/ ۲۰
  • fullscreen

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۸۰

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين

  •  

  •  

  • سابقًا، طرحنا بعض المسائل عن كيفيّة تطبيق البرامج التربويّة الإسلاميّة على أعمالنا وتصرّفاتنا اليوميّة في مختلف المجالات، لا سيّما في مجال العلاقات الأسريّة؛ فالمحور الذي يدور حوله كلّ الكلام والمسائل ذات الصلة بكافّة الأحكام الإسلاميّة هو التوحيد والعبوديّة لله تعالى، حيث نلحظ هذا الأمر ـ كما بيّنا سابقًا ـ في جميع الآيات القرآنيّة والأحكام الإسلاميّة المستنبَطة من روايات أهل البيت عليهم السلام.

  • العبادة لله تعالى فقط والأئمّة عليهم السلام مجرّد وسائط

  • فمسألة التوحيد تُمثّل نهاية معرفة الإنسان وآخر مرتبة من مراتبه الكماليّة، وفي هذا المقام، لا يُمكن لأيّ موجود، ولا أيّة ذات أن تضع قدمها بنحو منفصل عن الذات الإلهيّة؛ ففيما يخصّ مسألة العبوديّة، فإنّ الله تعالى يدعو كافّة عباده إليه فقط، ويُريد منهم أداء عبادته بمنوال واحد، حيث لا يوجد هنا أيّ فارق بين الكبير والصغير، وبين الشيخ والشابّ؛ وتكون المسألة في هذا المقام على حدّ سواء بالنسبة للقوم والعشيرة وغيرهما، ويستوي الأمر بين الصالح والطالح؛ وحتّى أولياء الله تعالى، بل والأئمّة عليهم السلام في درجة أعلى، بل والرسول الأكرم في درجة أعلى وأعلى، فإنّهم يكونون في مقام التوحيد والارتباط بالله تعالى كبقيّة الناس من دون أيّ فارق.

  • ففيما يخصّ مسألة التوحيد، إذا أردنا أن نؤدّي عبادةً ما لأجل الإمام عليه السلام، فإنّها ستكون باطلة، وعلينا إعادتها مرّة أخرى؛ ولو أنّ إمام الزمان عليه السلام قال لنا: «إن أردتّم القيام بالصلاة في سبيل الله تعالى، فلتفعلوا ذلك لأجلي أنا»؛ أو قال: «في أدائكم للصلاة والعبادات، عليكم أن تمتثلوا لكلامي أنا»، فإنّ هذه العبادة ستكون باطلة؛ إذ لا ينبغي علينا أبدًا أداء الصلاة لأجل الإمام؛ هل التفتّم لما أريد أن أقوله؟! فإنْ سَعَينا لإقامة الصلاة لأجل الإمام، أو لأجل رسول الله، فإنّ صلاتنا ستكون باطلة؛ فالصلاة ينبغي أن تكون لأجل «هو» وحسب؛ وأمّا إذا أدّينا الصلاة أو الصيام بنية الاعتناء بكلام الإمام، ومجاملةً له، ولأنّنا نخجل منه، فإنّ هذا الصيام سيكون باطلاً.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

3
  • فالأئمّة عليهم السلام مجرّد وسائط، وهم وسائط لا يحتفظون لأنفسهم بأيّ شيء؛ بينما حينما تمنح أحدًا مالاً، وتقول له: «أوصله إلى فلان»، فإنّه قد يقتطع منه الثلث أثناء الطريق، ويقول: «باعتباري واسطة، فإنّه يحقّ لي أن أحتفظ بثلث المال»؛ لكن، هنا، لا يوجد أيّ شيء من هذه الأمور؛ إذ فيما يرتبط بمسألة التوحيد، فإنّ الله تعالى لم يفسح المجال لأيّ شريك أو شبيه للدخول في دائرته التوحيديّة، ولو بمقدار ميلمتر واحد.

  • إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو أوّل صادر في عالم الوجود؛ أي: حينما شاءت الذات في ذلك المقام الذي تكون فيه من دون أيّ تعيّن أو حدّ أو رسم أو كيفيّة أن توجِد الخلقَ بكافّة أنواعه من مجرّدات، ومادّيات، وموجودات قائمة في الحدّ الفاصل بينهما، بكافّة مراتبها اللانهائيّة، فإنّ أوّل موجود خلقته هي النفس المباركة للرسول الأكرم؛ بمعنى أنّه لا يوجد أيّ مخلوق أعلى منه في عالم الوجود؛ وهو الذي يُعبّر عنه العرفاء بمقام الواحديّة؛ أي أنّه [أوّل مقام تتنزّل فيه] الذات الإلهيّة عن مرتبة هوهويّتها، ومرتبة "لا حدّ ولا رسم"؛ وهي مرتبة لا تقبل الإشارة ولا الحكاية؛ ولا يُمكن الإخبار عنها؛ لأنّ موضوعها غير معروف لدينا، بحيث لا يكون بوسع أيّ أحد الإخبار عنها، اللهمّ إلاّ أن ينمحي باطنُه في الذات الأحديّة؛ بل وحتّى إذا انمحى وفني فيها، فإنّه سيعجز عن البيان! فهنا يكمن الإشكال؛ إذ ما هي العبارة التي يُمكنه استعمالها للحكاية عن هذه المسألة؟!

  • [يقول: أنا أخرس رأى حلمًا، والناس كلّهم صمّ؛ فلا أنا قادر على بيانه، ولا هُم قادرون على سماعه].

  • أي: إنّني إنسان رأى حلمًا؛ وفي الوقت ذاته، فإنّني أخرس؛ بمعنى أنّني لا أستطيع أن أُحضر ذلك المعنى في ذهني؛ لأنّه أعلى وأرقى من الذهن؛ فأنا شاهدت أمرًا وحسب، واطّلعت على شيء فقط؛ وعلى حدّ قول ابن الفارض رضوان الله تعالى عليه:

  • يقولون لي صفها وأنت بوصفها خبير***أجل! عندي بأوصافها علمُ

  • صفاءٌ ولا ماءُ، ولطف ولا هوًا***و نورٌ ولا نار وروحٌ ولا جسم

  • مرتبة الغيب الإلهيّ المطلق وثلّة من خصائصها

  • يقولون لي: تعال، وحدّثنا عن تلك المرتبة التي بلغتها، وذلك المقام الذي شاهدته، وذلك التوحيد الذي وصلت إليه! فأيدينا نحن الآن قاصرة عن ذلك المقام، فتعال أنت كحدّ أقلّ، واحكِ لنا عن هذه المسائل، ولو قليلاً، واشرح لنا ما الذي يجري هناك؛ فأجيبهم: أجل، أنا مطّلع

    1. ديوان ابن الفارض.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

4
  • على تلك الصفات، لكن، كيف يتسنّى لي بيان ذلك؟! فإذا كانت هذه العبارات قد وُضعت للمعاني المادّية، وكان الناس قد وضعوا الألفاظ في إطار علاقاتهم المادّية، فكيف سيتسنّى لي أن أوضّح تلك المعاني من خلال هذه العبارات والألفاظ؟! فهل هذا ممكن؟!

  • فحينما يريد طفل ذو سنتين أن يُدخل قضيبًا معدنيًّا أو مسمارًا في مخرج الكهرباء، فإنّك تُحذّره من ذلك؛ لكنّه لا يفهم السبب؛ ومن هنا، ماذا ينبغي أن تقول له لكي تُفهمه ذلك؟ هل تقول له: يوجد كهرباء هناك! أو: يوجد تردّد كهربائيّ يعبر من هنا؟! سيبقى جالسًا ينظر إليك وحسب، ويقول في نفسه: هل أحوال أبي اليوم جيّدة؟! فهو لم يتكلّم معي بهذه الطريقة لحدّ الآن! فما معنى هذا الكلام الذي يقوله: «كهرباء متّصلة بالمحطّة الكهربائيّة والتوربينيّة و...»؟! ولهذا، يجب بيان المسألة بنحو يتناسب مع مستواه الفكريّ؛ فإذا كنت تقرأ له بعض القصص عن البعبع ـ مع أنّ هذا الأسلوب خاطيء، ولا ينبغي طرح هذه المسائل عليه ـ فيكون له تصوّر معيّن عن البعبع مثلاً، فإنّك ستقول له: «يوجد بعبع نائمًا في ذلك المخرج الكهربائيّ؛ فإذا وضعت يدك هناك، فإنّه سيعضّك»؛ أو أن تُحدّثه بذلك المستوى من الفهم الذي يقتضيه سنّه؛ لماذا؟ لأنّه لا يستطيع الفهم والاستيعاب في الدائرة الخارجة عن سعته وقابليّته؛ وحينئذ، ما معنى أن تُحدّثه بتلك الأمور كالكهرباء؟ فما الذي سيفهم من ذلك؟

  • وهذا عين ما يقوله لنا ابن الفارض؛ أي أنّه يقول: حالي معكم للأسف، هو حال ذلك الرجل ذي الثلاثين سنة الذي له اطّلاع على كافّة مسائل العصر، مع طفل له سنتان؛ فماذا تُريدون ـ والحال هذه ـ أن أقول لكم؟! تعالوا، أكشف لكم قليلاً عن هذه الأمور، لكي تطّلعوا عليها إلى حدّ ما.

  • يقولون لي صفها وأنت بوصفها خبير***أجل! عندي بأوصافها علمُ

  • [يقول:] أنا لديّ اطّلاع على أوصاف هذه المرتبة وخصائص ذلك المقام: صفاءً ولا ماءُ؛ انظروا! متى ما وُجد الماء، وُجدت الرطوبة والانتعاش؛ ومتى فُقد الماء، وُجد الجفاف؛ فلماذا يوجد الجفاف في الصحراء؟ لانعدام الماء هناك؛ ولماذا صارت البراري القاحلة بهذا النحو؟ لأنّه لا يوجد فيها ماء؛ ومتى ما وُجد الماء، وجد العمران أيضًا؛ فذلك المقام هو مقام مُفعم بأسره بالانبساط والصفاء والانتعاش؛ فهناك غاية الانتعاش، بل وبدرجة تفوق التصوّر، لكن من دون وجود ماء. ولطفٌ ولا هَوًا: لاحظوا! كلّما كان الهواء أفضل، وكان نسبة الأوكسجين فيه أكبر، كان لطفه أكبر؛ وكلّما كانت جودة الهواء أقلّ، كان لطفه أقلّ؛ فهل انتبهتم إلى مدينة طهران حينما يصير هواؤها أحيانًا ملوّثًا كيف يصير منظرها؟ فبما أنّ نسبة الأوكسجين تقلّ كثيرًا، فإنّ الإنسان يجد صعوبة في التنفّس، وبدلاً عن استنشاق الأوكسجين، فإنّه يُدخل إلى رئته جميع الموادّ المسمومة وأمثال ذلك، حيث لا وجود للطف هناك؛ [وأمّا في ذلك المقام]،

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

5
  • فلا يوجد هواء، لكن يوجد اللطف؛ ويوجد النور، لكن لا توجد النار باعتبارها مبدءً للنور؛ وهنا لا يفرق الأمر، سواءً بالنسبة للعصور المتقدّمة التي لم يكن فيها كهرباء وأمثال ذلك، فكانوا يُضيؤون الجوّ بواسطة الناء، أو بالنسبة لهذا العصر الذي تغيّرت فيه مادّة الإنارة؛ ففي الحالتين معًا، لا وجود في ذلك المقام لهذه المادّة. وروحٌ ولا جسمٌ: فهناك وجود للروح، لكنّ المادّة غير موجودة، ولا وجود هناك للجسم والظاهر. وفي هذه الحالة، حينما بيّنت لكم هذه المسائل التي تحدّث عنها [ابن الفارض]، ما الذي تمكّنتم من الحصول عليه؟! ولهذا السبب، كان المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يقول لهذا الحقير الفقير المبُتلى بشراشره بالتقصير حينما كنت أسأله عن هكذا مسائل: «يا أيّها السيّد محمّد محسن، كيف تدري طعمَ ما لم تذُق؟!»؛ فهذه هي حقيقة المسألة، رزقنا الله تعالى جميعًا بحوله وقوّته.

  • ففي هذا المقام الذي يُمثّل مقام الذات الأحديّة، حينما يُراد إيجاد أوّل مخلوق ـ وهي النفس المباركة للرسول الأعظم التي تُعدّ واسطة بين مقام الذات وبقيّة المخلوقات ـ فإنّ جميع هذه المخلوقات تتحقّق في عالم الوجود بواسطة تلك النفس؛ فكما أنّكم تُؤدّون أفعالكم في الخارج بواسطة نفسكم، بحيث تُعتبر هذه الأفعال مخلوقة لهذه النفس، فإنّ كلّ ما يحدث في عالم الوجود يعبر من خلال نافذة نفس النبيّ؛ ولدينا مجموعة من الروايات التي تدلّ على هذا الأمر، بل وبوسعنا إقامة البرهان عليها عقليًّا أيضًا؛ هذا، مع أنّ الدليل العقليّ لا يُثبت كون الواسطة هي ذات النبيّ بعينها، لكنّه يُثبت مثيلاً لها؛ وعلى أيّ تقدير، يلزم بالضرورة وجود واسطة من أجل تنزّل الذات إلى مقام الأسماء والصفات، وتكون بدورها مخلوقة؛ إذ ما المراد من المخلوق؟ المراد منه الغير، فهو غير الذات، لكنّه انفصل عنها، غاية الأمر أنّ هذا الانفصال مختلف عن جلوسنا هنا بنحو منفصل، وإلاّ سيكون كفرًا وشركًا؛ فمع ذلك المقام الذي يحظى به رسول الله، إلاّ أنّه لا سبيل له إلى مرتبة التوحيد؛ ولهذا، لا ينبغي علينا في العبادات التي نُؤدّيها أن نتوجّه إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولو أنّه علّتنا في الخلق والوجود۱؛ وأمّا الرواية التي جاء بها بعض الدروايش، وتقول: «وَاجعَل قَبلَ كُلِّ صَلَوةٍ أحَدَ الأئِمَّةَ نُصبَ عينيك»، فإنّها رواية مكذوبة، وهي من كلمات الدراويش، فلا تلتفتوا إليها! فالإمام عليه السلام يقول: «عند إقامة الصلاة، لا ينبغي عليكم التوجّه إلى أيّة ذات [غير ذات الله تعالى]، بل ولا يجب عليكم أن تضعوني أنا نُصب أعينكم في مقام العبادة، مع أنّني أنا هو الواسطة في وجودكم»، أجل، يبقى أنّه علينا أن نجعل ـ في باطننا وفي توجّهنا نحو الله تعالى ـ الأئمّة عليهم السلام محطّ أنظارنا باعتبارهم وسيلة؛ إذ لا يُمكن لأعمالنا أن ترتقي مثقال ذرّة من دون ولاية الإمام عليه السلام، ولن يُقبل أيّ فعل من أفعالنا مقدار رأس إبرة لولا ولاية الإمام عليه السلام، كما أنّه لن نقدر على الارتقاء إلى ذلك العالم مثال ذرّة بغضّ النظر عن ولاية إمام الزمان عليه السلام؛ وهذه مسألة محفوظة في مكانها؛ لكنّ كلامنا ينصبّ على مقام العبادة والتوجّه إلى الله تعالى والذات الإلهيّة، حيث لا ينبغي علينا في هذا المقام التوجّه حتّى إلى الإمام عليه السلام؛ فحينما نقول:

    1. على نحو الوساطة. المعرّب

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

6
  • «الله أكبر»، يجب أن يكون نظرنا مقتصرًا على نفس الذت فقط، من دون أيّة واسطة أو أمر آخر؛ وهذه هي نقطة الاختلاف بين الشيعة الحقيقيّين، والمنحرفين من الشيعة كالشيخيّة أتباع الشيخ أحمد الإحسائيّ وغيره الذين يجعلون الإمام عليه السلام في مقابل الله تعالى أثناء العبادة، ويقولون: «بما أنّنا لا نستطيع الارتباط بالذات الإلهيّة مباشرة، يتعينّ علينا الاتّصال بالإمام أثناء العبادة، وهو عليه السلام سيوصلنا بالله تعالى»! وهنا، نجدهم يجعلون واسطةً لمرتبة التوحيد في مقام العبادة؛ وهو عين الشرك؛ هذا، مع أنّنا في مرتبة الوجود وبقائه ـ حدوثًا واستمرارًا ـ لا نقدر على إغلاق جفننا للحظة واحدة، أو أن يخطر على بالنا شيءٌ ما من دون ولاية إمام الزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، لكنّ هذا كلّه في مقام الوجود وبقائه؛ وأمّا في مقام العبادة، فإنّ الإمام عليه السلام بنفسه يقول: حينما تُريد أن تقول "الله أكبر"، لا ينبغي عليك أن تجعلني نصب عينيك، بل تتوجّه إلى الله تعالى فقط؛ وهذا هو الفارق بين مدرسة الحقّ، وبقيّة المدارس والمذاهب والنحل التي أضافت من عندها آراء وأذواق مختلفة، فخرجت بذلك عن طريق الحقّ والصواب؛ فهذه هي مدرسة الحقّ.

  • ومن هنا، فإنّ هذه المسألة [سارية] في جميع الأحكام الإسلاميّة؛ ففي هذا العصر، نجدهم يقولون: «ما هي الحاجة لكي نتوفّر الآن على دين، ونخضع لكلام فلان؟! نحن نريد أن نُقيم علاقة مباشرة مع الله تعالى، ونرغب في التوجّه إليه سبحانه بشكل مباشر»! أجل، جزء من هذا الكلام صحيح؛ لأنّه علينا الارتباط بالله تعالى بنحو مباشر، لكنّ هذا الارتباط له طريق؛ لأنّه يستدعي توفّر الإنسان على القابليّة والاستعداد، وكذلك على البصيرة والعلم؛ رغم أنّه لا كلام لنا حول ضرورة الارتباط بالله تعالى مباشرةً.

  • فالسبب الكامن وراء انفصال العامّة وأهل السنّة عن مذهب الحقّ والواقع، ومدرسة أهل البيت أنّهم يقولون: بوسعنا الارتباط بالله تعالى من دون الإمام عليه السلام؛ هذا، مع أنّ الأئمّة يقولون: متى قلنا لكم عليكم ألاّ ترتبطوا بالله تعالى، وعليكم الارتباط بنا نحن؟! متى تفوّهنا بهذا الكلام؟ متى قلنا لكم: عليكم التوجّه في صلاتكم إلينا وإلى بيوتنا، بدلاً عن التوجّه إلى القبلة؟! متى قلنا لكم: توجّهوا إلينا في نيّاتكم، عوضًا عن التوجّه إلى حقيقة التوحيد؟! متى قلنا لكم: توجّهوا إليّ أنا الإمام الصادق؟! أو أنا الإمام الباقر؟! ومتى قلنا: عليكم أن تضعوا طوق عبوديّتنا في أعناقكم بدلاً من العبوديّة لله تعالى؟ وهل توجد رواية عن الأئمّة عليهم السلام تدلّ على هذا الأمر؟

  • صدور الخوارق من الأئمّة عليهم السلام على نحو المظهريّة لا الاستقلاليّة

  • لقد لجأ أمير المؤمنين عليه السلام إلى إعدام الذين اعتقدوا بألوهيّته؛ ففي البداية، قام بنُصحهم، وفنّد رأيهم، وأبطل حجّتهم؛ لكن، حينما رآهم مصرّين على أقوالهم، أجرى في حقّهم حكم الإعدام. فأنا عليّ حالي كحال بقيّة الناس؛ فلماذا تجعلونني في مقابل تلك الحقيقة الواحدة؟ أ فلأنّني أقوم ببعض الأفعال الخارقة للعادة؟! صحيح أنّه تصدر منّي بعض الخوارق، لكنّني

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

7
  • لست أنا الذي أقوم بها، بل هو تعالى الذي يقوم بها من خلال هذا المظهر؛ هل انتبهتم؟ فهذه المسائل التي أبيّنها لكم تضطلع بدور أساس في حلّ إشكاليّة الارتباط العائليّ بين المرأة والرجل.

  • يقول أمير المؤمنين: أنَا ما قَلَعتُ بابَ خيبَرِ بِقُدرَةِ بَشَرية؛ فلو جئنا بأكبر الرافعات، فلعلّها لن تتمكّن من رفعه؛ إذ لم يكن بابًا عاديًّا كما ورد في بعض الروايات، ولا أعلم هل هي صحيحة أم لا، حيث جاء فيها أنّ فتحه وإغلاقه كان يحتاج إلى أربعين رجلاً؛ فكان يتطلّب الأمر وجود عشرة رجال أو عشرين رجلاً كحدّ أقلّ من أجل تحريك هذا الباب، وإدارته حول محوره؛ وفي هذه الحالة، يأتي أمير المؤمنين، ويقلع الباب، ويحمله بيده، فيأتي أفراد الجيش، ويعبرون من الخندق؛ فمن الذي يمكنه القيام بهكذا فعل؟! وأيّة قدرة تتسنّى لها أداؤه؟! أو ما ورد أيضًا عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما أشار إلى الجبل، فخرج منه جمل؛ وهكذا أيضًا بالنسبة للمعاجز التي قام بها رسول الله، والأنبياء، وعيسى عليه السلام؛ أ فهل كان ما قام به نبيّ الله عيسى هيّنًا؟! لقد كان يصنع من الطين على شكل طائر، ثمّ يتوجّه إليه بهمّته، فيطير، ويُحلّق في السماء، والجميع ينظر؛ فمن الذي يُمكنه القيام بمثل ذلك؟ وفي هذه الحالة، هل يجوز للنصارى الاعتقاد بألوهيّته لأنّه كان يقوم بتلك الأفعال؟ وهل يتعيّن على الناس أن يُصبحوا "عليّ اللهيّين" والاعتقاد بألوهيّة أمير المؤمنين عليه السلام في مقابل ذلك الواحد الحقيقيّ الذي لا شريك له؟ لا، ففي مدرسة أنبياء الله تعالى، حُلّت هذه المسألة تمامًا، حيث إنّ الحاكم في جميع عوالم الوجود هي إرادة واحدة، وقدرة واحدة، ومشيئة واحدة، وهي التي تظهر في مظاهر مختلفة.

  • فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد***ديگران هم بكنند آنچه مسيحا ميكرد

  • [يقول: إذا ما حصل المدد من فيض روح القدس مرّة أخرى، فسيتمكّن الآخرون من الإتيان بذات العمل الذي كان يقوم به السيد المسيح].

  • فهنا، تعلّقت الإرادة الإلهيّة بإيجاد هذا الفعل عن طريق جسم حضرة المسيح وبدنه، لكنّها قد تتعلّق غدًا بإيجاده من خلال جسم فرد آخر، وبعد غد بإيجاده بواسطة فرد ثالث؛ فهذه المسألة ترجع إلى إرادته ومشيئته تعالى، حيث إنّ هناك قدرة واحدة تظهر في مظاهر متعدّدة.

  • وعليه، ففي مدرسة أمير المؤمنين، فإنّه عليه السلام ليس هو الذي يقوم بتلك الأعمال، بل الله تعالى هو الذي يفعلها من خلال هذه النافذة؛ ولهذا قال عليه السلام: «لا دخل لي في ذلك!»؛ وقد كان محقًّا؛ إذ لا دخل له حقًّا في تلك الأفعال، وهكذا الأمر كذلك بالنسبة لرسول الله؛ فنحن إلى هذه اللحظة، كنّا نتصوّر الرسول في مقابل الله تعالى! وكنّا ننظر إلى جسده، لكن،

    1. بحار الأنوار، ج ٤۰، الباب ٩۸، ص ۳۱۸؛ مع اختلاف في العبارة بهذا النحو: «ما قلعت باب خيبر بقوّةٍ جسمانيّة، بل بقوّة ربانيّة»
    2. ديوان حافظ، طبعة بجمان، الغزل رقم ۱۱۱.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

8
  • من دون الالتفات إلى تلك اليد الواقعة خلف الستار التي جعلت رسول الله رسولَ الله! ومن هي تلك الذات التي جعلته صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك النحو! فهل هو الذي جعل نفسه كذلك؟! وهل تمكّن بنفسه ومنذ ولادته من شقّ القمر؟! وهل كان بوسعه إنطاق الحصى بنفسه ومنذ ولادته؟! وهل استطاع بنفسه ومنذ ولادته إجبار الشجر على النطق بالشهادتين؟! أم أنّه كان مجرّد مظهر من مظاهر الله تعالى شملته العناية الإلهيّة، فأوصلته في مقام التربية والعمل إلى مرتبة صار فيها قادرًا على إنجاز أعمال يقوم بها الله تعالى من دون واسطة.

  • وهذا يصدق على غير رسول الله: «عَبدِي أطِعنِي حَتَّى أجعَلك مثلِي (أو مَثلِي)، أقولُ للشيء كُن فَيكُون وتقول للشَيء كُن فَيكُون»؛ فهنا يقول الله تعالى: عبدي، وليس فقط رسول الله، بل عبدي؛ أي جميعكم أنتم الجالسون هنا.. عبدي أطعني، حتّى أجعلك مثلي في مقام الفعل، لا في مقام الذات، بحيث تصدر منك الأفعال كما تصدر منّي أنا؛ فأنا أقول للشيء كن فيكون، وأنت أيضًا، تقول للشيء كن فيكون، من دون أيّ فارق؛ لماذا؟ لأنّ كافّة هذه الأمور تصدر من منشأ وأصل واحد.

  • فحينما يُشير رسول الله إلى القمر، فيقسمه إلى شطرين، فإنّ الله تعالى هو الذي يقوم بذلك؛ غاية الأمر أنّنا نفتقر للعين الباطنيّة؛ ولهذا، عندما ننظر إلى المظهر الخارجيّ للرسول، فإنّنا نراه يُشير إلى القمر؛ مع أنّ هذا الأمر صحيح؛ فالنبيّ يقوم بهذا الفعل، و«هو»۲ أيضًا يقوم به؛ فلا يُمكننا أن ننكر بأنّ رسول الله يقوم بذلك الفعل؛ لأنّنا في نهاية المطاف نُشاهد شكله وصورته، ونرى إشارته [للقمر]؛ كما أنّه تعالى يقوم أيضًا بذلك الفعل؛ لأنّه هو الذي أوجد في الرسول تلك القوّة للقيام به؛ ولو أنّ هذا المنشأ أغلق "الأنبوب"، لما تمكّن الرسول من فعل أيّ شيء مهما أشار إلى القمر، بل حتّى لو ذهب بنفسه إلى القمر، لما تسنّى له ذلك، فما بالك بأن يقوم به من الأرض؛ غاية الأمر أنّ هذه القوّة التي حلّت بنفس رسول الله، وتقوم بالإشارة [للقمر] مستترة عن أعيننا.

  • وحينما أشار الإمام الرضا إلى صورة الأسد المنقوشة على الستار، فتحوّلت إلى أسد حقيقيّ، من الذي قام بهذا الفعل؟ فهل قام به الإمام الرضا من دون الله تعالى؟ إنّ ذلك الإمام الرضا [المنفصل عن الله] لا يستطيع حتّى رفع لقمة بيده؛ فإذا كان الإمام الرضا الذي يقوم بهذا الفعل هو المتّصل بولاية الله تعالى، فإنّ تلك الحقيقة الواقعيّة والمستترة عن أعيننا خلف الستار هي التي تقوم به، غاية الأمر أنّها غير مستترة عن أنظاره عليه السلام؛ ولو كان هناك أحد العرفاء جالسًا إلى جانب الإمام الرضا، ونظر إلى ما يقوم به عليه السلام، لأحسّ بشيء يفوق الأشياء التي نحسّ بها أنا وأنتم؛ لأنّ إحساسنا محصور ومغلول ومحبوس في عالم الظواهر، وشعورنا مقيّد بعالم المادّة والإدراكات العامّية البعيدة عن الحقيقة؛ فهذا هو شعورنا وإحساسنا؛ ولهذا، تجدنا نقول: يا للعجب! انظر إلى هذا الرجل العادي، فقد صنع من صورة منقوشة في

    1. أسرار الملكوت، ج ۲، ص ٦٩.
    2. أي الحقّ تعالى. المعرّب

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

9
  • الستار أسدًا ـ ولم يكن ذلك من باب سحر الأعين ـ ، فجاء هذا الأسد، وافترس ذلك الشخص، ولعق حتّى الأرض؛ وحينما انتهت المسألة، أغشي على المأمون، ثمّ أفاق، فرأى بأنّه قُضي على ذاك.

  • جاء أحد المشعوذين من الهند، وكانت له القدرة على القيام بأفعال عجيبة؛ فكان الإمام عليه السلام منهمكًا في تناول الطعام، لكنّ هذا المشعوذ عمل عملاً في الخبز، بحيث ما إن أراد الإمام تناوله، حتّى قفز مترًا إلى الناحية الأخرى، ثمّ أراد الإمام مرّة أخرى تناول لقمة منه، فحصل الشيء ذاته مجدّدًا، حيث كان ذلك المشعوذ يمتلك القدرة على هذا الفعل؛ أ ولا يوجد الآن مثل هؤلاء؟! أ فلا يوجودون في بلاد الهند؟! فيعملون مثلاً على إيقاف القطار عن الحركة؛ فقد حكى أحد الأصدقاء بنفسه للمرحوم العلاّمة هذا الأمر، وقال له: «كنت أريد السفر من مدينة بومباي إلى مدينة أخرى، وكنّا واقفين في محطّة القطار، ومهما صبرنا، فإنّ القطار لم يكن يتحرّك، حيث طال الأمر لمدّة ساعة واحدة؛ ثمّ انتبهنا إلى أنّ السائق كان قد أهان أحد الذين يلبسون الخِرَق والمرقّعات كان يجلس جانبًا؛ إذ ألقى على رأسه قشرة خيارٍ كان قد أكله، حيث ترجع هذه الحادثة إلى ثلاثين سنة تقريبًا؛ وأذكر أنّ ذلك الصديق كان قد سافر إلى ألمانيا والهند ومكان آخر، ثمّ رجع بعد ذلك؛ فكانت هذه الواقعة من الوقائع التي صادفها، وكان يقول: «لقد بقينا ننتظر هكذا لمدّة ساعة واحدة في القطار الرابط بين بومباي ومدينة أخرى؛ ثمّ التفتنا إلى حقيقة الأمر، فذهبنا عند ذلك الرجل الذي يلبس المرقّعات، ويجلس في الزاوية، وكان يبدو لنا رجلاً فقيرًا؛ لكن، مهما ترجّيناه، لم يكن يقبل، إلى أن أُجبر السائق على خلع نعليه، وجاء حافيًا مثل الأطفال المؤدّبين، واضعًا يده على صدره، وقبّل رجل ذلك الفقير الذي يلبس المرقّعات؛ فما كان من هذا الأخير إلاّ أن رفع يده، وضربه على رأسه في إشارة منه إلى أن: «اذهب»؛ فذهب السائق، وشغّل القطار، وتحرّك».

  • أ فلا يقومون بهذه الأفعال؟! إنّ ذلك راجع للرياضة والقدرة النفسيّة التي يحصلون عليها، والتي تُمكّنهم من أداء هكذا أفعال؛ فالأمر هنا هو بهذا النحو، كما أنّه كذلك في بقيّة المواضع؛ وهي مسألة عاديّة، تتمثّل في قدرة يمنحها الله تعالى للنفس؛ غاية الأمر أنّ ذلك المسكين يقصر استخدامها على المسائل المرتبطة بعالم الصورة والمثال، وعلى التصرّف في المادّة، ويحرم نفسه من تلك الدرّة الحقيقيّة والإكسير الواقعيّ المتمثّل في المعرفة الإلهيّة، فيأتي يوم القيامة، وأيديه فارغة لا يملك أيّ ثواب في ذلك العالم، ولو بمقدار ذرّة واحدة؛ وهذه المدرسة [تختلف كثيرًا] عن مدرسة أهل البيت التي تقول: تعال، وضع طاقتك وقدرتك هنا، فإن كنت تبذل مجهودًا بالغًا أيّها المسكين، فكحدّ أقلّ، ابذله في موضع تحصّل فيه منفعة، وتصل إلى مرتبة ومقام ينفعك ويُفيدك في ذلك العالم.

  • لقد عمد حضرة المأمون أيضًا إلى إحضار أحد هؤلاء الأغبياء من الهند، لكي يقوم بهذه الألاعيب مع الإمام، فكان عليه السلام منهمكًا في ...، وكان البقيّة جالسين أيضًا، ويضحكون، حيث كان ينتظرون سنوح مثل هذه الفرصة؛ وحينما كرّر ذلك العمل مرّتين أو ثلاثة

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

10
  • مرات، رأى الإمام عليه السلام بأنّ السكوت هنا لا يصحّ؛ فهل يبقى ساكتًا، وهم يسعون للمسّ بمقام الإمامة؟! فإذا به عليه السلام يُشير فجأة إلى ستار للمأمون كان معلّقًا هناك، وقال: «يا أسَدَ الله خُذ عَدُوَّ الله»، فجاء ذلك الأسد المصوّر في الستار، والذي لم يُحتج في تلوينه إلى أكثر من علبة صغيرة من الصباغة، وتحوّل إلى أسد يزن خمسمائة كيلوغرامًا لا يُوجد له مثيل في أيّة حديقة للحيوان؛ فجاء، وابتلع ذلك السافل بأجمعه في طرفة عين؛ فأغمي على المأمون، وسقط، وانتاب الآخرين ذعر شديد، بينما الإمام عليه السلام جالس في مكانه. وبعد ذلك، أتى ذلك الأسد عند الإمام، وقال له: هل تُريدني أن أصفّي حساب المأمون أم لا؟ فقال له عليه السلام: لا؛ وحينما أفاق المأمون، قال الإمام عليه السلام... ومع هذا، ورغم أنّ المأمون عارف بالإمام [ومكانته]، فإنّنا نجده بعد ذلك يسقيه السمّ؛ فانظروا إلى أيّ حدّ يصل الإنسان؟! فأنت ترى الآن بأمّ عينيك [ماذا يفعل الإمام]! ولم يكن ذلك من باب التمويه! فنجد الإنسان يرى الحقّ عيانًا، وواضحًا كوضوح قضيّة: إثنين زائد إثنين تُساوي أربعة، لكنّه يدوسه برجليه بهذه الطريقة! بعد ذلك، التفت المأمون إلى الإمام، وقال له: أقسم عليك بجدّك ـ والآن فقط نراه يتعلّق بأذيال جدّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أن تُعيد ذلك الرجل، فقال له عليه السلام: لو أرجعتْ عصا موسى حبالَ السحرة التي ابتلعتها، لأرجعته؛ أي أنّه رحل من دون رجعة، وعليك أن تقرأ عليه الفاتحة، وانتهى الأمر!

  • وفي هذه الحالة، عندما قام الإمام عليه السلام بهذا العمل، هل كان هو من قام به، أم أنّ الله تعالى هو الذي قام به من خلال ذلك القالب؟ عليكم أن تقولوا مباشرة: الله تعالى هو الذي فعله، وإيّاكم أن تقولوا: إنّ الإمام عليه السلام هو الذي قام به، من دون أن تأخذوا الله تعالى بعين الاعتبار! وإلاّ، فإنّ الإمام سيقول لكم: إن سعيتم إلى التلفّظ بمثل هذا الكلام، فلا داعي لزيارتي من الأساس! وإن أردتّم زيارتي، فعليكم أن تعتبروني مجرّد واسطة؛ وحينئذ، سأُصبح إمامًا وقائدًا لكم؛ هذا، مع أنّني أنا الإمام الرضا قادر على فعل كلّ شيء في عالم الوجود؛ فقولوا الآن كلّ ما يخطر على بالكم، وتصوّروا أيّ شيء، وانظروا هل يقدر الإمام الرضا على فعله أم لا؟ كلّ ما يخطر على بالكم! فاطلبوا منّي بناء جنّة، فإنّني سأُشيّد كافّة الدرجات الثمان للجنّة في طرفة عين واحدة؛ وبإشارة واحدة منّي أنا الإمام الرضا، أقول لكلّ العالم «كُن»، فيكون؛ لكنّه عليه السلام يقول: إنّ كافّة هذه الأمور تحصل بإرادته هو تعالى، ومن دونه أنا لا شيء، ومن دون الله أنا صفر، بحيث لا أُمثّل حتّى العدد واحد، وإلاّ لو كنت واحدًا، لما صرت إمامًا لكم.

  • الغاية النهائيّة للأحكام والتربية في الإسلام بلوغ مرتبة التوحيد

  • ومن هنا، فإنّ الغاية النهائيّة للأحكام وللتربية في عالم التشريع هو الوصول إلى المرتبة التي نعُدّ فيها العبادات والأحكام منحصرة في مبدأ التوحيد، فيكون الله تعالى لوحده محطًّا لنظرنا في هذه المسألة؛ فهذا هو المراد من الأحكام الإسلاميّة وحسب؛ لكن، يبقى أنّه لا يوجد لدينا

    1. مناقب ابن شهر آشوب، ج ۲، ص ۳٦٤ و۳٦۵.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

11
  • شكّ في أنّ للعبادة طريق؛ وفي هذا الطريق، تكمن مجموعة من الأخطار والمهالك؛ ولهذا، فإنّنا نحتاج إلى بصيرة ورؤية واضحة؛ فمن أين نأتي بهما؟ علينا أن نُحضرهما من عند أهل البيت عليهم السلام؛ وإلاّ، فإنّ جميع الأماكن الأخرى مغمورة في ظلام محض وجهل مطلق؛ فمدرسة أهل البيت هي التي من شأنها فقط وفقط إيصال الإنسان إلى درجته المنشودة في الكمال والرقيّ، وبقيّة المدارس بطلان محض؛ لكن، علينا أن ننتبه إلى الغاية التي تنتهي إليها حركتنا، وما هي هذه الغاية؟ هل هي عبوديّة الإمام، أم عبوديّة الله تعالى؟ فالإمام لن يقول أبدًا: عليكم أن تكونوا عبادًا لي!

  • ففي القرآن الكريم، يقول الله تعالى لنبيّه عيسى: هل قلتَ للحواريّين أن يلجؤوا إلى عبادتك؟! {أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ}۱، فهل قلت لهم: اجعلوني إلها؟! فقال عيسى عليه السلام: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}، فمتى تفوّهتُ بمثل هذا الكلام؟! لقد قمتُ لأجلهم بمعجزتين، فوقعوا في الانحراف، وأبديتُ لهم مسألتين خارقتين للعادة، فانحرفوا عنك، ومالوا إليّ؛ فمتى قلتُ لهم ذلك؟! وبحقّ، فإنّ أمر هذا الإنسان عجيب! فحينما يجيء النبيّ، ويقول للناس: اعبدوا الله تعالى، فإنّهم يقولون: «ائتنا بدليل، وما لم تأت بمعجزة، فإنّنا لن نقبل بك!»؛ حسن جدًّا! لا يحتاج الأمر إلى إعجاز؛ إذ يكفي أن تنظروا إلى السماء والأرض، فهي بحدّ ذاتها معجزة؛ وهل نحن الجالسون هنا رأينا إعجاز رسول الله؟! ولِنُفكّر في أنفسنا بحقّ! فنحن لم نشاهد النبيّ حينما شقّ القمر نصفين، وأنطق الشجر مثلاً، مع أنّ ذلك لم يكن من باب التمويه؛ فنحن لم نر أيّة واحدة من تلك المعجزات؛ فماذا رأينا من ذلك؟ نحن لدينا القرآن الكريم، وذلك الضمير الحيّ الذي يدفعنا للاعتقاد بالصانع الأوّل وخالق السماوات والأرض؛ فهذا ما نملكه فقط، وإلاّ، فنحن لم نر أيّة معجزة! وفي هذه الحالة، يأتي النبيّ، ويدعو الناس إلى الإيمان، فيقولون له: أنت مثل بقيّة الناس، فأظهر لنا معجزة! حسن جدًّا، فيأتيهم بمعجزة، فيصيرون "علي إلهيّين"! فما الذي علينا فعله في هكذا حالة؟ هذا، مع أنّنا نقول بأنّ الأمر لا يحتاج إلى معجزة؛ إذ يكفي أن تُحقّقوا بأنفسكم، وتطّلعوا على الأحكام، وتنظروا في آيات القرآن؛ فإن استطعتم أن تأتوا بمثلها، فافعلوا ذلك؛ لكن، حينما يُسلّمون بذلك، فإنّك تجدهم يقولون: «صحيح أنّ هذه معجزة، فإذا كنت صادقًا في قولك، فتعال، وتصرّف في الأمور التكوينيّة»؛ وحينئذ، يأتي النبيّ وأمير المؤمنين، ويُظهرون المعجزات للناس؛ وفي الوقت ذاته، يقولون: «لم نكن نحن من قام بذلك، فبأيّ لسان نتحدّث معكم؟! نحن نُقرّ لكم بأنّنا لم نكن السبب في هذا الأمر»؛ لكن، مع ذلك، يقول الناس: «لا، أنت هو الله!»؛ فما أعجبها من مصيبة! فإن لم يأتوا عليهم السلام بمعجزة، يُشكل عليهم، وإن أتوا بها، يطرحون عليهم إشكالاً آخر؛ فمتى سيتمكّن الإنسان من الاستقامة فكريًّا، لكي يُميّز بين الباطل والحقّ؛ فيضع الفواصل، ويقدر على تفريق الحقّ عن الباطل؟ فهذا هو الملاك بالنسبة للأحكام.

    1. سورة المائدة، الآية ۱۱٦.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

12
  • ومن هنا، يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}۱؛ أي: يا أيّها الرسول قل للناس: أدّوا كافّة أعمالكم لأجل الله تعالى وحسب، فينبغي أن تكون أفعالكم لله تعالى فقط وفقط، ولا يجب القيام بأيّ عمل للآخرين؛ فإن قام الرجل بعمل معيّن، فعليه أن يجعل الله تعالى محطًّا لنظره في هذا العمل، وليس لمجرّد إسعاد الزوجة والعائلة؛ لأنّه عزّ وجلّ هو الذي أمر بذلك.

  • رضا الله تعالى هو المحور الذي ينبغي أن تعتمد عليه العلاقات الأسريّة

  • فكما بيّنا في الجلسة السابقة، فإنّ حبّ الزوجة والأولاد من أهمّ المسائل التي حظيت بالاهتمام في النظام التربويّ الإسلاميّ، غير أنّ هذه المحبّة لا ينبغي أن تُشكّل سدًّا أمام عبادة الله تعالى؛ ففي الموضع الذي تنفصل فيه هذه المحبّة عن الرغبة في التكاليف وأدائها، وتُشكّل حائلاً أمام ذلك، لا ينبغي على الإنسان ترجيحها؛ وهذا هو معنى {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}. فالمرأة تُحبّ زوجها، وينبغي عليها أن تُحبّه، بل يجب أن يصل هذا الحبّ إلى أقصى درجة؛ لكن، لا يتعيّن في الوقت ذاته أن يُؤدّي ذلك إلى طاعة ذلك الزوج إذا أمرها بما يُخالف الشرع؛ لا، عليها أن ترفض؛ كما أنّه على الرجل أن يُحبّ زوجته، وإلى أقصى درجة، لكن، لا ينبغي أن يُفضي ذلك إلى الاستجابة لطلباتها التي تتعارض مع منهج الحقّ ومدرسته.. {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}؛ فكلّ شيء محفوظ في موضعه الخاصّ. فالمحبّة مطلوبة، ولا يجب أن يسود البيت الظلام؛ إذ إنّ الأسرة التي تفتقر إلى المحبّة تكتنفها الظلمة والكدورة، وتحلّ في بيتها الشياطين، وترحل عنه الملائكة؛ وهذا أمر محفوظ في مكانه الخاصّ؛ لكن، في الوقت ذاته، لا ينبغي لذلك أن يُؤدّي لتحوّل هذه المحبّة إلى سدّ يفصل الإنسان عن الله تعالى؛ فلا يجب أن يكون الأمر بهذا النحو؛ وهذا هو معنى: {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}.

  • ففي مثل هذه الظروف، يتمكّن كلّ من المرأة والرجل وأفراد الأسرة من الوصول إلى درجاتهم الكماليّة ومراتبهم الوجوديّة؛ ولهذا السبب، لا يجب أن تؤدّي عبادة الله تعالى والعمل بالتكاليف الإلهيّة إلى تخلّي الرجل عن شؤونه الحياتيّة؛ فهذا غلط! أو إلى عدم اعتنائه بزوجته، وعدم تحقيق حاجاتها، وتلبية تلك الطلبات الطبيعيّة التي تُريدها المرأة من الرجل؛ فهذا أمر خاطئ! وهذا هو معنى: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}۲؛ أي أن يأخذ الإنسان ببعض الموارد، ويُهمل موارد أخرى.

  • قيل لأمير المؤمنين: إنّ فلانًا اعتزل أهله وعياله، وذهب إلى البيداء، ومضى إلى جبل لكي يعبد الله تعالى هناك؛ فنادى عليه الإمام عليه السلام، وقال له: علينا أن نقرأ الأذان في أذنك، فقد ارتددت عن الإسلام! أيُّ إلهٍ، وأيّ رسول أمراك بأن تتخلّى عن زوجتك وأولادك، وتذهب إلى عبادة الله تعالى؟! إنّ ذلك الإله الذي تُريد أن تعبده خارج المنزل ليس إلهًا حقيقيًّا، بل هو من مخترعاتك الذهنيّة؛ فالإله [الحقيقيّ] هو الذي يقول لك: ابق في بيتك، واهتمّ

    1. سورة سبأ، الآية ٤٦.
    2. سورة النساء، الآية ۱۵۰.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

13
  • بزوجتك وأولادك، واسع إلى تلبية طلباتهم الإيجابيّة، واعبدني في ذلك المكان بعينه؛ فهذا هو الإله، وليس ذلك الإله الزائف والمختلق، وذلك الإله الذي يفصل الإنسان عن شؤونه الاجتماعية والعائليّة والحياتيّة؛ فهذا ليس إلهًا، بل هو وليد للفكر وحسب، والعبادة التي تُؤدّي لهكذا إله هي عبادة لذاتك ونفسك وخيالاتك أنت، وليست عبادة لله؛ فهو تعالى يقول: «القول قولي أنا»، وأنت تقول: «القول هو ما أعتقد به أنا»؛ وهذا أمران اثنان؛ وهو تعالى يقول: عليك إبراز الاحترام لزوجتك، وتلبية طلباتها الشرعيّة، وعدم الاستهزاء بها إذا طلبت منك حاجة شرعيّة؛ فلا ينبغي عليك أن تُطفئ فيها روح الإيمان عوضًا عن تنميتها، وتُغلق أبواب كمالها عن طريق أفكارك العامّية والجاهلة، وتُهدّم تلك المسائل التي يُمكنها أن تسوقها إلى هذا الطريق، استنادًا إلى أذواقك الخاصّة؛ فهذه الأمور سنُحاسب عليها غدًا يوم القيامة. سمعت البعض يقول في رسائل بعثوها إليّ وفي ضمن كلامهم: يا سيّدي، يحلّ علينا ضيف من الرجال، فأضع العباءة على رأسي، وأذهب إلى غرفة أخرى، لكنّ زوجي يفرض عليّ أن آتي، وأقف للسلام على الضيف، بل ومصافحته! جزاك الله خيرًا! يا للعجب! أ هذه هي شريعة النبيّ؟! فإذا كانت المرأة بنفسها تُريد أن تُحافظ على عفّتها، هل يجوز لنا أنا وأنت أن نمنعها من ذلك؟! فإن كانت بذاتها تسعى لصون نفسها، هل يجوز لنا أن نقف بوجهها؟ قومي، وتعالي للتحدّث مع ابن عمّك، ومع ابن خالتك! سلمت يداك، وجزاك الله خيرًا! فبدلاً عن أن نحثّها على هذا الطريق، فإنّنا نأتي، وندفعها للسير في الطريق المخالف، مع أنّها قد جاءت بنفسها، وتوصّلت إلى الطريق [الصحيح]، وصارت نفسُها ترضخ لتلك الحقائق! إنّ الله تعالى سيُحاسبنا غدًا حسابًا عسيرًا جدًّا.

  • فهذه هي المسائل التي استنبطناها من الواقع، ووضعناها بين أيدي الأخوة والرفقاء، وما استنتجناه من النصوص الأصيلة للروايات، من دون تدخّل الأفكار الجاهلة والتخيّلات العامّية والألاعيب السياسيّة والمصالح الدنيويّة، وإلاّ، فإنّنا نعلم بالأمور الأخرى، شأننا في ذلك شأن بقيّة الناس، ولسنا أقلّ منهم في ذلك؛ فالذين يقولون بهذه المسائل عاشوا هم أيضًا وسط نفس المجتمع، ولعلّهم كانوا يخوضون في المسائل الاجتماعيّة أكثر من أولئك المدّعين، لكن، مع ذلك، فإنّ تلك الأمور باطلة وخاطئة.

  • بعث إليّ أحدهم برسالة من أمريكا، وانتبهوا، فقد كانت امرأة يهوديّة، ووجّهت إليّ مجموعة من الأسئلة من ضمنها: اعتقادي فيما يختصّ بشؤون المرأة وسعادتها هو كالآتي، وانظروا هل هو صحيح أم لا: «أعتقد أنّ سعادة المرأة تكمن في أن تنظر إلى ما يأمرها به زوجها، فترضخ له، ولو كان يتعارض مع نفسها».. تفضّلوا! فهذه امرأة يهوديّة، وذات مستوى علميّ عالٍ، وطبيبة، ومتخصّصة في عدّة فروع طبّية، وتُفكّر بهذا النحو. فقلت لها: أريد أن أسألك: مع كلّ هذه التخصّصات التي لديك ـ تخصّصان أو ثلاثة تخصّصات طبّية ـ، وهذه المشقّات التي تحمّلتيها، لو جاء زوجك، وقال لك الآن: «اجلسي في البيت، وانهمكي في تربية أبنائك»، حيث كان لها ابنان: ولد وبنت، هل ستفعلين ذلك؟ قالت: سأتخلّى عن كافّة أعمالي مباشرة! قلت

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

14
  • لها: ما شاء الله! من قال إنّك يهوديّة؟! أنت مسلمة، ونحن اليهود الذين نتخلّى عمّا نسمعه من أئمّتنا، ونقول: حتّى إن جاء الإمام، وأمرنا بذلك، فإنّنا لن نقبل منه!

  • فهذا هو المراد من قولنا إنّ الأحكام الإسلاميّة مستندة إلى الفطرة؛ فتلك المرأة اليهوديّة تمتلك الآن فطرة، وهي غير مطّلعة على أحكام الأئمّة، لكنّها حينما تنظر إلى فطرتها، فإنّها ترى بأنّ الأمر ليس بذلك النحو؛ ومع أنّها جالت في كلّ مكان، ووصلت إلى مواضع لم يتمكّن العديد منّا من الوصول إليها، إلاّ أنّها استطاعت التوصّل إلى هذه المسألة، وقالت: «أرى سعادتي في الرضوخ لكلّ ما يأمرني به زوجي، وفي تربية أبنائي؛ لأنّهم هم الذين يحظون بالأهمّية، فهم الذين سيأتون إلى المجتمع في المستقبل»؛ ولاحظوا فإنّ هذا الأمر هو عين ما تتحدّث عنه الروايات؛ ومن هنا، نكتشف أنّ هذه الروايات لم تأت بأمر مخالف، بل جاءت، وطرحت المتطلّبات الإنسانيّة الفطريّة، وتحدّثت عن الحاجات الواقعيّة؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ أمثال [هذه القصص] ليست واحدة أو إثنتين فقط.

  • لا ينبغي علينا أن نقوم بأعمال في مجال المحيط العائليّ تُؤدّي إلى إغلاق أبواب الكمال الدينيّ في وجوه أفرادها؛ فهذه مسألة بالغة الأهمّية؛ وعلى المرأة أيضًا أن تنتبه لكيلا يُفضي انهماكُها في المسائل العباديّة إلى حجزها عن الخوض في الشؤون الحياتيّة الأخرى؛ فالعبادة التي تُؤدّيها المرأة ينبغي أن تكون في طريق طاعة الله تعالى، وإلاّ، لن تنتج عنها ثمرة كبيرة؛ ومن هنا، حينما تقرأ القرآن الكريم، عليها أن تعلم لأجل من تقرؤه، وحينما تُصلّي النافلة، عليها أن تعلم لأجل من تُصلّيها؛ فإذا قال لها زوجها: «دعي النافلة الآن، واذهبي لإعداد الطعام الكذائيّ!»، عليها أن تذهب لتهيئة ذلك الطعام، وتترك النافلة، أو تُصلّيها في نفسها أثناء الطريق، أو حين طبخها للطعام، حيث ستحصل في هذه الحالة على نفس الثواب الذي كانت ستحصل عليه إن صلّت واقفةً؛ وهل سيمتنع الله عن القبول؟! بل إنّه تعالى يقول: إذا كانت صلاتك لأجلي، فأنا بذاتي أقول لك: أدّي ذلك العمل.

  • المدار في طاعة الزوجة للزوج هو أداء التكليف الإلهيّ

  • فبمقدور الزوج أن ينهى زوجته عن أداء المستحبّات؛ كأن ترغب المرأة في الصوم تطوّعًا، حيث يُمكنه أن يقول لها: لا تصومي؛ فلا ينبغي عليها حينئذ الصوم، وصيامها غير جائز، ولا يُمكنها أداؤه. وفي هذه الحالة، يوجد بعض الناس ـ وهم غير متواجدين بيننا إن شاء الله تعالى ـ يُريدون العمل بمقتضى آرائهم وأذواقهم ومناهجهم الخاصّة، لكن، حينما يرون أنّهم غير قادرين على الاستجابة لنداء ضميرهم، فكيف يتنصّلون من مسألة التمرّد على الأحكام الإلهيّة؟ من خلال إظهار الميل للعبادات؛ لا يا عزيزي! إنّ هذا الطريق الذي الذي تسلكه ينتهي بك إلى موضع مغاير؛ و"أنا أخشى ألاّ تصل إلى الكعبة أيّها الأعرابيّ".

    1. صدر بيت شعريّ فارسيّ للشاعر سعدي الشيرازيّ. المعرّب

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

15
  • فالرجل يقول: «لا تقومي بهذا العمل [النافلة مثلاً]، بل قومي بذلك العمل»؛ لكنّها، ولكي تعمل بما يتوافق مع مرادها، ولكي تُريح نفسها، تنهمك في أداء النوافل، وتُؤدّي الصلاة بعد الصلاة، والزيارة للحرم بعد الزيارة، والقراءة للقرآن بعد القراءة؛ لا، فكافّة هذه الأمور تقع في طريق النفس؛ وهذا بالضبط مثل الحكم الذي لدينا في الحجّ بأن يحترز الرجل عن تغطية رأسه حين الإحرام، وألاّ يستظلّ أثناء المسير تحت أيّ سقف في النهار، حيث لا ينبغي أن تكون وسيلة النقل متوفّرة على سقف، كما أنّه من الواجب عليه ألاّ يضع شيئًا على رأسه أثناء الإحرام؛ وأمّا بالنسبة للنساء، فينبغي عليهنّ عدم تغطية الوجه؛ لكن، نجد بعض المتنطّعات في الدين يصنعن شيئًا يضعنه أمام وجوههنّ، ثمّ يغطّينه بثوب، ويقلن: لقد أمرنا الله تعالى بعدم تغطية الوجه، ولم يأمرنا بألاّ نضع شيئًا أمامه! حسن جدًّا، لقد كان بمقدوره تعالى أن يقول: ضعي شيئًا أمام وجهك! وحينما قال الرسول: ينبغي أن يكون وجه المرأة مكشوفًا، فإنّ ذلك يعني أنّه عليك الاحتراز عن وضع الستار، ولا ينبغي أن يكون هناك شيء أمام الوجه؛ لكن في هذه الأثناء، تنتاب هؤلاء حالة من القداسة [الزائفة]، فيقلن: «ماذا؟ كيف يُمكن لغير المحارم أن يروننا؟»؛ الواجب عليكِ أنتِ ألاّ تُغطين وجّهكِ، والواجب على غير المحرم ألاّ ينظر إليك؛ وحتّى إذا أردتِ ألاّ ينظر إليك، فعليك أن تنحني برأسك إلى الأسفل، لا أن تُغطّي وجهك، وإلاّ سيكون ذلك من باب التدخّل [في الأحكام].

  • لقد كان الإمام الحسين عليه السلام مظهرًا للغيرة والإباء والتديّن؛ ومع ذلك، فقد رضي بأسر الأعداء لزوجته وأبنائه بعد مقتله؛ أ ولم يكن الإمام الحسين مطّلعًا على ذلك؟ أ ولم يروا وجه السيّدة زينب في مجلسي يزيد وابن زياد؟ أ ولم يراها أولئك الناس بعينهم؟ أ ولم يرونها في الكوفة؟ وهل كان الإمام الحسين غير مطّلع على ذلك؟ فلماذا إذن جاء بزوجته وأولاده من المدينة، مع أنّه كان عالمًا بالذي سيحدث؟ لأنّه كان يرى أنّ التكليف الإلهيّ يقتضي ألاّ يستخدم الغيرة.. {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}؛ فالعمل ينبغي أن يكون لله تعالى؛ ولهذا، حينما يقول: استري [وجهك]، عليك أن تستريه، وحينما يقول: اتركيه مكشوفًا، عليك أن تتركيه كذلك؛ فلكلّ شيء موضعه الخاصّ؛ وفي هذه الحالة، سيصير ذلك: {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ} وسيضحى ذلك الحجّ مرضيًّا لله تعالى، وعين ذلك الحجّ الذي أدّاه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام؛ ومن هنا، ينبغي أن يكون العمل الذي نُؤدّيه لأجل الله تعالى، وليس معتمدًا على التخيّلات، والبرامج المختلقة وغير الواقعيّة، والأذواق الشخصيّة، والاستنتاجات الفرديّة؛ لا، علينا أن نمتثل لما يأمرنا تعالى به.

  • وفيما يخصّ العلاقة بين المرأة والرجل، فإنّ المسألة هي بهذا النحو أيضًا، حيث لا ينبغي أن يكون لسان حال المرأة حين طاعتها للرجل بالشكل الآتي: «أنا الآن تحت سلطة الرجل، ولا حيلة له في الأمر»، أو: «أيّ حكمٍ هذا يفرِض عليّ أن أطيعه؟!»؛ فالسبب وراء ذلك كلّه أنّنا ننظر إلى المسائل من تحت إلى فوق؛ أي أنّنا ننظر إلى الرجل، وإلى أوامره، ولا ننظر إلى الذي أراد أن يجري أمرُه ونهيُه من خلال هذا الطريق، ولا نرى تلك اليد الغيبيّة التي تقول من خلف الستار: إنّ تكليف هذا يقتضي القيام بهذا الأمر، وتكليف هذه يقتضي القيام بذلك

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

16
  • الأمر، بل نظرنا يقتصر فقط على تقييم هذه العلاقات الظاهريّة القائمة بيننا اعتمادًا على آرائنا الخاصّة، والمصالح المستنبطة من أفكارنا الخاطئة؛ ولهذا، تجدنا نقول: «لا، ما المشكلة في القول بضرورة طاعة الرجل للمرأة؟ ومن قال: إنّه يجب على المرأة أن تُطيع الرجل وحسب؟ وما الضير في أن تُعارض المرأة الرجل؟ كأن ينهاها الرجل عن الخروج من المنزل، فلا تُطيعه، وأين تذهب؟ تذهب إلى المسجد»؛ ستكون مخطئة إن ذهبت إلى المسجد! وعسى هذا المسجد أن يسقط على رأسها! فحينما يقول الرجل: أنا لا أرضى أن تذهبي إلى المسجد، فإنّ الذهاب إليه سيكون محرّمًا عليها، كما يحرم عليها الذهاب إلى بقيّة الأمكنة المحرّمة؛ وحينما يقول الرجل لزوجته: أنا لست راضٍ باستدعائك للضيف الفلانيّ إلى البيت، فإنّ استدعاء هذا الضيف سيكون محرّمًا؛ ومتى ما شعرت المرأة بأنّ الرجل غير راضٍ عن مشاركتها في إحدى المجالس، فإنّ ذهابها إليه سيكون حرامًا، ولا هزل في الأمر!

  • ففي الليلة السابقة، اتّصلت بي امرأة من إحدى المدن، وقالت لي: «يا سيّدي، إنّ زوجي لا يقول لي إنّه غير راضٍ عن حضور الجلسة الكذائيّة»؛ وماذا كانت هذه الجلسة؟ هل كانت جلسة للرقص؟ هل كانت جلسة لشرب الخمر؟ لا، كانت جلسة للدعاء والذكر وقراءة القرآن، وقالت: «إنّ زوجي لا ينهاني عن الحضور، لكنّني أعلم أنّه غير راضٍ قلبيًّا عن حضوري هناك»، فقلت لها: لا يجوز لك المشاركة في هذه الجلسة، فاجلسي في بيتك، وسيمنحك الله تعالى ثواب هذه المشاركة، وإذا لم يمنحك إيّاه، أمسكي غدًا يوم القيامة بـ «فستاني»۱، غير أنّه لا يوجد لديّ فستان! فأمسكي بتلابيبي؛ هذا، مع أنّنا لا نعلم ما الذي سيحصل في ذلك العالم! إذ إنّ كلّ شيء محتمل هناك! وعلى حدّ قول المرحوم العلاّمة: في يوم القيامة، سيقف العديد من هؤلاء اليهود والنصارى في صفّ شيعة أمير المؤمنين، وسيقف العديد من الشيعة [المدّعين] في صفوف أخرى منفصلة عن أمير المؤمنين؛ فكلّ شيء محتمل، ونحن لا نعلم. فقلت لها: تعالي يوم القيامة، وأوقفيني، وقولي لي: لقد منعتني عن الحصول على ذلك الفيض؛ وحينئذ، أنا أعرف بيني وبين الله تعالى كيف سأجيبك؛ فلأجل من نعمل نحن؟ ولأجل من نقوم بالعبادة؟ ولأجل من نُريد أن نؤدّي أعمالنا؟

  • طلبت منّي إحدى النساء موعدًا للقاء لأجل طرح بعض الأسئلة، وكانت امرأة فاضلة جدًّا، وتمتلك حالات جيّدة، فأعطيتها موعدًا بعد شهر، لكي تلتقي بي لمدّة نصف ساعة، فتأتي إلى قم، وتطرح ما لديها من إشكالات؛ وفي ليلة الموعد، اتّصلت بي هاتفيًّا، وقالت إنّ زوجها في سفر، ولم تستطع أن تتّصل به، وتستأذن منه للمجيء إلى قمّ؛ فقلت لها: لا يجوز لك المجيء. لاحظوا كم هي مسألة مهمّة! فقد أخذت موعدًا قبل شهر للمجيء في ذلك اليوم، وللقاء يدوم نصف ساعة؛ ثمّ نجدها تقول: بما أنّ زوجي غائب، ولا أستطيع الاتّصال به، فماذا عليّ أن أفعل؟

    1. معادل (أمسك بتلابيبه) في اللغة الفارسيّة هو: (دامنش گرفت)، وترجمتها الحرفيّة هي: أمسك بتنّورته أو فستانه؛ واستعمل هنا سماحة السيّد رضوان الله تعالى عليه هذا المعنى الحرفيّ من باب المزاح. المترجم

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

17
  • لأنّني عادةً آخذ الإذن من زوجي عند الخروج من البيت؛ فقلت لها: أحسنتِ، عملك صائب، ولا ينبغي عليك المجيء، وحينما يرجع زوجك من السفر، سأعيّن لك فرصةً أخرى للقاء؛ هذا، مع أنّه كان بوسعي أن أقول لها: لا، وما الضير في ذلك؟! فهذا الأمر قد عفا عليه الزمان، وهذه المسائل تعود إلى ألف وأربعمائة سنة قبل، وهذا الكلام أكل عليه الدهر وشرب؛ فهذا العصر هو عصر الذرّة، وعصر، عصر ...، حيث إنّنا خبراء بمثل هذه الكلمات! لكن، إن قلت لها: «تعالي، فلا يوجد أيّ إشكال»، لخُنتها، وخُنت المدرسة، وخُنت الله تعالى ورسوله؛ هذه هي حقيقة الأمر.

  • ثواب المرأة المطيعة لزوجها وقصّة وافدة النساء إلى الرسول صلّى الله عليه آله وسلّم

  • في الكتاب الشريف «رسالة بديعة»۱، أورد المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه روايات عن العلاقة بين المرأة والرجل، وسأكتفي هنا بنقل رواية واحدة؛ لأنّ الوقت قد انتهى تقريبًا، على أن نترك تتمّة بقيّة الكلام للجلسة اللاحقة إن شاء الله تعالى.

  • ففي السنن الكبرى للبيهقي، جاء عن أسماء بنت يزيد الأنصاريّة: «أنَّها أتت النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وهو بين أصحابه؛ فَقَالَت: بِأبِي أنتَ وأمِّي، إنِّي وافِدَةُ النِّساءِ إلَيكَ؛ وَاعلَم نَفسِي لكَ الفِدَاءُ أنَّهُ مَا مِنِ امرَأةٍ كائِنَةٍ في شَرقٍ ولَا غَربٍ سَمِعَت لِمَخرَجي هَذَا إلَّا وهَي على مِثلِ رَأيي»؛ ففي يوم من الأيّام، أتت أسماء بنت يزيد الأنصاريّة إلى الرسول، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم جالسًا بين أصحابه، فالتفتت إليه، وقالت: أبي وأمّي فداء لك يا رسول الله، أنا مبعوثة إليك من قبل نساء المدينة، فقد أرسلوني إليك حتّى أبلغك رسالتهنّ، «وَاعلَم نَفسِى لكَ الفِدَاءُ أنَّهُ مَا مِنِ امرَأةٍ كائِنَةٍ في شَرقٍ ولَا غَربٍ»؛ وبحقّ، فإنّ الأمر كذلك؛ أي: لا توجد أيّة امرأة في شرق العالم ولا غربه، وتسمع بهدفي ومجيئي إليك، إلاّ قبلت رأيي؛ فلو سمع كافّة نساء العالم مسألتي، لقبلوا بها. «إنَّ اللهَ بَعَثَكَ بِالحَق الَى الرِّجَال والنِّسَاء»؛ يا للعجب، وبحقّ، إنّها امرأة بليغة جدًّا، وخطيبة مفوّهة، وذات فهم عالٍ؛ فهي تقول: لقد أرسلك الله تعالى بالحقّ إلى الرجاال والنساء؛ وقولها «بالحقّ» يحمل معنىً كبيرًا؛ فهي لم تقل: «إنّ الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء»، وحسب، بل تقول: بعثك بالحقّ؛ أي: إنّنا نعلم أنّك على حقّ، وأنّك مختلف عن بقيّة الناس؛ فإذا كنت بُعثت بالحقّ إلى الرجال، فقد بُعثت إلى النساء بالحقّ أيضًا، من دون وجود أيّ فارق في هذه المسألة؛ وقد قبلنا بك لأنّك حقّ، وليس لأنّك فرد من أفراد الإنسان؛ بِالحَق بَعَثَكَ، ولهذا السبب، جئنا إليك، «فآمَنَّا بِك»؛ لأنّنا رأيناك على الحقّ، و«بِالهكَ الَّذِي أرسَلَك».

  • «وَإنَّا مَعشَرَ النِّسَاء مَحصُوراتٌ مَقصُوراتٌ، قَواعِدُ بُيوتِكُم، وَمَقضَى شَهَواتِكُم، وَحَامِلاتُ أولادِكُم»؛ فنحن النساء مستقرّنا هو المنزل، ونأتمر بأوامركم وننتهي بنواهيكم أيّها الرجال، ونقضي شهواتكم ونُلبّيها، ونُربّي أولادكم؛ «وَإنَّكُم مَعَاشِرَ الرِّجَال فُضِّلتُم عَلَينَا بِالجُمعَة وَالجَماعَات وَعِيادَة المَرضَى وشُهودِ الجَنَائِز وَالحَجِّ بَعدَ الحَجّ»؛ فقد رُجّحتم أنتم الرجال علينا أوّلاً بحضور

    1. رسالة بديعة في تفسير آية: الرجال قوّامون على النساء. المعرّب

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

18
  • صلاة الجمعة، لأنّ هذه الصلاة غير واجبة على النساء، بل مكروهة بالنسبة إليهم: «لَيسَ عَلَى النِّسَاء جُمعَةٌ ولَا جَمَاعَة»؛ فلا ينبغي عليهنّ المشاركة في صلاة الجمعة، خلافًا للرجال، «وَالجَماعَات وَعِيادَة المَرضَى»؛ فأنتم تذهبون لعيادة المرضى، ونحن لا نذهب، بل نبقى جالسات في بيوتنا؛ وأنتم أيضًا تحضُرون الجنائز، وتُشيّعونها، بينما لا ينبغي علينا المشاركة في هذا التشييع؛ إذ يُكره على النساء تشييع الجنائز؛ «وَالحَجِّ بَعدَ الحَجّ»، فتذهبون إلى الحجّ كلّ سنة، بينما يجب علينا الذهاب نحن مرّة واحدة، وأمّا في بقيّة السنوات، فيُستبعد كثيرًا أن تتمكّن المرأة ...؛ أجل، الأمر يختلف الآن، لكن، في السابق، كنّ لا يستطعن الذهاب [كثيرًا]، وكانت أيديهنّ قاصرة عن السفر للحجّ، بخلاف الرجال الذين بوسعهم الحجّ كلّ سنة؛ «وأفضَلَ مِن ذلِكَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله»؛ فلو غضضنا النظر عن كافّة تلك الأمور، فإنّ فضيلة الجهاد في سبيل الله تعالى أعلى، ونحن محرومون منها؛ «وإنَّ الرّجُلَ مِنكُم إذا خَرَجَ حَاجًّا او مُعتَمِرًا أو مُرَابِطًا حَفِظنَا لَكُم أموالَكُم، وغَزَلنَا أَثوَابَكُم، ورَبَّينَا لَكُم أموَالَكُم»؛ فنغزل أثوابكم، وننسجها ونخيطها، ونحفظ أموالكم، وننفقها في ما يصبّ في مصلحتكم.

  • «فَما نُشَارِكُكُم فى الأجرِ يا رَسُولَ الله؟»؛ فبالنظر إلى هذه التفضيلات والترجيحات التي منحكم الله تعالى إيّاها أيّها الرجال، فما هو الثواب الذي أشركنا اللهُ تعالى فيه معكم؟ فلسان حالها يقول: في الحقيقة، لقد وهبكم الله تعالى كلّ شيء، فتذهبون إلى الحجّ بعد الحجّ، وتشاركون في تشييع الجنائز، مع ما لذلك من ثواب عظيم، وتعودون المرضى، وتخرجون لأداء صلاة الجمعة، وتُجاهدون في سبيل الله تعالى؛ وهو عمل له درجة عالية حقًّا؛ فالله تعالى منحكم أعلى مرتبة كماليّة؛ أي مرتبة {أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}۲؛ ومن هنا، ما الذي علينا فعلُه في هذه الأثناء؟ انظروا، فمن الواضح أنّه لو كان الجهاد واجبًا على النساء، لقامت به هذه المرأة؛ لأنّنا نجدها هنا تغبط الرجال، وتُبرز حسرتها على ذهابهم للجهاد واستشهادهم؛ وهذه مسألة عجيبة، وعلينا التفكير والتأمّل فيها.

  • لاحظوا، فإنّ هذه المرأة تنظر إلى المسألة من تلك الناحية؛ أي أنّها تنظر إليها بنظرة الآخرة والسعادة، فترى نفسها محرومة من ذلك؛ ولهذا، جاءت عند رسول الله، وقالت له: لقد آمنّا بك، وأعطيتَ كلّ هذا الثواب إلى الرجال، فما الذي ينالنا نحن النساء من ذلك؟ فهي لم تقل له هنا: «أنتم تذهبون إلى الجهاد، ونحن ولله الحمد نجلس في البيوت، ولا نلمس الأسلحة والبنادق! وأنتم تحضرون الجنائز، ونحن لا نحضرها، فلا يمسّنا حرّ الشمس! وأنتم تُؤدّون صلاة الجمعة، ونحن نبقى قاعدات في المنازل، فلا نحتاج إلى الذهاب، والسير، وبذل الجهد والمشقّة!»، بل إنّنا نجدها تحسّ بالغبن والخسارة تجاه هذه المسائل؛ وبالنظر إلى هذا الأمر، فإنّها تسأل رسول الله: إذن، ما هو نصيبنا من كلّ ذلك؟ «فالتفت النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِه وَسَلَّم إلَى أصحَابِهِ بِوَجههِ

    1. الخصال، ج ۲، ص ۵۱۱.
    2. سورة آل عمران، الآية ۱٦٩.

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

19
  • كلِّه»، ونظر إليهم بأجمعهم، ثمّ قال: «هَل سَمِعتُم مَقَالَةَ امرَأةٍ قَطُّ أَحسَنَ مِن مَسأَلَتِهَا فِى أَمرِ دِينِهَا مِن هَذِهِ؟»؛ أي: هل سمعتم لحدّ الآن امرأة تتكلّم بمثل ما تكلّمت به هذه المرأة، وتتحدّث عن دينها بنحو بليغ وتامّ وكامل كهذه؟ «فَقالَوا: يا رَسُول الله مَا ظَنَنَّا أنَّ امرَأةً تَهتَدِي إلى مِثلِ هَذَا»، قالوا: لم يخطر على بالنا بتاتًا أن تأتي امرأة، وتتفوّه بمثل هذا الكلام، ولم نتصوّر أبدًا أن تجيء امرأة، وتجعل المسائل الأخرويّة هدفها الوحيد في علاقاتها. «فالتفت النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِه وسَلَّم إلَيها، ثمّ قال لها: انصَرِفِي أَيَّتُهَا المَرأة»، ارجعي أيّتها المرأة إلى صاحباتك، «وَأَعلِمِي مَن خَلَّفَكِ مِنَ النِّسَاء أَنَّ حُسنَ تَبَعُّلِ إحدَاكُنَّ لِزَوجِهَا»؛ فقيام إحداكنّ بالشؤون الزوجيّة تجاه زوجها على أحسن وجه، «وَطَلَبَهَا مَرضَاتَه» في كلّ حال، «وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَه» في كلّ حال «يعدِلُ ذَلِكَ كُلَّه»؛ أي يُضاهي ثواب جميع تلك الأعمال التي عدّدتيها.

  • وفي هذه الحالة، ألا يحقّ لنا نحن [الرجال] هنا أن نقول: يا إلهي، لماذا انحزت إلى جانب النساء!!! ما هذا؟! نذهب، ونُقتل... مع أنّه لم يُكتب لنا ذلك إلى الآن، فلنفرض أنّه سيحصل إن شاء الله، فنذهب، ونُقتل، ونؤدّي كلّ تلك الأعمال، بينما النساء جالسات في البيوت، ومع ذلك يحظين بكلّ الثواب!! على كلّ حال، نحن لا نتبنّى هنا هذا الإشكال.

  • «فَأَدبَرَتِ المَرأة، وَهِي تُهَلِّلُ وتُكبِّرُ استِبشَارًا»؛ فأدارت المرأة ظهرها لرسول الله [أي رجعت]، وهي تقول: «لا إله إلاّ الله، والله أكبر»، بسبب البشرى التي منحها إيّاها رسول الله، مع أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يمنح البُشْرَيات هكذا ومن دون علّة.

  • وقد خطرت الآن على بالي مسألة أذكرها للرفقاء، ثمّ أترك تتمّة المسائل للجلسة اللاحقة إن شاء الله تعالى، حتّى لا أتُعبهم أكثر من هذا الحدّ؛ فذات يوم، حكى لي أحد الرفقاء قصّة، فقال: في ذلك السفر الذي ذهبت فيه إلى الحجّ، بقيت زوجتي مع الأولاد بطبيعة الحال في البيت، فكان هؤلاء الأولاد يُثيرون الشغب، ويُزعجون تلك الزوجة؛ وحينما رجعت من الحجّ، قالت زوجتي: ذات ليلة، عندما كنت في الحجّ، انكسر قلبي كثيرًا، وقلت مع نفسي: لقد ذهب هو الآن إلى عرفات، ومنى، ومكّة، ويطوف بالمدينة؛ فيا له من نصيب قدّره الله تعالى له! بينما أنا الآن جالسة أضرب على رأسي، حيث عليّ أن أراقب الأولاد، وأعتني بهم، وأحرص على ذهابهم للمدرسة، وإعداد الطعام لهم بالبيت؛ فأيّ تقدير هذا حصل هنا؟! وقالت: لقد شغلت هذه المسألة ذهني طوال اليوم، وفي الليل، رأيت المرحوم العلاّمة في المنام، فقال لي: هكذا إذن! لقد كنت اليوم تشتكين وتتبرّمين من زوجك! اعلمي أنّك ببقائك في البيت، وحسن تربيتك لهؤلاء الأولاد، والمحافظة عليهم، إلى أن يأتي زوجك، فإنّهم سيُدوّنون في كتاب أعمالك ثواب كافّة ثواب حجّ زوجك.

  • يا للعجب! فالمسألة هي بهذا النحو؛ لماذا؟ لأنّ الأمر ليس بأيدينا، بل بأيدي غيرنا، والقانون يُشرَّع من قِبل غيرنا، والمقنّن قال: لقد أوجبت الحجّ على زوجك، وعيّنت لكِ أنت هذا الأمر: أن تبقي في المنزل، وتُديري شؤون الأولاد، وتعمدي إلى تربيتهم؛ وإذا كنت حزينة على

الملاك العامّ لطاعة المرأة لزوجها

20
  • عدم حصولك على الثواب، فإنّ الثواب بيدي أنا؛ وتفضّلي: هذا هو الثواب، فما الذي تُريدينه بعدُ؟ وهذا ليس من باب المزاح!

  • في الجلسة القادمة إن شاء الله تعالى، سنتحدّث في حضور الرفقاء عن هذه المسألة أكثر.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد