/ ۱٩
  • fullscreen

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۸٤

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على سيّدنا ونبينا أبي القاسم

  • محمّدٍ (اللهم صل على محمد وآل محمد)

  • وعلى أهل بيته الطّاهرينَ

  • واللعنة على أعدائِهم أجمعين إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام بعد العبارة السابقة: "وَجُملَةُ اشتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ اللَه تَعَالَى بِهِ وَ نهَاهُ عَنه".

  • لكي يصل العبد إلى مقام العبودية ويتحقّق بهذا المعنى في وجوده واتصاله سرّه ونفسه بذات الباري تعالى؛ بحيث لا يعود فيه أي نوع من شائبة الكثرة والأنانية والنفسانية، وتضمحلّ تمام زوايا التعلّق في وجوده.. لا بد أن يكون تمام اشتغاله والأعمال التي يقوم بها منحصرة بما أمره الله به والانتهاء عما نهاه عنه.

  • امتثال التكليف للوصول إلى الكمال

  • عبارة جملة اشتغاله؛ يعني بأن تكون جميع أعماله وتمام أموره وبرامجه كلها لله، وكلمة (جملة) تعني أن لا يترك شيئاً إلا ويكون لله، لا أن يكون بعضه عمله كذلك والبعض الآخر لا، وإلا فلن يكون جملة اشتغاله. فعبارة بالجملة تعني الجميع، يعني جميع أموره ينبغي أن تهدف إلى هذه المسألة، وهذه العبارة غنية جداً، فالإمام لم يقل بأنّ أعماله مطابقة لرضا الله، فهذه العبارة عاديّة والجميع يستعملها ويقولون: ينبغي أن تكون أعماله مطابقة لرضا الله ومرضية له وممضاة من قبله، وأن تكون حياته قائمة على أساس التكليف.. فهذه العبارات يمكنها أن توصل المعنى، لكنّها لا تؤدّي ما يريده الإمام عليه السلام من التأكيد في كلامه.

  • والإمام عليه السلام بهذه العبارة التي ذكرها يبيّن ذاك التأكيد أيضاً فيقول: "وجملة اشتغاله"، أي جميع مسائله وبرامجه وأموره ينبغي أن تكون كذلك.

  • حسناً، لماذا ينبغي أن تكون كذلك؟ لماذا ينبغي على الإنسان ـ لكي يصل إلى مقام العبودية والتي هي أعلى مراتب المعرفة والكمال الإنساني كما أشرنا إليه مراراً ـ أن يجعل جميع أموره طبقاً لرضا الله، وأن يعمل بما هو مأمور به ويترك ما هو منهيّ عنه. لماذا عليه أن يكون كذلك؟ لماذا يحمّلنا الله هذا الحمل؟ ولماذا يضيّق علينا هكذا؟ حيث نسمع الآن من يقول لماذا جعلنا الله تعالى في هذه المضيقة؟ ولماذا ينبغي أن نكون كذلك؟ لماذا لا يترك لنا الاختيار؟ لماذا لا يكون الإنسان حراً في فعله وحياته؟ بأن يكون حراً في كل أموره وفي كل مسائله؛ في فكره وعمله، ولماذا يسلب الاختيار من الإنسان؟ لماذا يقول الإمام الصادق بأنّ جميع حياتك وبرنامجك لله، لا بعض أعمالك، أو في بعض أيامك، أو عندما تسمح نفسك بالعمل لله تعمل، وإن لم تسمح تعمل ما يحلو لك؟ ما هو السر في هذه المسألة؟ ولماذا كل هذا التأكيد من

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

3
  • الإمام؟ وعلى أي أساس هو؟ وإذا لم نعمل بذلك فما الذي يمكن أن يحصل، وما الذي يمكن أن نخسره؟ وبطبيعة الحال فهذه التساؤلات كانت مطروحة سابقاً، ولا زالت تطرح الآن أيضاً!

  • يمكننا أن ندرس عبارة الإمام عليه السلام من جهات مختلفة، ويمكن التدقيق فيها من كافة جوانبها، وسوف نشرع شيئاً فشيئاً بذلك لنصل إلى تلك النقاط الدقيقة واللطيفة في الجلسات اللاحقة.

  • المدار في فعل الواجبات وترك المحرّمات هو الله تعالى

  • يقول الإمام عليه السلام بأنّ على الإنسان أن يلتفت فيما يقوم به إلى الواجبات التي تأتيه من قبل الله تعالى، وعليه أن يلتفت فيما يمتنع عنه أن يكون المنع من قبل الله. وهاتان المسألتان هما أساس حياة من يريد الوصول إلى الكمال، لا أي إنسان. فلدينا في العالم خمسة مليار إنسان لا يسْعون إلى هذا الأمر أساساً، لكن من يريد الوصول إلى مرتبة الكمال والمعرفة ـ وكلامنا في هذه الحالة فقط ـ نقول بأنّ هؤلاء عليهم أن يتلقّوا أوامرهم ونواهيهم من مكان آخر. فهل هؤلاء ليس لديهم عقل وفكر؟ حتماً لديهم عقل كسائر الناس، بل عقلهم أعلى. وهل هؤلاء ليس لديهم إحساس بالسعادة والألم؟ حتماً يشعرون، بل قد يكونوا أفضل من غيرهم في الشعور والعواطف، ولديهم إدراك وشعور أكثر من غيرهم. وهل ليس لهؤلاء مزايا وخصوصيات الإنسان حتى يكونوا مختلفين عنهم بهذه الأمور؟ كلا! بل لديهم ذلك. فما يحتاجه الإنسان في تكامله في هذه الدنيا من الناحية الروحية والمعنوية إن لم يكن ما لديهم أفضل من غيرهم، فهو ليس بأقل منهم! صحيح؟!

  • مع الالتفات إلى هذه المسألة، فما هو سرّ كلام الإمام الصادق في قوله "وجملة اشتغاله"؟ السرّ هو يعني أننا نتكلّم في مورد يكون لدى الإنسان إحساس بالمرض والوجع، نحن نتكلّم في هذا المجال، لا نريد أن نذهب بعيداً ونبدأ من الأول ونحدّد كيف ينبغي للإنسان أن يجعل عمله على طبق التكليف والدستور، دون أن يتخلّف عنه أبداً. فهذا الطريق طويل جداً، وإن كنا سنشير لاحقاً إلى ذلك إشارة عابرة، لكن هنا في هذا المجلس ومع ملاحظة حالة المخاطبين فيه؛ حيث تعتبر هذه المطالب واضحة لديهم وقد تخطّوا هذه الأمور، ولم يعودوا يسيرون كالآخرين في طريق الضلال والهلكة، بل هم أشخاص يبحثون عن الدواء لعلاج مرضهم، ويسعون لرفع نقائصهم، كما هو الحال بالنسبة إلينا نحن. يعني أنّنا جميعاً هنا في موقع واحد بالنسبة إلى هذه المسألة، لا فرق بيني وبينكم من هذه الجهة، الفرق الوحيد بيننا هو أنّني أتكلّم وأنتم تستمعون فقط، وإلا فمن النواحي الأخرى نحن في موقع واحد، وجميعنا نسعى لأمر واحد، وهو أن نعرف ما هو المسير والطريق الذي سار عليه الأولياء، وكيف نعمل به، جميعنا في هذه الحالة.

  • تأثير المحيط البيئي في بناء ثقافة الإنسان

  • لا إشكال في أنّ الله تعالى عندما خلق الإنسان، جعل وجوده قائماً على أساس التجربة وعلى أساس البرهان، وقد أثبتت التجارب العلمية هذا الأمر، حتى صار هذا الأمر مسلّماً للجميع؛ وهو كيف أنّ الإنسان إذا لم يدخل في عالم التربية والتكامل، فسوف يخرج من هذه الدنيا كما دخل فيها. وقد ثبت هذا الأمر بالتجربة أيضاً؛ إذ من الطبيعي أنّه عندما يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا لا يمتلك مشاعر ولا إدراكاً وليس لديه خصوصيّات، كل ما لديه هو الجانب النباتي والحيواني؛ فخصوصيّات الجانب النباتي وآثارها هو النمو وتوليد المثل، وخصوصيّات الجانب الحيواني هو الإدراك الظاهري والشعور الذي يتحرّك من خلالهما، فإذا فرضنا إنساناً بهذه الخصوصيّات فقط؛ دون أن يدخل في عملية تربية أو في مجتمع يبني ثقافته؛ كأن يولد في غابة من جزيرة نائية، دون أن يرى أحداً أو يرتبط بأحد، فسوف ينمو ويصير

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

4
  • عمره خمسين أو ستين سنة، ثم يرحل عن هذه الدنيا دون أن يضاف إلى إدراكه شيء، غير إدراكه للشجر والحيوانات التي يراها، لكنّه لن يتغيّر في مشاعره؛ لأنّه لا علاقة له بأي محيط ثقافي خارج عنه، يعني لا علاقة له بالمجتمع وبالناس، ولا علاقة له بأشخاص مختلفين لهم أفكار متباينة. فقط سوف يكبر وينمو، وإن كان قد حصل على شيء والحال هذه، فسوف يحصل على بعض الحالات الحيوانية التي يراها في محيطه فقط وتظهر عليه، وبعدها يذهب من الدنيا كما أتى. هذا سير الإنسان عندما لا يخضع للتربية.

  • لا نريد الدخول في أنّ الله تعالى قد يلطف به ويمنحه بعض الفيوضات الخاصة به والنفحات التي تنبّهه إلى مسألة التربية، بل كلامنا في خصوص الأمور العادية والمتعارفة. كم لدينا من القبائل في البلدان المختلفة التي تعيش الآن بعيدة عن الحضارة والثقافة، ولا تزال إلى الآن، وإذا درستم ما هم عليه فسوف ترون أفكارهم وخصوصياتهم التي لا يستسيغها حتى أطفالنا الصغار، يعني أنّ لديهم الكثير من الأفكار البسيطة والعلاقات المتدنّية جداً، وعلاقاتهم ضمن الحياة الحيوانية فقط، غاية الأمر أنّها قد تكون أفضل بقليل من الحيوان، لا أكثر.

  • إذا أراد هذا الإنسان أن يتكامل ويتطوّر عمّا هو عليه، ينبغي أن يضع نفسه في محيط ثقافي وتربوي يمكّنه من ذلك التطوّر والتكامل، وهذا الأمر لا يختلف سواء كان تكامله في المجال المادي أم المعنوي.

  • الحصول على أي كمال متوقّف على السعي إليه

  • فإذا أراد الحصول على العلوم العصرية مثلاً، لا يمكنه تحقيق ذلك من خلال الجلوس في المنزل، بل عليه أن يشمّر عن ساعديه ويشحذ همّته ويتخذها منشأ لجميع كماله ويمضي قدماً في أي مجال يريد الوصول إليه؛ فإذا أراد أن يتكامل في مجال الصناعة عليه أن يذهب إلى الصناعيين، وإذا أراد أن يتكامل في مجال المهن والحرف فعليه أن يذهب إلى أصحاب المهن، وإذا أراد أن يكون في مرتبة المجامع العلمية فعليه الذهاب والمشاركة فيها، ولا يمكنه الجلوس في المنزل هكذا. وبناء عليه، فلكي يحصل الإنسان على التكامل الفكري والتكامل الروحي بحاجة إلى تربية، وهذا ما يقال له مقام العمل. ففي مقام العمل ينبغي على الإنسان أن يلتزم بالشروط واللوازم والقيود التي يحتاجها للوصول إلى ذاك الهدف. وإلا فمجرّد أن يدخل الإنسان في محيط علمي لا يجعله عالماً، كما يقول مولانا:

  • كی بود دانستن سركنگبین‌***دفع صفرای نگار مهجبین

  • (متى كان علمك بإعداد شراب السكنجبين موجباً لدفع الصفراء عن جسمك)

  • فالمسألة لا تُحل بالمعرفة فقط، طبعاً ليس مرادنا المعرفة، بل المراد هو الحصول على معدّات هذا العلم ـ أما مسألة العمل فلها شأن آخر ـ يريد مولانا أن يقول بأنّ الوصول إلى أي مرتبة من التكامل لا يكفي أن يكون هناك درس في مكان ما، بل لا بد من الحضور في الدرس والإصغاء والتعلّم والانتباه إلى الأستاذ، ثم الذهاب والمطالعة والمذاكرة في المنزل، هذا أول المراتب المطلوبة. وأما في مقام العمل فسيأتي الكلام عنه، وأنّه كيف يطبّق الإنسان ما علمه على نفسه.

  • هذه المرتبة من كسب المعرفة الظاهرية والتي يحتاج فيها الإنسان إلى تحمّل الأعباء والمصاعب، تعتبر من لوازم أي هدف يريد الإنسان الوصول إليه في أي مرتبة، وفي أي مجال أو حرفة وفنّ.

  • بلوغ بعض الأنبياء والأئمة الكمال في سنّ مبكرة استثناء من القاعدة

  • لم يذكر لنا التاريخ أبداً أنّ أحداً كان لديه علم معيّن من تلقاء نفسه، كأن يكون من أول حياته حكيماً أو عالماً رياضياً أو طبيباً، أو يكون من أول حياته مجتهداً أو عارفاً، ليس لدينا مثل ذلك. إلا في بعض الموارد

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

5
  • الخاصة حيث يأتي لطف خاص من قبل الله تعالى ليشمل بعض عباده، وهذا الأمر خاص بالأنبياء والأئمة عليهم السلام ـ لا الأشخاص العاديين ـ مثل ما جرى مع النبي عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام؛ إذ قال: (آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا)۱، حيث يقول بأنّ الله تعالى آتاني الكتاب، ولم يقل بأنّه سيؤتيني الكتاب لاحقاً، أو عندما يبلغ عمري عشرون أو ثلاثون عاماً، بل يقول الآن وأنا في حضن أمي، وأنا لا زلت طفلاً رضيعاً قد أعطاني الله الكتاب، غاية الأمر ظهور هذه المسألة وبروزها يأتي لاحقاً، أما الآن فأنا فعلاً في مقام الطفولية لا يصدّق أحد كلامي، لكن الله أعطاني الكتاب الآن، (وَ جَعَلَني نَبِيًّا) الآن. وهذه المسألة ليست من باب المستقبل المتحقّق الوقوع؛ حيث يقول البعض بأنّ ما كان من المستقبل متيقّن الوقوع يأخذ حكم الماضي، لا! بل الكلام هنا في مقام الحقيقة؛ يعني واقعاً الآن وصلت إلى مقام النبوة، ولا إشكال في ذلك، إذ عندما تكون هناك عناية من الله تعالى فأي بعد أو إشكال في المسألة؟! ألم يصل الإمام الجواد عليه السلام في التاسعة من عمره إلى مقام الإمامة؟! ألم يصل الإمام الهادي إلى الإمامة وهو في سن الثامنة ـ بناء على بعض الروايات ـ وفي سن العاشرة أو الحادية عشرة بناء على البعض الآخر من الروايات؟! لماذا نذهب بعيداً، فهذا إمام زماننا الحي قد وصل إلى مقام الإمامة في سن الخامسة من عمره! والمسألة ليست مزاحاً. يعني أنّ زمان الغيبة الصغرى بدأ والإمام في سن الخامسة، وجميع الذين كانوا على علاقة بالإمام من خلال النواب الأربعة كانوا يأخذون المطالب عنه وهو في الخامسة من عمره، كانوا يكتبون الرسائل لنوابه الأربعة، وهم عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان وحسين روح وعلي بن محمد السمري. فنفس عثمان بن سعيد الذي كان أول نائب للإمام عليه السلام كان من خواصّ أصحاب الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري، كان يتلقّى الرسائل من قبل الشيعة، ويضع الرسالة تحت مصلاّه، وفي اليوم التالي كان يرفع السجادة ويرى جواب تلك الرسالة. كان إمام الزمان في سنّ الخامسة حينما كان يفعل بذلك! وهذه الأعمال عادية ليست ذات أهمية، فقد ذكرت لكم في الجلسات السابقة مقام الإمام عليه السلام. ما هذه الأمور؟ هذه عناية الله تعالى، فالعناية الإلهية شملت طفلاً في الخامسة من عمره، لم يكن النبي إبراهيم عليه السلام قد وصل إليها في التسعين من عمره، بل إنّ أشرف الأنبياء والأولياء لا يصلون إلى غبار الإمام وهو في الخامسة! هذا فعل الله تعالى.. لكن مثل هؤلاء الأشخاص خارجون عن مسألتنا هذه.

  • القاعدة هي ضرورة العمل للوصول إلى التكامل

  • كلامنا هو بالنسبة إلى الأشخاص العاديين الذين يريدون طي طريق التكامل تحت ظل مقام الولاية، فهؤلاء عليهم الالتزام بذاك القانون الذي وضع للوصول إلى الأهداف؛ يعني لو لم يتوجّه الإنسان إلى المسائل المعنوية والأوامر والنواهي المطلوبة للوصول إلى التكامل، واستمر في حياته الدنيوية على نمط السير العادي للناس، فنتيجته ستكون في هذه الحدود لا أكثر، مثلاً إذا كان لدينا شخص غير مؤمن بالله، ولم يلتزم بالأوامر والنواهي الإلهية، ففي نهاية حياته في التسعين من عمره سوف يرحل عن هذه الدنيا بتلك المكتسبات التي اكتسبها فيها؛ والتي هي عبارة عن بعض القواعد والمسائل الرياضية والقوانين لا أكثر. فإن كان هذا الشخص مشغولاً من أول حياته في الرياضة وتحصيل القدرة البدنية حتى يصير مصارعاً مشهوراً، فإنّه في سن التسعين سوف يخسر تمام تلك الإمكانات التي كانت لديه، وسيخرج من هذه الدنيا كطفل في الخامسة من عمره، دون أن يكتسب شيئاً من عمله، بل عمل طوال عمره على تقوية بدنه وحصل على ما يريد من القدرة والقوة، ثم وضعها ورحل وحيداً، دون أن يكون قد فعل شيئاً. أو مثل من يريد أن يتخصّص في مجال رياضي ليتفوّق فيه، لكن بمجرّد أن يصيبه مرض أو جرثومة

    1. سورة مريم، من الآية ۳۰

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

6
  • يجلس في منزله ويخسر تمام تلك الجهود التي بذلها دون أن يستفيد منها شيئاً، وعندما يتجاوز عمره الثلاثين أو الأربعين سنة فعليه أن يتقاعد ويجلس في المنزل، ولن يكون هناك شيء أو كمال يعود عليه بفعله هذا. وهذه المسألة موجودة في جميع الفنون والحرف؛ فمهما كان الشخص ماهراً في حرفة أو صنعة معيّنة عندما يتجاوز الستين أو السبعين من عمره لن يستطيع أن يقوم بشيء، بل عليه أن يجلس في منزله. وهذا يعني أنّ جميع تلك الكمالات التي كانت لديه كان كمالات مرحلية وفي زمن معيّن، إذ لم تؤدِّ إلى كمال روحه، بل هي كمالات عرضت على الجانب البدني منه، ومع ضعف البدن سوف تتلاشى ولن يبقى منها شيء، بل سيبقى هذا الشخص ونفسه، ولا فرق من هذه الجهة بينه وبينه طفل في العاشرة من عمره. صحيح أنّ لحيته بيضاء وجسمه منحنٍ، لكنّه من ناحية تعالي روحه وتكامل نفسه لا يختلف عن طفل في السابعة من عمره.

  • الكمالات الروحية هي الباقية في ذاك العالم

  • ما يوجب التكامل وتعالي الروح ويوجب التربية ولا يتناقص مع مرور الزمن هو عبارة عن الكمالات التي تحصل للروح، والكمالات التي تتحقّق للنفس، فهي كمالات لا تضمحل بضعف البدن وهرمه، ولا تنتهي بالرحيل عن هذه الدنيا، بل إنّها تزداد تألقاً في ذاك العالم.

  • الإمام عليه السلام عندما كان في الخامسة من عمره كان في مرتبة وموقعية، وعندما بلغ مائة سنة كان في نفس تلك الموقعية، والآن وهو في عمر ألف ومائتي سنة الإمام عليه السلام لا يزال كما هو. ولو عمر عشرة آلاف سنة، فالإمام سيبقى في هذه المرتبة.

  • وهذا الأمر ليس مختصاً بالإمام عليه السلام، بل حتى الأشخاص الذين وصلوا إلى مرتبة كمالية ووصلوا إلى مقام الفناء الذاتي، فلن يؤثّر فيهم مسألة الزمان ومرور الوقت، بل هم وصلوا إلى مرتبة كمالية لا يفرق عندهم مضي سنة أو مليون سنة، فهم قد وصلوا إلى مرتبة التكامل.

  • العمل بالشريعة أقرب طريق للتكامل

  • حسناً، ماذا علينا للوصول إلى مرتبة التكامل؟ وأي قانون علينا أن نتبّع؟ وما الذي علينا فعله؟ واضح وجليّ جداً، فالله تعالى الذي خلق الإنسان يعلم أفضل من غيره بمسير التكامل للإنسان، وقد بيّن له طريق الوصول إلى مقام المعرفة، أما الآخرون فهم مثل الإنسان لا يختلفون عنه في شيء..

  • [يقال] أنا أرى يا عزيزي بأنّه من الأفضل القيام بهذا الفعل، فهو أفضل!!

  • هل هذا العمل برأيك أفضل أم العمل الذي يطلبه الله منك ويقول لك إذا فعلته فسوف تصل إليّ! مثلاً لو أردت الذهاب إلى منزل صديقك ولا تعرف عنوانه، فماذا تفعل للوصول إلى منزله؟ هل تتصل بشخص خارج البلاد لتأخذ منه العنوان؟ أو أنّك تتصل بنفس هذا الصديق وتسأله عن عنوان منزله؟ لأنه هو صاحب المنزل، وهو الذي يعلم أكثر من غيره عنوان منزله وطريق الوصول إليه. لذا الإمام عليه السلام حينما يقول هذا الكلام لا يقوله جزافاً، بل يريد أن يقول لنا: إذا أراد أحد الوصول إلى مقام العبودية والمعرفة، فبناء على ما تفرضه القواعد المنطقية والعقلائية، ينبغي العمل بمقتضى ما يطلبه الله منا، لا ما يطلبه الآخرون، أو أن نعمل ما يحلو لنا نحن! لماذا؟ لأنّ المقصود هو معرفة الله، وهو الذي يعرف كيفية الوصول إليه، وهو الذي يمكنه أن يبيّن الطريق بأفضل ما يمكن.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

7
  • نظرة الناس للعمل بالتكاليف على أنّها إجبار وتحديد لحرية الإنسان

  • وهنا يبيّن لنا الإمام عليه السلام نقطة هامة يغفل عنها الكثيرون، وهي أننا نتصوّر أنّ العبادات والتكاليف التي نقوم بها هي تكاليف تعبدية ونفعلها من باب التقليد فقط، فنحن مجبورون على الصلاة، مجبورون على التشرّف بالحج، مجبورون على الصوم! فالله تعالى أمرنا بذلك، ولا حيلة أمامنا إلا الإطاعة، حيث حذرنا الله بأنّه إذا لم نفعل فالعقاب بانتظارنا، وجهنم والنار مصيرنا، وإذا لم نتمثل فلدينا حساب في الآخرة، يعني أنّنا ننظر إلى التكاليف نظرة خوف واضطراب وتشويش، أليس الأمر كذلك؟! إن شاء الله لا نكون كذلك.. لقد لقت لكم بأنّ المسألة هنا مختلفة، ولو كنا في مكان آخر لكنا قلنا بلى! ولكان نظرنا إلى التكاليف نظرة موحشة. حسناً، علينا أن نكون منصفين مع أنفسنا، صحيح أنّنا أتينا لتصحيح نظرتنا، لكن إذا نظرنا في أنفسنا فسوف نرى أنّه إذا صار وقت صلاة الظهر، ألا نقول في أنفسنا لقد صار وقت الصلاة، فلنقم ولنصل في أول الوقت كي نرتاح من هذا التكليف؟! أو عندما لا نصلي في أول الوقت ونتأخر، ألا نحدّث أنفسنا ونقول فلنقم ولنصل قبل أن ينقضي وقتها فتصير قضاء، فنعاقب على تقصيرنا فيها؟! هكذا نفكّر! أليس كذلك، فكلّنا سواء في ذلك [ضحك].

  • وكذلك عندما يدخل علينا شهر رمضان نقول: لقد أتى شهر رمضان ويجب أن نصومه، حسناً سنصوم، وإلا فإن لم نصم سوف نقضي كل يوم ستين يوماً، أو نطعم ستين مسكيناً. وكذا في الحج نقول إذا لم نحج فسوف نبتلى بأمور أخرى.. تشرّفنا يوماً بالذهاب إلى الحج، وكان هناك أحد الأصدقاء، وكنا لا نزال في المدينة لم نذهب بعد إلى مكة، سألته كيف أحوالك إن شاء الله جيدة، فقال لي: إن شاء الله ستنقضي هذه الأيام وسنعود إلى أهلنا بإذن الله.. أرأيتم كيف ينظر إلى الحج بهذا النحو؛ يأتي بالحج على أنّه تكليف ينبغي إسقاطه، وهكذا يصلي كي يُسقط التكليف عن نفسه، ولكي لا يكون مطلوباً شيئاً لله تعالى، فالله طلب منا هذه الصلاة وقد صليّناها! فماذا يريد بعد؟!

  • قصة الوليد بن يزيد واعتبار العامة أنّه من خلفاء النبي الاثني عشر

  • وبحسب قول أحد ولاة بني أمية واسمه الوليد بن يزيد، حيث كان قد سكر في ليلة وصلى وهو سكران صلاة الفجر بالناس أربع ركعات، وقال هل أزيدكم۱؟! وأهل العامة يعتبرونه من الذين بشّر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. باعتبار أنّه ورد في روايات متعدّدة عن السنة والشيعة بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال مراراً بأنّ الأئمة من بعده اثني عشر، ومن تلك الروايات ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري الذي يقول فيها: الأئمة من بعدي اثنا عشر، ثم قال بصوت منخفض كلهم من قريش، وفي بعض الروايات رود ذكر النبي أسماء الأئمة عليهم السلام۲.

  • وهؤلاء الأئمة بالنسبة إلى الشيعة مشخّصون؛ أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم إمام الزمان الحي. أما السنة فقد وقعوا في مشكلة كبيرة بسبب ذلك، فإن أرادوا كل من سمّي باسم خليفة رسول الله بدءاً من الخليفة الأول وانتهاءً بالمستعصم العباسي آخر خلفاء بني العباس الذي قتل على يد هولاكو، فعددهم يتجاوز الخمسين، لذا قاموا باختيار الاثني عشر من هؤلاء ـ يا عزيزي إذا أردت الاختيار فاختر بشكل صحيح ـ فاختاروا الخلفاء الأربعة الراشدين، وبعدهم معاوية ويزيد الذي قتل ابن رسول الله، فصاروا ستة، ثم اختاروا عمر بن عبد العزيز، ومروان، والمأمون وهارون، وجعلوا منهم الوليد هذا! وكان الوليد

    1. يعني الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وكان عثمان ولاه الكوفة، وذكر الزمخشري وغيره أنه صلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال: هل أزيدكم. (مرآة العقول، ج ۲٦، ص ۱۲٦).
    2. . الإنصاف في النصّ على الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام، ص ٣٠٠.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

8
  • قد ذهب إلى المسجد في حالة سكر وصلى بهم صلاة الصبح أربع ركعات، فسألوه لماذا زدت في الصلاة، فقال: أشعر بحالة جيدة، وإن شئتم نصلي أكثر! فالله طلب منا ركعتين فقط، لكن نحن نصلي أكثر حتى لا يطلبنا بشيء.

  • ونقل عن هذا الرجل أنّه كان يشرب الخمر حتى كان يرمي بنفسه في حوض الخمر ليرتوي أكثر. وأيضاً ينقل أنّه تفاءل يوماً بالقرآن وخرجت هذه الآية (وخاب كل جبّار عنيد)۱، فقام ووضع القرآن على الحائط وصار يرميه بالسهام ويمزّقه ويقول:

  • تهددني بجبار عنيد***فها أنا ذاك جبار عنيد

  • إذا ما جئت ربك يوم حشر***فقل يا رب مزقني الوليد ۲

  • وقد ارتقى الكعبة يوماً وبسط مائدة شراب عليها، ومع ذلك يأتي هؤلاء ويقولون بأنّ رسول الله قد بشّر المسلمين به، وأنّ الإسلام سيبقى منيعاً وعزيزاً بوجوده. التفتّوا! هؤلاء هم أئمة العامة.

  • عبادة العبيد وعبادة التجّار

  • ينبغي أن تكون العبادة بالشكل الذي أراده الله تعالى للإنسان، والتكاليف ينبغي أن تكون بحيث تحيي في الإنسان روح التكامل والتربية، وهذا الطريق منحصر بفرد فقط. نتصوّر بأنّ العبادات التي نقوم بها عبارة عن تكليف فقط، وأنّنا مجبورون في إطاعتها والقيام بها، وأنّه إذا لم نقم بها فسوف نبتلى بأمور معيّنة! هل حصل لنا حتى الآن أن نكون في حالة انتظار لحلول وقت الصلاة؟! هل حصل لنا أن نعدّ الأيام للذهاب إلى الحج؟ هل حصل لنا بعد انقضاء شهر رمضان أن نعدّ الأيام لدخول شهر رمضان القادم؟! لماذا لا نكون كذلك؟! السبب في ذلك هو الخطأ في فهمنا للتكاليف، فنحن نعتقد بأنّ ما نقوم به لأجل أنّ الله تعالى قد فرضنا علينا ذلك، فإن لم نأت بهذا الفعل اليوم فسوف نبتلى غداً بكذا وكذا.. إذا لم نصل ولم نصم ولم نخمّس ونزكّي وإذا لم نذهب إلى الحج فسوف يحصل لنا كذا. وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "تلك عبادة العبيد"۳، فالعبد الذي يطيع مولاه ليس عاشقاً لجمال سيده، بل يطيعه خوفاً من عقابه.. حيث كان العبيد سابقاً يخدمون بهذا الداعي، أما اليوم فالناس يخدمون طمعاً بالمال كموظفي المؤسسات والإدارات، فالذي يذهب إلى عمله كموظف إنّما يذهب عادة لأجل أن يحصل آخر الشهر على راتبه، لأجل ذلك فقط.. هذا نوع من أنواع التفكير، وهذا النوع لا يوجب لنا شيئاً على أعمالنا. يعني إذا فرضنا أنّ شخصاً ذهب إلى الحج وهو يحمل هذه النظرة، أو صام كذلك أو صلى الصلوات الخمسة على هذا الأساس، فلن يكون قد اكتسب من حجّه سوى أنّه سافر إلى مكّة والمدينة ومشى في شوارعهما، ولن يكون قد اكتسب من الصوم سوى بعض المنافع الظاهرية المترتبة على الصوم، التي هي عبارة عن نحافة البدن دون أن تتجاوزها إلى غيرها. أمير المؤمنين عليه السلام يقول بأنّ هذه العبادة لا تفيد شيئاً. وهناك قسم آخر أعلى من هذه المرتبة قليلاً؛ يعني ليس فيهم حالة الخوف، بل الذي يحكمهم حالة من الأمل، لكن أملهم مقتصر على المسائل الظاهرية فقط، لديهم أمل بالوصول إلى المنافع الظاهرية الأخروية، أملهم هو الوصول إلى نعم الله تعالى في ذاك العالم، وحيازة المنافع الظاهرية وتحصيل اللذائذ في ذاك العالم. فقد سمعوا بأنّ اللذائذ الموجودة في ذاك العالم أعلى بكثير من اللذائذ الموجودة في هذا العالم؛ فالفاكهة الموجودة هناك لها كيفية مختلفة، والمنافع الأخرى لها مظاهر مختلفة، والحور العين الموجودة هناك ليس لها وجود

    1. . سورة إبراهيم، من الآية ۱۵.
    2. . الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج ۵، ص ۲٩۰.
    3. . الكافي، ج ۲، ص ۸٤.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

9
  • هنا، وكذا الجنات وأنهار العسل المصفى ـ. كلها أمور موجودة فعلاً في الجنة ـ (وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى)۱‌، فالموجود هناك لا نظير له في هذه الدنيا، وعليه فالطمع لتحصيل الالتذاذ النفساني هو الموجب لتحريكهم نحو العبادات، ومع ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين بأنّه لا فائدة فيها أيضاً، "تلك عبادة التجّار".

  • التكاليف لها آثار تكوينية في تكامل الإنسان

  • إذا أصلحنا فكرنا فسوف نصل إلى واقعية مختلفة، وسنشعر في أنفسنا بالتغيير شيئاً فشيئاً وسنرى التبدل. وإصلاح الفكر يتحقّق عندما ننظر إلى قيامنا بفعل الواجبات وترك المحرّمات، من باب تناول الطعام والدواء لصحتنا ورفع أمراضنا. فإذا فرضنا أنّك زرعت شجرة، فهي بحاجة إلى تراب لتنمو وبحاجة إلى سماد وماء وهواء وبحاجة إلى خدمة، فإن هيّأت لها ذلك سوف تنمو وإلا فلا. فالإتيان بهذه الأمور عبارة عن ما ينبغي وما لا ينبغي بالنسبة إلى نمو هذه الشجرة، وإذا لم يتم رعاية ذلك فسوف تيبس وتموت. فلا يمكنك أن تتخلّى عن هذه المسؤولية في استمرار نمو الشجرة، ولا الشجرة يمكنها أن تقول لست بحاجة إليك، اتركني ونفسي وأنا أرتب أموري بنفسي.. لا يمكن ذلك، وإلا فلن يكون لها مكان في الحديقة ولن تنفع في الزينة أو في أي شيء آخر.

  • تقديم الخدمة للنبتة يعتبر قانوناً تكوينياً ومنطقياً، وهذا القانون ملزم لكلا الطرفين، وإن لم يلتزم به فسوف تموت النبتة، ولا مزاح في ذلك. فلا النبتة يمكنها أن تقول دعني وشأني، ولا يمكن لصاحب النبتة أن يتركها؛ لأنّ هذا القانون قانون تكويني، وقانون عقلائي وعقلاني، وإن لم تفعل ذلك فسوف تخسر مالك وتذهب جهودك هدراً.

  • من يكون مريضاً ويراجع الطبيب، لا يمكنه الاكتفاء بمجرد الذهاب إلى الطبيب دون العمل بما يصفه له، فالعمل بما يصفه له يعتبر قانوناً تكوينياً لا تعبدياً، فلا تقول للطبيب أنا سأعمل بما وصفته لي لأجلك أنت! إذ سيقول لك إن شئت أن لا تعمل فلا تعمل بها! لكنك ستعمل بها! لماذا؟ لأنّ التكوين يجبرك على ذلك، لأنّك إن لم تفعل ستموت، أو تصم مثلاً أو تعمى؛ إن لم تضع هذه القطرة في عينك فسوف تعمى إلى آخر عمرك، سوف تتلف القرنية ولن يكون هناك سبيل لعلاجها بعد ذلك! أو قد تتمزّق الشبكية ولا يعود هناك إمكانية لإصلاحها. فإن كان لديك مرض السكري ولم تعالج نفسك سوف تعمى، لذا عليك أن تجتنب أكل السكر؛ لماذا؟ لأنّك تعلم ما هي العواقب المترتبة على ذلك، وتعلم ماذا عليك أن تفعل وماذا عليك أن تجتنب، وإن لم تعمل بهذه الأمور فسوف تصاب بعواقب شتى. هذا هو القانون التكويني.

  • القانون التكويني وقانون العلل والمعلولات مسألة الأسباب والمسبّبات ليست أمراً تقليدياً وتعبدياً، بل الفطرة وعقل الإنسان يحكمان بضرورة العمل على طبق هذه القوانين، وإلا فإن لم تعمل سوف تعمى أو تموت وتذهب جميع جهودك سدى، والحال أنّ الإنسان يريد بقاء حياته فهو يحبّ ذاته، وبما أنّه يريد بقاء حياته فإنّه يعمل بما تقتضيه هذه القوانين ويلتزم بها. نعم قد يقدم شخص على الانتحار مثلاً باعتبار أنّه ملّ من الحياة، لكن هذا شيء آخر مختلف. أما الذي يريد أن يبقى على قيد الحياة والتمتّع بهذه الدنيا، فلا بد من أن يلزم نفسه قهراً بشروط الحياة هذه والعمل بمقتضيات التكوين.. وهذا ما يطلق عليه القانون الطبيعي.

  • نفس هذا القانون موجود في العبادات وفي الأوامر والنواهي، وعلينا أن نتعامل معها بهذا الشكل، فإذا فرضنا أنّه لا وجود لجهنّم ولا للجنّة ـ لا إشكال في فرض ذلك ـ فنحن ماذا نحتاج في تكاملنا؟ ماذا نحتاج في تكامل روحنا؟ هل نجلس هكذا ونضع يداً على أخرى؟! لقد ذكرت لكم أنّه لو بلغ إنسان من العمر تسعون سنة لما اختلف حاله عن حال ولد في السابعة من عمره.

    1. . سورة محمد، الآية ۱۵.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

10
  • ضرورة العمل وعدم كفاية ربط القلب بالله

  • أليس لدينا اليوم من يقول اربط قلبك بالله لا داعي للصلاة! اذهب واربط قلبك عشر سنين وانظر على ماذا تحصل! وأضف إلى ذلك عشر سنين أخرى، إلى أن تصل إلى تسعين سنة، وماذا بعد؟ إلى متى ستبقى تربط قلبك بالله [دون صلاة]؟! فلا بد من تعيين وقت محدّد لنعمل على ربط القلب بالله لنصل إلى نتيجة! فلو ربطنا قلبنا بالله لن نصل إلى نتيجة أبداً! هؤلاء يقولون ذلك للفرار من الوضعية التي وصلوا إليها بسبب جهلهم، فهم يظنّون بأنّ أعمالنا عبارة عن تقليد وتعبّد؛ فالله تعالى قد حمّلنا هذه الأحكام ورفع السوط فوق رؤوسنا إن لم نطع، لكن لماذا أمتثل وبإمكاني أن أرتبط به بشكل آخر؟! فيكفيني ارتباط قلبي بالله! يا عزيزي إن كان يكفيك هذا الارتباط، فهل أضيف إليك من المعرفة والكمال وأنت في السبعين من عمرك، وكم ذلك؟!

  • كنت في مكان ما أتحدّث مع شخص لا يصلّي ولا يعتقد بالنبي ولا بأحد، لكنّه يعتقد بوجود الله ـ وظاهراً أنّه توفي بعد ذلك ـ فقلت له حسناً، كيف ترتبط بالله الذي تعتقد به؟! فقال أجلس وأرتبط به وأخاطبه أنت يا إلهي جميل وحسن وأمثال ذلك.. فقلت له جيد، كم مضى من عمرك؟ قال: سبعون عاماً، فقلت: ما الذي أضيف إليك خلال هذه السنوات السبعون؟ ماذا أضيف إلى معرفتك؟ فأنت منذ خمسين سنة كنت تفعل هكذا، لكن لم يضف إليك شيء، ولم تترقّ شيئاً! ولم يضف إليك أي مطلب جديد! وكان طبيباً متخصصاً، ومتمكّناً من ناحية العلوم العصرية ومطلّعاً عليها، لكنه من الناحية المعنوية كان فارغاً. وفي النهاية مات وهو بهذا الارتباط الباطني بالله؛ حيث سقطت به طيارته الخاصة ومات هو وأحد أقاربه.

  • حسناً، ما النتيجة التي ترتّبت على عمله هذا؟ لا شيء! لماذا؟ لأنّ تصوّره عن التكاليف لم يكن تصوّراً صحيحاً، بل كان تصوّراً خاطئاً، وكان يتخيّل بأنّ التكاليف التي يقوم بها أتى بها إنسان عادي، فيقول لماذا أتّبع هذا الإنسان الذي أسميناه النبي، فأنا بنفسي إنسان بإمكاني أن أعمل أنا، فهؤلاء بشر.. ألا يقال هذا الكلام اليوم؟! الأنبياء هم أشخاص أرضيون وبشر ترابيّون مثلنا، وهم أشخاص ولدوا من رحم المجتمع مثلما ولدنا نحن.

  • التعامل مع التكاليف على أساس آثارها التكوينية

  • من هنا، فإن أدركنا أنّ التكاليف التي أرسلها الله عبر الأنبياء هي لأجلنا نحن فسوف نتعامل منذ البداية معها كما نتعامل مع وصفة الطبيب التي يكتبها لعلاج المريض، فنعتبرها تكاليف لأجلنا نحن ولأجل تكاملنا في الحياة ورفع الأمراض؛ فإذا لم نأكل سوف نموت بعد عشرة أيام، وإن لم نشرب فلن نعيش لأكثر من أيام معدودة، وإذا لم نتنفّس فسوف نختنق ونموت بعد دقيقة أو دقيقتين، ولا مزاح في المسألة. فإذا أدركنا هذه القضية فعندئذٍ سوف تتغيّر نظرتنا إلى التكاليف؛ ولن نعتبر أنّ الله تعالى قد فرض علينا التكاليف من باب التحميل أو التقليد والتعبّد، بل ستكون هذه التكاليف منطقية، لها حكم الدواء في تكامل الإنسان. وعند ذلك يمكن أن ننتظر حلول وقت الظهر، ونقول متى يصير الظهر لنصلّي؟ كما أنّنا عندما نكون مرضى ننتظر حلول وقت تناول الدواء؟ وهكذا بالنسبة إلى الوصول إلى شهر رمضان ننتظر بفارغ الصبر، ولأجل الذهاب إلى الحج لا نضع يداً على الأخرى وننتظر حصول الوقت والشروط، فإنّنا لو علمنا كم يترك الحج أثراً على تكاملنا، لبدأنا من الآن بالتفكير في الذهاب إلى الحج، غاية الأمر أنّه يكون ضمن المسار الذي بُيّن لنا، لا بشكل يحصل معه اختلال في حياة الإنسان، ولا بالشكل الذي ذكره الآخرون [من التساهل في تحصيل الاستطاعة].

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

11
  • أتى شخص وقال للمرحوم العلامة لقد جمعت مالاً كثيراً هذه السنة ـ ولم يكن لديه رغبة في الذهاب إلى الحج ـ قال: فلأنفقها في شهر رمضان، بحيث عندما يحلّ شهر شوال لا يكون لديّ استطاعة للحج.. أنظروا!! هذا الرجل مسلم، يصلي ويصوم، ويذهب إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام مرّة في الأسبوع، لكن ليس لديه إدراك للتكاليف، لا يعلم! يتخيّل بأنّ الحج عبارة عن سفر وإحرام ومشي وأمثال هذه الأمور، دون أن يعرف أنّه منذ أن يقول لبيّك ما الذي يتنزّل عليه! وما الذي يتساقط عنه، وكيف يحصل لنفسه ذاك التحوّل.. لا تتخيّلوا أنّ هذا الذي أذكره لكم يجهله العوام فقط، بل حتى الكثير من الذين يكتبون أحكام الحج لا يعلمون بها أيضاً. هؤلاء ينظرون إلى الأحكام بهذه النظرة، ومن خلال هذه النظرة يوضحون الأحكام للناس، أما بناء على نظرة الإمام الصادق عليه السلام فتعتبر مسألة الأحكام بمثابة الداعي للعمل بها بمجرّد أن يعلمها الإنسان، لا أنّه يجلس ويجري قاعدة البراءة وقاعدة الاستصحاب عليها. في مدرسة الإمام الصادق عليه السلام ينبغي على الناس أن يأتوا إلى منزل الإمام ويسألوه عن أمورهم، لا أن يجلسوا هكذا وينتظروا حتى يأتي شخص ويسأله، فإن لم يأت أحد يقولون لقد ارتحنا!

  • راحة النبي من خلال الصلاة

  • لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح عندما كان يجلس بين الناس ويحدّثهم، ومع ذلك كان ينظر بين الحين والآخر إلى السماء ليرى متى يصير وقت صلاة الظهر، كان ينتظر ذلك بفارغ الصبر! ويرى أنّ طريق خلاصه وطريق تغيره وتبدّله هو هذا. لذا عندما كان يصير وقت الصلاة كان يقول: أرحني يا بلال!۱ تعال يا بلال وخلّصني من هذه الحالة التي أنا فيها بأذانك، هذا بالنسبة إلى النبي الذي هو في حالة اتصال دائم، يعني أنّ النبي يعتبر الصلاة وسيلة لراحة نفسه، والحال أنّه في حالة اتصال بالله أثناء كلامه مع الناس وحلّه لمشاكلهم! وهو في حالة اتصال بالله أثناء غوره في كثرات عالم المادة.. مع ذلك يقول أرحني يا بلال! فما سيكون حالنا نحن؟! هذا هو معنى الصلاة والتكاليف التي يذكرها الإمام الصادق عليه السلام.

  • ارتفاع التكاليف عند البهائية مدة من الزمن

  • ذكرت للرفقاء منذ مدة، لو قال لنا الله تعالى منذ اليوم الجمعة بأنّي قد رفعت عنكم الصلوات الخمس! ألم يفعل ذلك البابية؟ فإنّه عندما أتى السيد محمد علي الباب ـ حيث قرأت كتبهم، فقد كنت أهتمّ بهذه المسائل حتى قرأت تمام كتبهم التي نزلت عليهم من السماء ـ وادعى في البداية أنّه باب إمام الزمان عليه السلام وواسطة له، وبعد مدة رفّع نفسه وادعى أنّه هو إمام الزمان، ثم ترفّع بعدها إلى ادعاء النبوة وجاء بكتاب، ثم الذين جاؤوا من بعده ادعوا الربوبية؛ منهم المرزا حسين علي نوري بهاء الله الذي ادعى النبوة. ومن جملة المعاجز التي جاء بها المرزا حسين علي النوري بهاء الله رئيس الفرقة البهائية ـ لقد أضعت وقتي في قراءة مطالبهم، لا داعي لأن تتلفوا أوقاتكم في ذلك فقد انتهى أمدهم وأقفل ملفّهم ـ وقد ذكر في كلامه بأنّ أوصياء نبي آخر الزمان اثنا عشر، لكن بما أنّي جئت من بعده، وأمتي أفضل من أمة النبي من ناحية التكامل فأوصيائي سيكونون أربعة وعشرين، يأتي التالي من نسل السابق إلى أن يصل الأمر إلى الوصي الرابع والعشرين الذي سيقوم بالأمر. لكن حفيده شوقي أفندي لم ينجب أصلاً وانقط نسله من بعده [ضحك]، فرأوا أن ماء وجههم قد أريق بهذا الأمر، فذهبوا وجاءوا بطفل واجتمعوا فيما بينهم وأسسوا هيأة

    1. بحار الأنوار، ج ۷٩، ص ۱٩۳.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

12
  • أمناء، وقدّموا هذا الطفل على أنّه ابن هذا الرجل وأنّه هو الرئيس، ومن اللطيف أنّ هذا لم ينجب أيضاً.. وهذه كلّها من معجزاته، وقراءتها تنفع لهضم الطعام [ضحك]. وكانت هذه المطالعات منذ مدة طويلة، منذ ثلاثين سنة تقريباً أو ثمان وعشرون أو تسع وعشرون سنة.

  • والحاصل أنّ هذا السيد محمد علي الباب عندما وصل إلى مرتبة الرسالة والنبوة أول ما قام به ـ لكي يرفع التكليف عن الأمة ـ أنّه نسخ شريعة النبي وأعلن ذلك، وبما أنّه لا يوجد بديل بعد في الشريعة الجديدة فقد كان هناك فترة من عدم التكليف لأصحابه وأتباعه لمدة سنة أو سنتين، والحاصل أنّ أتباعه أرخوا حبلها على غاربها في هاتين السنتين ـ لن أوضح أكثر من ذلك ـ وقد نالوا من الفيوضات فيها الشيء الكثير؛ باعتبار أنّهم كانوا في عصر فترة وعدم تكليف، حيث نسخت الشريعة السابقة ولم تأت الشريعة الجديد بعد، ففعلوا في تلك المدة ما يحلو لهم في كل مجال، وقد نالوا بذلك فيضاً عظيماً، ولم يكن لأحد أن يقدّم لهم من الحريّة والتحرّر على طول التاريخ كمثل ما فعلهم لهم.

  • الصلاة أفضل وسيلة لارتباط الإنسان بالله

  • حسناً، لو فرضنا أنّ الله قال لنا بأنّي قد رفعت عنكم الصلاة ـ إما لمدة محدودة أو دائماً ـ يعني أنّه رفع هذه الوسيلة من الارتباط به! فهل علينا أن نفرح بذلك ونقول الحمد لله لقد رفع عنّا تكليف، فلن يعاقبنا على عدم إتياننا بالصلاة، أو علينا أن نلطم وجوهنا عندئذٍ! فقد سلب منّا أعلى وأفضل وسيلة لارتباط الإنسان بالله، بمعنى أنّه رفع الآثار المترتبة على هذا التكليف ورفع تلك النعمة التي تحصل لنا من خلال الصلاة؟ هذا نوع من التفكير وفهم التكليف. بناء على ما يمليه الإسلام والأئمّة عليهم السلام نرى أنّ مسألة التكليف من هذا القبيل؛ بمعنى أنّ الأوامر والنواهي هي أوامر ونواهي تكوينية، فإن لم نمتثل يعني أنّنا خسرنا، دون أن يكون هناك شيء آخر، وعليه ينبغي أن يقال للخواجة سعدي عندما قال:

  • عبادت به جز خدمت خلق نیست‌***به تسبیح و سجادّه و دلق نیست

  • (العبادة ليست هي سوى خدمة خلق الله، وهي ليست عبارة عن التسبيح والصلاة والذكر)

  • يقال له لقد أخطأت بهذا الكلام! حيث ظن أنّ معنى العبادة أن يأتي جماعة ويصلّوا دون أن يترتّب على هذا الفعل أي أثر، لو كان جناب سعدي يدرك لحظة واحدة من لذّة عبادة الصلاة والصوم والارتباط بالله لما صدر منه هذا الكلام. نعم، نحن نقبل بأنّ خدمة الخلق من أفضل العبادات، لكن لا أن نقول بأنّ العبادة ليس سوى الخدمة.

  • خدمة الناس وقضاء حاجة المؤمن ينبغي أن تكون بعد تهذيب النفس وتزكيتها

  • سأل المرحوم العلامة يوماً أستاذه المرحوم الشيخ الأنصاري عن أفضل عمل في الطريق إلى الله يوصل الإنسان بسرعة إلى المقصود؟ فقال له: بعد القيام بالفرائض والواجبات وترك المحرّمات، أفضل عمل يوصل الإنسان إلى الله هو قضاء حاجة المؤمن! نعم خدمة الخلق مهمة جداً، ولدينا الكثير من الروايات التي تؤكّد ذلك۱، لكن لا أنّه لا يوجد سوى خدمة الخلق. فما لم يصل الإنسان إلى مقام التهذيب في مقام العبادة والإتيان بالتكليف لا يمكنه خدمة الناس، لقد جعلنا خدمة الناس ـ من دون ملاحظة جانب التهذيب ـ وسيلة للفرار من السير على الطريق والفرار من التكليف.

    1. . راجع: الكافي، ج ۲، ص ۱٩۲، باب قضاء حاجة المؤمن.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

13
  • يقال لك: سيدي اخدم الناس! إذ ما الفائدة في الصلاة؟ اذهب واخدم الناس دون الذهاب إلى الحج! ما تريد أن تنفقه في الحج أنفقه على الفقراء!

  • يا عزيزي خدمة الناس والإنفاق على الفقراء لها مكانتها، لكن مسألة العبادة إلى جانب الخدمة لها مكانتها الخاصة أيضاً! العبادات والتكاليف التي يقوم بها الإنسان توجب تهذيب نفسه أولاً، فإن حصل هذا التهذيب أمكن للإنسان أن يخدم الناس، وإلا فخدمة الناس ستؤدّي به إلى أمور أخرى.

  • لماذا ورد في الروايات وكلمات العظماء كل هذا التأكيد على أنّه يجب على الإنسان الوصول إلى تهذيب النفس۱؛ بمعنى أن يصل إلى مقام العبودية؟ إنّما هو لأجل هذا الأمر. فالإنسان الذي لم يصل بعد إلى تهذيب نفسه سوف يوجب العناء للناس والضياع للخلق. لكن البعض لأجل الفرار من مسألة التهذيب ومجاهدة النفس، قاموا بالتشبّث بعمل بعض أصحاب الأئمّة عليهم السلام وتأييدهم لهم؛ مثل علي بن يقطين أو محمد بن إسماعيل بن بزيع، حيث كان علي بن يقطين في حكومة هارون الرشيد وكان مورد تأييد الإمام الكاظم عليه السلام. إذن علي بن يقطين عندما كان في حكومة هارون كان بأمر ولي الله، لا أنّه كان في ذلك المنصب من تلقاء نفسه، فعندما يعطي الإمام عليه السلام دستوراً لشخص في القيام بعمل ما، يكون نفس الإمام من ورائه ويحيط به وتكون أعماله كلّها مورد تأييد الإمام. ألم يقع نفس علي بن يقطين مورد غضب موسى بن جعفر عليه السلام لتساهله في بعض الأمور، وقام الإمام عليه السلام بتصحيح فعله؟

  • إذن فالمسألة ليست أن يأتي أي شخص ويقول نحن نخدم الناس! فالنفس التي لم تصل بعد إلى مرتبة التهذيب لا يمكنها خدمة الناس في تلك الوضعية. لا يمكنها أن تجعل نفسها في مقام الولاية والاستيلاء على النفوس، وتمنح نفسها حقّ التحكّم بالنفوس من دون تأييد وإشراف من قبل الإمام عليه السلام.

  • اشتغال بعض أصحاب الأئمة في حكومات الظالمين كان بأمر منهم

  • لقد كان محمد بن إسماعيل بن بزيع من الذين اشتغلوا في حكومة خلفاء بني العباس بأمر من الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، وهناك عبارات ذكرها الإمام الرضا عليه السلام في حقّه مهمة جداً ـ واتفاقاً بحثت عن تلك الرواية البارحة ـ ورأيت أنّه من الحيف أن لا أقرأها للرفقاء:

  • ورد في كتاب رجال النجاشي عن الإمام الرضا عليه السلام: إنّ لله تعالى بأبواب الظالمين مَنْ نوّر الله له البرهان، ومكّن له في البلاد، فيدفع بهم عن أوليائه ويصلح بهم أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمن من الضرّ، وإليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقّاً، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما يزهر الكواكب الدرّية لأهل الأرض".

  • انظروا بماذا يصف الإمام عليه السلام من يكون منصوباً من قبله ومجازاً منه بالعمل في حكومة الظالمين، يقول: "أولئك مِن نورهم يوم القيامة تضيء القيامة، خلقوا والله للجنّة وخلقت الجنّة لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كلّه. فقال محمد بن إسماعيل: قلت بماذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد"۲.

  • ثم يأتي البعض ويحمل هذه الرواية الواردة في محمد بن إسماعيل بن بزيع، أو تلك المرتبطة بعلي بن يقطين ويطبّقها على نفسه!

    1. . راجع: وسائل الشيعة، ج ۱۵، ص ۱٦۱، أبواب جهاد النفس.
    2. . رجال الكشي، ص ۳۳۱.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

14
  • هل تتخيّل أنّ مالك بن الأشتر النخعي ذهب إلى مصر برغبة منه؟! وهل تتصوّرون أنّ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قد ابتعدوا عنه رغبة منهم؟ كلا فهم لم يرغبوا بالابتعاد عن أمير المؤمنين في الكوفة لحظة واحدة! هل كان مالك الأشتر يرغب في الذهاب إلى مصر وتولّي الحكومة هناك؟ ومن المعلوم أنّ حكومة مصر كان قد اشترطها عمرو بن العاص على معاوية أن تكون له إن انتصر على عليّ في حرب صفين، فأتى وساعده في الحرب على هذا الأساس. انظروا كم هو الفرق بين الأمرين؟! أحدهما لم يكن يرغب بمفارقة مولاه، ويعتبر أنّ البقاء مع مولاه أفضل من حكومة الأرض كلّها، والآخر لأجل الوصول إلى هذه الحكومة، يشنّ الحرب على خليفة رسول الله ووصيه بالحق، ويكون سبباً في قتل عشرات الآلاف! نحن من أي قسم من هذين القسمين؟! ينبغي أن لا نخدع أنفسنا يوماً ما! فعلي بن يقطين كان كارهاً بتمام وجوده للبقاء في حكومة هارون وخلفاء بني العباس، ومع ذلك يأتي البعض ويقول هذا جيد إذا كان فيه خدمة للناس وإحياء للحق ورفع للظلم وغيرها.. كلا بل الإمام عليه السلام هو الذي دفعه إلى ذلك. ويوجد لدينا رواية أخرى مؤيّدة لهذا المطلب:

  • يقول المرحوم العلامة: بأنّ هؤلاء الأشخاص لأجل الوصول إلى أهوائهم النفسانية والمنافع الدنيوية، يُلبسون عملهم هذا ثوباً إلهياً ويبحثون عن دليل إلهي ويطبّقونه على أنفسهم.

  • ـ فإن قلت له: ألا تريد أن تعمل لصالح إمام الزمان؟! ألا تريد أن يكون عملك لله؟! إذن تفضّل واجلس في منزلك، فالإمام سيكون أكثر راحة عندئذٍ!

  • ـ سيقول: لا! لا يصح ذلك، نحن نريد أن نخدم الناس!

  • ـ ألا تريد أن تخدم الناس لأجل الله تعالى؟! الإمام يقول لك اذهب واجلس في منزلك!

  • حتماً لا يمكنه ذلك؛ لأنّه يريد أن يصل إلى رئاسة ومسؤولية.

  • علي بن يقطين ذاك أو محمد بن إسماعيل أو مالك الأشتر أو قيس بن سعد بن عبادة وأمثالهم كانوا ينتظرون أن يصدر حكم عزلهم من قبل الإمام ليعودوا إلى الكوفة ويجلسوا في بيوتهم. هكذا كان هؤلاء يخدمون الناس.

  • كيفية حكم سلمان عند توليه المدائن

  • عندما تولّى سلمان الفارسي حكم المدائن من قبل عمر.. هل تدرون كيف ذهب إلى المدائن؟ حمل كيساً من الخبز اليابس وركب حماره وأخذ عصا في يده مع إبريق، وتوجّه إلى المدائن ـ وهي بغداد اليوم ـ وعندما وصلها شاهد الناس ينتظرون أمراً، فقالوا له هل شاهدت الحاكم الذي أرسله الخليفة إلينا؟ فقال من هو؟ فقالوا له: المفترض أن يرسل لنا سلمان! فقال لهم ماذا تريدون منه؟ قالوا نريد أن نستقبله ونكرمه! فقال لهم أنا سلمان، ماذا تريدون مني؟! هل التفتم؟ أتاهم على الحمار، حاملاً كيس خبز وإبريق ماء، ومعه عصا حتى إذا هاجمه كلب مثلاً طرده بها.. طبعاً سلمان لم يكن كذلك [يخشى من الحيوانات] بل كانت الحيوانات تحبّه وتطيعه.

  • وقد ورد في التاريخ أنّه عندما أتى إلى بغداد أعلن للجميع: لا ينبغي أن يغلق أحد دكانه في الليل، فلما سمع السارقون ذلك فرحوا، حيث كانوا يشقون أنفسهم بفتح الدكان الذي يريدون سرقته، أما الآن فكل الدكاكين ستبقى مفتوحة! فقال سلمان لشخص: اذهب إلى المكان الفلاني سترى مجموعة من الكلاب، وقل لرئيسهم: يقول لك سلمان حراسة المدينة الليلة بعهدتك! وفي الصباح أتى الناس إلى السوق فشاهدوا جثة هنا وجثّة هناك، والكلاب تجول في المكان.. هذا حاكم من الحاكمين! فإن كنت مثل سلمان فاذهب وتحمّل المسؤولية واقبل بها، وإلا فلا تخدع نفسك عبثاً، فحتى لو خدعنا الآخرين، لكن لا يمكننا أن نخدع الله!

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

15
  • التصدّي للعمل الاجتماعي مع عدم التهذيب يوقع في الظلم

  • ورد في صحيحة داود بن زربي: أخبرني مولى لعلي بن الحسين عليه السلام، قال: كنت بالكوفة [بعد وفاة الإمام السجاد وفي زمان الإمام الصادق] فقدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة، فأتيته، فقلت له: جعلت فداك [أنت تعرف الحكام عندنا] لو كلّمت داود بن علي أو بعض هؤلاء، فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل! قال: فانصرفت إلى منزلي فتفكّرت فقلت: ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور، والله لآتينه ولأعطينه الطلاق والعتاق والأيمان المغلظة ألا أظلم أحداً ولا أجور ولأعدلن، قال: فأتيته فقلت: جعلت فداك إني فكّرت في إبائك عليّ فظننت أنك إنّما منعتني وكرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم، وإنّ كل امرأة لي طالق وكل مملوك لي حرّ عليّ، وعلي إن ظلمت أحدا أو جرت عليه وإن لم أعدل، قال: كيف قلت؟ قال: فأعدت عليه الأيمان فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك!"۱.

  • أنتم تتصوّرون أنّ المسألة بسيطة إلى هذا الحد! كلا المسألة ليست كذلك! بل هي صعبة جداً، فجميع هذه التكاليف التي أمرنا الإمام الصادق عليه السلام أن نقوم بها إنما هي لتهذيب النفس، فأولاً على الإنسان أن يهذب نفسه، ثم يذهب لخدمة الناس.. طبعاً المراد بخدمة الناس ليس الأمور الخاصة والجزئية، فهي من المسائل اليومية، بل المراد بالمنهي عنه هو التصدّي العام للحكومات وتولّي الولايات وأمثال هذه الأمور العامة، والدخول في حكومات الظالمين.. فهذه هي التي تحتاج إلى تهذيب النفس.

  • قال لي المرحوم العلامة رضوان الله تعالى عليه: بعد الأحداث التي حصلت في سنة ۱۳٤۲ ش (۱٩٦۳م) ومساعدة القائد التي كانت منه في ذلك الوقت والقضايا التي حصلت بعد ذلك ـ والتي ذكرتها للإخوان سابقاً ـ حصلت بعض الأمور فرضت عليه الابتعاد، حيث حصلت أمور جعلته يفكّر في نفسه، ما أدى به إلى الجلوس جانباً. وفي تلك السنة تشرّف بزيارة العتبات، والتقى بأستاذه السيد الحداد، قال: بمجرّد أن وصلت إلى المرحوم السيد هاشم الحداد، قال لي سيد محمد حسين! لا يصحّ التصدّي لهذه الأمور إلا من خلال إمام الزمان أو من خلال نائبه الذي لديه اتصال مباشر به، فأي من هذين الأمرين كان لديك في تلك الأعمال؟! هل كنت إمام الزمان، أم متصلاً به؟!

  • طبعاً تلك الأمور التي حصلت في ذلك الوقت ـ أنقل هذا الأمر للمرة الأولى ـ كانت تلك الأمور ممضاة في تلك الحدود التي حصلت فيها، ولكن كلام السيد الحداد كان حول الاستمرار بهذه النشاطات، والتي التفت إليها المرحوم العلامة مباشرة، وأنّ الأمور التي كانت تجري كانت على خلاف ما يعتقد، لذا انسحب من العمل بعد ذلك. وعندما ذهب إلى أستاذه السيد الحداد، قال له أيها السيد محمد حسين بما أنك لم تصل بعدُ إلى مرتبة التهذيب، وليس لنفسك اتصال مستقيم كما ينبغي بالولي الحي الإمام بقية الله أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.. كيف تجيز لنفسك أن تسير في هذا المجال الخطير جداً، والذي يشتمل على هذا القدر الكبير من الأهمية؟ هل التفت الآن إلى أنّ الواقع خلاف ما كنت تعتقد؟! هذا يعني أنّه ينبغي على الإنسان الذي يتصدّى لحمل المسؤوليات أن يكون قد وصل إلى مرحلة من التهذيب لا يختلف حاله عن حال وموقف إمام الزمان، بأن يكون يأخذ منه من جهة ويعطي من جهة أخرى، يبقى راسخا وواثقاً من أموره، لا أن يتكلّم اليوم بكلام وغداً بكلام آخر، وكل يوم أو كل سنة يتكلّم بكلام مختلف عن كلامه السابق، بل يبقى كلامه واحداً لا يتكثّر، ويقوم بفعل واحد لا أكثر، هذا هو الذي يكون قد وصل إلى مقام تهذيب النفس.

    1. . الكافي، ج ۵، ص ۱۰۸.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

16
  • التصدّي للفتيا بحاجة إلى تهذيب نفس واتصال بالإمام

  • وهكذا الأمر بالنسبة إلى المسائل الأكثر أهمية؛ كمسألة المرجعية والإفتاء، فهل تعتقدون بأنّه يمكن لأيّ شخص أن يفتي؟ وهل يمكن لأيّ إنسان أن يطرح نفسه للفتيا ويقول أيها الناس أنا الأعلم! تعالوا قلّدوني؟ كلا يا عزيزي! لا يحلّ الفتيا إلا لمن يستفتي من الله بصفاء سره وبرهان من ربّه في علانيته وظاهره۱. نعم، من الممكن أن يكون لدينا مجتهد ويأتي شخص ويقلّده، فهذا ليس مورد كلامنا، كلامنا هو في مقام الفتوى؛ أي في أنّ يظهر الإنسان نفسه للآخرين ويدعوهم لتقليده! هذا هو المراد. فقد يكون لدينا شخص مجتهد عادل وإن لم يصل بعد إلى مرحلة التهذيب، فيأتي شخص ويقول له أريد أن أقلّدك! يقول: تريد أن تقلّدني فافعل، هذا شأنك! فهذا أنا وهذا حكمي وفتواي، فإن أردت أن تقلّدني فافعل! فأنا ليس لديّ رسالة عملية ولا أيّ شيء آخر، وأنت المسؤول عن اختيارك هذا، وعليك أن تقدّم جواباً على ذلك يوم القيامة.. لكن من يأتي وينشر رسالة عملية، فهو يقول تعالوا أيها الناس وقلّدوني! هذا مقصوده.

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام لا يجوز لإنسان أن يطرح نفسه لمقام الفتوى إلا أن يكون قد وصل إلى مرحلة بحيث يأخذ الحكم من الله مباشرة بسرّه ونفسه، الإمام يريد أن يقول: إما أن أكون أنا الذي أفتي أو شخص متّصل بي. وهذا هو كلام السيد الحداد! إذن مقام الفتوى يعني أن يطرح الإنسان نفسه.. والحال أنّنا رأينا ماذا هناك!

  • وبرهان من ربه؛ يعني ينبغي أن يكون لدى الإنسان برهان ودليل من قبل الله تعالى، إذا سئل يوم القيامة لماذا أفتيت؟ لا بد أن يكون لديه دليل؛ لكي لا يكون لله عليه حجّة. أما أنا فإن لم أكن قد تجاوزت أول مراتب تزكية النفس، ولا تزال رجلي غارقة في الرمال، فهل يمكنني أن أتصدّى للفتيا؟ قد يقال: سيدنا إذا لم تتصدّ للفتيا فماذا يفعل الناس؟ ما شأنك أنت والناس! فالناس لديهم إمام، وهو يعلم ماذا ينبغي أن يفعل بهم؟ من الذي أعطاك الولاية على الناس؟ من جعلك وكيلاً عن الناس وقيّماً عليهم؟ فكلّ شخص يعرف تكليفه! نحن ينبغي علينا أن نجلس جانباً ونترك المجال للإمام، فهو يعرف ماذا يفعل! فنحن الذين نمنعه من القيام بعمله، لا بسبب انشغاله! فالمسألة تختلف كثيراً! هل تعلمون لماذا لم يظهر الإمام؟ لأنّنا قلنا له لا حاجة لنا بك يا إمامنا، فنحن نقوم بالمهام، فلماذا تظهر؟ بل الأفضل لك أن تبقى في حالة الغيبة!

  • ما أقوله لكم ليس مزاحاً! فهذا الأمر مكنون في ضمائرنا وفي اللاوعي الذي لدينا، لا نظهره لأجل مصالح معيّنة! لكن لا يمكننا أن نخادع أنفسنا.. وسوف نقع في هكذا امتحان، وسنبتلى بألف اختبار موقعية.. نعم نقول للإمام يا ابن الحسن عجل على ظهورك، نحن بانتظارك! لكن عندما نبتلى بامتحان نرى أنّنا ننكر ما كنّا نقوله، ونقول أين ذكرنا هذا الأمر؟!

  • لقد سمعت بنفسي من شخص ـ الكل يعرفه ـ يقول إذا ظهر الإمام عليه السلام فسوف يفعل ما نفعله نحن تماماً! إذا كان الأمر كذلك فلماذا سيزاحم نفسه ويظهر؟! هل هذا انتظار للظهور؟!

  • قصّة المرزا الشيرازي وكيفيّة تصدّيه للمرجعيّة

  • أنقل لكم مطلباً عن المرحوم العلامة ـ مع أنّ الوقت انتهى لكن أعتقد بأنّ الرفقاء يحبّون أن يسمعوها ـ وقد ذكره في كتاباته [مطلع أنوار]، حيث كنت أقرأ أمس فيها وصدفة وجدت أمراً فقلت من المناسب أن أذكره للإخوة، يقول: بعد وفاة المرحوم الشيخ الأنصاري كان سبعة عشر رجل من تلاميذه مجتهداً،

    1. . مصباح الشريعة، ص ۱٦: قال الصادق عليه السلام: "لا يحِلُّ الفُتيا لِمَن لا يصطَفِى [يستَفتِى] مِن اللهِ تعالى بِصَفاءِ سِرِّه وإخلاصِ عَمَلِه وعلانِيَّةِ وبُرهانٍ مِن رَبِّهِ في كلِّ حالٍ". الحديث

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

17
  • وكان كل منهم بمنزلة الشيخ من الناحية العلمية ومن ناحية التقوى والإحاطة بالمسائل، فاجتمعوا لكي يختاروا أحدهم مرجعاً للناس. وكان من بينهم المرزا حسن الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي والمرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني ذو الرئاستين والمرحوم الحاج المرزا حسين حاج مرزا خليل، والمرحوم الحاج المرزا حسن الطهراني النجم آبادي، والذين كانوا من عظماء تلامذة الشيخ الأنصاري، وكان كل منهم ذا شأن كبير، ومن جملة الأشخاص الذين لم يتم دعوتهم إلى تلك الجلسة المرحوم السيد حسين الكوه كمري، مع أنّه كان أعلم من الجميع وكان في رتبة الشيخ الأنصاري، لكنّه كان حاداً فلم يروا أنّه كان مؤهلاً لتولي المرجعية بسبب حدّته وطبعه الخاص، ولعدم امتلاكه سعة الصدر والصبر اللازم، لذا لم يدعوه إلى تلك الجلسة.

  • عندما حضروا، جرى الكلام عن من يقبل بتولي هذه المسؤولية؟ واتفق الجميع ـ وكان منهم المرحوم المرزا الشيرازي ـ على أنّ المرحوم المرزا حسن الطهراني النجم آبادي أعلم من الجميع، لكنّ المرزا حسن تأمّل قليلاً وقال: لا أنا لا أليق بهذا المقام، وإن كنت من الناحية العلمية بحسب ما يرى الرفقاء والإخوان أنّي أعلم منهم، لكن الذكاء الخاص وبعد النظر وسعة الصدر والقدرة على التحمّل الذي ينبغي أن يكون في المرجع، والذي يحوزه المرزا الشيرازي، غير موجود فيّ، وأنا أرى أنّ هذه الصفات من مختصّات المرزا الشيرازي، وقد صدّقه الجميع على ذلك وأيّدوه، وحكموا بالاتفاق بأنّ الشخص الذي ينبغي أن يتصدّى للمرجعية هو المرزا الشيرازي. وعندما سمع المرزا الشيرازي ذلك بكى.. لم يكن يمزح في بكائه، أو يظهر الحزن ويبطن أمراً آخر.. إذ الجميع كان يعرف المرزا الشيرازي.. بل المسألة عنده كانت مسألة خوف من عواقب هذا الأمر ومن حمل ثقل تقليد أمّة على عاتقه! فإنّه كان يعلم جيداً أنّ إدارة شؤون المجتمع الإسلامي محفوفة بالابتلاء والمسؤوليات الجسام.. لذا أجهش بالبكاء. ومن جهة أخرى جميع من كان في المجلس حكم عليه بضرورة التصدي للمرجعية، والحال أنّ حكم المجتهد لا يمكن ردّه.. فقال له المرحوم الحاج المرزا حسن النجم آبادي نحن نعرف بماذا تفكّر! اقبل بهذا الأمر ونحن سنكون معك ونساندك ونؤيّدك.

  • هذه هي المرجعية التي كانت عند المرزا حسن الشيرازي، يعني أنّ مسألة المرجعية والفتوى لم تكن بحيث يمكن لأي شخص أن يأتي ويتصدّى لها بسهولة، بل كانوا يفرّون منها، والحال أنّهم كانوا أمثال المرزا حسن الشيرازي بتلك الوضعية وتلك المكانة، حيث لم يكونوا يرون أنفسهم أهلاً للتصدّي لهذه المسؤولية.

  • قصّة المرحوم السيد فشاركي الأصفهاني مع المرزا محمد تقي الشيرازي

  • وقد كتب [المرحوم العلامة] في هذا الموضع بأنّه بعد وفاة المرحوم الشيرازي ،كان المرحوم السيد محمد فشاركي الأصفهاني أفضل تلميذ لديه ـ أو لا أقل من أفضل تلاميذه ـ حيث كان عالماً موجّهاً عنده.. انظروا كم كانت العدالة عندهم، وكم كانوا يسعون للحق ويتجاوزون هوى أنفسهم، وقد انتقلت المرجعية بعد المرحوم المرزا الشيرازي إلى المرزا محمد تقي الشيرازي المعروف بالمرزا الصغير. ينقل المرحوم آية الله السيد عباس الأصفهاني ابن المرحوم السيد محمد فشاركي الأصفهاني بأنّ والدي أرسلني إلى المرزا محمد تقي الشيرازي حيث كانا يدرسان ويتباحثان معاً، وقل له بأنّ عائلتي يريدون أن يقلّدون مرجعاً، فهل ترون أنكم الأعلم حتى يقلدوك، أو أنا الأعلم؟! يقول السيد عباس: بأنّي ذهبت إليه، فقال المرزا الشيرازي: لا أعرف من هو الأعلم بيننا ـ وكان يريد أن يتهرّب من الإجابة ولا يقول بأنّي أنا الأعلم ـ فإن أرادوا أن يقلّدوني فليقلّدوا! أما أنا فلن أدعو إلى تقليد نفسي.

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

18
  • وقد أرسل السيد محمد ابنه مرة أخرى وسأله: ما هو ميزان الأعلمية عندك؟ فإن كانت الأعلمية في دقة النظر والدقة في المطالب، فأنت الأعلم، وإن كانت في الفهم المتعارف العرفي فأنا أعلم! فأجابه المرحوم المرزا محمد تقي أنا لا أعرف أياً من هذين هو ميزان الأعلمية. عند ذلك أرسل له المرحوم السيد محمد بأنّي كنت أراك أعلم منّي فيما سبق، ولكن شككت فيما بعد بأني قد أكون أعلم منك بسبب استمراري في الدروس والبحوث، لكنّ مقتضى القاعدة هي أن أستصحب أعلميتك السابقة، وأعتبر أنّك أنت الأعلم، وسأطلب من عائلتي وأبنائي أن يقلّدوك.

  • نحن لا نريد الدخول في تفاصيل المسألة، نريد أن نتحدّث عن شخص بهذا المستوى من العلم وأفضل أستاذ كان في حوزة سامراء ـ والذي انتقل بعدها إلى كربلاء ـ وبعد المرحوم المرزا حسن الشيرازي كان المرحوم السيد محمد الأصفهاني إما أعلم أو في مستوى المرزا محمد تقي الشيرازي؛ بحيث ينقل بأنّ الذين كانوا يحضرون درس المرحوم السيد محمد فشاركي الأصفهاني كانوا يبلغون مرتبة الاجتهاد خلال أربع سنوات. فهذا الأستاذ المتمكّن الذي كان يرى نفسه من أمثال المرزا محمد تقي الشيرازي أمر أهله بتقليده. أنظروا كيف كانت الأمور في السابق؛ كانت بهذه الكيفية، وانظروا أي نوع من التربية كان لدى الأساتذة والمجتهدين حتى يصدر منهم هكذا تصرّف.

  • تنبيه المرحوم العلامة لأحد العلماء حول خطورة التصدّي للمرجعية

  • أذكر أنّه عندما تشرّفت مرة بالذهاب إلى مشهد في الصيف، أتى أحد العلماء ـ ولم يكن قد تصدّى بعد للمرجعية في ذلك الوقت ـ لزيارة المرحوم الوالد، فطرح عليه المرحوم الوالد مطالب، وتعجّبت كثيراً من ذلك! حيث طرح عليه مسألة كيفية الإفتاء وكيفية بيان المسألة، وأنّه إذا حصل هذا الأمر فما رأيكم؟ وهل يمكن أن يطرح أمر واحد على الجميع، أو أن يكون لكل فرد حكم خاص؟ فتعجّبتُ كثيراً من طرح هذه المطالب مع عدم وجود مناسبة لها، فهو ليس في هذا الوارد أصلاً. كما طرح عليه مسألة وأجاب عليها ذاك العالم بجواب خطأ؛ وهي أنّه إذا كان هناك شخص صلّى مدة ثلاثين سنة، لكنّه لم يكن يعرف كيفية الغسل، فإذا سألك عن حال عباداته خلال هذه المدة، فماذا تجيبه؟ فأجابه بجواب عجيب حيث قال: لا إشكال في ذلك؛ باعتبار أنّ الموالاة غير معتبرة في الغسل؛ فيمكنه أن يغسل رأسه، وبعد مدة يغسل جانبه الأيمن وبعد مدة يغسل الجانب الأيسر، فلا يعتبر في غسل الأعضاء أن يكون بشكل متوالي، وبناء عليه فصلاته ستكون صحيحة. فإنّه حتى لو كان على جنابة، لكنه في النهاية سيغتسل مرة أخرى ولو بعد أسبوع أو أسبوعين، فيحسب كل غسل منها غسلاً لجانب من الجوانب الثلاثة!

  • يا عزيزي! إلى أن يغتسل ثلاثة أغسال يكون قد انقضى شهر كامل، فماذا تقول في خصوص هذا الشهر؟ هذا إذا لم نقل بأنّه خلال هذه المدة أجنب ثانياً؟ والحاصل أنّ جوابه لم يكن صحيحاً. لكن ما كان يريد المرحوم العلامة أن يبيّنه له هو أنّك ستطرح مرجعيتك قريباً، فكيف يمكن أن تفتي بنحو واحد لجميع المكلّفين، والحال أنّ هذه الفتوى لا يمكن تطبيقها من أي شخص، إذ لكل شخص حكم خاص به؟! والحاصل أنّه لم يفهم ما كان يريد المرحوم العلامة أن يبيّنه له.

  • في وقتها التفت إلى أنّ المرحوم العلامة كان يريد أن يبيّن له ما سيحصل معه من خلال هذه المطالب، وإلا فهو لا يطرح هذه المسألة اعتباطاً، إذ كان لديه إشراف على المستقبل وعلى المسائل. وهنا ستصير المسألة أكثر إشكالاً.

  • من هنا نرى أنّ الأئمة عليهم السلام أكّدوا كثيراً على مسألة التهذيب، فليس التهذيب بهذه البساطة حتى تأتي وتقول نحن لدينا تهذيب! كلا يا عزيزي، فكلّما ذهبت إلى مكان سوف ترى أنّ الشيطان

التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء

19
  • الأقوى منك قد سبقك إلى هناك وتمكّن منه، ويدعوك إلى جانبه ويقول لك: تعال واجلس بجانبي، فهنا مقام أمن وأمان واطمئنان، فأنا أدعمك وأساعدك وأدخل في أفكارك فكرة بعد أخرى وأعطيك رأيي في كل أمر وأسوقك إلى حيث أريد.. (إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)۱. فالذين لن يكونوا مشمولين لهذه المسألة هم الذين كانوا محل رحمة الله وعنايته الخاصة.

  • إن شاء الله نتحدّث في الجلسات القادمة أكثر حول هذه المسألة، ونطرحها من جوانب مختلفة.

  • نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بما تفضّل به الإمام الصادق عليه السلام بأن نجعل المحور في أعمالنا وأفكارنا وأقوالنا هو تحصيل رضا الله تعالى.

  • اللهم صل على محمد وآل محمد

    1. . سورة يوسف، من الآية ۵۳.