/ ۲٦
  • fullscreen

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • منشأ المباهاة وطريقة علاجها

  •  

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٩۸

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين

  •  

  •  

  • قال إمامُنا الصّادقُ عَليه السّلام: «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ أي إذا اشتغل العبد في مقام العبوديّة بأداء ما أمره الله تعالى وكلّفه به، فإنّه لا يجد أيّة فرصة لكي يستعرض نفسه وأعماله أمام الناس، ويُبرز ذاته، ويفتخر على الآخرين ويتباهى عليهم بأفعاله وظاهره الحسن.

  • يُمكننا القول إنّ سرّ السلوك يكمن في هذه الفقرة الشريفة لوحدها؛ فإن عمل الإنسان بهذه الفقرة من حديث «عنوان البصريّ» الشريف فقط، فإنّ ذلك سيكفيه، ويُمكّنه من الحركة، حيث توصّلتُ إلى هذه المسألة من خلال مرافقتي للعظماء والأولياء طيلة سنوات متمادية، وأنّ الذي عمل بها، تمكّن من بلوغ الهدف المنشود، والذي لم يعمل بها، إمّا توقّف في المسير، أو ابتُلي بمجموعة من المهلكات والموبقات، وضيّع ثرواته بأجمعها.

  • أتعس الناس وأخسرهم أعمالاً

  • ولهذا، مع أنّه كان من المقرّر أن ننتقل في هذه الجلسة إلى الفقرة اللاحقة؛ لكن، حينما فتحت البارحة كتاب الروح المجرّد لكي أطالع هذه الفقرة، رأيت بأنّه إذا خصّصنا هذه الجلسة أيضًا لِلَمْلَمَةِ الأبحاث السابقة، واستخلاص مجموعة من النتائج منها، أو لتوضيح بعض خصائصها ونقاطها الدقيقة، فإنّنا لن نكون قد شططنا في البحث؛ لأنّ هذه المسألة تحظى بأهمّية بالغة؛ فكلّ فقرة من فقرات هذا الحديث الشريف تُشكّل مفتاحًا للوصول إلى الذخائر المخبوءة والمكنونة في النفس، ولحلّ المشاكل التي تمنع الإنسان من بلوغ الهدف المنشود، وتُؤدّي إلى إتلاف عمره في الأهواء والتخيّلات والتصوّرات وعالم الاعتبارات، إلى أن ينتهي هذا العمر،

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

3
  • ويصير الإنسان مصداقًا للآية الشريفة: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}۱؛ أي: قل يا أيّها الرسول، هل أفشي إليكم سرّ هذه المسألة، وأخبركم عن أتعس الناس؟ فبعض الناس لا يُلقون بالاً في الدنيا لهذه المسائل، حيث تجدهم يقضون أعمارهم منذ البداية في اللهو والمرح والاستمتاع، ويسخرون من الجميع؛ فهؤلاء لهم حسابهم الخاصّ، وهم أعلم بحالهم مع ربّهم؛ لكنّهم كحدّ أقلّ عاشوا في هذه الدنيا بحالة من اللامبالاة؛ وعلى حدّ قول يزيد: «بما أنّني أعلم أنّه لن يكون لي أيّ حظّ من الآخرة بسبب الحادثة التي وقعت، فلأسعَ إلى ضمان جنّتي في هذه الدنيا»؛ فهؤلاء لهم حسابهم الخاصّ. وفي المقابل، توجد طائفة من الناس تتعامل مع هذه المسائل والقضايا بنحوٍ يُمكّنها من الوصول إلى الهدف المنشود من هذه الحياة، لتجني في الأخير ثمرة هذه الثروة الإلهيّة، وتصل إلى المراد؛ وهؤلاء أيضًا لهم حساب مستقلّ.

  • وأمّا الطائفة التعيسة والشقيّة التي خسرت الدنيا والآخرة، فهي التي تضمّ أناسًا يمضون أعمارهم في عالم التخيّلات والاعتبارات، ظنًّا منهم أنّهم يقومون بأعمال صالحة؛ فيُصلّون، ويصومون، ويُؤسّسون المواكب الحسينيّة، ويعقدون المجالس، ويتصوّرون بنحوٍ ما أنّهم يخدمون الناس، ويُساعدونهم، ويحلّون مشاكلهم، ويخطون خطوة في طريق خدمة الإسلام؛ في حين أنّ كافّة أعمالهم وتصرّفاتهم منغمسة في النفس، ومتخبّطة في سبل الشيطان؛ فالشيطان لا يسعى إلى غواية الإنسان بواسطة النبيذ والخمر وأمثال ذلك فقط، بل له طرق أكثر دقّة وأكبر خطورة وأعظم دهاءً؛ فيأتي، ويسلب من الإنسان عمره؛ وحين حلول الموت، يضحك ويُقهقه في وجهه، ويقول: «يُمكنك الرحيل الآن، فقد أنجزتُ مهمّتي!»؛ لقد قضيتَ هذا العمر الذي وهبك الله تعالى إيّاه في الباطل والخيال، من دون أن تقطف منه أيّة ثمرة؛ وعليك الآن أن تنتقل من هذه النقطة إلى نقطة أخرى حاملاً حقيبة مملوّة بأنواع من الأنانيّة والفرعونيّة والانغمار في الشهوات الشيطانيّة والنفسانيّة؛ في حين أنّك لا

    1. سورة الكهف، الآيتان ۱۰۳ و۱۰٤.

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

4
  • تملك أيّ شيء في صفحتك الوجوديّة وفي ملفّ أعمالك لكي تُقدّمه؛ فهكذا إنسان يكون أتعس من الجميع.

  • وهذا هو معنى {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً}؛ أي أولئك الذين يؤدّون أعمالاً تكون قيّمة جدًّا في أعين الأناس الظاهريّين، ويكون ظاهرها حسنٌ في نظر الأفراد العاطفيّين؛ فيتحرّكون، ويذهبون إلى هنا، ويستيقظون في الصباح باكرًا، وينامون في الليل متأخّرين، ويمضون يومهم من الصباح إلى المساء في السعي هنا وهناك؛ في حين أنّهم لا يقتربون من حقيقة سيّد الشهداء، ولو بمقدار ذرّة واحدة، ولا يدنون من ذلك الحريم ولو بمقدار رأس إبرة؛ فهؤلاء أتعس من الجميع.

  • لقد عرضنا على الأحبّاء مجموعة من المسائل بخصوص هذا الموضوع؛ وما أكثر الأمور التي يُقيّمونها بشكل أفضل منّا، وذلك باعتبار الخبرة التي اكتسبوها في مجالاتهم الشخصيّة والمهنيّة؛ كما سعينا بدورنا نحن لاستعراض بعض المسائل في هذا المجال ضمن نطاق تفكيرنا وتصوّرنا وقابليّتنا، وسنعمل اليوم إلى لملمة البحث، وإنهاء هذا الموضوع، لكي نصل إن شاء الله تعالى إلى بقيّة الفقرات في الجلسة اللاحقة إذا وفّقنا الباري عزّ وجلّ.

  • أهمّ أسباب المباهاة (الغفلة) وتقسيمها إلى بسيطة ومركّبة

  • وتتبيّن حقيقة هذه الفقرة من رواية الإمام الصادق عليه السلام من خلال الآية الشريفة التي تقول: {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}۱؛ أي أنّ نظر الناس وفكرهم يتوجّه إلى ظاهر هذه الدنيا التي خلقناها، وإلى الأعمال والتصرّفات التي لها صبغة ظاهريّة وحسب، ويغفلون عن الآخرة والبُعد الباطنيّ، ولا يلفتون إليهما.

  • ولا يخفى أنّ المراد من الغفلة هنا ليس معناها البسيط؛ مثلما يغفل الطفل الصغير عن مصالحه ومفاسده، بحيث يتعيّن على وليّه ومربّيه أن يُحقّق له هذه المصالح، ويُجنّبه تلك المفاسد، ولو تعارض ذلك مع رغبته، وأن يُعينه ويُنقذه من المهالك؛ لماذا؟ لأنّ عقل الطفل الصغير ومعلوماته لا تكفي في

    1. سورة الروم، الآية ۷.

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

5
  • تحديد المصالح والمفاسد؛ وحينما يُريد أن يعبر الطريق، يتوجّب عليك أن تُمسك بيده، وإلاّ، ما إن تقع عينه على سيّارة حمراء جميلة، حتّى يجري وسط الشارع، لكي يُشاهدها بنحو أفضل؛ فهو لا يعلم أنّ هذه الحركة قد تتسبّب في مقتله، أو أنّه يُقدم على أمر فيه ضرره؛ فهذا الذي يُقال عنه: يجب مساعدته وتنبيهه إلى المصالح والمفاسد؛ وهذا هو معنى الغفلة البسيطة.

  • وأمّا المراد من الغفلة في هذه الآية الكريمة، فهي الغفلة بالمعنى الأعمّ، ولو كانت مصحوبة بالتقصير؛ فالأفراد الذين قتلوا سيّد الشهداء وأبناء رسول الله في يوم عاشوراء لم يأتوا بهم من بلاد الترك والديلم الذين عاشوا قبل الإسلام، ولم يُحضروهم من ذلك الجانب من إفريقيا وجزر الكارايب؛ لا! بل كانوا يُصلّون في ليلة عاشوراء ويومها؛ وحينما أرادوا دفن قتلاهم، جاء عمر بن سعد بنفسه وصلّى عليهم مع جيشه، وترك بقيّة الشهداء لحالهم؛ وعندما أراد أن يهجم على سيّد الشهداء وأصحابه، قال: «يا خيل الله اركبي»، فذكر اسم الله تعالى، حيث لدينا في العبارات المنقولة عن بعض الزيارات المختصّة بسيّد الشهداء عليه السلام: «ويتقرّبون إلى الله بدمك».

