8

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه

الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

108
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1416

التاريخ 1416/09/11

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

لماذا باب الله مفتوحٌ دائمًا في الإسلام؟ وكيف حوّلتنا مظاهر الحضارة الزائفة من المساجد المزخرفة والمقابر المنمّقة عن ذكر الله والموت؟ وما هي الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة بنظر العرفاء؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وتبيّن معنى دوام الارتباط بالله.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه

  • الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱٦ هـ ـ الجلسة الثامنة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّیطانِ الرّجیم 

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحیم 

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمینَ 

  • والصّلاةُ والسّلامُ علیٰ أشرَفِ المُرسَلینَ 

  • وخاتمِ النّبیّینَ أبی‌‌القاسمِ محمّدٍ وعلیٰ آلِهِ الطّیِّبینَ الطّاهرینَ

  • واللعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین

  •  

  •  

  • «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أَدعوهُ فَیُجیبُنی وَإِن کُنتُ بَطیئًا حینَ‌ یَدعونی؛ وَالحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أَسأَلُهُ فَیُعطینی وَإِن کُنتُ بَخیلًا حینَ یَستَقرِضُنی؛ وَالحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أُنادیهِ کُلَّما شِئتُ لِحاجَتی وَأَخلو بِهِ حَیثُ شِئتُ لِسِرّی، بِغَیرِ شَفیعٍ فَیَقضی لی حاجَتی‌».

  • انفتاح طريق الارتباط بالله في جميع الأوقات

  • يقول الإمام عليه السلام هنا: الحمدُ لذلك الإله الذي أَدْعُوهُ فَيُجِيبُنِي؛ أي أنا أدعوه وهو يجيبني.

  • حسنًا، لو كان لنا إلهٌ ندعوه ولا يجيب، فماذا سيكون تكليفنا حينها؟! لنفترض ذلك! لو كان لنا إلهٌ مثل هؤلاء النصارى الذين لا يذهبون إلى الكنيسة إلا في يوم الأحد، فمعنى هذا أنّ الله في الأيام الأخرى لا يجيب، ولا خبر هناك! أي إنّ وقت الإجابة والاستجابة يقتصر على يوم الأحد فقط لا غير؛ وفي سائر الأيام لا فائدة! ولكن في دين الإسلام، باب المسجد مفتوحٌ في جميع الأيام؛ وأصلاً المسجد هو مكان الصلاة، وأصلاً يجب أن يكون باب المسجد مفتوحًا في كلّ وقت، ويجب على المؤمن أن يصلّي صلاته في المسجد! أمّا أن نصلّي في المنزل، فهذا أمرٌ مرغوبٌ عنه في الشرع.

  • كيفيّة صلاة الليل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المسجد النبويّ

  • كان النبيّ الأكرم يصلّي صلاة ليله في المسجد النبويّ نفسه؛ فقد كان يخرج من منزله ويأتي إلى المسجد ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرجع إلى المنزل ويستريح ساعةً، ثمّ يعود إلى المسجد مرّةً ثانيةً ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرجع إلى المنزل ويستريح، وفي المرّة الثالثة كان يعود إلى المسجد فيصلّي الشفع والوتر ويصلهما بصلاة الصبح؛ لقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يأتي إلى المسجد ثلاث مرّاتٍ خلال الليل۱! حسنًا، كان بإمكانه أن يصلّي في منزله أيضًا، ولكن لماذا كان يصلّي في المسجد؟!

  • يجب أن يكون باب المسجد مفتوحًا دائمًا، سواءً في الصباح أم في سائر الأوقات. وذلك لأنّ المسجد هو دائمًا محلّ السجود ومحلّ العبادة؛ فالمسجد لا يختصّ بصلاة الظهر والمساء فقط بحيث يُفتح بابه لساعةٍ ثمّ يُغلق. أصلًا المسجد يعني محلّ السجود! أمّا ما ترونه الآن من أنّه إذا كانت هناك خطبةٌ ووعظٌ في المسجد، وجاء شخصٌ يريد أن يصلّي، يقولون له: يا سيّدي، اذهب وصلِّ في تلك الزاوية كي لا تزاحمنا! فهذا خطأٌ؛ الصلاة مقدَّمة، يعني لو دار الأمر بين الصلاة والخطبة، فالصلاة مقدَّمة، ويجب أن يخصّصوا مكانًا لمن يأتي للصلاة؛ لا أنّه في وقت الوعظ والخطابة لا يتمكّن أيّ أحدٍ من الصلاة، وعلى الناس أن ينتظروا طويلًا حتّى ينتهي الوعظ، لساعةٍ أو ساعتين، وبعد انتهاء المراسم، إذا أراد أحدهم أن يأتي في الساعة الثامنة أو التاسعة ليصلّي؛ فهذا خطأٌ! إذا كانوا يخصّصون مكانًا وزمانًا للوعظ، فيجب أن يخصّصوا مكانًا لصلاة الناس أيضًا ويضعوا حدودًا بحيث يذهب كلّ من يأتي إلى هناك ويصلّي صلاته.

    1. الكافي، ج ٣، ص ٤٤٥؛ دعائم الإسلام، ج ١، ص ٢١١.

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

3
  • هذا يعني أنّ الإسلام لم يضع أبدًا وفي أيّ مكان حدًّا للمواجهة بين العبد وربّه، ولم يعيّن حدًّا لمناجاته!

