مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالإخلاص و الرياء

العدد التسلسلي97


الخلاصة

ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
/۲۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

  •  

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ٩۷

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا

  • أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين

  •  

  •  

  • «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ أي إذا انهمك العبد في أداء ما أمره الله تعالى به، والاحتراز عمّا نهاه عنه، «لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ فإنّه لا يجد أيّة فرصة، ولا تبقى له أيّة رغبة، ولا يعُد يُفكّر بتاتًا في أن يفتخر أو يتباهى على الناس بأعماله، ويقول: «أنا بهذا النحو، وأنا أصلّي بهذه الطريقة، وأنا أنفق بهذا الشكل، وعلاقتي بالله تعالى هي بهذه الصورة، وأنا أمشي بين الناس بهذ الأسلوب، وأنا أتفقّد أحوال الفقراء بهذا النحو»؛ فمعنى «لَا يتَفَرَّغُ» أنّه لا تبقى له أيّة رغبة، ولا فكر، ولا مجال.

  • مراتب المباهاة وسلوك البعض منهجًا خاطئًا في معالجته لمباهاة الناس

  • ذكرت للرفقاء في الجلسة السابقة أنّ المباهاة والفخر قد يصدرا من الإنسان بطريقتين.

  • الطريقة الأولى: وهي حالة تحصل بين الإنسان، وبين بقيّة الناس، حيث تتمثّل غالبًا في رغبة الإنسان في التفات الناس إلى أعماله، والتبجّح عليهم بصفاته الإيجابيّة، وإخفاء صفاته السلبيّة عنهم؛ وهذا منهج سائد يُبتلى به عامّة الناس من مختلف الطبقات، وقد تحدّثنا عنه سابقًا. فنجد البعض يسلك أسلوبًا خاطئًا في مواجهة هذا الأمر، بل قد يلجأ من أجل إبعاده عن نفسه إلى طرق غير مشروعة، حيث تعمل بعض الجماعات والطرق الصوفيّة من باب المثال إلى أداء صلاتي المغرب والعشاء الجهريّتين بالإخفات، مدّعين تحرّزهم عن الرياء، أو أنّهم يمتنعون عن أداء الحجّ مثلاً، ويقولون: إنّ الإنسان سيصير مشهورًا ومعروفًا بين الناس، لاسيّما في الأزمنة السابقة؛ إذ كان يُواجه الناس مصاعب مُضنية أثناء ذهابهم للحجّ أو زيارتهم للعتبات، حيث كان يطول سفر الحجّ أحيانًا ستّة أشهر يعبر فيها الحجّاج من عدّة مهالك؛ لا أنّهم يصلون إلى هناك بعد مرور

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

3
  • ساعتين [كما هو الآن]، فكانوا يقضون في الطريق أحيانًا ثلاثة أشهر، فيا لها من أخطار كانوا يواجهونها! وبحقّ، فإنّ الحجّ هو الذي كان يتمّ في تلك الأيّام، حيث كان له حساب آخر، فكم هم الناس الذين تعرّضوا للهجوم من فوق هذه التلال! فمن بين المناطق الخطيرة جدًّا التي كانت يشهدها السفر إلى خراسان لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، هناك منطقة "فيروزكوه" التي كان يجتمع فيها الأشرار، ويُغيرون على الناس، فيقطعون رؤوس الرجال، ويأسرون النساء؛ أي أنّ زيارة الإمام الرضا كانت تمرّ في ذلك الوقت بهذا النحو، في حين أنّ الإنسان يقوم الآن من مكانه، ويصل إلى هناك بعد ساعة واحدة؛ وخلاصة القول، أنّ الأمر كان بهذا الشكل.

  • ومن هنا، فإنّ الذي كان يتشرّف في ذلك الزمان بأداء الحجّ كان معروفًا في حيّه ومنطقته باسم الحاجّ فلان، حيث صارت هذه التسمية سنّة منذ ذلك الحين؛ ولهذا، فإنّ البعض لم يكن يذهب للحجّ، وذلك لأنّه سيُعرف ويشتهر، إلاّ أنّ هذه المسألة باطلة؛ فالشارع المقدّس أوجب على الإنسان أداء هذا التكليف، وقد كان بوسعه القول: «إذا رأيت في مكان ما أنّك ستقع في الرياء، فاقرأ صلاتك الجهريّة بالإخفات»، لكنّه لم يقل ذلك؛ وحينئذ، سيصير هذا الحكم حكمًا مختلقًا، والأحكام المختلقة مصيرها واضح، حيث سيُرجعون هذه الأعمال إلى الإنسان، ويقولون له: لقد قمت بها لأجل نفسك، لا لأجلنا نحن، وكلّ عمل تقوم به لأجل نفسك لا يوجد من يتهنّأ به غيرك!

  • على الإنسان أن يُؤدّي الصلاة، سواءً حصل رياء أم لا؛ وهناك البعض حينما يريدون الصلاة أمام الناس، فإنّهم يُراعون آدابها كثيرًا، فينطقون العين من الحلق، بل من تحت الحلق! ويحرصون على التلفّظ بالغين والصاد من مخرجيهما، لا سيّما إذا كانت ستُلتقط لهم صورة، فينتابهم خضوع وخشوع لا يقدر عليه حتّى سلمان الفارسيّ! لكن، إن أرادوا الصلاة في البيت، فإنّ الملائكة ستكون مضطرّة لاستعمال أدوات سريعة جدًّا من أجل تسجيل أعمالهم وحركاتهم، وإلاّ لن يبقى لها أيّ وقت لتسجيل هذه الأعمال والألفاظ؛ فالبعض بهذا النحو؛ والبعض الآخر بالعكس تمامًا، فحينما يكونون أمام الناس، فإنّهم

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

4
  • يُؤدّون الصلاة بسرعة، حتّى لا يقعوا في الرياء، وعندما يختلون بأنفسهم، يُؤدّونها بطمأنينة وبطء وحضور قلبيّ أكبر، غير أنّ كلا الطريقين خاطئ؛ إذ لا توجد في مدرسة التوحيد أكثر من صلاة واحدة، وليس لدينا صلاة أمام الناس، وصلاة في الخلوة، بل كما تُؤدّى الصلاة أمام الناس، فإنّها تُؤدّى في الخلوة، لماذا؟ لأنّ الإنسان في مدرسة التوحيد يتوجّه أثناء صلاته إلى الله، لا إلى الواقفين خلفه، ولا إلى الذين ينظرون إليه؛ وهو تعالى واحد في مكان الجلوة، وفي مكان الخلوة، وليس هناك أزيد من حقيقة واحدة، ولو أمام الناس {هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وفِي الْأَرْضِ إِلهٌ}۱؛ ففي كلّ مكان، يوجد ذلك الإله الواحد؛ وهو إله حينما يكون الإنسان وسط الناس، وإله حينما يكون الإنسان في الخلوة وحيدًا؛ ومن هنا، إذا لجأ الإنسان للتفريق بين هذين الإلهين ـ الإله الذي يكون أمام الناس والإله الذي يكون في الباطن ـ خشية أن يمدحه الناس ويعدّونه صالحًا، فإنّه سيسقط في الكفر والشرك والثنويّة، والقول بالشرك، والاعتقاد بمبدئين وإلهين ومعبودين.

  • يقول الله تعالى: أدّ الصلاة كما أمرتك، وكفى، سواءً أراد الناس مدحك، أم لا؛ ولنفرض أنّني أريد من الناس أن يمدحوك، فما عساك أن تقول؟! وأريدهم أن يُهنّؤوك، ويثنوا عليك، فهل أنت مسؤول أمامي أم أمام الناس؟! واعلم ـ وهذا كلام نضعه بين هلالين كما يُقال ـ أنّ الذي يمدحك اليوم سيأتي يوم ويقدحك، فلا تغفل عن هذه المسألة.

  • وعليه، {هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وفِي الْأَرْضِ إِلهٌ}، وفي الخلوة إله، وفي الجلوة إله؛ وكلّ مدرسة جعلت أعمالها وتصرّفاتها مبنيّة على مسألة التحرّز عن مدح الناس باطلةٌ، وكلّ مدرسة وضعت برامجها ومبادئها على أساس تجنّب الرياء والتظاهر أمام الناس تُعاني من إشكال؛ أجل، ينبغي على الإنسان في مدرسة التوحيد أن يحترز عن الرياء، وهذا أمر محفوظ في مكانه، وهو عبارة عن مبدأ؛ إذ يجب ألاّ يكون العمل الذي يُؤدّيه الإنسان مشوبًا بالرياء، بل ينبغي أن يُلحظ فيه قصد القربة فقط، وعلى الإنسان أن يُخلص باطنه تجاه هذا العمل، وهي مسألة لا جدال فيها؛ وقد جاء في الآية

    1. سورة الزخرف، الآية ۸٤.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

5
  • الشريفة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى}۱؛ أي: لا تُحبطوا صدقاتكم وأعمالكم الحسنة بواسطة المنّ والأذى؛ وحينما تُحسنوا إلى أحدهم، لا تتبجّوا بذلك عليه، ولا يكن تصرّفكم تجاهه، بنحوٍ يجعله دائمًا خجلاً منه، بل أنجزوا عملكم، وطأطئوا رؤوسكم إلى أسفل، وارحلوا، ولا تظلّوا واقفين، ولا تسعوا إلى أن تُبرزوا أنفسكم أمامه، ولا تعمدوا إلى تذكيره دائمًا بهذا الأمر من خلال العبارات والكنايات والإشارات واللطائف والدقائق، بل عليكم أداء العمل، والذهاب من دون توقّف.

  • حكاية الشيخ البهاريّ وإحسانه للطالب المريض

  • تذكّرت الآن مسألة نقلها المرحوم العلاّمة من سيرة المرحوم الشيح محمّد البهاريّ، وأنّه كان يتصرّف في مثل هذه الموارد بظرافة وفطنة كبيرة، وأنّه كان رجلاً كثير المزاح؛ هل تعلمون أين يقع موضع دفنه الآن؟ في نواحي مدينة همدان، حيث يقع قبره في بهار، وهي إحدى القرى الواقعة بالقرب من همدان، وهو مكان يُزار؛ هذا، وقد تحدّث المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد عن جلالة قدره، وأنّه كان مأوىً للناس؛ فكان المرحوم العلاّمة يذهب إلى بهار من أجل زيارته في كلّ مرّة يُسافر فيها إلى همدان بُغية لقاء أحبّائه ورفقائه؛ وأذكر أنّني ذهبت برفقته إحدى المرّات إلى زيارته، فرأيتهم بنوا آنذاك غرفة فوق ذلك القبر، لكي يتمكّن ـ في الحقيقة ـ الزوّارُ الذين يأتون إلى هناك من الجلوس تحت الظلّ؛ لكن، في نفس ذلك الوقت، قاموا بتشييد مكان وغرفة على الجانب الآخر لأجل قبر أحد العلماء، وكانت له هيئة ومميّزات مختصّة به؛ وأذكر أنّ المرحوم العلاّمة قال: لا ينبغي بناء سقف أو تشييد غرفة لأيّ أحد هنا، سوى المرحوم البهاريّ، والذي يجب أن يكون بارزًا في هذه المقبرة، بحيث يكون هو الذي يحظى باهتمام الناس وتوجّههم؛ وصحيح أنّ ذاك كان من العلماء، وهذه مسألة محفوظة في محلّها، غير أنّها تتعلّق به هو، مع أنّه لدينا الآلاف من هؤلاء العلماء؛ فما يحظى باهتمام الناس هنا ليس هو عنوان

    1. سورة البقرة، الآية ۲٦٤.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

6
  • العلم الذي كان يتلبّس به المرحوم البهاريّ؛ إذ لدينا الكثير من هؤلاء العلماء؛ إذن، فما هو هذا الأمر؟ إنّه طابعه العرفانيّ والتوحيديّ الذي جذب قلوب الناس إليه؛ وهذا الذي ينبغي أن يكون بارزًا، لكي يتوجّه الناس إليه، ويأتوا إلى هنا.

  • لقد كان كثير المزاح، ومعروفًا بهذا الأمر في النجف، بحيث كان يُقال: لا يوجد من يقدر على منافسته في المزاح؛ وقد كانت تُنقل عنه مجموعة من الحكايات حينما كان في النجف، ويُقال إنّه متى ما حضر إحدى الجلسات التي كان يعقدها أستاذه المرحوم الآخوند الملاّ حسين قلّي لمناسبة من المناسبات، فإنّه ما إن يجلس، حتّى يشرع في تغيير أجواء الجلسة في مدّة لا تتجاوز خمس دقائق، لتتّخذ هذه الجلسة مسارًا آخر، حيث كانت له مجموعة من المسائل إن رغب الرفقاء في الاطّلاع عليها، فإنّني مستعدّ لإخبارهم عنها على انفراد؛ إذ لا بأس هنا من التحفّظ قليلاً، وخلاصة القول أنّه كان كثير المزاح.

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: حينما كان يقطن بتلك المدرسة ـ والظاهر أنّها المدرسة الهنديّة ـ، كانت له غرفة هناك، وكان من التلامذة المتميّزين للمرحوم الآخوند الملاّ حسين قلّي الهمدانيّ، والذي قال في حقّه: «إنّ طريقنا الذي يستغرق خمسين سنة قطعه هذا الشيخ محمد في خمس سنوات»، حيث كان رجلاً عجيبًا جدًّا، وله نفس ذات قابليّات كبيرة، ويتوفّر على استعداد كبير للحركة والسير والسرعة في السلوك وعبور الحجب، ويُظهر عبقريّة فريدة، ويتّصف بخصائص غير طبيعيّة؛ وعلى أيّ تقدير، ففي أحد الأيّام، أصيب أحد الطلبة غير المتزوّجين الذين كانوا يقطنون تلك المدرسة بمرض الحصبة، وكان مرضه شديدًا، ولم يكن لذلك الطالب أيّ أحد يرعاه، فبقي لوحده طريح الفراش، وكان على أبواب الموت والهلاك؛ إذ لم يكن الدواء متوفّرًا في تلك الأيّام كما هو عليه الحال اليوم، بل كانت الأوضاع مختلفة كثيرًا؛ فجاء المرحوم الشيخ محمّد إلى غرفته، ونقل جميع أثاثه إلى هناك، حيث كانت له غرفة مستقلّة، فانتقل للسكن معه، وانهمك في العناية به، فكان يشتري له الدواء، وبما أنّه كان مطّلعًا على الطبّ القديم، وخصائص الأدوية والأعشاب، فإنّه كان

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

7
  • يذهب، ويُحضرها إليه؛ وهكذا، إلى أنّ مرّت مدّة طويلة تبلغ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وتمكّن ذلك الطالب من تجاوز فترة المرض والنقاهة، وتحسّنت صحّته، فاعتراه الخجل كثيرًا، بحيث متى ما التقى بالشيخ البهاريّ، كان يُطأطئ رأسه للأسفل؛ لأنّ المرحوم البهاريّ كان قد نقل كافّة شؤونه المعيشيّة إلى تلك الغرفة، وانهمك في العناية به، إلى أن تماثل للشفاء، وصار يستطيع المشي على قدميه.

  • وبعد ما مرّ أسبوع على ذلك، واستعاد الطالب نشاطه، وتعافى بشكل كامل، قال [المرحوم الشيخ البهاريّ]: «لقد آن الأوان!»، فجاء عنده في الصباح بعنوان أنّه يُريد تفقّد أحواله، وأحضر معه كتاب مثنويّ، والذي كانت له حكاية خاصّة في ذلك الزمان؛ إذ يكفي أن يُرى الإنسان حاملاً هذا الكتاب خصوصًا، لكي ينتهي أمره ويُغلق ملفّه، ويسقط من درجة الوجود تمامًا؛ أجل، فقد كانت له حكاية خاصّة، وإذا وفّقنا الله، سنتحدّث إن شاء تعالى عن هذه المسائل لاحقًا؛ هذا، ناهيك عن أن يسعى الإنسان لقراءة المثنويّ، حيث كانوا يُمسكونه بالملقط، وتلك الأدوات المستخدمة لنقل الفحم والنار وأمثال ذلك، ويضعونه في مكان، لئلاّ تصطدم أيديهم به؛ إذ لن يتسنّى لهم في هذه الحالة استخدام هذه الأيدي إلى الأبد، لأنّها ستتنجّس نجاسةً ذاتيّة لا يُمكن تطهيرها بحوض من الماء؛ والله وحده يعلم بحال هذه النجاسة!! وعلى أيّ تقدير، نعوذ بالله تعالى من الجهل والخرق والغباء؛ بمعنى: انظروا إلى المستوى الذي يصل إليه الإنسان، بحيث يتعامل بهذه الطريقة مع هذا الكتاب القيّم الذي يُعتبر ـ بحقّ ـ من الكتب النادرة في مجال المعارف الشيعيّة!

  • كانت أحوال الشيخ محمد جيّدة، فقد كان في أوّل الصباح، ويشعر بالانتعاش، كما أنّه قرأ أذكاره، ولا بدّ أنّ ذلك الوقت كان بين الطلوعين، والأجواء هي أجواء النجف في جوار أمير المؤمنين، والفصل كان ربيعًا؛ ولهذ، فإنّ نشاطه كان مضاعفًا، فجاء عند ذلك الطالب، وفتح كتاب مثنويّ، وبدأ يقرأ:

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

8
  • فمنذ أن بدأ بالقراءة... مع أنّ صوته كان جميلاً جدًّا ومرتفعًا:

  • بشنو از نى چون حكايت مىكند***وزجدايىها شكايت مىكند

  • از نيستان تا مرا ببريده اند***وز نفيرم مرد وزن ناليده اند

  • [يقول: استمع إلى الناي حينما يشرع في الحكاية   ***   ومن الفراق يمضي في الشكاية

  • منذ أن كان من الغاب اقتلاعي   ***   ضجّ الرجال والنساء من صوت التياعي]

  • فلو ألّفتم كتابًا في شرح هذين البيتين، لكان قليلاً؛ فشرع في القراءة، وقال الطلبة: ما هذا؟ يا للعجب! إنّنا نسمع صوتًا غريبًا يقول: استمع إلى الناي حينما... ؛ من هذا المنحوس المرتدّ عن الدين والدنيا الذي يقرأ هذا الشعر؟! فخرج أحدهم من غرفته، وطلّ آخر من شُرفته، وبدؤوا يقولون: من أين يأتي هذا الصوت؟ فلنذهب ونخنقه، ونعدمه، ونضربه، ونسحقه، ونحطّمه؛ فجاؤوا، ورأوا أنّ الصوت يأتي ـ ويا للعجب ـ من غرفة ذلك المريض التعيس! فما إن جاء الطلبة إلى تحت، لكي يروا ما الخبر، وفتحوا باب الغرفة، حتّى وضع الشيخ البهاريّ كتاب مثنويّ أمام ذلك الطالب، وجلس، وقال له: «ماذا أيّها السيّد؟! ما الذي تفعله؟! ألا تخجل؟ هل تقرأ المثنويّ؟!»، فبدأ يقول مع البقيّة: «لقد نجوت بنفسك للتوّ، وتماثلت للشفاء قريبًا، من المؤسف أنّ عزرائيل لم يأت لقبض روحك، أ فهل هذا هو شكرك على تعافيك؟! أ فهل تقرأ مثنويّ في النجف؟! أتمنّى لو أنّ الله تعالى توفّاك في مرضك! أ فهل هذا هو جزاء كلّ المجهود الذي بذلته لأجلك؟! أخبرني: ألم أعتن بك طيلة ثلاثة أسابيع؟! فبقي ذلك المسكين مذهولاً، ويتساءل مع نفسه: ما الخبر؟! فالتفت الشيخ البهاريّ إليهم، وقال: «اذهبوا أنتم الآن، وسأعمد إلى تأديبه، وتربيته، اذهبوا أنتم، وسأعرف ما الذي أفعله له؛ أ فهل هذا هو جزاء إحساني إليه؟! حسنًا، سأقوم بتأديبه!»؛ وخلاصة القول أنّه عمد إلى إرجاعهم، ثمّ قال له: «في أمان الله»، وذهب؛ ومنذ ذلك الحين، متى ما التقى به ذلك الطالب،

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

9
  • لم يعُد يخجل منه؛ ولهذا، فقد كان المرحوم الشيخ البهاريّ يُريد أن يُخلّصه من ذلك الشعور، ولا يظلّ يعيش حالة الخجل من تلك الأسابيع الثلاث التي قضاها في العلاج والعناية وأمثال ذلك. إنّ هذا العمل يتطلّب حذاقة كبيرة، لكن، ليس كلّ أحد يستطيع القيام به؛ أي أنّه يستدعي وجود فهم ودراية، لكي يعلم الإنسان المقدار الذي ينبغي عليه استعماله، وفي أيّ موضع، وما هي الطريقة المناسبة لكلّ واحد؛ وهذا عمل لا يُتاح لكلّ أحد.

