7

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به

أين الله في علاقاتنا؟

99
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1419

التاريخ 1419/09/11

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

لماذا تقوم معظم الصداقات والعلاقات الدنيويّة على المصالح ثمّ تنتهي؟ ما هي خصائص حكومة العدل الإلهيّ عند أمير المؤمنين وإمام الزمان عليهما السلام؟ وهل يجوز التضحية بالحقّ من أجل الروابط الأسريّة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مبيّنةً أنّ العلاقة الحقيقيّة الوحيدة والدائمة هي العلاقة مع الله تعالى.

/۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به 

  • أين الله في علاقاتنا؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱٩ هـ - الجلسة السابعة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرجيمِ 

  • بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيمِ 

  • وصلّى اللهُ علىٰ سيّدِنا محمّدٍ وأهلِ بيتِه الطيّبينَ الطّاهرينَ 

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • درجة قرب الله ودنوّه من الإنسان مقارنةً بسائر القرابات

  • «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي، وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي».

  • الحمدُ مختصٌّ بالله الذي كلّما ناديته لقضاء حوائجي، كان مهيّأً؛ وكلّما أردتُ أن أخلو به لأبوح له بسرٍّ من أسراري، تيسّر لي ذلك من دون وجود شفيعٍ يشفع لي بالحضور في ساحة جلاله وجبروته؛ وهو يقضي حاجتي ويلبّيها.

  • تُفيد هذه العبارة بأكملها معنًى واحدًا، وهو أنّ هذه الفقرة تحكي عن مقام دنوّ الله وقربه من الإنسان، وأنّه ما من موجودٍ أقرب إلى الإنسان من الله، فهو الأقرب من كلّ الأشياء والموجودات. ذلك لأنّ إطلاق اسم «الشيء» على الله جائزٌ؛ «شَيءٌ لا كالأشياءِ»۱. والشيء هو بمعنى ما «شِيءَ وجودُه»، أي ذلك الذي كان وجوده مرادًا ومشيئًا.

  • الأنس والتقارب بين الناس لجلب المنافع الدنيويّة 

  • أمّا هذه الأواصر وعلاقات الأنس الموجودة في هذه الدنيا، فإنّها ستنتهي يومًا ما وتزول. إنّنا في هذه الدنيا نأنس بأفرادٍ؛ 

  • فأوّلاً: ما هو مقدار هذا الأنس؟ 

  • وثانيًا: ما هو مدى ودوام هذا القرب؟ 

  • وثالثًا: لأيّ شيءٍ هذه العلاقات؟

  • إنّ العلل والعوامل التي أوجبت هذه العلاقات مختلفةٌ، وهي بطبيعة الحال تدور حول منافع الإنسان وفي فلكها. فأحد أسباب هذا القرب هو الوصول إلى الثروة والمال؛ حيث يتقرّب الإنسان من آخر ليتمكّن من الاستفادة من ماله. وتسعون بالمائة من العلاقات في الدنيا هي من هذا القبيل. فما دام الإنسان يمتلك مالاً، فإنّه يكون محطّ اهتمام الأفراد؛ وبمجرّد أن ينفد ماله، يتركونه وينصرفون.

  • لقد قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ فَقَدْ كَفَرَ»٢. ذلك لأنّه لا يتواضع لهذا الإنسان، بل إنّما يتواضع لذلك المال. فإن افتقر فلن يكون هناك أيّ فرقٍ بينه وبين سائر الناس، وسيصبح عرضةً للطعن والذمّ من قبل الطاعنين، وسينبذونه جانبًا! وإذا عاد إلى سابق ثرائه، نرى النظرات والاحترام تختلف مرّةً أخرى.

    1. التّوحید، شیخ صدوق، ص ١٠٧.
    2. تحف العقول، ص ٢١٧؛ کشف الأسرار، میبدی، ج ٤، ص ١٣٣؛ کشکول بهائی، ج ٢، ص ٢٩٠؛ المبسوط، سرخسي، ج ١٦، ص ١١١؛ 

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

3
  • يعود هذا الأمر إلى رؤية الكثرة. فعندما تكون الرؤية رؤية كثرة، فمن الطبيعيّ أن تكون المسائل الكثراتيّة والجانب الكثراتيّ لهذه الأمور محطّ اهتمام. وهذه مسألةٌ يجب على الإنسان أن يوليها اهتمامًا كبيرًا! وكثيرًا ما يُرى أنّ أسلوب تعامل الإنسان مع من لا يملك ثروةً يختلف اختلافًا كبيرًا؛ ولكن بمجرّد أن يدرك أنّه ثريٌّ ومن الأغنياء، يتغيّر أسلوب الحديث تمامًا، وتتغيّر طريقة السلام، وتتبدّل أساليب المجاملات. كلّ هذا باطلٌ محض!