  • تبيين معنى كراهة الصلاة في بعض الأمكنة

  • بالطبع، تُكره الصلاة في بعض الأماكن؛ مثلًا، تُكره في الطرقات وفي الحمّام۱. ذهب البعض في تفسير هذه الكراهة إلى أنّها تعني «أقلّ ثوابًا»؛ ولكن ما يبدو للذهن هو أنّها لا ثواب فيها أصلًا، بل هي ليست مرضيّةً للشارع، لا أنّها أقلّ ثوابًا؛ غاية الأمر أنّ صحّتها مسألةٌ أخرى، وفيها بحثٌ أصوليٌّ هنا، وهو أنّ بعض الأعمال قد تكون صحيحةً ولكنّها غير مقبولة؛ على أيّ حال، الصلاة في هذه الموارد ليست مرضيّةً للشارع أصلاً!

  • إذن، يجب أن يكون هناك مسجدٌ في كلّ مكان، ويجب أن يكون هناك مسجدٌ في كلّ محلّة، ويجب على الناس أن يصلّوا الصلاة في المسجد! لقد كانت سيرة الأعاظم على هذا المنوال، إذ كانوا يذهبون إلى المسجد ويصلّون الصلاة فيه ويؤدّون أذكارهم فيه. غاية ما في الأمر أنّ الأوضاع قد تغيّرت الآن، والمساجد لم تعد تلك المساجد؛ فالمرء حين يذهب إلى المساجد، بدلًا من أن يذكر الله، يذكر زخارف الدنيا وبريقها!

  • تأكيد أولياء الله على زيارة أهل القبور لأجل التنبّه ووجدان الموت

  • أصلاً كلّ شيءٍ قد تغيّر وكلّ شيءٍ قد تبدّل؛ فالمقابر بدلاً من أن تكون منذرةً ومذكِّرة، تحوّلت إلى منتزهاتٍ وحدائق وبساتين وما إلى ذلك من هذه الأمور! إذن، كلّ هذا التأكيد على الذهاب لزيارة أهل القبور، وتأكيد النبيّ الأكرم في الروايات على استحباب أن يذهب الإنسان صباح الخميس ويوم الجمعة لزيارة أهل القبور، هو لهذا السبب. ولكن الآن، يذهب المرء إلى هناك فيرى الأشجار والبساتين٢! فهل هذه أيضًا أصبحت مقبرةً إسلاميّة؟! وأين هي إسلاميّتها؟! حينما يكون من المقرّر أن تتّجه كلّ وجوه الناس في بلدٍ إسلاميٍّ نحو الاقتصاد والانسجام مع المجتمع والحضارة المعاصرة، فلن يذكر أحدٌ المقبرة أصلاً، ولن يذكر أحدٌ الآخرة!

  • إنّكم لو نهضتم يومًا وذهبتم لزيارة مريض، فكم سيؤثّر ذلك فيكم! إنّه يؤثّر حقًّا! ستقولون إنّ هذه القضيّة ستأتينا يومًا ما، لها تأخيرٌ وتقديم ولكنّها حتميّة الوقوع؛ فهل يُخبر الموت بمجيئه، وهل يُخبر عزرائيل؟! وهل كان أحدٌ على علمٍ برحيل المرحوم العلّامة، وهل كان أحدٌ ينتظر ذلك؟! أبدًا! عندما أبلغوني ليلاً بأنّ السيد قد مرض وذهب إلى المستشفى، كنت في طهران، فقلت لعلّها وعكةٌ كالمعتاد، لأنّ السيّد كانت إحدى قدميه في المستشفى والأخرى في المنزل، وهذه مرّةٌ كتلك المرّات؛ فمن كان يعلم أنّ هذه المرّة ليست كبقيّة المرّات! لم يُعطوا لأحدٍ صكّ الخلود وضمان العيش المؤبّد في هذه الدنيا! «إِنَّ الأَمرَ كُلَّهُ بِيَدِ الله!»٣ أبدًا، لم يمنحونا من اختيار البقاء في هذه الدنيا مقدار رأس إبرة! ففي الموعد المحدّد وفي الوقت المعيّن، يشرف جناب عزرائيل ويقول: «بِسمِ الله، اذهَبوا، أَنتُمُ الطُّلَقاءُ!» أهلاً وسهلاً! لذلك، لدينا كلّ هذا التأكيد في الروايات على الذهاب إلى المقابر٤!

    1. الكافي، ج ٣، ص ٣٩٠. من لا یحضره الفقیه، ج ١، ص ٢٤٠، باب المواضع الّتی تجوز الصّلاة فیها و المواضع الّتی لا تجوز فیها؛ وسائل الشّیعة، ج ٥، ص ١١٧، ابواب مکان المصلّی.
    2. الكافي، ج ٣، ص ٢٢٨؛ الأمالی، شیخ طوسی، ص ٦٨٨.
    3. مهج الدعوات، ص ٢٠٥.
    4. الكافي، ج ٣، ص ٢٢٨، باب زیارة أهل القبور

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

4
  • كنت أذهب كلّ عصر خميس لزيارة أهل القبور، وكنت أرى العلّامة الطباطبائي ـ رضوان الله عليه ـ يأتي إلى مقبرة «شيخان» هذه، فيطوف هناك حول القبور ويقرأ الفاتحة، ثمّ يذهب إلى جانب قبر حيث يوجد أقاربه فيقرأ الفاتحة، وبعد ذلك يجلس في زاويةٍ لمدّة ربع ساعة، ثمّ يقوم وينصرف. لذلك، ورد عندنا حتّى أنّه: «عندما تذهبون إلى المقبرة، لا تقرأوا القرآن فقط، بل اذهبوا واجلسوا وتأمّلوا وتفكّروا!».

  • يصل خبرٌ إلى أمير المؤمنين عليه السلام بأنّ أحد أصحابه قد توفّي، ثمّ يصل خبرٌ جديدٌ بأنّه لا، لم يتوفّ، وهو حيٌّ وعلى قيد الحياة؛ فيكتب إليه الإمام رسالةً: لقد سمعنا في الخبر الأوّل أنّك قد توفّيت، وفي الخبر الثاني سمعنا أنّك لم تتوفّ وأنّك على قيد الحياة؛ فافترض أنّ الله قد أخذك والآن قد رجعت مرّةً أخرى، فماذا ستفعل في هذه الدنيا الآن۱؟!

  • حقًّا، فلينظر الإنسان ماذا يفعل؟! إنّهم يقولون لنا هذا بجدّ! وأنا أقوله بجدّ! أنا نفسي هكذا. جدًّا، لو قيل لنا إنّنا لن نعيش أكثر من شهرٍ واحد، أي مثلًا لو قيل لنا: «رَأس الشَهرِ الثّانی ستَموتُ!» فهل سندع في هذه المدّة، مدّة الشهر الواحد، دقيقةً واحدةً من عمرنا تذهب هباءً؟! حتّى دقيقةً واحدة؟! هذا لأنّ الوقت ضيّقٌ ومحدود! هذا هو الواقع، يعني عندما نسمع حقًّا خبرًا صادقًا مصدَّقًا بأنّكم لن تعيشوا أكثر من شهرٍ واحد، فهل من الممكن أن نفعل هذه الأعمال التي نفعلها؟!

  • ما هو الضمان بأنّنا سنبقى على قيد الحياة؟! جدًّا، لقد وجدتُ هذه القضيّة في نفسي بعد ارتحال المرحوم العلّامة! ففي النهاية، هناك بعض الأمور التي يعلمها الإنسان ولكنّه لا يجدها في نفسه، ووجدانه غائبٌ عنها. 

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام كثيرًا: كلّنا على يقينٍ بأنّنا سنموت، أي إنّه واضحٌ كوضوح هذا النهار بأنّنا سنرحل عن الدنيا، ولكنّنا لسنا في حال وجدانٍ لذلك؛ يجب أن نجد القضيّة في أنفسنا٢!

  • بعد هذه الحادثة، وجدتُ هذا الجانب في نفسي، وهو أنّ المسألة لا مجاملة فيها على الإطلاق! ورغم أنّنا أكثر لا مبالاةً من هذه الأمور بكثير، إلا أنّني في اللحظات التي تمرّ عليّ الآن، لا أملك أيّ أملٍ في أن أكون حيًّا غدًا! أي إنّني الآن قد وجدتُ هذا في نفسي! لا شيء؛ وليكن ما يكون! إن شاء الله، لدينا في تلك الدنيا من يحمينا، فالنبيّ وأهل بيته عليهم السلام موجودون وسيفعلون شيئًا؛ وإلا فإنّ أوضاعنا سيّئة!

    1. السرائر، ج ٣، ص ٦٣٤: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه‌السلام: بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه‌السلام مَوْتُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ جَاءَهُ خَبَرٌ آخَرُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَانَا خَبَرٌ ارْتَاعَ لَهُ إِخْوَانُكَ ثُمَّ جَاءَ تَكْذِيبُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَأَنْعَمَ ذَلِكَ أَنْ سُرِرْنَا وَإِنَّ السُّرُورَ وَشِيكُ الِانْقِطَاعِ مَبْلَغُهُ عَمَّا قَلِيلٍ تَصْدِيقُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَهَلْ أَنْتَ كَائِنٌ كَرَجُلٍ قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ وَعَايَنَ مَا بَعْدَهُ فَسَأَلَ الرَّجْعَةَ فَأَسْعَفَ بِطَلِبَتِهِ فَهُوَ مُتَأَهِّبٌ دَائِبٌ يَنْقُلُ مَا سَرَّهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى دَارِ قَرَارِهِ لَا يَرَى أَنَّ لَهُ مَالاً غَيْرَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَمْ يَزَالا دَائِبَيْنِ فِي نَقْصِ الْأَعْمَارِ وَإِنْفَادِ الْأَمْوَالِ وَطَيِّ الْآجَالِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ صَبَّحَا عاداً وَثَمُودَ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً فَأَصْبَحُوا قَدْ وَرَدُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَقَدِمُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ غَضَّانِ جَدِيدَانِ لَا تُبْلِيهِمَا مَا مَرَّا بِهِ مُسْتَعِدَّانِ لِمَنْ بَقِيَ بِمِثْلِ مَا أَصَابَا بِهِ مَنْ مَضَى وَاعْلَمْ إِنَّمَا أَنْتَ نَظِيرُ إِخْوَانِكَ وَأَشْبَاهِكَ مَثَلُكَ كَمَثَلِ الْجَسَدِ قَدْ نُزِعَتْ قُوَّتُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا حُشَاشَةُ نَفْسِهِ يَنْتَظِرُ الدَّاعِيَ فَنَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا نَعِظُ بِهِ ثُمَّ نَقْصُرُ عَنْهُ. 
    2. تحف العقول، ص ٣٦٤:
      «قالَ [أمیرُالمؤمنین] علیه السّلام: ”و لَم یَخلُقِ اللهُ یَقینًا لا شَك فيهِ أشبَهَ‌ بِشَك لا یَقينَ فيهِ، مِنَ المَوت.“»

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

5
  • والآن، انظروا إلى هذه المقابر التي أنشأوها الآن، ما هذه؟! في أحد الأيام، جاء أحد هؤلاء السادة من قم إلى مشهد، وكان يشتكي ويبدي استياءه قائلاً: سيّدنا، إنّه لأمرٌ عجيبٌ جدًّا! لقد شقّ صدّام الشوارع في وادي السلام بالنجف، وشقّ طرقًا في المقبرة لمرور السيّارات، وزرع فيها الأشجار، وبنى الأبنية، فخرجت عن حالة المقبرة!

  • فقال المرحوم العلّامة: «لماذا تذهب بعيدًا؟! لقد ذهبتُ إلى "تخت فولاد" في أصفهان ورأيتهم قد شقّوا نهرًا في وسطها، وزرعوا أشجار الكالبتوس والسرو، وخرّبوا المقبرة وبنوا بيوتًا! فأيّ فرقٍ يوجد، سواءً صدّام أم غير صدّام، عندما يكون القرار هو تخريب المقبرة!».

  • كم من قبور الأعاظم موجودةٌ في "تخت فولاد" في أصفهان هذه! لم يبقَ منها الآن سوى جزءٌ واحد وقد خُرّب كلّ شيء! ولماذا نذهب أبعد من ذلك، لننظر إلى "بهشت زهرا" في طهران عندنا، فهل هذه حقًّا "بهشت زهرا" [جنّة الزهراء]؟! زهور الخزامى وشعر حافظ والسرو والحدائق وأشياء من هذا القبيل، وفوق كلّ قبرٍ لوحةٌ وصورةٌ و...، فما هذه الأشياء؟!

  • ماذا نريد أن نفعل؟! هل نريد بأعمالنا هذه أن نمنح أنفسنا العزّة والكرامة، أم نريد أن نُسعِد قلوب الأموات الذين هناك؛ أيًّا من هذين الأمرين نريد أن نفعله؟! إذا كان الحساب على العزّة والكرامة والجمال وهذه الأمور، حسنًا، فهذه الأشياء يمتلكها المسيحيّون أيضًا، وربّما تكون مقابرهم أجمل من مقابرنا! أمّا إذا كان الحساب على أن نرى هذا الذي دُفن هنا الآن، بماذا هو راضٍ؛ فهل هو راضٍ بأن يضعوا الزهور فوق رأسه ويزرعوا الخزامى وما شابه، ويأتوا مثل هؤلاء المسيحيّين ويقفوا هنا ويفعلوا هكذا ثمّ يمضوا في طريقهم، أم أنّه يريد من الناس أن يأتوا إلى هنا ويتنبّهوا، ويكفّوا قليلًا عن هذه اللامبالاة، ويكفّوا قليلًا عن هذه المناظر الموجودة في المدينة والتي تجرّ الإنسان إلى أيّ مكان؟!

  • من جهةٍ، يقولون الاكتفاء الذاتي؛ ومن جهةٍ أخرى، تحت شعار «مدينتنا بيتنا»، يرسمون صورة أفضل سيّارةٍ أجنبيّةٍ على جدار أصفهان! ومن تلك الجهة، دعوةٌ إلى التوفير وعدم الإسراف وحكومةٌ علويّة؛ ومن هذه الجهة، في التلفاز وهذا وذاك، إعلاناتٌ للشيكات والشيكات السياحيّة والأسفار إلى كيش والخارج وأمورٌ من هذا القبيل! أيّهما [صحيح]؟! إلى أين نحن ذاهبون؟! هل أنت تروّج لهذه الأمور لساكني الأكواخ وأحياء الصفيح، أم تروّج لها لمن يسكنون في شمال طهران من منطقة "ونك" فصاعدًا؟! ما القضيّة؟! أيّ نوع من هذه الأقوال إسلاميٌّ؟! وهل هناك غير أن يتنهّد ذلك المسكين الذي يشاهد هذا التلفاز ويتحسّر! فهل هذه الأمور إسلاميّة؟!

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

6
  • في المجتمع الإسلاميّ، يجب أن تكون هناك مقبرة، ويجب أن يذهب الناس أيام الخميس ويروا الوضع! يا سيّدي، أصلًا الناس يهربون من هذه الأقوال! يهربون لأنّهم قد ابتلوا! لقد ابتلوا بالمادّيات إلى درجة أنّهم إذا ذُكر اسم الموت، ينتحبون ويهربون ولا يريدونه أصلاً! أمّا ذلك المسكين البائس الذي لا يملك شيئًا، فهو مرتاح؛ فإذا جاء الموت، يقول: «في أمان الله، لقد رحلنا!».

  • بالأمس ذهبنا لزيارة مريض، فقلتُ: «يبدو أنّك كنت أذكى منّا وسترحل أبكر!». 

  • فضحك، فقلتُ: «تعال لنتبادل الأماكن!». بالطبع، إن شاء الله يشفيه الله؛ نحن نمزح معه! كلّ الذين كانوا واقفين كانوا يتوقّعون أن نذهب ونقول: «إن شاء الله يشفيك الله»؛ ولكنّهم رأوا أنّه لا يا سيّدي، نحن نضحك! لا يا سيّدي، نحن لسنا في هذه الأمور! فالله إمّا أن يشفي أو لا يشفي! هل تريدنا أن نذهب مكانك؟! ولكن إن شاء الله نأمل أن يشفيه الله! نحن نريد شفاءه حقًّا!

  • قبل عشرين عامًا، أحضروا شيخًا ليدفنوه في قم، فجاء به المرحوم العلّامة مع عددٍ من رفقائه القدامى الذين كانوا من تلاميذ الشيخ الأنصاري ـ لم يكونوا من الرفقاء الجدد ـ فدفنوه في "وادي السلام" بقم هذه. وعندما كانوا عائدين، كان الوقت بعد الظهر، فضحك معهم كثيرًا وقال: يا رفقاء، هذا مكانٌ جيّد! إنّه مكانٌ هادئٌ جدًّا ومريح، وصامتٌ وجيّدٌ للغاية! من منكم مستعدٌّ لأن نبقى هنا ولا نخرج بعد الآن؟

  • والمصادفة أنّهم لم يكونوا أكثر من سبعة أو ثمانية أشخاص، فرأوا أنّهم جميعًا يرتجفون! وقالوا: «لا، يبدو أنّ السيّد محمّد حسين يقول بجدّ لنذهب!» فلم يأتِ أحد! كلّا، فالسادة لديهم زوجات، ولديهم أطفال، ولديهم سيّارات، ولديهم بيوت، ولديهم حياة، ولديهم كذا وكذا! ولكنّ هؤلاء سيرحلون وفي النهاية يجب أن يعودوا إلى هنا! ففي النهاية، نحن لسنا خارجين عن حكومة الله؛ سنذهب ونقوم بجولاتنا، مع الانتباه إلى ما هو نصيبنا؛ سنةً أو سنتين أو عشر سنوات، في النهاية سنقوم بجولاتنا ثمّ نعود إلى هنا! سلامٌ عليكم!

  • خلاصة القول، القضيّة هكذا! الآن، لا وجود لأيٍّ من هذه الأقوال، والآن لا وجود لهذه الأخبار أصلًا! الآن، الكدورة قد عمّت كلّ مكان، والظلمة قد عمّت كلّ مكان، والشهوة قد عمّت كلّ مكان، والغضب قد عمّ كلّ مكان، والكراهية قد عمّت كلّ مكان، والحقد والحسد قد عمّا كلّ مكان، والترف قد عمّ كلّ مكان، والإسراف قد عمّ كلّ مكان! بل يضحكون منّا قائلين: «ماذا يقول هؤلاء! هؤلاء مجانين يتفوّهون بهذه الأقاويل!». لا وجود لهذه الأقاويل أصلًا!

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

7
  • خصوصيّات المساجد الإسلاميّة وافتخارها بتربية الرجال الأفذاذ

  • المسجد الذي بناه رسول الله صلّى الله عليه وآله في المدينة، لم يكن له سقف! فقالوا: «يا رسول الله، المطر يهطل أو الشمس تشرق، وليس له سقف!». وأصرّوا كثيرًا، فقال صلّى الله عليه وآله: «حسنًا، غطّوه بسعف النخيل، ثمّ ضعوا فوقه الطين!». فقالوا: «ولكن، هل هذا أيضًا يُعدّ سقفًا؟!». فقال صلّى الله عليه وآله: «عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى!»۱. هكذا كان مسجد المدينة هذا ببضعة أعمدة، بهذه الكيفيّة! كنت قد رأيت صورته في مكانٍ ما، وكانت من تلك الرسومات القديمة. الآن صوره موجودةٌ في تواريخ المدينة، بضعة أعمدة وسقفٌ قصيرٌ جدًّا، ثمّ جاء العثمانيّون في زمانهم وبنوا هذه الأشياء، ثمّ شيّدوا العمارة، ثمّ جاؤوا وفعلوا ما فعلوا! فأصبح شيئًا لا يشبه المسجد!

  • هذا كان مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ حسنًا، في هذا المسجد، يكون لدى الإنسان تركيز، وتوجّه، وحضور قلب، وإخلاص، وطهارة!

  • والآن، اذهبوا إلى مساجد طهران وتفرّجوا! قوموا واذهبوا لتروا مساجد شمال المدينة! لقد قاموا بتذهيب المحراب وزخرفته بالذهب؛ وذلك أيضًا على شكل صليب! لقد صنعوا صليبًا في المحراب أصلاً!

  • عندما كان المرحوم العلّامة يصلّي في مسجد «القائم» هذا، وكان مزيّنًا بالقاشاني، قال يومًا وهو على المنبر أمام الجميع ـ فهو لم يكن يأبى من قول مثل هذه الأمور ـ: «لو كانت السلطة بيدي، لهدمت هذا المحراب! فما هذا المحراب بهذه الزخارف القاشانيّة؟! هل يرضى رسول الله صلّى الله عليه وآله بهذا المحراب؟! يا عزيزي، يجب أن يكون المحراب مثل هذه الغرفة تمامًا وتصلّي!». وكان ذلك مسجده الخاصّ!

  • والآن، تقوم فئةٌ بكتابة هذه الأمور في كتبها على أنّها حضارةٌ إسلاميّة، كمسجد آيا صوفيا في المكان الفلانيّ، والمسجد الأمويّ في أيّ مكان، ومسجد قرطبة في إسبانيا، والمسجد الملكيّ في لاهور و...، فهل هذه هي الحضارة الإسلاميّة؟! الحضارة الإسلاميّة هي بميثم التمّار، الحضارة الإسلاميّة هي بمالك الأشتر؛ هذا ما يسمّى بالحضارة الإسلاميّة! لا أن تنشئ أنت عمارةً كذا، ليقولوا إنّ هذه الأقواس التي صُنعت في مسجد الشاه بأصفهان هي شبه معجزة! هذا ليس حضارة؛ هذا فنّ! حسنًا، لنفترض أنّ مسيحيًّا هو من صنع هذا، فهل كان سيُطلق على عمل المسيحيّ اسم الحضارة الإسلاميّة؟! ليكن مسيحيًّا، فما الفرق؟! المسيحيّون لديهم مثل هذه الأشياء أيضًا، أليس لدى المسيحيّين منها؟!

    1. الكافي، ج ٣، ص ٢٩٥؛ إعلام الوری، ص ٧٠. أسرار الملكوت، ج ٣، ص ١٥٤

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

8
  • تمثال السيّد المسيح ومريم الذي رسمه ليوناردو دافنشي، وصمّمه مايكل أنجلو، النحّات الشهير، على حجر البلّور؛ اذهبوا وانظروا إليه، وانظروا هل عمارة المسجد الفلانيّ أهمّ أم ذلك؟! الآن، هذا التمثال للسيّد المسيح مع السيدة مريم وهي تحتضن المسيح، الموجود في روما، لقد عمل على هذا التمثال الواحد فقط لمدّة أربع وعشرين سنةً! ثلاثةٌ من أبرز النحّاتين في العالم، أحدهم عمل عليه سبعة عشر عامًا، والآخر خمس سنوات، والآخر ثلاث سنوات! التمثال مصمّمٌ بحيث تظهر خصلات شعر السيدة مريم على الحجر! والشعيرات الدمويّة في الجلد تظهر على الحجر؛ الشعيرات الدمويّة، لا العروق! تفضّلوا، هذه أيضًا الحضارة المسيحيّة! هذه ليست حضارة!

  • هذه ليست حضارة، الحضارة هي أن يربّي عليٌّ عليه السلام تلميذًا اسمه ميثم، ويربّي تلميذًا اسمه كميل، ويربّي تلميذًا اسمه مالك الأشتر، القائد العامّ لقوّات أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يكون سائرًا فيرمون قشور الخيار على رأسه فلا يلتفت، ويقوم ويذهب إلى المسجد ويدعو الله أن يغفر لهم جهلهم۱! أنت الآن لو شتمت جنديًّا، لضربك بالبندقيّة على رأسك وقتلك في الحال، ثمّ يلفّق قضيّةً في المحكمة بأنّ هذا قد هجم عليه، ويُغضّ الطرف عن القضيّة وتمضي! القائد العامّ لقوّات أمير المؤمنين عليه السلام، مالك الأشتر، يرمون على رأسه قمامة قشور الخيار ويهينونه، ولكنّه دون أن يدير رأسه أصلاً، يذهب ويقول: «ذهبت لأدعو له بأن يخرجه الله من جهالته!».

  • هذه حضارة إسلاميّة! الحضارة الإسلاميّة هي بصناعة مثل العلّامة الطباطبائي، لا بالبناء! ما هو البناء؟! فما هذه الأقاويل؟!

  • والآن انظروا، حيث يقول الإمام الباقر عليه السلام لأحد أصحابه: «إذا قام قائمنا هدم كلّ هذه المساجد بالكامل!»٢. ولكنّكم مأمورون حاليًّا بالصلاة في هذه المساجد نفسها!

  • والآن، يفتخر السيد بالمنبر المخروطيّ الشكل، أو بأنّ قبّة مدرسة السيد الخوئي في مشهد هي أكبر قبّةٍ في الشرق الأوسط من حيث الحجم! شكرًا جزيلًا على لطفكم! حسنًا، هل كون قبّة مدرسة السيد الخوئي هي الأعلى، أو مدرسة السيد الخوئي هي الأكبر، أصبح فخرًا لنا؟! يا سيّدي، لقد جمعتم بضع قضبانٍ حديديّةٍ ووضعتم فوقها الإسمنت، فهذا العمل لا يستحقّ الافتخار! والآن بعد أن سهّل الإسمنت كلّ شيء، لم يعد الأمر صعبًا! الآن أيّ إنسان يعرف كيف يضع بضعة قضبانٍ فوق بعضها ويغطّيها بالجصّ، ومن الجهة الأخرى يصبّون الإسمنت فتصبح قبّة!

    1. الشيخ عباس القمي، منازل الآخرة والمطالب الفاخرة، صفحة ٢۱۰.
    2. الغیبة، شیخ طوسی، ص ٤٧٥:
      «عَن أبی‌بَصیرٍ عَن أبی‌جَعفَرٍ فی حَدیثٍ لَهُ اختَصَرناهُ قالَ: ”إذا قامَ القائِمُ علیه السّلام دَخَلَ الکُوفَةَ و أمَرَ بِهَدمِ المَساجِدِ الأربَعَةِ حَتَّى یَبلُغَ أساسَها و یُصَیِّرُها عَریشًا کَعَریشِ مُوسَى، و تَکونُ المَساجِدُ کُلُّها جَمّاءَ لا شُرَفَ لَها کَما کانَت عَلىٰ عَهدِ رَسولِ اللهِ صلّی اللهُ علیه و آله و سلّم؛ و... .»

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

9
  • كم من الرجال صنعنا؟! كم من الفضلاء الإسلاميّين صنعنا؟! كم من أهل الله صنعنا؟!

  • افتخار الحكومة الإسلام بصناعة الإنسان

  • جاؤوا إلى السيد علي البهشتي وقالوا له: «تفضّل بقبول المرجعيّة بعد السيد الخوئي!». فقال: «أقبل بشرطٍ واحد، وهو أن: ترسلوا لي كشف حساب جميع الأموال التي بحوزة وكلاء السيد الخوئي، وتضعوا التصرّف فيها تحت اختياري حتّى آخر قِران!». لم يقبل حتّى وكيلٌ واحدٌ من وكلائه! فهل هذه أصبحت حضارةً إسلاميّة؟! هل الأمر هكذا؟! السيد علي البهشتي رجلٌ صالح، يقول إذا كنت أنا المسؤول فيجب أن أرى أين تُنفق هذه الأموال! فهل أقول أين تُنفق؟!

  • حينها، انظروا إلى هذه المساجد وهذه المقابر عندنا، وانظروا ما شاء الله ما الخبر! والآن إذا أردتم أن تقولوا كلمةً، يقولون: «أيّها السيد، ما الخبر؟! ماذا تقول؟». فإذا قلت: «يا عزيزي، لدينا روايات!». يقولون: «الرواية كانت لذلك الزمان!». فتقول: «الإسلام لكلّ زمان!». فيقولون: «ظروف المكان والزمان هي التي تحدّد الاجتهاد!». وكأنّه يجب عليه الآن أن يصلّي في ناطحة سحاب!

  • بما أنّ الزمان الآن هو عصر السيد كلينتون وفخامة رئيس جمهوريّة فرنسا، فيجب علينا ألّا نتخلّف، ويجب أن تكون مساجدنا ناطحات سحاب أيضًا! وإذا ذهبنا وصلّينا في المسجد الفلانيّ، فسيقولون: لا يا سيّد، هذا سيّئ، سيتكلّمون بالسوء، هذا خلاف الإسلام!

  • في أوائل قيام الحكومة الإسلاميّة، كان شخصٌ يسافر إلى هذه البلدان بصفته وزيرًا للخارجيّة، وكان يرتدي ربطة عنق؛ فقلت له: «هذا لا يليق بك!». فقال: «يا سيّدي، إنّه لفخرٌ للحكومة الإسلاميّة أن يرتدي من يذهب [ممثلًا عنها] ربطة عنق! نحن نعيش في عالمٍ يهتمّون فيه بهذه المسائل، فيجب أن يكون دبّوس ربطة عنقي كذا، ويجب ألّا أتخلّف عنهم!».

  • حسنًا، هذا أيضًا تفكير! وهذا التفكير يوصلنا إلى هذه الأماكن؛ هذا هو الانحراف عن الطريق، وهذا هو الخروج عن المسار، وهذا هو السير في الاتّجاه المعاكس!

  • الهدف من ذكر الله

  • يقول الإسلام: يجب أن تكونوا في ذكر الله في كلّ مكان! يقول في هذه الآية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾۱. فعندما تخرجون من عرفات، فاذكروا الله! لا بأن تمسكوا المسبحة بأيديكم! لأنّنا لا نقول أبدًا باستمرار في ذكر أبينا: أبي، أبي، أبي! بل المعنى هو أن يكون حاضرًا في الذاكرة وفي الخاطر!. ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾؛ أي اجعلوا كلّ خطوةٍ تخطونها بذكر الله!.

    1. سورة البقرة (٢)، الآية ٢۰۰.

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

10
  • أرأيتم عندما تحبّون شخصًا وتعشقونه، يكون دائمًا في ذهنكم! حقًّا الأمر كذلك؛ تأكلون الطعام وهو في الذهن، تريدون النوم فهو حتمًا في الذهن، تريدون الصلاة فهو في الذهن، تدرسون وهو في الذهن، لأنّه الأنس! يقول الله: ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فليكن ذكركم أشدّ! واذكروني أكثر!.

  • فعندما تفيضون من عرفات، اذكروني أكثر؛ لا أن يقول، كما قال ذلك السيد: «لنجلس في عرفات وندخّن النارجيلة لنصف ساعة، ليصدق علينا الوقوف في عرفات، وأكثر من هذا لا يطلبون منّا!». إنّ تدخين الغليون والنارجيلة لا يتعلّق بعرفات، بل هو لمكانٍ آخر! يجب أن يكون الإنسان في ذكر الله في كلّ مكان!

  • مطابقة العبادة لظروف المكلّف وعدم انحصارها بزمانٍ أو مكانٍ خاصّ

  • لذلك، لا يوجد في الإسلام مكانٌ مخصّصٌ للعبادة؛ «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»۱. يمكنك أن تصلّي هنا، ويمكنك أن تصلّي في الساحة، ويمكنك أن تصلّي في المنزل، ويمكنك أن تصلّي في البستان، ويمكنك أن تصلّي في الصحراء، وعندما تكونون فوق الجبل يمكنكم أن تصلّوا، وأنتم تتحرّكون في الطائرة، عندما يؤذّن، صلّوا هناك ولا تنتظروا الهبوط، هناك في الطائرة نفسها، بمجرّد أن يقول: الله أكبر! اذهبوا وقفوا جانبًا وصلّوا صلاتكم؛ هذا هو الواجب الآن، وهذه الحركة في الطائرة لا تخلّ بالصلاة.

  • إذا كنتم على ظهر بعيرٍ وتتحرّكون ولا يمكنكم النزول، فيجب عليكم أن تصلّوا في بداية الأمر هناك٢! فلو وصلتم إلى المنزل بعد عشر دقائق، تسقط عنكم الصلاة ولا يلزمكم قضاؤها مرّةً أخرى، فواجبكم في ذلك الوقت كان الصلاة على الراحلة وهي تكفي ولا قضاء لها؛ لا يوجد حدٌّ في هذا الأمر، إلا في حالةٍ واحدة وهي إذا لم يجد الإنسان ماءً، فيجب عليه أن يتفحّص ويبحث عن الماء٣! حتّى لو كان الإنسان مريضًا الآن ويعلم أنّه سيشفى بعد ساعة، ووقت الصلاة قد حان، فيجب عليه أن يصلّي الآن جالسًا وصلاته صحيحة، لا أن ينتظر؛ فالصلاة التي طلبها الشارع منّي الآن هي هذه، وهذه الصلاة هي الصلاة الصحيحة السليمة.

  • كلّ موضوعٍ له حكمه الخاصّ به. الصلاة الصحيحة ليست هي الصلاة في حال القيام، بل هي الصلاة المطابقة لظروف المكلَّف؛ تلك هي التي تسمّى صلاة، ولو علم أنّ الظروف ستتغيّر بعد ساعة، فليكن، أنا الآن في هذه الظروف أصلّي، وأنا الآن أصلّي بالتيمّم، وإن كنت أعلم أنّني سأصل إلى الماء بعد ساعة، فلا يلزم الإنسان أن ينتظر وعليه أن يصلّي الآن. إلى هذا الحدّ قد وُسِّع في الشرع! «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».

    1. الأمالی، شیخ صدوق، ص ٢١٦. امام شناسی، ج ١٠، ص ٢٦٨
    2. المحاسن، ج ٢، ص ٣٧٣؛ الكافي، ج ٣، ص ٤٤٠؛ الجعفریات، ص ٤٧.
    3. الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا علیه السّلام، ص ٨٩.

باب الله مفتوح والدنيا تصدّ عنه - الحضارة الإسلاميّة الحقيقيّة: صناعة الرجال لا زخرفة الجدران

11
  • في قضيّة مرض الصفراء لدى المرحوم العلّامة، عندما تقرّر أن يأتوا به إلى طهران لإجراء فحص السونار والتصوير الشعاعيّ وعمليّة استئصال المرارة، ولأنّه كان يعاني من اليرقان (icterus) وانسداد القناة الصفراويّة (colic) وحصوات المرارة، فعندما كانوا ذاهبين إلى هناك، لم يكن قد صلّى، وفي هذه السيّارة التي كنّا نسير بها قال: «لا يمكننا التوقّف هنا الآن والصلاة، حسنًا يا عزيزي، إذن نصلّي صلاتنا هنا».

  • لقد صلّى في تلك السيّارة نفسها وهو جالسٌ وهي تتحرّك، وصلّينا كلانا معًا ونحن نتحرّك؛ ولكن لأنّ الإمام [إمام الجماعة] يجب أن تتوفّر فيه شروط الصلاة في الأحوال العاديّة، لم أستطع أن أقتدي به، وإلا لكنت قد اقتديت به هناك. لقد صلّينا كلانا صلاتين جميلتين، ثمّ وصلنا إلى العيادة وأجروا فحص السونار، بكلّ سهولةٍ وبساطة!

  • «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذی أَدعوهُ فَیُجیبُنی»؛ في أيّ وقتٍ أردت أن تذهب إلى الله، فاذهب! «فَیُجیبُنی»؛ إنّه يجيبني!

  • الله لا يقول: «دع الأمر حتّى السحر!». لا يقول: «دعه لليل، دعه للظهر، دعني أتفرّغ!».

  • كان الحاج عبد الجليل قد قال لأحد أبناء السيد الحدّاد: «عندما تذهب إلى حرم أمير المؤمنين عليه السلام، ادعُ لي! لديّ مشكلة!». فذهب وعاد؛ فقال: «هل دعوت لي؟». وكان ذلك الابن بسيطًا جدًّا، فقال: «نعم والله دعوت لك، ولكن عليًّا عليه السلام كان مشغولًا جدًّا؛ لم أدر هل أجابني أم لا! لقد قلت ما لديّ، ولكنّني لم أفهم هل سمع وفهم ما أقول، أم لا!».

  • عليٌّ عليه السلام يسمع، ليس لديه انشغالٌ وفراغ! الفرق بين العرفان وسائر المدارس هو أنّ هذه المسألة ليست موجودةً في سائر المدارس، والعرفان وحده هو الذي يدّعي أنّ الباب مفتوحٌ في كلّ حالٍ وكلّ وقت، والطريق ممهّدٌ وهناك يدٌ تمتدّ.

  • حسنًا، إن شاء الله، تتمّة المواضيع لليلة الغد.

  •  

  • اللهمّ صَلِّ علیٰ محمّدٍ وآلِ محمّد