من صفات الله وصفات الرحمن، والذين يتّكلون عليه هم محلّ إكرام ولا يُهانون.

وجوب الاتّكاء على الحقّ تعالى - تصوّرات خاطئة حول حقيقة الإمام عليه السلام

9
  • الإمام عليه السلام هكذا. النبيّ والإمام عليهما السلام متّصفان بالصفات الرحمانيّة ومظهر لصفات الله، وكلّما ذهبت إلى باب بيتهما، تراه مفتوحًا، وتراه موجودًا في السرّاء والضرّاء؛ لأنّه مرآة تامّة للّه، والله له هذه الخصوصيّة وليس كبقيّة الأفراد.

  • لم نكن ننوي الحديث هذه الليلة، ولكنّنا أتينا إلى هنا والحمد للّه، مدد الرفقاء دفعنا للحديث. واطمئنّوا أنّ هذه العبارة لن تُبيَّن ولن يُوضَّح معناها بلسان أخرس مثلي. كلام الإمام السجّاد عليه السلام يجب أن يفسّره الإمام السجّاد نفسه، وأن نأتي نحن ونريد أن نقدّم معنى وترجمة حرفيّة، فهذا لن يعود علينا إلّا بالخجل والفضيحة! لذا، نكتفي بهذا المقدار؛ لأنّ الاستمرار قد لا يكون ميسورًا. لذا، ننهي شرح دعاء أبي حمزة لهذا العام عند هذا الحدّ.

  • وإن شاء الله ووفّقنا لأن نفسّر دعاء أبي حمزة بهذه الكيفيّة، أظنّ أنّ الأمر قد يستغرق مائة أو مائة وخمسين عامًا أو أكثر! حقًّا، كلّما فكّرنا، نرى أنّ عمق كلماتهم بنحوٍ كلّما أردنا أن نغوص فيه، كنّا كالغريق الذي يتخبّط حول نفسه ولا يجد سبيلاً إلى أيّ مكان.

  • نأمل أن يأخذ الله بأيدينا ببركة تلك النفوس القدسيّة التي رحلت ووصلت ولمست هذه المعاني وذاقتها وتحقّقت بها وأصبحت جزءًا من ذاتها، بل أصبحت ذاتها، وألّا يقطع أيدينا عنهم، وألاّ يحرمنا من شفاعتهم في الدنيا والآخرة، وأن يذيقنا جرعة من ذلك النبع الذي ارتَوَوْا منه!

  •  

  • اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