  • من أسباب هذا القرب أيضًا الوصول إلى منصبٍ ما؛ في حين أنّ الآخر هو نفسه وبالكيفيّة ذاتها، ولا يختلف في شيء! كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله عندما يجلس، لا يعرف الداخل أيّ واحدٍ من هذا الجمع هو النبيّ۱. هكذا كان النبيّ، وهكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام، وهكذا كان الأئمة عليهم السلام، لم يكونوا يختلفون عن الآخرين.

  • المساواة بين الناس من مؤشّرات الحكومة الإسلاميّة الحقّة

  • في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام، جميع الأفراد على السواء، لا فرق بينهم ولا اختلاف. وفي حكومة إمام الزمان عليه السلام ستكون الأمور على هذا النحو؛ إن شاء الله. «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ تُعِزُّ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنَا فِيهَا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى طَاعَتِكَ، وَالْقَادَةِ فِي سَبِيلِكَ، وَتَرْزُقُنَا بِهَا كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».٢

  • إنّ النسخة الخطيّة الأصليّة لهذه الفقرة الشريفة موجودةٌ عندي، وقد جعلت لها إطارًا، وهي مؤثرةٌ وتعجبني كثيرًا! وأحبّ أن تُطبع وتكون في متناول الرفقاء. في السابق، كان المرحوم العلامة يخطّط هذه اللوحات ويوزّعها في المجالس والأعياد، ويرسلها للعلماء. كنتُ في ذلك الوقت صغيرًا، في السادسة أو السابعة من عمري، وأذكر أنّه كان يصطحبني معه إلى المسجد كي لا أُشَاغب في البيت، ثمّ يأخذني إلى المطبعة. رحم الله المرحوم الحاجّ السيّد محمد كتابجي، فقد كان أحد الإخوة من عائلة «كتابجي» ومسؤولاً عن المكتبة والمطبعة «الإسلامية». وكان المرحوم العلامة يذهب بنفسه إلى شارع ناصر خسرو ويشرف على صناعة «اللوحة» وكيفيّة طباعتها.

  • كانت الأجواء في ذلك الوقت مختلفةً، وكنّا نحن نتمنّى ذلك، فنقول له: سيّدنا، ألا تذهب الليلة إلى المطبعة؟ فيقول: «سنذهب الليلة، وسنذهب ليلة غدٍ أيضًا، وإن لم تشاغب، فسنذهب بعد غدٍ أيضًا». عندها، كنت أصبح طفلاً هادئًا في البيت حتى يأخذني معه إلى المطبعة. وعندما كنت أرى تلك الأجهزة، كنت أسرّ بها كثيرًا. 

    1. الثّاقب فی المناقب، ص ٣١٦؛ قصص الأنبیاء علیهم السّلام، راوندي، ص ٢٩٥
    2. الکافی، ج ٣، ص ٤٢٤. وظيفة الفرد المسلم في احياء الحكومة الاسلامية، ص ٣٥:

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

4
  • كانت هذه اللوحة مكتوبةً بخطّ المرحوم السيد حسن ميرخاني رحمه الله، وقد أعدّها وطبعها بشكلٍ جميلٍ جدًّا في يوم النصف من شعبان. بالطبع، أستبعد الآن أن تكون تلك اللوحات متوفّرةً أصلاً، ولكن لعلّ بعض روّاد المسجد القدامى ما زالوا يحتفظون بها في منازلهم؛ لكنّ النسخة الأصليّة موجودةٌ الآن. عندما كان المرحوم الوالد العلامة يوزّعها، أعطانا مقدارًا منها، ويبدو أنّ البقيّة يجب أن تكون عند سائر الإخوان.

  • في هذه الفقرة الشريفة من دعاء الافتتاح، يقول: «يا إلهنا، إنّنا نطلب منك من صميم قلوبنا أن تجعلنا في مثل هذه الدولة!» ويأتي بإنشاءٍ بليغٍ وحيٍّ للغاية! لا من تلك الإنشاءات المُميتة، بل هو مُحيٍ ومنعش. بل إنّه كان يستخدم مثل هذه العبارات في بياناته وإعلاناته. وأذكر في ذلك الوقت، أنّ المهندس بازركان كان قد ألقى كلمةً في مسجد «هدايت» في شارع «إسلامبول» ـ وقد أثنى كثيرًا هناك ـ وقال: «بعد طول انتظار وبعد كلّ هذا الصمت، ارتفعت أخيرًا صرخةٌ من مسجد القائم ودعتنا إلى إقامة حكومةٍ إسلاميّة و...!». كان السيّد محمد حسين الطهراني من أوائل العلماء الذين نادوا بإقامة الدولة!