  • تعامل الأولياء مع الناس بطريقة تُحافظ على حرّيتهم في علاقتهم بربّهم

  • لكن، على أيّ تقدير، فإنّ هذه المسألة موجودة، حيث لم يكن ذلك الإحسان الذي قام به تجاهه هيّنًا؛ لأنّه ظلّ عنده لمدّة ثلاثة أسابيع، وأوقف حياته كلّها على معالجته، فبقي هذا الأمر مستوليًا على نفسيّة ذلك الطالب؛ فقد كان المرحوم الشيخ محمّد رجلاً مشهورًا، وكان مجتهدًا، ومعروفًا بين الناس والعلماء؛ وحينما كان ينظر إلى ذلك الطالب، كان هذا الأخير يُطأطئ رأسه خجلاً، فأراد أن يُبقيه حرًّا على الدوام، ولا يجعل نفسَه تُعاني من تلك العلاقة التي كانت تربطه به؛ فلاحظوا كيف كان هؤلاء الأولياء! أي أنّهم يتصرّفون على العكس تمامًا ممّا نقوم به نحن، حيث نريد دائمًا أن يبقى الناس خجلين في ارتباطهم بنا، وإذا قمنا بعمل حسن تجاه أحدهم، فإنّنا نسعى لكي يتذكّره متى ما التقى بنا، وإذا بذلنا مجهودًا لأجله، فإنّنا نسعى لكي يبقى هذا المجهود في ذكراته على الدوام، وإذا أقدمنا على خطوة في سبيله، فإنّنا نعمد إلى أن يتجدّد ذكر هذا الأمر في باله دائمًا؛ لكنّ هذا الطريق مخالف تمامًا للتوحيد.

  • ففي طريق التوحيد، تُمنح القيمة أوّلاً لنفس الطرف المقابل، ويجري لحاظ شخصيّته، وما هو الموقع الذي ينبغي أن يتواجد فيه، والذي يجب أن يكون أفضل موقع بالنسبة إليه، كما تلزم المحافظة دائمًا على شعوره بالحريّة النفسيّة في علاقته بربّه، بحيث لا تصطدم علاقتي به بعلاقته بربّه، وينبغي النظر إليه كما يُنظر إلى بقيّة الناس، هل التفتّم؟! فهذا هو طريق التوحيد؛ فطريق الأولياء والعظماء هو

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

10
  • طريق يُحرّر الناس، لا أنّه يُصيّرهم عبيدًا له، ويُحلّق بنفوسهم في سماء الحرّية وفضاء الإطلاق، لا أنّه يأسرهم عنده؛ فلا توجد في مدرسة التوحيد عبارات من قبيل: «اذهبوا إلى أيّ مكان آخر، فإنّكم لن تجدوا مثل هذا الكلام الذي أتحدّث به؛ وإذا اطّلعتم هنا على هذه المسائل، فإنّكم سترون في الأمكنة الأخرى مسائل مختلفة؛ والأمور التي تُطرح هنا حصيلة لمجهودات كبيرة جدًّا»؛ لأنّ هذه العباراة بأجمعها عبارة عن شباك وحبال تستعملها النفس لأجل تحقيق مصالحها وترسيخ شخصيّتها.

  • نسبة كلّ شيء في مدرسة التوحيد إلى الله تعالى

  • ففي مدرسة التوحيد، يُنسب كلّ شيء إلى الله تعالى، ويقول [المنتسب لهذه المدرسة]: «أنا لا أقول أيّ شيء، ولا أملك أيّ شيء»، ويقولها حقيقةً، حيث ذكرت لكم ذات يوم أنّه بوسعنا نحن أيضًا التفوّه بمثل هذا الكلام، لكن، إن جاء أحدهم، وقال لنا: «أجل، صحيح، فأنتم لا تملكون شيئًا من هذه المسائل»، فإنّنا سنعمد إلى تقطيعه إلى مائة قطعة، ونقول له: «ماذا تقول؟! إنّ هذا الكلام بأجمعه صادر منّي أنا! فأنا الذي ذهبت، وطالعت الكتب، وتعبت، وحضرت عند العظماء، وسمعت كلامهم، وأنقله إليكم الآن، ثمّ تأتي أنت، وتدّعي أنّني لا أملك شيئًا! لقد أخطأت بادّعائك هذا! وإن كنت صادقًا، فاذهب واعثر عليه في مكان آخر!»؛ فنسعى لكي نقطّعه إلى مائة قطعة، بينما في مدرسة التوحيد، لا يُنسب الكلام إلى المتكلّم، بدءًا من رسول الله، ومرورًا بأمير المؤمنين والأئمّة المعصومين، وانتهاءً بأولياء الله تعالى المستقرّين في مرتبة التوحيد، لا أدنى منهم، حيث سيأتي البحث عن المراتب الأدنى، ونتحدّث عنها إن شاء الله تعالى؛ فجميع هؤلاء بدءًا من رسول الله، ووصولاً إلى الأولياء يقولون كلامًا واحدًا: «إنّ جميع المسائل منتسبة إلى تلك الناحية»، ويقولون ذلك حقيقة؛ وهنا تكمن النقطة الأساسيّة، حيث إنّ الإنسان يلمس في علاقتهم به ذلك الكلام، ويشعر به، ويُدرك أنّهم لا يُخادعون، وأنّ هذه المسألة لا تقتصر على الظاهر، بل تنبع من

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

11
  • بواطنهم؛ وبما أنّه يُشاهد حقيقة التوحيد في كلامهم بهذا النحو، فإنّه ينجذب إلى هذه الحقيقة؛ إذ يرى عدم وجود أيّ شيء هنا، وأنّ هذا [الوليّ] لم يترك أيّ شيء لنفسه، ولم يفتح أيّ ملفّ شخصيّ لذاته، بل ينسب كلّ ما هو موجود إلى تلك الناحية؛ ومن هنا، نجده يقول: «إذن، أنا وهذا متساويان في هذه المسألة، ولا توجد بيننا أيّة مشكلة؛ فهو يقول إنّ كلّ ما هو موجود ينتسب إلى الله تعالى؛ ولهذا، فإنّني أقف أيضًا إلى جانبه»؛ فجميع المشاكل إنّما تنبع من القول: «تعالوا إليّ، واسمعوا منّي أنا الكلام، وتعالوا عندي أنا لكي أطلعكم على المسائل العرفانيّة والتوحيديّة»؛ غاية الأمر أنّ هذه الأنانيّة قد تبرز في جهات وأبعاد مختلفة: إحداها المسائل الدنيويّة وشؤون عالم الطبع والمادّة؛ نظير الرئاسة والحكم والأمور السياسيّة، ثمّ تتسلّل بعد ذلك إلى المسائل الفقهيّة والمسائل الولائيّة؛ وهكذا، تبدأ تترقّى شيئًا فشيئًا إلى أن تتسرّب إلى المسائل العرفانيّة؛ لكنّها واحدة بأجمعها، فمنشؤها ومصدرها واحد، غير أنّ هذا المصدر يتجلّى في المسائل غير الدينيّة بمجموعة من المظاهر، وفي المسائل الدينيّة بمظاهر أخرى؛ فذاك الذي يُصنّف كتابًا في الأحكام، ويُوزّعه في كلّ مكان يُريد أن يقول: تعالوا، واعملوا به؛ وإلاّ، هل رأيتموه قطّ يقول: «دعوا كتابي، وخذوا بكتاب آخر»؟! إن سمع أحد ذلك، فليُخبرنا؛ فهل رأيتم قطّ إنسانًا يُرجع الناس في المسائل إلى غيره، ويبعثهم إلى مكان آخر؟!

  • ونجد الأمر ذاته يتجلّى أيضًا في المسائل العرفانيّة، حيث يُقال: «إذا كنت تبحث عن الطريق، فتعال إلينا، لأنّه لا يوجد أيّ شيء في مكان آخر؛ وإذا كنت تريد الحقيقة، فاسمعها هنا، لأنّ المواضع الأخرى لا تملك أيّ شيء؛ وإذا كنت تُفتّش عن منهج العظماء ومدرستهم، عليك أن تخضع لمكانتنا، وأمّا إن رغبت في الذهاب إلى مكان آخر، فإنّك لن تعثر هناك على أيّ شيء»؛ فيُشيّدون بنيانهم على هذا الأساس، ويعملون على طرد الآخرين، ويعتبرون أنفسهم هم الصالحين فقط، ويشعرون بأنّهم يعيشون في النور والضياء؛ في حين يتخبّط المخالفون

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

12
  • لمدرستهم ومنهجهم في الظلماء والديجور والنار؛ فما هو سبب ذلك؟ لقد جاءت تلك المسألة بعينها، وظهرت في قالب عرفانيّ بهذا النحو؛ فالمنشأ واحد من دون أيّ فارق؛ أي أنّ كافّة هذه المسائل عبارة عن التذاذات نفسانيّة، حيث نجد النفس تتمتّع بهذه الالتذاذات في أبعاد مختلفة؛ وليعلم الرفقاء أيضًا أنّ الالتذاذات النفسانيّة تصل في المراتب العليا إلى حدّ، بحيث يصير الإنسان مستعدًّا لوضع نفسه في أيّ موقف، وتحمّل أيّ ضرر في سبيل الوصول إليها، ولكي يُقال عنه: «إنّه إنسان بارز، ويُعدّ الآن محورًا، وهو الذي يحمل الآن لواء هذه المدرسة، ولا يوجد أحد سواه»؛ أي أنّه يكون مستعدًّا لتحمّل المشاقّ، وتجشّم الجوع والضيق والعُسر بجميع أنواعه؛ لكن، حينما تنظر في الأخير، ترى بأنّه مجرّد التذاذ.

  • ذات يوم، كنت أتحدّث مع أحدهم، فقال: «ينبغي إنجاز العمل الكذائيّ»، فقلت له: «وما هو الدليل على ذلك؟ ففي نهاية المطاف، نحتاج إلى دليل، ولا يُمكن للأمور أن تتمّ بهذا النحو»، قال: «إن صرت أنا منشأ لهذا العمل، فإنّه سيتحقّق مثلاً بالنحو الكذائيّ»، فقلت له: «الأمر هيّن، فلنجرّب ذلك لمدّة شهرين؛ فإنّ رأيت أنّ العمل الذي يجب على فلان القيام به يتساوى مع العمل الذي تقوم به أنت، أو يفضله، فهذا هو المقصود، وقد حصل ما نريد؛ وإن رأيت أنّ عملك أفضل، وأنّ بعض المشاكل بدأت تحصل، فليتغيّر الأمر بعد مرور شهرين؛ وهذا بحدّ ذاته يكشف عن هذه المسألة من دون أن نحتاج لشيء آخر»؛ وحينما وصلنا إلى هذه النقطة، قال لي ذلك الشخص: «أنا أساسًا لا أريد أن يقوم بهذا العمل أيّ أحد»؛ حسنًا، فهذه مسألة لا يُمكننا الكلام عنها في ضمن هذه الدائرة، حيث وصلنا في الحديث إلى ضرورة تجربة المسألة من دون إقامة دليل عليها، لكن، حينما بلغت التجربة نفقًا مسدودًا، لم يبق لدينا أيّ كلام نقوله؛ ولهذا، على الإنسان أن يُراقب نفسه جيّدًا، ويضع أعماله وتصرّفاته في محكّ الاختبار وبوتقة التجربة بكلّ حياد، لكي يتسنّى له الخروج منتصرًا من هذا الموقف وهذه الظروف التي حصلت له. فهذه المسألة المتعلّقة بالمباهاة والافتخار على بقيّة الناس؛ ولا يخفى أنّ هناك كلام كثير

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

13
  • وحكايات متعدّدة في هذا المجال؛ غاية الأمر أنّنا نريد إنهاء الموضوع، والاكتفاء بهذا المقدار، كما أنّ الرفقاء والأحبّة من أهل الاطّلاع، وبوسعهم متابعة الأمر.

  • وأمّا المسألة الثانية التي تُعدّ مسألة حساسّة تتجلّى فيها حقيقة مدرسة التوحيد، وتبرز فيها الهفوات والأخطار، والتوقّفات، وتعطيل الحركة، فهي مسألة مباهاة النفس، واغترار الإنسان في باطنه بأعماله، وانخداعه بها، وإسقاط نفسه في وضعيّة نفسانيّة خاصّة؛ فهذه هي المسألة التي تحظى بأهمّية بالغة.

  • انتشار النزوع نحو المعنويّات في العالم المعاصر

  • ففي بقيّة المدارس والمناهج وطرق الوصول إلى المعنويّات... والمراد من المعنويّات هنا كلّ ما يقع وراء المادّة بنحو مطلق، حيث سيُعدّ حينئذٍ الاطّلاعُ على الضمائر من ضمن المعنويّات؛ أجل، هذا بحسب بحثنا الحاليّ، وطبقًا لما هو مشهور في العالم الآن باسم المعنويّات والتحقّق بالأمور المعنويّة؛ إذ نجدهم يُفرّقون الآن بين المعنويّات، وبين الدين؛ فبسبب الخرافات التي طرأت خصوصًا على اليهوديّة والمسيحيّة وبقيّة الأديان، وفي الأخير، على الدين الإسلاميّ من خلال ما هو موجود في مذهب العامّة وأهل السنّة، بل وكذلك ـ للأسف ـ بسبب المسائل التي عرضت على مذهب التشيّع والنقائص التي صدرت من بعض النماذج، فقد جرى ـ بشكل عامّ وبلحاظ ما ـ تنحية كافّة الأديان، واعتبارها قاصرة عن الوصول إلى المعنويّات؛ لكن، من دون التخلّي عن نفس المعنويّات؛ أي أنّ الذي بدأ يحصل في العالم الآن هو بالضبط عين ذلك الأمر الذي يحتاجه ظهور حضرة بقيّة الله أرواحنا له الفداء على مستوى توجيه النفوس نحوه عليه السلام؛ أي الحركة في اتّجاه المعنويّات من دون الالتفات إلى الطريق، إذ جرى التخلّي عن هذا الطريق. لقد وصل الناس في الجانب المادّي لهذا العالم إلى آخر نقطة؛ وبما أنّهم يرون وجودهم وحقيقتهم الميتافيزيقيّة أعلى وأرقى من الجهة المادّية، فإنّنا نجدهم يبحثون عن الطريق والمعادلة والبرامج العمليّة التي توصلهم إلى تلك

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

14
  • الحقيقة؛ وهي مسألة بدأت تنتشر في العالم بشكل واسع، وتُبشّر بوقوع مجموعة من الأحداث في المستقبل القريب.

  • إنّ هذه المسألة وهذه الحقيقة التي يُعبّر عنها بالحقيقة المعنويّة (spiritually) بدأت تسعى لإبراز نفسها في كافّة الأفراد ومختلف القوالب، بحيث صار كلّ واحد يبحث عن ضالّة غير مادّية؛ ويدخل في هذا الباب: مسألة الاطّلاع على النفوس، والتصرّف في الأشياء، وإعمال الإرادة والإيجاد تجاه بعض الأمور، والتنبّؤ بالماضي؛ فأضحى كلّ الناس أو معظمهم يعمدون إلى إشباع البُعد المعنويّ المكنون في أنفسهم وأرواحهم من خلال التوصّل إلى هذه المسائل، والتعرّف على هذه المجهولات؛ لكنّ المهمّ في ذلك كلّه أنّهم يُريدون بلسان حالهم النجاة من أسر المادّة، وتخليص أنفسهم من التعامل مع المادّة والمادّيات؛ وهنا، تظهر مختلف المدارس والعقائد في ساحة الوجود، حيث يتمكّن بعضها من الوصول إلى هذا الأمر، فيستخدمون عددًا من الوسائل لبلوغ هذه المسألة، ولو بمستوى بسيط؛ فيكفي أن يصيروا قادرين على التصرّف في بعض الأشياء لكي ينتابهم السرور، ويكفي أن يصبحوا متمكّنين من الاطّلاع على بعض الأشياء لكي يقنعوا؛ فلا تجدهم يتساءلون بخصوص هذه الأمور، وهل يكفي هذا المقدار في إشباع نفوسهم أم لا، حيث يختلف فهم الناس وهمّتهم تجاه هذه المسألة؛ فبينما يسعى البعض إلى وضع أقدامهم في أعلى نقطة من المعنويّات، يكتفي البعض الآخر بهذه المراتب الدنيا.

  • اقتصار البعض في الأمور المعنويّة على خوارق العادات

  • ومن هنا، فإنّ ما يُلحظ في كافّة هذه المدارس ـ سواءً كانت غير دينيّة؛ نظير المذاهب البوديّة المختلفة، أو كانت مرتبطة بالرياضات التي يُمارسها المرتاضون، أو كانت تنتهج طرق تقوية النفس ـ هو التوقّف في مراتب الصفات والأسماء الإلهيّة؛ وهذه مسألة بالغة الأهمّية؛ أي أنّ الإنسان يُريد هنا تحقيق نوع من أنواع الالتذاذ النفسانيّ؛ لكن، بأيّ نحو ينبغي أن يتحقّق هذا الالتذاذ النفسانيّ؟ حيث نجد هؤلاء يكتفون بمجرّد الخروج من حدود المادّة، ويقنعون بمجرّد الإحساس أنّ شيئًا [خارقًا

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

15
  • للعادة] قد صدر منهم. ففي زمان المرحوم العلاّمة، كنت أشاهد بنفسي وجود بعض الأشخاص بهذا النحو، وكانوا يحظون كثيرًا باهتمام الناس أيضًا، وكانت غاية جهدهم أن يذهبوا إلى زيارة الإمام الرضا، أو زيارة العتبات المقدّسة في الشتاء والصيف وفي كلّ آن، فكان كلّ شيء كانوا يرغبون به يحضر أمامهم؛ فهذا هو منتهى براعتهم؛ أي: افرضوا من باب المثال أنّ نفسهم ورغبتهم كانت تتعلّق في فصل الشتاء بتناول البطّيخ، فإنّهم يُعملون إرادتهم، فتخرج فجأةً نبتة بطّيخ من تحت الثلج، أو يُعملون إرادتهم مثلاً لتناول الطعام الفلانيّ، فتأتي فجأة أمامهم صينيّة منه؛ وقد شاهدت بنفسي مثل هؤلاء، والتقيت بهم، أو أنّهم كانوا يعمدون إلى تقوية أنفسهم قليلاً، فيصير بوسعهم طيّ الأرض؛ فهذا هو أعلى قيمة وأقصى هدف ومنتهى الكمال الذي حصل عليه هكذا شخص؛ أي أن يتناول البطّيخ والشمّام وحسب، أو أن يقطع الطريق الذي يحتاج إلى يوم كامل في مدّة ساعة واحدة؛ فهذا هو الكمال المطلق بالنسبة إليه، وهذا هو غاية سيره.

  • فعوضًا عن أن تسعى لأن تخضرّ أمامك بطّيخة، [اذهب إلى السوق]، وضع في سلّتك بطّيخة، وأحضرها معك؛ فهذا ليس بالأمر المهمّ، وإذا اشتاقت نفسك للطعام الفلانيّ، اطلب من زوجتك الجليلة المحترمة أن تطبخه لك، وضعه في القدر، وأحضره معك؛ فهذه هي نهاية المسألة، وحتّى بالنسبة لذلك الطريق الذي يحتاج قطعه إلى يوم كامل [وتريد قطعه في ساعة واحدة]، فإنّه بوسعك أن تمتطي سيّارة، فيصير بمقدورك الركوب أكثر، والاستمتاع أكثر بمشاهدة الطبيعة ومظاهر الله تعالى؛ ومن هنا، فما هو الفارق الذي أحدثه ذلك الأمر في نفسه؟ مجرّد التذاذ نفسانيّ، وسرور نفسيّ، وأنّه بهذا النحو، والآخرين ليسوا كذلك.

  • وفي هذه الحالة، إذا ذهب الشخص ذاته إلى مدينة يتوفّر كافّة أهلها على ذلك الحال، فإنّه لن يتمكّن من العيش هناك، هل التفتّم؟! فإن انتقل إلى مكان يكون كافّة الناس فيه مثله، بحيث يجد كلّ واحد منهم قادرًا على تناول البطّيخ، وأكل الشمّام، وإحضار ما يشاء، فماذا سيكتشف؟ سيكتشف أنّه لا يملك شيئًا لكي يعرضه أمام هذه الجماعة، ومن دون الحاجة لكي يقول ذلك؛ ولاحظوا، فإنّني أريد الوصول تدريجيًّا

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

16
  • إلى الموضوع الذي أرغب في الحديث عنه؛ أي أنّه لا يحتاج لأن يقول: «أيّها الناس، إنّني أتمتّع بالخاصّية الكذائيّة، بحيث يحضر أمامي كلّ ما أريده»؛ لا، فهو يكتفي بمجرّد الشعور في نفسه بأنّه يمتلك تلك الخاصّية التي لا تتوفّر عليه هذه الجماعة؛ ممّا يعني أنّ هذه الحالة صارت تغمر وجوده، وتملأ نقاط الفراغ فيه؛ وهنا، إذا ذهب إلى مكان يكون أهله مثله أو أقوى منه، كأن يكون هو قادرًا مثلاً على إحضار بطّيخة، والآخر على إحضار جوز الهند، فيُنبتها فجأة، وتكون قدرته أكبر، أو يكون متمكّنًا من فعل شيء آخر؛ ففي هذه الحالة، سيشعر بالضيق والتعب وسط هؤلاء القوم، ويقوم، ويرحل إلى قرية يفتقرون إلى مثل تلك الميزة؛ وحينما يصل إلى هناك، فإنّ نفسه تهدأ؛ وهنا، بدأنا نقترب من المسألة المبحوث عنها.

  • عدم خروج غير مدرسة التوحيد عن دائرة الالتذاذات النفسانيّة

  • ففي المدارس الأخرى كيفما كان نطاقها، نلاحظ وجود هذه المشكلة، وأنّ الطريق الذي تعرضُه يأسرُها ويوقفها في دائرة الصفات والأفعال والمظاهر الخارجيّة للرحمة الإلهيّة؛ فتجد الواحد من هؤلاء حينما يُؤدّي الصلاة، يُؤدّيها لكي يحصل في مقابلها على ثمرة، وعندما يصوم، فإنّه يقوم بذلك لكي ينال شيئًا في إزاء هذا التعب، وإذا تصدّق، فإنّه يهدف من التصدّق بدرهم مثلاً إلى الظفر بعشرة دراهم، ولو لم تكن هذه الدراهم مادّية، بل معنويّة، وإن أقام مجلسًا للتوسّل [بأهل البيت عليهم السلام]، فإنّه يُقيمه بُغية رفع البلاء والمرض عن العضو الفلاني من أعضاء عائلته، وإن توسّل بموسى بن جعفر، فإنّ هدفه يكون تخليص فلان من قيده وأسره، وإذا توسّل بسيّد الشهداء، فإنّ هذا التوسّل يكون لأجل حلّ المشكلة الكذائيّة التي استعصت عليه، وشغلت كلّ باله؛ وبالتالي، نجد أنّ هؤلاء الأشخاص ـ مع ما يتميّزون به من خصائص ـ يستخدمون المدرسة بأجمعها لتحقيق المنافع النفسيّة؛ فيلجؤون إلى توظيف الإمام في مصالحهم، واستخدام الله تعالى وملائكته بغية ملأ الفراغات النفسانيّة التي يُعانون منها؛ ولا يخفى أنّهم يعطونهم أحيانًا ما يُريدون،

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

17
  • لا أنّهم يرجعونهم في كافّة هذه الموارد خالي الوفاض؛ فيُشفونهم، ويرفعون عنهم البلاء، ويدفعون قروضهم، ويحلّون مشاكلهم، ويُساعدونهم في جميع هذه الحالات قلّ ذلك أم كثر؛ وصحيح أنّ ذلك لا يحصل دائمًا، لكنّه يحدث في معظم تلك الموارد.

  • إنّ هذا العالم هو بنحوٍ يستطيع كلّ واحد فيه التمتّع بهذه المائدة وفقًا لسعته الوجوديّة؛ فكلّما كانت همّته أعلى، كانت استفادته أكبر؛ فنجد بعض هؤلاء قد تحمّلوا العديد من الرياضات؛ نظير المرتاضين الذين ألزموا أنفسهم ببعض الرياضات العجيبة والغريبة طيلة سنوات متمادية، حيث طالعت سيرة أحدهم في موضع ما، وحتّى أنّهم وضعوا صورته هناك، فكتبوا عنه أنّه عاش فوق شجرة كانت موجودة هناك لمدّة عشر سنوات من دون أن ينزل منها.. أ فهل أنت عصفور يا عزيزي؟! ما معنى أن يوقع الإنسان نفسه في هذا البلاء، ويعيش فوق شجرة؟ أ فلم يكن لديك أيّ مكان؟! أ فهل طردوك من منزلك؟! أو تجد المرتاض الفلانيّ يدخل إلى غار، ويبقى فيه عدّة سنوات من دون أن يخرج منه؛ مع أنّ الله تعالى خلق كلّ هذه الأراضي! انظروا، فهذا الشخص يُريد الوصول ـ من خلال هذه الحالة التي وضع نفسه فيها ـ إلى مكان معيّن؛ وأنا لا أريد القول إنّه لا يصل، بل يصير قادرًا على القيام بعدد من التصرّفات والتدخّلات في الأشياء، وتحصل له بعض القدرات، لكنّها عبارة عن التذاذات نفسانيّة بأجمعها؛ وعلى حدّ قول المرحوم الحدّاد نقلاً عن المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد، حيث قرأت ذلك للتوّ: إنّ هذه الأمور بأجمعها التذاذات نفسانيّة، فتتقوّى هذه النفس، لا أنّها تفقد قواها وتصير صفرًا في مقابل إرادة الله تعالى ومشيئته؛ فهكذا أمور تُساهم في تضخيم حجم النفس، وليس في تقليل حجمها، لكي تصل إلى مرتبة التسليم، فتصير هادئة ومطمئنّة، ومهما قدّروا لها، فإنّها لا تجد أيّ حرج، وكيفما كان الطريق الذي أخذوها فيه، فإنّها لا تعترض؛ إذ إنّ الحاكم على شؤون الإنسان في مدرسة التوحيد هو الله تعالى، وحسب، من دون الالتفات إلى الطريق الذي يتّخذه مسار الأوضاع؛ وأمّا بقيّة المدارس، فنجد فيها كلّ شيء، ومن كلّ صنف.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

18
  • في هذه الأيّام، يجري وللأسف تصنيف مجموعة من الكتب التي يُطلق فيها على مثل هؤلاء اسم الموحّد والعارف، في حين أنّه عندما نتصفّح كافّة أوراق هذه الكتب، ونطّلع على خصائصهم، نكتشف أنّهم مبتلون بتلك المسألة؛ أي أنّهم وصلوا إلى بعض المقامات، وحصلوا على بعض القدرات، لكنّها تقع بأجمعها في نطاق الالتذاذ النفسانيّ، وليس التقرّب إلى الله تعالى؛ فتحد أحدهم أتعب نفسه لسنوات مديدة، وخاض في الرياضات الشاقّة، لكي يهبه الله تعالى القدرة على شفاء المرضى؛ بينما ذلك كلّه التذاذ للنفس؛ وفي هذه الحالة، قد يقول في الوقت ذاته: «إنّني صرت بهذا النحو بفضل الله، وبفضله تعالى، حينما أغلق عينيّ، أرى العالم بأجمعه، وبفضله سبحانه، أصبحت أقوم بكلّ عمل أريده»؛ لكن، إن شاء الله تعالى أن يسلب منه ذلك، فما الذي سيحصل؟ أ فلم تكن تدّعي أنّ ذلك بفضل الله؟! هو تعالى بنفسه يقول الآن: «لا أريد»؛ لكن، مع ذلك، فإنّه سيلجأ إلى لعن السماء والأرض، ويقول: «عجيب! هل هذه هي حصيلة الجهد الذي بذلته كلّ هذه السنوات؟! فأين ذهب كلّ التعب الذي عانيته؟!»؛ لكن، أ لم تقل بنفسك: «إنّه بفضل الله»؟! إذن، فلتصدق في قولك، واثبت عليه؛ فإن كان ذلك بفضل الله، فهو تعالى يقول: «أ لست أنا الذي منحتك إيّاه؟ حسنًا، فهل أنا الذي أعطيتك إيّاه، أم تدّعي أنّه من عندك؟»؛ سيقول: «من عندي»، لكنّه يقول ظاهرًا: «من عند الله»؛ فباطنه يقول: «من عندي»، وظاهره يقول: «من عند الله»؛ وحتّى قوله الظاهريّ: «من عند الله»، فإنّ الهدف منه هو إضفاء نكهة على المسألة، وإلاّ، فإنّه يقول بكلّ وجوده: «أنا» الذي أقوم بهذا الفعل، «أنا» الذي أؤدّي هذا العمل؛ فتصير هذه الحالة صنمًا بالنسبة إليه، ومانعًا وشيطانًا.

  • الهدف الوحيد لمدرسة التوحيد هو تحقيق الانسجام مع إرادة الله تعالى

  • وأمّا في مدرسة التوحيد، فلا يوجد أيّ فارق بين أن يُعطي «هو» أو لا يُعطي؛ أي أنّه على الإنسان أن يصل في هذه المدرسة إلى حقيقة عدم وجود فارق بين إعطائه تعالى وعدم إعطائه؛ فإن أعطاني

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

19
  • اليوم، وصرتُ عالمًا بما يقع خلف الجدار، ثمّ سلب ذلك عنّي بعد ساعة، ولم يعُد بمقدوري العلم، لا ينبغي أن تختلف أحوالي؛ فإن أعطى، فالأمر إليه، وإن لم يُعط، فالأمر كذلك إليه؛ وعلى حدّ قول المرحوم الحاجّ هادي الأبهريّ: إن أعطى، "عمّر الله تعالى بيته"، وإن لم يُعط، فنحن مملوكين له، ولا ينبغي أن يفرق الأمر لدينا؛ فإن صرنا اليوم قادرين على إحياء الموتى، ثمّ سُلبت منّا غدًا هذه القدرة، لا يجب أن يفرق الأمر بالنسبة إلينا. قال لي أحد الأصدقاء: «أصبحت مطّلعًا على كافّة المسائل، وكنت أشاهد جميع الحقائق، وأرى القضايا التي تحصل، ومن الذي سيموت اليوم، وما الذي سيحدث غدًا، وما الذي سيقع للجار، والخالة، والعمّة؛ فأشاهد ذلك بأجمعه؛ وفي أحد الأيّام، كنت أرافق المرحوم العلاّمة من مكان إلى مكان آخر، فسألني: كيف حالك؟»، حيث يكون هذا الأمر هو الذي يدفع هؤلاء العظماء لطرح مثل هذه الأسئلة؛ فقال ذلك الصديق: «قلت له: لقد صار حالي مؤخّرًا بهذا النحو، فقال لي: بالمناسبة، هذا الحال غير جيّد؛ فتوقّفت تلك الأمور، وذهبت تمامًا، بحيث كلّما تأمّلت، رأيت أنّني تخلّصت منها؛ والآن فقط أصبحت مرتاحًا، وصرت مثل الناس الذين يمشون في الشارع».

  • فهذا هو الذي يُقال عنه إنّه ينتمي إلى مدرسة التوحيد؛ فهو لم ينزعج؛ لأنّه يعلم أنّه متّصل بمكان آخر، وأنّ هذا القرار قد اتّخذ من محلّ أعلى، وأنّه قرار يتوافق مع مصالحه، ويتكّئ على أساس الأمر الربوبيّ، لا التخيّلات والاعتبارات؛ فالمصلحة التي تُؤخذ بعين الاعتبار في حقّه هي مصلحة اختارها الله تعالى له؛ ولهذا، فإنّ الإنسان سيكون مرتاحًا جدًّا، وفكره هادئًا، ولن ينشغل بالُه أبدًا.

  • فالأمر الذي يحظى بالأهمّية في مدرسة التوحيد هو نفس إرادة الله تعالى، وليس حلاوة هذه الإرادة ودسومتها؛ فحينما يحلّ الضيوف بمنزل أحدهم، ويريدون إحضار الطعام، تجده يقول: «لا داعي لكي تأتوا بالطعام، فإنّ طعامنا يأتي من الناحية الكذائيّة»، وإذا بهم يرون فجأة أنّ عدّة صحون قد جاءت عبر الهواء، يا للعجب! ماذا؟ ما الذي حصل؟ فيأتي عبر الهواء الطبق الأوّل، ثمّ

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

20
  • الثاني، والثالث؛ ولا أعلم من أيّ محلّ لبيع اللحم المشويّ قد جاءت هذه الأطباق إلى هنا؛ فجاء واحد، ثمّ اثنان، ثمّ أربعة، ثمّ خمسة؛ يا للعجب، إنّ المسألة بهذا النحو!

  • لكن، في المقابل، يقول أحدهم: ذهبنا من النجف إلى كربلاء للقاء المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه، وكان الوقت ليلاً، وجميع المحلاّت مغلقة، وكانت البطون جائعة جدًّا، فقال أحدهم: «لنذهب إلى المحلّ الفلانيّ، لكي نرى هل لا يزال مفتوحًا»، فقال [السيّد الحدّاد]: «أيّها السادة، تعالوا بنا نذهب إلى المنزل، ونأكل ما نجده هناك، وسيوصل الله إلينا إن شاء تعالى رزقنا»؛ فقال: وصلنا إلى المنزل، وكان عددنا يبلغ سبعة أو ثمانية أشخاص، فذهب هو ليأتي بالطعام، لكن، مهما بحث، لم يجد شيئًا، إلى أن عثر في نهاية المطاف على علبة يضع فيها عادةً الخبز اليابس لكي يُسلّمه إلى الباعة المتجوّلين الذين يأخذونه؛ فجاء بذلك الخبز، وأحضر إلى المائدة قدحًا مملوًّا بالماء، ثمّ وضع فيه الخبز، وقال: «بسم الله»؛ فأكلنا منه جميعًا، ولا زال طعمه لم يذهب من فمي إلى الآن. هل هذا واضح؟! فهذا الذي يُسمّى بالموحّد، فهو لم يقم من مكانه، ويذهب إلى الخارج، لكي يأتي باللحم المشويّ، ويقول: «تفضّلوا»، فيقولوا: «ما أعجب هذا العمل الذي قام به!». فالتوحيد يقول: عليك أن تُحضر ما هو موجود في البيت؛ سواءً كان خبزًا يابسًا، أو لحمًا مشويًّا؛ ولهذا، لا ينبغي عليك أن تُحضر خبزًا يابسًا إن كان يوجد بالبيت لحم مشويّ؛ أجل، إذا لم يوجد اللحم المشويّ، عليك أن تأتي بالخبز اليابس؛ ففي مدرسة التوحيد، توجد حقيقة واحدة وطريق واحد، ولا وجود لهكذا ألاعيب؛ فهذه بأجمعها التذاذات للنفس؛ أي: من الممكن أن يمرض الإنسان، أو يموت ولده، فيقول: «حتّى لو مات هذا الطفل، فإنّني سأصبر، غير أنّني سأحول دون موت ابن جاري الفلانيّ»، لكن، سيُعدّ هذا أيضًا من التذاذات النفس؛ فهي قادرة على أداء هذه الأفعال، ولا تتوهّموا أنّ ذلك راجع إلى علوّ المقام والدرجة؛ وإلاّ، أ فلم يلجأ عمر بنفسه إلى جلد ابنه أمام الجميع بسبب مخالفته له، وذلك لكي يُقال: إنّ عمر عادل؟! ونحن نرى

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

21
  • أهل السنّة الآن يعتبرون هذا العمل في كتبهم من مفاخر عمر، ويقولون: «انظروا كيف أنّه لا يُفرّق بين الناس في تطبيق العدالة»؛ وقد كان كذلك بالفعل، لكن، نفس عمر هذا، حينما أتى ذاك اليهوديّ، وسأله، فعجز عن جوابه، فقال له اليهوديّ: «لماذا لا تُرجع الخلافة إلى عليّ باعتباره أهلاً لها؟»، فإنّه قال: اضربوه، أخرجوه، وإذا تفوّهت بمثل هذا الكلام مرّة أخرى، فإنّنا سنغتالك! وحينئذ، هل هذه هي العدالة، أم تلك؟! فهو غير مستعدّ لإرجاع الحقّ إلى عليّ، ولو لثانية واحدة؛ ولهذا، فإنّ جميع تلك الأفعال كذب وخداع واحتيال، والهدف منها تصديق نفسه وتقويتها، وليس تطبيق العدالة، وإلاّ، فإنّ أوّل خطوة لتطبيق هذه العدالة هو إعادة الحقّ إلى عليّ؛ فإن قلت بنفسك سبعين مرّة وباعتراف علماء أهل السنّة: «لولا عليّ لهلك عمر»۱، فلماذا لا تُعطي الحقّ لعليّ؟ وإن قلت سبعين مرّة: «لَا أبْقَانِي اللهُ بَعْدَك يا عَلِي»۲، فلماذا لا تُعطيه الحقّ؟ ومن هنا، يتّضح أنّ كافّة تلك الأعمال خداع واحتيال، وأنّك تتفوّه بهكذا عبارات حتّى لا تتخلّف عن الركب.

  • علينا أن نُعمل الدقّة كثيرًا، فلا مزاح في الأمر، وعلينا أن نعلم أيّ أفعالنا منسجم مع المنهج، وأيّها متعارض معه، كما لا يُمكننا أن نخدع أنفسنا في هذا المجال؛ أجل، يبقى أنّ ذلك بقدر المستطاع، ولا كلام لنا هنا؛ فالالتزام بهذه المسألة يكون بقدر المستطاع، ولا كلام لنا بخصوص ذلك، كما لا يوجد هنا أيّ إشكال.

  • وعليه، فإنّ الهدف من الوصول إلى الحقائق والمعنويّات في غير مدرسة العرفان هو التذاذ النفس، وليس رضا الله تعالى؛ ولهذا، حينما كان هؤلاء الأشخاص يأتون عند المرحوم السيّد الحدّاد، وهو رجل موحّد ويستطيع القيام بكلّ شيء، فلمّا كانوا ينظروا إليه، كان بعضهم يرى بأنّ تلك الحالات لا تُؤثّر فيه أبدًا، ولهذا، لم يكونوا يقتربون منه؛ لكنّ البعض الآخر لم يكن يقم بذلك، بل كانوا يعملون حسابًا لأنفسهم؛ فكانوا يأتون عنده

    1. أورده أبو داود في سننه بعدّة طرق، ج ۲، ص ۲۲۷؛ نقلاً عن بحار الأنوار، ج ۳۰، ص ٦۸۰.
    2. المناقب، ج ۱، ص ٤٩۲؛ نقلاً عن معرفة الإمام، ج ۱۱، ص ۲٩۱.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

22
  • رغبةً في الاستفادة منه، وفي الوقت ذاته، يعملون حسابًا لأنفسهم؛ فيسأل السيّد الحدّاد أحدهم: «ماذا فعلت؟ وعلى ماذا حصلت؟»، فيُجيبه: «لقد مُنحت الاسم الأعظم ببركة التوسّل بالأئمّة عليهم السلام وهمّة مولاي عليّ عليه السلام»؛ وحينئذ، يقول له السيّد الحدّاد: «هل تُريد الآن أن أسلب منك الاسم الأعظم بواسطة همّة مولاك عليّ؟»؛ ولا يخفى أنّه لم يقل له ذلك بهذا النحو، بل أضفتُ بعض الأشياء من عندي؛ وفجأة، بدأ جسد ذلك السيّد في الارتجاف، وقال: «لا، لا أستطيع»؛ ولماذا لا تستطيع؟ أ فلا تدّعي أنّه حصل لك بهمّة مولاك عليّ؟! فإن كانت لديك القدرة، فاحتفظ به! فلماذا لا تحتفظ به إذن؟ أ فلم تُمنح الاسم الأعظم؟! فأيّ اسم أعظم هذا لا يستطيع أن يقف في وجه الجميع؟! أ وليس بالإمكان فعل كلّ شيء بواسطته؟! فأيّ اسم أعظم هذا يُمكنك أن تفعل به ما تشاء كما تزعم، لكنّه يقف عاجزًا أمام إرادة هذا الرجل ومشيئته؟! ما هو الجواب عن هذا السؤال؟ على الرفقاء أن يُجيبوا بسرعة، ويقولوا: «إنّ الاسم الأعظم يكون فعّالاً في المواضع التي لا يقف فيها في وجه الله تعالى؛ لكن، إن رغب في الوقوف في وجه الإرادة الإلهيّة، فإنّه سيكون حينئذ مجرّد اسم، وأيّهما أعلى: الاسم أو الذات؟ [الذات أعلى]، ولأنّ الموحِّد متّصل بالذات الإلهيّة، فإنّ الاسم الأعظم سيكون تأثيره هناك كتأثير الرسم على الماء؛ ولهذا، لن يكون بوسعه القيام بأيّ شيء؛ فيا ليتنا استفدنا من هذه الفرص! فإذا كان الإنسان قادرًا على القيام بهذه الأفعال، وأُتيحت له الفرصة للمجئ [عند الأولياء]، فلماذا لا يسعى للارتقاء إلى تلك الدرجة العليا؟! ولماذا يكتفي بهذه الدرجات الدنيا؟ هذا الذي يُقال عنه: المباهاة النفسانيّة؛ أي أنّ النفس تشعر في داخلها بحالة تعتبر فيها ذاتها صاحبة حقّ في مقابل الأعمال التي تؤدّيها؛ فأنا أقوم بالعمل الذي أجني فيه ربحًا، وأتحمّل الرياضة لكي أحصل على شيء، وألجأ إلى التوسّل حتّى أظفر بأمر ما؛ وهي الحالة التي يُعبّر عنها بـالصفقة التجاريّة!

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

23
  • عبادة التجّار وعبادة الأحرار

  • ماذا قال أمير المؤمنين عليه السلام؟ إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّه طمعًا في الجنّة، فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ؛ وما المراد من الجنّة؟ هل المراد منها الحور العين والشراب والسكَّر؟ لا؛ فذلك الشخص أيضًا عبارة عن تاجر؛ لأنّ الجنّة تعني [أيضًا] الوصول إلى المعنويّات، والظفر بالمسائل التي تُساهم في شعور النفس بالكمال في ذاتها، وإحساسها باللذّة والحلاوة، وتقول: أنا أملك هذا الشيء، وأنت لا تملكه؛ فهنا تصير لدينا جنّة، ويصير الأمر عبارة عن تجارة؛ ولهذا، إذا صلّيت لأجل هذه الأمور، فاعلم أنّ صلاتك باطلة، وإذا صمت لأجلها، فاعلم أنّك أدّيت هذا العمل لغير الله تعالى، وإذا توسّلت بسيّد الشهداء بُغية رفع البلاء، فاعلم أنّك تتوسّل بالإمام الحسين الذي يقع في ضمن نطاق تفكيرك؛ وأمّا الإمام الحسين الذي استوعب وجودُه كافّة العالم، فإنّ بينك وبينه فاصلة كبيرة جدًّا؛ فأنت ذهبت تبحث عن إمام حسين خياليّ، وتضع يدك على ضريح إمام حسين خياليّ، وليس الإمام الحسين الذي كان بذلك النحو، وضحّى بجميع وجوده وثروته ونسائه وأولاده ومكانته؛ وذلك لأجل ماذا؟ لأجل أنّه «هو» تعالى يُريد ذلك، وحسب! هل تظنّون أنّ الإمام الحسين وهب حياته بأجمعها لكي يمنحه الله تعالى مقام الشفاعة الكبرى؟ أقسم بالله أنّ الأمر لم يكن كذلك؛ وهل تعتقدون أنّه رضي بكافّة تلك المسائل، حتّى يُجلسه الباري عزّ وجلّ على عرش في أعلى الجنّة؟ لا، والله! وها أنا ذا أقول لكم ذلك، وسنسأله يوم القيامة، ونقول له: هل كان الأمر بهذا النحو؟ وحينئذ، سيقول: يبدو أنّ الأمر لم يكن كذلك!! فما هي علّة هذه المسألة؟ علّتها أنّه «هو» تعالى يريده القيام بذلك العمل، وانتهى الأمر؛ فهذه هي حقيقة الأمر وحسب.

  • توجد مسألة ذكرها المرحوم العلاّمة، وحدّثت بها الرفقاء ذات يوم؛ وبالمناسبة، فقد أشرت إليها البارحة أيضًا في إحدى الجلسات، واليوم سأحكيها لكم كذلك؛ وإن كانت قد طُرحت بشأنها بعض الإشكالات، فإنّني أظنّ بأنّها ستتّضح هنا؛ إذ حينما قال: «أنا مستعدّ لأن أضحّي بجميع المقامات والدرجات

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

24
  • والكمالات ومرتبتي الفناء والبقاء والوصول إلى مقام الولاية بأجمعه، في مقابل أن تُساهم كتبي في هداية الناس»، هل فهمتم الآن ما هو معنى ذلك؟ يعني أنّ يتخلّى الإنسان حتّى عن الوصول إلى أعلى درجة من الكمال، ويقول: «لا أريدها، لكن، فلتساهم كتبي وأبحاثي في هداية الناس، فأنا لا أريد هذا الكمال»؛ ولا يخفى أنّ طريقة تعبيره عن هذه المسألة تختلف كثيرًا عن طريقة تعبيرنا نحن عنها؛ إذ ما هو الحال الذي يشعر به في داخله، لكي يجعل نفسه مسلِّمًا بهذه الطريقة؟ لقد تخلّى عن نفسه، ويقول: رضا الله يقتضي ذلك الآن، وهو تعالى يقول: «إذا صنّفتَ هذه الكتب، فلن أمنحك أيّ مقام، وها أنا ذا أخبرك من الآن»، لكنّه يقول: «لا تمنحني، فأنا سأصنّفها، حتّى يتمكّن الناس من الحصول على شيء، وإدراك مسألة من المسائل»؛ فأيّنا يستطيع القيام بهذا الفعل؟ نرجو من الله تعالى أن يُوفّقنا لذلك بأجمعنا؛ وهذا ما أقوله أنا، وأمّا الرفقاء الذين تمكّنوا من الوصول إلى هذه المسألة، فيعلمون بها. يُقال له: «إن بذلت كلّ هذا الجهد، وقمت بكافّة هذه الأعمال، وتحمّلت المشاقّ كلّ هذه السبعين سنة، فإنّنا لن نمنحك في مقابل جميع هذه الأفعال أيّ مقام»، فيُجيب: «أنا عبد، فلأيّ شيء أريد المقام؟».

  • المنّة لله تعالى وحده والموحّد لا يُباهي نفسه بأعماله

  • فهذا الحال هو حال الموحّد، وهو الحال الذي يمتلكه الواصل إلى مرتبة التوحيد الذاتيّ؛ أي أنّه لا يفتخر في داخله على ذاته، ولا يقول: «عليّ القيام بالعمل الكذائيّ، لكي أصل إلى المسألة الفلانيّة»، بل حينما يُريد الذهاب للزيارة، فإنّه يقول: «لقد امتنّوا عليّ عندما أتوا بي لأجل الزيارة»، ولا يقول: «لقد تجشّمت العناء لكي آتي إلى هنا؛ ولهذا، عليّ أن أحصل على شيء من الإمام الحسين»؛ لأنّ ذلك ليس من شأن الموحّد؛ وإذ أراد الذهاب إلى الحجّ، فإنّه يقول: «لقد تفضّلوا عليّ حينما أتوا بي إلى هنا».. {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ}۱؛ فإذا

    1. سورة آل عمران، الآية ۱٦٤.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

25
  • كان الله تعالى هو الذي امتنّ علينا، هل نذهب عند الرسول ونقول: «لقد أسلمنا»؟ ما معنى «لقد أسلمنا»؟! عساك لم تُسلم، واعبد الأصنام! لقد منّ الله على المؤمنين حينما جاء بهكذا رسول؛ ولا يخفى أنّه تعالى لم يكتف بذلك، بل توجّه حتّى إلى النبيّ الأكرم، وقال له: «لقد مننت عليك أيضًا»؛ إذ لا يوجد أيّ فارق في مسألة التوحيد: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}۱؛ فلا تعتقد أنّ هذه الأخلاق التي أصبحت تتّصف بها، فصرت تجذب الجميع نحوك، وأضحى الكلّ يأتي عندك هي من عندك؛ {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}.. إنّ ذلك بفضل الله؛ فالمنّة له تعالى وحده؛ سواءً علينا، أو على الرسول، أو على الأئمّة من دون أيّ فارق؛ ففي عالم التوحيد، توجد منّة واحدة، وهي مختصّة بالله تعالى، غير أنّها تجري علينا بنحو، وعلى الأئمّة بنحو آخر، وعلى الرسول بنحو ثالث؛ فإذا جاء أحد هنا، وسعى إلى إبراز ذاته بمقدار رأس إبرة، فإنّه سيُؤدّب في نفس تلك اللحظة! سواء كنّا نحن، أو كان الرسول؛ غاية الأمر أنّ تأديبه صلّى الله عليه وآله وسلّم أشدّ؛ ففي أحد الأيّام، جاء أحد، وسأل النبيّ الأكرم، فقال له صلّى الله عليه وآله وسلّم: سأجيبك غدًا؛ وإذا بالوحي ينقطع عنه أربعين يومًا۲؛ فمن قال لك إنّني سأخبرك غدًا؟ وكيف علمت أنّه سيُوحى إليك في الغد؟ ولا تتصوّروا أنّ ذلك من باب المزاح، بل إنّ الله تعالى يُريد أن يُدخل هذه المسألة في عقولنا التي لا يدخلها أيّ شيء، ويقول: اعلموا أنّني لا أُفرّق أبدًا في مسألة التوحيد بينكم وبين النبيّ؛ فهذا الكلام هو لأجل أن نستوعب ذلك؛ فحينما قال الرسول: تعال غدًا لتستلم الجواب، انقطع عنه الوحي لمدّة أربعين يومًا، حتّى طال صبره.

  • ـ إلهي!

  • ـ لماذا قلت ذلك؟

  • فأمضى دورة أربعينيّة، وحصلت له بعض المسائل، وتغيّر رأيه، فقال له الله تعالى: أجل، تفضّل الآن، فبعدما صَفَت الأمور، وصرتَ صفرًا، وصفّيت حساباتك، يحقّ لك أن تتلقّى الوحي، وأصبح بوسعك الآن أن تُجيب

    1. سورة آل عمرا، الآية ۱۵٩.
    2. بحار الأنوار ( كتاب النبوّة)، ج ۱٤، ص ٤۲۳؛ نقلاً عن الأربعين في التراث الشيعيّ، ص ٤۳.

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

26
  • ذاك؛ فهذه هي حقيقة التوحيد؛ وحينئذ، أين يُمكنكم أن تعثروا على هذا الأمر؟ وفي أيّة مدرسة تُلحظ هذه المسألة؟

  • لقد جاء المرحوم العلاّمة لكي يطرح هذه المسألة، ويعرض هذه المدرسة، ويبيّن هذه القضيّة للجميع، وأنّه لا فرق في الأمر، سواءً بالنسبة للنبيّ، أو بالنسبة لنا نحن؛ فحينما نذهب إلى مكّة، من الذي أتانا بنا إلى هناك؟ الله هو الذي أتى بنا؛ وحينئذ، هل سيُمكننا مطالبته تعالى بأيّ شيء؟ لا، فأنا يا إلهي لا أملك أيّ مطلب، بل أنت الذي مننت عليّ ألف مرّة، ووفّقتني للمجيء إلى هذا المكان الذي جاء إليه أنبياؤك والأئمّة، لكي أعرض عليك مسكنتي، وليس لكي آخذ منك [مقابلاً]، وأصرّ عليك لكي تُعطيني في مقابل مجيئي إلى هنا. لاحظوا معي، فإنّ الإمام السجّاد ذهب بدوره إلى مكّة؛ لكن، هل ذهابه إلى هناك من المدينة حافيًا لمسافة تسعين فرسخًا يستوي مع ذهابنا نحن ممتطين طائرة، لكي نصل بعد ساعتين؟! لقد ذهب الإمام عليه السلام بتلك الطريقة، غير أنّه ماذا قال بعد ذلك؟ يقول الأصمعيّ: سمعت في جوف الليل رجلاً متمسّكًا بأستار الكعبة، وهو يُردّد هذه الأشعار: إلهِي عَبْدُكَ العاصِي أَتاك.. فهو يريد أن يقول: «أنت الذي مننت على عبدك العاصي، وأتيت به إلى هنا»، لا أن يقول: «لقد قطعت كلّ هذا الطريق إلى هنا»؛ إلهِي عَبْدُكَ العاصِي أَتاك مُقِرًّا بِالذُنُوب فَقد دَعاكَ؛ أي: أنّه يسعى للإقرار بذنوبه؛ وهذه المدرسة هي مدرسة التوحيد.

  • فالإمام السجّاد عليه السلام يُعلّمنا الطريق، ويُرشدنا إلى سبيل الوصول إلى الله تعالى، ويُبيّن لنا مسار الحركة، ويقول لنا: عليك أن تمشي بهذه الطريقة، ولا تقنع بالمسائل الدنيا، ولا تلتفت إلى تخيّلات الآخرين واعتباراتهم وتوهّماتهم؛ ثمّ يقول: «وَإن تَغفَر فأنتَ أهل لذاكَ».. انظروا كم هو جميل هذا الكلام الذي يُردّده الإمام «وإن تَطرد فَمَن يرحَم سِوَاكَ»! فهكذا تكون مدرسة التوحيد؛ وهي المدرسة التي لا تدع أيّ شيء للعبد، ولا تترك له أيّ شيء لكي يعرضه، حيث نجده عليه السلام قد قطع كلّ ذلك الطريق، ودخلت أشواك شجرة أم غيلان في رجله، وتحمّل القرّ والحرّ؛ وحينما وصل، هل كان وصوله

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

27
  • بتوقّع؟ لا! فهو يقول: إلهي، أنا لم أفعل أيّ شيء، وحتّى مجيئي إلى هنا كان بمنّة منك، وأنا لا أريد أيّ شيء منك، والسلام؛ «وإن تَطرد فَمَن يرحَم سِوَاكَ»؛ فهذه المدرسة هي التي تُسمّى بمدرسة التوحيد.

  • وعليه، حينما يقول الإمام الصادق عليه السلام: «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، فإنّ مراده هو هذه المباهاة؛ أجل، يبقى أنّ الاحتراز عن تلك المباهاة الظاهريّة يُعبّر عن مرتبة معيّنة، لكنّ الاحتراز عن هذه المرتبة من المباهاة [النفسانيّة]، والذي يقوم به العبد حينما يرى أنّ الأفعال التي يُؤدّيها إنّما يُؤدّيها لأنّه «هو» الذي أمر بذلك، فهو أمر جيّد جدًّا؛ كما أنّ هذا العبد إنّما يتوقّى النهي، لأنّه «هو» الذي أمر بذلك؛ فيضع نفسه بين يدي مولاه، ويتحرّر.

  • وفدتُ على الكريمِ بغير زادِ

  • لقد جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدائن لأجل دفن سلمان، حيث جاء به الناس إلى المقبرة، ووضعوه هناك؛ لأنّه قال لهم: حينما تضعوني في المقبرة، لا تدفونني، حتّى يأتي رجل، ويتصدّى لدفني؛ فوضعوا جسد حضرة سلمان في المقبرة؛ ثمّ رأوا فجأة رجلاً عربيًّا يمتطي فرسًا أو بغلة، فنزل عن دابّته، وقال لهم: لقد ارتحل سلمان عن الدنيا، ثمّ عزّى الأشخاص المتواجدين هناك، وانهمك في التكفين وأمثال ذلك. ففي ذلك الحين، كان أمير المؤمنين بالمدينة، وجاء إلى المدائن لأجل هذا الأمر؛ وحينما انتهت مراسم التكفين، وأهال التراب على جسد سلمان، كتب بيده بيتين من الشعر على ذلك التراب، حيث نجدهم الآن يضعون هذين البيتين على بعض شواهد القبور؛ وهما:

  • «وَفَدتُ عَلَى الْكَريمِ بِغيَرِ زادٍ»؛ أي: وفدت على كريم من دون زاد، وخالي الوفاض «مِنَ الْحَسَناتِ وَالْقَلْبِ السَلِيمِ»؛ فما هو هذا الزاد؟ هو عبارة عن الحسنات؛ أ فلا يقولون بأنفسهم: عليكم أن تسعوا لتحصيل الحسنات؟! أ فلا يقولون بأنفسهم: عليكم السعي نحو القلب السليم؟! أجل، لكنّ المراد هنا حسنات أخرى؛ وهي تلك الحسنات التي تأتي، وتُلهي القلب؛ كما أنّ المراد هنا من القلب السليم ذاك الذي يأتي، ويُصيب القلب بالصدأ. لقد وفدت على الكريم في حين أنّني لم أقم بأيّ عمل؛ لكن أيّ عمل؟!

  • ـ أ لم تُصلّ يا حضرة سلمان؟

مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد

28
  • ـ هو الذي وفّقني للصلاة، وإلاّ لو لم يُوفّقني، لما صلّيت.

  • ـ أ لم تصم يا حضرة سلمان؟

  • ـ لقد صمتُ، لكنّه هو الذي وفّقني لذلك؛ وبالتالي، فإنّني لم أقم بذلك العمل [في الحقيقة].

  • ـ أ فلم تتصدّق؟

  • ـ تصدّقتُ، لكنّه هو الذي وفّقني لذلك، وإلاّ، لما تصدّقتُ.

  • ـ أنت لم تقم بالعمل الفلانيّ، ولم تنجز الفعل العلاّني!

  • ـ إذن، أنا لم أقم بأيّ عمل.. حسن جدًّا! ففي هذه الحالة، وفدت على الكريم مع أنّني لم أقم بأيّ عمل «مِن الْحَسَناتِ وَالْقَلْبِ السَلِيمِ».

  • «وَحَمْلُ الزّاد أقبحُ كُلِّ شَيءٍ إذَا كَانَ الوُفُودُ عَلَى الكَريمِ»؛ فإذا قدِم الإنسان ضيفًا على أحد الكرماء، وأحضر معه كيسًا من الطعام، أ فلن يُعدّ ذلك عملاً قبيحًا؟! ستكون أكبر إهانة يرتكبها الإنسان في حقّ صاحب البيت؛ وفي هذه الحالة، نجد أنّ سلمان ذهب، ووصل إلى هذه المرتبة؛ ولهذا، فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يقول: إنّ سلماننا بهذا النحو، فقد صار صفرًا، وارتحل؛ أي أنّه يُبق أيّ شيء لنفسه، ولم يعمل لنفسه أيّ حساب، ولو بمقدار ذرّة واحدة؛ فأوكل الأمانات بأجمعها إلى صاحبها، والسلام، ثمّ أتى.

  • ـ لقد أرجعتُ جميع الأموال التي أودعتَها في حسابي.

  • ـ وكم لديك من الأموال الآن؟

  • ـ لا شيء، وحتّى القميص والسروال إن لم تمنحني إيّاهما، فإنّني سآتي إليك هكذا!

  • علينا أن نصل إلى هذه المرتبة؛ ولهذا، يقول الإمام الصادق عليه السلام: إنّ العبد هو الذي لا يشعر في مقام العبوديّة بأيّ شيء في نفسه؛ فهذه هي العبوديّة.

  • نرجو من العليّ القدير أن يُوفّقنا جميعًا لذلك إن شاء تعالى؛ ولا يخفى أنّه يُمكننا الاستمرار في الحديث عن هذا الموضوع، غير أنّني أستأذن الرفقاء لكي ننتقل للكلام عن فقرات أخرى في الجلسة اللاحقة التي قد يتأخّر عقدُها.

  • اللهمَّ صلِّ عَلى محمَّد وآلِ مُحمَّد.