/ ۱۱
  • fullscreen

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٣۰

  •  

  • ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

2
  •  

  • أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم‌

  • بِسمِ اللَه الرَّحمنِ الرَّحيم‌

  • وَصَلَّى اللَه عَلى سَيَّدنا وَحَبيبِنا، أبي ‌القاسِمِ المُصطَفى مُحمَّد

  • وَعَلى آلِه الأطْيَبينَ الأطهَرين الهُداةِ المَعصومين‌

  • لاسِيَّما بقيَّةِ اللَه في الأرَضين، أرواحُنا لِتُراب مقدَمِهِ الفداء

  • وَاللَعنة عَلى أعدائهم وَمُخالِفيهم ومُنكِري حُقوقِهِم وَفَضائِلِهِم وَمَناقِبِهم‌

  • إلَى يوم الدّين‌

  •  

  • فَإنْ أرَدتَ العِلمَ فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ، واطْلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِه، واستَفْهِمِ اللهَ يفْهِمْكَ.

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام: إذا أردت طلب العلم، فالتمس في نفسك أوّلاً حقيقة العبوديّة، واسع نحوها، ثمّ اطلب العلم بعد ذلك، واجعل هدفك من طلبك للعلم هو استعماله، وليس مجرّد تجميع بعض الأفكار والمعلومات، وتكديس عدد من المحفوظات في داخلك؛ لتكون بذلك نفسُك وصدرك مثل الكتاب الذي يتضمّن بين دفّتيه هذه المسائل والعلوم.

  • خفاء حقيقة العبوديّة ومعنى أنّ السالك لا يُذنب!

  • لقد بيّنا في الجلسات السابقة لماذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «عليك في البداية أن تلتمس حقيقة العبوديّة وتطلبها في نفسك»؛ فماذا تكون حقيقة العبوديّة هذه؟ وهل هي أمر خفيّ حتّى يسعى الإنسان للبحث عنها؟ نعم، إنّها أمر خفيّ؛ وإلاّ، لو كانت واضحة، وبيّنة لجميع الناس، لما طرأت كلّ هذه المشاكل، ولكان الجميع عبيدًا؛ فلو كان العبد يرى نفسه مِلكًا طِلقًا لمولاه، ويعلم بذلك حقيقةً، لما تمرّد أبدًا؛ إذ ما هي علّة التمرّد؟ هي الاستقلال، وإظهار الآراء الشخصيّة، وإبراز النفس في مقابل الله تعالى؛ فهذه هي حقيقة التمرّد.. {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ}؛ أي كلّ ذنب يقترفه الإنسان. في أحد الأيّام، قلت للمرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه: «يا سيّدي، لقد ارتكبنا العديد من الذنوب»؛ وقد كنت أبلغ حينئذ السابعة عشرة من العمر؛ فقال لي: «إنّ السالك لا يُذنب؛ وأمّا هذه التي تتحدّث عنها، فهي أخطاء وزلاّت؛ والزلاّت من لوازم البشريّة»؛ وهذا يعني أنّه كان يُطلق اسم العصيان والذنب والمعصية على مرتبة التمرّد، وليس على الأخطاء التي تحصل نتيجةً للحماقة، والأعمال الصبيانيّة، والنوازع البشريّة، وأمثال ذلك. {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}. وأمّا إذا تمرّد الإنسان على الله تعالى، فإنّ ذلك لا يُغتفر؛ ولا تظنّوا بأنّ إظهار الشرك والاعتقاد بوجود مؤثّر في مقابل الباري عزّ وجلّ هو [فقط] عبادة الأصنام، والثنويّة، والإيمان بيزدان وأهريمن۱؛ لا! لأنّ هذه الآية عامّة ومطلقة بالنسبة للموارد التي يصرف فيها الإنسان توجّهه عن الله تعالى إلى غيره؛ فهذا هو معنى الشرك؛ ويبقى أنّ الأمر قد يختلف في بعض المسائل الجزئيّة، والتي سنتحدّث عنها حين التطرّق لعبارة: واطلُب العِلمَ باسْتعماله؛ لكنّني لا أظنّ بأنّنا سنتمكّن من الوصول إليها اليوم، حيث سنرى وجود اختلاف بين درجات استعمال العلم بحسب اختلاف الأفراد، وأنّ الناس يختلفون في المستوى من حيث استخدامهم لهذا العلم، وتطبيقهم له، وتأثّرهم به، بل وامتزاجهم واعتجانهم به.

    1. يزدان هو إله النور وخالق الخير، وأهريمن هو إله الظلمة وخالق الشرّ عند الثنويّة (راجع: كشّاف اصطلاحات الفنون، ج ۱، ص ٩۱٣). المعرّب

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

3
  • وأمّا بالنسبة للعبارة الأولى، فإنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: «اسع أوّلاً نحو عبوديّتك المنشودة والمفقودة، ولا يكن كدّك من دون طائل، ولا تأت عندي عبثًا، ولا تهدر لي وقتي»؛ فهذا ما يقوله الإمام؛ غاية الأمر أنّ ذلك بلسان حاله.. أ فلم تطرق أسماعكم لحدّ الآن عبارة "لسان الحال"؟ فهذا هو لسان حاله: اذهب أوّلاً، وانظر هل أنت عبد أم مولى؟ هل أنت حرّ أم عبد؟ وبعد ذلك، تعال عند الإمام موسى بن جعفر عليه السلام؛ والذي سأل بِشر الحافي: أ أنت عبد أم حرّ؟ إذا كنت حرًّا، فلا كلام لنا معك؛ وأمّا إذا كنت عبدًا، فإنّ هذا ليس هو فعل العبيد؛ وذلك بأن يرى الإنسان بأنّ لغير الله تعالى دخالة في المسائل التي تقع له؛ أجل، يبقى أنّ لهذا التدخّل مراتب مختلفة شدّةً وضعفًا؛ ولهذا، قد ينظر الإنسان أحيانًا لأحد الأفراد كواسطة، وأنّ إرادة الله تعالى ومشيئته تعلّقتا بتنزّل فيضه عن طريق هذه الواسطة، حيث لن يوجد هنا أيّ إشكال.

  • حقيقة العبوديّة بين النظرتين المرآتيّة والاستقلاليّة

  • حينما كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في مستشفى القائم بمشهد من أجل إجراء عمليّة المرارة على ما يبدو لي، كان هناك أحد الأطبّاء الذين اشتدّت بعد ذلك أواصر مودّتهم به؛ وقد كان رجلاً محترمًا وشريفًا، وحافظ على علاقته بالمرحوم العلاّمة، وكان يأتي عنده كلّ يوم؛ وفي الحقيقة، فقد كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في البداية تحت إشراف هذا الطبيب؛ لكن، بعدما آلت حالته إلى إجراء عمليّة جراحيّة، فقد أصبح علاجه على عاتق سماحة الدكتور توسّلي؛ إذ قبل إجراءات الكشف والفحص والتحاليل، كان هو الذي يقوم بالفحوصات الداخليّة، واسمه سماحة الدكتور منوشهر لاري، ويعمل في مستشفى القائم بمشهد؛ وهو إنسان منظّم جدًّا، وذو غيرة وحماسة، وكان محبًّا كثيرًا [للمرحوم العلاّمة]. ففي أحد الأيّام، التقيت به، فبدأ يُحدّثني فجأة بمسألة حصلت معه، أو مع أحد الأطبّاء الآخرين؛ والظاهر أنّها وقعت لغيره؛ وأنّه كان يشعر بأنّ الله تعالى قد أبقاه على قيد الحياة لأجل خدمة الناس، حيث وقعت على ما يبدو حادثة لأحد أصدقائه؛ فكان يقول إمّا هو أو صديقه، والترديد منّي أنا: «لقد شملني الله تعالى في هذه الحادثة بلطفه وعنايته، وأبقاني على قيد الحياة، حتّى أخدم الناس».. تذكّرت الآن، وأصحّح كلامي! حيث إنّ هذه المسألة لم تكن متعلّقة به هو؛ فقد تحدّث عن قضيّة مشابهة، وأخطأت أنا في بيان مصداقها؛ وتتعلّق هذه القضيّة بطبيب كان يذهب إليه العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في طهران اسمه الدكتور ناصر اتّفاق؛ وقد كنت بدوري أرجع إليه؛ ففي السبع أو الثماني سنوات الأخيرة، كان المرحوم العلاّمة يتردّد عليه؛ وهو نفس ذلك الطبيب المشهور الذي انتقل إلى جوار ربّه على ما يبدو؛ فكان يحكي بنفسه عن مسألة حصلت له، ويقول: «لقد أحسست بأنّ الله تعالى أبقاني على قيد الحياة لأجل مساعدة الناس وخدمتهم».

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

4
  • كنت في المستشفى في محضر العلاّمة رحمة الله تعالى عليه أثناء مرضه الأخير الذي أصاب مرارته، فقال لي يومًا: «يا فلان! يا سيّد محسن! هل تتذكّر حينما ذهبنا في أحد الأيّام إلى الدكتور اتّفاق، وحكى لنا تلك القصّة، وأنّه كان يعتقد برحيله عن هذا العالم، لكن حصل بداء في الأمر؟ فبرأيك، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟»؛ حسنًا، فأحيانًا، كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يمتحننا نحن والرفقاء والأصدقاء جميعًا؛ كأن يذكر عبارة مثلاً، ويقول لنا: «فسّروها، واكتشفوا مواضع الخطأ والصحّة فيها، وحدّدوا نقاط قوّتها وضعفها، و...»؛ فلم أُجبه؛ أي أنّني صبرت، لكي يجيب هو؛ فقال: يُمكن تفسير تلك العبارة بطريقتين ـ وهنا عليكم أن تُدقّقوا كثيرًا في هذا الكلام ـ : الأولى، أن يكون ذلك الطبيب معتقدًا حين التلفّظ بها أنّ له "محلّ من الإعراب"؛ إذ له في جميع الأحوال مكانة خاصّة بالنسبة إلى نفسه؛ فهو صاحب تخصّص، وله وقعٌ ووزنٌ خاصّ [في المجتمع]؛ فإذا كان يشعر في نفسه بهذا الأمر، وبأنّ العديد من شؤون البلد سوف تتعطّل إن قبض الله تعالى روحه؛ أي: إذا كان يرى لنفسه وشخصيّته هذه المكانة، فإنّ ذلك خاطئ تمامًا؛ ولو أنّه قد ينسب حياته وبقاءه إلى الله تعالى، ويُضفي على ذلك صبغة إلهيّة، لكي يتمكّن من طرح هذه المسألة بنحو مناسب من الناحيتين الوجدانيّة والشرعيّة، ومن ناحية علاقته مع الناس؛ فبمقتضى الأدلّة، لا يحتاج بيان خطأ هذه المسألة لأيّ شرح أو تفصيل أبدًا؛ وإلاّ، فما معنى: «نحن الآن موجودون، وإذا مُتنا، ستختلف الأمور، وتتغيّر المسائل، وتتعطّل شؤون العالم»؟! لا، هذا غير صحيح بتاتًا! فالآلاف من الناس رحلوا، وحلّت محلّهم ألوف أخرى من دون أن يحصل أيّ شيء، أو تحدث أيّة مشكلة؛ فهنا، نُلاحظ أنّ الرؤية محفوفة بالكثرة، وأنّها رؤية تنصبّ على الذات والكثرة. وأمّا إذا كان مراده من ذلك الكلام أنّه ـ في جميع الأحوال ـ عبارة عن أحد الوسائط الإلهيّة؛ ففي نهاية المطاف، حينما يُريد الله تعالى أن يُظهر لطفه وإنعامه في هذا العالم، فإنّه ينزّل هذا اللطف عبر وسائط؛ ومن هنا، فإنّ إرادة الله تعالى ومشيئته تعلّقتا ببقائه على قيد الحياة من باب المرآتيّة والوساطة؛ ففي هذه الحالة، لن يوجد أيّ إشكال، بل هو أمر جيّد، ومستحسن جدًّا، وفي محلّه، ولا يتعارض مع التوحيد والعرفان.. انظروا! إذا تغيّرت المسألة ولو بمقدار قليل، فإنّها تُصبح شركًا، وفي جانبها الآخر، تكون توحيدًا.

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

5
  • وهنا، يأتي قوله عليه السلام: فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقة العُبوديَّة؛ فعلينا في البداية أن نأتي بهذه العبوديّة الخفّية، ونُجلّيها لأنفسنا؛ وأن نُحضر هذه العبوديّة التي غفلنا عنها، وهذه الحالة التي سَلَونا عنها؛ والتي تجعلنا عبيدًا لله تعالى، وأن نُدركها، ونتمرّن عليها، حيث يتوجّب على الإنسان أن يُمرّن نفسه عليها باستمرار.

  • ضرورة تمرين النفس على التحقّق بحقيقة العبوديّة

  • ولهذا، فإنّ عبارة: : فَاطْلُبْ أوّلًا ليس المراد منها أن تستيقظ في الصباح، وتبدأ في التفكير في هذا الأمر: يا عباد الله! {قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}۱؛ لا! لأنّ المسألة يا سيّدي لا تنحلّ دفعةً واحدة! بل تحتاج إلى عمل، ومشقةّ، حيث ينبغي تذكير النفس بها كلّ خمسة دقائق؛ لأنّ النفس ترغب كثيرًا في التنصّل من هذا الأمر، وتسعى للذهاب يُمنةً ويسارًا حتّى تتغافل عنه بكلّ هدوء؛ كما أنّ الشيطان ولله الحمد يُساعدها في ذلك كثيرًا، ويضع بين يديها مختلف الطرق والوسائل، ويُعلّمها أسلوب العمل؛ وحينئذ، ماذا يتوجّب على الإنسان فعله؟ ينبغي عليه المجاهدة، بحيث كلّما حاولت النفس الدخول من باب معيّن، أغلقه الإنسان في وجهها، إلى أن يسدّ أمامها جميع الأبواب والنوافذ؛ ففي تلك الحالة فقط تستسلم النفس؛ أي حينما يُغلق في وجهها أبواب: «أنا هو فلان، وأنا بهذا النحو..».

  • وفي هذا المقام، سوف أطرح عليكم مسألة من دون أيّة مجاملة أو مواربة؛ ولنبدأ بأنفسنا أوّلاً؛ فنحن ولله الحمد قد أتينا إلى هنا بأجمعنا؛ أي جميع الرفقاء، والأصدقاء، والأحبّاء، والأفراد الذين يشعرون بالألم، ويحسّون بالمرض، ويعلمون بمعاناتهم من نقص وفراغ، حيث وفّقنا الله تعالى للتعرّف على أحبابه، والأنس بهم؛ وهذا أقوله بجدّ، ومن دون أيّة مجاملة، واللَه عَلى ما أقولُ وَكيلٌ بأنّني لا أجامل هنا؛ فصحيح أنّ الرفقاء يُبرزون لطفهم ومحبّتهم [بالنسبة لي]، لكن، إذا سُئلوا: «هل إنّ السبب الحقيقيّ لإتيانكم إلى هنا هو السيّد محمّد محسن الطهرانيّ، أم العلاّمة السيّد محمّد الحسين رحمة الله تعالى عليه؟»، فإنّ الجميع بلا استثناء سيُجيب: «أتينا لأجله»؛ وإلاّ، فمن أكون أنا؟! فأنا ابنه وأنتسب إليه من الناحية الظاهريّة، غير أنّني لا أعدو كوني طالبًا مثل الآلاف من الطلبة؛ وفي هذه الحالة، ما هي القوّة التي جذبتكم إلى هنا؟ وما هي الحالة التي ساهمت في اجتماعكم في هذا المكان؟ فليست هي علاقتكم بي أنا؛ فما هي إذن؟ إنّ كتب العلاّمة رحمة الله تعالى عليه، ونفسه هي التي تقف وراء هذه المسألة! وهل تعلمون ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل عليه أنّه لو أنّني أردت أن أطرح منهجًا مخالفًا لمنهج المرحوم العلاّمة ـ وقد تكون لي الأهليّة والقابليّة العلميّة لذلك! ـ ، فماذا كنتم ستفعلون؟ ستتركونني، وتدعوني جانبًا، وتقولون: أيّها السيّد! لقد طالعنا كتب العلاّمة رحمة الله تعالى عليه؛ فتفضّل على بركة الله: إذا كان كلامك موافقًا لها، فنحن معك؛ وأمّا إذا كان كلامك معارضًا لها، [فلا شأن لنا بك]؛ لأنّك لن تكون حينئذ مختلفًا عن بقيّة الخطباء والمتكلّمين؛ وهم كُثر في هذا البلد..

    1. سوره الزمر، صدر الآية ٥٣.

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

6
  • وَ كُلٌ يدّعِي وَصْلًا بِلَيلى

  • فنرى كلّ واحد يأتي ويدّعي مسألة لنفسه؛ وهذا أمر واضح؛ وحينئذ، يأتي الإنسان، وماذا يفعل؟ يقول: «لا يا سيّدي! لولاي أنا، لبقيت كلمات المرحوم العلاّمة مجهولة؛ ولولاي أنا، لما تسنّى لأيّ أحد شرحها وتفسيرها؛ ولولاي أنا، لبقيت تلك البحار والجبال من العلم مستورة وراء السحب من دون أن يتمكّن أيّ أحد من الاطّلاع عليها ـ حيث سعى الكثير فعلاً لإبقائها مخفيّة ـ ولولاي أنا، لـ ...»؛ لا، يا سيّدي! هذا غير صحيح، ولا ينبغي علينا أن نخدع أنفسنا؛ فلماذا لا نتحدّث بصدق؟ لأنّ الإنسان لن يلحقه أيّ ضرر جرّاء الصدق. فمن دون مجاملة، إنّ كتب المرحوم العلاّمة هي التي أتت بكم إلى هنا؛ ولهذا، ما دمت أمشي في نفس هذا الطريق، فإنّكم ستأتون إلى هنا لمجرّد أنّني صاحبتُ ذلك العظيم لعدّة أيّام؛ وتقولون: «حسن جدًّا، تعالوا بنا لنرى ما الذي ينقله عن ذلك العظيم، وما هي القصص التي يحكيها عنه، والآراء التي ينقلها عنه»؛ فهذه هي حقيقة المسألة، وإلاّ، فليس من المعلوم أن تنفعكم أفكاري الشخصيّة الفارغة، والكثير من الأشياء التي تملأ ذهني في شيء؛ وحتّى أنا، إذا أردت ألاّ أكون خائنًا، عليّ أن آتي بكلامه هو، لا بكلامي أنا؛ وأقول هذا من دون مجاملة!