  • لقد حدثت مسألة توزيع البيانات في مسجد قائم وبين العلماء قبل سنة ٤٢ [هجري شمسي]، حين لم يكن هناك أيّ خبرٍ بعد عن الثورة. في ذلك الوقت، كان يُعرف بأنّه رجلٌ ثوريٌّ، وكان الناس يقولون: «إنّ نهج هذا السيّد الطهرانيّ مريبٌ، ومسجد القائم هذا يختلف عن سائر الأماكن!». وأنتم لا تعلمون ما كان يقوم به بعض الأفراد في ذلك الوقت من عرقلةٍ ووضع للعقبات أمام تطبيق القوانين وإقامة الحكومة الإسلاميّة! وكان تاريخ تلك الفترة عجيبًا جدًّا، والمتاعب التي عاناها المرحوم العلامة من هؤلاء كانت عجيبةً جدًّا! وتفاصيل هذه الأمور لا يعلمها الآن سوى عددٌ قليلٌ۱. أحدهم هو سماحة آية الله الحاج الشيخ صدر الدّين الحائري، فقد كان في صلب الأحداث والقضايا تمامًا.

  • «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ تُعِزُّ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ»؛ في هذه الدولة، أهل الإسلام أعزّاء. «وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ»؛ النفاق في حكومة الإسلام ذليلٌ. أينما وُجد نفاقٌ، فأهله أذلّاء ومنحطّون. هذه هي حكومة إمام الزمان عليه السلام. إذن، أيّما حكومةٍ رأيتم أنّ طريقة الحديث والتواصل والمجاملات لا تختلف بعدها عمّا كانت عليه قبلها، فاعلموا أنّها حكومة حقٍّ. وهذا لا يكون إلا في حكومة إمام الزمان عليه السلام، وفي السنوات الأربع التي حكم فيها أمير المؤمنين عليه السلام؛ والسلام! أما سائر الحكومات، ففيها نقصٌ وزيادةٌ، وعلوٌ وهبوطٌ.

    1. راجع: «وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام»، ص ٣٧؛ «الشمس المنيرة»، ص ١٣٤؛ «شرح فقرات من دعاء الافتتاح»، ص ١٩. كان تاريخ نشر هذا البيان في منتصف شعبان عام ١٣٧٨ هجري قمري، الموافق ليوم الاثنين الرابع من شهر اسفند عام ١٣٣٧ هجري شمسي.
      وجاء في كتاب «لبخندهای زمستانی» ابتسامات خريفيّة (ذكريات رجبعلي طاهري*)، ص ٩٥ - ٩٩، مع تلخيص: 
      «... بما أنّ منزلي كان يقع في "دروازه دولت" وبالقرب من مسجد القائم، كنت أذهب دائمًا إلى هناك لأداء صلاتي المغرب والعشاء، وهناك تعرّفت على العلامة السيّد محمّد حسين الحسيني الطهراني. كان سماحته في عام ١٣٤١، عند انطلاق نهضة العلماء، يلقي خطبًا لدعم هذه النهضة. وعندما رأيت هذا الموقف الحازم منه، ازددت انجذابًا إليه.
      في حدود عامي ١٣٤١ و ١٣٤٢، ولأول مرة، قام سماحته شخصيًا بتقديمي [لقائد الثورة الراحل] وكتب له رسالة، فذهبت لزيارته. في ذلك الوقت، كانت بياناته تحتوي على بعض الأخطاء الاصطلاحيّة، وقد تحدّثت معه في هذا الشأن، وأبدى اهتمامًا بتلك الملاحظات. كان من بين هذه الأخطاء كلمة "روحانيين" التي كان يكثر من استخدامها. كان آية الله الطهراني يقول: "هذا مصطلح من الدين المسيحي. في الثقافة الشيعيّة والفقه، لدينا كلمة 'علماء'". لذلك، عندما نُبّه إلى هذا الأمر، قبله. بعد ذلك، لو نظر أحد، لوجد أنّ كلمة "روحاني" لم تكن موجودة لفترة طويلة، حتّى عاد استخدامها في باريس وبعد عودته إلى إيران، إمّا نسيانًا أو لأنّ بعض المفردات تفقد أحيانًا معناها القديم.
      كان من ضمن تشكيلات العلامة السيّد محمد حسين الطهراني سماحة آية الله صدر الدين الحائري الشيرازي. ومن بين الشخصيات الموجودة في طهران، يمكن الإشارة إلى الحاج آقا معيني الشيرازي، الذي يشغل منصب الممثل العقائدي، وكذلك ابنه، رضائي، وهو رجل دين في قم، والمهندس مصلحي... بشكل عام، بدأت علاقتي الثوريّة عن طريق العلامة الطهراني. كان سماحته يتحدّث في نقاشاته عن إمام الزمان عجّل الله فرجه؛ أي النضال والنشر وغير ذلك. كان يرى كلّ هذه الأمور شيئًا واحدًا؛ أي كلّما سعينا أكثر لتحقيق العدالة، قرّبنا الظهور، والإمام ينتظر منّا ذلك. كانت كلماته هذه تدفع الإنسان إلى القيام والثورة، ومن ناحية أخرى، كانت حركته تثبت أنّ إمام الزمان يريد من شيعته أن يكونوا هكذا. وقد نشر سماحته مقالات حول هذا الموضوع في مجلة "انتظار"، خاصّة في عددها الثاني تحت عنوان "أفضل الأعمال انتظار الفرج".
      على أيّ حال، عندما أصبحت علاقتي به أكثر خصوصيّة، اقترح عليّ أنّه لكي تصل الثورة والنهضة إلى نتيجة مرضيّة، لا بدّ من القيام بعمل تنظيمي وتشكيل مجموعات من عشرة أشخاص لعقد الجلسات... وكان على المجموعات أن تقسم اليمين؛ على غرار حلف الفضول في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
      على كل حال، أسّس العلامة الطهراني تشكيلات سرّية تحت إشراف [قائد الثورة الراحل]. كانت فكرة المشروع من العلاّمة نفسه. وذهب العلامة إليه وقال: "بخطاب واحد منكم، يزداد اهتمام الناس [بطريقكم ونهضتكم] باستمرار؛ علينا أن ننظّم هؤلاء لنتمكّن من مواصلة النهضة". فوافق هو على هذا الرأي. في الواقع، أجاز سماحته لتلك التشكيلات السرّية بالعمل في عام ١٣٤٢، وتولّى العلامة الطهراني مسؤوليّة ذلك، كما حصل على إذن بالقسم، باعتباره مرجعًا ويجب أن يستمرّ جهاده.
      وبهذه الطريقة، بدأ في استقطاب الأفراد من كلّ حدب وصوب. لذلك، عندما عرض عليّ هذا الأمر لأوّل مرة، وافقت؛ لأنّ هذا النضال كان دينيًا بالكامل ويحظى بتأييد مرجع التقليد. ومن بين الذين أقسموا معه على مواصلة نهضة العلماء، كان السيد عبد الحسين دستغيب وآية الله صدر الدين الحائري في شيراز. وفي طهران أيضًا، كان على تواصل مع بعض الأفراد، من بينهم الحاج مهدي عراقي، الذي كان يأتي إلى مسجد القائم في ذلك الوقت، ومجموعة من أعضاء "حزب المؤتلفة الإسلامي". وبالطبع، بما أنّ تشكيلات العلامة الطهراني كانت سرّية، كانت كلّ مجموعة تلتقي به في ساعة محدّدة، ولم تكن أيّ مجموعة تعلم بأمر الأخرى.
      بالإضافة إلى كونه مجتهدًا جامعًا للشرائط ومناضلًا ومجاهدًا، كان العلامة الطهراني ملمًّا بالعلوم الحديثة مثل الهندسة والرياضيّات، والأهم من ذلك كلّه، المعارف الإسلامية. والكتب التي ألّفها، من "معرفة الله" و"معرفة الإمام" و"معرفة المعاد" وغيرها، تقع كلّ منها في خمسة عشر مجلدًا. ومن كتبه الأخرى القيّمة والمستدلّة كتاب "وظيفة الفرد المسلم"، الذي نشرتُ مؤخرًا جزءًا منه في العدد العشرين من مجلة "انتظار"، وأعتزم نشر الكتاب بأكمله في العدد القادم والبقية أيضًا، لأنّ "وظيفة الفرد المسلم" ستبقى دائمًا أمرًا ضروريًّا يجب أن يعرف، والكتاب نادر ولم يعد طبعه.»
      *ولد رجب علي طاهري في مدينة شيراز عام ۱٩٣٦. تخرج كمهندس مدني من جامعة طهران، وهو ما منحه لقباً اشتهر به وهو "المهندس طاهري". كان من الكوادر الناشطة في الحركات الإسلامية والطلابية المناهضة لحكم الشاه. ارتبط بعلاقات وثيقة مع قيادات الثورة، وتعرض للاعتقال والسجن عدّة مرات من قِبل جهاز "السافاك". يُعتبر المؤسس الأول لـ حرس الثورة الإسلامية (سپاه پاسداران) في محافظة فارس؛ حيث تولى قيادته في الأيام الأولى للثورة. انتُخب عضواً في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) في دورته الأولى ممثلاً عن مدينة شيراز. توفي عام ٢۰۱٣ بعد صراع مع المرض، وقد نعته القيادات العليا في إيران بصفته "المجاهد الدؤوب" وأحد رواد الحركة الثورية في شيراز. (م)

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

5
  • إذًا، هذه العلاقات وغيرها من العلاقات التي تلاحظونها في هذه الدنيا، إنّما هي للوصول إلى الرئاسات. فالإنسان يحتاج إلى تكوين حياةٍ وتأسيس أسرةٍ، ولذلك يسعى للزواج بامرأة؛ ولو لم يكن بحاجةٍ، لما فعل ذلك أبدًا! فهو يعيش مرتاحًا، فلماذا يأتي ويخلق لنفسه المتاعب؟! والمرأة أيضًا تحتاج إلى زوجٍ من أجل الحماية وتكوين حياةٍ وأسرةٍ؛ ولو لم تكن بحاجةٍ إلى زوجٍ، لما تزوّجت، ولبقيت في مكانها.

  • نصيحة إلى الآباء في التعمل مع الحياة الأسريّة لبناتهم

  • غفر الله لأسلافنا، فقد كانت طريقتهم تختلف عن طريقة زماننا. كانت لنا جدّة ـ رحمها الله ـ أصابها الشلل لسنوات، وكنّا حين نذهب إلى طهران أحيانًا، نزور هذين الجدّين، الوالد والوالدة. في ذلك الوقت، كان المرحوم الحاج معين الشيرازي رحمه الله على قيد الحياة وكان معهم. كانت تقول: «غضبتُ يومًا ما (وكانت صغيرةً آنذاك) من جدّكم هذا، فغادرتُ البيت غاضبةً وذهبتُ إلى بيت أبي. عندما دخلتُ، نظر إليّ أبي نظرةً وفهم الأمر، لكنّنا لم نتحدّث بشيء. كان الوقت صيفًا، وكنّا نجلس بجوار فناء الدار (كانوا في كرمانشاه آنذاك). ثم فجأةً رأيتُ أبي يذهب ويأتي بسكّينٍ من المطبخ. فتعجّبتُ: لماذا يريد هذه السكّين؟! هل يريد أن يقطع بها غصن شجرة؟ رأيتُه يواصل حكّ السكّين بحجر الحوض ويسنّها! انتظرتُ قليلاً، وقلتُ في نفسي: لا يوجد هنا دجاجٌ أو خروفٌ ليذبحه؛ فلماذا يفعل هذا؟! 

  • فقلتُ: يا أبي، لماذا تفعل هذا بهذه السكّين؟!

  • قال: «أنا أسنّ هذه السكّين لتلك البنت التي تأتي إلى بيت أبيها دون إذن زوجها!». فخرجتُ خلسةً دون أن أودّعه، وأغلقتُ الباب وهربتُ! وكان هو قد أشغل نفسه عمدًا كي لا يراني. وانتهى الأمر عند ذلك؛ ولم أغضب بعدها، ولم أذهب إلى دار أبي».

  • حين أقول «الاحتياج»، فإنّي أعني هذا. أمّا الآن، فتغضب الزوجة من زوجها وتذهب إلى بيت أبيها، فيرسل أبوها رسالةً إلى صهره قائلاً: «هل تظنّك اشتريتَ جاريةً؟! نحن نضعها على رؤوسنا، ونحن نفعل لها كذا وكذا!». أيّها الأحمق، هل تعلم أيّ مصيبةٍ تجلبها على ابنتك بهذه الكلمات؟! الطريقة الصحيحة كانت طريقة القدماء. إنّها الحياة، فيها صعودٌ وهبوطٌ، وفيها عسرٌ ويسرٌ. وعندما تشعر المرأة أنّ بإمكانها اللجوء إلى مكانٍ ما، فإنّها تنسى تلك المسائل؛ أمّا عندما ترى أنّه لا ملجأ لها، فإنّها تأتي وتتكيّف مع ظروف الحياة. والزوج أيضًا عندما يرى أنّها تتكيّف مع ظروف الحياة، يتعاطفان مع بعضهما؛ وفي النهاية، يجلسان ويتحدّثان، ويأتي شخصٌ ثالثٌ ويتحدّث مع الزوج. ولكن في الحالة الأولى، فإنّها تعتمد دائمًا على نقطة ارتكازٍ، وهذا ما يفسد الأمر؛ لأنّ نقطة الارتكاز تلك لا تسمح لها بالتسليم. وقد واجهنا في زمن المرحوم العلامة الكثير من هذه الحالات والمراجعات والمسائل، حتى إنّه ما إن كان يأتينا شخصان ونرى بينهما خلافًا، كان أوّل ما أفعله هو البحث عن نقاط ارتكازهما لأقوم بقطعها. وبعد ذلك، كانا يذهبان ويجلسان معًا ويعيشان حياةً جميلةً.

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

6
  • ذات مرّةٍ، جاءتنا امرأةٌ وكانت تصرخ وتصيح؛ كانت قد تشاجرت مع زوجها، وكان الأمر معقّدًا جدًّا. في أوّل لقاءٍ، أدركتُ أنّ أباها قد دلّلها كثيرًا. فقلتُ لأبيها: سيّدي، هل تريد لابنتك أن تعيش مع هذا الزوج أم لا؟! 

  • قال: «نعم». 

  • قلتُ: كلّ المشاكل تكمن فيك، أنت من يفسد الأمر؛ في المرّة القادمة التي تأتي فيها ابنتك إلى بيتك، لا تسمح لها بالدخول! فانتهت القضيّة، وذهبا وعاشا معًا، والآن لديهما ثلاثة أطفال. بالطبع، تحدّثنا مع الصهر من الجانب الآخر أيضًا؛ لا أننا نضرب ونحطّم من جانبٍ واحدٍ فقط؛ بل في المقابل، استدعينا الصهر وتحدّثنا معه مطوّلاً. لكنّ المشكلة كانت تكمن في ذلك الجانب.

  • تنشأ هذه المسائل بسبب الاحتياج؛ فإذا انتفى ذلك الاحتياج، تفكّكت الأواصر. والحياة التي يوجد فيها أطفالٌ يكون قوامها أشدّ من الحياة التي لا يوجد فيها أطفال. بل إنّ الكثير من المتاعب تُحتمل بسبب وجود الأطفال؛ أمّا إن لم يكونوا موجودين، فإنّ العلاقة تنهار فورًا.

  • ضرورة محوريّة الحقّ في الصداقات الإلهيّة والمسائل الأسريّة

  • في الصداقات أيضًا، ما دامت مصالحهما غير مرتبطةٍ بمكانٍ آخر، فإنّ هذه القرابة تستمرّ؛ وبمجرّد أن يرتبط أحدهما بمصلحةٍ ما، فإنّه يترك هذا الصديق ويذهب لمتابعة شؤونه. وبذلك يكون كلّ شيءٍ قد انتهى! أو أنّ هذه القرابة تدوم ما لم يواجهوا مشكلةً ما؛ فبمجرّد أن يواجهوا مشكلةً، ترى هذه الصداقة تضعف شيئًا فشيئًا، وبأيّ ذريعةٍ تنقطع فورًا؛ وبسبب مسألةٍ تافهةٍ للغاية، تتفكّك هذه الصداقة ويتفرّقان.

  • ﴿ٱلأَخِلَّآءُ يَومَئِذِ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلمُتَّقِينَ﴾۱؛ أصدقاء الدنيا في يوم القيامة يفترق سبيلهم. تلك الصداقة التي تدوم هي التي تكون على أساس الإيمان، وعلى أساس اليقين، وعلى أساس المحبّة، وعلى أساس الرضا الإلهيّ، وتلك هي الصداقة الإلهيّة؛ هي وحدها التي تبقى.

  • لذلك، لا يستطيع الإنسان أن يضحّي بالحقّ من أجل الصداقة أو من أجل المسائل العائليّة. بل إنّه من المحرّم أن يضحّي الإنسان بالحقّ من أجل مسائل القرابة! وإذا ما فعل ذلك، فإنّ الله سيعاقبه. إذا أريد للحقّ أن يُضحّى به من أجل مسائل القرابة، فيتغاضى الإنسان عنه ويغضّ الطرف ولا يأخذه بعين الاعتبار، فمثلاً لو وقع ظلمٌ على إنسان ما، فلم يذكره بسبب مصالحه العائليّة، وأراد أن يحافظ على مكانة عائلته، وليحدث ما يحدث للآخرين؛ إذا أراد أن يكون الأمر كذلك، فإنّ الله سيعاقبه ويمزّق عائلته! على الإنسان أن يريد الحقّ للحقّ، ولو كان ضدّه، ولو كان ضدّ عائلته؛ لا فرق في ذلك أبدًا. وبمجرّد أن يريد الإنسان إدخال مسائل أخرى غير الحقّ، تظهر المشكلة هناك.

    1. سورة الزخرف، الآية ٦٧

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

7
  • كان كثير من الناس عندما يريدون أن يقضوا، ويتعلّق هذا القضاء بأحد أقاربهم أو ذويهم، كانوا يتنحّون عن القضاء ويوكلونه إلى آخر، خشية أن يأتي الشيطان هنا ويوسوس ويغيّر الموضوع ويشوّهه في ذهن القاضي. لذلك كانوا من البداية يوكلون القضاء إلى آخر، ويقولون: «تعال أنت واقضِ!».

  • كان أمير كبير من نوادر الذين تولّوا مقام الصدر الأعظم۱ الذين حكموا بلادنا، وليس الأمر أنّه كان متديّنًا، بل كان حرًّا ومتحرّرًا للغاية. بالطبع، كان لديه قدرٌ من التديّن، لا أنّه لم يكن لديه أبدًا، لكن لا يُتوقّع من أحواله أن يكون تقيًّا بالمعنى الخاصّ للكلمة؛ لكنّه كان يحترم الدّين، ويحترم الناس، وكان يسعى لإحقاق الحقّ، بالإضافة إلى تلك الفطنة والدراية التي يشعر الإنسان أحيانًا عند دراسة أحواله وخصائصه حيث يلمس أنّه عبقريّ!

  • أذكر عندما كنّا في محضر السيد الحداد رحمه الله، كان أحيانًا يروي حكاياتٍ عن أمير كبير وكان هو نفسه يضحك، وكان معجبًا جدًّا بهذا الرجل وخصائصه! وكان يذكره بوصفه شخصًا يبادر إلى فعل الخير. في أحد الأيام، كنتُ أقرأ حكايةً لطيفةً عن عهد أمير كبير، وأنّه أرسل رجلاً إلى قم ليحضر أحد العلماء إلى طهران. وكان ذلك العالم الذي أحضره يعيش في ضيقٍ شديدٍ في معيشته و.... فأعطاه منزلاً وأشياء أخرى، وجعله قاضي دار الخلافة في طهران. في أحد الأيام، جاء هذا العالم إلى جناب أمير كبير وقال: «غدًا ستُعرض في المحكمة دعوى تتعلّق بابن أختكم (أو ابن أخيكم)؛ أردتُ أن أسأل عن رأيكم لأفصل في المسألة وفقه».