  • فبالله عليكم، كيف يُمكن أن يحصل هذا؟! تصوّروا ذلك! فالإمام لا يكذب؛ فكيف يُمكن للإنسان أن يُصلّي ويصوم ويحضر المساجد، ثمّ ما إن يأتي ابن زياد، ويتربّع على أريكة السلطة والحكم، حتّى يرتكب أعظم جريمة في العالم؟! أ فلم يكن هؤلاء هم الذين كتبوا رسائل إلى سيّد الشهداء عليه السلام؟ ففي يوم عاشوراء، قال الإمام عليه السلام لأحد أصحابه: أحضر معك ذلك الكيس الذي وُضعت فيه تلك الرسائل؛ فجاء بها جميعًا، وأخلى ذلك الكيس في الصحراء، وقال: هذه رسائل من؟ وهذا خطّ يد من؟ وهل هذه التوقيعات تخصّني أنا؟ فطأطؤوا رؤوسهم جميعًا؛ فهؤلاء هم الذين يُقال عنهم غافلون، وغفلتهم ليست بسيطة. لقد كان حجّاج بن أبحر۱ من قادة جيش الكوفة، وهو بنفسه الذي كتب أدقّ الرسائل من الجميع إلى سيّد الشهداء، وقال فيها: يا ابن رسول الله، أيّة حجّة

    1. حجّار بن أبجر من أشراف الكوفة وقادة جيش عمر بن سعد في واقعة كربلاء، ومن الذين راسلوا الإمام الحسين عليه السلام، ودعوه إلى الكوفة؛ لكن، بعد سيطرة ابن زياد عليها، ساهم في تفرقة الناس عن مسلم بن عقيل.

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

6
  • يُمكنك أن تُقيمها في يوم القيامة أمام جدّك؟ التفتوا، فالمسألة لا مزاح فيها؛ فما أشبه اليوم بالبارحة، والفارق فقط في الزمان، حيث إنّ حادثة عاشوراء حصلت قبل ألف وثلاثمائة سنة، لكنّ الأمر نفسه موجود اليوم، وسيوجد بعينه غدًا؛ ففي كلّ يوم، هناك شمر ويزيد؛ غاية الأمر أنّ الإمام الحسين لا يوجد كلّ يوم.

  • عاشوراء هي التي يكون قائدها الإمام المعصوم وحسب

  • قبل عدّة أيّام، كنت أطالع كتابًا للمرحوم الشيخ مطهّري، ويبدو أنّه كان يحوي خطبه، فأورد هناك عبارة قال فيها: «علينا أن نتوجّه اليوم إلى حسين الزمان، ونتعرّف على يزيد وشمر [الزمان]»؛ فقلت: كلاّ! هذا الكلام مجانب للصواب؛ فصحيح أنّه لدينا شمر ويزيد في هذا العصر، حيث إنّ هؤلاء الذين قبضوا عليهم قبل عدّة أيّام في كربلاء بسبب قتلهم لمجموعة من الناس هم عين الشمر ويزيد من دون أيّ فارق؛ فعمدوا إلى تمزيق أناس أبرياء حضروا عزاء سيّد الشهداء إلى أشلاء؛ فهؤلاء لا يختلفون عن أولئك؛ ولو تمكّنوا من الإمام الحسين، لوضعوا إلى جانبه قنبلة، ولو جاء حضرة عليّ الأكبر وحضرة عليّ الأصغر، لقاموا بالعمل ذاته؛ فالشمر ويزيد موجودان اليوم، لكنّه ليس لدينا نظير للإمام الحسين، بل لدينا حسين واحد فقط؛ وهو حضرة بقيّة الله؛ فما معنى: لدينا نظائر للإمام الحسين؟! فنحن لا نعرف الإمام الحسين بالعمامة واللحية وطول القامة فقط، بل نعرفه قبل كلّ شيء؛ أي قبل يوم عاشوراء، وسفره إلى مكّة، وإقدامه على تلك الأمور، وكلامه مع الناس، وتخلّيهم عنه، وقبل إقدامه، وقبل كلّ شيء بكونه إمامًا؛ فهذا هو الإمام الحسين، وما سوى ذلك ليس هو الإمام الحسين، ونحن لا نعترف به، بل سيكون مجرّد إنسان عاديّ.

  • فلماذا صارت عاشوراء عاشوراء؟ لأنّ قائدها هو الإمام عليه السلام؟ وها أنا ذا أقول لكم: حتّى لو كان قائد عاشوراء هو حضرة أبي الفضل، لما كانت عاشوراء هي عاشوراء؛ فالإمام عليه السلام هو الذي صيّرها عاشوراء، بل حتّى لو كان قائدها حضرة عليّ الأكبر مع كلّ المكانة والعظمة التي كان يتّصف بها، بحيث نظر سيّد الشهداء إليه حين توجّهه نحو

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

7
  • عساكر العدوّ، وقال في حقّه عبارة مفادها: «لو تقرّر ألاّ تصل الإمامة إلى عليّ بن الحسين، لكان هذا الشابّ جديرًا بها»؛ وهي الآية التي كان الأئمّة عليهم السلام يستدلّون بها في مقام الاحتجاج على الإمامة بلا فصل لحضرة أمير المؤمنين والإمام المجتبى وسيّد الشهداء عليهم السلام؛ لكن، لو أنّ إدارة واقعة عاشوراء فُوّضت في ذلك اليوم إلى حضرة عليّ الأكبر، لما كانت هي عاشوراء، بل لكانت شيئًا آخر، ولاتّصفت بخصائص أخرى؛ فإذا كنّا نرى أنّ هذه الحادثة قد وقعت بذلك النحو وبتلك الطريقة، فلأنّ مديرها كان سيّد الشهداء، والمسؤول عن وضع الخطط والبرامج فيها هو سيّد الشهداء؛ ولو كان هناك أحد الأئمّة عليهم السلام بدلاً عن سيّد الشهداء، لكان الأمر بالنحو ذاته؛ كأن يكون حضرة السجّاد، أو الإمام المجتبى عليه السلام؛ ففي هذه الحالة، لن يوجد أيّ فارق؛ لأنّنا نُريد أن يوجد إمامٌ في يوم عاشوراء؛ والإمام يعني حضرة بقيّة الله؛ وهو الذي نُريده؛ ومن هنا، لا يوجد لدينا نظائر للحسين؛ أجل، لدينا نظائر ليزيد والشمر إلى ما شاء الله تعالى، وفي كلّ مكان، بحيث يتسنّى لكلّ من يشاء الوصول إلى مرتبتيهما؛ ولا يحتاج الأمر، إلاّ لقليل من الهمّة والقدرة والشوق والإرادة؛ فكلّنا نستطيع أن نكون شمرًا أو يزيدًا! وكلّ من يقدر على ذلك، فالطريق مفتوح أمامه؛ فإذا تعدّينا الحدود، فإنّنا سننتهي إلى هناك! ونصل إلى الشمريّة واليزيديّة! فالشمر ويزيد لم يكونا بذلك النحو منذ البداية، ولا تظنّوا أنّهما كان يتوفّران منذ البداية على قرون وذيل وأمثال ذلك.

  • مثال من عاشوراء على مسألة الغفلة

  • لقد قرأت في موضع ما أنّ سماحة الشمر بعينه كان في معركة صفّين من قوّاد أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه ضُرب بسيف على وجهه، وبقي أثر تلك الضربة إلى آخر عمره، بحيث لو أنّها كانت أقوى قليلاً، لاستشهد في صفّين؛ لكن، ينبغي أن يبقى ذلك عبرة لنا، لكي نخاف ونقلق؛ كما أنّ عمر بن سعد كان له شأن، بحيث حينما كان يقف للصلاة في الكوفة، فإنّ المؤمنين كانوا يأتون ويقتدون به؛ وحينئذ، هل تظنّون أنّه كان يتوفّر على سنّ ظهر في هذه الناحية [من

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

8
  • وجهه]، وأنّ له ذيلاً برز من خلفه، وأنّ له قرنًا طلع من رأسه؛ لا يا عزيزي! فهؤلاء لم يكونوا بهذا النحو. لقد اختار ابن زياد أفضل الرجال لمواجهة سيّد الشهداء؛ حتّى إذا مرّ عليه السلام من هذه الناحية، يكون بوسعه أن يقول: حسنًا، ففي الناحية الأخرى، يوجد عمر بن سعد أيضًا، وانظروا إلى عمامته الجميلة، ولحيته التي مشطها بطريقة جيّدة، وعطَّرها بعطرٍ فوّاح، وانظروا، ففي الناحية الأخرى، لدينا رجل عالم بالمسائل [الشرعيّة]، وصاحب عشيرة، وذو نسب رفيع؛ فهو لم يأت بمجرم الحيّ، وجعله قائدًا، بل سعى إلى انتقاء هكذا شخصيّة بين الناس، كما أنّ الشيطان ذهب عند أولئك وانتقاهم.. أنت الذي يُمكنك أن تصلح للوقوف بوجه ابن النبيّ! إذ ليس كلّ واحد يقدر على هذا الأمر، بل أنت الذي يُمكنك أن تفعله! إنّ هذه الأمور تُشكّل جرس إنذار بالنسبة إلينا.

  • فنحن نسمع بواقعة عاشوراء، وبالمسائل [التي حصلت فيها]، لكن، إن أردنا التأمّل في هذه المسائل، فإنّها جديرة حقًّا بالتأمّل؛ وبحقّ، فإنّ كلّ مسألة من هذه المسألة تستحقّ التأمّل والتفكير. لقد كان الحجاج بن أبحر هو الذي كتب أبلغ رسالة لسيّد الشهداء، وقال فيها: «يا ابن رسول الله، أيّ جواب تُقدّمه إلى جدّك إن قلنا له إنّنا دعوناك إلى مقارعة الظلم، وأخرجنا سيوفنا من أغمادها في سبيل نصرته، وقدّمنا أرواحنا في طبقٍ من الإخلاص، لكنّك لم تُعر ذلك أيّة أهمّية، ولم تلتفت إليه، ولم تستجب لنا؟»؛ وفي هذه الحالة، يأتي سماحة الحجّاج بعينه إلى نهر العلقمي مصحوبًا بأربعة آلاف جنديّ ـ ويبدو أنّ الرفقاء الذين ذهبوا إلى هناك رأوه في مقام إمام الزمان عليه السلام ـ ، ويظلّ واقفًا هناك حتّى آخر رمق في وجه وصول الماء إلى أبناء رسول الله؛ فهذا كان من هؤلاء الأفراد؛ وهنا، نجد الإمام عليه السلام يستشهد برسالة الحجّاج، ويقول: أين أنت يا حجّاج، يا من ذهبت لقطع الماء؟ هل هذه الرسالة من إنشائي أنا، أم إنشائك أنت؟ وهل هذا توقيعي أنا أو توقيعك أنت؟ على الأقلّ، كن رجلاً، والتزم بتوقيعك، واذهب، ولا تأتي إلى هنا، وتقف في وجه الناس، إلى أن تصل الدرجة إلى استشهاد الابن الرضيع للإمام الحسين بتلك الطريقة المفجعة! فما

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

9
  • هي حقيقة هذه المسألة؟ وكيف يُمكن أن يحصل ذلك بهذا النحو؟ أي: ما هو الأمر الذي قد يحصل، فيُؤدّي إلى حدوث انقلاب في باطن ذلك الرجل، بحيث ينحرف بهذه الطريقة؟ فما هي علّة هذا الانقلاب العجيب؟ فما كان هؤلاء؟ هؤلاء هم الأناس الغافلون.

  • فحينما أتمّ الإمام الحسين عليه السلام الحجّة على عمر بن سعد، هل كان عنده جواب يُقدّمه إليه؟ وبحقّ، أيّ جواب كان عنده لكي يُقدّمه إليه؟ وذلك حينما أتمّ الحجّة في ليلة عاشوراء، وقال:

  • ـ ماذا فعلت حتّى أستحقّ منكم هذه المعاملة؟ وبحقّ، قولوا لي ماذا فعلت؟

  • ـ لم يحاروا أيّ جواب.

  • ـ بحقّ، ماذا فعلت؟ فقد كنت جالسًا في مكاني.

  • ـ عليك أن تُبايع يزيدًا.

  • ـ أ فلم يتّفق معاوية بنفسه مع أخي على تسليم الخلافة إليه أو إليّ بعد موته؟ وأن يضعها بيد أهلها؟! وحتّى لو فرضنا أنّ خلافة معاوية كانت حقّة، فإنّه تصالح في نهاية المطاف مع أخي؛ إذ لم يكن هناك أيّ حلّ آخر، وتقرّر أن تبقى الخلافة لمعاوية ما دام حيًّا.

  • وقال عليه السلام: أنا لم أقدم على أيّ فعل ما دام معاوية كان حيًّا، حيث كنت بالمدينة آنذاك؛ فسيّد الشهداء عليه السلام كان في زمن خلافة معاوية بالمدينة، ولم يُقدم على أيّ فعل، بل اقتصر على العيش هناك من دون أن يفعل أيّ شيء؛ وهنا، نقول للذين يقولون: «هذا حسنيّ، وذاك حسينيّ، وذاك طباطبائيّ»، وأمثال هذه الترّهات والكلمات الفارغة: إنّ هذا الإمام الحسين هو الذي ظلّ ساكتًا طيلة العشر سنوات من خلافة معاوية، وليس هو الذي ما إن وصل إلى مقام الإمامة حتّى انتفض كالراية، وحمل السيف بيده؛ لا، لقد ظلّ جالسًا طيلة عشر سنوات، احترامًا للمعاهدة التي عقدها أخوه مع معاوية؛ أجل، يبقى أنّ سكوته لا يعني أنّه لم يكن يتحدّث؛ لا، بل كان يُلقي الخطب، ويفعل كذا وكذا؛ غاية الأمر أنّه لم يُعلن الحرب والمواجهة.

  • وحينما وصلت الخلافة إلى يزيد، قال عليه السلام: هذا انتهاك، ولا يُمكنني هنا أن أصبر أو أُحجم؛ فالأمر أصبح من الآن فصاعدًا مختلفًا، وسأظلّ

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

10
  • صامدًا، سواءً أردتم أن تقطعوا رأسي، أم لا، وسواءً سعيتم إلى قتلي ونهبي أم لا، فافعلوا كلّ ما يحلو لكم. لقد قمت باحترام المعاهدة التي عقدها أخي، وبقيتم [في الخلافة] طيلة هذه السنوات العشر؛ لكن، من الآن فصاعدًا، صارت المسألة انتهاكًا؛ فبعدما رحل معاوية، أصبح الأمر من باب الإكراه واستعمال العنف، وأنا لا أخضع للعنف والإكراه.

  • ـ إن لم تخضع، سنقتلك.

  • ـ تعالوا، واقتلوني.. تفضّلوا، بل سأمضي أنا بنفسي قُدُمًا، ولا تحتاجون للمجيء بأنفسكم لكي تقتلوني.

  • ـ سنُعدمك.

  • ـ تعالوا، واعدموني.

  • ولهذا، لم يمتلك عمر بن سعد أيّ دليل على فعله؛ وحينما بُهت، وأَقفلَ استدلالُ الإمام جميعَ الطرق أمامه، قال: سأُحرم من حكم الريّ!

  • خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان

  • وفي هذه الحالة، هل بوسعنا القول: إنّه غافل بسيط؟ مع أنّه يُقال عنه إنّه غافل؛ فهذا الرجل مصداق أيّ شيء؟ مصداق: {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا}؛ فالمراد من حكم الريّ حكم طهران؛ لأنّ طهران كانت في ذلك الوقت عبارة عن قرية؛ في حين أنّ الريّ ـ أي ريّ حضرة عبد العظيم ـ كانت هي الحاضرة، حيث كانت في ذلك الزمان كبيرة وواسعة جدًّا، ثمّ تهدّم قسم كبير منها مع مرور الأيّام، وبسبب الأحداث التي وقعت؛ فانغمرت الكثير من الدور تحت التراب؛ وقد استخرجوا بعض البنايات المرتبطة بذلك العصر أثناء عمليّات الحفر التي يقومون بها؛ فكانت الريّ واسعة جدًّا في مقابل طهران التي كانت عبارة عن قرية؛ ولا يخفى أنّ ولاية الريّ كانت تشمل مدينة الريّ وقمّ وساوة وبقيّة المدن الموجودة في تلك المنطقة، حيث كانت تُعدّ ولاية كبيرة في تلك الأيّام. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ فيبقى مجرّد ظاهر من الحياة الدنيا؛ فهو يقول: «أنا أريد أن أعيش هذه الحياة لأجل السلطة والحكم»؛ وهذا الذي يُقال له ظاهر الحياة الدنيا؛ {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ لكن، ماذا عن الأيّام التي ستتلو هذين اليومين أيّها التعيس؟ هل فكّرت

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

11
  • فيها؟ وهل عملت حساب المرض الذي سينتابك لاحقًا؟ وهل فكّرت في مرض السرطان الذي قد يأتيك؟ وهل خطّطت للحوادث التي ستقع لك مستقبلاً؟ {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ وفي هذه الحالة، نجد ابن زياد لم يمنحه حتّى ظاهر هذه الحياة الدنيا الذي لا يُساوي فقاعة فوق الماء! فحينما أتى عنده، وطالبه بحكم الريّ، قال له: «متى وعدتُّك بذلك؟»، فقال له: «هذا هو العهد»، فأخذه منه ومزّقه، وقال له: «اذهب الآن لتحكم الريّ!!»، حيث كان الإمام سلام الله عليه قد قال له: «أرجو ألاّ تتمكّن من حكم الريّ». قال عمر بن سعد لابن زياد: «هذا هو العهد، وقد كتبتَه بنفسك»، فقال له: «أين؟ ومتى كتبته؟»، قال له: «هذا هو»؛ فما إن أراد أن يُسلّمه له، حتّى أخذه، ومزّقه، ثمّ قال له: «اذهب الآن»؛ تفضّل! {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا}؛ فعلمُهم مقتصر على مجموعة من الظواهر والتخيّلات والاعتبارت؛ لكنّهم {عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ أي أنّهم غافلون عن ما وراء الستار، وما يقع خلف هذه المسائل، وعن مسألة أنّك حينما تُقدم الآن على هذه الجريمة، هل تعلم ما هي الأمور التي توقع فيها نفسك؟ إنّه غافل، لكنّها ليست الغفلة التي تحدث لطفل صغير؛ إذ لا إشكال في هكذا غفلة، ولن يذمّه أيّ أحد عليها، بل قد يقع الذمّ على الكبار، ويُقال لهم: لماذا لم تُمسكوا بيده، وتُرشدونه؟ فلن يذمّه في هذه الحالة أيّ أحد.

  • لكنّ تلك الغفلة مركّبة؛ أي أنّها غفلة واضحة بالنسبة للإنسان، إلاّ أنّه لا يسعى إلى تثبيتها وترسيخها في نفسه؛ لأنّها إن صارت راسخة، فإنّها ستدفعه لمتابعة الأمر؛ فماذا يفعل؟ ما إن يبدأ بالتفكير في ذلك الأمر وتلك المسألة التي تُريد أن تقع له، حتّى يُحوّل فجأةً فكره إلى مشهد آخر. إنّ سيّد الشهداء يتحدّث معك، فاجلس، وفكّر في كلامه أيّها الأحمق! وتأمّل في كلّ كلمة من كلماته؛ ولنفترض أنّهم لم يُريدوا أن يمنحوك حكم الريّ، لكن، لماذا ترغب في قتل إنسان بريء؟ ولنفترض أنّه لا توجد آخرة ولا أيّة مسألة أخرى، لكن، أ لم يمنحك الله تعالى عقلاً؟ فلماذا تُريد أن تقتل إنسانًا بريئًا؟

  • وهنا، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

12
  • ما فعلتُ»؛ فهذا هو رجل الحقّ؛ وما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أنّ الحقّ بالنسبة إليّ حقّ، ولا فارق فيه بين الصغير والكبير، والحقّ واجب الاتّباع، سواءً ظهر في إنسان، أو تجلّى في ظلّ نملة؛ لأنّ المطروح بالنسبة إليّ هنا هي معارضة الحقّ، لا الموضع الذي يوجد فيه هذا الحقّ؛ خلافًا لما يفعله البعض؛ فإذا وصل الأمر إلى الإمام الحسين، تجدهم يقولون: «لا، هو عظيم جدًّا، ولا يُمكننا مواجهة الحقّ هنا»؛ لكن، إن تعلّقت المسألة بنملة، فإنّهم يقولون: «لا إشكال في ذلك، فغاية ما قمنا به أنّنا رفسناها»، لا، فأمير المؤمنين يُريد أن يقول: على الإنسان أن يتّبع الحقّ؛ وحينما يرى في موضع ما أمرًا يتعارض مع الحقّ، عليه أن يُواجهه.

  • {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ ولهذا، فإنّ كلّ واحد من الناس سيكون مشمولاً بهذه الآية بمقدار استعداده وفهمه ؛فلا يُمكننا القول إنّهم لا يعلمون، ولا يُمكننا القول عن الأناس الذين يمشون في الشارع إنّهم لا يعلمون، ولا نستطيع القول عن الموجودين هناك إنّهم لا يعلمون؛ لا، فلو شاؤوا، لعلموا، لكنّهم لا يرغبون في أن يعلموا؛ غاية الأمر أنّ ذلك ينطبق على كلّ واحد بمقدار استعداده؛ أجل، قد يوجد بعضٌ يعيشون في ضمن حدود معيّنة، بحيث لا يلتفتون إلى المسألة بدرجة كافية؛ ونحن غير مطّلعين على هؤلاء؛ ولهذا، علينا أن نكلهم إلى خالقهم؛ إذ لا اطّلاع لنا على خصائص الناس؛ نعم، يوجد بعضٌ نعلم حقيقةً أنّهم تصدّوا للمواجهة؛ فنجدهم يُعارضون، ويفعلون كذا وكذا؛ والكثير من هؤلاء بهذا النحو؛ لكن، هناك بعضٌ نشكّ في حالهم؛ وهم عوامّ خالصون، ولهم حساب خاصّ ومستقلّ، وقد يأتي الحديث عنهم في الجلسة اللاحقة.

  • فأنا كنت أريد فقط أن أضرب مثالاً على نوع من الغفلة في يوم عاشوراء، لكي تروا كيف أنّ هذه الغفلة جاءت، واستولت على الجميع؛ وأعني من الغفلة هنا عدم رؤية الحقيقة، وليس عدم الإدراك والمعرفة؛ فهم كانوا يُدركون أنّ للإمام الحسين حقيقة؛ لأنّ القضيّة كانت واضحة كوضوح إثنين زائد إثنين تُساوي أربعة، ولم تكن تحتاج إلى علم الرمل واستخدام الأسطرلاب؛ وكل من كان يأتي، ويُلقي

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

13
  • نظرة إلى هذا الطرف وذاك الطرف، كان يعلم أين هو الحقّ؛ ولهذا، فإنّ المراد من عدم إدراك الحقيقة هنا إدراكها الشهوديّ ولمسها، حيث قال عنهم سيّد الشهداء: {استَحوَذَ عَلَيهٍمُ الشَّيطَانُ فَأنساهُم ذِكرَ الله}۱؛ فهؤلاء كانوا يُصلّون، فكيف أمكنهم نسيان ذكر الله؟ وكانوا يقفون متّجهين إلى الكعبة، وكانوا يقرؤون القرآن؛ وقد كان عمر بن سعد يذكر عبارات من هذا القبيل: «يا خيل الله اركبي»، وكان يُصلّي على موتى جيشه؛ فما معنى {فَأنساهُم ذِكرَ الله}؟ إنّه النسيان الوجوديّ والشهوديّ، ونسيان اللمس والحسّ؛ فهؤلاء لم يعُد ذكر الله تعالى حاضرًا في وجودهم؛ فدعهم يجلسون ويتلون الأذكار؛ لكن، ما هي فائدة ذلك؟ وإلاّ، فإنّ الشمر كان بدوره يُصلّي، وحتّى يزيد، أ فلم يكن يذهب إلى المسجد الأمويّ، ويُصلّي فيه الجمعة؟ أجل، فقد كان يذهب بنفسه إلى هناك، ويُؤدّي صلاة الجمعة، وكانت له لحية قد تكون أطول من لحية معظمنا، بل كانت كذلك قطعًا؛ ولعلّ عمامته كانت أكبر من عمامتنا، بل كذلك كانت قطعًا.

  • إمكانيّة سقوط الجميع في الغفلة المركّبة

  • وهنا، لا ينبغي علينا أن نفخر على هؤلاء، بل علينا أن نكون قلقين [على أنفسنا]؛ لأنّ هذه المسألة تُطرح علينا نحن أيضًا؛ فنجد هؤلاء يذكرون الله، ويدور حديثهم عنه تعالى، ويصرخون: وا إسلاماه!، ويوجبون قتل ابن النبيّ بعنوان المحافظة على الحكومة الإسلاميّة؛ أ فلم يكن سماحة شريح القاضيّ هو الذي قال: «بما أنّ الحسين بن عليّ ثار ضدّ مصالح الحكومة الإسلاميّة، فإنّه من اللازم دفعه بأيّ نحو كان»؟! فهذه هي فتوى شريح القاضي الذي كان قاضيًا للكوفة منذ زمان عمر وحتّى ذلك الزمان؛ حيث كان قاضيًا للمدينة، ثمّ صار بعد ذلك قاضيًا للكوفة، فقال: «لأنّه ثار ضدّ حكومة الإسلام»، لكن، أيّة حكومة إسلاميّة؟ هل هي حكومة يزيد؟ فيأتي هذا الشيطان، ويُصيّر حكومة يزيد حكومةً إسلاميّة، ويقول: بما أنّ الخروج على الحكومة الإسلاميّة حرام، ويُعدّ دم كل من يُريد الثورة عليها

    1. سورة المجادلة، الآية ۱٩.

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

14
  • هدر، فإنّه من اللازم النهوض لمواجهته، والسير في هذا الطريق، ولو بلغ الأمر ما بلغ.

  • فهذا هو أسلوب استدلال قاضي الكوفة، وهذا الأسلوب موجود بيننا جميعًا! إذ يكفي أن يحصل للإنسان ذلك الموقف، حتّى يقوم بالفعل ذاته؛ فتجدنا نحن أيضًا نلجأ للتبرير، ونسعى بدورنا إلى تنميق صورة القضيّة، وترتيب الصغرى والكبرى! {استَحوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأنساهُم ذِكرَ الله}.. هل التفتّم إلى ما أريد قوله؟ حيث يعمد إلى القضاء على ذلك الذكر لله تعالى الذي يكون حاجزًا [عن المعاصي]؛ فتراه يُصلّي، إلاّ أنّ هذه الصلاة لا تكون ذكرًا لله تعالى؛ فيستوي لديه أداء الصلاة وأداء الأغاني؛ وتجده يقرأ القرآن، غير أنّ هذه القراءة لا تردعه، بل تكون هي والموسيقى على حدّ سواء بالنسبة إليه؛ هذا، مع أنّنا نُشاهد بعضهم الآن يقرؤون القرآن بالموسيقى!! فتتساوى بالنسبة إليه الموسيقى ـ وهي حرام ـ، مع القرآن الذي نزل على رسول الله تعالى؛ لماذا؟ لأنّه استخدهما معًا في طريق هيمنة الشيطان، وطريق تحقيق الرغبات القلبيّة والنفسيّة التي تتعارض مع طريق الله تعالى؛ وبالتالي، يصيرا سواسيّة.

  • لقد كان الحجّاج بن يوسف الثقفيّ حافظًا لكلّ القرآن؛ ومع ذلك، فقد قتل سبعين ألفًا من الناس؛ كما أنّ صلاح الدين الأيّوبي قد يكون حافظًا لقسم كبير من القرآن، إلاّ أنّه أجهز على ثمانين ألف من شيعة أمير المؤمنين؛ أجل، نفس صلاح الدين الذي يعتبرونه قائدًا من القوّاد المسلمين! فعليكم أن تكتشفوا ما هي حقيقته! لقد كان سنّيًا متعصّبًا يطلب راية الإسلام وحسب، ويقول: نحن مسلمون؛ لكن، حينما وصل الأمر إلى ولاية أمير المؤمنين، فإنّه أجهز بسيفه على ثمانين ألف ـ أو مائة وعشرين ألف بحسب أحد الأقوال ـ من شيعة حلب؛ وهل كان حافظًا للقرآن، أم لا؟ لقد كان يقرأ القرآن. وحتّى هؤلاء الأفراد الذين يسكنون بعض البلدان السنّية، فإنّهم يقرؤون القرآن، بل ويحفظونه بأجمعه؛ فيتلونه في صلواتهم، ويقرؤونه في صلاة التراويح عن حفظ، وينطقون حرف العين بطريقة، وكأنّ جبرائيل أتى، ووضعه في أفواههم! كما أنّهم يقرؤون «ولا الضالّين» بأسلوب، وكأنّها نزلت من حاقّ العرش! وحينما يشرع أحدهم في

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

15
  • التلاوة، تجد أنّ جلّ همّه واهتمامه منصبّ على قراءة هذه العبارات بطريقة جميلة، فيسعى إلى رفع صوته وخفضه؛ وإذا دقّقت بشكل أكبر، فإنّك ترى أنّه يبذل أقصى جهده وغاية سعيه لكي يحصل في الأخير على صلاة جميلة؛ فمنذ أن يقول في البداية «الله أكبر»، يأتي عنده الشيطان، ويقول له: جمّل قراءتك كما تشاء، فأنا سأكون رفيقك! وانطق «ولا الضالّين» بنحو أجمل وأجمل، واسع إلى تلاوة هذه الآيات، فأنا سأقف إلى جانبك في المسجد الحرام، فلا تقلق! وسأضع هذه الكلمات في فمك بأفضل نحوٍ، حتّى تنطقها بشكل أحسن.

  • وأمّا إذا وصل هذا الشخص بعينه إلى مكرمة من مكارم أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّك تجده يقول: «إنّها مفتقرة للسند، ولا تنفعنا في شيء»؛ لكن، حينما يصل إلى مكرمة منسوبة لعمر، فإنّك تراه يلتزق بها كصمغ ثنائيّ، بحيث لا يُمكنك فصله عنها أبدًا؛ فما هي حقيقة هذا الشخص؟ إنّه يزيد بعينه؛ فهو لا يريد أن يرضخ للحقّ ويخضع له؛ ولو أتى إمام الزمان الآن، وكانت الظروف مشابهة لظروف سيّد الشهداء، لوجدت هذا الذي ينطق «ولا الضالّين» بتلك الطريقة يصدر فتوى في حقّه، ويقول: «بما أنّه سعى للعمل ضدّ حكومة الإسلام وحكومة سماحة فلان، فإنّه من اللازم ضربه بالسيف، وتمزيقه إربًا إربًا، ولو كان ابن رسول الله!»؛ فيُنحّيه جانبًا بكلّ يسر وسهولة؛ ولهذا السبب، فإنّ إمام الزمان عليه السلام لا يظهر، ونجده يقول: «لا، لقد حللتم مصيبةً على رأسي جدّي؛ فهذا يكفي، ولا توجد مصلحة لكي آتي الآن؛ ومتى ما حلّ الفهم في عقولكم وأدمغتكم، فإنّني سأظهر؛ فلا نحتاج إلى عاشوراء أخرى».

  • فهذا هو نسيان ذكر الله تعالى، والنسيان هنا لا يتعلّق بالذكر العادي، بل بذلك الذكر الباطنيّ المعجون بالنفس، والمتّحد معها، والذي يمنح الوعي للإنسان في كلّ حدث من الأحداث، ويقول له: «اذهب إلى هنا، ولا تذهب إلى هناك؛ وهنا يوجد شيطان، وهناك يوجد الرحمان؛ وتقدّم هنا إلى الأمام بهذا المقدار، وتأخّر هناك بذاك المقدار»؛ فهذا هو ذكر الله تعالى؛ وإذا كان هذا الذكر موجودًا في الإنسان، فإنّ الله تعالى سيصحبه في كلّ مكان؛ سواءً أدّى

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

16
  • الصلاة بنحو جماعيّ، أم فرديّ؛ وسواءً كان إمامًا، أم مأمومًا؛ وسواءً كان مفتيًا، أم مقلِّدًا؛ وسواءً كان في مقام إصدار الأوامر، أم لا؛ فذكر الله هذا هو الذي يحظى بالأهمّية، وأمّا بقيّة الأمور، فعبارة عن هُراء وفقاعات ودنيا بأجمعها.

  • اتركوا الدنيا لأهل الدنيا!

  • «دنيا همه هيچ واهل دنيا همه هيچ» [ليست الدنيا بشيء وليس أهلها بشيء]

  • لقد كان المرحوم العلاّمة يقرأ هذا الشعر كثيرًا، واقرؤوه أنتم أيضًا، وضعوا مسبحة في أيديكم طيلة الأربعة وعشرين ساعة، وردّدوا بأجمعكم هذا الشعر:

  • دنيا همه هيچ واهل دنيا همه هيچ***اى هيچ ز بهر هيچ بر هيچ مپيچ

  • [يقول: ليست الدنيا بشيء وليس أهلها بشيء، فيا أيّها اللاشيء لا تسعَ إلى اللاشيء من أجل لاشيء]

  • وكان يقول: اتركوا الدنيا لأهل الدنيا، ودعوا كلّ واحد من أهل الدنيا يذهب بنفسه ويأخذها، وارموا بقبّعاتكم في السماء جذَلاً، واحمدوا الله تعالى على أنّهم لم يتّجهوا صوبكم، وارموا بقبّعاتكم في السماء حمدًا لله تعالى على أنّكم تقفون جانبًا، ولا يهتمّ أحدٌ بحالكم؛ فهذه فرصة لا تسنح دائمًا أيّها الرفقاء! فاتركوا الدنيا لأهل الدنيا، ودعوهم يُديرونها، ويُعمّرونها إن شاء الله تعالى، ويتنعّمون جميعًا ببركاتها؛ وإن طرأت مشكلة، يعالجونها معًا؛ وإن حصل خلاف بينهم، يضرب كلّ واحد منهم على رأس الآخر؛ ففي نهاية المطاف، سوف يعملون على حلّ المسألة بنحو من الأنحاء؛ لكن، على الإنسان أن يُحافظ على نفسه، ويُدرك أنّ هذه المسائل لا تنتهي أبدًا.

  • أخشى ألاّ أتمكّن من الحديث عن ذلك الموضوع، ويتأجّل وعدي مرّة أخرى للجلسة اللاحقة؛ ولهذا، سأسعى هذه المرّة إلى إنهاء هذه الفقرة بأيّ نحو كان، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: حينما يُريد الإنسان الاهتمام بأعماله، والانشغال بالأوامر والنواهي الإلهيّة التي تعلّقت به، فإنّه لن يجد أيّة فرصة لإبراز ذاته، ومباهاة الناس،

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

17
  • والتفاخر عليهم، والقول: «أنا قمت بهذا العمل، أنا أنجزت ذلك الفعل».

  • ملاك تقدّم الإنسان أو تأخّره في السير والسلوك

  • وفي هذا المقام، ينبغي علينا الإشارة إلى بعض المسائل بنحو عابر؛ فكما ذكرنا في الجلسات السابقة أو طيلة الجلسات التي عقدناها في هذه السنوات المعدودة، فإنّ أوّل مسألة تأتينا هنا هي أنّ حقيقة السير والسلوك تكمن في الوصول إلى مقام العبوديّة، حيث بوسع الإنسان أن يجعل هذا الأمر معيارًا ومحكًّا وميزانًا لأحواله، يكشف له عن مقدار تقدّمه وتطوّره؛ والله تعالى يبيّن هذه الأمور للإنسان، فلا يستطيع أيّ واحد الادّعاء بأنّه عاجز عن الفهم؛ لا، إذ بوسع الإنسان أن يُدرك ذلك بنفسه؛ أجل، يبقى أنّ كلّ واحد يتمكّن من فهم هذه المسألة بقدر قابليّته واستعداده ومدركاته، فيُدرك بمقتضى ذلك ما هو المقدار من الأهواء الذي نقص منه، ودرجة التواضع التي صار يُبديها تجاه الحقائق، ومقدار التواضع الذي أصبح يُبرزه في علاقته بالآخرين، والمراد هنا التواضع الحقيقيّ، لا التصنّعي، ويُدرك أيضًا مدى انسجامه مع بقيّة الناس، وبأيّ مستوى أنزل مكانته أمام الآخرين؛ فبوسع الإنسان إدراك هذه الأمور بنفسه.

  • ولا يخفى أنّ الوصول إلى كنه هذه المسألة ـ كما أشرنا سابقًا أيضًا ـ خارج عن اختيار الإنسان، وينبغي أن يكون هناك أحدٌ ينظر إلى هذا الإنسان من مقام علويّ، حتّى يتسنّى له تقييمها؛ لكن، بوسع الإنسان أن يُدرك ـ بقدر معلوماته وقابليّته ـ مستوى تقدّمه أو تأخّره، وكم أُضيفت تلك القضايا والمسائل إلى نفسه، أو نقصت منها، ودرجة مرونته وسلاسته تجاه الأحداث، أو خشونته وتصلّبه حيالها، بحيث لا يتمكّن من تجاوزها؛ فهذا ممّا يستطيع الإنسان فهمه بنفسه؛ وهذه هي حقيقة السلوك، كما أنّ أوّل طريق هذا السلوك وآخره ووسطه يكمن في مسألة أنّ الإنسان عليه أن يعلم في كلّ عمل يقوم به مقدار اقترابه من العبوديّة، ودرجة لمسه لحقيقتها؛ فهذه هي حقيقة العبوديّة والسلوك.

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

18
  • ومن هنا، إذا انهمك الإنسان في الامتثال للأوامر والاحتراز عن النواهي، هل سيبقى له أيّ مجال للتفاخر على الآخرين؟ فهذا سيكون متعارضًا تمامًا مع الطريق والمسير؛ كأن يقول مثلاً: «لقد قمت بالعمل الكذائيّ، فما الذي قام به فلان؟ لقد تحدّثت على المنبر طيلة عشرة أيّام، فانظروا كم كان كلامي جميلاً! ولاحظوا كيف بيّنت المسائل بنحو جيّد! وكم نال حديثي استحسان الناس وإعجابهم! لقد كانت محاضراتي هذه السنة أفضل من السنة الفائتة! وانظروا إلى ما قاله فلان في الموضع الكذائيّ!»، ثمّ يسعى إلى عقد مقارنة بين كلام هذا الشخص وكلامه هو، ثمّ يقول: «لا، لقد تحدّثت بشكل أفضل، وكان لكلامي وقعٌ أكبر، وكانت المسائل التي طرحتها أحسن»؛ ماذا؟! لن يكون لك أيّ مجال لهذه الأمور؛ فإن كنت تريد الحديث لأجل الإمام الحسين، فعن أيّ شيء تبحث هنا؟ هذا سيّء، ذاك سيّء، هذا جيّد، ذاك أجود، هذا أعلى، ذاك أدنى؛ فعن ماذا تبحث هنا؟ هذه السنة أفضل، السنة الفارطة أفضل، السنة القادمة ستكون أحسن، سأسعى في السنة الآتية لكي أضيف المسائل الكذائيّة، وسأعمل في ذلك اليوم على زيادة هذا البحث، وسأعمد في ذلك المجلس إلى الحديث عن الموضوع الكذائيّ، وإذا تحدّثتُ بهذا الأسلوب، فإنّ المجلس سيبدو أفضل؛ فما حقيقة كلّ هذه الأمور يا عزيزي؟ إنّها بأجمعها من الشيطان الذي يسعى إلى التسلّل من هذا الطريق؛ فإن سنحت الفرصة للكلام، ووفّق الله تعالى الإنسانَ لذكر كلمتين في مجلس سيّد الشهداء، فليذكرهما، وانتهى الأمر، ثمّ ليذهب إلى حال سبيله، والسلام!

  • اعتقاد الإنسان بمالكيّة الله تعالى لكلّ شيء يحجزه عن المباهاة والفخر

  • ذات يوم، جاءني أحد الرفقاء، وقال: «لقد تحدّثتَ اليوم بنحو جيّد جدًّا»، فقلت له: «أنا اليوم لم أقم بأيّة مطالعة»، فقال لي: «إذن، لا تطالع أبدًا!»، قلت: هل تعلم ما هو سبب ذلك؟ لأنّني حينما ألجأ إلى المطالعة، يكون اعتمادي على معلوماتي؛ وكأنّ النفس والشيطان يكون [تدخّلهما] هنا كثيرًا جدًّا، وأمّا حينما أكون لا أعلم بشيء، فإنّني أقول: «إلهي، ابعث إليّ بشيء، وألقه بذاتك في فمي»؛ فالمجلس لا

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

19
  • ينبغي أن يدور فيه مثل هذا الكلام: اليوم بهذا النحو، وغدًا بذاك النحو، عليّ أن أقوم بهذا الفعل، ...؛ إذا عمل الإنسان بما أمره الله تعالى، وألقاه إليه العظماء من الأولياء والأئمّة عليهم السلام، سيتوجّب عليه أن يكتفي بذلك، ويتوقّف هناك، ولا معنى لأن يأتي عند الآخرين، ويُجابههم، ويقول: «هل كان كلامي اليوم جيّد أيّها السيّد؟ كيف كان برأيك؟»؛

  • ـ اعرض كلامك أيّها السيّد، ثمّ ارجع إلى بيتك، وانتهى الأمر؛ فلا معنى لتلك الكلمات!

  • ـ كيف كان العمل الذي أنجزته اليوم أيّها السيّد؟ وكيف كان البرنامج الذي طرحته في المجتمع؟ يبدو أنّ الناس أعجبهم ذلك كثبرًا، حيث كان هناك حضور جماهيريّ كبير.

  • ـ لا معنى لهذا الكلام؛ فإذا أنجزت العمل، يتعيّن عليك الرحيل، وانتهى الأمر، وأغلق مسامعك عن الذي سيحصل، والذي لن يحصل؛ لأنّ بقيّة الأمور ستضرّك؛ فإلى هنا، كان عملك جيّدًا، لكن، من ذلك الحين فصاعدًا، سيأتي الشيطان، ويقول لك: «انتبه، فقد تحدّث بذلك الكلام، وذكرت تلك المسألة، فهل رأيت كم كان الناس مسرورين؟! ولقد وزّعتَ ذلك الإعلان، فهل شاهدت كم كان ناجحًا! فقد رضيت الطائفة الفلانيّة عن هذه المسألة، وسُرّ بك أولئك الأشخاص بسبب الإعلان الذي أصدرته، وأصبح الناس يقولون: «إنّ هذا الرجل ابن عصره، ويُواكب ما يحدث في العالم، وله اطّلاع على مجريات الأمور، وهو أيضًا بالنحو الكذائيّ، وقد نجح في اجتذاب قلوب ...!»؛ فما حقيقة ذلك بأجمعه؟ إنّه يأتي بالتدريج، فيعمل على الحطّ من الروحانيّة التي اكتسبها الإنسان قليلاً؛ وفجأة، يرى الإنسان بأنّه لم يقم بأيّ شيء، وأنّه صفر؛ فقد كان يشعر في وجوده ببعض الروحانيّة، لكنّه يرى الآن أنّها ذهبت، وأنّ الظلمة صارت تحلّ مكانها؛ ولهذا، على الإنسان أن يقطع ذلك ويقصّه بسرعة، ويُعجّل في قطع الطريق أمامه.

  • وعلى حدّ قول المرحوم السيّد الحدّاد: ما إن يرى الإنسان أنّ هذه الوساوس بدأت تحلّ، حتّى يتعيّن عليه أن يقطعها، فيفتح مباشرةً كتابًا، ويبدأ في قراءته، أو يفتح مباشرةً القرآن، ويشرع في تلاوته؛ فيقطع

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

20
  • في الحال ذلك الحديث؛ ولا يخفى أنّ الحذّاق يعلمون كيف يقلبون الطاولة على الشيطان، بحيث يرحل من دون رجعة؛ وأمّا الذين لا قدرة لهم على ذلك، فيتوجّب عليهم أن يشغلوا أنفسهم فورًا، وينهمكوا مباشرة في أداء أعمال أخرى، ولا يفسحوا المجال لحلول هذه الخواطر؛ لماذا؟ لأنّ جميع هذه المسائل تتعارض مع مسألة التوحيد وقضيّة العبوديّة، حيث تأتي، وتُمسك تدريجيًّا وبكلّ هدوء وسكينة بتلك الحقيقة؛ فينظر الإنسان في نفسه، فلا يجد أيّ شيء، وقد صار كلّه دمار!

  • فحينما نكون معتقدين أنّ التوفيق من الله تعالى، أ لن يُعدّ التصرّف في ثروة صاحب الثروة، ونسبة هذه الثروة إلينا خيانةً؟! وعندما يكون الله تعالى هو الذي منحنا هذا التوفيق، فصرنا نتوفّر على هذا الحال وهذه المكانة وهذه الخصائص، أ لن يُعدّ التفاخر بذلك على الناس ومباهاتهم به خيانةً؟! فمباهاة الآخرين تعني النسبة إلى النفس؛ في حين أنّ الله تعالى هو الذي وفّقك، وكان بوسعه أن يذهب بك إلى مجلس آخر بدلاً عن هذا المجلس؛ وإلاّ، أ فلم يذهب بالبعض؟! وألا يوجد من يذهب إلى مجالس أخرى؟! فعوضًا عن هذه الليالي العشر التي تحدّثت فيها هنا، كان يقدر على أن يذهب بك إلى موضع آخر، فتتحدّث هناك، وتقوم بأشياء أخرى؛ ومن هنا، عليك أن تُرجع هذه الثروة التي وُهبت لك بتوفيق من الله تعالى إلى صاحبها، وتنسبها إليه؛ وحينئذ، هل سيبقى لك أيّ مجال للمباهاة؟ فلأيّ شيء ستسعى للمباهاة؟ إنّ صاحب الملك هو غيرك، فهل تُريد أن تتصدّق من كيس غيرك؟ ولا يخفى أنّنا بيّنا هذه المسألة سابقًا؛ ولهذا، فإنّنا لن نتقدّم أكثر في الحديث عنها.

  • جهلنا بأحوال الغير وخصائصهم يمنعنا من مباهاتهم

  • والمسألة الثانية التي علينا أن نلتفت إليها هنا هي: من هذا الذي نُريد مباهاته؟ واعتمادًا على أيّ ملاك نلجأ للمباهاة؟ وبالاتّكاء على أيّ معيار نريد أن نفتخر؟ أ وهل نحن مطّلعون على أحوال الغير؟! أ وهل نحن عالمون بخصائصه النفسانيّة، حتّى نظنّ أنّنا أعلى منه؟! ومن أدرانا بما يحصل في نفسه الآن؟ فلعلّه أعلى منّا، بل وما أكثر الناس الذين

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

21
  • هم بهذا النحو؛ ففي زمان المرحوم العلاّمة، كان العديد يقولون: «نحن أقرب إلى العلاّمة من الجميع، ونحن مودع سرّه، ونحن مطّلعون على علومه، ونحن عيبة أسراره، وهو يُخبرنا بتلك العلوم التي لا يُخبر بها أيّ أحد»؛ لكنّهم مخطؤون إلى حدّ كبير؛ وبالمناسبة، فإنّهم ليسوا بمودع أسرار، ولا عيبة علوم، ولا أقرب من أيّ أحد، بل إنّ الذي يتفوّه بمثل هذا الكلام يكون أبعد من الجميع، من دون شكّ أو ريب.

  • حكى لي أحدهم أنّه ذهب مؤخّرًا عند شخص ما، فقال أمامه ـ وقد كان يرى نفسه من أهل بعض الأشياء!! ـ: «لقد أعطى المرحوم العلاّمة لآخرين ما لم يُعطه لأولاده»؛ فقلت له: «لو شئت، لقلتَ له: إن كان أعطى ذلك لآخرين، فإنّه لم يُعطك أنت بالذات أيّ شيء! فهذا واضح من كلامك»؛ لأنّ الذي يمنحه العلاّمة شيئًا لا يأتي، ويتحدّث بهذه الطريقة، ولا يسعى إلى إبراز تلك المنحة بهذا النحو، بل يعدّها كجوهرة ثمينة تُمثّل جميع رأسماله، فيضعها داخل صندوق، وهذا الصندوق داخل صندوق؛ وهكذا، إلى أن يخفيها داخل سبعين صندوقًا، حتّى لا يطّلع عليها أيّ أحد؛ فلو كان لأحد خاتمٌ من ألماس، وقام بعرضه أمام الجميع، لتجنّد الناس من كافّة أنحاء العالم لسرقته والحصول عليه؛ وحينئذ، إن كانت له معلومات أو مسائل أو أشياء مختصّة بهذا الخاتم، هل سيذهب، وينشرها في الجرائد؟ أم لا؛ فعلاوةً على أنّه سيدفن ذلك الخاتم في عمق سبعين متر تحت الأرض، فإنّ جلّ اهتمامه في كافّة كلامه وحواراته سينصبّ على الحذر من أن تخرج من فمه كلمةٌ تُشير إلى هذه المسألة؛ لماذا؟ لأنّها مسألة بالغة الأهمّية.

  • إنّ المسائل التي يمنحها الله تعالى للسالك هي بمنزلة عِرضه، ومن الواضح أنّ الإنسان لا يأتي، ويُبرز عرضه أمام الآخرين، بل يسعى للمحافظة عليه بكلّ ما أوتي من قوّة من أعين غير المحارم؛ وحينئذ، ماذا سيكون موقفنا عن العرض الذي تتوقّف عليه حياة الإنسان وسعادته؟ فذاك مجرّد عِرض دنيويّ، وسيوجد لمدّة يومين، ثمّ يفنى بعد ذلك، ومع ذلك تجد الإنسان يُحافظ عليه إلى هذه الدرجة؛ وأمّا بالنسبة لما يمنحه الله تعالى [من مواهب]، فإنّه لا يقوم

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

22
  • بالشيء ذاته؛ فيقول: «لقد أعطى المرحوم العلاّمة للآخرين»؛ وهو يقصد أنّه أعطاه هو!

  • ـ لا، فهو لم يُعطك شيئًا، فكُن مرتاح البال؛

  • ـ أنا عيبة سرّ المرحوم العلاّمة!

  • ـ لا يا عزيزي، لست كذلك؛

  • ـ أنا أقرب من الآخرين إلى العلاّمة!

  • ـ لا، لست أقرب؛

  • ـ أنا بهذا النحو

  • ـ لا، لست كذلك!

  • فالذي يكون أقرب حقيقةً لا تصنّعًا ـ وإلاّ فإنّ المتصنّع حسابُه واضح ـ يرى نفسه أكثر حاجة من الجميع، وأنّه أدون من الكلّ؛ وعلى حدّ قول المرحوم العلاّمة: إنّ كافّة الرفقاء والأحبّة بمنزلة أسنان المشط؛ فإذا كان أحدٌ أعلى من البقيّة، فإنّه سيكون في معرض الكسر؛ فما إن يسع الإنسان لاستعمال ذلك المشط، حتّى ينكسر ذلك السنّ؛ ومن هنا، يتعيّن النزول إلى تحت، حتّى يُتحرّز عن الكسر.

  • بعث أحدهم رسالة إلى المرحوم العلاّمة في أواخر حياته؛ وكنت قد نبّهته إلى بعض المسائل حتّى لا يسقط في بعض الأمور، لكنّه لم يعتن بذلك؛ فكلّفني في تلك الرسالة أن أقول للمرحوم العلاّمة: «يا سيّدي، أين موضع الإشكال في عملي؟ وما هو العيب الذي يكتنفه؟»؛ فقال لي المرحوم العلاّمة: اذهب إليه، وقل له: متى ما رأيت نفسك أدون من بقيّة الأفراد الذين تحضرهم معهم الجلسة، فتعال عندي؛ فأنت الآن ترى نفسك أعلى منهم بمقدار منارة؛ ولهذا، عليك أن تنظر إلى نفسك أدون من الآخرين، وليس مساويًا لهم؛ وفي ذلك الحين، تعال عندي، حتّى أُطلعك على موضع دائك. فما أدرانا نحن بالمرتبة التي يحتلّها ذاك الذي نُباهيه، وإلى أيّة مرحلة وصل، وكيف هو ارتباطه بالله، وضمن أيّ فضاء تعلّقت نفسُه به تعالى؟ فنحن ننظر إلى الظاهر فقط، ثمّ تجد نقول بعد ذلك: «من يكون هذا؟ فأنا كذا، وكذا، وأنا بهذا النحو».

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

23
  • اهتمام الإنسان بأحوال الآخرين يصدّه عن الاهتمام بنفسه

  • هذا ما يتعلّق بهذه المسألة التي نكتفي فيها بهذا المقدار، وأمّا المسألة الأخرى التي علينا الالتفات إليها في هذه الفقرة، فتتمثّل في أنّ الأفراد الذين ابتلوا بهذا المرض، فصار همّهم البحث عن ظهورات الآخرين وتجلّياتهم، ومقارنة أنفسهم بها، والسعي للموازنة بين ظهوراتهم وخصائصهم وخصائص الآخرين لن يتقدّموا أيّة خطوة أبدًا؛ أي أنّ هذه المسألة ستأتي، وتحجزهم عن الحركة، وتصدّهم عن الطريق، وتمنعهم من الاهتمام بأنفسهم؛ فتجد أحدهم مقتصرًا على النظر إلى هذا وذاك، وغاية همّه هو مشاهدة فلان وعلاّن، ولا يسعى أبدًا للاهتمام بنفسه؛ وهذا بالضبط مثل الذي يذهب عند جماعة من المرضى المصابين بوباء؛ فبدلاً عن أن يُحافظ على نفسه لكيلا يُبتلى به هو أيضًا، فإنّه يذهب عند هذا، ويفحص ذاك؛ فيبدأ ذلك المرض بالتسلّل إلى باطنه، حتّى يُصاب به أيضًا؛ فحتّى لو لم يكن مريضًا، فإنّه سيُصاب به. حسنًا، اذهب أوّلاً، وطعِّم نفسك، ثمّ تعال بعد ذلك، واعتن بالآخرين؛ وحينئذ، لن يوجد أيّ إشكال؛ فحتّى لو جئت عند المجذومين، فلن تحصل أيّة مشكلة، وحتّى لو ذهبت وسط الموبوئين، فلن يحدث أيّ شيء، وحتّى لو خالطت المصابين بالأمراض المعدية، فلن يوجد هناك أيّ إشكال؛ لكن، ما دُمت لم تأخذ اللقاح، ولم تصر مُطعّمًا، فإنّ اعتناءك بهذا وذاك سيُؤدّي إلى أن يأتي ذلك المرض من تحت، ويقضي على أساسك وبنيانك؛ وهذا هو حال هؤلاء الذين يكون شغلهم الشاغل هو الاهتمام بما فعله فلان وعلاّن، ومن أين حصل هذا على ذاك، وكيف وصل هذا إلى تلك المرتبة والمكانة؛ فهؤلاء لا يصلون إلى أيّ مكان بتاتًا؛ فإن تمكّنتَ من فهم مسألة ما، فاعمل بها، وطأطئ رأسك إلى الأسفل، وانتهى الأمر؛ وأمّا بقيّة الأمور، فعبارة بأجمعها عن مُراوحةٍ للمكان، وسقوط، وابتعاد عن الحقيقة.

  • ولعلّي قلت لكم في الجلسات السابقة: بحسب اطّلاعي على علاقة المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه بالعظماء، واطّلاعي لم يحدث من فراغ، فإنّه كان ملتفتًا في كافّة هذه الموارد إلى مراقبة نفسه وحسب؛ فحينما كان يجلس عند المرحوم السيّد

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

24
  • الحدّاد، كان ينظر إلى نفسه وإليه فقط، ولم يكن له أيّ شُغل بمن أتى، ومن ذهب، ومن يحضر هناك، وهل هذا الذي أتى إلى بيته إنسان صالح، أو غير صالح؛ فإن كان غير صالح، عليّ أن أُمسك بخناقه، وأطرده! لقد كنتُ بنفسي جالسًا في منزل المرحوم السيّد الحدّاد، فكنت أشاهد مجيء بعض الناس الذين لا علاقة لهم به بتاتًا؛ فكان يقوم ـ بمقتضى ذوقه الخاصّ ـ بسكب الشاي، ويضعه أمامهم، ويُؤدّي لهم حقّ الضيافة؛ فكانوا يتقدّمون بطلباتهم، ثمّ يقومون من مكانهم، ويذهبون؛ وفي هذه الحالة، كان يأتي بعضهم، وينتقد المرحوم السيّد الحدّاد، فيأتي التلميذ، ويستنكر على أستاذه، ويقول: «لماذا تترك بابك مفتوحًا، حتّى يأتي ذلك السيّد؟»؛ وما علاقتك بذلك؟! فهذه مسألة تطرح تساؤلات كثيرة؛ وذلك أن يأتي التلميذ ويستشكل على الأستاذ، ويقول له: «لماذا تركت بابك مفتوحًا، حتّى يأتي الشيخ الفلاني من الموضع الكذائيّ، ويأتي السيّد العلاّني من المكان الكذائيّ، ويجيء فلان من هناك؛ فيأتي هؤلاء، ولا يدعوننا نستفيد منك؟!»؛ إنّك غبيّ جدًّا! وهل تظنّ أنّ الاستفادة من الأستاذ تنحصر في أن تجلس أمامه، ويشرع في التحدّث إليك، ويقرأ عليك الأشعار؟ إنّ الاستفادة من الأستاذ تتمثّل في أن تأتي، وتجلس، ولا يُسمع حسيسُك؛ فإن أراد أن يتحدّث، فليتحدّث، وإن لم يُرد أن يتحدّث، فلا يتحدّث؛ فهذا الذي يُسمى بالاستفادة؛ وأمّا بقيّة الأمور، فخُسران، ومجرّد تحصيل لمعلوماتٍ ظاهريّة لا تستقرّ في الروح؛ فهو [أي السيّد الحدّاد] إن شاء أن يتحدّث، فسيتحدّث في الموضع المناسب؛ وأمّا بقيّة المسائل، فستأتي من ناحية أخرى، وسيعمل على إحداث ذلك التأثير الذي يُريده؛ فهذا الذي يُقال عنه استفادة؛ وأمّا أن نأتي، ونقول: «إنّهم يمنعوننا من الاستفادة»، فإنّ ذلك الأستاذ الذي لا يقدر على إيصال الفيض إليك بسبب مجيء إنسان غير صالح لا يُساوي شروى نقير، وينبغي مفارقته، والبحث عن أستاذ آخر.

  • وأمّا المرحوم العلاّمة، فلم يكن بهذا النحو، بل كان يأتي، ويجلس، ولا يهتمّ بمن أتى، ولا بمن ذهب؛ فإن تحدّث أستاذه، فبها ونعمت، وإن بقي ساكنًا، فبها ونعمت؛ ولهذا، فقد استوعب الأمر جيّدًا؛

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

25
  • وهكذا بالنسبة للآخرين الذين عاشوا هذه الظروف؛ فهذا ما يتعلّق بالمسألة الثالثة.

  • يبدو أنّني إن أردت الاستمرار في الكلام، فإنّ الرفقاء سيتعبون أكثر، كما قد يُؤدّي هذا الاستمرار إلى إثارة تساؤلات أخرى ستُحوجنا إلى جلسات أخرى؛ ولهذا، سنكتفي فعليًّا بهذا المقدار، ونُنهي هذا البحث؛ وكما أشرت آنفًا، يجب الالتفات إلى أنّني مهما بالغت في التأكيد على مراعاة ما جاء في هذه الفقرة، فإنّ تأكيدي سيكون قاصرًا؛ لأنّ ما سمعته من العظماء بخصوص الاهتمام بها هو على قدر من الأهمّية، بحيث لن أستطيع أداء حقّها.

  • ويكفي الرفقاء أن يعلموا أنّه إذا صمّمنا على الأخذ بهذه الفقرة، فإنّ ذلك سيكفينا لكي نهتمّ بشؤوننا، ولا نلتفت إلى أيّ أحد آخر، ولا نكترث بخصائص أيّ شخص آخر؛ اللهمّ إلاّ إذا كان الأمر يتعلّق بالتكليف؛ وموارده واضحة؛ فلا ينبغي أن نعتقد بصحّة ما يذكره بعضهم عن موقف العرفاء من مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ هؤلاء السادة منزوون في زاوية من دون أن يكون لهم شُغل أو اهتمام بأيّ شيء؛ لا، فهم يهتمّون ـ بالمناسبة ـ بكلّ شيء؛ غاية الأمر أنّ اهتمامهم ليس كذلك الاهتمام الذي لبقيّة الناس؛ فالمسألة ليست بهذا النحو؛ فهم يهتمّون [بالأمور] بشكل جيّد جدًّا، وهم أكثر رأفةً من الجميع، ويفوقون الكلّ في العطف والحنان؛ لكنّهم في الوقت ذاته يحذرون من تسلّل الشيطان لا قدّر الله، وتمكّنه من تسلّم زمام القيادة في هذه المسألة؛ وإلاّ، هل يوجد عمل لم يقُم به المرحوم العلاّمة في سبيل إصلاح الأمّة وإيصال النفع إليها وأداء التكليف؟ ففي حين كان آخرون يلجؤون إلى بلاد الكفر لأجل معالجة كسر في العظام، كان يقول لي: لو مزّقوا جسدي إربًا إربًا، لما رفعت يدي عن كلمة واحدة من الكلمات التي كتبتها؛ وحينئذ، عل نستطيع القول عنه إنّه منزوٍ؟ فحينما اقترحوا عليه الذهاب إلى خارج البلد من أجل معالجة مرض المرّارة وأمثال ذلك، قال لهم: كيف يُمكنني أن أُجيب الرسول؟ فإذا كنت أقول عن الإسلام أنّه أعلى وأعزّ وأكثر رفعةً، فإنّ هؤلاء سيقولون: «انظروا إلى عالم الدين هذا؛ فهو من ناحية يشتمنا، ومن ناحية

منشأ المباهاة وطريقة علاجها

26
  • أخرى، يطلبنا منّا أن نُجري له عمليّة؛ لأنّه أصيب بالمرض!»؛ ففي هذه الحالة، لن أحار أيّ جواب؛ ولهذا، سأبقى هنا، وأطلب من هؤلاء الدكاترة من أبناء المسلمين الذين يُؤدّون الصلاة ويعتنقون الإسلام ويعيشون هنا في إيران أن يُجروا لي هذه العمليّة؛ فما الذي ينقصهم عن الآخرين؟ هذا الذي يُقال عنه: عالمٌ ساهَمَ ذكرُ الله تعالى في عدم غفلته، وهو عالمٌ تمكّن من فهم حقيقة الدين، ومنحه حضرة أبي عبد الله هذه الحقيقة والروح التي وصل إليها؛ فأضحى يمشي في نفس الطريق والمسار، من دون أن يتعرّض لأيّ انحراف أو اعوجاج.

  • نرجو من العليّ القدير أن يجعل أحوالنا مشمولةً بلطف وعناية أوليائه، لا سيّما حضرة بقيّة الله أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، وأن يُوفّقنا لكي يكون همّنا السير في طريقه هو فقط وفقط؛ لأنّ بقيّة الأمور خسران وهلاك ودمار؛ فيكون هدفنا هو طريقه وحسب، من دون أيّ تدخّل للشيطان، ولو بمقدار ذرّة واحدة.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد