المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1416
التاريخ 1416/09/03
التوضيح
من أين يأتي الخير الحقيقيّ؟ وكيف ينظر أولياء الله إلى أعمالهم الصالحة كالحجّ؟ وما هو الأدب الذي يجب أن يتّصف به السالك عند الحضور بين يدي أستاذه؟ يجيب العلّامة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ عن هذه الأسئلة، مستلهمًا من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
هوالعلیم
الفقر الوجوديّ للسالك في مقابل الله
كيف نظر الأولياء إلى فريضة الحجّ؟
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الأولى
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذُ باللهِ منَ الشّیطانِ الرّجیم
بسمِ الله الرّحمنِ الرّحیم
الحمدُ لِلّه ربِّ العالمینَ والصّلاةُ والسّلامُ علیٰ أشرَفِ المُرسَلینَ
وخاتمِ النّبیّینَ أبِيالقاسمِ محمّدٍ وعلیٰ آلِهِ الطّیِّبینَ الطّاهرینَ
واللعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعینالفقر الإمكانيّ والوجوديّ للسالك إلى الله
«إلـٰهي لا تُؤَدِّبْني بِعُقوبَتِك وَلا تَمْكرْ بي في حيلَتِك! مِنْ أَينَ لِي الخَيرُ يا رَبِّ وَلا يوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِك؟! وَمِنْ أَينَ لِي النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إلاّ بِك؟! لا الَّذي أَحْسَنَ اسْتَغْنيٰ عَنْ عَوْنِك وَرَحْمَتِك، وَلا الَّذي أَساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيك وَلَمْ يرْضِك خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِك! يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ».۱
يبدو أنّني ذكرت سابقًا أنّ هذا الخير المنسوب إلينا، سواء كان من الناحية الفعليّة أم من الناحية الوصفيّة والنعتيّة، من أين أتى؟ لأنّ وجودنا في أصله وحقيقته فناء محض، وهذه الماهيّات تعيّنت وتخصّصت بوجود الحقّ، وعلى حدّ تعبير المرحوم صدر المتألّهين: «إطلاق كلمة الفقير علينا خطأ؛ بل يجب أن يُطلق علينا كلمة الفقر»؛٢ وهو عبارة عن وجود رابط! إذًا، ما حقيقة هذا الخير؟
يا إلهي، هل تمزح معنا حينما تُثني علينا كلّ هذا الثناء؟! فأنت تقول باستمرار: «أنتم أناس طيّبون؛ ومن يفعل هذا الأمر، فهو كذا وكذا...!». فما هي حقيقة الأمر في النهاية؟ ومن أين تأتي تلك المسألة؟
فأحيانًا، نُنفق، ونرى أنّ إنفاقنا كان في محلّه، فنفرح؛ فلماذا يجب أن نفرح؟! ودع جانبًا الحالات الأخرى التي نرتكب فيها أفعالاً خاطئة، والإسراف والنفقات التي ننفقها هنا وهناك...؛ فهذا الإنفاق الذي نقدّمه، وهذا الفعل الخيّر الذي يصدر منّا ونستحسنه ونقول: «الحمد لله أنّ الأمر تمّ هكذا وكان في محلّه وفي وقته»؛ فما هو سبب الفرح به؟
نظرة أولياء الله لفريضة الحجّ
في سفرتي الأولى التي تشرّفتُ فيها بزيارة مكّة، كان عمري ستّة عشر عامًا ونيّف. في الليلة الأولى، كنت في المدينة، وكان برفقتنا في ذلك الوقت أشخاص ـ لن أذكر أسماءهم ـ لم يعودوا موجودين الآن، ولم يكن هناك أحد من رفقاء السلوك؛ ولكن، كان هناك عدد قليل من أصدقاء المرحوم العلاّمة من أهل المسجد، حيث توفّي اثنان أو ثلاثة منهم أو أكثر. فكنّا جالسين، ولم نكن قد تشرفّنا بعدُ بزيارة الحرم، حيث كان الوقت ليلاً، وكان هناك أيضًا بعضٌ من مسؤولي هيئة بني فاطمة.. لقد رأينا هناك أشياء كثيرة! فجاء أحدهم، وقال للمرحوم العلاّمة:
يا سيّدنا، قبل أن تشرّفونا بالحضور، كان هناك حديث ونقاش مع الرفقاء حول مسألة: أنّنا في النهاية قد أنفقنا مالاً، وابتعدنا عن أولادنا، وأتينا إلى بلد غريب؛ فماذا علينا أن نفعل حتّى نتمكّن من الحصول على فائدةٍ مقابل هذه الأعمال وهذا المال الذي أنفقناه؟ (المسكين كان يظنّ أنّه يريد تحقيق أقصى استفادة) أيّ عمل نقوم به؟ فكلّ واحد كان يقول شيئًا، ولكن بعد أن شرّفتمونا بالحضور الآن، نريد أن نسمع منكم.
فتبسّم المرحوم العلاّمة، وسكت قليلاً، ثمّ قال: حسنًا، نعم، هذا صحيح، لقد تحمّلت نفقات في نهاية الأمر و ...، ولكن الآن، لديّ بعض الأسئلة لك:
أوّلاً، كم أنفقتَ في حياتك؟ (لنفرض أنّ عمر هذا المسكين آنذاك كان خمسة وخمسين عامًا) وفي هذه السنوات الخمس والخمسين التي مضت من عمرك الآن، ما هي الأطعمة التي قدّمتها؟ وما هو الإطعام الذي قمت به؟ وما هي النفقات التي أنفقتها من أجل الترفيه والتسلية وهنا وهناك...، بحيث لو أردت أن تحسبها، فإنّ هذا المجيء إلى مكّة لا يُحسب حتّى صفرًا أمام الأموال التي أنفقتها في هذه المدّة! أليس كذلك؟!
قال: «نعم، هو كذلك».
قال المرحوم العلاّمة:
السؤال الثاني: احسب كم سافرت من أجل العمل وكسب المال وغيرها من الأمور إلى هنا وهناك وإلى الخارج...! ومن أجل الحصول على بعض القروش، سافرت إلى اليابان والصين و ...، لكي تشتري الخزف والبلّور والدرّاجات النارية والجِمال و ...! فكم من هذه الرحلات قد قُمت بها حتّى الآن؟ ولو أردنا أن نحسبها الآن، فإنّ الرحلة هذه كلّها إلى مكّة لمدّة شهر واحد لا تُحسب شيئًا أمامها! وكم ابتعدت حتّى الآن عن زوجتك وأولادك؟! وكم كنت كذا وكذا و ...؟!
وبدأ يُعدّد الأمور واحدة تلو الأخرى، ثمّ قال: والآن، ما الذي حدث حتّى أتيت في هذا الشهر الواحد لتمنّ به على الله وتقول: «يا إلهي، لقد أتيت وأنفقت مالاً، يا إلهي، لقد انفصلت عن زوجتي وأولادي»؟!
لو أراد الله أن يُحاسب الإنسان حقًّا، لوضع في كفّه حسابًا دقيقًا! وفوق ذلك كلّه، فقد جئت هنا هذا العام بسبب أنّ القرعة جاءت باسمك!
أنا بنفسي، قبل حوالي ثلاث سنوات، في أيّام الحجّ عندما تشرّفت بزيارة مكّة، رأيت في المدينة يومًا أحد هؤلاء الأشخاص الذين كانوا معنا، وتحدّثت معه؛ فكان يقول: «إن شاء الله، سيمرّ الوقت بسرعة وأعود إلى زوجتي وأولادي! إن شاء الله، سينتهي الأمر وأعود إلى زوجتي وأولادي!».
حسنًا، بحثُنا عن الحجّ هنا هو بحث استطراديّ؛ وبالطبع، فإنّ مسألة الحجّ ليست كما هي مطروحة، بل هي مهمّة جدًّا! إذ برأيي الشخصي، فحتّى لو تحقّقت الاستطاعة للإنسان بواسطة المشي، فيجب عليه أن يذهب إلى مكّة؛ أي إذا كان بإمكان أحدهم السير ماشيًا وبدون وسيلة نقل، فإنّه يجب عليه الذهاب إلى مكّة، ولو استغرق ذلك ستّة أشهر۱! وإذا كان بإمكان شخص أن يذهب ويكسب قوتَه في الطريق أيضًا، فيجب عليه أن يذهب إلى الحجّ وهو واجب عليه٢! ليس بالضرورة أن يكون هناك صندوق مال جاهز، وأن تتوفّر نفقات الذهاب والإياب والعيال والعودة...؛ ليس الأمر كذلك! إذا كان شخص لا يستطيع الذهاب بمفرده ويحتاج إلى مُعين لأداء حجّه، فيجب عليه أيضًا أن يدفع أجرة المُعين ويذهب إلى مكّة! مسألة الحجّ أهمّ بكثير من هذا الكلام! هذا الكلام ليس جزافًا، بل هو مستند إلى الأدلّة!
ومع أنّنا نفعل كلّ هذه الأشياء؛ لكن، بمجرّد أن نحصل على القليل من المال، نريد حين ذهابنا إلى مكّة أن نشتري بها أبواب الجنّة الستّة! لا أعلم هل هي سبعة أبواب أم ستّة! ونريد أن نأسر جميع الحور والغلمان، ونجعل الملائكة والجميع في خدمتنا وتحت تصرّفنا!
إذًا، ما هو جوهر القضيّة؟ جوهر القضيّة هو أن نقول: «يا إلهي! لم ننفق شيئًا، ولم نتكبّد عناء الطريق، ولم نفعل شيئًا، بل أتينا تعساء وبؤساء وفقراء وكلّنا ذنوب وخالو الوفاض. قلنا: "يا علي مدد"، وأتينا.. هذا فقط!». فإذا أتينا بهذه الطريقة، فهذا جيّد. أمّا إذا أتيتَ وقلتَ بتمنُّنٍ: «يا إلهي، لقد أنفقت من أموالي!»، فإنّ الله سيُدقّق في حسابك ويقول: «كم أنفقت؟!» ومن ثمّ، يستعرض الشخص أفعاله واحدةً تلو الأخرى قائلاً: «يا إلهي، لقد صرفت عمري هنا لك!»، فيقول تعالى: «وأين كنت حتّى الآن؟! وأين صرفت هذا العمر؟!». فعندما يحين وقت الحساب، فإنّهم يحاسبون الإنسان حسابًا دقيقًا، ويستخرجون الشعرة من اللبن، بل يستخرجون الزبدة من اللبن دون أن يحرّكوه ودون أن يحوّلوه إلى لبنٍ رائب! هكذا يستخرجونه! في بعض الأحيان، تجلس وتقول لنفسك: «إنّني قد فعلت الخير الفلانيّ»؛ ولكن، عندما تذهب وتفكّر مع نفسك ترى أنّه: كلاّ، فقد كانت نفسك أيضًا دخيلةً فيه؛ فلو صار كذا، ولو لم أقم بذلك العمل، لكان أفضل!
حسنًا، مثل هذه الأمور تتّضح بسرعة؛ ولكن أحيانًا، تكون أعمالنا متداخلة ومعقّدة لدرجة أنّك تجلس وتفكّر باستمرار، فتفكّر لمدّة ساعة ثمّ ترى أنّه: نعم، لم يكن خالصًا كما يجب أن يكون! عندئذٍ، بالنسبة [لله تعالى]، فلا حاجة للجلوس والحساب، بل يأتي بملفّ الأعمال ويضعه أمامك! ويضغط على الزرّ، فيأتي بتلك الأمور المتداخلة كلّها بشكل مرتّبٍ، ويضعها أمامك وأنت تنظر! عندها، ماذا بوسعك أن تفعل وأن تُقدّم؟! هل تقول: «يا إلهي، لقد فعلت هذا»؟! فأنت في وجودك محتاج إلى غيرك، فكيف بفعلك، حتّى تقول: «أنا فعلت»!
سرّ محبّة فعل الخير
إذًا، حينما نُنفق ونفعل الخير، ونستحسنه، فما سبب هذا الاستحسان؟ أحيانًا، يكون هذا الاستحسان بسبب أنّه: «يا إلهي، إنّنا كنّا وسيلة من وسائلك، وواسطة من وسائطك»؛ فإذا كان الأمر كذلك، فهذا جيّد! عندها، لو فعل شخص آخر غيرنا هذا الفعل، لوجب أن نستحسنه بنفس القدر؛ ولكن، إذا استحسناه لأنّنا "نحن" من فعلنا ذلك، فعلى الرغم من أنّه عمل جيّد ولا شكّ في حسنه، ولكنّ كوننا "نحن" من فعلنا العمل الصالح، فإنّ الله [يجيبنا و] يقول: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾۱؛ فمقام العزّة ومقام الغِيرة لله! فيقول تعالى: الخير كلّه لي، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾٢؛ بل وكلّ الحمد، وحقيقة الحمد هي لي! حقيقة الحمد له، لأنّه هو مسبِّب الحمد وسبب الحمد.
فالإنسان يُحمد على أمر ممدوح. ومن هنا، لو ضربك شخص ما، فهل تُقبّل يده وتشكره؟! أو لو جاء شخص وأخذ مالَك، فهل تحمده وتُثني عليه؟! كلاّ! لو علّمك شخصٌ لحَمَدته، ولو أعطاك شخص مالاً لحَمَدته، ولو أظهر لك شخص محبّة لحَمَدته؛ فهذا الحمد يحتاج إلى سبب وأصل. فعندما نقول: «إنّ الحمد لله» يعني ذلك: «إنّ أصل الحمد وسبب الحمد ومنشأ الحمد لله جميعًا»؛ وبناءً على ذلك، فإنّ كلّ الخير الذي هو من ناحية الله والذي يوجب الحمد، ذلك الخير له! وعليه، فإنّ حقيقة هذا الإنفاق الذي تُقدّمه الآن هو منه تعالى؛ إذ كان بإمكانه أن يفعل شيئًا ما بحيث تتجاوز هذا الفقير، فيُوجّه فكرَك إلى مكان آخر، فيمرّ الفقير ولا تضع يدك في جيبك.. يمكنه أن يفعل هذا، وقد حدث!
نظرة أولياء الله إلى المسائل التربويّة والتعليمات السلوكيّة في دعاء أبي حمزة
إنّ دعاء أبي حمزة الثماليّ هذا دعاء عجيب! لقد ارتدى الإمام السجّاد عليه السلام ثوبنا وهو يدعو؛ أي أنّه جاء في قالب "أنا النوعيّة"، ثم شرع في الدعاء! ففيه عبارات عجيبة حقًّا! بل وقد أنزل نفسه إلى مستوى فرد عاديّ وبسيط، فيتحدّث بلسانه قائلاً: «يا إلهي، أنا كذا، وأنا كذا...!»؛ بمعنى أنّ الإمام يُبيّن حقيقة وجوده وكلّ أطوار الوجود التي تمرّ على الإنسان بلسان الدعاء؛ أي أنّ دعاء أبي حمزة هذا هو حقًّا كتاب تربويّ ودستور سلوكيّ!
في دعاء أبي حمزة هذا، نحن نعلم أنّنا صفر، وأقلّ من الصفر.. لا شيء وممحوّون! والنقطة المهمّة هي أنّ كلّ هذا متحقّق فينا. والآن، ماذا يجب أن نفعل؟ كيف يجب أن يكون تعاملنا مع هذا الدعاء حقًّا؟ إنّ التعليم السلوكيّ ليس بأن يسمع الإنسان أمرًا من أستاذ، ثمّ يذهب ويعمل به؛ التعليم السلوكيّ هو أن يُحقّق الإنسان في نفسه تلك الأمور التي لها بُعد واقعيّ، سواء سمعها من الأستاذ أم لم يسمعها! التحقّق يعني أن يخلق هذه المعاني في نفسه بينه وبين الله، وأن يستحضر هذه المعاني في نفسه بأيّة طريقة يستطيع، وبأيّ مقدار لديه من القوّة!
كان نهج وسيرة الأولياء والأعاظم هو أنّهم لم يكونوا ينتظرون أبدًا ليذهبوا ويسمعوا شيئًا من الأستاذ ـ لم يكن بقيّة التلاميذ كذلك ـ بل كانوا يذهبون، ويُمهدّون الطريق، ليأتي الأستاذ ويصبّ فيه ما يشاء. كانت المسألة هكذا؛ أي قبل أن يقوم الأستاذ بالحديث والكلام، كان التلميذ يذهب إليه ويقول: «يا سيّدي، ماذا تريد؟»، فيقول الأستاذ: «أريد منك كلّ رأس مالك!»، فيقول التلميذ: «هذا قد أعطيتُه قبل أن تقول، فماذا تريد أيضًا؟»، فيقول: «أريد روحك!»، فيقول: «أعطيتها قبل أن تقول!»، فيقول: «أريد نفْسك!» فيقول: «لم يعد هذا بيدي، تعال أنت وأصلحها! أمّا ما هو في الظاهر من هذه الأمور، فإنّني أعطيه لك قبل أن تقول لي شيئًا!»؛ فتلك الأمور لا ينبغي للأستاذ أن يأتي ويصلحها، بل يجب عليه أن يأخذ الأنانيّة والذاتيّة وما شابه من هذه الأمور فقط، وأن يصلحها، أمّا الظواهر فليس من شأنه أن يصلحها!
نحن عالقون في أولى خطواتنا! حيث يُقال لأحدهم: «يا عزيزي، تعال وأعط فُلانًا خمسة تومانات!» فلا يعطي! هذه، كما يقال، من الأبجديّات. ففي كلّ علم، هناك مقدّمات ابتدائيّة يجب على الإنسان أن يعرفها قبل أن يعرف مسائل ذلك العلم؛ مثل معرفة الموضوع، ومعرفة المحمول، والتصوّرات الأوليّة. فهذه جزء من تلك المقدّمات الأوليّة! أَصلِحها، ثمّ اذهب إلى الأستاذ! ولكن الآن، لا! يقول له [الأستاذ]: «يا سيّدي، تعال، وافعل هذا الأمر!» فيقول: «لا أريد!». يقول: «افعل ذلك الأمر!» فيتحجّج! يقول [الأستاذ]: «افعل هذا الأمر!»، وحتّى إن فعلناه، يكون لدينا فيه كلام!
أنا أقول ما سمعته ورأيته، ولهذا فهو جيّد لي أنا أيضًا. الرفقاء جميعهم طيّبون وهذه المسائل الحقيقيّة جيّدة للجميع، وهي جيّدة لي أيضًا، وأنا أحوج من الجميع، وأقول بجدّ: إنّني أرى نفسي أحوج من الجميع!
لزوم إفراغ الذهن وتصفية الضمير للحضور عند أولياء الله
عندما كان المرحوم العلاّمة يذهب عند أساتذته، لم يكن الأمر مقتصرًا على مجرّد الذهاب، بل حينما كان يذهب عند الأستاذ، كان يقصد من ذلك: صُبّ في قلبي ما تشاء؛ أي: ليس لديّ شيء، وليس في قلبي هذا أيّ شيء، فصُبّ فيه ما تشاء! فإن شئت، ضع الله فيه؛ وإن شئت، ضع شخصًا آخر فيه، فأنا لم يعد لديّ أيّ شيء!
إذا ذهب شخص [عند الأستاذ] بهذه الطريقة، فإنّه سيحصد الفائدة المرجوّة؛ لكن، عندما نذهب نحن، فإذا تكلّم الأستاذ، نجلس ونفكّر: «لماذا قال هذا؟ ولماذا قال ذاك؟ ألا يمكن أن نجعله كذا؟ والآن، ألا يمكن أن نجعله هكذا؟». فلا مجال لهذا الكلام أبدًا!
في السابق، كان هناك شخصان بينهما خلاف ـ وهذه القضيّة تعود إلى عشر أو اثنتي عشرة سنة مضت ـ وتقرّر أن يحلّ المرحوم العلاّمة خلافَهما، وكنتُ أنا أيضًا في مجرى الأحداث؛ فرأيت أنّ هذين الاثنين يجمعان الأدلّة لأنفسهما باستمرار: ذاك يرى زيدًا وعمرًا ويسألهما: «هل تتذكّران تلك القضيّة؟ تعاليا واذكراها هناك! وهل تتذكّران القضيّة الفلانيّة؟ تعاليا وقولاها!»، والآخر أيضًا يذهب ليجمع الشواهد لنفسه؛ حتّى يذهبا كلاهما [عند العلاّمة] بيدٍ ممتلئة وكيس ممتلئ؛ وعندما يبدأ الأمر، يُلقي هذا بأدلّته، ويأتي ذاك لمواجهته.
في ذلك اليوم الأخير، ذهبتُ إلى أحدهما الذي كنت أكثر أُنسًا به، فقال: «لقد حصلتُ على وثائق لن يكون أمام [الخصم] خيار سوى أن يَخرس، وينعقد لسانه أمام المرحوم العلاّمة!». قلت له: «أريد أن أطلب منك طلبًا واحدًا: عندما تذهب أَطبق فمَك.. هذا كلّ شيء! هل تستطيع أم لا؟! عندما تذهب، كلّما سألك، قل: لا أعلم؛ هل تستطيع أم لا؟!». جلس وفكّر قليلاً، ثمّ قال: «يجب أن أذهب وأفكّر في الأمر؛ فقد ظلمني وضغط عليّ كثيرًا!». قلت: «من ظلمك؟! هذا ظلمك؟! هذا أصغر بكثير من أن يظلمك! من عساه أن يكون؟!». كان رجلاً فهيمًا، فقال: «لقد فهمت!»، وكان قد فهم كلامي، وقال: «حسنًا جدًّا، ليكُن ذلك». وذهب إلى المرحوم العلاّمة، وانتهت القضيّة بطريقة أخرى، لم تكن بضرر هذا ولا بضرر ذاك، وكان هذا الشخص سعيدًا جدًّا ـ بالطبع كان الأمر جيّدًا للآخر أيضًا ـ وخرج وقال لي: «رحم الله أباك! بل أبوك مغفور له، فليفعل الله بك أنت كذا وكذا!». كان يقول: «أقسم بالله، لو أدّيتُ صلاة الليل عشرين عامًا، لما وجدت هذه الحالة التي أجدها الآن!».
كيفيّة غلبة أمر الله على شؤون الإنسان
السلوك يعني هذا! فهل تريد أن تذهب أمام الأستاذ لتكون حاكمًا؟! من تكون أنت؟! وهل تريد أن تقول "أنا الغالب"؟! يا أيّها المسكين، أنت ذلك الذي هو أقلّ من ذبابة! ماذا تملك اليوم؟! من أنت؟! تقول: «لقد أخذ مالي!». مالُ مَن قد أخذ؟! كلّ هذه الأموال هي لله! الله يأخذ أمواله من هنا ويُديرها؛ فاليوم، يضعها في جيب هذا، وغدًا، يُخرجها، ويضعها في جيب ذاك بذلك النحو! وبعد غدٍ، يُخرجها من هناك و ...! فهل المسألة غير ذلك؟! في الليل، يأتي بلصّ، فيجمع كلّ شيء ويأخذه؛ حسنًا، اذهب الآن وابحث عن اللصّ، وأمسك به.. اذهب، وأمسك باللصّ! المال لله، يجمعه كلّه، ويأخذه دفعة واحدة!
يُحكى أنّ أحد أنبياء بني إسرائيل تنبّأ لأحد أصدقائه الذي كان تاجرًا ويُسافر كثيرًا، بأنّك ستموت في البحر، وقال له: «لقد قدّر الله موتك في البحر وستغرق!». وحيث كان يسافر هنا وهناك، عندما رأى الأمر كذلك، لم يعُد يسافر! قال: «لن أذهب إلى البحر بعد الآن!». فكان يُرسل غلامه بدلاً منه، ويحمّل الجمال والمتاع وكلّ شيء، ويذهب بالسفينة هنا وهناك. مرّت سنوات قليلة، فانتابه الملل، وقال: «يا سيّدي، دعك من هذا...!». فعندما يأتي القضاء، يُصبح المرء أبلهًا! فالذي يأتي بالقضاء، يُهيّئ المقدّمات شيئًا فشيئًا. أوّلاً، يُلقي الفكرة في رأسه فيقول: «لقد مللتُ، كم علَيَّ أن أبقى في مكان واحد؟!». فهذه هي المسألة الأولى، وهو يُهيّئه. ثمّ يقول مرّة أخرى: «الآن، ليس من المعلوم أنّ هذه هي السنة التي تحدّث عنها! فلا يُمكن أن أبقى في المنزل دائمًا!» وهذه هي الثانية. ثمّ يقول: «لعلّ الأمر كذا، لعلّه فلان! لا، فلنجلس الآن ونفكّر! حسنًا، لن أذهب إلى البحر بمفردي، بل سأذهب مع ثلاثمائة شخص آخر؛ فإذا كنت سأغرق، سأتمسّك بهم! فذلك الحكم إنّما يخصّني أنا، وهم لن يغرقوا بسببي!». فقال: «حسنًا، لأذهب مع هؤلاء الثلاثمائة!»
انطلق مع هؤلاء الثلاثمائة، ووصل إلى وسط البحر، فرأى الجوّ قد ساء، والأوضاع قد تدهورت... فقال: «يا إلهي، إذا أردت أن تغرقني، فأغرقني! لقد حان الوقت! ولكن، لماذا على هؤلاء الثلاثمائة أن يحترقوا بناري؟!». فقال الله تعالى: «في الحقيقة، كنت أريد أن أُغرقكم جميعًا هنا في الوسط، فجمعتكم واحدًا تلو الآخر: أنت من تلك المدينة، وذاك من تلك المدينة؛ فجمعتكم جميعًا في هذه السفينة؛ والآن اذهبوا جميعًا معًا إلى القاع!». فذهب جميعهم إلى القاع!
يُقال إنّه في أوائل الثورة، جاءت طائرة كان طيّارها من جنوب إفريقيا [وكان مواطنًا بريطانيًّا]، وحسب ما أتذكّر فإنّ اسمه كان: الطيّار "بنت"، ويبدو أنّ برج مطار طهران كان مُضربًا عن العمل في ذلك الوقت. فجاء، واصطدم بجبال "لشكرك"، وقد رأيت أنا بنفسي بقايا حطامها في جبال لشكرك، حيث كانت قطعة منها ملقاة هناك. قرأت لاحقًا في الصحيفة عن أحوال هؤلاء أنّ من بين طاقم هذه الرحلة، كان من المفترض أن تذهب مضيفة إلى سوريا، وكان من المفترض أن تقلع أخرى مع هذه الرحلة وتأتي إلى طهران؛ فتوجّهت تلك التي كان من المفترض أن تذهب إلى سوريا إلى إحداهنّ وقالت:
لقد حدث لي مانع.. أرجوكِ، اذهبي مكاني إلى سوريا؛ وفي المرّة القادمة التي يكون لديكِ فيها رحلة خارجيّة، سأذهب مكانكِ!
فقبلت الأخرى، ثمّ حدث ما حدث! انظروا كيف هو القضاء! عندئذٍ، تلك التي كان من المفترض أن تذهب إلى سوريا، كان قضاؤها قد حان، فجاءت مع هذه الرحلة إلى مشهد، واصطدمت بالجبل و ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾۱؛ وتلك التي كان يجب أن تأتي إلى مشهد، وتسقط بها الطائرة، قامت وذهبت إلى سوريا!
منبع كلّ الخيرات وحقيقتها
والآن، حالنا هو نفس الحال؛ فيجب علينا أن نعيد كلّ ما هو موجود، وكلّ ما أوجدناه لأنفسنا في خيالاتنا يجب أن نُعيده كلّه إلى صاحبه، وإلى أصله ومنبعه! فالله يريد أن يكون اليومُ بهذا الشكل، وغدًا بالشكل ذاك، وبعد غدٍ هكذا و ... [ما شأننا نحن؟].
إنّ رواية عنوان البصريّ هي تعليم سلوكيّ! والإمام الصادق عليه السلام لم يكن يمزح معنا! لقد جاء الإمام الصادق وطرح قضيّة المال فقط، ولكنّ الأمور كلّها هكذا! الآن، هل نعترف بتوفّرنا على روح؟ نعم، نعترف بذلك. حسنًا، هذه الروح التي نراها لأنفسنا، ما هي؟ إنّما هي لله تعالى؛ ولهذا، يجب أن "نَضَعها حَيْثُ ما أَمَرَنا اللهُ أَنْ نَضَعَها فِيهِ"؛٢ أي: حيثما قال الله اذهب وضعْ روحك هذه، اذهب أنت وضعْها هناك! فلماذا تتدخّل بعد ذلك؟! ولماذا تذهب وتتطفّل؟! ولماذا تجادل وتناقش؟! وتفعل كذا وكذا؟!
يقول الله تعالى: «أنا لا أريد أن آخذ روحك هذه هكذا، بل أريد أن آخذها بيد الشمر!»، فيقول: «ليكن!» ويقول أيضًا: «أريد أن آخذ روحك بيد ابن ملجم؛ فابن ملجم هو أحد وسائلي، والشمر أيضًا في يدي ومن وسائلي! أريد أن آخذ روحك بواسطة فيروس، أريد أن آخذ روحك بواسطة حادث، أريد أن آخذ روحك بواسطة سكتة قلبيّة، أريد...!»، فليأخذها كيفما يشاء. فالنهاية واحدة، والطريقة تختلف. لماذا يقول الإنسان: «لا يا إلهي، لا يعجبني هكذا، بل يعجبني هكذا!»؟! فهذا لا يجوز!
بناءً على ذلك، يجب أن نعلم أنّ كلّ ذرّة من وجودنا، وكلّ تبعاتنا، وكلّ حيثيّاتنا.. كلّ هذا لا يتعلّق بنا بمقدار رأس إبرة! ويجب أن نعتبر هذه الأمور عارية، وأن نعلم أنّنا نحن بأنفسنا وكلّ هذه الأمور هي عارية! وكُلُّ شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِهِ؛ فيجب أن يعود كلّ شيءٍ إلى منبع الخيرات ذاك!
لهذا، يقول الإمام عليه السلام:
مِنْ أَينَ لِيَ الخَيرُ يا رَبِّ وَلا يوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِك؛ أي: من أين أتيتُ بالخير الذي لي، في حين أنّ هذا الخير لا يوجد إلاّ من عندك، ومنبعه أنت، وحقيقة كلّ الخيرات هي أنت؟!
فإذا أردت [يا الله]، سيصدر هذا [العمل] منّي، وإذا لم ترد، فلن يصدر منّي؛ ولهذا تحدُث في طريق السلوك حالاتٌ يظنّ فيها الإنسان أنّه لم يُوفّق ظاهريًّا لأداء العمل الفلانيّ، ولكنّ حقيقة هذه المسألة هي أنّه تعالى يُريد أن يُفهِم الإنسان بأنّه حتّى لو فعل شيئًا ما، عليه أن لا يظنّ بأنّه هو من فعله ولا يفرح عبثًا! بمعنى: كُن شاكرًا، ولكن لا تفرح وتقول: «أنا من فعلت هذا العمل، وأنا من وجدت هذا التوفيق، وهذا السيّد قد نظر إليّ نظرة لطف»! كلاّ يا عزيزي، ليس الأمر كذلك! المسألة أدقّ وأسمى من ذلك.
| گر در یمنی چو با منی پیش منی | *** | گر پیش منی چو بیمنی در یمنی۱ |
يقول:
لو كُنتَ في اليمن فأنت قُربي ما دمت معي، ولو كنتَ قُربي لكنّك لست معي فأنت في اليمن.
اللّهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد