79

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

3806
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتدبير والأسرة


التوضيح

في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
/۱۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

1
  •  

  •  

  • هو العليم 

  •  

  • الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۷٩

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم 

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم 

  • الحمد لله ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين 

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين 

  •  

  •  

  •  {قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ...}۱؛ كان حديثنا عن نحوِ العلاقة القائمة بين أفراد العائلة، ولا سيّما العلاقة بين المرأة وزوجها، وكيفيّة التعامل بينهما، حيث وصلنا في البحث عن مقدّمات هذه المسألة إلى أنّ أحكام الإسلام مرتبطة ومشتبكة ببعضها، وأنّ المراد من تشريع هذه الأحكام وبيانها الوصولُ إلى كمال الروح، وفعليّة الاستعدادت التي كوّنها الله تعالى وجعلها في وجود الإنسان لهدف معيّن وغاية خاصّة، بحيث إذا تقرّر ألاّ يبلغ الإنسان تلك المرتبة من الكمال، وذلك الهدف الغائيّ، واقتصر مرادُه على قضاء هذه الحياة في ضمن دائرة ضيّقة وحدود خاصّة، فإنّ التوفّر على هذه الاستعدادت والقابليّات والثروات سيكون لغوًا وعبثًا.

  • اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة

  • فإن كان الهدف هو مجرّد تمضية الحياة، والقيام ببعض الأعمال، ومجرّد التكاثر، وقضاء العمر بشكل عاديّ، كما نراه بأمّ أعيينا في المجتمعات الإنسانيّة، فأيّ معنى سيكون لإبداع هذه الاستعدادات؟! ففي هذا العصر، نُلاحظ أنّ المسألة تتمّ بهذا النحو؛ فنجدهم يشتغلون بشكل جيّد، ويُلبّون شهواتهم بطريقة جيّدة، ويُحسنون الاستفادة من لذّات الحياة، ويقضون أعمارهم في ضمن نطاق ضيّق، ثمّ يموتون؛ فهذه هي غاية أفعالهم، وهذا ما نراه عنهم. إنّ كافّة التحقيقات والاكتشافات والجهود التي تُبذل في المجتمعات المعاصرة تنصبّ على صحّة بدن الإنسان وجسده وظاهره؛ كما أنّ كافّة المختبرات والمؤسّسات العلميّة والجامعيّة، والفضاءات العلميّة والثقافيّة تهدف إلى المحافظة على سلامة البدن الإنسانيّ، وتحقيق استفادة أفضل من الخصائص والمنافع المترتّبة على الجسد؛ وحتّى إذا شاهدنا في موضع ما أنّ هناك أرضيّة متاحة لإصلاح المسائل الأخلاقيّة والنفسيّة، فإنّ هذه الأرضيّة وهذه الفضاءات الصحّية والثقافيّة يكون الهدف منها ضمان مستوى معيّن من الأخلاق، وتحقيق الأمن للنفوس، لكي يتمكّن البدن في ظلّ هدوء هذه النفوس وطمأنينتها من الوصول إلى لذّته بنحو أفضل؛ أي: إذا طُرحت العدالة الاجتماعيّة في مجتمع ما، فإنّ الغاية منها لا تكون هي رقيّ الروح، بل تكون غايتها عدم تعدّي أحد على الآخر؛ وذلك لكي يتمكّن كلّ واحد من أفراد العائلة والمجتمع والحضارة الواحدة من تحقيق رغباتهم الجسديّة والدنيويّة بكلّ راحة واطمئنان؛ وأمّا بالنسبة للكمالات والارتقاءات الروحيّة، فلا حديث عنها هنا، إلاّ ما شذّ وندر من بعض الأفراد الذين تظهر وتتبلور فيهم بعض الدوافع الخاصّة، حيث نجد قلّة من هؤلاء ـ حتّى في هذه المجتمعات ـ يهتمّون بالمسائل التي تقع ما وراء الأمور الظاهريّة والدنيويّة والجسميّة.

    1. سورة سبأ، الآية ٤٦.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

3
  • إنّ توجّه المجتمع في العالم المعاصر ينحو هذا المنحى، مثلما كان عليه الحال سابقًا، وإلى هذا الحين؛ فمنذ خلق آدم عليه السلام، كانت المسألة دائمًا بهذا الشكل، حيث نجد أنّ الناس ينظرون إلى الظاهر، ويعبدونه، ويجعلونه محطّ أنظارهم؛ فهذه مسألة كانت سائدة ورائجة بين جميع الشعوب والأمم؛ وهي: ما هي الطريقة التي علينا أن نعيش بها حتّى نتمكّن من الحصول على حياة دنيويّة أفضل؟ وكيف علينا أن نعيش حتّى يُمكننا تحقيق رغباتنا النفسانيّة بنحو أحسن؟ يعني: إذا بحثنا عن لبّ وحقيقة المسائل والتحقيقات والجهود التي يبذلها الإنسان المعاصر ـ مهما كان مستواه وفئته ـ فإنّنا سنصل في الأخير إلى مسألة الاهتمام بالمظاهر، وتنمية البدن، وتطوير الجسم، وتحقيق الآمال والرغبات الظاهريّة؛ أي: كما أنّ مسألة التنازع لأجل البقاء هي السائدة بين كافّة الفئات من الحيوانات والموجودات التي تعيش في مستوى أدنى من التعقّل، فإنّ هذه المسألة هي السائدة أيضًا بين أفراد الإنسان. فهل شوهد حتّى الآن أنّ أحدًا أدّى عملاً تكون نتيجتٌه عائدة للآخرين؟ وهل شوهد حتّى الآن أنّ أحدًا قام بنشاط لم يكن في بدايته ناظرًا فيه إلى نفسه ومصلحته، بل كان ناظرًا للآخرين؟ أجل، قد نعثر على ثلّة قليلة تحوم أفعالهم حول أمور تقع وراء الرغبات الظاهريّة والمادّية، حيث يتوفّر هؤلاء ـ إلى حدّ ما ـ على بصيرة خاصّة بشأن هذه المسألة؛ لكن، يبقى أنّ الأمر في معظم المجتمعات، وفي مختلف الميادين، وفي كافّة الفئات والمجالات الإنسانيّة المتعدّدة هو بهذا النحو؛ أي أنّ الحكم هو للظاهر والمظاهر؛ فالهدف من انتهاج التعقّل هو التوفّر على دنيا أفضل، ومن العيش في هذه الحياة هو تحقيق منافع أكثر، بحيث إذا سنحت لنا الفرصة، وأجاز لنا القانون، فإنّنا لن نحترز حتّى عن انتهاك حقوق الآخرين؛ فوحده القانون هو الذي يصدّ الإنسان، ويُجبره على عدم تعدّي حدوده.

  • وأمّا إن عثرنا على مجتمع يُراعي أفرادُه حرمة بعضهم، ويُدرك كلّ واحد منهم مكانته الخاصّة، اعتمادًا على مسألة التعقّل، وانطلاقًا من اعتقاد شخصيّ، ومن دون اللجوء إلى القانون، فإنّه بوسعنا القول حينئذ: إنّه بإمكاننا امتلاك نظرة إيجابيّة ومتفائلة بخصوص هذا المجتمع؛ لكنّ الأمر وللأسف ليس بهذا النحو؛ لماذا؟ لأنّ الإنسان لم يتمكّن من التعرّف على حقيقته، وإدراك مكانته المتميّزة؛ فظنّ أنّه يُشبه بقيّة الحيوانات في التوفّر على حياة محدودة، والتقيّد بالزمان والمكان، غاية الأمر أنّه بوسعه عيش حياة أفضل، وتحقيق منافع أكثر، اعتمادًا على فكره وقوّته العقليّة؛ هذا، وحسب!

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

4
  • عدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة

  • ذات يوم، كنت أطالع مقالة، فقرأت فيها أنّ زعيم إحدى الدول في الزمان السابق، ولا أعلم هل كان ملكًا أم رئيس جمهوريّة، سافر إلى دولة أخرى يبدو أنّها إنجلترا لمدّة يومين أو ثلاثة أيّام، لكي يتباحث معهم حول بعض المسائل والقضايا؛ وعند رجوعه من هناك، كان أكثر شيء جذب إعجابه واهتمامه طريقةُ استقباله وضيافته، فكانت يتمّ تقديم كلّ من الفطور والغذاء والعشاء بطريقة خاصّة؛ وهكذا بالنسبة لبقيّة المسائل. فهذه هي غاية الإدراك والفهم والرؤية التي يتوفّر عليها ـ وللأسف ـ الحكّام المعاصرون خصوصًا، وأناس هذا العصر الغافلون عن أنفسهم عمومًا، حيث نجدهم يحصرون علاقاتهم وخياراتهم بهذه الموارد فقط؛ ويبقى أنّ هذه المسألة حاضرة بيننا نحن أيضًا! فقبل سنة أو سنتين على ما يبدو، أُقيم مجلس للاحتفال بالعيد؛ وكنت جالسًا هناك، فرأيت شخصين أو ثلاثة يتحدّثون مع بعضهم، حيث كان حديثهم يدور حول كيفيّة إقامة هذا المجلس بطريقة ممتازة لم يُغفل فيها أيّ شيء؛ فكم كانت فيه من مأكولات، وأمثال ذلك من المسائل التي يلزم وجودها في مجالس الأعياد بطبيعة الحال؛ غاية الأمر أنّ لزومها ليس بالمعنى الحقيقيّ، بل بالمعنى العرفيّ؛ فتأثّرتُ كثيرًا؛ وبما أنّهما كانا قريبين منّي جدًّا، فقد ناديتهما، وقلت لهما: «لو أنّ صاحب المجلس لم يكن بمقدوره تهيئة كلّ تلك الأمور، هل سيكون مذنبًا حينئذ؟ وهل الأفراد الذين يتوفّرون على إمكانيّات أكثر هم المؤهّلون فقط لإقامة هذه المجالس في منازلهم؟!»؛ لاحظوا، فما هي حقيقة هذا التفكير؟ إنّ هذا التفكير ناجم عن عدم الإدراك الصحيح للمسألة، بحيث لو أنّ أحدًا أقام مجلسًا للاحتفال بالعيد في منزله، واقتصر فيه على الشاي والمشروبات، أو الحلويات، لما أُقيم له أيّ اعتبار؛ فيكون واجبًا عليه بالضرورة أن يُكلّف نفسه العناء، ويقترض من هنا وهناك، ويتحتّم عليه أن يُقيم ذلك المجلس بطريقة تجذب اهتمام الآخرين؛ لكنّ هذا لا يصحّ، حيث يعود هذا النوع من التفكير إلى طبيعة الأمور التي تشغل بالنا، ونُعطيها القيمة والاعتبار؛ ولهذا السبب، فإنّنا نرى أنّ عالمنا المعاصر بعيد عن المعارف والكمالات الأخلاقيّة، ونجده متخبّطًا في عالم الحيوانيّة والأنانيّة، ولا يعلم ماذا يفعل، وأيّ منهج يختار؛ لأنّه لم يعثر على نفسه، ولم يُدرك بعدُ حقيقته، بل يسعى فقط نحو الظاهر وتنمية شؤونه الظاهريّة، من دون أن يقدر على إدراك وجوده، لكي يجعل ذلك أساسًا يبني عليه أفعالَه؛ وهذه مشكلة كبيرة جدًّا!

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

5
  • فما دامت هذه المسألة لم تتضّح وتنحلّ لدينا، ولم نتمكّن من الالتفات إلى أنفسنا إلى حدّ ما، فإنّنا لن نستطيع تنظيم أفعالنا، وسنبقى دائمًا نسعى وراء المبرّرات، ونركض وراء الأمور الظاهريّة، ونقول [مثلاً]: «لماذا لم نتوفّر بعدُ على بيت؟!»، لكن، ما هو البيت؟ إنّه عبارة عن لبنات وجبس! ونقول أيضًا مثلاً: «لماذا لا زلنا لا نملك منزلاً صيفيًّا وآخر شتويًّا؟ لماذا لم تتوفّر لدينا بعدُ سيّارة؟ لماذا لا زلنا لا نتمكّن من السفر إلى هنا وهناك؟ لماذا لا نمتلك ما يمتلكه فلان؟»؛ فما هو المصدر الذي تنشأ منه كلّ هذه التساؤلات؟ وما هو الضمير الذي تنبع منه؟ إنّها تنبع من الضمير الغافل الذي لا يزال لم يعثر على نفسه؛ فسواءً توفّر الإنسان على سيّارة أو منزل أو غيرهما من الوسائل الترفيهيّة التي يمتلكها الكثيرون، أو لم يتوفّر عليها؛ لكن، هل فكّرنا في أنفسنا إلى الآن في مقدار ما انضاف إلى معرفتنا ومعلوماتنا؟ وهل فكّرنا إلى الآن حينما نرجع في الليل إلى المنزل في مقدار ما كسبناه اليوم بالمقارنة مع الأمس؟ لا أعتقد ذلك! قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من استوى يوماهُ فَهُوَ مَغبونٌ»۱؛ والمراد من مغبون أنّه قد خُدع؛ فهو صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يقل: إنّ أمواله اليوم تساوت مع أمواله في الأمس، أو إنّ رفيقين قد انضافا إلى مجموعة رفقائه، أو إنّ مريدَين قد زادا اليوم على عدد مريديه؛ لا، ليس كذلك؛ فما هو إذن معنى: استوى يوماه؟ معناه أنّه: حينما ينظر إلى الأمس، فإنّه يراه مستويًا مع اليوم من حيث المراتب المعرفيّة والعلميّة؛ لكن، إن قمنا كلّ يوم بمطالعة صفحتين من كلام الإمام عليه السلام، وقرأنا كلّ يوم رواية أخلاقيّة، وشاهدنا رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، أو الإمام الرضا عليه السلام، وقرأنا كلّ يوم صفحتين من الحكايات التربويّة، وجلسنا مع أحد الرفقاء، وسمعنا منه مسألة جديدة يُمكنها أن تترك تأثيرًا إيجابيًّا على نهجنا وسلوكنا، فإنّ ذلك سيدلّ على أنّ يومنا لن يُساوي أمسنا، بل سيفضُله. كما أنّه إذا امتلكنا في أنفسنا اليوم نفسَ الشعور الذي كان لدينا البارحة عن الطريق، فإنّنا لن يكون قد انضاف إلينا أيّ شيء؛ فمسألة الزيادة لا تكمن بالضرورة في أن يرى الإنسان شيئًا، بل تتمثّل في أن يصير حال الإنسان بالنسبة إلى طريقه أكثر رسوخًا، ويقينه تجاه مساره أكثر استقامة؛ فهذا هو معنى الزيادة، لا أن يطّلع على شيء من الأشياء، كيفما كان، وبأيّ نحو اتّفق؛ فالويل لنا إن جاء يوم، وحصل لنا تراجع ونكوص بالنسبة لليوم السابق؛ ففي هذه الحالة، سيصدق علينا قول الرسول الأكرم: «فهو ملعونٌ»؛ ولماذا سنكون موضعًا للعن؟ لأنّنا سنكون قد كفرنا بالنعم الإلهيّة.

    1. إرشاد القلوب إلى الصواب، الديلمي، ج ١، ص ٨٧.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

6
  • تميّز الحضارة الإسلاميّة عن بقيّة الحضارات ببناء الإنسان لا بناء القصور

  • إنّ مرادي من عرض هذه المسائل هو الوصول إلى نتيجة معيّنة؛ فالإنسان عبارة عن تلك الحقيقة الروحيّة، وتلك الحالة من الاتّصال بالمبدأ وبالله تعالى، وعليه الرجوع إلى هذه المرتبة؛ وبالتالي، يتعيّن علينا تهيئة كلّ ما يلزم للوصول إليها؛ والله تعالى سيسألنا عن ذلك في يوم القيامة؛ ولهذا، علينا تنحية كلّ ما يحجزنا عن بلوغ تلك المرتبة؛ ولا شكّ ولا مزاح في هذا الأمر! فالإنسان لا يُمكنه أن يمزح مع نفسه؛ والله تعالى هيّأ لنا تلك الأرضيّة بواسطة بعثة الأنبياء وإنزال الكتب ودعوة الأولياء؛ فلم تعُد لنا أمامه أيّة حجّة؛ فالقرآن الكريم هو حجّة ودليل بالنسبة إلينا، كما أنّ الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عملوا على تفسير هذا الكتاب وتبيينه لنا؛ وبالتالي، فإنّ المسألة منتهية بالنسبة إلينا، ولا يُمكننا بعدُ أن نخدع أنفسنا، ولا أن نفرّ إلى هنا أو هناك، ولا أن نأتي، ونقول: «هذا الحكم لا يختصّ بنا نحن، بل يتعلّق بألف وأربعمائة سنة من قبل؛ فهو لا ينفعنا في هذا العصر؛ لأنّه يرتبط بذلك العصر الذي لم يكن فيه الناس على علم؛ وأمّا الآن، فالجميع صاروا ولله الحمد من المفكّرين، وأصبحت أفكار الكلّ متنوّرة ـ غاية الأمر أنّ التنوير هنا مشتقّ من النورة۱ وليس من النور!!! ـ فالجميع صار يتوفّر على فكر منفتح، والمنظّمة الكذائيّة لا يُمكنها القبول بهذه المسائل، كما أنّها لن تحظى باعتراف المؤسّسات الدوليّة»؛ لأن جميع هذه الأمور لا تعدو كونها خداعًا؛ فإذا أردت الفرار [من الحقيقة]، فقل ذلك؛ لكن، ما هو سبب نسجك لهذه الألفاظ وصياغتك لهذه الجمل؟ ففي أيّ شيء اختلف هذا العصر عن ذلك العصر؟ ومتى صار فكر الناس في هذا الزمان أفضل وأرقى من فكرهم في ذلك الزمان؟ وهل يُمكنكم العثور الآن على نظير واحد لابن سينا، أو الملاّ صدرا، أو حافظ، أو مولانا جلال الدين؟! ففي أيّ اتّجاه يسوق علماء اليوم الإنسانيّة؟ في اتّجاه الدمار والهلاك والبوار! فها أنتم تُشاهدون ذلك بأمّ أعينكم! فالحضارة الإسلاميّة ليست حضارة تهتمّ بالظاهر فقط، وتقتصر على إضافة البهرجة والزخرفة إلى حياتنا، بل إنّها حضارة تشحن الإنسان بمعنويّات متّصلة ومتكاملة؛ فهذه هي الحضارة الإسلاميّة.

    1. مادّة يُطلى بها الجسم لإزالة الشعر الزائد عنه. المعرّب

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

7
  • ألّف أحد الكتّاب الموجودين الآن على قيد الحياة كتابًا عن الحضارة الإسلاميّة؛ وقد طالعت هذا الكتاب قبل مدّة طويلة، وذلك في الزمان السابق، حيث كان قد سافر بنفسه إلى بعض البلدان الإسلاميّة، وذهب على ما يبدو حتّى إلى إسبانيا؛ فكان جلّ همّه واهتمامه أن يأخذ صورًا عن البنايات التي شُيّدت في البلدان الإسلاميّة في عصر الحكومات الإسلاميّة إلى الآن؛ ثمّ يُطلق على ذلك اسم الحضارة الإسلاميّة، وأنّه يوجد في إسبانيا مسجد فلانيّ له شكل معيّن، ويتوفّر على هندسة وتصميم خاصّ، وقد صُفّت لبناتُه بنحو محدّد؛ في حين أنّ هذه المسألة لا تحظى بأهمّية كبيرة؛ لأنّ النصارى واليهود يتوفّرون بدورهم على هكذا أشياء.

  • طالعت مقالة عن كنيسة سانت بيتر۱ في إيطاليا، وشاهدت صورًا عنها؛ فرأيت أنّ الأشياء التي صُنعت فيها فريدة من نوعها حقًّا، وتلك الخصائص التي تتمتّع بها لا نظير لها؛ فهل تعلمون كم سنة من الجُهد والعمل استغرقها بناء تمثال السيّدة مريم الواقع في هذه الكنيسة؟ لقد بذلوا العناء لمدّة سبعة وعشرين سنة من أجل نحت ذلك التمثال؛ فأين تجدون في العالم الإسلاميّ مثل هذا الأثر الفنّي؟! فقد عمل أربعة نحّاتين مشهورين على نحته، بحيث تمكّنوا من إبراز حتّى خصلات الشعر الإنسانيّ فيه، وأضحت عروق الجسد أيضًا واضحة فيه؛ فأين تجدون مثل هذا العمل الفنّي؟ فنرى بأنّ فهم مؤلّف معيّن للفنّ الإسلاميّ يقتصر على تشييد بناية، وصفّ مجموعة من اللبنات فوق بعضها؛ ثمّ نأتي، ونُطلق على ذلك اسم الحضارة الإسلاميّة! لكن، هل جئتم، وقمتم بدلاً عن ذلك بإخبارنا عن عدد أفراد «الإنسان» الذين تمكّنت هذه الدول والخلافات والحكومات الأمويّة والعبّاسية والمروانيّة من تقديمها للمجتمع؟! فكم هو عدد مصاديق «الإنسان الكامل» الذين جرى تسليمهم للمجتمع من قبل هذه الحكومات؟ فالحاكم الإسلاميّ الذي يزني بالعاهرة، ثمّ يذهب إلى المسجد في الصباح، ويُصلّي ثلاث ركعات بدلاً عن ركعتين لا يُمكنه أن يُنشيء لنا حضارة إسلاميّة! وغاية ما يُمكنه فعله أن يبني قصرًا؛ فتأتون أنتم، وتنظرون إلى هذا القصر، وتلتقطون صورًا له، ثمّ تذكرونه في كتبكم بصفته مظهرًا للحضارة الإسلاميّة. إنّ الحاكم الذي يأمر بأن توضع له مائدة لشرب الخمر فوق الكعبة لا يُمكنه أن يزيد الإسلام فخرًا، بل الذي يجلب الفخر للإسلام هو حينما يسقط أحد المسلمين صريعًا في الحرب، ويُحضر له أحدهم الماء، فإنّه يقول: «اذهبوا بهذا الماء لرفيقي هناك لأنّه أشدّ عطشًا منّي»؛ وعندما يأتونه بالماء، فإنّه يقول بدوره: «اذهبوا بالماء إلى ذلك الملقى هناك؛ لأنّ عطشه أكبر»؛ وحينما يصلون إليه، يجدونه ميّتًا، فيرجعون إلى الثاني، فيجدونه ميّتًا أيضًا؛ فهذا هو الذي يبعث على فخرنا؛ كما أنّ الذي يجلب لنا الفخر هو أن يذبح أحدهم أضحية، فيهب مقدارًا منها لجاره الذي يعلم بأنّه جائع، إلاّ أنّ هذا الجار يقول: «رغم أنّني جائع، وأطفالي جائعون أيضًا، غير أنّ الجار الذي يقطن بجانبي لم يتمكّن من تهدئة أطفاله، فقدّم له تلك القطعة من الذبيحة»؛ فهذا هو الذي يجلب الفخر للإسلام، وليس أن نضع حجرًا فوق حجر، ثمّ نطلق على ذلك اسم الحضارة الإسلاميّة! فكم هو عدد النساء والرجال من هذا القبيل الذين استطاعت تلك الحكومات صناعتهم؟ وكم عدد هؤلاء الأشخاص المهتمّين بكمالهم الروحيّ الذين تمكّنت من بنائهم؟ فهذه هي المسألة المهمّة.

    1. كنيسة سانت بيتر، أو كاتدرائيّة القدّيس بطرس (بالإيطاليّة La basilica di San Pietro in Vaticano) تقع في مدينة الفاتيكان بروما؛ وهي من أكبر الكنائس والكاتدرائيّات في العالم، والتي ترجع إلى عصر النهضة، حيث جرى تصميمها بشكل عامّ من قبل كلّ من دوناتو برامانت، مايكل أنجلو، وكارلو مادرنو، وبرنيني؛ وهي من أشهر المآثر المعماريّة في عصر النهضة، حيث تقع هذه الكنيسة على مساحة تُقدّر بمائتي ألف متر مكعّب؛ وشُيّدت النقوش والتماثيل الواقعة في سقفها من قبل مايكل أنجلو.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

8
  • الأحكام الإسلاميّة مقدّمة لكمال النفس والروح

  • فالأحكام التي وردت في الإسلام ـ بصفتها تشريعًا ـ هي أحكامٌ جُعلت مقدّمة لكمال الروح والنفس في ظلّ العدالة الاجتماعيّة؛ فهذا هو الأساس والمبدأ الذي تتكّيء عليه الأحكام والتشريعات؛ أي أنّ الهدف من التشريع هو إيصال النفس إلى مراتبها الكماليّة، وليس مجرّد العيش [كيفما كان]، ولا تحقيق العدالة الظاهريّة وحسب، ولا توفير طمأنينة ظاهريّة فقط، ولا الحصول على الحقوق الظاهريّة فقط؛ أجل، جميع هذه الأمور صحيحة؛ لكن، ما هو المستوى الأعلى، والهدف النهائيّ؟ وما هي الغاية المنشودة؟

  • فهذه مسألة مهمّة قلّما التفت إليها المهتمّون بالمسائل العائليّة، والذين صنّفوا مقالات وكتب في هذا المجال؛ وهي أنّ الهدف من الأحكام في الشرع الإسلاميّ والشرائع السابقة هو كمال الروح والنفس، وليس مجرّد الخوض في بعض المسائل الاجتماعيّة والظاهريّة؛ فهذه هذه الغاية الأساسيّة هنا. لقد ذُمّ في الآيات الشريفة الذين يسعون للأخذ ببعض الأحكام، وترك بعضها الآخر؛ فيتمسّكون بما يتوافق مع ميولاتهم، ويَدَعون ما يتعارض معها: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَه ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَه ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}۱؛ أي أنّ الذين يكفرون بالله تعالى ورسله، ولا يأخذون بنظر الاعتبار المسائل الإلهيّة، ويُريدون التفريق بين أمرين: بين الله تعالى ورسله، ويقولون: نحن نعتقد بالله تعالى، ولا نعتقد بأنبيائه، {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}؛ ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويُريدون أن يسلكوا طريقًا بين هذين الأمرين؛ فلا يرغبون في الاعتراف بالجميع في نفس الوقت، ولا يُريدون القبول بالأحكام كمجموع واحد؛ وكأنّ الأحكام والشرائع الإلهيّة عبارة عن صندوق برتقال يُمكننا أن نختار منه ما يتلاءم مع رغباتنا، ونترك الباقي؛ فيقبلون ببعضها، ويرفضون بعضها الآخر، ويختارون طريقًا وسطًا.. {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}؛ فمن يكون هؤلاء؟ {أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا} انتبهوا! فهؤلاء هم الكافرون {وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا}.

  • عدم جواز التفريق بين الأحكام الإسلاميّة من حيث القبول بها

  • فهذه المسألة كانت موجودة على الدوام؛ فدائمًا ما كان الإنسان يمتنع في مقام الطاعة والامتثال عن القبول بمجموع ما يُؤمر به؛ فيسعى لإعمال اختياره، فيقبل بالبعض، ويرفض البعض الآخر؛ وبما أنّه يديه لا تصل إلى الله تعالى، فإنّه يقول: «أنا أؤمن بالله تعالى الذي خلقنا»؛ لكن، حينما يصل الدور إلى النبيّ، ومقام الطاعة والأمر والنهي، فإنّه يقول: «أنا لا أعترف بهذه الأمور»؛ ها! لماذا إذن تُؤمن بالله تعالى؟ لأنّ يديك لا تصل إلى الله؛ كما أنّ يديه تعالى لا تصل إليك؛ أي أنّه في مقام الغيب، وأنت في مقام الظاهر والشهادة؛ وهو عزّ وجلّ لا يتنزّل إلى تحت لكي يقول لك: «عليك القبول بكلّ ما أمرك به نبيّي»! لا؛ لأنّه في مقام الغيب. فتجد الإنسان يقول: «أنا أؤمن بالله تعالى»؛ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تُصغ إلى حرف النبيّ؟ إنّ هذا المنطق هو عين منطق سماحة عمر الذي كان أيضًا بهذا النحو، حيث كان يرضخ للأوامر والنواهي الصادرة من رسول الله ما دامت تتطابق مع رغباته؛ لكن، ما إن تتعارض معها، حتّى يرفضها؛ وقد كان يقول مرّات وكرّات: «أنا زميل محمّد»٢؛ أي: أنّني ندٌّ وقرينٌ لهذا الرجل؛ وهذا يعني أنّني في مقام الطاعة لستُ خاضعًا تمامًا من ناحية فكريّة؛ ومن هنا، فإنّني أقبل ببعض الكلام، وأرفض بعضه؛ ولهذا، فقد انتظر إلى أن ارتحل الرسول عن هذا العالم، ومضت خلافة الأوّل، ليعمل على تغيير الأحكام الإلهيّة؛ فحذف «حيّ على خير العمل»، وأبطل نكاح المُتعة، وألغى حجّ التمتّع، وأمر بأداء صلاة التراويح التي كانت تُقام فُرادى جماعةً؛ أي أنّه كان يأخذ بذلك المقدار من الأحكام الذي يتطابق مع أفكاره، وشؤونه، وشاكلته، ويُغيّر الباقي طبقًا لمبتغاه.

    1. سورة النساء، الآية ۱٥۰.
    2. الغدير، ج ٦، ص ٢۱٣.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

9
  • فما هي علّة ذلك؟ علّته ما ذكرناه آنفًا: أنا أؤمن بالله تعالى، ولا أؤمن برسوله! وقد حدث عدّة مرّات أن جاء عمر عند النبيّ الأكرم، وقال له: «من الذي أمرك بأن تتحدّث بهذا الكلام؟ ومن الذي طلب منك أن تقوم بهذا الفعل؟»؛ والسبب في ذلك أنّه لم يكن يرغب في الإصغاء للرسول في دائرة الأمور التي تتعارض مع طبعه؛ وبالتالي، فقد حبس نفسه في سجن جهله، وأَسرِ عماه، ولم يسمح لنفسه بالكمال، والخروج من دائرة الجهل، بل سعى على الدوام إلى تحقيق أهوائه؛ وبدلاً عن سلوك طريق يعبر به، انتهج طريقًا يحبسه؛ وعوضًا عن اختيار مسار يرفع عنه أستار الجهل، انساق نحو سبيل يضع عليه أستارًا أكثر من الجهل؛ وما هي نتيجة ذلك؟ نتيجته في الأخير أن يبقى الإنسان في ذلك المستوى من الجهل، من دون أن يقدر على القيام بأيّة حركة.

  • إنّ النظام التكاملي للإنسان هو بهذا النحو شئنا أم أبينا، حيث ستُواجهه حتمًا في طريق كماله مجموعةٌ من الأمور التربويّة التي لا تتلاءم مع آماله الشخصيّة، وتُجابهه في هذا الطريق سلسلة من الأوامر والنواهي التي لا تنسجم مع رغباته النفسانيّة؛ فلا مناص له من إخضاع نفسه للتعاليم الإسلاميّة التربويّة.

  • يُعدّ المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ من أعاظم النجف؛ وهو بعينه ذلك المرجع المشهور والتقيّ الذي كان المرحوم العلاّمة ينقل عنه حكايات حينما كان يُقيم في النجف، حيث امتدّت علاقته به وتردّده عليه لسبعة وعشرين سنة تقريبًا؛ وكان للسيّد جمال الدين أستاذ اسمه الشيخ علي محمّد النجف آبادي؛ وكان رجلاّ منظّمًا وتقيًّا جدًّا، طوى العديد من المراتب، ويمتلك أحوالاً ومميّزات خاصّة؛ وهو الرجل عينه الذي تحدّث عنه المرحوم العلاّمة في مقدّمة كتاب «توحيد علمى وعينى»۱، وقال: كان السيّد جمال يذهب إلى مسجد السهلة، وبعد ذلك، رأى سيّدًا يدخل إلى هناك، فجلس عند مقام إمام الزمان عليه السلام، وشرع [في البكاء]، حيث تحدّث عن أحواله في ذلك الكتاب الذي من المحتّم أنّ الرفقاء طالعوه، وقرؤوا الأحوال التي كان يمتلكها؛ وقد استمرّ في ذلك إلى الصباح؛ وحينما طلعت الشمس، غادر السيّد جمال الدين ذلك المكان، وتوجّه إلى النجف؛ وما إن وصل إلى هناك، حتّى بدأ يحكي لأستاذه الشيخ علي محمّد النجف آباديّ عن أحوال ذلك السيّد الذي كان هو السيّد أحمد الكربلائيّ؛ فأخذ الشيخ علي محمد بيده، وذهب به إلى منزل المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ، ووضع يده في يده، وقال له: «من الآن فصاعدًا، هذا هو أستاذك، ولا داعي لكي ترجع إليّ بعد الآن».

    1. توحید عملی وعینی، ص ٢۱.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

10
  • هل تعلمون كيف وصل المرحوم الشيخ علي محمّد النجف آبادي إلى هذا المقام؟ فهو لم يكن يتوفّر على أستاذ؛ ومهما بحث عن أستاذ، لم يعثر عليه؛ لكن، ولكي يكبح جماح نفسه، ويُخضعها لأوامر القوّة العاقلة، ويخفض مستوى توقّعاته، فإنّه أحضر إلى مدرسته بالنجف قطّة صغيرة عثر عليها أحد الأطفال هناك، وسهر على رعاية شؤونها، وشؤون صغارها، من أكل وغير ذلك، إلى أن كبر الصغار، فذهبت تلك القطة؛ فجاء بقطّة أخرى، حيث تكرّرت معه الحكاية ذاتها على ما يبدو مرّتين أو ثلاث مرّات، فأصبح يُطلق عليه في النجف اسم الآخونذ "قطّة"؛ أي أنّه كان يُحضر القطط التي لها صغار، فيعمل على تنشئتها، وإطعامها، وتنظيفها، حيث إنّ القطط بطبيعة الحال تُلوّث الإنسان بالأوساخ، وتُصيبه بالنجاسة، لكنّه كان يسهر على خدمتها بصبر وتحمّل؛ وحينما كانت نفسُه تواجه هذه المسائل المريرة والعصيبة التي لا تتلاءم مع طبعها، فإنّها كانت تسعى للتراجع والتخلّي عن تلك الأعمال، غير أنّه كان يصبر ويُصابر، إلى أن اعتادت نفسه على هذا الأمر، وسهُلت عليه رعاية الحيوانات؛ وبهذه الطريقة وصل إلى ذلك المقام؛ أي: حينما رأى بأنّه لا يستطيع الحصول على أستاذ، فإنّه لم يجعل ذلك مبرّرًا لجلوسه مكتوف اليدين؛ إذ ينبغي بطريقة ما نخسُ هذه النفس بالمهماز، وجعلها تنقاد للإنسان بنحو معيّن، لا أن يُلقى حبلُها على غاربها.

  • الرضوخ التامّ للأوامر والنواهي يصبّ في مصلحة الإنسان وتربيته

  • إنّ مسألة طاعة الأستاذ، والامتثال للتعاليم، والخضوع للأحكام الإلهيّة، والرضوخ للأوامر والنواهي تندرج في هذا الإطار؛ فأين ذهب بنا تفكيرنا؟! فنحن نظنّ أنّ الله تعالى يُمسك عصا بيده، ويقول: كلّ من يرتكب هذا العمل، فإنّه ...، وكلّ من لا يُؤدّي ذلك العمل، فإنّه سيُؤدّب بالعصا؛ لا! لأنّ وجودنا جُعل بطريقة معيّنة، بحيث إن أردنا الوصول إلى الكمال المنشود، فإنّه لا مناص لنا من الخضوع للأحكام الإلهيّة؛ فهذه هي حقيقة الأمر؛ لا أنّ هناك أحدًا يُجبرنا على ذلك، أو يستعمل السوط؛ فهذا هو الطريق، وهذا هو المسير؛ ومن شاء، فليتقدّم على بركة الله، ومن لم يشأ، فذلك شأنه. إنّ العلّة التي دفعت العظماء للتأكيد في كتبهم ومصنّفاتهم على ضرورة أن يخضع الإنسان لتربية الخبير والمحنّك والعالم بالطريق هي أنّ هذا الإنسان غافل عن أهوائه النفسانيّة، وجاهل بالمسائل التي تجري في نفسه؛ وما إن تبدأ الضغوطات تحلّ بنا، حتّى نسعى للهروب والفرار، بحيث لو حصلت لنا بعض الحالات [المعنويّة]، فإنّك تجدنا نستعملها في التخلّص من تلك المصاعب والمشاكل.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

11
  • كنت أطالع كتابًا عن إحدى الشخصيّات التي أُلّف عن سيرتها وحياتها، فرأيت هناك حكاية مثيرة للانتباه، وهي عن المرحوم الحاجّ رجب علي الخيّاط الذي لم ألتق به في حياتي؛ لكن، يبدو أنّه كان على قيد الحياة في العقود الأخيرة؛ وقد كان لديه مجموعة من التلامذة، وكان من أهل الولاء، ويمتلك بعض الحالات [المعنويّة]؛ وقد أُلّف كتاب عن حياته، لكن، لم يُثر انتباهي من جميع هذا الكتاب إلاّ حكاية واحدة فقط أنقلها لكم: فبعد وفاته، رآه أحد تلامذته في منامه... ومن الجدير بالذكر أنّ المرحوم الحاجّ رجب علي تمكّن عن طريق ممارسته لبعض الرياضات، وتحمّله لبعض المشاقّ، ولجوئه لبعض المراقبات من الحصول على بعض الحالات المعنويّة، وأُفيضت عليه مجموعة من المواهب، وكان يقدر على أداء سلسلة من الأعمال [الخارقة للعادة]، ورفع بعض البلاءات؛ لا سيّما عن بعض تلامذته الذين ...؛ ويحكي أحد الأصدقاء أنّ أباه كان من تلامذة المرحوم الحاجّ رجب علي؛ ومن جملة المسائل التي نقلها عنه أنّه قال: «لقد كان المرحوم الحاجّ رجب عليّ سببًا في نجاة والدي ثلاث مرّات من الإفلاس الحتميّ»؛ فقلت له: وهل كان فعله هذا جيّدًا؟! وإذا كان جيّدًا، فما هو الدليل على ذلك؟! وما هو السبب الذي دفعه لكي يُخلّص والدك من الإفلاس؟! فلعلّ الإفلاس كان في مصلحته؛ فما هو الأمر الذي استندت إليه لكي تحكم بأنّ هذا الأمر من النقاط الإيجابيّة في سلوكه وأخلاقه؟! أ وليس الإفلاس عبارة عن حادثة ظاهريّة وعاديّة؟ ففي بعض الأحيان، يوقع أحدهم نفسَه في الإفلاس بيديه، وبفكره، ونوعيّة تصرّفاته [الخاطئة]؛ وبالتالي، فإنّ هذا الأمر يتعلّق به هو، حيث يكون هو المقصّر والمتسبّب في حصول ذلك؛ لكن، أحيانًا أخرى، قد يكون عمله في الظاهر صحيحًا بأجمعه، غير أنّ بعض الأمور تحصل من باب الصدفة؛ كأن تجري المصادقة على قانون في البرلمان، وتقع حادثة ما، فيسقط هذا الشخص في الإفلاس؛ وحينئذ، هل كان إفلاسه هنا باختياره؟ لا؛ وهل كان عن عمد؟ لم يكن شيء من ذلك؛ فلعلّ المصلحة الإلهيّة تقتضي أن يُفلس؛ أ فهل من المحتّم على الإنسان دائمًا أن يُحصّل ثرواته من [مصادر مأمونة]؟! ثمّ قال ذلك الشخص [عن المرحوم الحاجّ رجب علي]: «من المسائل التي كان يقوم بها أنّه متى ما أصيب أحد بمرض، فإنّه كان يأتي عنده، ويقرأ عليه سورة الفاتحة، فيتعافى من مرضه؛ وأمثال ذلك»؛ فقلت له: «هذا أيضًا غير صحيح؛ فأين هو وجه الصحّة في هذا الأمر؟». فمرّت مدّة طويلة على هذه الحادثة إلى أن حصلت على ذلك الكتاب، فطالعته؛ وقد أشرت آنفًا إلى أنّ من بين جميع المسائل الواردة فيه، فإنّ حكاية واحدة فقط كانت مفيدة بالنسبة إليّ؛ وسأنقلها لكم هنا: فبعد وفاة ذلك المرحوم، حكى أحد تلامذته أنّه رآه بالمنام؛ وحينما سأله عن وضعه هناك، تأوّه بحسرة، وقال له: لقد انتبهت الآن هنا إلى أنّ كافّة التوسّلات التي قمت بها للأئمّة عليهم السلام، وجميع الأدعية التي لجأت إليها من أجل رفع البلاءات كانت في ضرري، بحيث سُلبت منّي بسبب ذلك سعادة كبيرة؛ فكانت [من باب المثال] ما إن تحصل لي مسألة طارئة حتّى أتوسّل، فتزول تلك المسألة؛ وما إن أُصاب بمرض حتّى أتوسّل، فيرتفع ذلك المرض.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

12
  • عدم صحّة اللجوء لبعض الأعمال الخارقة لرفع الابتلاءات التي قد تكون في مصلحة الإنسان

  • أ فلم تُطالعوا نظير هذه المسائل في الكتب؟ حيث صُنّفت العديد من المؤلّفات في هذا المجال؛ فتجدهم مثلاً يقولون: كنّا في المكان الفلاني، فحلّت مصيبةٌ بفلان، فتوسّلنا بموسى بن جعفر، فُرفعت عنه تلك المصيبة؛ وكنّا في المكان الكذائيّ، فطرأت مشكلة على جواز علاّن، فتوسّلنا بموسى بن جعفر، فانحلّت المشكلة وذهبنا لزيارة العتبات المقدّسة؛ وكنّا في مكان معيّن، وكان المريض الفلانيّ في حالة احتضار، فلجأنا للتوسّل، فتحسّنت أحواله. فهل هذه الأمور صحيحة؟ أي أنّ الأئمّة عليهم السلام تنحصر مهمّتهم في علاجنا من الشلل، وأداء ديوننا، وحلّ مشاكلنا!! لكن، كم هي التوسّلات التي قمنا لأجل زيادة فهمنا؟! إذ حينما يزيد فهمنا، فلن نعود نقوم بمثل تلك التوسّلات؛ فكم توسّلنا بالأئمّة عليهم السلام حتّى تزداد معرفتنا؟ ولو كان موسى بن جعفر يرغب في القيام بهكذا أفعال، فلماذا لم يقم بها لنفسه، وبقي في السجن أربعة عشرة سنة؟ لماذا لم يلجأ إلى تلك الأفعال في حقّ نفسه، مع أنّه كان إمامًا للملك والملكوت، وإمامًا بالنسبة لكافّة العوالم؟ فمحلّ كلامنا يقع هنا، حيث تجد البعض يقول: «هو إمام ونحن عبيد»؛ لكن، لماذا لا نضع أقدامنا في موضع قدم الإمام؟ لماذا لا نسعى لاقتفاء أثره؟ لماذا لا نُحاول تذوّق مقدار قليل ممّا تذوّقوه؟ تذوّق مقدار قليل فقط، وليس الجميع؛ لأنّ ذلك أمر مستحيل.

  • فكان [المرحوم الحاجّ رجب عليّ] يقول: حينما أتيت إلى هذا العالم، وانكشفت لي الأمور، رأيت مقدار السعادة التي فاتتني، وكم هي المسائل التي ضيّعتها بواسطة تلك التوسّلات؛ فما هو السبب في ذلك؟ لأنّني مثلاً لجأت للدعاء، فقُضي ديني، وعادت لي صحّتي، وتوسّلت، فارتفعت عنّي آلام الظهر؛ فهذا الطريق ليس هو طريق العظماء ومنهجهم؛ فالعظماء هم الذين يطبّقون مسار حياتهم على ذلك المسار الذي طواه قدواتنا، حيث كانوا يعيشون اليُسر في يوم، والعُسر في يوم آخر؛ فما هو الإشكال في ذلك؟ وكانوا يمتلكون الثروة في يوم، ويُصابون بالإفلاس في يوم آخر؛ فأيّ إشكال في هذا الأمر؟ فلا يجب أن يكون هناك فارق في البين بالنسبة للإنسان؛ إذ ينبغي أن يكون تفكيرنا منصبًّا على أمور أخرى، وواقعًا في أفق مختلف؛ كما أن الإنسان يجهل بالكثير من المسائل، ولا يعلم ما هي الحِكم التي تكمن من وراء تلك الأمور.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

13
  • لا أعلم هل ذكرت هذه القضيّة للرفقاء والأحبّة سابقًا أم لا؛ فأحد أقاربنا الذين ارتحلوا عن هذا العالم كانت له علاقة في زمان حكم الشاه السابق بجهاز الدولة؛ وفي أحد الأيّام، سافر إلى العراق، فقبضت عليه السلطات العراقيّة بسبب شكّهم فيه، وأودعته السجن؛ ثمّ مرّت فترة زمنيّة على هذه الحادثة، فانتابت زوجته حالة من القلق والاضطراب، فاضطرّت لإخبار سفارة إيران ببغداد؛ لكنّهم قالوا لها: «من الأفضل ألاّ تتحدّثي عن هذا الموضوع الآن، ودعي المسألة تمرّ بهذه الطريقة، وتستمرّ بهذه الوضعيّة، وسنرى لاحقًا كيف يُمكننا تهيئة الظروف لتخليصه من السجن؛ فهو لن يظلّ هناك»؛ وبعد مدّة من الزمن، أتت [تلك الزوجة] إلى كربلاء، وباعتبار ارتباطها بالمرحوم السيّد الحدّاد، فإنّها جاءت لتتوسّل به؛ وحينما شرحت له القضيّة، انتابه ضحك شديد، ثمّ قال لها: «لا تقلقي! فهذا جيّد بالنسبة إليه، وسيرجع إن شاء الله تعالى بعد مرور فترة من الزمان».

  • وبعد انقضاء مدّة من الزمان، خرج من السجن، حيث التفتوا إلى أنّهم أخطؤوا في حقّه، فتخلّص من الحبس، وعاد إلى إيران؛ فكانت من جملة البركات التي حصل عليها بسبب هذه المسألة أنّه قبل دخوله للسجن كان حليق اللحية، وبعد أن رجع، رأينا أنّ لحيته صارت تفوق لحيتي بأربعة أضعاف. وقد ذهبتُ برفقة المرحوم العلاّمة رحمة الله تعالى عليه لزيارته؛ وحينما كان يُحدّثنا عمّا وقع له، كان من ضمن ما قاله: «عندما أردت الخروج من السجن، قبّلت لباس السجن، ثمّ خرجت»؛ فإلى هذا الحدّ كان ملتفتًا إلى الفائدة التي حصل عليها من هذه المسألة؛ أجل، يبقى أنّه تعرّض في ضمن ذلك لمجموعة من المشاكل التي حدّثنا عنها. وحينما خرجنا من عنده، التفت إليّ المرحوم العلاّمة، وقال لي: «يا سيّد محمّد محسن، هل رأيت كم صار نورانيًّا؟ هل رأيت كم أصبح نورانيًّا؟». 

  • التسليم للأوامر الإلهيّة هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها

  • فالسبب في كلّ ذلك أنّنا لا نعلم هل إنّ المسار الذي تتحرّك فيه النفس يتّجه نحو كمالها أم لا؛ فأداء الصلاة والصيام لا يُعدّ [لوحده] أمرًا مهمًّا؛ لأنّ الجميع يُصلّون، ولا يحتاج ذلك إلى جهد كبير، حيث تجدهم يقولون: «عوضًا أن نلعب الرياضة، فننحني إلى الأسفل واليمين، تعالوا بنا نُصلّي!»؛ فهذا ليس بالأمر المهمّ؛ كما أنّ الصوم صار بديلاً عن اتّباع الحمية الغذائيّة؛ فتراهم يقولون: «تعالوا بنا نصوم»؛ وهذا ليس بشيء ذي بال، بل سيُساهم أيضًا في تنحيفنا؛ وهذا أفضل؛ كما سيُساعدنا في المحافظة على صحّتنا وسلامة أعضائنا وجوارحنا وأمثال ذلك؛ فهذا الذي يُقال هذه الأيّام، حيث يقولون: «تعالوا بنا نصوم، ثمّ نمتنّ أيضًا بذلك على الله تعالى»؛ فهذه الأمور لا تحظى بأهمّية كبيرة؛ لأنّ المهمّ هنا هو التسليم للأوامر الإلهيّة؛ فهذا هو الذي يأتي، ويكسر النفس، ويُحطّمها، ويُخلّصها من تلك التوقّعات، ويفتح فيها النوافذ لإدراك النور، ويُقوّيها فيها؛ فبدلاً عن غلق هذه النوافذ، فإنّها تنفتح الواحدة تلو الآخرى، ليتمكّن الإنسان من إدراك المسائل التي لا يستطيع إدراكها بالاعتماد على المنهج الظاهريّ.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

14
  • لا أعلم هل حدّثت الرفقاء بالمسألة التالية، أم لا؛ فإن لم أكن قد حدّثتكم عنها، فلا شيء؛ وإن أخبرتكم بها، فلا بأس بالتذكير بها مرّة أخرى؛ هذا، مع أنّ هدفي من عرض هذه المسألة هو لكي تعلموا كم هو صعب ومستعصٍ طريق النفس، بحيث إذا أراد الإنسان فتح هذه العقد والنوافذ، فإنّه لن يتوفّر على أيّ سبيل غير إخضاع نفسه للأحكام الإلهيّة، وحسب؛ فلا يُمكنه بنفسه القيام بذلك؛ لأنّ هذا الطريق قد سُلك وجُرّب سابقًا، وكلّ من سلكه أفصح عن هذا الأمر.

  • حينما كنت أقطن بمشهد، كان هناك أحد الأصدقاء من الذين لهم علاقة بالمرحوم العلاّمة، لكنّها لم تكن علاقة سلوكيّة، بل كان يتردّد عليه فقط؛ وقد كان من الأطبّاء المشهورين في مجال الدماغ والأعصاب، ولا تزال تربطني به إلى الآن علاقة صداقة؛ وهو من الرجال الملتزمين جدًّا، ومن ذوي التخصّص، ومن أطبّاء جراحة الدماغ والأعصاب المتفوّقين بإيران؛ وقد كنت أبادله علاقة مودّة وأنس كبيرة؛ وكان المرحوم العلاّمة قد أمرني بأن أحضر إليه أحد العظماء وعلماء إحدى المدن، لأجل ألم كان يشعر به في ظهره وفقراته؛ فاصطحبته إلى عيادته عدّة مرّات، فكان بدوره يُبدي كامل محبّته وعنايته، ويستقبله بكلّ ترحاب؛ وبعد أن مضت هذه الحادثة، جاء أحد الأيّام، فقال لي المرحوم العلاّمة: «يا فلان، إنّ السيّدة الفلانيّة من أقاربنا وأرحامنا؛ فاتّصل هاتفيًّا بالطبيب، وخذ منه موعدًا، واصطحبها لعيادته لأجل ألم تعاني منه»؛ والظاهر أنّها كانت تُعاني من صداع في الرأس؛ فقلت آنذاك في نفسي: أيّة ضرورة هنا لكي أصطحبها أنا؟! فهي لديها زوج، وعليه أن يصطحبها هو؛ فلأذهب عند زوجها، وأُخبره بأن يصطحب زوجته إلى الطبيب الموجود في المكان الكذائيّ؛ ولأسعَ من جهتي للاتّصال بالطبيب، حتّى يهتمّ بها أكثر، ولكي لا تُشاب المسألة من باب المثال بنوع من الإهمال؛ فأنا لديّ دروس وأعمال وأشغال، بينما زوجها لا عمل له، فليصطحبها هو بنفسه! فكانت هذه مجموعة من الخواطر والتخيّلات التي مرّت على ذهني؛ لكن، بعد ذلك، تأمّلت في المسألة مجدّدًا، فرأيت أنّ هذا لا يصحّ؛ إذ حينما أمرني [المرحوم العلاّمة] باصطحابها، فإنّه عليّ القيام بذلك؛ لأنّه لا علم لي بالمسائل التي كان يهدف إليها ويقصدها من وراء ذلك؛ فاتّصلت هاتفيًّا بالعيادة، فقيل لي: إنّ الطبيب مسافر؛ فقلت: عليّ أن أصبر حتّى يعود؛ لكنّني تهاونت في إعادة الاتّصال، ولم أبد الاهتمام اللازم الذي يفرض عليّ الاتّصال بعد يومين أو ثلاثة أيّام. وبعد مرور أسبوع على هذه الحادثة، اتّصلت بالعيادة، وتحدّثت شخصيًّا مع الطبيب، وقلت له: هل يوجد لديك مجال في هذه الليلة لاستقبال سيّدة من أجل معالجتها؛ فقال لي: حسن جدًّا! أحضرها في أيّ وقت تُريده. وحينما التقيت بزوجها في الطريق، أخبرته بأنّني اتّصلت بفلان، واتّفقت معه على زيارته هذه الليلة في الساعة الكذائيّة؛ فقال لي: «بالمناسبة، لقد هاتفته البارحة، وذهبنا عنده، فتبيّن أنّه لا مشكلة في البين؛ وقد أعطانا وصفة طبّية، وقال لنا: لا يوجد شيء ذو بال، وهي تُعاني من مشاكل بسيطة في الأعصاب؛ ولهذا، لا يبدو أنّنا سنضطرّ للرجوع عنده مرّة أخرى؛ فلا تُتعب نفسك؛ فقد انحلّت المسألة». فشعرت بالراحة من جهتي؛ إذ رُفع التكليف عن عاتقي؛ فعُدت من هناك إلى المنزل، وذهبت لرؤية المرحوم العلاّمة؛ وبمجرّد أن وقعت عيناه عليّ، حتّى قال لي: «هل اصطحبت فلانة إلى الطبيب؟»؛ وا ويلتاه! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ لقد تورّطت! فأيّ جواب يُمكنني تقديمه له الآن؟ فقلت له: «لقد هاتفت الطبيب، لكنّه كان مسافرًا؛ وبعد مرور أسبوع، اتّصلت به مرّة أخرى، فأعطاني موعدًا للزيارة هذه الليلة؛ غاية الأمر أنّني التقيت بزوجها في الطريق، فقال لي: لقد اصطحبتها البارحة، فلا داعي لأن تُتعب نفسك؛ وانتهت المسألة»؛ فما إن قلت له هذا الكلام، حتّى نظر إليّ، وقال: «إذن، أنت لم تحرص على اصطحابها إلى أن فات الوقت؟!»؛ وقد قال لي ذلك بحالة من الأسف والتوبيخ؛ فتأثّر بعضُ الأشخاص المتواجدين هناك لأسلوب تعامله معي؛ فما هو الداعي لهذا التصرّف؟ فتلك المرأة لها زوج، وكان عليه هو أن يصطحبها عند الطبيب؛ أ فهل وجودي هنا هو لأجل اصطحاب زوجة فلان وعلاّن عند الطبيب؟! ففي نهاية المطاف، أنا لديّ أشغال ودروس، حيث كنت أحضر في تلك الأيّام درسين بمشهد؛ فكان لسان حالهم يقول: ما هذه المعاملة التي يُعامل بها هذ الأب ابنه؟ فهو لم يُقصّر كثيرًا في هذا الأمر؛ لأنّه هاتف الطبيب و... ؛ فشعرت بأنّ الأجواء قد تعكّرت قليلاً؛ ولهذا، ذهبت للخارح، وقلت لهم: «لا تنزعجوا بسبب ما حصل؛ لأنّ الأمر مغاير لما تعتقدونه؛ فأنا التفتُّ إلى ما يقصده، وعرفت أنّني مقصّر، فلم يكن عليّ القيام بذلك الفعل»؛ فانتهت المسألة بهذا النحو.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

15
  • وعي الإنسان بدور الأحكام الإلهيّة في تربيته يُساهم في تكوين نظرة إيجابيّة تجاهها

  • لكنّني كنت دائمًا أُفكّر في حقيقة هذا الأمر؛ فما هي المصلحة في ما قاله لي؟ وما هي الجذور التي ينبع منها كلامه، بحيث قصّرت في هذه المسألة، إلى أن ضاعت منّي الفرصة. ومرّت ستّة أشهر على هذه الحادثة؛ وفي أحد الأيّام، كنت جالسًا في الحجرة أنتظر مجيء الرفقاء والأحبّة، لكي نبدأ درس الفلسفة على ما يبدو؛ فكنت قاعدًا في زاوية من الغرفة أسرح في أفكاري، ولم أكن أفكّر في تلك المسألة أبدًا؛ وفجأة، انقدحت في ذهني، وتبيّن لي سرّها وحكمتها، حيث انتبهت إلى أنّني كنت أعاني في نفسي من مشكلة لا تنحلّ إلاّ عن طريق قيامي بذلك الفعل؛ فانظروا، أين هو مصبّ المسألة! فلأنّني لم أقم بذلك الفعل، فإنّني لا زلت أعاني من تلك المشكلة في نفسي، بحيث يكون ارتفاعها متوقّفًا على طروّ بعض الحوادث؛ نظير الحادثة التي حصلت، وأكون ملزمًا بالقيام بذلك الفعل، لكي ينحلّ الإشكال؛ وهنا، يأتي السؤال: لو جاء أحد، وجلس يُفكّر من الآن إلى يوم القيامة، هل كان سيبلغ تفكيره هذا المدى؟ لا يُمكن أبدًا! فمن الذي يتسنّى له إدراك هذا الأمر؟ الذي له بصيرة واطّلاع وإشراف، ويفهم أين هو موضع الإشكال؛ فإن سلّمتَ له، فإنّه سيحلّه لك؛ وإن لم تُسلّم، فإنّ المشكلة ستظلّ قائمة، لترحل عن هذا العالم مصحوبًا بها؛ وهذا هو مرادهم من القول: على الإنسان أن يخضع لتربية الخبير؛ فأداء الصلاة والصيام والإنفاق ليست بالأمور التي تحظى بأهمّية كبيرة، بل المهمّ هو أن يُخضع الإنسان نفسَه للأحكام والأوامر والنواهي الإلهيّة؛ وبهذا النحو، فإنّ الأحكام الشرعيّة ستتّخذ لدينا بالتدريج شكلاً آخر، وستُصبح الطاعة بالنسبة إلينا أمرًا سهلاً؛ لماذا؟ لأنّنا صرنا نعلم أنّ الله تعالى يُريدها منّا لأجل مصلحتنا؛ فحينما يقول لي ذلك الوالد: «يا فلان، قم بذلك العمل»، فإنّه لا يهدف من ذلك إلى الإضرار بي، أو إجباري، بل يُريد أن يقول لي بلسان الحال: يا فلان، إنّك تُعاني من مشكلة في نفسك، وأنت غير مطّلع على هذه المشكلة، ولا يُمكنك التعرّف عليها بنفسك، فتعال، وأطعني، حتّى تنحلّ، وإلاّ ستبقى كما هي.. كما هي!

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

16
  • الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما

  • ومن هنا، نُدرك أنّ المسائل المطروحة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل لا يوجد فيها ظلم أو إكراه، وأنّ الأمر ليس كما يُقال من أنّ الله تعالى انحاز هنا إلى جانب الرجال؛ لا، ليس الأمر بهذا النحو؛ فهذا طريق ومسار جعله الله لمصلحة الإنسان وسعادته؛ لكنّنا نأتي، ونبدأ باللفّ والدوران، ونقول: هذا المقدار صحيح، وذلك المقدار غير صحيح؛ وهذا المقدر نقبل به، وذلك المقدار لا نعترف به؛ وهذا المقدار يُمكننا القيام به، وذلك المقدار لا نسطيع أداءه؛ وهذا المقدار أمر به الله تعالى، وذلك المقدار اخترعتموه أنتم؛ ألا يقولون ذلك؟! ألا يقولون: أنتم الذين اخترعتم ذلك! فمتى أمر الله تعالى بهذه الأمور؟! وفي أيّ موضع من القرآن الكريم يوجد مثل هذا الكلام؟! فهذا المقدار نقبل به، وذلك المقدار من اختراعات ألف وأربعمائة سنة من قبل، وهذا كلام يرجع إلى ما قبل ألف وأربعمائة سنة، وهذه الثقافة تعود إلى ... أ فلا يقولون الآن: «إنّ الفقه الذي ورثناه من السلف خاضعٌ لتأثير الثقافة الجاهليّة»؟! أ فلم تسمعوهم يقولون ذلك؟! فما معنى هذا الأمر؟ معناه عين: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ‌}؛ فهذا هو نفس معنى: نقبل ببعض، وندع البعض الآخر؛ فيا أيّها المؤلّف الجاهل الذي يتفوّه بهكذا كلام، هل انتبهت إلى أنّ لازم كلامك أن يكون الإمام الصادق والعياذ بالله تعالى واقعًا تحت تأثير الثقافة الجاهليّة؟! فهل إنّ كلام رسول الله الذي قال فيه: «لَوْ كُنْتَ آمِرًا بَشَرًا يَسْجُدُ لِبشَرٍ، لأمَرْتُ‌ الْمَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»۱ خاضع أيضًا لتأثير الثقافة الجاهليّة؟! وهل إنّ كلام الإمام عليه السلام الذي ذكره لأجل سعادة عائلة المرأة والرجل متأثّر بدوره بالثقافة الجاهليّة؟! فهل هذا هو الميزان والمعيار الذي تخضع له القيم عندكم؟ وهل هذه هي حصيلة كلّ هذا العلم والتعب والدراسة والتدريس؟! أن يصل الإنسان إلى درجة يقول فيها: إنّ الأحكام الإلهيّة خاضعة لتأثير الثقافة الجاهليّة! على كلّ حال:

  • رگ‌ رگ‌ است اين آب شيرين وآب شور***درخلائق مى‌رود تا نفخ صور٢
    1. رسالة بديعة، ص ٣٣. المعرّب
    2. مثنوي معنوي، الکتاب الأوّل، الفصل ٣٦.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

17
  • متاع كفر ودين بى‌مشترى نيست‌***گروهى آن گروهى اين پسندند۱
  • [لكلّ من الماء العذب والأُجاج قناتُه الخاصّة التي يجري فيها إلى يوم يُنفخ في الصور]٢

  • [هناك زبائن لبضاعة كلّ من الكفر والدين، فطائفة ترغب بهذه، وطائفة ترغب بالأخرى]

  • فهذا هو الذي تُريد أن تُشير إليه الآية الكريمة هنا، حيث سنسعى في الجلسة القادمة إن شاء الله تعالى للاستعانة بها من أجل بيان المسألة الأساسيّة في هذا البحث. {قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‌}؛ قل يا رسول الله: إنّني أريد أن أحدّثكم بأمر، وأُقدّم إليكم نصيحة، وأريد منكم أن تحتفظوا بمسألة في أذهانكم، وتجعلون هذه النصيحة حلقة في آذانكم؛ وهي: {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‌}؛ أي: أن تكون أفعالكم لأجل الله تعالى، فكلّ عمل تُؤدّونه يجب أن يكون لله تعالى؛ فتكفي هذه النصيحة! يقول الله تعالى للنبيّ: احتفظ بهذه النصيحة؛ {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}‌؛ أي: أن يكون عملكم لله، وأن تكون الطاعة التي تسعون للقيام بها لأجله تعالى، فتؤدّون أفعالكم له عزّ وجلّ، ويكون كلامكم لأجله؛ هذا فقط! {أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ }؛ أي: مجرّد جملة واحدة.

  • نرجو من الرفقاء أن يُفكّروا إن شاء الله تعالى في هذه المسألة، ويتأمّلوا في أنفسهم بشأنها، لكي يتمكّنوا من إدراك هذه القضيّة بمختلف جوانبها، والوصول إلى المراد والهدف من {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‌}؛ فإن أردتم القيام بأيّ عمل لأجل الله تعالى، تأمّلوا فيه، لكي تروا ما هي النتائج التي ستحصلون عليها إن شاء الله تعالى؛ وفي الجلسة القادمة، امزجوا هذه النتائج بما أقوله، ثمّ أفيدونا بما توصّلتم إليه!!

  • نرجو من العليّ القدير أن يُوفّقنا للسير في الطريق والمسار الذي من شأنه أن يوصلنا إلى نفس المكان والحريم والمقام الذي وصل إليه العظماء، والذين ظفروا بسعادة الدنيا والآخرة، ولم يلتفتوا إلى الكلمات والمسائل التي يقولها هذا وذاك، ولم يُعيروها أسماعهم؛ وإلاّ، فأنتم تعلمون أيّها الرفقاء أنّنا عشنا ـ أنا وأنتم ـ مقدارًا يُعتدّ به من السنوات، وكلّ واحد منّا جرّب الحلو والمرّ في هذه الدنيا، ورأى مسائل مختلفة، وسمع بقضايا متعدّدة؛ فدعوني أقول لكم بكلّ وضوح وشفافيّة: لا يوجد شيء ذي بال في الكلمات التي تُسمع هنا وهناك! ولا تتوفّر المسائل التي تُسمع هنا وهناك على شيء مهمّ! إنّهم يأتون عدّة أيّام، ويعملون على إثارة الغبار من خلال أوهامهم وأذواقهم الخاصّة، فيتسبّبون في تلويث الأرضيّة لأنفسهم، وفي الوقت ذاته، سدّ الطريق أمام الآخرين، ثمّ [يرحلون] وأيديهم خاوية؛ فإذا سعينا للإصغاء إلى ما يقوله هذا وذاك، فإنّنا سنبقى خالو الوفاض؛ راه آن چنان رو كه رهروان رفتند [أي: اسلك الطريق كما سلكه السالكون]‌؛ فهم سلكوا، ووصلوا إلى الهدف المنشود، ودلّونا على الطريق، وقالوا لنا: هذا هو؛ فهم قطعوا الطريق فعلاً، لا أنّهم اقتصروا على مطالعة الكتب، وأخبرونا عن هذه الأمور، ولا اكتفوا بسماع كلمة من هنا وهناك، ثمّ أطلعونا على ذلك، لا! بل سلكوا الطريق، وبعد ذلك، قالوا لنا: هذا هو؛ وبما أنّه لدينا اطمئنان ويقين بصحّة [كلامهم]، فلن يُقبل منّا أيّ عذر.

    1. رباعیات بابا طاهر، الرباعي رقم ٤۰.
    2. الماء العذب والأجاج كناية هنا عن الحقّ والباطل اللذين يوجدان في هذا العالم إلى جنب بعضهما، لكنّ أهل الحقّ ينزعون نحو الحقّ، وأهل الباطل ينزعون نحو الباطل؛ لأنّ كلّ شيء يميل إلى أصله. مقتطف من شرح بديع الزمان فروزانفر للمثنويّ، ص ٣۰۰. المعرّب

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

18
  • اللهمّ صلّ علی محمّد وآل محمّد