  • ما إن سمع أمير كبير بهذا، حتّى نهض وأخذ عمامة ذلك العالم وضرب بها رأسه وقال: «يا قليل الأصل! انصرف وامض! كنتُ أظنّك عادلاً!» وأمر بأن يطردوه خارجًا.

  • عاقبة العلاقات والقرابات الدنيويّة

  • هؤلاء هم الذين باعوا دينهم بدنياهم، ولم يربحوا في هذه التجارة بل خسروا؛ لأنّهم ضحّوا بالحقّ من أجل مسائل القرابة. يجب أن يكون الحقّ دائمًا نصب عيني الإنسان، وهذا صعبٌ للغاية! ويجب على الإنسان أن يكون دائمًا حذرًا ومترصّدًا ليحقّق هذا المعنى في نفسه.

    1. كان هذا اللقب في الحكومات القاجاريّة بمثابة لقب رئيس الوزراء. (م)

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

8
  • هذه الصداقات وهذه العلاقات التي تحصل للإنسان في أمور الدنيا، كلّها تزول. هذه الصداقة إن دامت كثيرًا، فإنّها تدوم حتى وقت الموت؛ ومن وقت الموت فصاعدًا، ينتهي الأمر ويصبح شيئًا آخر. بعض هؤلاء لا يكونون مستعدّين حتّى لرؤية جنازة آبائهم! أعرف أفرادًا من عائلتي، وهم أثرياء جدًّا، ولكن عندما توفّي والدهم في المستشفى، لم يذهبوا أصلاً لاستلام الجنازة! وأرسلوا شخصًا ليأخذ الجنازة من المستشفى إلى الطبّ الشرعيّ، ثمّ يأخذها ويدفنها في مقبرة «بهشت زهرا»! وعندما أحضر شهادة الدفن وأعطاها لهم، قالوا له: «لماذا أعطيتنا شهادة الدفن؟! كان عليك أن تمزّقها وترميها!». تفضّلوا، هذا هو الحال حتّى لحظة الموت! ثمّ لتطمئنّوا أنتم وأنا والجميع، أنّهم إذا أرادوا أن يبكوا علينا كثيرًا وينوحوا ويضجّوا، فإنّهم سينوحون حتى اليوم الثالث قائلين:

  • رَفت زِ دارِ فَنا، حُجّةُ الإسلامِ ما***بِرس بِه فَريادِ ما مَهديِ صاحِب زَمان 
  • يقول: 

  • رحل عن دار الفناء، حجّة إسلامنا *** يا مهدي يا صاحب الزمان أدركنا

  • حتى اليوم الثالث، يصرخون وينتحبون، وبعد ذلك كأنّ شيئًا لم يكن! تذهب البنت وتتزوّج وتجد من تريده، والابن أيضًا يذهب ويتزوّج ويسعى وراء حياته، والزوجة أيضًا تذهب وتتزوّج بكلّ راحة. ونبقى نحن وذلك الزاد الذي جئنا به معنا. يضعون صورتنا على الرفّ ليومين، وفي اليوم الثالث يرفعون تلك الصورة ويسلّمونها إلى غياهب النسيان، وانتهى كلّ شيءٍ وذهب!

  • والرجل كذلك؛ عندما تموت زوجته، يقوم ويذهب ويتزوّج امرأةً أخرى. لا فرق بين طرفي القضيّة. بالطبع، هناك تفاوتٌ بين حالةٍ وأخرى، ولكنّ السائد والمعتاد في الأمر هو هذا.

  • عندما ذهب أمير المؤمنين عليه السلام إلى البقيع، خاطبهم قائلاً: ﴿فَهَل وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُم حَقّا﴾۱؛ قال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: «الآن سأخبركم بما حلّ بأهلكم من بعدكم: أبناؤكم ذهبوا وتزوّجوا. بناتكم ذهبن وتزوّجن. ونساؤكم اللاتي بكين ليومين، ذهبن وتزوّجن (اطمئنّوا، كان هناك من يذهب ويتزوّجهن، لم يبقين بلا أزواج! لم تعد لديهنّ مشكلة). وأموالكم أخذوها وقسّموها جميعًا (الفاتحة مع الصلوات). نحن أخبرناكم من هذا الجانب؛ الآن قولوا أنتم ما الخبر في ذلك الجانب، وماذا فعلتم؟». ثم قال عليه السلام: «لو أُذن لهم بالكلام، لسمعتموهم يقولون: «نعم، إنّه الحقّ؛ التقوى وحدها هي التي يمكن أن تكون المعين هنا!»٢

    1. سورة الأعراف، الآية ٤٤.
    2. الأمالي، الشیخ الصدوق، ص ١٠٧:
      «عن الصّادق جعفر بن محمّدٍ، عن أبیه، عن جَدِّه علیه السّلام قال: ”لمّا أَشرَفَ أمیرالمؤمنینَ علیه السّلام علَی المَقَابر قال: یا أَهلَ التُّربَةِ و یا أَهلَ الغُربَةِ! أَمّا الدُّورُ فَقَد سُکِنَت و أَمّا الأَزواجُ فقد نُکِحَت و أَمّا الأَموالُ فقد قُسِمَت؛ فهذا خَبرُ ما عِندنا، فما خَبرُ ما عِندَکُم؟
      ثُمَّ الْتَفَتَ إلیٰ أصحَابه فقال: لو أُذِنَ لهم فی الکَلام لَأَخبَرُوکُم: أَنّ خَیرَ الزَّادِ التَّقویٰ.“»

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

9
  • الأخوّة الحقيقيّة والمستدامة

  • هذه هي الحقيقة والواقع، ونحن نرى ذلك بأعيننا؛ كأنّ هذا الإنسان لم يكن أصلاً، وكأنّهم لم يعيشوا معه! ولكن لو كانت هذه الصداقة والمحبّة، محبّةً إلهيّةً، فعندئذٍ يختلف الأمر هنا. المحبّة الإلهيّة تعني الأنس، والألفة، والقرب، والصداقة، والمصاحبة التي تكون على أساس أمرٍ واقعيٍّ. حينئذٍ يكون لهذا الأمر الواقعيّ قيمةٌ؛ لأنّه باقٍ ودائمٌ، ولا يتّسع له وعاء الزمان ليزول بزواله؛ بل هو فوق الزمان، سواء وقع في الزمان أم خارج الزمان، وسواء وقع في المكان أم خارج المكان؛ وهو جديرٌ بالتقدير، لأنّه متّصلٌ بالمبدأ، ومتّصلٌ بالمنشأ، ومتّصلٌ بالله.

  • على هذا الأساس، جاء النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وعقد أواصر الأخوّة بين أصحابه؛ أي بمعزلٍ عن مسائل القوميّة والقرابة والرحم والأنساب، وعلى أساس مسألةٍ واقعيّةٍ هي انتساب الأمر إلى الله، وانتساب القضيّة إلى الدّين، وانتساب المسألة إلى الحقيقة، وانتساب المسألة إلى الاشتراك في المسير، جاء وعقد أواصر الأخوّة. آخى بين عمر وأبي بكر، وآخى بين سلمان وأبي ذر، وآخى بين نفسه وأمير المؤمنين عليه السلام۱.

  • ذَرّه ذَرّه كآندَرين أرض و سَماست***جِنسِ خود را هَمچو كاه و كَهرُباست 
  • ناريان مَر ناريان را جاذِبَند***نوريان مَر نوريان را طالِبَند٢ 
  • يقول: 

  • كلّ ذرّةٍ في هذه الأرض والسماء *** تجذب جنسها مثلما يجذب الكهرمان التبن 

  • الناريّون يجذبون الناريّين *** والنورانيّون يطلبون النورانيّين

  • في معركة أُحد، قُتل عددٌ كبيرٌ من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله. ومن بين الذين قُتلوا، عبد الله والد جابر بن عبد الله الأنصاريّ. كان في حياته صديقًا حميمًا لزوج أخته، وكانت صداقتهما صداقةً إلهيّةً؛ بل إنّ هذه الصداقة اشتدّت كثيرًا بعد الإسلام. عندما توفّيا، قال صلّى الله عليه وآله «ادْفِنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي اللهِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ كَمَا كَانَا مُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا»٣؛ ادفنوا هذين اللذين كانت صداقتهما في سبيل الله راسخةً، في قبرٍ واحدٍ؛ وكما كانا معًا في هذه الدنيا، ضعوهما هنا معًا أيضًا! لأنّ هذا له قيمة؛ فلو لم تكن محبّتهما في هذه الدنيا على أساس المحبّة الإلهيّة، لما كانت لها قيمةٌ، ولما أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يُدفنا في قبرٍ واحدٍ. فعمل النبيّ ليس عبثًا ولا لغوًا!

    1. تفسیر القمی، ج ٢، ص ١٠٩.
    2. همان (مهدی آذر)، دفتر دوم، ص ١٨٤.
    3. المغازي، الواقدي، ج ١، ص ٢٦٦؛ بحار الأنوار ج۲۰ ص۱٣۱.

الفرق بين علاقة الله بالإنسان وعلاقات الناس به - أين الله في علاقاتنا؟

10
  • كان هذا عرضًا موجزًا لقرابة الأفراد وصداقتهم ومصاحبتهم، لنصل إلى هذه النقطة التي يقول فيها الإمام السجّاد عليه السلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي، وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي».

  • لماذا عندما نناديه، يكون الوصول إليه ميسورًا؟ ولماذا كلّما خلونا به، لا نحتاج إلى شفيعٍ وحاجبٍ وواسطةٍ؟ إذا سمحتم، فلنترك بقيّة الموضوع ليوم غدٍ، لكي نبحث حول السرّ ومقامات السرّ و... . أظنّ أنّ الوقت قد مضى وقد تعبنا؛ أنا قد تعبتُ، ولا أعلم عنكم!

  •  

  • اللّهمّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