المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/19
التوضيح
لماذا لا يُستجاب دعاؤنا إلاّ عند الله؟ وكيف يخذلنا الآخرون بسبب أنانيّتهم؟ ما هو الموقف الصحيح من مهر السُنّة في ظلّ الظروف المعاصرة؟ وكيف نميّز الوليّ الإلهيّ الحقيقيّ عن غيره؟ وما هي مراتب الأعاظم؟ يُجيبك العلّامة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة، مُستلهمًا من فقرات دعاء أبي حمزة الثماليّ
هوالعلیم
لا مجيب إلا الله
مهر السُنّة وشروط عقد الزواج
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة العاشرة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيم
بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين
والصّلاةُ والسّلامُ علىٰ سيِّدِنا ونبيِّنا
وحبيبِ قُلوبِنا وطبيبِ نُفوسِنا أبِي القاسمِ مُحمّدٍ
وعلىٰ أهلِ بيتِه الأطيَبينَ الغُرِّ المَيامين
واللّعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمَعين
الأصل الثابت الذي لا يتغيّر: عدم إمكان استجابة الدعاء في غير الساحة الربوبيّة
«الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لا أَدْعُو غَيْرَهُ، وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعائِي»
الحمد مختصٌّ بإلهٍ لا أستطيع أن أدعو غيره، فليس باستطاعتي دعاء غير الله؛ ولو دعوتُ غيره فلا فائدة في ذلك، ولن يستجيب دعائي.
«وَالحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لا أَرْجُو غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجائِي»
وكذلك الحمد مختصٌّ بربٍّ لا أستطيع أن أرجو غيره؛ وعلى فرض أنِّي رجوتُ [غيره]، فإنّه سيُبدّل رجائي يأسًا، وسيفعل خلاف ما أرجوه.
هاتان الفقرتان متشابهتان. إنّ عبارة «لا أدعو» هنا ليست بمعنى مجرّد الحكاية والإخبار [عن أنّي لا أفعل ذلك]؛ بل بمعنى أنّ عدم الطلب وعدم الدعاء ناشئٌ عن عدم الإمكان وعدم الاستطاعة.
ولماذا هو كذلك؟! لماذا لا يغيث الناسُ الآخرون الإنسان؟! ولماذا لا يحقّق الآخرون أمنية الإنسان؟! لماذا إذا دعونا غير الله، فإنّهم لا يستجيبون؟! وما الإشكال في أن يستجيبوا؟! ما الإشكال في أن يأتي إنسان ويستجيب دعوة مؤمن، أو يستجيب دعوة غيره؟! أو إذا عقد أحد ما أملًا على إنسان أو كانت له أمنية، فما الإشكال في أن ينجز له عملاً ما؟!
يذكر الإمام السجاد عليه السلام هذا الموضوع بصفته قضيّة مستمرّة ومسألة ثابتة، حيث عبّر عنه بالفعل المضارع؛ أي إنّه يحكي عن الاستمرار. والاستمرار يدلّ على طبيعة القضيّة، والمقتضى الأوّلي فيها هو هذا.
الأصل الأوّلي الثابت في كلّ مسألة، والأصل الثانوي المتغيّر والمتأثّر بالظروف
لدينا أصلان؛ أصلٌ ثابت وأوّلي، وأصلٌ متغيّر وثانوي. يقولون: إنّ الأصل الأوّلي في العلاقات والمسائل الاجتماعيّة هو الإيثار والإنفاق والصفح وتلبية الحاجات، بناءً على تلك الاستعدادات الفطريّة التي أودعها الله في وجود الإنسان والتي هي جزء من الفطريّات. تقتضي الاستعدادات الفطريّة والفطرة أن يساعد الإنسان ابن نوعه، وعندما يكون قادرًا على إنجاز عمل ما، يذهب وينجزه.
تقبل جميع الأقوام والملل بهذا الأمر، وكلّ إنسان إذا رجع إلى وجدانه وفطرته ـ شريطة ألّا تكون قد تلوّثت ـ فإنّه يجد هذا الأصل الأوّلي في وجوده. بالطبع، نرى لاحقًا أنّ هذا الأصل الأوّلي يترك مكانه لأصل ثانوي، وذلك بفعل التربية وظروف الزمان والمكان. ذلك الأصل الثانوي هو ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام: «إِذَا اسْتَوْلَى الفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ»۱؛ فإذا رأيت الفساد قد غلب على أهل زمانٍ ما، فإنّ حُسن الظنّ بهؤلاء خطأ.
عندما يصبح أكثر أهل الزمان فاسدين ومحتالين، يغشّون في المعاملات، والأخ لا يرحم أخاه، والابن لا يرحم أباه، والصديق يحتال على صديقه، فلا ينبغي أن نحسن الظنّ بهم. ولكن في السابق كانوا يقولون: لو أنّ إنسانًا جاء من مدينة كذا في بلاد الهند إلى إيران واشترى سلعة ولم يكن يملك مالًا، لقال له الإنسان: «اذهب وأحضره متى ما استطعت!». أمّا الآن، فلو أراد جاره أن يعطيه صكًّا، فإنّه لا يقبله ويقول: «سيحتال عليَّ! من سيذهب لمتابعته واستحصاله؟! وماذا عسانا نفعل به بعد ذلك؟!». على أيّ حال، للأسف أصبح هذا الأمر عامّ البلوى، وصار عجيبًا جدًّا!
في ليالي الثلاثاء التي كان للمرحوم العلّامة حديثٌ فيها في مسجد القائم، للأسف لم يعد أيّ شيء من تلك المواضيع في متناول اليد الآن؛ ففي ذلك الوقت لم يكن هناك أشرطة تسجيل أصلًا، ولا أجهزة تسجيل، ولم يكن يتمّ تدوين أيّ ملاحظات. بعد مرور سنوات، فكّرنا في أن نسجّل له بعض الأشرطة سرًّا بين الحين والآخر، والحمد للّه كنّا موفّقين إلى حدٍّ ما. بعض الأشرطة ودعاء الافتتاح وشرح دعاء أبي حمزة وبعض الأحاديث التي كان يلقيها أو بعض جلسات ليالي شهر رمضان التي كان يتشرّف بها في مشهد، كنّا نسجّل صوته سرًّا، وهي موجودة الآن، وفيها مواضيع هي حقًّا مواضيع في غاية [الروعة].
في إحدى ليالي الثلاثاء هذه، كان الحديث عن الإيثار والصفح والتضحية... وأنّ الناس قد تغيّروا أصلًا، وأنّ تلك الحالة والأجواء قد ولّت؛ لقد ذهب ذلك الصدق، وذهب ذلك الصفاء، وذهبت تلك الثقة، وذهبت تلك الوحدة، لقد أصبح الأمر مختلفًا حقًّا! كان يقول:
كان لنا خالٌ يعمل في سوق الجلود؛ يصنع الحقائب والأحذية وغيرها. في ذلك الوقت لم تكن هناك عمليّات جراحيّة وعلاجات حديثة، فكان يصنع من الجلد تلك الأحزمة الخاصة بالفتق، ولذلك كان يراجعه الكثيرون. وكان رجلًا شديد الصلاح، وكان لديه عمّال جميعهم من المصلّين... .
عندما كان يأتيه مشتر ما، كان يقول له: «لقد كلّفني هذا المبلغ، ومهما تدفع له ثمنًا فأنا راض!». فكان أحدهم يقول: «يا سيدي، خذ على هذا ربحًا مقداره ”دو زار“ [عملة قديمة]». فيقول هو: «بارك الله!». وكان آخر يقول: «خذ ربحًا مقداره خمسة ”زار“». فيقول هو أيضًا: «بارك الله!». لم يكن يحدّد أيّ سعر أصلاً، فقط كان يقول بصدق وأمانة: «يا سيدي، لقد كلّفني هذا المبلغ، وهذا المبلغ أجرة التلميذ، وهذا المبلغ ثمن الجلد».
هكذا كان طبعه؛ أي إنّ عمله كان على هذا النحو. كان بعضهم يأتي ويقول: «ليس لديّ ما أدفعه ربحًا!».
فيقول هو: «لا تدفع، خذه واذهب!»،
ولم يكن يأخذ أيّ ربح أصلاً! وكان البعض الآخر يأتي ويقول: «لا أستطيع حتّى دفع ثمنه الأصليّ!».
فيقول: «لا بأس». مثلًا، لو كان قد كلّفه عشرة تومانات، فيقول [المشتري]: «لديّ ثمانية تومانات!».
فيقول: «أعطِ هذه الثمانية تومانات فقط»، ويتكبّد هو خسارة تومانين.
وكان البعض يأتي، وعلاوة على أنّهم لا يملكون شيئًا، كان هو يعطيهم، ثمّ يجلس ويبكي عليهم بكاءً طويلًا! كان هذا رائعًا جدًّا! كان يعطي الجلد ولا يأخذ المال، ويشفق عليه ويبكي.
لماذا ترك الناس ”مهر السنّة“؟
في السابق كانوا هكذا. كانوا يزوّجون ابنتهم، فيقول [والدها]: «هذه أَمَتُك!»،
ويقول الآخر: «وهذا عبدك!». «ليكن هناك قطعة كبيرة من السكر كمهر، وإن شاء الله فلتأخذها إلى مكّة أيضًا!»؛ لم يكن هناك أيّ خلاف أو أيّ مشكلة أصلاً. أمّا الآن، فعندما يريدون تزويج فتاة، فإنّهم يضعون من هنا إلى هناك شروطًا وقيودًا: ماذا ستفعل في العام القادم، وإلى أين ستأخذها بعد عامين، وأيّ أرضٍ ستسجّل لها، ويجب أن تكون منفصلة عن بيت أبيك وأمّك، ويجب أن تكون كذا، ويجب أن تَعِد بأن تفعل كذا، وأن تعمل هي خارج المنزل! ويُغالون في الأمر ويُحكِمون القضيّة! فما القضيّة؟! واللهِ إنّ الأمر لا يستدعي كلّ هذه الأشياء!
كان المرحوم العلّامة يقول: كان والدنا عندما يريد تزويج ابنة له، يستدعي ذلك الصهر ويقول له: «تفضّل إلى هنا!». فيتحدّث معه قليلاً، فإن رأى أنّه ليس رجلاً سيّئًا، يقول: «انظر يا بنيّ، ما نريده من صهرنا هو ذرّةٌ من الدين وذرّةٌ من الغيرة؛ والسلام، لا نريد شيئًا آخر!». الآن، يُتحدَّث عن كلّ شيء إلّا عن هذين الأمرين! لا يُتحدَّث عن الغيرة: كيف ستعامل زوجتك؟ كيف ستُخرجها وتُدخلها؟ هل ستُجلس زوجتك على مائدة غير المحارم؟! وإذا دخل الغرباء إلى منزلك وسلّموا على زوجتك، فهل ستردّ عليهم؟! الآن، تقف السيّدة أمام المرآة وتتدرّب لمدّة شهر على كيفيّة التعامل مع الرجال، وكيفيّة إلقاء السلام! وإن لم يفعلن ذلك، يُقال لهنّ متخلّفات ومتحجّرات! هكذا يقولون اليوم. هذه هي مسائل اليوم؛ وأمّا الدين، فالفاتحة مع الصلوات! أين الدين؟! هذه هي الغيرة وذاك هو الدين!
سابقًا لم يكن الأمر كذلك، لقد تغيّر الآن. للأسف، أضافوا الآن شروطًا إلى عقود الزواج: «إذا غبتَ ستّة أشهر، فللزوجة الحقّ في الطلاق! إذا أصبحتَ مدمنًا، فللزوجة الحقّ في الطلاق!». منذ البداية، وقبل أن يقول السيّد ”بسم الله“، يطرحون مسألة الطلاق! هذا لا يُعدّ عملاً! أنتم تريدون أن يتزوّج هذان، ومن البداية تطرحون مسألة الطلاق؟! فأيّ زواج هذا؟! يعني أنّها منذ البداية قد وضعت هذا السهم في القوس، فإن ذهبتَ يمينًا أطلقته، وإن ذهبتَ يسارًا رميتُك به.
هذا هو الزواج! في النهاية، ألم يكن بإمكان النبيّ أن يقول إنّ الطلاق بيد المرأة؟! ألم يكن للأئمّة لسان ليقولوا إنّ الطلاق بيد المرأة؟! لماذا قالوا من البداية: «الطلاق بيد الرجل»۱؟ هل فهمكم أسمى من فهمهم؟! كان بإمكانهم هم أيضًا أن يقولوا: يمكن لهذه المرأة أن تشترط شرطًا ما! فلماذا لم يفعلوا؟! لأنّهم أصلاً لم يريدوا أن يُذكر اسم الطلاق في العقد منذ البداية، ولم يريدوا أن تُطرح هذه المسألة!
طبعًا، هذه المسألة لا ينبغي أن تبقى هكذا دون رقابة ومتابعة. ففي هذا العام الذي كنت فيه في لبنان، كانت السيّدات المحترمات يأتين في أيّام كثيرة ويطرحن أسئلتهنّ. كنّ حوالي ثلاثين أو أربعين امرأة، وكانت لدينا معهنّ جلسة أسئلة وأجوبة يومين أو ثلاثة في الأسبوع. وبطبيعة الحال، كانت أغلب المسائل التي كنّا نناقشها مع السيّدات تدور حول هذه القضايا الحقوقيّة الأسريّة. وكانت تُطرح إشكالات ومسائل مطروحة في العالم وشبهات تُثار في هذا الخصوص. في أحد الأيّام عندما تحدّثنا عن ”مَهر السُنّة“، استشاط الكثير منهنّ غضبًا: «إنّ مَهر السُنّة هذا هو ما يجعل الرجل يطلّق فورًا! فما إن تقع عينه على امرأة أخرى، حتّى يترك هذه ويقول: ”مَهرها قليل، نتركها ونذهب لنتزوّج امرأة أخرى“».
طبعًا، كنّ على حقّ إلى حدٍّ ما؛ ولكن لهذه الأمور إجابات. فقد قلت: انظرن، لا يمكننا أن ننظر إلى أحكام الإسلام من بُعد واحد ومنظور خاصّ ونهمل الأبعاد الأخرى. فعندما يقول الإسلام: «زوّج ابنتك بمَهر السُنّة»، فإنّ هذا يعني بناء الحياة على أساس ظروف إسلاميّة. لنفترض أنّك تعلم أنّك إذا زوّجت ابنتك لهذا الشابّ، فإنّه سيطلّقها بعد عامين؛ ففي هذه الحالة، لن تزوّجه ابنتك أبدًا، وإن فعلت فأنت مجنون! وإذا زوّجت ابنتك لشابٍّ وأنت على يقين أنّه سيطلّقها بعد عامين، سيقولون عنك مجنون؛ وإذا أردت أن تزوّجه إيّاها، فلن تفعل ذلك بمَهر السُنّة؛ ستقول: «اجعل مَهرها لعامين ثلاثين مليونًا أو أربعين مليونًا!». لأنّه يجب أن يكون هناك توازن بين العِوَض والمُعوَّض.
ولكنّ مَهر السُنّة قد شُرِّع لفئة يكون فيها أمير المؤمنين عليه السلام طرفًا في القضيّة، والطرف الآخر هو السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وهو لأولئك الذين يريدون السير على هذا الأساس، والتحرّك وفقًا لمنهاج أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء عليهما السلام؛ ولذلك قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «نزل عليَّ جبرئيل وقال: ”اجعل مَهر ابنتك مَهر السُنّة حتّى تتأسّى بك الأمّة ويجعلوا المَهر قليلًا“».۱ أي في ظروف التأسّي بمنهج أمير المؤمنين ومنهج السيّدة الزهراء عليهما السلام.
الحلول الإسلاميّة لمنع استغلال السنن الإسلاميّة
والآن، إذا أراد زوج أن يستغلّ هذه القضيّة، فإنّ الإسلام يمنعه؛ فهنا لدينا قاعدة «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ»٢. لا يحقّ لك أن تقول لأنّ مَهر زوجتي هو مَهر السُنّة، فيمكنني أن أضربها! إن كنت تريد أن تضربها من أجل مَهر السُنّة، فاضرب إن استطعت! وإن كنت تريد أن تطلّقها، فطلّق إن استطعت! ولكن عليك أن تدفع لها مَهرًا لا يلحق بالمرأة ضررًا! وهذه مسائل لم تُطرح أصلًا حتّى الآن. يُطلَق على هذه الشروط اسم ”الشروط الضمنيّة“ في تبادل العِوَض والمُعوَّض (العوضين)، وهي جزء من الشروط الضمنيّة.
عندما تريد فتاة أن تتزوّج من شابّ، فإنّها تتزوّج بنيّة استمرار الحياة، لا بنيّة أخرى؛ ولذلك، إذا تخلّف الزوج عن هذا الشرط الضمنيّ، فإنّه يترتّب عليه ضمان بمقتضى التخلّف عن هذا الشرط الضمنيّ، وإذا رأى الحاكم الشرعيّ أنّ هذا الطلاق كان بتقصير من الرجل، فإنّه يعتبره مجرمًا ويأخذ حقّ الفتاة منه، حتّى لا يظنّ أنّ مَهر السُنّة هكذا! وسوف يعاقب! فهذه هي وظيفة الحكومة الإسلاميّة ووظيفة المحكمة.
أو لنفترض أنّ فتاةً عُقد عليها عقد متعة لمدّة خمسين عامًا لرجل ما، وحدّد لها مَهر السُنّة. فعقد الخمسين عامًا يعني الدوام، لا أن يتركها في اليوم التالي ويذهب. طبعًا، في عقد المتعة، حقّ الفسخ بيد الرجل۱، ويمكن للرجل أن يقول: «لقد وهبتك الخمسين عامًا!». ولكن هذا الشرط الذي هو شرط ضمنيّ، يأتي هنا ويقول: «أنا عندما أتيت وتزوّجتكَ متعة لخمسين عامًا، لم آتِ على أساس أن تطلّقني غدًا وتهبني المدّة وتقول: ”في أمان الله!“ وإلّا لكنتُ مخطئة بالقبول! فهل أتزوّجك متعة لخمسين عامًا ثمّ تحدّد مَهر السُنّة وبعدها تقول لي غدًا: ”في أمان الله“؟! لو كانت لديك ابنة وقال لهها زوجها هذا، فهل كنت ستزوّجها بهذه الطريقة؟! لا! فأنا لم أفقد عقلي. لقد أتيت ووضعت نفسي تحت تصرّفك بناءً على شرط ضمنيّ وهو أن تبقيني معك خمسين عامًا؛ وإلّا لو كنت أعلم أنّك تريد أن تتركني في العام القادم، لما أتيت أبدًا، ولما مررت أصلًا من هذا الحيّ حتّى أبقى لعام واحد أيضًا!».
إذًا، يقتضي هذا الشرط الضمنيّ أن يؤدّي الزوج حقوق الفتاة بناءً على هذا الشرط الضمنيّ؛ فإذا تخلّف، فإنّه لا يستطيع أن يدفع مَهر السُنّة، بل يجب عليه أن يدفع عشرين مليونًا٢! لأنّه تصرّف بنذالة وخالف. أو أنّ الأمر لا يتعلّق بالنذالة والمخالفة، بل يتعلّق بأنّ الظروف لم تعد تقتضي ذلك، وفي بعض الحالات لا يمكن مواصلة الحياة، مثلاً، لم يعد الرجل قادرًا على العيش معها وهناك عوائق أمامه؛ ولكن يجب عليه أيضًا أن يدفع تعويض الضرر. هنا لا يمكن القول: «لقد أقدمتِ بنفسك على عقد المتعة منذ البداية وأعطيتِ زوجك هذا الخيار في الفسخ». فهل أدركتم أيّها الرفقاء كم هي دقيقة هذه القضيّة من وجهة النظر الفقهيّة! فإذًا، لم يعد بالإمكان القول هكذا بشكل سطحيّ: لقد كان عقد متعة منذ البداية، وفي المتعة الحقوق كذا، وخيار الفسخ بيده، وأمثال هذا الكلام! لا، ليس الأمر كذلك.
وعندما كنت في لبنان، طرحت عليهم المسائل بهذه الطريقة وقلت إنّ الأمر هكذا؛ وفوق ذلك، عندما يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله بمَهر السُنّة، فإنّه لا يقول: مَهر السُنّة واجب! إنّ مَهر السُنّة يُطرح كسُنّة في حال كانت الظروف مطابقة ومبنيّة على أساس الإسلام؛ أمّا إن كان من المقرّر أن يُستغلّ هذا الشرط نفسُه كسلاح وأداة، فلن يطرح النبيّ صلّى الله عليه وآله مَهر السُنّة! بل سيقول: اجعل مَهرها مائة ضعف، وضع لها ألف شرط! وذلك حتّى لا يُساء استخدام السُنّة.
موضع كلّ من العفو والقصاص في الإسلام
لذلك، فإنّ العفو في قوله تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾۱ يكون سُنّة إسلاميّة وصفة حسنة إن لم يجعل الطرف الآخر يتجرّأ؛ أمّا إذا أدّت هذه الصفة الحسنة نفسها إلى التجرّؤ، فهناك يقول الإسلام: لا! لدينا الكثير من الآيات مثل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾٢، و﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾٣؛ إذا ضرب إنسان وقتل أحدًا أو جرح يدًا... يمكن القصاص، وحياة المجتمع ونموّه ونشاطه ورقيّه وصعوده كلّها مرتبطة بالقصاص؛ ولكن وإن تعفوا فهو خيرٌ لكم.
ولكن إن كان هذا العفو نفسه يؤدّي إلى استغلال الطرف المقابل، فيذهب ويقتل آخر ويقول: «بما أنّهم يعفون، فلننشغل بقتل آخر وسيعفون عنّا مرّة أخرى!». لا يا عزيزي، ليس الأمر كذلك! سيُشنق شنقًا! مثل ابن ملجم. إنّ قضيّة ابن ملجم كانت عجيبة جدًّا! أوصى أمير المؤمنين عليه السلام الإمام الحسن عليه السلام: «إن أنا مت فاقتصّ منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة وإن أنا عشت فأنا أولى به بالعفو عنه وأنا أعلم بما أفعل به»٤، ولا تمثّلوا به ولا تحرقوه؛ وإن عفوتم، فهو خيرٌ لكم. ولكن لماذا لم يعفُ الإمام الحسن عليه السلام؟ لأنّه لو عفا، لعدّ ذلك في تلك الظروف ضعفًا من الإمام الحسن، وكانوا سيقولون: هذا حاكم المسلمين لم يستطع أن يقتصّ من عدوّ أبيه مع وجود هؤلاء؛ ولذلك، أعدم الإمام الحسن عليه السلام ابن ملجم بسبب هذه القضيّة.
ومَهر السُنّة أيضًا كذلك؛ إنّ مَهر السُنّة يُطرح كقيمة سامية وجزء من المسائل والحقوق الإسلاميّة في الحياة الأسريّة. وهذا بحثٌ ذو شجون، ولكنّني أردت فقط أن أشير إلى هذه القضيّة حتّى تكون الموارد واضحة، وأنّه لا يمكن للإنسان في كلّ مورد أن يُعمِّم حكمًا خاصًّا على جميع الأحداث.
ضرورة الالتزام بالأصل الأوّلي والقيّم لحسن الظنّ والعدول عنه في زمن غلبة الفساد
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الرواية: «إذا استولى الفساد على الزمان و اهله ثم أحسن الرجل الظن برجل فقد غرر.»٥ وهذا أمر عقلائيّ. انظروا إلى العقلاء، انظروا إلى العلاقات، انظروا إلى التردّدات، انظروا إلى المجتمعات، وسترون أنّهم يفعلون الشيء نفسه. في مجتمع يكون جميع أفراده أو ٩۰ بالمائة منهم محتالين، فهل تعطون البضائع لذلك الرجل هكذا وتذهبون إلى منازلكم؟! لا، بل تأخذون منه وثيقة وضمانًا، وفي حال لم يرغب في دفع المال أو في أيّ حال من الأحوال، لوجود شروط. «إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثمّ أساء رجل الظنّ برجل لم يظهر منه خزية فقد ظلم»٦.
يعني إذا بنى الإنسان علاقاته على سوء الظنّ، فهذا خطأ؛ لأنّ سوء الظنّ هذا نفسه يؤدّي إلى التخيّل والتفكير وعواقب سيّئة. يقول الرجل: «لم يكن يحسن الظنّ بي!». يذهب ويعقد معه معاملة، ومع الآخر أيضًا يعقد معاملة، ونتيجة لذلك، فإنّ ذلك الصفاء الذي يحكم أفكار المجتمع، يتشوّه ويتصدّع بسبب سوء الظنّ. لذا، إذا كان الإنسان في بيئة يشعر فيها بأنّ حُسن الظنّ سائد تجاه الأفراد، فلا ينبغي له أن يُفسد تلك البيئة؛ لا ينبغي أن يقول لهم: «أيّها الحمقى، لماذا أنتم هكذا؟! لماذا أنتم كذلك؟! غدًا سيحدث كذا! كونوا على حذر! الآن وأنت تتحدّث مع صديقك هذا سيغدر بك!». بل يجب عليه أن يؤيّدهم ويقوّي هذا الحُسن في الظنّ.
لا ينبغي له أن يُفسد باستمرار، لا ينبغي له أن يُكبّر نقاط الضعف ويشدّد عليها؛ بل يقوّي حُسن الظنّ؛ لأنّ حُسن الظنّ له قيمة، وليس باطلاً حتّى يريد إفساده. يبحث الإنسان عن بيئة يسودها حُسن الظنّ، لا أن يذهب لإفسادها الآن بعد أن وجدها. هذا أمرٌ يدعو إلى التعجّب والتأمّل! عندما يجد الإنسان بيئة حميمة وودّيّة وصادقة، لا ينبغي له أن يقوّضها؛ بل عليه أن يقوّيها باستمرار، ويؤيّدها باستمرار، ويُحسن الظنّ حتّى في تلك الحالات التي قد لا تكون صحيحة.
لا أنّه إذا قال الطرف الآخر كلامًا صحيحًا، ينقله هو بشكل مغلوط؛ هذا عجيب جدًّا! لقد قال هذا كلامًا، ولكن ذاك فهمه فهمًا خاطئًا؛ في حين أنّه يمكن فهمه بطريقتين. في حياة المرحوم العلّامة، رأيت مرّة في مسجد القائم رجل دين على المنبر يغمز في العلّامة. كان ذلك في وقت كان فيه المرحوم العلّامة قد ألقى عدّة محاضرات من هذا الكتاب «وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام»، والتي دُوّنت لاحقًا بالشكل الذي ترونه.
لقد قال هنا: «قلت لآية الله الخميني كذا». فصعد هذا على المنبر وقال: «العارف لا يقول ”أنا، أنا“ (يقصده هو)! طبعًا، الإمام كان يقول أحيانًا ”أنا“ وكان ذلك لمصلحة؛ ولكن العارف لا يقول ”أنا“ أبدًا». يا عزيزي! الشيخ المطهّري لديه أيضًا رسالة إلى آية الله الخميني، فاذهب واطّلع عليها؛ يقول فيها: «قلت له هذا». هذا لا إشكال فيه۱! يعني أنا قلت هذا الكلام. فهل يقول: قلنا له هذا الكلام؟! حسنًا، أنا الذي قلت؛ هل أقول بشكل جماعيّ، ألف شخص، في حين أنّ شخصًا واحدًا هو الذي أرسل الرسالة؟! الآن، لا أحد يقول إنّ الشيخ المطهّري قد أظهر الأنانيّة هنا؛ كلّا، المسكين كتب رسالة وقال: «أنا أقول...». إذًا، انظروا، يمكن فهم هذه العبارة: «قلت لآية الله الخميني هذا الكلام» بطريقتين: الأولى أنّها من منطلق الأنانيّة والغرور والتفرعن والسلطة والمحوريّة وهو يتحدّث؛ وهنا يوجد مجال للاعتراض. هذا طرفٌ في المعادلة.
وأمّا الطرف الآخر للمعادلة، فهو أنّه أراد أن يبيّن الأمر بشكل عاديّ ويقول: «كتبت رسالة لآية الله الخميني وقلت له هذا الكلام ونبّهته». فلماذا دائمًا أن تأخذون هذا الطرف من المعادلة؟! فأيّ مرض هذا وأيّ داء؟! هنا تكمن النقطة! في النهاية، لهذه المعادلة طرفان. وهنا وردت الرواية أن احمل فعل أخيك على أحسن المحامل ما استطعت!۱
لقد كان أصدقاؤنا ورفقاؤنا، منذ الشهرين أو الثلاثة التي تلت وفاة المرحوم العلّامة، يعترضون عليَّ: «لماذا تفعل هكذا؟! لماذا تفعل كذلك؟! لماذا تقول هذا الكلام؟!». وقد حملت الأمر على محمل الصحّة لمدّة عامين، وقلت مرارًا وتكرارًا: إن شاء الله الأمور على ما يرام، وما نراه منهم ليس مهمًّا، ولكن بعد ذلك رأينا أنّ الأمر مختلف. أي إنّني أردت أن أستفيد قدر الإمكان من بقايا تلك الشخصيّة العظيمة، وذلك المكان الرفيع، وتلك المرتبة العُليا التي كان المرحوم العلّامة موجودًا فيها وما تبقّى منها؛ ولكنّني رأيت أنّهم ليسوا كذلك ويبدو أنّهم يريدون وضع هذا المنشار وشطرها نصفين! كنّا نسمع باستمرار أنّهم يقولون: هذا الطرف وذاك الطرف، هذه المسألة وتلك المسألة! ولكن كنت أقول باستمرار: إن شاء الله المسألة كذا والمقصود كذا. ولكنّي رأيت أنّ الأمر مختلف، بل إنّ هذا هو ديدنهم، وهذا ديدن الناس! فلم أعد قادرًا على خداع نفسي. فقلت: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾٢! ماذا نفعل بعد؟! فعندما يغلب الصلاح، لا ينبغي للإنسان أن يسيء الظنّ، لا عندما يغلب الفساد.
لماذا امتنع الناس عن مساعدة بعضهم؟
والآن، لماذا الناس هكذا لا يغيثون بعضهم ولا يحقّقون أمنيات بعضهم؟! في النهاية، أيّ سوء يرونه في مساعدة بعضهم البعض ومساعدة الخلق؟!
لو كانت مواضيع الليالي الماضية ماثلة في الأذهان، لكانت هاتان الفقرتان المباركتان الشريفتان قد ظهر معناهما أيضًا؛ وهو أنّ: عدم استجابة الدعاء وعدم تحقيق الرجاء وخُلف الرجاء، يعود إلى محوريّة الإنسان حول ذاته، وشعوره بالثنائيّة بينه وبين الآخرين. فلأنّه يشعر بالثنائيّة بينه وبين الآخرين، فإنّه يفصل حسابه عن حسابهم. ولأنّه يشعر بالثنائيّة والانفصال بين مصالحه ومصالح الآخرين، فإنّه يرافق غيره إلى حيث لا تتعارض مصالحه مع مصالحه، وما إن توشك على التعارض، لا يعود يأخذه بعين الاعتبار وينطبق عليه «لَأَخْلَفَ رَجائِي»، فأنا أرجوه، ولكنّه يخلف؛ لأنّه يراني منفصلاً عنه.
بناء السلوك على الاتّحاد وخلق الأنس والألفة من خلال عدم مراعاة المصالح الشخصيّة
ولكنّ الله لا يرى غيره منفصلاً، ووليّ الله لا يرى غيره منفصلاً. وليّ الله ينظر إلى هذا الفرد كما ينظر إلى ابنه؛ لا فرق أبدًا! لنفترض أنّ أحدًا أراد أن يذهب إلى وليّ الله، وكان لوليّ الله ابنة، فإنّه لا يطرح بالنسبة له أصلاً أن يأخذ في الاعتبار مسألة غير صلاح هذا الرجل نفسه. وإذا أراد أن يخطب فتاة لابنه، فإنّه ينظر ليرى ما هو صلاح ابنه وما هو صلاح تلك الفتاة. لا يقول: «فلأذهب ولأخطبها لابني بسرعة قبل أن يذهب آخر ويخطبها». لا يقول: «لأذهب وأشتري هذا المنزل بسرعة قبل أن يأتي أحد ويشتريه». لا يقول: «لأذهب وآخذ هذا البرتقال من هذا الدكّان بسرعة قبل أن يأتي أحد ويأخذه».
من الأمور التي نراها في كثير من الأماكن ـ طبعًا ليس هنا ـ هو أنّهم يأخذون طبق الفاكهة ويأتون به ويدورون به. كنّا في زمن السيّد الحدّاد نرى شيخًا ما جالسًا، وقد أحضر شخصٌ طبقًا من الليمون الحلو. فما زال يرفع هذا الطبق ويخفضه، ويلمس هذه وتلك، وأبقى ذلك المقدّم واقفًا لمدّة دقيقة حتّى اختار حبّة من داخل هذا الطبق ووضعها أمامه! أنت الذي تفعل هذا، معناه أنّني آكل الفاكهة الجيّدة دون غيري!
لقد كنت أكره هذا التصرّف منذ طفولتي، ومنذ صغري كانت هذه القضيّة في ذهني: لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟! إنّه طبق فاكهة وهذا هو حظّك، فلتأخذ ما هو أمامك وتضعه في طبقك. إنّ قول «أنا آخذ تلك من هناك» يعني أنّ الشخص الجالس بجانبي يأخذ الفاكهة الأخرى؛ هذا بدلالة الالتزام. أي إنّني آخذ هذه الأكبر حجمًا والأكثر شعبيّة حتّى لا يأخذها هو. فهذه صفة قبيحة وذميمة! الأخ لا يفعل هذا بأخيه؛ بل إن وجدت، يأتي ويأخذها من الطرف الآخر ويضع هذه الجيّدة لأخيه، أو على الأقلّ يأخذ من أمامه ما هو قسمته ويضعه.
من الأمور التي كنت أستقبحها من البداية وما زلت أستقبحها الآن، وأرجو من الرفقاء أن يفعلوا ما أقوله في مجالسنا هذه، فإنّه يجلس على المائدة أفراد مختلفون، هناك الصغير والكبير والطفل؛ والمتعارف أنّه يُحضَر الطعام ويُقدّم أولاً للكبير، في حين أنّه يجب أن يُقدّم للطفل أولاً! فعلى أيّ أساس يجب أن تضعوه أمامي أوّلاً؟! يقول البعض: «يجب على هذا الطفل أن يتعلّم احترام الكبير». لا يا عزيزي، لا داعي لأن يتعلّم هذا في هذه الحالة؛ فحالة الانتظار التي يعيشها هذا الطفل البالغ من العمر خمس سنوات الآن، إثمها أكبر ألف مرّة من ذلك الثواب الذي تريد أن تعلّمه إيّاه من إكرام الكبير واحترام العالم!
ما تريدون وضعه على المائدة،و الطعام الذي تريدون توزيعه، والفاكهة التي تريدون إحضارها، اذهبوا وأعطوها للطفل أوّلاً، ثمّ تعالوا وابدأوا بالتقديم بالترتيب. وفوق ذلك، ما معنى أن يُقدّم للكبير أولاً أو للصغير أو لغيرهما من العناوين؟! فابدأوا من أول المائدة وقدّموا. في النهاية، إلى متى يجب أن نقول هذا الكلام ولا أحد يستمع؟! أنا أقول هذه الأمور بجدّيّة! عندما يأتي الطعام من المطبخ، فابدأوا من ذلك الجالس هناك. هكذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهكذا كان الأئمّة عليهم السلام، فلماذا لا نكون كذلك؟! في النهاية، لماذا لا نريد أن نخضع لأوامر الإسلام؟! لمن نريد أن نترك هذه الأوامر؟! كلّ هذا خطأ! الجميع مؤمنون، والجميع إخوة، والجميع متماثلون؛ فيجب أن تبدأوا من البداية.
هذه هي أسس السلوك، وأسس الطريق، وأسس السبيل، وكلّ هذه مسائل تؤدّي إلى الألفة. أمّا أن يأتي آتٍ ما، فيقوم الجميع ويجلس الجميع ويفعل الجميع كذا ويكونون مكتوفي الأيدي۱، ويذهبون يمينًا ويسارًا، فهذه فرعونيّة! هذا ليس إسلامًا، هذه نمروديّة أدخلتموها في الإسلام٢. الإسلام هو ما كان عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما كان يجلس، فإذا دخل داخل ما، لم يكن يميّز أين يجلس النبيّ.٣ هذا هو الإسلام. كان بإمكانه هو أيضًا أن يضع أريكة ويمدّ إحدى قدميه ويلقي على قدمه شملة بيضاء ويضع على رأسه قلنسوة؛ لكنّه لم يفعل ذلك، لأنّه كان نبيًّا، لأنّه كان رسول الله. ولكنّنا نفعل ذلك ونفتخر أيضًا: «كلّ هذا من أجل عظمة الإسلام!». يبدو أنّ الأمر قد تغيّر وأنّ جميع المعايير قد تبدّلت.
معيار تشخيص الوليّ الإلهيّ من خلال كيفيّة مراعاته لمصلحة الآخرين
وليّ الله هو ذلك الذي عندما تذهب إليه، لا يأخذ في الاعتبار أيّ شيء سوى الصلاح؛ والسلام! هل تظنّون أنّ المرحوم العلّامة كتب في كتبه عبثًا أنّه عندما تريد أن تذهب إلى أستاذ ما، فامتحنه! لمن قيل هذا الكلام؟ يعني قد يقوم أحد ما لمدّة شهر أو شهرين أو حتّى سنة بتنفيذ برنامج أمامك بحيث لا ترى منه سوى تمثالاً للطهّارة والتقوى! فهذه ليست مقاييس؛ لأنّك لا تراه إلّا في مجلس وليمة أو مجلس عزاء، ولكنّك لست معه في السفر والحضر، ولست معه داخل المنزل، ولست معه في الأزقّة والأسواق، ولست معه في علاقاته مع الناس، ولست حاضرًا في محاكماته بين الأفراد!
يقول الإمام الصادق عليه السلام: لا تنظروا إلى ذهاب الناس وإيابهم ولحاهم وحنّائهم! إنّها رواية عجيبة، فاقرأوها حتمًا، في «البحار» في أحوال الإمام الصادق عليه السلام، هناك رسالة إلى محمّد بن مسلم الزُّهريّ أو الزَّهريّ۱ ورسائل إلى آخرين والرواية التي تقول: لا تَنْظُروا إِلىٰ الظاهر بَلِ اخْتَبِروا...٢ هي لهذا السبب، وهو أنّ الإنسان لا يُظهر نفسه من الوهلة الأولى.
حسنًا، أنا الآن جئت وجلست هنا؛ أنتم ترون منّي عمامة ولحية وعباءة مرتّبة جدًّا...؛ ولكن هل عرفتموني وتعرفون ما يدور في داخلي؟! آتي وأتحدّث بشكل جيّد جدًّا وأبيّن لكم الكثير من الأمور؛ ولكن هذا لا فائدة منه. أنتم الذين تريدون أن تسلّموني أسراركم ودينكم وأعراضكم، هل يمكنكم أن تفعلوا ذلك بمجرّد جلسة حديث واحدة؟! لو فعلتم ذلك فأنتم مجانين! بل يجب أن تعطوا من قلوبكم بالقدر الذي أخذتم، وتستثمروا بالقدر الذي حصدتم؛ يجب أن تضعوا في الطبق بالقدر الذي تلقّيتم، لا أكثر!
الجميع يقولون: لكي تعرفوا مكانة إنسان ما، يجب أن تمتحنوه وتختبروه من كلّ جانب، وتكونوا معه في السفر والحضر، وتقوموا بألف اختبار...، هذا إن فهمتم! إنّ هذه النفس معقّدة إلى هذا الحدّ! فهل هذا ممكن؟!
ضرورة بناء المسائل السلوكيّة على أسس متينة وقطعيّة
والآن سمعت أنّ البعض يقول: «يا سيّدي، ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾٣؛ ”لا تسألوا عن بعض الأشياء التي إن اتّضحت لكم، فإنّكم ستنزعجون!“». هل هذه الآية تتعلّق بهذا الموضع؟! عجيب! أنت عندما تريد أن تزوّج ابنة، فإنّك تختبر الصهر لمدّة شهر من كلّ جانب؛ لماذا لا تقول هناك ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾! نعم؟! يعني هل أصبح السلوك والسير إلى الله بلا معنى إلى هذا الحدّ؟! هل هذه الآية تتعلّق بهذا؟! إذًا، كلّ هؤلاء الذين كتبوا في كتبهم: «لا يمكن تسليم الأمر لإنسان كذا ويجب امتحانه»، ما معناه؟! ولمن كتبوا؟! اذهبوا وعلّموهم: «كلّا يا سيّدي، لقد أخطأتم؛ ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾، لا ينبغي الامتحان!».
لأنّه في الامتحان تتّضح بعض الأمور في النهاية، الامتحان والسؤال يوضّحان، وفي النهاية تظهر بعض المسائل؛ هل كتبوا ذلك عبثًا؟! قال والدنا إنّ الأسس هي هذه: كن صحيحًا ومتينًا، لا تتقدّم بالشعارات عبثًا، لا تتعامل مع المسائل الافتراضيّة عبثًا! كان يقول: « كنت أتعامل لمدّة طويلة بدقّة وتفحّص مع السيّد الحدّاد!». مع السيّد الحدّاد! فهل تعرفون ماذا يعني ذلك؟! لم يصبح السيّد محمّد حسين [الطهراني] هكذا عبثًا! لم يتكوّن جبل العظمة هذا عبثًا! لم يكن طالب علم صغيرًا؛ كان أفضل من جميع علماء قم والنجف...! جاء أمام السيّد الحدّاد فأصبح على نحوٍ لم يكن عُشره أمام العلّامة الطباطبائيّ!
كنت حاضرًا ورأيت كيف كان تعبيره عن العلّامة الطباطبائي مقارنة بالسيّد الحدّاد. كنت أنا حاضرًا، كنت ابنه ورأيت. العلّامة الطباطبائيّ، ذلك المجد، تلك العظمة، تلك الرفعة، حقًّا كان مجلسه مجلس نور، مجلسه مجلس روح. لو كان هذا الرجل يتحدّث حديثًا عاديًّا، مثل «السلام عليكم، كيف حالكم»، لكان ذلك حكمة؛ كان عقلًا مطلقًا، حكمة مطلقة. لم يكن هناك مجلس يجلس فيه شخص لدى العلّامة ولا يقول إنّني لم أستفد. كان وجوده وجودًا كهذا. وكان المرحوم العلّامة يذكر العلّامة بعظمة حقًّا! كان يفدي نفسه للعلامة وكان خادمًا للعلامة. ولكن فيما يتعلّق بالسيّد الحدّاد، لم يكن الأمر قابلًا للمقارنة أصلًا!
هذا يعني أنّ كلّ شخص في مرتبته. صحيح أنّ المرحوم العلّامة كان يقول: «الملائكة لا يذكرون اسم العلّامة دون وضوء!». كان هذا تعبير المرحوم العلّامة! ولو وجدتم الآن شعرة من العلّامة في رجل، لذهبت وقبّلته من رأسه إلى أخمص قدميه. كان حقًّا تمثالاً للتقوى والطهّارة المطلقة؛ هذا صحيح، ولكن كلّ شيء في محلّه.
في هذا المقال الذي كتبته، نقلت فيه قضيّة وقلت: انظروا إلى فهم المرحوم العلّامة الطهراني للإمام عليه السلام، وانظروا إلى فهم العلّامة الطباطبائي للإمام عليه السلام. في الصيف، كنّا نذهب مع المرحوم العلّامة لمدّة شهر إلى مشهد لزيارة عليّ بن موسى الرضا عليه السلام وتقبيل عتبته. كان المرحوم العلّامة الطباطبائي يأتي لثلاثة أشهر في الصيف، وكانت له مجالس كلّ يوم، وكنّا نذهب ونشارك في المجالس، وكانت حقًّا مجالس مليئة بالخير والبركة. في إحدى الرحلات التي تشرّفنا فيها بزيارة مشهد، كنت في التاسعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمري ولم أكن معمّمًا، وصادف أنّ الشيخ مطهّريّ جاء أيضًا إلى مشهد. في أحد الأيّام، قال المرحوم الشيخ مطهّريّ للمرحوم العلّامة: «سيّدنا، لقد قرّرنا بعد غد أن نذهب مع العلّامة الطباطبائي إلى سبزوار لزيارة الحاج هادي السبزواريّ، والسيّارة فيها متّسع، فإن أردت يمكننا الذهاب معًا إلى هناك».
يقدّم المرحوم العلّامة عذرًا مؤدّبًا ويقول: «لا أستطيع؛ لديّ عمل و...». يذهب هو مع المرحوم العلّامة الطباطبائي إلى سبزوار لزيارة المرحوم الحاج هادي السبزواريّ ويعودان. ثمّ التفت إلينا المرحوم العلّامة وقال: «يا بنيّ! من يأتي لزيارة عليّ بن موسى الرضا عليه السلام لا ينبغي له أن ينظر إلى شخص آخر! أصلًا لا ينبغي له أن يتوجّه إلى غير عليّ بن موسى الرضا عليه السلام! أليس من الأفضل بدلاً من الذهاب إلى سبزوار أن تأتي وتجلس في الحرم لمدّة ساعتين؟! من هو الحاج هادي السبزواريّ؟! من هو الشيخ العطّار؟! من هو بايزيد؟! كلّ هؤلاء فانون في عليّ بن موسى الرضا عليه السلام! هو الموجود وفقط، والجميع صفر ولا شيء! أنت تعال لزيارة عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، سيعطون ألف ضعف ثوابها للحاج هادي السبزواريّ بدلًا من أن تذهب أنت، وسيعطونك أنت أيضًا!».۱
هذه عبارة المرحوم العلّامة، لا أقولها من عندي! قدّم عذرًا مؤدّبًا، ولكن المسألة كانت على هذا النحو. قال: «اذهب أنت لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، فالثواب الذي تحصل عليه من زيارة الحاج والذي تدور من أجله عجلات سيارتك كلّ هذه المسافة، سيعطون ألف ضعفه لك، وألفًا له». الإمام الرضا عليه السلام لا يحتفظ به لنفسه؛ هو يوزّعه! والآن، هل الصلة التي يعطيها الإمام الرضا عليه السلام للحاج أعلى أم الصلة التي تعطيها أنت وتذهب إلى هناك وتقرأ سورة الحمد! بما أنّ الأمر كذلك، فالويل لنا إذا قمنا وذهبنا! سيقول الحاج: لم أكن أريد منك أن تأتي أبدًا! فبدلاً من أن تأتي إلى قبري، لو ذهبت إلى الإمام الرضا عليه السلام، لكنت أخذت من يد الإمام. أن آخذ شعرة من يده هو أعلى عندي من الصعود إلى العرش، فما بالك بأن تأتي أنت إلى قبري!
فهذا يبيّن معرفة المرحوم العلّامة، وهذا الأمر كان هو الفارق بين المرحوم العلّامة وغيره. وللأعاظم مراتب، وكلّ واحد منهم في مكان محدّد؛ ولكن أيّ ذهبٍ إخلاصه ونقاؤه أكبر؟ كم مقدار النقاوة في هذا المعدن وهذه المادّة، وكم مقدار الشوائب؟ ذلك العظيم والأعلى هو الذي يكون إخلاصه للإمام أكبر. إخلاص الإمام هو ۱۰۰ بالمائة، قد يكون هذا ٩۰، وذاك ٩٥، وبعضهم قد يكونون مثل الإمام نفسه ۱۰۰ بالمائة، ولكنّهم تحت راية الإمام وولايته. كما يظهر من العبارات، كان السيّد الحدّاد ۱۰۰ بالمائة، والمرحوم العلّامة هو تلميذ السيّد الحدّاد. لقد أخبرتكم بالأمر.
سبب إجابة أولياء الله لمطالب الناس
والآن، هل من الممكن والمحتمل أن يذهب الإنسان إلى مثل هذا ويدعوه فلا يجيب؟! لا، لأنّه لم يعد له ذات، فهو لم يعد يعتبر لنفسه أيّة منفعة أصلاً، لقد تحقّق بالحقّ. لذا، كلّ من ليس لديه هذه الحالة، عندما يطلب منه الإنسان طلبًا ويعقد فيه أمنية ورجاء، فإنّه يأخذ في الاعتبار مصلحة الطالب أولاً.
يقولون في الزمن السابق وزمن الشاه، إنّ المسؤولين الذين كانوا في وزارة التجارة، عندما كان يذهب إليهم أحد ويريد أن يتاجر، كانوا ينظرون أولًا كم سيكسبون منه؛ فإن رأوا أنّ المبلغ معتدٌّ به، أذنوا له بتصدير البضاعة واستيرادها؛ ولكن إن رأوا أنّه لا يملك الكثير، كانوا يماطلونه ويديرونه مرارًا وتكرارًا. أمّا ذلك الذي لا يطرح نفسه، فما معنى أن ينظر إلى هذا الكلام؟!
كأنّك تفترض أنّ صائمًا إفطاره وكلّ شيء له [جاهز]، يُعطى بعض الحلوى ويُقال له: «قسّم هذه بين عدّة أطفال». فهل يقول أبدًا: آخذ واحدة لنفسي؟! لا يا سيّدي، هو صائم! فهل يخطر بباله أصلاً: آخذ واحدة لنفسي الآن ولا أعطيهم؟! أصلاً لا يوجد لديه مجال للأكل ولا يستطيع أن يأكل؛ لذا فإنّه يأخذ المصلحة بعين الاعتبار، فإن كان هذا الطفل أكبر سنًّا أعطاه قطعتي حلوى، وهذا الأصغر أعطاه قطعة واحدة، ويقسّمها كلّها ويذهب.
الله تعالى في مكانه، ولكن أولياء الله لا نفس لهم أصلاً حتّى يريدوا أن يأخذوا بعين الاعتبار، ويوازنوا الأمور، ويقيسوا، ويقلّلوا ويزيدوا، ثمّ كيف يتعاملون؛ لذا، في هذه الدنيا، أيّ إنسان يدعوه الإنسان غير الله أو وليّ الله ـ أيًّا كان ـ ليس لديه أيّ أمل فيما إذا كان سيستجيب أم لا؟ هل تقتضي مصالحه ذلك أم لا؟ إذا طلب منه طلبًا، فهل سينجزه أم لا؟
إذًا، لا يبقى للإنسان سوى ذات واحدة وهي الله. هو وحده الذي في علاقته بالإنسان ينظر إلينا فقط، لا إلى نفسه. لأنّه غنيٌّ بالذات، ومهما أعطى فإنّه لا ينقص من كنوزه مقدار رأس إبرة؛ لقد انتقل من هذا الجيب إلى ذاك الجيب، وتغيّرت القطع، ولم تضِع.
جاءني شخص يشكو ويتألّم: «سيّدنا، أطلب من فلان خمسمائة ألف تومان ولا يعطيني!».
قلت: يا عزيزي، اطمئنّ؛ خمسمائة ألف تومان التي لك في مكانها ولم تضِع أصلًا!
قال: «كيف؟».
قلت: لو كانت لديك هذه الخمسمائة ألف تومان، ماذا كنت ستفعل بها؟ كنت ستذهب وتشتري لحمًا... وتفعل كذا. والآن هو أيضًا يذهب ويشتري لك لحمًا...، نفس المال والورقة النقديّة تدور؛ لا تنزعج أبدًا!
والآن، انظروا إلى هذه الحالة نفسها على مستوى أعلى. لماذا تحزنون؟! لماذا تتألّمون؟! لنفترض الآن أنّ الله أخذ هذا من هنا ووضعه هناك، ويأخذه من هنا ويضعه في مكان آخر. فلو فعل الله هذا، فهل كنتم ستعترضون عليه أن: «يا إلهي كذا وكذا، أخذت المال من جيبي»؟! لا؛ لأنّه ماله! والآن أيضًا الله يفعل هذا، ولكنّه لا يُظهر نفسه؛ فما الفرق في القضيّة؟! هي نفسها.
الله غنيٌّ بالذات، وبسبب غناه الذاتيّ، فإنّه يأخذ مصلحة الإنسان بعين الاعتبار ولا يأخذ نفسه بعين الاعتبار أصلاً. إنّ أخذ النفس بعين الاعتبار خطأ أصلاً. إذًا، السالك من وجهة نظر الاتّجاه في التوحيد واتّجاه سيره الصحيح، لا ينبغي له أن ينسى هذه النقطة، وهي أنّه يجب أن يكون لديه مبدأ واحد في نظره وفقط! وكلّما تنازل عنه فلا إشكال، ولكنّه يكون قد خسر من كيسه!
نأمل أن يحقّقنا الله تعالى بهذه الحقائق، وأن يحقّق فينا هذه العبارات العرشيّة البنيان وعالية المضامين للإمام السجاد عليه السلام على أحسن وجه!
اللّهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّد