/ ۱۳
  • fullscreen

علّة تشريع الأحكام الدينية

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • علّة تشريع الأحكام الدينية

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۸۵

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

علّة تشريع الأحكام الدينية

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم

  • الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم

  • محمّدٍ (اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد)

  • وعلى أهل بيته الطيّبين الطّاهرينَ

  • واللّعنة على أعدائِهم أجمعين

  • محوريّة الله في حياة الإنسان

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان البصري بأنّ العبد ينبغي أن يكون اشتغاله في أوامر الله ونواهيه؛ يعني أنّ تمام دائرة اهتمامه هي الاشتغال بالأوامر والنواهي الإلهية، دون أن يتجاوز ذلك ويعمل طبقاً لسليقته ورغباته. وقبل أن تسبقه الدواعي النفسية أو الخارجية وتوجِد له خللاً في مسير تفكيره الصحيح، يجعل فكره وذهنه متوجّهاً إلى الأوامر والنواهي الإلهية، ويسأل نفسه في كل مورد ما الذي يريده الله مني؟ وما الذي ينتظره الله تعالى مني في هذا المورد؟

  • لقد ذكرنا بأنّ هذه الفقرة غنيّة بالمطالب ـ كما هو الحال في سائر الفقرات ـ ويمكن البحث في الأبعاد المختلفة لهذه الفقرة.

  • إشكالية أنّ الشريعة تقييد للإنسان وأمر بالتقليد الأعمى

  • تحدّثنا في الجلسة السابقة حول حاجة الإنسان لطاعة الله تعالى، وما هي هذه الحاجة؟

  • بعض الناس يطرحون اليوم أنّ العبادات والتكاليف الدينية عبارة عن تقليد وتعبّد فقط؛ يعني أنّ الله تعالى خلق الناس وطالبهم بالعمل بما يقوله أشخاص مثلهم لا يختلفون عنهم في تفكيرهم ولا في طريقة اختيارهم، وألزمهم بالتعبّد بما يقولونه دون المطالبة بدليل.

  • ومن الطبيعي أنّ القبول بهذه النظرة مورد إشكال عند الكثيرين. لذا يقولون في مقام الردّ بأنّ هذه المسائل مرتبطة بالماضي، أما في الوقت الحاضر فقد بلغ الفكر والعقل الإنساني ـ بسبب التطوّر الحاصل ـ مرحلة يمكنه أن يصل إلى اختيار طرق وطرح نظريّات أفضل مما كان سابقاً. وبناء عليه، فلا يبقى أي مبرّر أو ضرورة للعمل بالمطالب السابقة، فما المبرّر للإنسان أن يقبل ببعض الأمور ويردّدها كالببغاء؟ وما الداعي لكي يبقى الإنسان مقيّداً بما نزل على نبي منذ ألف وأربعمائة سنة في منطقة مختلفة، ويطالب بالقبول بذلك؟ فقد مضى عليها ألف وأربعمائة سنة، وبطبيعة الحال فقد تغيّرت بعض الأمور وطرأت مسائل مختلفة، وصار لدى الإنسان أفكار تباين ما كان سابقاً، وقد حدث تطوّر علمّي مذهل ما يجعل المطالب المطروحة في الماضي يطرأ عليها التغيير. ومن الطبيعي أنّ المسائل العقائدية غير مستثناة من هذا التغيّر والتبدّل الحاصل.

علّة تشريع الأحكام الدينية

3
  • بطلان بعض الإجابات على هذه الإشكالية

  • وهذه الإشكالات المطروحة اليوم مرتبطة بمسألة تبعيّة الإنسان بدون قيد أو شرط لأوامر الأنبياء ونواهيهم، ما جعل البعض يهبّ ـ من باب "ملوكي أكثر من الملك" ـ للدفاع عن هذه الأحكام الإلهيّة وتوجيهها وإظهارها بمظهر مقبول للناس المعاصرين، واستخدموا كلّ طاقتهم البيانية ـ لا العلميّة، لأنّ هذا النوع من التخريج ليس علمياً، بل هو ناشئ من الجهل، أما العالم فينظر إلى هذه المسائل بشكل مختلف ـ فاستخدموا جميع جهلهم وقدرتهم وحاولوا إيجاد مبرّر ظاهري ومادّي لهذه الأحكام. مثلاً في الوضوء قالوا لماذا يجب أن تُغسل اليدان مرتين إلى المرفق وأن يُمسح الرأس والرجلان؟ قالوا لأنّ الوجه واليدين في معرض التلوّث بالغبار والأوساخ فوجب غلسهم، وكذا الحال في الرأس والرجلين.

  • لكن هذه المطالب سخيفة جداً، أولاً لأنّ اليدين ليستا في الخارج دائماً خلافاً لسائر المواضع، وثانياً لم يستطيعوا أن يفرّقوا بين مواضع الغسل ومواضع المسح. فمسألة تنظيف الجسم مسألة، ومسألة الوضوء مسألة أخرى ينبغي أن لا يخلط بينهما.

  • وكذا في أعمال الحج، أو في مسائل الإنفاق وسائر العبادات، وأنّه لماذا كانت صلاة الصبح ركعتين؟ يقولون لأنّ الإنسان يكون مستيقظاً لتوّه، فيرفق الله تعالى به ويطلب منه الصلاة ركعتين مقابل أربع ركعات.

  • لقد سمعنا أمثال هذه المطالب، وكتبت فيها الكتب. لكنّ هذه الأمور ناشئة من الجهل، لا من العلم.

  • نذكر لكم قصّة جميلة، وهي أنّ أحد الأصدقاء ـ حفظه الله ـ وهو من رفقائنا القديمين، سافر يوماً مع المرحوم العلامة، فتحدّث المرحوم العلامة بأمر أعجبه كثيراً، وعندما نزل عن المنبر ذهب إليه وقال له: لا تفتخر كثيراً بعلمك! فلا تتصوّر أنّ علمك كثير جداً، فكل علم لديك، لدينا مقابله عشرة أضعاف من الجهل، فإذا كان الأمر بالكثرة، فما لدينا أكثر مما لديك [ضحك].

  • الظاهر أنّ هؤلاء [الذين يخرّجون الأحكام بأمور ظاهرية ومادية] جهلهم كثير لا علمهم؛ لأنّ العلم في وادٍ آخر. بل العلم عبارة عن إدراك الواقع والحقائق، لا الاشتغال ببعض الأمور الاستنسابية والانتقائية التي لا علاقة لها بالواقع أبداً.

  • الشقاء والسعادة في الآخرة هما نتيجة عمل الإنسان في الدنيا

  • لقد ذكرنا في الجلسة السابقة بأنّه كيف ينبغي للإنسان أن ينظر إلى التكاليف، وكيف عليه أن ينظر إلى الأحكام الإلهية النازلة عبر الأنبياء عليهم السلام، إذ عليه أن يعمل على تصحيح هذه النظرة، ففي البداية عليه أن يحصل له تحوّل جذريّ في فكره حول مسألة الاتباع، وفي المرتبة الثانية تأتي مسألة التبدّل في الأفعال والأقوال وفي كيفية تصوّرات الإنسان.

  • فالله تعالى يصف في القرآن الكريم الذين اهتدوا أو الذين شقوا، ويقول عن الأشقياء: (إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ‌ * أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)۱‌، فالذين ليس لديهم رجاء بلقائنا وقلوبهم ليست متعلّقة بنا، وليس في أنفسهم مسألة الوصول إلى حريمنا ومقام الأمن والأمان.. فهم من الذين رضوا بهذه الحياة الدنيا وركنوا إليها، يعني يرون أنّ مجيئهم إلى الدنيا منحصر بالكسب والعمل والوصول إلى اللذّات والاستفادة من المنافع والمصالح الشخصيّة فقط لا غير. فمن الطبيعي أنّ النتيجة المترتّبة عليهم هي (أنّ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)‌، وهذا المأوى

    1. ـ سورة يونس، الآيتان ۷ و ۸.

علّة تشريع الأحكام الدينية

4
  • الذي سيصلون إليه هو بسبب أعمالهم، لا أنّنا نحن الذين وضعناهم فيه وقلنا بما أنّهم ليس لديهم رجاء وأمل في لقائنا واكتساب مرضاتنا فسوف ننتقم منهم، وسوف نتعامل معهم كذلك بسبب عنادهم وعدائهم لنا.. لا ليس الأمر كذلك!

  • إذن لماذا يقول الله تعالى: (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‌)؟ لأنّ الله تعالى ليس له حقد وبغض لأحد من مخلوقاته، بل الحقد والبغض والمطالبة والمحاسبة إنّما هي للبشر في الأرض، فالإنسان هو الذي لديه نفس، وينظر إلى الأمور من منطلق نفسي. مثلاً، يريد الإنسان أن يصل إلى مقام معيّن فيرى الآخر سبقه عليه ومنعه منه، فيبدأ بالحقد عليه ويربّي هذا الحقد في قلبه إلى أن يصل به الأمر إلى أن يبدأ باختلاق المسائل عليه. أو أنّه يريد أن يصل إلى منفعة معيّنة، فيأتي شخص ويأخذ هذه المنفعة والمصلحة منه، فيشرع بمواجهته. أو أن يخسر مطلباً معيناً فيتحسّر على فقده.

  • التعامل بين الناس قائم على أساس الحبّ والبغض النفساني

  • جميع هذه الأمور التي نراها اليوم في المجتمعات البشرية من هذا القبيل؛ يعني أنّ العلاقات بين الناس قائمة على أساس الحبّ والبغض النفساني، لا نجد في الدنيا من يحبّ ويبغض لأجل الله، هذه الدنيا التي نراها لا يقوم أي شخص فيها على العلاقة لأجل الله. [بل يقول] بما أنّه سلّم عليّ أمس فاليوم أنا أسلّم عليه، وبما أنّه لم يقم لي احتراماً في ذاك المجلس فلن أقوم له اليوم، وبما أنّي حينما راجعته لقضاء حاجتي لم يقضها لي، فحينما يحتاجني ويطلب منّي لن أقضي حاجته. هذه الأمور هي التي تتحكّم بإدارة الدنيا المعاصرة والعلاقات بها. إذن فالدنيا تقوم على أساس الجهل، لا على أساس المنطق.

  • كم شخصاً يمكن أن نجد في إيران إذا لم تقم له احتراماً يأتيك في اليوم التالي ويحتضنك؟ بيّنوهم لي! كم شخص يوجد لدينا يجعل أساس حركته وذهابه وإيابه بعيداً عن التأثيرات النفسانية؟ كم من الأشخاص نعرف أنّهم في أعمالهم وتصرّفاتهم يعملون بهذا الكلام للإمام الصادق عليه السلام قبل أن تتصرّف به نفسه، يعمل بهذه المطالب قبل أن يجعلها في دائرة نفسه ويقيسها عليها؟ كم شخصاً لدينا كذلك؟

  • التصدّي للمسؤوليّات الاجتماعية والسياسية مع وجود الأفضل دليل على التعامل النفساني

  • الآن تذكّرت هذه المسألة.. لا أدري إن كنت ذكرتها للرفقاء أم لا. منذ ما يقرب من عشرين سنة، بعد انتصار الثورة بسنة أو سنتين، ذهبت إلى إحدى المدن الشمالية في شهر رمضان للتبليغ، وتحدّثت عن كيفية ترتيب المسائل على أسس نفسانية وعدم ترتيبها على أساس إلهي، فقلت يوماً بأنّنا سمعنا جميعاً من المرحوم السيد الخميني وكان لا يزال حياً يومها، حيث قال مخاطباً نواب المجلس ـ لكنّ مراده كان عاماً لجميع المسؤولين في أي مجال في الحكومة والمتصدّين للسياسة ـ : كل من يشعر في نفسه بعدم الأهلية لتولّي المنصب الذي يشغله، فيجب عليه شرعاً أن يستقيل من منصبه، حيث ذكر هذا الأمر، بل قال كلّ من يرى شخصاً آخر غيره أليق بالمنصب الذي يشغله هو ـ ـ فيجب عليه شرعاً أن يتنحّى من هذه المسؤولية لصالح الشخص الأكثر كفاءة. وكان قد مضى على هذا الكلام مدّة سنة أو سنتين. وأثناء كلامي في ذلك اليوم: سألت الحاضرين: منذ أن ألقي ذلك الكلام، هل سمعتم أحداً قدّم استقالته من منصبه؛ سواء في ذلك نواب المجلس أو الوزراء أو الوكلاء أو المديرون العامّون أو سائر الموظّفين في أي منصب كانوا، علماً بأنّهم يرون حتماً من هو أجدر منهم بهذه المناصب التي يشغلونها؟! من يعرف شخصاً استقال من منصبه وقال للناس لقد رأيت أنّ فلاناً هو أجدر منّي بهذا المنصب، فانتخبوه! هل حصل مثل ذلك؟! لم يحصل ذلك!

علّة تشريع الأحكام الدينية

5
  • فهل أنّ كلاً من هؤلاء المسؤولين يروى نفسه أفضل من ستين مليون إنسان موجود في إيران بهذا المنصب الذي يشغله؟ فإن كان كذلك، فيا ويلاه، وعندئذٍ ينبغي أن نتناول المسألة من منظار آخر! ولكن المسألة ليست كذلك حتماً.

  • وكل من يرى في نفسه وفكره وباطنه.. (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‌ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَ لَوْ أَلْقى‌ مَعاذِيرَهُ)۱،‌ حيث إنّ الإنسان أعرف من غيره بنفسه؛ فأنا أعلم منكم بما في نفسي وبنقائص نفسي، فأنتم ترون ظاهري الجميل؛ وترون انتسابي إلى المرحوم العلامة، وهذا أمر عظيم لا يوجد أعظم منه، ومن جهة أخرى، نرى هذا الظاهر وادعاء التبليغ والإرشاد عن رسول الله، وأمثال ذلك، فلا بد أن لا يكون هناك أي خلل أو نقص في الوجود المبارك. حسناً هذه هي نظرة الرفقاء اللطيفة إليّ، أما أنا إذا خلوت بنفسي ـ بل قد أصل إلى ذلك حتى من دون خلوة ـ أجد أنّ حالي وخيمة جداً، يا ويلاه.

  • ظاهرش چون گور كافر پر حُلل‌***باطنش قهر خدای عزّ وجّل

  • (ظاهره كقبور الكافرين مزيّن بالحلل، لكن باطنه عذاب الله عز وجل)

  • هذا لسان حالنا.

  • فكل فرد يمكنه من خلال النظر إلى باطنه والتفكير في نفسه أن يدرك نفسه أفضل من الآخرين، وأنتم أيضاً يمكنكم من خلال التفكير في باطنكم ونفسكم أن تعرفوا أنفسكم أكثر منّي.

  • حسناً، فمع التوجّه إلى هذه المسألة، هل جميع الذين تصدّوا للمسؤولية في منصب أو مكان معيّن.. هل هم في ضميرهم وفي خلوتهم يرون أنفسهم أحقّ من غيرهم في هذا المنصب؟ هل المسألة كذلك فعلاً؟ حتماً ليست كذلك! فإن لم تكن المسألة كذلك، والحال أنّه قال: لا يجوز شرعاً البقاء في منصبه! فاعلموا في أي مصيبة وأي مشكلة نحن!

  • نسبة إرادة الله إلى مخلوقاته على نحو واحد

  • حسناً، بناء على ذلك، كل ما يمكننا في هذا المقام طرحه هو حول كيفية ارتباط الإنسان بالله تعالى.

  • فالله تعالى يريد أن يقول لنا: أنا لست بشراً، وليس لديّ حبّ وبغض، بل ليس لديّ نفس أساساً حتى أحقد على أحد، فالناس عندي سواء، فمَن من مخلوقات الله كان له اختيار أو إرادة في خلقه؟ بدءاً من الأفراد العاديين وانتهاء بأشرف الكائنات رسول الله. فإذا لم يكن لدى نفس رسول الله اختيار في خلقه، بل كان في هذا المقدار من خلقه محكوماً لإرادة الله وتقديره كما هو الحال بالنسبة إلى خلق حشرة أو نملة، فكل منهما سواء في هذا الأمر. فكما أنّ النملة بصغرها ليس لها أي إرادة أو اختيار في خلقها ووجودها، بل تمام مسائلها وخلاياها وخلقها ووجودها مستند إلى الله ومستند إلى العلل والأسباب الربوبية، فكذلك حال رسول الله ليس له أي دخل في وجوده، وكلاهما من هذه الجهة في نقطة الصفر المحض أمام الله.

  • بناء على ذلك، فإرادة الله تعالى وعنايته بالنسبة إلى جميع المخلوقات على نحو سواء، ولا تفاوت بين أحد منهم أبداً، ونسبته إلى الجميع بنحو واحد. نعم هناك أشخاص يختارون طريقهم ومصيرهم بأنفسهم ولديهم إرادة في ذلك، فقد ذكرت المطالب للجميع وبيّن الطريق للجميع؛ لكن يأتي شخص ويختار هذا الطريق وشخص آخر يختار طريقاً آخر. لقد جعل الله تعالى للإنسان رفيقين؛ أحدهما يهديه إلى الإيمان والتقوى، والآخر يسوقه إلى الدنيا والشهوات واللذّات وترك الدين، والإنسان حرّ في اختيار أيّ الرفيقين منهما، فبعضهم يختار هذا الرفيق وبعضهم يختار ذاك. والمسألة هي كذلك.

    1. ـ سورة القيامة، الآيتان ۱٤ و ۱۵.

علّة تشريع الأحكام الدينية

6
  • الفرق بين عليّ ومعاوية في العمل الإلهي أو العمل الشيطاني

  • لقد تم بيان الطريق للجميع؛ بعضهم يذهب باختياره إلى هذا الطرف وبعضهم إلى ذلك، فهذا يصير رسول الله وذاك يصير معاوية بن أبي سفيان.

  • لقد ذكرت لكم في الجلسات السابقة بأنّ الفرق بين معاوية وأمير المؤمنين يكمن في أنّ لكلّ منهما عقلاً، غاية الأمر أنّ هذا استعمل عقله في الأمور الإلهيّة فصار عليّ بن أبي طالب، وذاك استعمل عقله في الشيطنة فصار معاوية، فهو لم يكن معاوية من البداية، ولا تتصوّروا بأنّ الإدراك والفهم قد خرجا منه بشكل كامل، فقد جاءه الكثير من الأشخاص من الكوفة أو من المدينة؛ ومنهم صعصعة بن صوحان ومنهم حجر بن عدي، ومنهم بعض النساء اللاتي قدمن على معاوية للتحدّث معه ببعض المسائل، وعندما جرى الحديث عن أمير المؤمنين وكانوا يتحدّثون أمام معاوية عن أمير المؤمنين، كان يبكي وتجري دموعه، لم يكن يخادع في ذلك، بل إنّه كان يتأثّر واقعاً بكلامهم.

  • نفس المأمون الملعون قاتل الإمام الرضا عليه السلام، بقي إلى سنوات بعد قتله الإمام، عندما يذكر اسم الرضا أمامه كان يبكي، ولم يكن يتظاهر في ذلك! هؤلاء لم يتبدّلوا بشكل كامل إلى حجر وحديد لا إحساس لهم ولا فكر لديهم، كلا بل كانوا بشراً، غاية الأمر أنّهم بقوا معاندين، فلماذا لا تعطي الحقّ لولده محمد بن علي الجواد، والحال أنّك تعلم بأنّه وولده هم الحق؟ سيقول لك: إنّ الملك عقيم! والسلطة لا تعرف أماً ولا أباً، فكل من تغلّب واستوى على السلطة فلن يلحظ أحداً أبداً، فحتى لو نازعه في ذلك ابنه فسوف يقضي عليه. ألم يفعل ذلك الملوك؟ ألم يقلع بعضهم عيون أبنائهم، ألم يقتل بعضهم ابنه؟! نعم فعل ذلك، وبمجرّد توهّمه بأنّ هذا الولد سوف ينحّيه ويستولي على الملك كان يسلّ عينه أو يقتله.. ولا زلنا نرى ذلك حتى اليوم، ونرى ماذا يجري في هذه الدنيا.

  • فالنفس عندما تتغلّب على القوى العقلانية والإلهية في الإنسان يصير يصدر منه هكذا أعمال، وهذا الأمر ليس فيه ماضٍ وحاضر. وأولئك الذين يقولون بأنّ الإنسان قد تطوّر، فأين هذا التطوّر الإنساني؟ فهل ارتفعت هذه المسائل من البين؟! وهل بعد مضي ألف وأربعمائة سنة لم نعد نرى هذه المسائل؟ كلا! بل صرنا نراها بشكل أشدّ وأكثر! لذا ينبغي أن نقول: للأسف! فنحن من هذه الجهة، ليس فقط لم نتطوّر بل إنّنا نزلنا إلى الحضيض ومنتهى الذلّ والحقارة.

  • وهذا المطلب موجود في جميع أفراد البشر، وهو يحصل باختياره، لا أنّه دون اختيار..

  • الموجب لترقّي الإنسان هو العمل الاختياري

  • تحدّث المرحوم العلامة يوماً في جلسة حول هذه المسألة، وقال بأنّ الكثير من هذه المسائل التي يبتلى بها الإنسان ـ كالأمراض وسائر الابتلاءات غير الاختيارية ـ يعتقد البعض بأنّ هذه الابتلاءات موجبة لترقي الإنسان وتكامله الطولي، وأنّ هذه الأمراض توضح للإنسان الحقائق بشكل أوضح، وبالتالي يصير الإنسان أقرب إلى الله بسبب هذا التكامل الطولي. ثم قال: بأنّ هذه الابتلاءات وهذه الأمراض توجب تنظيف الإنسان وتصحيح الإنسان، لا أنّها توجب ترقّيه وتكامله، يعني أنّ الكدورة التي حصلت للإنسان من خلال الذنوب وأثقلت ظهره وأظلمت قلبه وجعلته يشعر بالكدورة والثقل، سوف ترتفع عنه بواسطة هذه الابتلاءات وهذه الأمراض، ولدينا الكثير من الروايات التي تفيد ذلك. أما التكامل والترقّي الذي يحصل للإنسان إنّما يتحقّق فقط من خلال اكتسابه الأمور الاختيارية والإرادية، يعني ما لم يفعل الإنسان شيئاً باختياره وإرادته فلن يحصل له تكامل طولي، وهذا التكامل الطولي مشروط بالعمل والاكتساب.

علّة تشريع الأحكام الدينية

7
  • ورد في الآية التالية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)۱. فينبغي أن يكون قد آمن وعمل صالحاً، أما الإيمان وحده فلا يكفي، ومجرّد الاعتقاد لا فائدة فيه، فإذا لم يتبعه بالعمل، فلن يكون معتقداً واقعاً، بل سيكون مخادعاً لنفسه. فالله تعالى إنّما يهدي الذين آمنوا بإيمانهم؛ يعني بالمقدار الذي يكون الإيمان راسخاً في قلوبهم يكون لديهم تكامل. إذن فلنصلح إيماننا ولنعمل على تحصيل ما هو المطلوب منّا في مجال الإيمان، هذه هي المسألة المهمّة. فالهداية إنّما تحصل من خلال الإيمان، فبمقدار ما يكون نور الإيمان أشدّ في قلوبهم بمقدار ما يحصل لديهم هداية، وكلّما نقص الإيمان نقصت الهداية بمقدارها.

  • الناس مختلفون في علاقتهم بالأولياء

  • الذين كانوا على علاقة بالمرحوم الوالد رضوان الله عليه، كان إيمانهم واعتقادهم به مختلفاً؛ فبعضهم ينظر إليه كعالم فقط، والعالم ربّما يشتبه في فتواه وفي مسائله الخاصّة، وربما يكون مصيباً، وبالتالي ستكون علاقته به ضمن هذه الحدود لا أكثر؛ إذ لا يرى أيّ فرق بينه وبين الآخرين من هذه الجهة، فهو عالم درس كالآخرين، وهو فاضل مجتهد له خصوصيّات معيّنة كما هو الحال عند سائر العلماء، وبطبيعة الحال لن يكون هناك إطاعة وانقياد كامل له. وهذا ما نراه فعلاً بين الكثير من الناس، حيث لديهم مراتب علمية وفضيلة، لكن لا يوجد أي التزام من الناس بمطالبهم. فهم جيّدون في أنفسهم جداً، لكن يستمع الناس لهم فإن قبلوا به وأعجبهم كلامهم عملوا به، وإن لم يعجبهم ولم يقبلوه تركوه، هذا نوع من الأشخاص.

  • النوع الآخر كان أعلى من هؤلاء قليلاً، حيث يرون أنّه من ناحية المعارف له مقام ومرتبة عالية ولديه تهذيب ويشتمل على خصوصيّات أخلاقية عالية، لكن في هذا الحدّ فقط، ليس لديهم أي اعتقاد آخر فيه. وبطبيعة الحال كانوا يحترمونه، وبشكل عام كانوا يرون فيه خصوصيات معيّنة تميّزه عن الآخرين.

  • النوع الثالث كانوا في علاقتهم معه.. هذا ما أردت أن أبيّنه لكم؛ وهو أنّه ينبغي أن نعلم في أي مرتبة نحن في علاقتنا بالأوامر والنواهي الإلهية، وإلى أي حدّ تقدّمنا في ذلك، ونعلم في أي موقعية نحن، وهذه مسألة مهمّة جداً، يعني أريد أن أقول لكم بأنّ المرحوم الوالد بما لديه من خصوصيّات... أما المرحوم السيد الحداد رضوان الله عليه وإن كان أستاذه، لكن كان أستاذاً له في خصوص العرفان وإدراك الحقائق من منظار عرفاني وسلوك نفساني وقلبي وسرّي، لم يكن رجلاً سياسياً أو فقيهاً أو مفسّراً ومؤرّخاً ولم يكن اجتماعياً، بل كان رجلاً عادياً يعمل لتحصيل قوته، ثم انكشفت له هذه المطالب، فصار أستاذاً بارزاً في الأخلاق والعرفان.

  • المرحوم العلامة كان أعلم فقهياً والأعلم في التفسير وخبيراً سياسياً

  • أما المرحوم الوالد فكان متضلّعاً في مسائل مختلفة وحائزاً على خصوصيّات وظهورات متفاوتة، فهو كان من الناحية الفقهية ـ برأيي ـ أعلم علماء عصره، وفي مجال التفسير كان صاحب رأي، عندما أقول بأنّه كان صاحب رأي في التفسير فأهل الاختصاص يعرفون بأنّ مسائل تفسير القرآن ليست بهذه السهولة، بحيث كل من حمل قلماً وكتب معنى الآية صار مفسّراً! الآن لدينا أكثر من مائتي تفسير للقرآن عند الشيعة والسنة، لا يمكن معرفتها إلا عندما يقرأ الإنسان هذه التفاسير ويقف على مضامينها. الذي يمكنه أن يدّعي هذه الدعوى شخص مثل العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه، حيث كان صاحب رأي في مسائل

    1. ـ سورة يونس، الآية ٩

علّة تشريع الأحكام الدينية

8
  • تفسير القرآن؛ يعني أنّه كان قد وصل إلى محتوى الآيات، وربما يكون مفسّر آخر أو مفسران غيره قد وصلا إلى هذه المسائل، أما سائر التفاسير فهي عبارة عن ترجمة، وهذه الترجمة خاضعة لتأثيرات ذهن الشخص وفكره وانتقائه وسليقته. من يكون صاحب رأي يعني أنّه محيط بالمطالب. وكذا في المسائل الأصولية كان صاحب رأي فيها، وفي المسائل الفلسفية، نرى أنّ المطالب التي طرحها كانت على مستوى عالٍ من الدقّة، كما أنّ الأدلّة التي قدّمها والبراهين على المسائل الفلسفية كانت دقيقة جداً، يعني أنّه لم يكن مجرّد مدرّس، بل كان صاحب نظر. وأيضاً في المسائل السياسية، لا أعلم هل ذكرت لكم هذا المطلب.. بأنّه بعد ثورة ۱۳٤۲ شمسية (۱٩٦۳ م)، كان عمري في ذلك الوقت سبعة أو ثمانية أعوام، سافرنا في صيف تلك السنة إلى مشهد المقدّسة برفقة المرحوم العلامة، حيث انعقدت هناك جلسة سياسية بحضور بعض أصدقائه السابقين؛ منهم المرحوم الشهيد مطهري وآخرين من رجال السياسة في ذلك الزمان، كانوا بحدود عشرة إلى خمسة عشر شخصاً. وبعد انتهاء الجلسة، قال بعض السياسيين الذين كانوا في تلك الجلسة بأنّ رجل الدين الوحيد الذي يمكن أن يُعتنى بمبانيه السياسية هو السيد محمد حسين فقط.

  • هذا ما أذكره من تلك الجلسة، ولا يزال بعضهم حياً يرزق، يعني أنّه كان في المسائل السياسية صاحب نظر. وبطبيعة الحال أنّه كان يتعامل مع كل شخص بشكل مختلف، وكل واحد منهم يفهمه بشكل مختلف وينظر إليه بشكل آخر. وبعد انتصار الثورة، ومع غضّ النظر عن رأيه الذي نؤمن به نحن أيضاً، وإشرافه على الماضي والمستقبل، والمطالب التي ذكرها لي شخصياً عن مستقبل الثورة، والتي حصل بعضها، وبعضها الآخر لم يحصل بعد، ولن أذكره.. مع غضّ النظر عن هذه المسائل عندما كان يبحث مسألة سياسية، كنت أتأسّف فقط بأنّه لماذا هكذا رجل يجلس جانباً؟ لماذا لا يستفاد من مثل هكذا شخص كما ينبغي! الرفقاء يعلمون بأنّه لم يترك وسيلة إلا واستعملها لكي يطرح رأيه ويوصله إلى المعنيين.. أعتقد بأنّي ذكرت هذه المطالب سابقاً، وإن كانت بحاجة إلى شرح وتفصيل أكثر، ربّما أذكره في كتاباتي لاحقاً.. كان يطرح رأيه في الأمور المختلفة وأنّه ينبغي أن يكون هذا الأمر كذلك، ولا ينبغي أن يحصل ذاك الأمر.. وقسماً بالله العظيم إنّ جميع ما ذكره حصل واقعاً، وسيحصل لاحقاً كما قاله بالدّقة. حسناً هذا رأي عرفاني مع نظرة سياسية حول ما ينبغي أن يحصل.

  • بعض تلامذة العلامة كانوا يسلّمون له في المسائل السلوكية دون المسائل الاجتماعية

  • الذين كانوا على علاقة بالمرحوم الوالد على مراتب مختلفة، كما ذكرت لكم، بعضهم المعاندون فنضعهم جانباً لا نتحدّث عنهم وعن تصرّفه معهم، وبعضهم كان لديه حسن نظر به، وبعضهم كانت نظرته إليه أعلى قليلاً من ذلك؛ يعني يرون أنّ طاعته إنّما هي في الأمور التي تكون خارج المحدودة العقلانية والمنطقية التي يرونها هم. كنت أتحدّث مع الكثير من الأفراد حيث كان يعتقدون بالمرحوم الوالد ويقولون: نحن نراه صادقاً في بيان المسائل، فلو قال لي مثلاً المصلحة في أن تلقي بنفسك من هذا البناء وتموت، لأطعت مباشرة! وواقعاً يفعل ذلك، لم يكن يكذب في دعواه هذه. يعني أنّهم كانوا يؤمنون به ويعتقدون به من الناحية الفكرية والعقلية بحيث يرون أنّ القيام بمثل هذا العمل مبرئ لذمّتهم وحجّة لهم يوم القيامة، ويرون أنّ مثل هذا الشخص لديه إشراف على هذه المسألة، لكن نفس هؤلاء يعتبرون أنّ ما توصّل إليه عقلهم في مسألة العلاقات الاجتماعية والمسائل العامّة يضاد ما توصّل إليه هو، ولا يعملون بما يطلبه منهم! وهذا عجيب جداً! التفتوا إلى مراتب الإيمان؛ ترون أنّ الرجل مستعدّ للتضحية بنفسه، ومستعدّ لأن يقتل نفسه عملاً بما يطلبه الوليّ ـ إذ لا يوجد ما هو أعلى من التضحية بالنفس ـ لكنّه مع ذلك، غير مستعد للعمل بما يخالف مسائله الاجتماعية! ومن خلال نظرة إلى وجه الرجل يمكن أن يدرك

علّة تشريع الأحكام الدينية

9
  • الإنسان هذا التضاد والتناقض النفسي الذي يعيشه، وعندئذٍ لن يكون إيمانه كاملاً، بل ناقصاً. فإن كنت تعتقد بالولي بهذا المقدار، فلا بد أن يكون لديك تتمّة المسألة وتعمل بما ينسجم مع ذلك، إذ لا يمكن الفصل بينهما.

  • ومن هؤلاء الأفراد كان بعض العلماء والأعاظم؛ حيث كانوا مع المرحوم العلامة لكنّهم تخلّوا عنه في أمورهم الاجتماعية. وقد ذكرت لكم قصّتهم. وعندما سأله أستاذه لماذا لم تبيّن له ما فيه صلاحه؟ ولماذا لم يطعك في هذه الأمور؟ أجابه المرحوم العلامة: خفت أن أبيّن له ذلك فلا يعمل، لذا لم أبيّن له من أول الأمر شيئاً.

  • أنظر! هو نفسه يعترف بأنّ ما حصل عليه إنّما هو من العلامة، ويقرّ بأنّه لم يرَ مثله، وبأنّ هذا التغيير الذي حصل له إنّما حصل من قِبَله، لكن ذاك الميزان من الإيمان والمقدار من التفكير الصحيح بالنسبة إلى وليّ الله لم يكن قد وصل إلى درجة أن يسلّم له بتمام وجوده، ويجعله يسيطر على جميع حركاته ويتحكّم بتمام أفكاره، بل كان قد ترك مقداراً لنفسه. أو بعبارة أخرى، سلّم الوليّ مقداراً من نفسه فقط وترك الباقي له! وهنا عندما سألت العلامة إلى أيّ حدّ كان معك؟ قال لي: لقد أعطاني عُشر وجوده، وبقي لديه تسعة أعشار، لكن انظروا كم غيّر هذا العُشر من وجود الإنسان؟ وأي آثار أوجدها فيه؟! وانظروا ماذا فعل بتسعة أعشاره الباقية؟

  • بمقدار ما يسلّم السالك أستاذه من نفسه بمقدار ما يحصل على نتيجة

  • كيف صار المرحوم العلامة رضوان الله عليه العلامة الطهراني وبهذه الخصوصيات؟ الجميع يعرف بأنّه قد سلّم أستاذه عشرة أعشاره، لا عُشراً واحداً ولا عُشريْن ولا ثلاثة أعشار، بل أعطى جميع وجوده لأستاذه. وهنا يأخذ الأفراد بمقدار إيمانهم، (يهْدِيهِمُ اللَه بِإِيمانِهِم)، فإن أعطى عُشراً من وجوده يهديه بمقدار العُشر، وإن أعطى عُشريْن يأخذ بهذا المقدار، وإن أعطى ثلاثة أعشار فكذلك، إلى أن يُسلّم تمام قلبه ودائرة نفسه ويجعلها تحت تصرّف أستاذه. من هو كذلك؟ هو الذي يجعل ـ بحسب كلام الإمام الصادق عليه السلام ـ تمام اشتغاله في أوامر الله ونواهيه، لا أنّه يجعل مقداراً منها فقط؛ بأن يقول أنا معكم إلى حدّ المسائل السياسية، فإن بلغت السياسة فأنا بالاختيار! لكن هذا ليس تسليماً لتمامك! لذا كنت أقترح عليهم [على الذين لا يسلّمون تمام أنفسهم] ليتكم تقرؤوا رواية الإمام الصادق عليه السلام مرتين في اليوم حتى تكونوا متّبعين له في كل الأمور. لقد ذهبت أنت والعلامة الآن! فهل عرفت هناك أيّ خسارة قد حلّت بك؟ علينا أن لا ننظر إلى هذه الدعايات والشائعات وأمثالها، بل علينا أن ننظر إلى ذاك العالم، ماذا يجري هناك؟ لا ما يجري هنا، فهنا أمور كثيرة! وعلينا أن نعتبر هذه الأمور بمثابة جرس إنذار ونداء عبرة.

  • يقولون نحن معكم ما دامت الأمور لم تصل إلى التدخّل في المسائل الشخصية والعائلية، أما إذا وصلت فلن نكون معكم. أو يقولون نحن معكم ما لم تتدخّلوا في أشغالنا، وإلا فلن نكون معكم.. فماذا بعد ذلك؟

  • كل شخص يضع ما لديه بمقدار قدرته واستطاعته، وإذا لم يكن لديه قدرة فسوف يتراجع. لذا ترى بعضهم يتقدّم دون الآخرين..

  • ليس كل من كان مع النبي والأئمة عليهم السلام كان مسلّماً لهم

  • لقد كان الأمر في زمان النبي كذلك، وقد ذكرت لكم مراراً بأنّه في ما جرى على سيد الشهداء عليه السلام، نفس هذا الأمر جرى معه، حيث كان بعضهم معه إلى مكة، وبعضهم كانوا معه إلى كربلاء، وبعضهم تركوه في نصف الطريق، وبعضهم ـ نسيت اسمه ـ قال للإمام: سأضرب بالسيف بين يديك

علّة تشريع الأحكام الدينية

10
  • إلى أن أشعر بأنّ المسألة قد انتهت، ولم أعد أغني عنك، فعندها أذهب! فقال له الإمام أنت تعلم ماذا عليك! وقد أتى هذا الشخص السيء الحظ مع الإمام الحسين وقاتل بين يديه، ولكنّه عندما رأى أنّ الأصحاب قد استشهدوا جميعاً وبقي الإمام وحيداً، قال للإمام أريد أن أذهب فقد وفيت بعهدي معك، فقال له الإمام في أمان الله، فتركه وذهب.

  • كان هناك من جميع الأصناف، ولا يزال هناك من جميع الأصناف، هل تتعجّبون! يعني من الممكن أن يقتل؛ ففي الحرب لا يطعمون الحلوى، بل يوجد الرمح والسهم والسيف! عندما يقول أنا أقاتل إلى أن لا يبقى معك أحد، فالإمام الحسين يحفظه ويقول لعزرائيل لا تقرب هذا الرجل. فلا يصيبه شيء من السهام والرماح التي تطلق باتجاهه، فهذا ينبغي أن يذهب، لا ينبغي أن يقتل معنا! لماذا يجب أن يبقى ولا يقتل؟ لأنّ كربلاء ينبغي أن تكون خالصة، ينبغي أن يكون الجميع في كربلاء خالصين نموذجيين، ولو كان في كربلاء ذرة من الضعف أو النقص فلن تكون كربلاء. لأجل ذلك حفظه الإمام الحسين عليه السلام، فليضرب ما شاء أن يضرب، لكن يجب أن يبقى.

  • يُنقل في التواريخ والأساطير بأنّ البطل اسفنديار قد صنع درعاً لا يخترقه شيء مهما ضرب بالسيوف وأصيب بالرماح والنبال.. فقد يكون أمر ذاك الرجل في كربلاء كذلك، وقد يكون حفظه بسبب عوامل غيبية. أليس لدينا اعتقاد بأنّه لا تسقط ورقة من شجرة دون إجازة؟! فهذا الرجل يجب أن يبقى؛ لأنّ نيته ليست مع الإمام الحسين. وعليه فالإمام يقول حسناً أنا سأحفظك، ولن أدع شوكة تصيب جسمك، حتى لو أحاط بك ثلاثون ألفاً وأتاك من كل طرف عشرة صواريخ، فسوف أحرفهم عنك جميعاً، ولن أدع شيئاً منها يصيبك، ولن أدع شوكة تصيبك، ولن ينقص منك شعرة واحدة. وبعد أن تنتهي، أقول لك تفضل واذهب! هذا صنف من الناس.

  • وهنا ينبغي علينا نحن أن نقرّر ما الذي نفعله، لنعلم إلى أي حدّ قد وصلنا. فالطريق لا يزال مفتوحاً، ولا يمكن لأحد أن يدّعي بأنّ الطريق مغلق أمامه، أو أن يقول أتيت ولم يتم قبولي. بل يوم القيامة سيوضع ملفّ كلّ شخص أمامه، وسينكس رأسه للأسفل، فكتابه دقيق جداً..

  • الخطور السيّء يحرم الإنسان من الكمال

  • سيجد فيه أنّك ذهبت في اليوم الفلاني إلى فلان السيد، فهل تذكر ما الذي خطر في ذهنك؟ وعندما كنت تمشي هل تذكر ماذا خطر في بالك؟ تفضّل فها هو موجود هنا! فبسبب ذلك الخطور حُرمت من هذه المسألة! فهل تعتبرون أيها الرفقاء بأنّ هذه المسائل تأتي هكذا؟! كلا، فالقضايا التي تحصل لنا في حياتنا وعملنا وفي أحوالنا وأنفسنا مرتبطة ارتباطاً مباشراً بأفكارنا وخيالاتنا وتصوّراتنا. فهناك تأثير مباشر بين هذه المسألة وبين ذاك الوجود، ولا يمكننا أن نتجاوز هذه القاعدة أبداً. والمسألة دقيقة جداً جداً.

  • ينقل أحد الرفقاء بأنّ المرحوم العلامة استدعى بعض الرفقاء لكي يسلّمهم بعض المسؤوليات، قال: وأثناء مجيئنا إلى منزل العلامة خطر في بالي بأنّه لو أخّر الأمر إلى الغد لكان أفضل؛ لأنّي اليوم مرتبط بالعمل الفلاني، لكن مع ذلك بما أنّ العلامة طلب حضورنا، فلا يمكننا أن نتخلّف عن إجابته فهو الأستاذ، ولا يمكن مخالفته! وعندما دخلنا عليه ـ وهو لا يمكن أن يخدع في شيء ـ بدأ العلامة بطرح المطالب وتسليم المسؤوليات، وعندما وصل إلى هذا الشخص لم يكن قد بقي شيء له، قال حسناً، لقد تمّت الأمور، وجزاك الله خيراً، فقد عذّبناك بالحضور، وإن شاء الله نكل إليك بعض المسؤوليات في المرّة القادمة، أما اليوم فلا يوجد مهمة لتسليمك إياها. لم يقل له بأنّي عرفت ما خطر في بالك أثناء مجيئك، بل شرع بالضحك والقول له إن شاء الله موفق ومؤيّد، وإن شاء الله تصل إلى مبتغاك، وأمثال ذلك، حتى

علّة تشريع الأحكام الدينية

11
  • لا يبقى شيء في قلبه، لكنّه لا يعلم ما الذي خسره. فهو يعرف تماماً هذه الأمور، ويعرف كيف يقوم بعمله جيداً، وجميع حواسيب العالم تبقى حيارى في كيفية برمجته للأمور! فهو يخطّط جيداً لتطبيق هذه الأمور، ولا دخل لأحد في ترتيب هذه البرامج، لا أنا ولا غيري له دخل في ذلك، بل نفسه يأتي وينظّم هذه الحلقات والأحداث ويخطّط لها بشكل جيد. لكن فكرة واحدة تأتي في ذهن السالك تجعله يقف عندها. ويوجد ما شاء الله من هذا القبيل من المطالب المنقولة عن العظماء؛ في العلاقات التي تحصل للإنسان، وفي الزواج والمشاغل، كلّها تتم على أساس معادلة رياضيّة دقيقة جداً ومتناسبة بيننا وبين نفسنا، وتلك الأمور التي تحصل في الخارج مرتبطة بنفسنا. فبمجرّد أن يعترض على شيء، سيوضع كتابه غداً بين يديه، ويقال له تفضّل! لقد قمت بهذا العمل! فهل يمكن لشخص أن يتكلّم أو يعترض؟! هذا كلّه بسبب هذا الخطور وهذا الخيال.

  • الابتلاء والمرض لا يوجب التكامل بل يوجب تصفية النفس ورفع الكدورة

  • يقول المرحوم العلامة: التكامل من الناحية الطولية لا بدّ أن يكون بالاختيار والاكتساب، وأما من دون الاختيار والإرادة فلن يحصل الإنسان على تكامل طولي. نعم، يمكن للابتلاء والأمراض أن تكون باعثة على تصفية النفس، وموجبة لتذكيتها، ولرفع الكدورة والصدأ عن القلب، والروايات تفيد ذلك أيضاً. ولا شك أنّ الإنسان يرى آثار هذه المسألة. أما بالنسبة إلى التكامل الطولي فلا بد من العمل باختيار؛ فما لم تقم إلى الصلاة فلن تحصل على هذا التكامل، وما لم تقم بهذا العمل لن تحصل على هذا الأمر، ولا بد أن يكون هذا العمل على أساس الفكر الصحيح والإيمان السليم. وما لم يحصل لنا التخلّي لن نحصل على أي تكامل، لا بد أن نتخلّى ونترك كي نتكامل، وما لم يكن الارتباط الإلهي هو الحاكم علينا وعلى علاقاتنا بالآخرين فسوف نبقى ندور حول أنفسنا. فهذه المسائل قد حصلت فعلاً، راجعوا كتاب أنوار الملكوت ـ الجزء الأول أو الثاني لا أدري ـ حيث تحدّث عن قضايا المسجد، فهذه المسائل التي بيّنها هناك من علاقته به وبعائلته وعلاقته بأفراد المسجد، جميع هذه المسائل بيّنها لنا نحن، وجميع تلك الأمور تجري علينا فعلاً.

  • على الإخوان أن يقرؤوا هذه المسألة جيداً، وأن يحملوها على محمل الجدّ، ويجعلوا أمورهم وأعمالهم وعلاقاتهم قائمة على هذا الأساس، ومن عمل بذلك وطبّق هذه الأمور على نفسه قطف نتيجة عمله، فهذه الأمور أمور واقعية. لقد سلك العرفاء هذا الطريق وبيّنوه للناس، لم يتحدّثوا من تلقاء أنفسهم، أو أنّهم قالوا ذلك من باب الخطابة والتحدّث إلى الناس، بل قاموا ببيان الطريق الذي سلكوه بأنفسهم وعرضوا علينا الآثار التي شاهدوها، وقالوا لنا: تفضّلوا! هذا الطريق الذي سلكناه وأوصلنا، اسلكوه وسترون النتيجة، أما إذا سلكتم طريقاً غيره فلن تحصلوا على شيء.

  • انقطاع الأسباب الظاهرية يوجب تعلّق الإنسان بالله

  • وبناء عليه تقول الآية الشريفة بأنّ كل ما يصيبنا هو بسبب أعمالنا نحن، وفي آية أخرى: (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‌ أَنْفُسِكُمْ‌)۱، يعني عندما كانوا في البحر وحصل لهم اضطراب وخوف بسبب شدّة الأمواج، وانقطعت لديهم جميع الأسباب المادّية للنجاة، وشعروا بأنّ الأمر قد انتهى، بقي لديهم تعلّق واحد وهو التعلّق بما وراء المادّة، يعني أنّ تلك التعلّقات المادّية قد انقطعت وحلّ مكانها تعلّقات معنويّة من خلال القلب والنفس. حيث يرى أنّ المسائل والعلل المادية قد ذهبت جميعها، وما كان يراه حقاً قد انتهى وثبت بطلانه.. فإذا شاهد الإنسان موجة بارتفاع عشرين

    1. ـ سورة يونس، الآية ۲۳.

علّة تشريع الأحكام الدينية

12
  • متراً، فماذا سيفعل معها؟ لقد انتهى الأمر! فهل يمكنه أن يُهدئ البحر؟ نعم، لو كان يمكنه أن يُسكن البحر فليسكنه.. يقال بأنّ أحد العظماء كان في البحر فحصل طوفان وكادت السفينة أن تغرق، فجاءه الجميع وتوسّلوا به أن يفعل شيئاً، فقال للبحر اسكن! فسكن. فسألوه ماذا حصل؟ فقال: طوال عمري كان يأمرني فأطيع، والآن دعوته مرّة فأطاعني.

  • فهذه مسائل يصل إليها الإنسان، وهذه المطالب قد تحصل أحياناً. فالأفراد العاديون الذين لم تفتح أعينهم بعد على الحقائق، ولم يتّصل قلبهم بالمقصود، يرون العلل والأسباب مقتصرة على المادّيات، ويريدون أن يروا تبريراً مادّياً لما يحصل، وفجأة يرون أنّ المسألة قد انتهت، يعني أنّ هذه الأسباب الظاهرية بيّنت لهم واقع المسألة! أليس كذلك؟ فهم قد رأوا الأمواج الناشئة عن سلسلة من العلل والأسباب.. يقولون حسناً ماذا سنفعل؟ كيف يمكننا أن نواجه هذه العلل والعوامل المادّية؟ هنا يتوجّه القلب ـ التفت أو لم يلتفت ـ إلى ما وراء الطبيعة والمادّة، ليس الأمر بيد الإنسان، بل حتى الملحد يفعل ذلك.

  • [يقول الله] حسناً سوف نهدئ البحر ونوصل السفينة إلى برّ الأمان، لكن بمجرّد أن يضعوا أرجلهم على اليابسة سيعودون إلى ما كانوا عليه (يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ)، وسيظلمون ويعودون إلى سابق عهدهم، ثم يقول: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‌ أَنْفُسِكُمْ‌)، فأنتم تعلمون بأنّ نتيجة ظلمكم ليس مرتبطاً بنا، فلا تتصوّروا عندما تقوموا بعمل مخالف بأنّنا سنقصّر معكم هناك، بل سوف نعدّ لكم مكاناً في جهنّم، تستوعب كلّ ما يوضع فيها؛ هي مثل المحيط الهادئ، فلو وضعت جميع الناس في المحيط فلن يتغيّر فيه شيء، نعم قد يرتفع منسوب الماء فيه ملم واحد أو ملمترين.. (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)۱، فالله تعالى يقول اطمئنوا لقد هيّأت لكم في جهّنم مكاناً دافئاً، لا تقلقوا فهي واسعة جداً، بحيث إذا سئلت هل امتلأت، تجيب لا لم أمتلئ، بل هل من مزيد! لم يُملأ مني زاوية واحدة بعد! لذا لا ينبغي أن يخاف الإنسان من امتلاء جهنّم، فهي واسعة جداً، وإذا أردتم أن تقلقوا وتخافوا فخافوا من الجانب الآخر للمسألة، لأنّه لا يمكن الدخول إليها بدون عمل.. (إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‌ أَنْفُسِكُمْ)، فالظلم الذي تقومون به هو ظلم لأنفسكم وعلى أنفسكم.

  • حسناً، لقد اتضحت المسألة بهذا المقدار، وهي أنّ الله تعالى قد خلق الإنسان وهذا الوجود بنحو جعل فيه الاستعداد للكمال وللضلال. وأنّ هذه الأوامر والنواهي هي التي توجب وصول تلك الاستعدادات إلى فعليّتها، وأنّ المسائل المرتبطة بالأوامر والنواهي الإلهية ليست مسائل تعبّدية محضة؛ بحيث يكون الإنسان مجبوراً على تحمّل أمر معيّن ويحمّل نفسه ضغطاً كبيراً، ويعتبر نفسه مقيّداً بهذه القيود فإن لم يعمل بها فنتيجته كذا. كلا لا معنى لذلك! لماذا ينبغي أن يكون هناك تحمّل وضغط؟ ولماذا ينبغي أن يحصل تحكّم وإجبار للإنسان؟ هذا بخلاف ما إذا صحّحنا هذه النظرة؛ واعتبرنا إطاعة الأوامر الإلهية ـ سواء في الأمور العبادية أو غيرها ـ هي لنفعنا ولأجل بقائنا.

  • لقد ذكرنا في الجلسة السابقة بأنّنا لو نظرنا إلى أصل مجيئنا إلى الدنيا بهذه النظرة ولاحظنا هذه الخصوصيّات التي لدينا والاستعدادات التي نمتلكها، ورأينا هذه النتائج التي تترتّب عليها والأهداف التي أمامنا، والحقائق التي نراها.. فلو أنّ الله تعالى لم يرسل إلينا ديناً وشريعة، ألم نكن سنعترض على الله يوم القيامة؟ مثلاً لو فرضنا أنّ مصنعاً صنع جهازاً كهربائياً ولم يبيّن للمستهلك كيفيّة استخدامه ضمن ملف مرفق، فماذا سيحصل؟ سوف يحترق! أو مثلاً لو ذكر المصنّع بأنّه ينبغي أن تضغط هذا المفتاح لتشغيل الجهاز، فاستخدمت مفتاحاً آخر، أو ذكر بأنّه ينبغي أن تصله بالكهرباء الضعيفة ووصلته بالقوية.. فسوف يحترق. فإن لم يتم بيان كيفية الاستخدام فأي مفاسد سوف تحصل؟!

    1. ـ سورة ق، الآية ۳۰.

علّة تشريع الأحكام الدينية

13
  • التكاليف هي للوصول إلى كمال الإنسان

  • فلو فرضنا أنّ الله تعالى قد خلق الإنسان بشكل مختلف؛ كالحيوان مثلاً أو كسائر المخلوقات، فهذا حسابه مختلف، لكن إذا خلقه إنساناً بهذه الأفكار وهذه القوى العاقلة وهذه الخصوصيات وهذا الاستعداد للوصول إلى الكمال، فهذه المطالب موجودة لدينا ـ سواء كنّا مطّلعين عليها أم لا، ففي النهاية سوف نطّلع عليها يوم القيامة، وسوف نعرف ما لم نكن نعرفه، وسوف نعرف أي عوالم لدينا كنّا غافلين عنها ـ فلو كان الله تعالى قد تركنا بدون شريعة وبدون دين، وتركنا أحراراً، لا وجوب ولا تحريم ولا تضييق، بل نفعل ما يحلو لنا، فقط نمتنع عن الاعتداء على الآخرين ونفعل ما يحلو لنا؛ إذا أردتم الصلاة فصلّوا وإذا لم تريدوا فلا، وإذا أردتم الصوم فصوموا وإلا فلا، فأنا لا ألزمكم بشيء أبداً أو أحكم عليكم بشيء! ففي يوم القيامة إذا تغيّرت أفكارنا وفتحت أبصارنا ورأينا أموراً عظيمة، وشعرنا بالحسرة والغبن.. ألا نعترض على الله؟! حتماً سنعترض! وهذا من الأمور الواضحة. لكن الله من الآن قال لنا: لا تعترضوا عليّ يوم القيامة، تفضّلوا اعملوا بهذا الدين! حسناً بناء على هذه النظرة، هل يوجد إجبار وتحميل؟ إذا كنت تريد الوصول إلى الكمال وإلى الفعلية فقد جعلت لك هذا الدين وهذه الدستورات، غاية الأمر عليك أن تمشي بشكل صحيح، عليك أن تعمل بحسب ما بيّنت لك، لا أن تعمل بكل ما يقال هنا وهناك، هذا هو المهم.

  • وعليه فالأوامر والنواهي ليست لأجل الإجبار، بل هي بناء على المبنى المنطقي والصحيح الذي يقتضيه خلق الإنسان. لذا، فالمطلب الذي نريد أن ننتقل به من هذه المرتبة إلى مرتبة أخرى هو أنّ القيام بأي أمر من الأوامر في الإسلام وكفّ النفس والابتعاد عن النواهي سيكون له تأثير خاص في وجود الإنسان. يعني لو أنّ شخصاً أراد الوصول إلى كماله وأن يحصل على فعليته، فعليه أن يعمل بتمام هذه الأوامر، لا أن يطيع في بعضها ويعصي في البعض الآخر، وإلا فبمقدار ما يعصي ولا يعمل بمقدار ما يقصّر عن الوصول إلى فعليته، وهذه المسألة بحاجة إلى بحث آخر، أعتقد بأنّ الإخوة قد تعبوا، طبعاً أنا قد تعبت أيضاً.

  • إن شاء الله نبحث في الجلسة القادمة في هذه المسألة، وهي كيف أنّ أحكام الإسلام ونواهيه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بشاكلتنا الوجودية، لا أنّها عبارة عن مسائل عبثيّة، كما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة القائلين بأنّ مصلحة الله قد اقتضت أن يأمر الناس بهذه الأوامر وأن يشرّع هذا التشريع، إذ كان بإمكانه أن يشرّعه بنحو آخر، وبإمكانه أن يجعل التشريع بشكل أسهل، وأن يغيّر ويبدّل، لكن بما أنّ الله أمرنا بذلك فنحن مجبورون على الإطاعة، دون أن يكون هناك أي علاقة منطقيّة بين عمل الإنسان وبين خصوصيّات نفس الإنسان وتكامله، فالله قال لنا افعل هذا الأمر نفعله، الله قال لنا صلّ الصبح ركعتين، وقال لنا الظهر أربع ركعات، وقال الحج بهذا الشكل فعلناه هكذا.

  • إن شاء الله في الجلسة القادمة نطرح بعض المسائل التي ذكرها العظماء والمرتبطة بأسرار هذه العبادات.

  • نسأل الله تعالى أن يشملنا بعنايته ولطفه، وأن يمنّ علينا بذاك الفهم الصحيح والإدراك القويم والإيمان الواقعي بصحّة الطريق، وهذا الأمر مهم جداً، فالإيمان بصحّة الطريق وصحّة التفكير هي التي تمكّن الإنسان من الوصول إلى أعلى مرتبة من الكمال، ونسأله أن يشملنا بعناية مقام الولاية في الدنيا والآخرة.

  • اللهم صل على محمد وآل محمد