المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1419
التاريخ 1419/09/03
التوضيح
ما هو سرّ سرعة إجابة الله التي تفوق الزمان والمكان؟ ولماذا تسبق إجابته تعالى دعاءنا؟ وما علاقة تعلّقنا بالدنيا ببطء استجابتنا لندائه؟ ولماذا تفوق اللذّات الروحانيّة نظيرتها الجسمانيّة؟ وما هو سبب تكاسل الإنسان في استجابته لدعوة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة وغيرها.
هوالعلیم
لماذا تسبق إجابة الله تعالى دعاءنا؟
كلّما ازداد تعلّقك بالدنيا، أصبحت استجابتك لله أبطأ!
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة الثانية
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ والسلامُ على أشرفِ المرسلينَ وخاتمِ النبيّينَ
مُحمَّدٍ وآلهِ الطاهرين
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ
سرعة الإجابة الإلهيّة رغم تكاسل العباد في قبول دعوة ربّهم
«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي».
أي: الثناءُ مختصٌّ بالله الذي كلّما دعوتُه أجابني؛ وإن كنتُ أتباطأ وأتكاسل في إجابته حين يدعوني.
«وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي».۱
أي: الحمدُ والثناءُ مختصٌّ بذلك الإله الذي كلّما سألته أعطاني؛ وإن كنتُ بخيلاً حين يستقرضني ويطلب منّي قرضًا.
أشرنا في المحاضرة السابقة بخصوص الفقرة الأولى إلى أنّ الدعاء من جانب الإنسان تكون إجابتُه سريعة جدًّا؛ أمّا الدعوة من جانب الله، فإجابتها بطيئة، وتتمّ على مهلٍ وحينما تُتاح الفرصة. هل رأيتم حين تكون لديكم معاملة في الدوائر الحكوميّة، أنّهم لا يُنجزون عملكم في نفس وقت مراجعتكم، بل يقولون: «اذهب وعُدْ بعد أسبوع!»؟ وعندما تعود بعد أسبوع، يقولون: «اذهب وسجِّلها في مكتب التوثيق، وعُدْ بعد أسبوعين!». ثمّ يقولون مرّة أخرى: «اذهب وعُدْ بعد ثلاثة أسابيع!».
يقولون على سبيل المزاح:
إنّ جارًا كان قد ألقى ثلوج منزله في منزل شخص آخر. فذهب هذا الشخص وقدّم شكوى. وحين وصلوا إلى التحقيق في ملفّه، كان الوقت هو شهر تموز في فصل الصيف! فقالوا له: «تعال لنرى إلى أين وصل ملفّ شكواك بخصوص إلقاء الثلج في منزلك»!
لكنّ الله ليس كذلك.
علاقة السرعة والبطء بالتجرّد أو الماديّة
يقولون إنّ للسرعة مراتب وحدودُها نسبيّة؛ أي إنّ زيادة السرعة ونقصانها تُقاس بواسطة سرعةٍ أخرى، كما أنّ الحركة تُقاس بواسطة حركةٍ أخرى. فمن وجهة نظرٍ فيزيائيّة، فإنّ حدّ السرعة هو الحدّ الذي لا يبقى فيه شيءٌ من الجسم، فيتحوّل حينئذ إلى طاقة. فكلّ شيء يفقد مقدارًا من الطاقة أثناء حركته، بحيث إذا وصل هذا الشيء في سرعته إلى حدٍّ لا يبقى منه أيّ أثرٍ، ويتحوّل كلّه إلى طاقة، فإنّهم يُسمّون ذلك: الحدّ الأقصى للسرعة؛ وهذه السرعة هي سرعة الضوء، والتي تبلغ تقريبًا ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، حيث يجعلون هذا معيارًا للسرعة.
حسنًا، ما مقدار السرعة التي يمتلكها الله في الإجابة؟ هل هي بسرعة الضوء؟ أي، هل بمجرّد أن يدعو الإنسانُ الله تعالى، يُجيبه في طرفة عين، بل أسرع من ذلك؟! هذه السرعة مهما بلغت، فإنّها تستغرق مقدارًا من الزمن ولو للحظة واحدة! على أيّ حال، هناك مقدارٌ من الزمن يخصّ هذا المجيء. فعندما تضغط على مفتاح الكهرباء أو المولّد في محطّة التوليد الكهربائيّة، فإنّه إذا كانت هذه المحطّة في الطرف الآخر من العالم، وكان محيط الأرض أربعين ألف كيلومتر، فإنّ الأمر سيستغرق ـ بسرعة ثلاثمائة ألف كيلومتر ـ حوالي عشرة أجزاء من خمسة وسبعين جزءًا من الثانية، حتّى تصل إلينا هذه الطاقة والكهرباء من ذلك المولّد.. إنّها تتحرّك بهذه السرعة! ولكن، يبقى في النهاية أنّ هذه العشرة أجزاء من ۷٥ جزء من الثانية هي أيضًا زمان.
فالمسافة بين الأرض والشمس هي ثماني دقائق وثلاث عشرة ثانية؛ أي إنّ هذا الضوء الذي نراه الآن على الأرض قادمًا من الشمس، لم يأتِ من الشمس في اللحظة نفسها، بل أتى قبل ثماني دقائق وثلاث عشرة ثانية؛ ونحن الآن نشاهده على الأرض. إذن، مهما كان الأمر، فإنّه يستغرق زمنًا.
لكن، لدينا سرعة أعلى من هذه أيضًا، وهي الحركة في اللازمان، وهي لا تقبل المقارنة بالحركة في الزمان بتاتًا! فالضوء ظاهرة ماديّة، والكهرباء ظاهرة ماديّة؛ وهذه الأشياء تتحرّك في الكمّ، وتتحرّك في المكان، وتقطع المكان، وهي مثل الأمواج. فللأمواج مُرسِلٌ يرسلها، ثمّ تصل إلى قابلٍ، أي جهازٍ يستقبل هذه الأمواج. ومهما كان هذا الإرسال سريعًا ـ حتّى لو كان أسرع من طرفة عين ـ فإنّه يوجد زمنٌ هنا في النهاية.
إذا أراد شخصٌ في أمريكا أن يتحدّث الآن، فيجب أن يمرّ مقدارٌ من الزمن، حتّى يتحوّل صوتُه إلى طاقة كهربائيّة، ثمّ إلى أمواج، ثمّ تُرسَل هذه الأمواج عبر الأقمار الصناعيّة؛ لأنّ الأقمار الصناعيّة هي التي ترسل تلك الأمواج باتّجاه الأرض. ثمّ تستقبل أجهزتنا هذه الأمواج، وتحوّل الطاقة الكهربائيّة إلى طاقة صوتيّة، لكي تكون أذننا مستعدّةً للسماع. وإلاّ، فلو وضعت السلك في أذنك فقط، فلن تفهم شيئًا وستشعر بالدغدغة فقط؛ لأنّه يجب أن تتحوّل إلى طاقة صوتيّة حتّى تُنشئ موجة، وتلك الموجة تنتقل إلى الدماغ عبر العصب السمعيّ. كلّ هذه العمليّات ـ من التحدّث وتحويل الصوت إلى أمواج وإرسالها إلى الأقمار الصناعيّة التي تدور على ارتفاع ٣٥ ألف كيلومتر من الأرض، ثمّ وصولها إلى الجهاز والاستماع إليها ـ تستغرق أقلّ من طرفة عين! هل يُمكنكم تصوّر شيء أسرع من هذا؟!
لكن، لدينا سرعة أعلى من هذه السرعة الماديّة، وهي السرعة في المجرّدات. السرعة في المجرّدات لا تندرج في الزمان بتاتًا! ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾۱؛ لقد قال الله هذا من باب ضيق المجال وضيق العبارة، وعلى سبيل التشبيه والتمثيل: «يوم القيامة أطول من ألف سنة»؛ وإلاّ فهو أطول من ذلك. أي إنّ مقياس العوالم ما وراء المادّة يختلف عن مقياس العوالم الماديّة.
على سبيل المثال، أنت تتحرّك في عالم البرزخ، وهو أدنى العوالم وأقربها إلى المادّة، وتذهب إلى حجّ بيت الله ـ رزق اللهُ الجميعَ إن شاء تعالى ـ وتؤدّي الحجّ والعمرة، وتطوف، وتذهب إلى عرفات ومِنى، وتؤدّي أعمال عرفات، ثمّ تعود، فتستغرق رحلتك ستّة أشهر. بعد كلّ هذا، تستيقظ فجأة من نومك، وتنظر إلى الساعة، فتجد أنّ خمس دقائق فقط قد مرّت على نومك! لقد تحرّكتَ في نومك لمدّة ستّة أشهر؛ لكن هنا، مرّت خمس دقائق فقط. هذا لأنّ المقياس يختلف. فالسرعة والحركة في ذلك العالم هي بنحوٍ لا يمكن مقارنته بالحركة والسرعة في هذا العالم بتاتًا! حيث ينطبق ذلك على الصورة المثاليّة. ولا يخفى أنّ هذه الأمور التي أقولها قد حدثت بالفعل، وأنا لا أذكرها من فراغ.
مقارنة بين اللذّات الروحانيّة والجسمانيّة في الشدّة والدوام
فطبقًا للقاعدة الكلّية والبرهان الفلسفيّ، كلّما ابتعد الإنسان عن المادّة من حيث الفعل والانفعال والتأثير والتأثّر، كان عُلوّ ورفعة وقيمة تلك الحادثة وتلك الفعليّة فيه أقوى؛ وكلّما اقترب الإنسان من المادّة، كانت تلك القوّة وتلك السرعة أقلّ؛ وفي عالم اللذّات أيضًا، تكون تلك اللذّة وتلك القيمة أقلّ.
أقصى لذّة يُمكنك أن تحصل عليها من طعامٍ ما، تكون في نفس اللحظة والوقت الذي يكون فيه هذا الطعام في فمك؛ فبمجرّد أن يدخل هذا الطعام من حلقك إلى معدتك المباركة، لا يبقى أيّ أثرٍ من لذّته في فمك! وعندما تتناول اللقمة التالية، تبقى هذه اللذّة ما دام ذوقك على اتّصالٍ بهذا الطعام؛ وبمجرّد أن تنزل هذه اللقمة مرّة أخرى، تنتهي اللذّة. أمّا عندما ترى في المنام أنّك تتناول طعامًا، فإنّ لذّة ذلك الطعام تبقى في ذائقتك لمدّة أسبوع؛ وذلك لأنّك قد ابتعدت عن المادّة. وهكذا سائر اللذّات.
لابن سينا بيانٌ واسعٌ جدًّا في هذا الباب. فهو هناك عندما يشرح كيفيّة اللذّات الروحانيّة، يُبيّن كيف أنّ هذه اللذّات لا يُمكن مقارنتُها باللذّات الجسمانيّة۱. هذه لا يمكن مقارنتها بتلك بتاتًا؛ فالغضب الروحانيّ لا يُقارن بالغضب الجسمانيّ، والمحبّة والرأفة والعطف الروحانيّ لا يُقارن بالمحبّة والرأفة الجسمانيّة؛ تلك اللذّات في كلّ مرتبة وفي كلّ قضيّة لا تُقارن بهذه اللذّات. ثمّ يدخل في بحث العلم واللذّة الحاصلة من العلم ويقول [ما معناه]: «هنا توجد لذّة لا تُقارن بأيّة لذّة أخرى أبدًا!»٢.
كلّ ذلك يحصل لأنّ الإنسان قد ابتعد عن الارتباط بالمادّة، واقترب من ذلك الجانب المعنويّ؛ ولهذا السبب، تترك خصائص الوجود أثرًا أكبر فيه، حيث يكون لهذه الخصائص تأثيرًا أكبر بالمقارنة مع الوجود الماديّ. وعلى هذا القياس، امضِ قُدُمًا؛ أي: قارن هذه العلاقة القائمة بين المادّة والبرزخ بالعلاقة بين البرزخ والملكوت؛ وقارنها بالعلاقة بين الملكوت والجبروت؛ وقارنها بالعلاقة بين الجبروت واللاهوت. أو استبدل هذه العوالم بالعوالم الأعلى؛ أي لاحظ هذا المقياس نفسه مع المرتبة العليا بالنسبة إليه.
بناءً على ذلك، فإنّ أقصى حدّ للسرعة يتصوّرونه في عالم المادّة ـ والذي يعتبرونه حدًّا للعدم ـ هو ذلك الحدّ الذي تتحوّل فيه المادّة إلى طاقة وتفنى. والآن، انظر كيف تكون هذه السرعة في عالم المثال.. إنّها لا تقبل المقارنة بتاتًا! ثمّ انظر كيف تُحسب هذه السرعة في عالم الملكوت، وكيف تُحسب في عالم الجبروت، وهلمّ جرّا.
تناسب سرعة إجابة الله مع المرتبة الوجوديّة للإنسان
الدعاء والطلب أمرٌ قلبيّ. نحن نقول في الظاهر: «اللهمّ إنّي أسألك قضاء حاجتي، اللهمّ إنّي أسألك خير الدنيا والآخرة، اللهمّ إنّي أسألك شفاعة محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين»؛ لكن وراء هذا اللفظ، يوجد ذلك القلب وتلك النفس التي تطلب. وتلك النفس ليست مادّة؛ بل لها مراتب عِلِّيّة برزخيّة، وملكوتيّة، وجبروتيّة، ولاهوتيّة، وفناء ذاتيّ في ذات الله.
قال أحدهم: «قربان حقیقتت بروم که هیچ از آن خبر نداری!»٣
[يقول: فديتُ حقيقتَك التي لا تعلم عنها شيئًا!].
وبما أنّ الإنسان يمتلك مراتب مختلفة في الوجود، فإنّ طلب كلّ فردٍ يتطابق مع المرتبة التي يرتبط فيها بالله تعالى؛ لأنّ جميع الأفراد ليسوا على درجةٍ واحدة؛ فهناك من يكون مدى سعة تفكيره تفكيرًا برزخيًّا ويعيش في عالم التخيّلات؛ وهناك من يكون مدى سعة تفكيره ملكوتيًّا؛ وهناك من يكون تفكيره معنويًّا جبروتيًّا؛ وهناك من له ارتباطٌ بالسرّ.
بناءً على ذلك، إذا كان من المفترض أنّ الله تعالى محيطٌ بجميع مراتب وجودنا، فيجب أن نتصوّر سرعةً في الذهاب والإياب والمجيء والردّ والرجوع لا يمكن مقارنتها أبدًا بسرعة المادّة وثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية؛ أي إنّ هذا الارتباط بين قلب الإنسان والمقام الربوبيّ هو ارتباطٌ لا يُمكن تصوّره. إنّ سرعة ذهاب الدعاء ورجوع الإجابة ـ أي أن يدعو هذا ويجيب ذاك ـ لا يُمكن تصوّرها بتاتًا. فالثلاثمائة ألف كيلومتر هي في عالم المادّة، وليست من خصائص العوالم الأخرى ولا علاقة لها بها أبدًا.
حسنًا، كيف تكون هذه الإجابة في عالم البرزخ؟ وكيف تكون صورتها غير البرزخيّة في الملكوت؟ وكيف تكون صورة تلك الحقيقة في عالم المعنى؟ إنّ تبدّل الصورة هذا ـ وما إلى ذلك ـ يخرج في الأساس عن نطاق البحث. هذا الطلب الذي يطلبه الإنسان له صورةٌ، وفي باطن هذه الصورة يكمن معنى وحقيقة، ثمّ يتحوّل [هذا المعنى] إلى نورٍ مجرّد، ثمّ يتحوّل ذلك النور المجرّد إلى نورٍ كذا ويتعيّن، حتّى يصل إلى اللاتعيّن. إذن، كلّ طلبٍ وفكرٍ يجب أن يمرّ بهذه المراتب. وهذا الذهاب والإياب، وهذا المجيء والرجوع، وهذه الكيفيّة، لا يمكن تصوّرها في عالم الصورة بتاتًا.
والآن، ألا يستحقّ مثل هذا الإله ـ بهذه الصفات ـ الحمد؟! وألا يختصّ به الحمد، وهو الذي لا يُمكن تصوّر سرعة إجابته أبدًا؟! لا أنّ لإجابته معيارٌ ما، بل إنّها لا تخطر في التصوّر بتاتًا! فمهما بلغت سرعة سيّارة ما، مثلاً ١٢٠كيلومترًا، أو ٢٠٠، أو ٢٥٠، أو تصوّر سيّارة تسير بسرعة ١٠آلاف كيلومتر؛ فإنّها لا تسير أسرع من ذلك! فبمجرّد أن تنظر إليها، تختفي! لكنّ سرعة إجابة الله لا تخطر في تصوّر الإنسان أصلاً! فلا تقل: «لقد دعوتُ الله، فمتى سيستجيب؟!»؛ إذ ليس من الضروريّ أن تفهم الإجابة؛ فبمجرّد أن يخطر ببالك خاطر، تكون الإجابة قد أتت. لقد سُجّلت هذه الإجابة في الملفّ، وسُجّل طلبّك في الملفّ؛ وأُغلق كلاهما، وانتهى الأمر. لا تقل: «نحن ندعو الله، لكنّ الله مشغولٌ الآن!».
أراد أحد المعارف أن يذهب إلى النجف، فأوصاه الحاجّ عبد الجليل، وهو من أصدقائنا، قائلاً: «عندما تتشرّف بزيارة حرم أمير المؤمنين، قل له: إنّ للحاجّ عبد الجليل حاجة وطلب، فتفضّل عليه بعنايتك!». فذهب الرجل، وعندما عاد، سأله الحاجّ عبد الجليل: «هل فعلت ذلك؟». قال: «نعم، لكنّ عليًّا كان مشغولاً جدًّا، ولم أدرِ هل سمعني في خضمّ ذلك الصخب أم لا!». لقد كان رجلاً بسيطًا وساذجًا جدًّا!
تقدّم الإجابة الإلهيّة على دعاء العباد
إذن، لقد فهمنا مدى سرعة الذهاب والإياب هنا. والآن، هناك مرتبة أعلى من هذه، وهي مرتبة الإجابة قبل السؤال؛ وهذه عجيبةٌ حقًّا! كيف يُمكن أصلاً أن يكون قد أجابك الله تعالى قبل أن تسأل؟! هذا لأنّ السؤال الذي تطرحه ـ من حيث كونه حادثةً وفعلاً وظاهرةً تحدث في عالم المادّة ـ قد مرّ بسلسلة من العوالم العِلِّيّة حتّى تحقّق في عالم الواقع؛ أي إنّه: بناءً على سلسلة منطقيّة وفلسفيّة، فإنّ أيّ فعلٍ نريد أن نقوم به، يكون قد بدأ حركتَه من ذلك العالم الأعلى، ومرّ بعالم الأسماء والصفات، ثمّ بالمراتب الأخرى، حتّى ظهر وبرز في عالم المثال ثمّ في عالم المادّة. ولا شكّ ولا شبهة في أنّ كلّ عملٍ وفعلٍ ماديٍّ في هذا العالم، لا بدّ له حتمًا من المرور بتلك العوالم، حتّى يصل إلى هذا العالم الماديّ؛ لا يُرَدُّ ولا يُبَدَّلُ لقضائه وتقديره ومشيئته.
وعليه، قبل أن يتحقّق هذا العمل في عالم المادّة، يكون ذلك المبدأ على علمٍ به؛ ليس فقط على علمٍ به، بل هو نفسه علّة وجود هذا العمل وحدوثه وفعليّته في العالم الخارجيّ. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تُجيب العلّة بعد المعلول؟! إذ حينئذ ستكون هذه الحالة عبارة عن حالة منتظرة، والحالة المنتظرة مستحيلةٌ على المبدأ الأوّل۱.
فالله تعالى ليس لديه حالة منتظرة تجاه طلب عباده. نحن من لدينا هذه الحالة، نحن لا نعلم؛ فمثلاً، عندما تدخلون هنا وتريدون أن تسألوني سؤالاً، أنا لا أعلم، فأقول: «هل لديك موضوعٌ ما؟ تفضّل!» فتقول: «نعم يا سيّدي، لديّ الموضوع الفلانيّ بهذه الخصائص». هذه تُسمّى حالة منتظرة؛ والحالة المنتظرة هي حالة جهل، وحالة الجهل هي حالة استعداد؛ والجهل مستحيلٌ على الله. إذن، الله تعالى ليس لديه حالة منتظرة. فالفعليّة عنده تعالى هي فعليّةٌ تامّة، وليست فعليّةً بعد انتظار واستعداد؛ بل هي فعليّةٌ مَلَكَة. أي إنّ هذه الفعليّة معه دائمًا؛ لا أنّها تكون في زمنٍ دون زمنٍ آخر، وفي ظرفٍ دون ظرفٍ آخر.
والآن، بما أنّ الله تعالى دائمًا في فعليّة تامّة وليس لديه حالة منتظرة، فهو نفسه قد أوجد فينا هذا السؤال قبل أن نسأل؛ فكيف يُمكن إذن أن يجيب بعد سؤالنا؟! كيف يمكن ـ في الأساس ـ أن يكون هو من وضع السؤال في أفواهنا، ثمّ يُجيبنا بعد السؤال؟! هذا محال. إذا كان هو من وضع السؤال في أفواهنا، فقد أحضر معه الجواب أيضًا؛ إذن، الجواب قد أتى قبل سؤالنا؛ وهذا كلّه بسبب ترتّب العلّيّة. وفي الترتّب العلّي، لا معنى للسرعة بتاتًا. فالسرعة تكون بين أمرين يترتّب أحدهما على الآخر؛ لكنّ العلّة بنفسها وبطبيعتها متقدّمةٌ على المعلول، وهنا لا معنى للسرعة بتاتًا. فنفس السؤال الذي يُطرح، قد أتى من جهة العلّة، والإجابة تأتي أيضًا من جهتها.
فلسفة الدعاء وعلّة إلقاء الله الطلب في نفوس العباد
ومن هنا، فإنّ قول الإمام السجّاد عليه السلام عن صفات الله تعالى: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي»، وكون كلّ هذه الأمور من جهة العلّة ومن جهة الله، يعني أنّ السؤال والإجابة هناك هما فعلٌ واحدٌ؛ وليسا فعلين. نحن هنا نرى فعلين وأمرين منفصلين، فنرى هذا بساطًا وهذا كوبًا؛ لكن هناك، السؤال والإجابة أمرٌ واحدٌ يصدر من منبعٍ واحد وله ظهوران وبروزان. أحد تجلّياته وظهوراته يكون في مقام الاستدعاء وتجلّيات المبدأ تعالى في مخلوقه؛ أي إنّه يريد أن يرى مخلوقه في حال نطقٍ ومناجاة. والتجلّي الآخر يكون في مقام الإجابة والانبساط الذي يحصل في ظهوره بالنسبة إلى المَظهَر؛ وهناك، تعال وانظر ما الخبر!
كان المرحوم الحاج هادي الأبهريّ ـ رحمه الله ـ يضرب مثالاً جيّدًا، وكان المرحوم العلاّمة ينقل عنه هذا الأمر كثيرًا، حيث كان يقول:
هل رأيتم كيف يأخذون البلبل والكناري ويحتفظون بهما في قفص؟! إنّ هدف صاحب البيت هو أن يُغرّد هذا الطائر في القفص ويسمع هو صوته. هو لا يريد أن يؤذيه، ولكنّه يدفع آلاف الدراهم ليسمع صوت هذا البلبل وهذا الكناري. إنّه يسعد بسماع صوته ويستمتع به. ثمّ عندما يُغرّد الطائر، يرمي له قليلاً من الحبّ. فيجوع مرّة أخرى، ويبدأ في التغريد؛ ويستمرّ في التغريد حتّى يرمي له مقدارًا آخر من الحبّ. والله أيضًا يسعد بأن يدعوه عبدُه. يُحبّ أن يدعوه عبده ويطلب منه ويناديه ولا يذهب إلى غيره.
يقول الله تعالى:
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾۱، أنا هنا، إلى أين تذهب؟! لماذا تنحرف وتسلك الطريق الخطأ؟! لماذا تتخبّط يمينًا وشمالاً؟! أصل القضيّة هنا، فإلى أين تذهبون؟!
قيل للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «لماذا تصلّي؟ هل خوفًا من جهنّم أم طمعًا في الجنّة؟». فقال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»٢؟! وهذا مقامٌ لا تبلغه ألف جنّة وألف مرتبة من نعم الله تعالى!
تكاسل الإنسان عن الإجابة بسبب ابتعاده عن المبدأ وتوغّله في عالم الكثرة
هذه الإجابة وهذا السؤال هما من ذلك الجانب [جانب الله تعالى]؛ أمّا من هذا الجانب، فنحن بطيئون. فلسنا سريعي الإجابة مثلما أنّ الله تعالى سريع الإجابة؛ لأنّ لازم الكثرة والابتعاد عن المبدأ والتوغّل في الكثرة هو النسيان. هناك بيت شعر يقول:
| خونِ دلم از دیده روان است از آنک | *** | از دل برود هرآنچه از دیده برفت٣ |
يقول:
دمعُ قلبي يسيل من عيني لأنّ *** ما غاب عن العين يذهب عن القلب
إذا كان شخصان يريان بعضهما كلّ يوم، فإنّهما يتذكّران بعضهما؛ ولكن إذا لم يَرَ أحدُهما الآخر لمدّة أسبوع، أو سافر أحدُهما ولم يَرَ الآخر لمدّة عام، فإنّهما يبدآن بنسيان بعضهما تدريجيًّا. ونحن أيضًا كنّا في مكانٍ ما يومًا، لكنّنا لا نتذكّر الآن أين كنّا، حيث يقول الشاعر:
| من ملک بودم و فردوس برین جایم بود | *** | آدم آورد در این دیر خرابآبادم٤ |
يقول:
كنتُ ملَكًا والفردوس الأعلى كان مكاني *** وآدم جاء بي لأسكن في هذا الدير الخرِب.
ومهما قال الله: «هناك كلّ هذه الفواكه: تفّاح، وكمّثرى، وخوخ، وبطّيخ، شمّام، ولكن لا تأكل من هذا القمح»؛ ولكن بما أنّ: «الإنسانُ حريصٌ على ما مُنِعَ»٥، فكلّما قيل له: «لا تفعل»، فعل ذلك الشيء بعينه؛ لهذا، ذهب وأكل من ذلك القمح!
ففي النهاية، هذا القمح ليس شيئًا مهمًّا للغاية. لقد جعلنا لك كلَّ هذه النعم، وأنواعَ الفواكه؛ وكلُّ هؤلاء الحور العين مصطفّات...، فلماذا تريد أن تأتي إلى هذه الدنيا لتتزوّج امرأة واحدة فقط، ثمّ تقضي بقيّة عمرك في شجارٍ وعبوسٍ وخصامٍ كلّ يوم، وتُدلِّلُها أنت، وتُدلُّلِك هي؟!!! هذا من عدم العلم. لدينا في القرآن: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾٦؛ أي أنّك لا تجوع هناك ولا تعطش أبدًا! لكنّه لم يستمع، وذهب إلى القمح، وأكله. فقال الله تعالى: «الآن وقد أكلت القمح، اذهب إلى هذه الدنيا!».
بالطبع، كلّ هذه أمثلة وتشبيهات وتمثيلات، وإلاّ، فلو لم يفعل هو ذلك، لما وصلنا نحن إلى الفعليّة، ولبقينا في مقام الإجمال؛ لقد ذكرنا هذه الأمور على سبيل المزاح.. يقول الشاعر:
| پدرم روضهی رضوان به دو گندم بفروخت | *** | ناخلف باشم اگر من به جُوی نفروشم ۱ |
يقول:
باع أبي جنّة الرضوان بحبّتي قمح *** لأكوننّ ابنًا عاقًّا إن لم أبعها بحبّة شعير
إنّ لازم المجيء إلى هذه الدنيا هو النسيان، حيث ينسى الإنسان مبدأه وأين كان، وينسى تلك اللذّات، وينسى تلك الحالة من الانبساط، وينشغل بالمسائل البسيطة ومسائل الدنيا الدنيئة.
قبول الإنسان للحقّ بمقدار قربه من المبدأ وجانب الوحدة
بقدر ما يتوغّل الإنسان في المادّة والدنيا، يقلّ طلبُه وشوقُه للمبدأ ومسائله. فالإنسان الذي لم يصل بعدُ إلى الرئاسة، يدخل الكلام إلى أذنه أسرع من أن يذهب ويستقرّ في تلك الرئاسة. هذا أمرٌ طبيعيّ، لأنّه يصيبه بالنسيان. والإنسان الذي لم يكتسب بعدُ مالاً وثروات، تدخل المواعظ والنصائح إلى أذنه أسرع من أن يحصل على رأس مالٍ قدره خمسمائة مليون مثلاً؛ فهناك، تدخل المسائل إلى أذنه بصعوبة أكبر، ويتقبّل النصائح بمشقّة أكثر؛ لأنّه قد ابتعد، وهذا أمرٌ طبيعيّ.
الإنسان الذي لم يتعلّق قلبُه بمسألةٍ من مسائل الدنيا، يتقبّل الحقائقَ أسرع من أن يتعلّق قلبه بها. وذلك الطفل ابن العشر سنوات أو الثماني سنوات الذي لم يفهم بعدُ شيئًا من مسائل الدنيا، يرضى بالموت أسرع من ذلك الرجل ابن الخمسين أو الستّين عامًا الذي استقرّت له هذه الحياة الدنيا؛ لأنّه لم يتعلّق بعدُ، وعندما لا يكون هناك تعلّق، يكون التخلّي أسرع.
هل رأيتم كيف أنّ الأطفال يُعطون ما لديهم للآخرين بسرعة أكبر؛ مثلاً، لو أعطيتَ طفلاً ماسةً تبلغ قيمتها مائة مليار وقلت له: «أعطِ هذه الماسة لصديقك»، لقال: «خذها». فتقول: «قيمتها مائة مليار، هذه ماسة!» فيقول: «خذها لك، نلعب بها معًا. قليلاً في يدك وقليلاً في يدي». وإذا بكى صديقُه، يقول له: «لا تبكِ؛ هي في الأساس لك أنت!»؛ لأنّه لا يملك تعلّقًا. وعندما ينشأ التعلّق بعد توقيع الاتفاقيّة، اذهب وانظر إلى المستشفى: قسم العناية المركّزة ممتلئ! «يا إلهي، ذهب نصف مالي! يا إلهي، أصبحتُ بائسًا!». أيّها المسكين، هل أنت للمال أم المال لك؟! هذا كلّه بسبب تعلّقه.
كنتُ أمرّ يومًا من مكانٍ ما، وكان هناك منزلٌ يحترق. كان صاحب المنزل المسكين وزوجته يلطمان رأسيهما؛ أمّا الأطفال، فكأنّ الأمر لا يعنيهم، كانوا يضحكون! كلّما ارتفعت ألسنةُ اللهب، زاد تصفيقهم وضحكهم! كان الأب يلطم رأسه ويقول: «يا ويلي، ذهبت كلّ حياتي! يا ويلي، احترق فراشي وبيتي!». أمّا الطفل، فكان ينظر ويقول: «ما شاء الله، يا لها من نارٍ رائعة، ارتفعي أكثر!». هذا الطفل أقرب إلى الوحدة؛ إذ لا فرق عند الله بين النار وغير النار. فمن وجهة النظر الربوبيّة، النار هي أحد مخلوقات الله، وغير النار هو أيضًا أحد مخلوقات الله، وكلاهما سيّان؛ نحن الذين نراهما هنا اثنين.
هذه حقائق. ومن الصعب جدًّا أن يُبدّل الإنسان نفسه بهذه الحقائق؛ فالأمر ليس بهذه السهولة! نحن نضحك ونمرّ على الأمر ببساطة؛ لكنّه يتطلّب عملاً، فيجب أن نطلب ذلك من الله تعالى!
يقول الإمام السجّاد عليه السلام: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي»؛ فهو سريع الإجابة. يجب أن نطلب من الله أن يحقّق ويجلّي هذه الحقائق في وجودنا؛ عندها، سيستوي لدينا احتراق المنزل وعدم احتراقه، ولا فرق في ذلك أبدًا!
كان أمير المؤمنين عليه السلام يذهب ويحفر قناة، ويُعرّض نفسه للمشقّة، ويخرج وهو ملطّخ بالتراب والطين. ثمّ بعد أن يجري الماء، كان يحضر فورًا قلمًا وورقة، ويوقف تلك القناة على قبيلة فقيرة ما، ويقول [ما معناه]: «بُشرى لأقاربي بأن لا نصيب لهم من هذه القناة!»۱.
ما هو هدف وغاية الإمام عليه السلام؟ بما أنّ أمير المؤمنين هو الحقّ وقد تحقّق بالحقّ، فإنّه يقول: «سواء كانت هذه القناة لي أم لغيري، فأيّ فائدةٍ أو نفعٍ أجنيه أنا؟! على الأقلّ، فلتكن لشخصٍ ينتفع بها». نحن نرى النفع في التعلّق، وعليٌّ يرى النفع في عدم التعلّق؛ وهذان لا يجتمعان. لا يُمكننا أن نجتمع مع عليّ! إنّهما مبدآن مختلفان، وطريقتا تفكيرٍ مختلفتان: نحن نرى [النفع] في الحيازة، وعليٌّ يراه في عدم الحيازة؛ فكيف يجتمع هذان معًا؟!
لذلك، لم يستطع أحدٌ أن يتوافق مع عليّ، وإلاّ، فإنّ أمير المؤمنين كان يتوافق مع الجميع وكان مُسالمًا للجميع. لم يكد طلحة والزبير يصلان حتّى قالا: «أعطنا نصيبنا!»٢. في نظام الحكم هذا، لا مكان لطلحة والزبير؛ لأنّ نظام عليّ هو نظام الحقّ، نظام عدم التعلّق، نظام عدم الحيازة، نظام عدم جلب المنافع، نظام التوحيد والنظر بعين المساواة.
يقول عليه السلام:
«وَلَأَلْفَيتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز»ٍ؛۱ أي: [لأدركتم] أنّ هذه الدنيا في نظري أهون من مخاط عنز، «إِلاّ أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً».٢
والإمام عليه السلام صادقٌ حقًّا، فهو لا يكذب! لا يوجد أصدق منه أبدًا؛ لأنّه هو التوحيد.
معيار القرب من الحقّ أو البعد عنه
بناءً على ذلك، فإنّ البطء الذي فينا هو من لوازم وجودنا؛ لأنّنا نسينا مبدأَنا، وغفلنا عنه، وقطعنا صلتنا به. وبقدر ما قطعنا تلك الصلة، يكون بطؤنا أكبر.
هل رأيتم كيف أنّ بعض النساء السافرات وبعض الشباب الذين تربّوا تربية غير صحيحة يتصدّقون بسرعة، ويتحرّكون بسرعة؛ وعندما تتحدّث معهم، يتأثّرون بسرعة كبيرة، ويعودون إلى الصواب، ويكونون أسرع منّا. أمّا نحن، فنتوقّف باستمرار، وننتظر باستمرار، ونُثير الشكوك، ولا نقبل، ونختلق الأعذار دائمًا. هذا بسبب قربهم من الحقّ؛ أي إنّهم رغم مظهرهم المضطرب، إلاّ أنّ باطنهم قريبٌ من الحقّ؛ أمّا نحن فقد ابتعدنا. قد يكون للشخص لحيةٌ تصل إلى سرّته، وعمامة ضخمة، لكنّه بعيدٌ عن الحقّ لدرجة أنّه لا شيء يمكن أن يُعيده إلاّ سيف صاحب الزمان ذو الحدّين!
«وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئًا حِينَ يَدْعُونِي»؛ هذا من لوازم وجودنا.
بناءً على ذلك، كلّما رأى الإنسان أنّ نفسه تميل أكثر إلى إجابة الله تعالى، فليعلم أنّه أقرب إلى الحقّ. إذا رأيتم أنّ شخصًا عُرض عليه اقتراحٌ: «تعال وقم بالعمل الفلانيّ»، فجلس وانتظر وفكّر ومسح على لحيته، وتأمّل قليلاً، ثمّ قال: «إن شاء الله سنتحدّث حول الموضوع»، وأدلى بمثل هذه الأقوال، ثمّ رفض بطريقةٍ ما، فاعلموا [أنّه بعيدٌ عن الحقّ].
يقول الإمام السجاد عليه السلام في الفقرة التالية:
«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلاً حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي»؛٣ أي: حين أطلب منه، يُعطيني؛ لكن حين يطلب هو منّي، فإنّني أمسك.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾٤.
يُقال لشخصٍ ما: «يا سيّد، هناك حاجةٌ ماسّةٌ الآن إلى مبلغٍ من المال»، فينتظر قليلاً، ويقول: «حسنًا، إن شاء الله سأعطي». ويُقال هذا الكلام لشخصٍ آخر، فيقول: «تفضّل يا سيّد». ويُقال لشخصٍ ثالث، فيقول: «لم يُخبرني، خذوا من حسابي». هذه مراتب مختلفة.
كلّما رأيتم أنّ صفة من صفات الله أقوى في وجود شخصٍ ما، فاعلموا أنّ ميله نحو هذه الصفة أكبر من غيره، وأنّه هو الأقرب.. هذا معيارٌ كلّي. يجب على الإنسان أن يُجاهد، ويسعى دائمًا إلى تبديل هذه الصفات بالصفات الحقيقيّة والواقعيّة؛ حينئذ، سيكون هو الأقرب من البقيّة.
في أحداث الثورة عام ٤٢ شمسيّ (١٩٦٣م)، كان المرحوم العلاّمة يتعاون مع آية الله الخمينيّ؛ وبعبارة أخرى، كانا يعملان معًا. بناءً على هذا المبدأ، عندما تمّ اعتقالُه، تقرّر إغلاق جميع مساجد طهران والمحافظات. وكان المرحوم العلاّمة يُرسل أشخاصًا إلى أئمّة الجماعات قائلاً: «أغلقوا المساجد!»، فكان بعضهم يُغلقها فورًا، وبعضهم لم يكن يُغلقها بسبب هوى النفس والشهوة والمنافع! لدرجة أنّ بعض الأشخاص الذين كانوا على صلة به ومن جماعة فدائيي الإسلام، كانوا يذهبون ويُهدّدونهم، فكانوا يُغلقون مساجدهم بسبب هذا التهديد. أحد هؤلاء الفدائيين ـ رحمه الله، كان على صلة وثيقة بالمرحوم العلاّمة وتوفّي قبل بضع سنوات ـ ذهب من تلقاء نفسه، وأخرج مسدّسًا، وقال لأحدهم: «ألا تريد أن تغلق المسجد؟!». فلمّا رأى المسدّس، قال بخوف: «نعم، نعم، سأغلقه!». لقد رأى أنّه لا مجال للمراوغة هنا. عندما ترى أنّه يجب إغلاق المسجد الآن، ويجب تقديم المساعدة، فلماذا لا تُغلقه؟ ولماذا لا تريد أن تخضع للحقّ؟!
لحيته بيضاء، وعمامته كبيرة جدًّا، وعصاه سوداء، ونعلاه صفراوان، وعباءته نجفيّة مخطّطة، وما إلى ذلك.. كلّها مرتّبة ومنظّمة ومكويّة؛ ولكن، ما مدى قُرب هذا الباطن من الحقّ؟!
يجب على الجميع أن يجتازوا امتحاناتهم، وجميعهم قد اجتازوا امتحاناتهم؛ وجميع أولئك الذين اجتازوا امتحاناتهم قد رحلوا عن هذه الدنيا.. من الأعلى إلى الأسفل، ومن الصغير إلى الكبير، مهما قلّ مقدارهم أو كثُر؛ ففي النهاية، الجميع راحلون، ولكن ماذا يفعلون عندما يرحلون؟! يجب أن نفكّر في ذلك الوقت.
نأمل إن شاء الله أن يأخذ تعالى بأيدينا، ويُوفّقنا بنفسه لقبول دعوته! وأن يُوفّقنا لما فيه صلاحنا ورضاه! نترك بقيّة المواضيع لوقتٍ لاحق إن شاء الله تعالى.
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