  • ومن هنا، علينا أن نُصحّح تفكيرنا؛ فمن هذه الناحية، تبقى مسألة العلاقة بالله تعالى، والتعلّق بمبدأ الوجود محفوظة في محلّها؛ فلا ينبغي علينا أن نغفل أبدًا عن تلك الأنفاس الطاهرة للمرحوم العلاّمة التي جمعت بيننا هنا؛ وحينما آتي وأجلس هنا، ويُحضرون الميكروفونات، ويضعونها أمامي، عليّ أن أنتبه على الفور؛ وهذا هو معنى التمرين. فحينما أذهب للدرس، ويأتي بقيّة الرفقاء، عليّ قبل أن أبدأ الدرس أن أستحضر أوّلاً: فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ، ثمّ أشرع فيه بعد ذلك؛ وعندما أكون جالسًا مع بعض الأفراد، ويطرحون عليّ سؤالاً، فقبل أن أسترسل في الكلام كالعندليب، وأتفوّه بكلّ ما يحلو لي، ماذا عليّ أن أفعل؟ عليّ أن أستحضر هذه المسألة في بالي أوّلاً، لا أن أتقدّم إلى الأمام، وأتقدّم، وأتقدّم، إلى أن أكتشف فجأةً بأنّني بلغت إلى موضع توجد بينه، وبين ما كنت أريد قوله فاصلة كبيرة؛ فما هو سبب ذلك؟ سببه الغفلة؛ أي أنّك سلكت هذا الطريق عن غفلة؛ وأمّا إذا احترزت عن ذلك منذ البداية... كما أنّ الإمام الصادق يقول أيضًا: أوّلًا؛ فيا أيّها السيّد الذي تريد أن تبدأ الدرس، ماذا يجب عليك أوّلاً؟ ينبغي عليك دائمًا أن تطلب في نفسك حقيقة العبوديّة؛ وحينئذ، سوف ترى بأنّ كلامك قد تغيّر، واختلف عن السابق؛ ويا أيّها السيّد الذي يرغب في الذهاب إلى المتجر والسوق، حينما تُريد أن تقول بسم الله، وتفتح باب دكّانك، ابحث في نفسك عن حقيقة العبوديّة، وسوف تكتشف بأنّ معرفتك بالمشترين وبالناس قد تغيّرت، واختلفت عن الأمس؛ ويا أيّها السيّد الذي يُريد أن يدخل إلى منزله عند أهله وزوجته وأولاده، لا يأتي على بالك أبدًا بأنّك تحكمهم من مقام العلوّ والاستعلاء وأمثال ذلك؛ لا يا عزيزي! فهذا أمر محفوف بالمخاطر؛ ولهذا، حينما تفتح الباب، قبل أن تلج إلى الداخل، وتُسلّم على زوجتك، وتستقبلها بوجه مبستم، عليك أن تستحضر أوّلاً بأنّك عبد؛ فلا تتفوّه بأيّ كلام كيفما كان، ولا تتعامل مع ابنك كيفما يحلو لك؛ لأنّه عبد لله تعالى، ولو كان عمره ثلاث سنوات؛ ولهذا، ينبغي عليك أن تعمل بمقتضى تكليفك؛ لأنّ مسألة التكليف مختلفة عمّا نحن فيه، حيث يتعيّن على الإنسان أن يلتزم بالقوانين في هذا المجال، بل وحتّى إعمال الشدّة أحيانًا؛ إذ ينبغي الالتزام بهذه المسائل بحسب ما يقتضيه التكليف؛ غاية الأمر أنّ إعمالك للشدّة ينبغي أن يكون خاضعًا للعبوديّة، وليس للأنانيّة؛ كأن تقول مثلاً: «أنا زوجك، وعليك أن تُصغي لكلامي!»؛ فهذا غير صحيح، أو أن تقول: «بما أنّني زوجك، فإنّ طاعتي واجبة عليك؛ وإلاّ، إذا فعلت كذا، سأفعل كذا.. اذهبي خارجًا، وأنت تعال إلى الداخل، وافعل كذا»؛ وحينئذ، ماذا ستفعل هذه المرأة؟ ستشعر في نفسها بالحقارة، وتقول: «هل هذا هو السلوك؟ أنا سوف ...». لكن، إذا عثرت على حقيقة العبوديّة، فإنّك ستدخل إلى البيت بنظرة العبوديّة، وتتعامل مع أهلك بهذه النظرة، وتعثر على أُذن أخرى لتصغي بها إلى كلامهم، وسوف تسمع المسائل بطريقة مغايرة ومختلفة عن الأمس، وتصبح ليّنًا، وسلِسًا.

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

7
  • الأنانيّة تقع في الطرف المقابل للعبوديّة

  • {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}؛ أي أنّ فضل الله تعالى هو الذي شملك، حتّى أصبحت تتعامل بلين ولطف مع أولئك الكفّار والمشركين الذي كانوا مستعدّين لكي يُضحّوا بأرواحهم، ولا يتخلّوا عن اللات والعزّى؛ وأنا جادّ في كلامي هذا! {ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فمن أين تأتي الفظاظة؟ إنّ السبب في تسمية أبي جهل بهذا الاسم هو كونه قد بلغ من الجهل (المركّب) وخفاء المسائل عنه درجةً، بحيث لم يكن بوسع أيّ كلام أن ينفذ إلى عقله، ولم يكن بالإمكان التحدّث معه بتاتًا؛ فقد وضع بينه، وبين الرسول والحقّ ستارًا يُضاهي سدّ الإسكندر؛ فصدّه ذلك عن نفوذ الكلام إلى سمعه؛ أي أنّه لم يكن يتجاوز أبدًا الغشاء الطبليّ، ولم يصل بتاتًا إلى العصب السمعيّ؛ ففي معركة بدر، قُتل أبو جهل؛ وقد أرادوا أن يفصلوا رأسه عن جسده؛ ويبدو أنّ ذلك حدث في معركة أحد؛ فانظروا ما الذي تفعله هذه الأنانيّة! ففي أحد الأيّام، كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يتحدّث عن قصّة أبي جهل، فقال: «انظروا أيّها السادة ما الذي تفعله هذه الأنانيّة!»، بحيث نراه يُرجّح موته على الأنانيّة التي حُبس فيها، ويقول: «إذا أردتم أن تحتزّوا رأسي، فاقطعوه من تحت العنق»، حيث كان يتّصف مثلاً بنوع من الأبّهة، ويتّوفّر على مظهر خاصّ؛ فلم يكن يقبل بقطع رأسه من فوق، بل طلب منهم قطعه مع الرقبة؛ أي أنّه لا يُفكّر بأنّه سيموت الآن؛ بمعنى أنّ نفسه ترى ذاتها باقية؛ وإلاّ، فإنّ الإنسان حينما يرتحل عن هذا العالم، فإنّه يرحل؛ وحينئذ، ما معنى أن توصي بهكذا أمور بعد موتك؟! فأنت سوف تموت الآن! لا، لأنّه يرى هذه الأنانيّة مستمرّة، ويُريدها أن تبقى كذلك؛ وهنا، حينما نرى بعض الأفراد يرتحلون عن هذا العالم، فإنّنا نشاهد أحيانًا حتّى بعض الأمور غير اللائقة في ضمن وصاياهم؛ فما هو سبب ذلك؟ سببه أنّه يُريد المحافظة على تلك الأنانيّة واستمرارها؛ فجاء ذلك [الصحابيّ]، واحتزّ رأسه من فوق، ومن أصل العنق. لقد كانت هناك عادة سائدة بين العرب تقضي بأنّه إذا وجّه أحدٌ دعوةً للمبارزة في الميدان، بقوله: «هل من مبارز؟»، فإنّه لا يُدير وجهه، ولو أتى الخصم من الخلف؛ فقد يأتي خصمه من وراء، ويضربه بالسيف، ويقتله؛ ومع ذلك، فإنّه لا يُدير وجهه للخلف، بل يقول: «إذا كنت رجلاً، فبارزني وجهًا إلى وجه»؛ فانظروا إلى ماذا يُمكن أن تفعله هذه الأنانيّة؛ حيث جاء في تاريخ العرب أنّ المحارب يقول: «إن كنت رجلاً، عليك أن تواجهني من أمام؛ فلن أدير رأسي، ولو ضربتني وقتلتني!»؛ فنراه هنا يُرجّح أنانيّته على القتل؛ فكيف يتسنّى للإنسان أن يصل إلى هذه المستوى؟! وحينئذ، هل يُمكن لمثل هذا أن يرضخ للحقّ؟ وهل بوسعه نيل عبوديّته؟

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

8
  • وهنا، تبرز هذه المسألة المهمّة، وأنّه على الإنسان أن يصطحب معه تلك العبوديّة في كلّ موضع يكون فيه؛ فإذا كان طبيبًا، وأراد أن يُؤدّي وظيفته، فإنّ عليه أوّلاً أن يُحقّق في نفسه حقيقة العبوديّة، وبعد ذلك، يلجأ للجراحة، والفحص، وكتابة الوصفة الطبّية، وأمثال ذلك؛ لأنّ الذي سيكتب الوصفة عندئذ سيكون عبدًا، والذي يُجري تلك العمليّة الجراحيّة سيكون عبدًا؛ وهكذا، في بقيّة القضايا والمسائل؛ وحينئذ، إذا استمرّت هذه المسألة، فإنّه ستصير ملكة للإنسان؛ فتتغيّر أحواله. إنّ السبب من وراء تأكيد المرحوم العلاّمة مرارًا وتكرارًا على مسألة المراقبة هو عدم وجود من يلتزم بها؛ وحتّى إذا فكّرنا فيها، فإنّنا نُفكّر فيها لمدّة دقيقة واحدة طيلة الأربعة وعشرين ساعة، ثمّ ينتهي الأمر؛ فتخطر على بالنا للحظة واحدة، وبعد ذلك تنتهي المسألة؛ ومن هنا، فإنّ أوّل شرط لطلب العلم هي ضرورة انكشاف حقيقة العبوديّة؛ فما دامت هذه العبوديّة لم تتحقّق بعدُ في الإنسان، فإنّ هذه العلوم (وهي علوم إلهيّة) سيكون لها تأثير عكسيّ في نفسه.

  • باران كه در لطافت طبعش خلاف نيست***در باغ لاله رويد ودر شورهزار خس

  • [يقول: إنّ المطر الذي يتّفق الكلُّ حول لطافة طبعه قد أنبت في الحدائق أزهار الزنبق، وأخرج من الأرض السبخة الحشائش والأشواك]

  • الآثار السلبيّة لعدم التزكية والتحقّق بحقيقة العبوديّة

  • ولدينا في الآيات الشريفة أنّه: {وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا}، حيث إنّ جميع العظماء السابقين واللاحقين وعلماء الأخلاق أوصوا بضرورة التزكية في البداية، وقبل الحركة والشروع في طلب العلم؛ مع أنّ المراد من التزكية هي العبوديّة ذاتها؛ كما قالوا أيضًا: إنّ هذه المسألة [أي العلم] لا يُمكن وجودها أبدًا من دون ذلك المعنى وتحقّقه في النفس؛ وقد سألت العلاّمة رحمة الله تعالى عليه مرارًا وتكرارًا: «يا سيّدي! لماذا فلان بهذا النحو؟ لماذا تُعامله مثلاً بطريقة مختلفة؟»، فكان يقول: «أيّها السيّد! إنّ هؤلاء ليسوا من أهل التسليم؛ فهم يأتون إلى هنا لمجرّد الاطّلاع على بعض الأحوال والأوضاع، ومشاهدة عدد من المسائل؛ لكنّهم يظلّون متقوقعين داخل أفكارهم وأنانيّتهم الخاصّة». فأحيانًا، قد يأتي أحدهم، ويكون باحثًا عن الحقائق، غير أنّه يفتقر إلى الهمّة اللازمة للعمل بهذه الحقائق؛ فهذه مرتبة؛ لكن، أحيانًا أخرى، قد يكون أحدهم غير متوفّر منذ البداية على حالة التسليم هذه؛ وحينئذ، هل ستكون هناك نتيجة متوخّاة من تردّده على ذلك العظيم؟

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

9
  • ـ أيّها السيّد، قم بهذا العمل!

  • ـ ما هو الدليل على ذلك؟

  • ـ أيّها السيّد، قم بذلك العمل!

  • ـ ما هو الداعي إلى ذلك؟

  • ـ أيّها السيّد، قم بذاك العمل!

  • ـ هل يُمكنني القيام بغيره؟

  • ـ أيّها السيّد، قم بهذا العمل!

  • ـ هل يجوز لي القيام بهذا أيضًا؟

  • ـ أيّها السيّد، ....

  • إنّك تعترض على كلّ ما يُقال لك؛ ولهذا، فلن تحصل على أيّة نتيجة؛ فطبقًا لما جرّبناه، وذكره لنا العظماء، وكتبوه بأنفسهم، فإنّ هذا الأسلوب في التعاطي لن يُثمر أبدًا؛ لماذا؟ لأنّ العلم [هنا] علم إلهيّ، والسلوك سلوك إلهيّ؛ والسلوك الإلهيّ لا ينسجم مع هذا الأمر، ولا يتوافق مع «إن قلتَ، قلتُ»؛ والأمر الآخر أنّه ليست كلّ نفس لها الاستعداد لهضم جميع المسائل دفعةً واحدة، بل إنّ هذه المسائل تتّضح لديها بالتدريج؛ ونرى بأنّ الإنسان يصل إلى العلم بالملاكات والمصالح والمفاسد تدريجيًّا، لا دفعة واحدة. وقد ذكرت للأصدقاء والأحبّاء بأنّ حالة التجرّد النفسانيّ التي يلزم منها نيل الإدراكات الكلّية وكشف الحُجب لا تحصل في لحظة واحدة، بل بالتدريج؛ ولهذا، اعتبر كافّة العظماء أنّ أوّل شرط للسلوك هي العبوديّة؛ أجل، كانوا يأتون، ويتحدّثون، ويقومون ويقعدون، ويعقدون الجلسات، لكنّ النتيجة المتوخّاة لا تحصل بدون تحقّق تلك المسألة [أي العبوديّة].

  • في أحد الأيّام، قال المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه: «كان أحد علماء النجف في سفر برفقة مجموعة من علماء إيران وبعض أصدقائه، حيث كان يُسافرون في الماضي بواسطة المحامل والهوادج، وينتقلون من مكان إلى مكان آخر؛ ووسط الطريق، توقّفوا للاستراحة، وحطّوا رحالهم بالليل في أحد المنازل، لكي يُعاودوا المسير في الصباح. وكان مُكاري تلك القافلة والمسؤول عن أمور الحمل والنقل ورعاية الدوابّ رجلاً عاديًّا، فلم يُعجب به ذلك العالم كثيرًا منذ البداية لِما رأى فيه من جرأة على المعاصي والذنوب؛ لكن، حينما كان منهمكًا في الحديث، رأى بأنّ ذلك المُكاري قد أتى بدوره، وجلس بينهم، وطرح سؤالاً معيّنًا؛ فلم يُجبه العالم بتاتًا، إلى أن مرّت فترة من الزمان، فأعطاه جوابًا، غير أنّ المكاري أشكل عليه، فأجابه العالم، ثمّ أشكل عليه المكاري مرّة أخرى، فاندلع بينهما النقاش، إلى أن وصل الأمر إلى عجز العالم عن الردّ على المكاري؛ ولمّا رأى بأنّ الأوضاع صارت مزرية، بدأ بالحديث عن بعض المسائل [الهامشيّة]، وقال: «ائتوني بذلك الشيء، خذوا ذلك الشيء!»، فأوقع الفوضى بالاجتماع؛ لأنّه رأى بأنّ الأمر قد ساء كثيرًا. فانقضت مدّة من الزمان، وإذا بذلك المكاري يطرح مجدّدًا سؤالاً آخر في النحو، فبدآ يتبادلان الأسئلة والأجوبة شيئًا فشيئًا، إلى أن صار العالم عاجزًا عن الردّ؛ ليشرع [في التهرّب]، والقول: «خذوا هذا، ائتوا بذاك! ماذا فعلتم بهذا الشيء؟ وذلك الشي...»؛ فأثار الفوضى؛ ومرّة أخرى، انقضت فترة من الوقت، فأثار المكاري تساؤلاً فقهيًّا؛ وحينما رأى ذلك العالم بأنّه لا يتنازل؛ وكأنّه يُريد أن يُريق ماء وجهه أمام أصدقائه ومحبّيه، فإنّه قام من المجلس، وتخلّى عن المسألة بالكلّية، وذهب، وقال: «لقد تعبت!»، وأمثال ذلك؛ وبعد ذلك، التفت إلينا السيّد الحدّاد، وقال: «انظروا! حينما لا يكون هذا العلم مقترنًا بالعبوديّة، فإنّه ينتهي بصاحبه إلى هذه العاقبة».

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

10
  • فالعلم موجود، والمسائل مكوّمة، والمحفوظات مكدّسة؛ لكن ما هي حقيقة الأمر؟ فليس فقط أنّ تلك الاستفادة المتوخّاة من هذا العلم لم تحصل، بل إنّه يُعطي نتيجة عكسيّة، ويصير حجابًا؛ فترى الإنسان يحفظ القرآن بتمامه، لكنّه لا يجني منه أيّة ثمرة، إلى درجة أنّه لا يعود يستفيد، ولو من آية واحد منه؛ وتجده عالمًا بكلّ الفقه، ومطّلعًا على الروايات التي تتحدّث عن العقاب، والوجوب والحرمة، غير أنّ علمه هذا لا يتجاوز مستوى الحفظ، بحيث إنّ نفسه صارت قاسيةً بقسوة هذا الكتاب. فإذا نظرتم إلى هذه الصفحات، سوف تجدونها قاسية؛ ولو أنّ هذا الكتاب وقع على رأس أحدهم، لأدّى إلى تألّمه؛ لكن، كم هي المسائل المكنونة فيه؟ فيكفي أن تلقوا نظرة عليه من بدايته إلى نهايته، لتروا ما هي المسائل المتضمّنة فيه؛ فما هو سبب ذلك؟ سببه أنّه يحتوي على مجموعة من المسائل، لكنّها مدوّنة على الورق، والورق يتّصف بالصلابة؛ لأنّ أصله الخشب؛ وفي الحقيقة، فإنّ تلك المسائل مكتوبة على الخشب؛ هذا، مع أنّهم كانوا في الأزمنة السابقة يكتبون المعلومات على الجلود، وأحيانًا، ينحتونها على الأحجار؛ فأين يكمن الفارق؟ صحيح أنّ المسألة هي هي، غير أنّ الموضع الذي تستقرّ فيه ما هو؟ هل هي النفس، أم الحجر؟ فالنفس قد تصير حجرًا! فمع أنّ الإنسان يكون متيقّنًا بأنّ إثنين زائد إثنين تُساوي أربعة، ويرى الحقيقة ناصعة مثل الشمس في رائعة النهار، إلاّ أنّه لا يقبل؛ لماذا؟ لأنّه حجر؛ وإلاّ، فهل يوجد سبب يدفع الإنسان الذي يرى الحقيقة ألاّ يقبل بها؟ إذن، لأيّ شيء يرى الإنسان المصباح، ويرى النهار؛ لكنّه مع ذلك، يقول: «إنّه الليل! إنّ الجوّ مظلم!»، وما هي علّة ذلك؟ علّته أنّ المحلّ غير صالح، وأنّه تحوّل إلى حجر؛ فلا تعجبوا كثيرًا من أنّ ذلك الشخص يمتلك علمًا؛ لأنّ هذا العلم موجود حتّى في الكتب؛ فنفس هذا الكتاب الذي أحمله بيدي يتوفّر على مسائل كثيرة جدًّا، بحيث إنّ كلّ خطّ منه يتضمّن مسألة؛ لكنّه يا سيّدي يبقى كتابًا! ولو ألقيتموه في الماء، لصار عجينًا بعد مدّة من الزمان. هل يُمكنكم أن تعثروا على كتاب أفضل من القرآن الكريم وآياته؟ لكنّنا نجد بأنّ هذه الآيات مدوّنة على الورق؛ وهي ليست تلك الآيات المكنونة في الصدور، بل هي آيات قرآنيّة مسطّرة بين الدفّتين [أي دفتي المصحف الشريف].

حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها

11
  • لهذا، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ارموا هذه الآيات بالسهام!» هل التفتّم؟ ما معنى ذلك؟ مراده من ذلك: «ارموا تلك الأوراق، ووجّهوا سهامكم نحو محلّ الآيات، وليس نحو الآيات بنفسها!». {بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}۱؛ فحقائق الآيات مكنونة في صدور الرجال، وأمّا هذه، فليست إلاّ مجرّد مداد، حيث تجد رجلاً كبيرًا يكتب بواسطة هذا المداد؛ كما تجد طفلاً ذي خمس سنوات يكتب بالمداد ذاته؛ فهي مجرّد مداد؛ مثلما أنّ تلك مجرّد أوراق. فماذا يعني «أنا القرآن الناطق»؟ يعني أنّ هذه الآيات مكنونة في صدري؛ ومن دون ذلك، لا تكون لها أيّة قيمة إذا أراد أولئك أن يواجهونني؛ ولهذا، فإنّه يقول: «ارموها!»؛ وأمّا بالنسبة لأهل الظاهر، فماذا يرون؟ لا يرون المحلّ، بل يقتصر نظرهم فقط على الظاهر، وعلى تلك الآيات؛ خلافًا لأمير المؤمنين الذي ينظر إلى المحلّ، ويقول لهم: «لقد تخلّيتم عن هذا المحلّ، وتمسّكتم بالأوراق!». إنّ حقيقة المسألة تدور بأجمعها حول هذه النقطة يا عزيزي! فعلى الإنسان أن يُحقّق في محلّه، ليرى ما هي حقيقة هذا المحلّ؟ هل هو محلّ تُنتقش فيه هذه الحقائق، أم أنّه مجرّد حافظة، وشريط، وكتاب؟ وفي هذه الحالة، فلن تكون له أيّة قيمة.

  • بالنظر إلى ظروف هذا اليوم، وحالي الذي لا يُساعد كثيرًا، والوقت أيضًا، فإنّني سأكتفي بهذا المقدار الذي وفّقني فيه الله تعالى أن أكون بخدمة الأصدقاء؛ على أن نكل ـ إن شاء الله تعالى ـ تتمّة هذه المسائل إلى جلسة أخرى.

  • نرجو من العليّ القدير أن يمنحنا توفيقه، لكي نتمكّن من العمل بهذه المسائل الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام؛ ولا نكون بدورنا أيضًا ـ نحن المتكلّمون ـ مشمولين بتلك القضايا؛ وألاّ يحرمنا من شفاعة الأئمّة عليهم السلام في الدنيا والآخرة.

  • اللَهمَّ صلِّ عَلى مُحمَّد و آل مُحمَّد

    1. سورة العنكبوت، صدر الآية ٤٩.