كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمعنوان البصري

المجموعةالتكليف و التشريع

العدد التسلسلي87


الخلاصة

ما هي حقيقة النفس الإنسانية؟ ما معنى رواية من اقترف ذنباً فارق عقل؟ وما معنى تبديل السيئات بالحسنات؟ وهل هي مختصة بالله دون الأئمة والأولياء؟ كيف يمكن أن نعتبر من قصص الماضين كقصة الزبير والحر الرياحي؟ وهل يمكن التهاون في اتباع الحق بعد اتضاحه؟ أم لا بد من المسارعة إلى اتباعه؟ أسئلة أجاب عليها المرحوم آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى تناولها، مثل أن بيان الآثار الملكوتية للأحكام بحاجة إلى نبي وولي، وأنّ هناك خطأ يقع به البعض في تفسير بعض الأحكام والتكاليف بأمور ظاهرية فقط، وتأثير ترك الطعام الحيواني على نورانية الإنسان، ومسألة الاستطاعة في الحج، وعدم جواز الاتيان بعمرتين في شهر واحد.
/۱٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

1
  •  

  •  

  • هو العليم

  •  

  • كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

  • شرح حديث عنوان البصريّ - المحاضرة ۸۷

  •  

  • ألقاها

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد

  • اللهم صل على محمد وآل محمد

  • وعلى آل بيته الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان الشريف: وجملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه. فالعبد الذي ينبغي أن يكون تحت عبودية الله تعالى وطاعته، ويريد أن يحصل على أعلى نصيب بأحسن وجه وبأقرب الطرق ويصل إلى أكمل مراتب الفعلية.. هذا العبد عليه أن يجعل جميع أموره ومشاغله منحصرة فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه.

  • لقد ذكرنا بأنّ هناك وجوهاً وأنظاراً مختلفة حول المراد من هذه الفقرة من الإمام عليه السلام. النظرة الأولى هي أنّ الإنسان ينبغي أن يكون نظره إلى أفعاله وكيفية تأثيرها على رشده وتكامل نفسه.

  • النفس الإنسانية مظهر إلهي لا يصل إلى كماله إلا بالعمل

  • فقد ذكرنا بأنّ النفس عبارة عن مظهر إلهي أنزله الله من مقام التوحيد والبساطة إلى مراتب التعيّنات وعالم الكثرة، ولا شك في وجود حكمة وراء هذا التنزيل، وهي عبارة عن التكامل والوصول إلى الفعلية وظهور ما هو مخفيّ في داخل هذه النفس. ومثاله واضح ـ وهو مشهود لنا جميعاً ـ فإنّ بعض الأفراد لديهم في نفس وجودهم وكمونهم استعدادات مختلفة للوصول إلى مراتب كمالية في هذا العالم؛ سواء كانت مادّية أم معنوية، لكن لا تصل إلى مرحلة الظهور إلا إذا وضع الإنسان نفسه تحت تربية خاصّة تنتهي به إلى تلك المرتبة الكمالية.

  • مثلاً، الإنسان لديه استعداد للوصول إلى أعلى مرتبة من مراتب العلم المعاصر، لكنّه ما لم يبذل اهتماماً لذلك ولم يكشف عن ساعد الهمّة ويذلّل الصعاب للوصول إلى هذا الأمر، فإنّه سيبقى في تلك المرتبة، حتى وإن مضى عليه ألف سنة وعمّر عمر نوح فلن يصل إلى نتيجة أبداً، بل لن يختلف حاله عن يومه الأول؛ لأنّ مضيّ الوقت ومرور السنين والأيام لا يؤثّر في تكامل الإنسان ورشده؛ سواء عمّر الإنسان عشرين سنة أم ألفي سنة لن يختلف حاله من هذه الناحية أبداً، وكل لحظة يصرفها من عمره في هذا الطريق فإنّه سيحصل بهذا المقدار على نتيجة ذلك. فإذا قرأت مقدار صفحة من هذا الكتاب فسوف تستفيد بمقدار صفحة، ولو قرأت صفحتين فسوف تستفيد بمقدار صفحتين. لذا فالله تعالى أعطى الإنسان عمراً محدّداً. وأعتقد بأنّه تمت الإشارة إلى هذه المسألة في السنوات الماضية، لا أدري هل يذكر الرفقاء ذلك أم لا؟ على كل حال سأذكر هذا المطلب من باب المقدّمة. فكلّ شخص في عالم الوجود له عمر محدّد؛ بعضهم عمره مائة سنة، بعضهم ثمانون سنة، وبعضهم خمسون سنة وبعضهم خمس سنوات، بعضهم مائتا سنة، وبعضهم أكثر من ألف سنة كنوح. ينقل أنّ لقمان عاش أكثر من ألف سنة. وكان هناك أشخاص في السابق يعيشون طويلاً؛ مثل سلمان الفارسي حيث ينقل بأنّه عاش ثلاثمائة سنة، وأقل ما ذكر له من العمر مائتا سنة، وكان في أواخر عمره حينما تشرّف بخدمة النبي ودخل الإسلام ووصل إلى تلك المراتب التي عليه الوصول إليها. فكل شخص له عمر خاص وعمره ليس باختياره، والله لا

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

3
  • يتعامل معنا على أساس طول العمر أو قصره؛ بمعنى أنّ الحساب الذي يصلنا ليس على أساس طول العمر وقصره؛ لأنّ الحياة بشكل عام ليست باختيار الإنسان، وكذا الأمراض والابتلاءات ليست باختيار الإنسان، وليس للإنسان أي دور في ذلك. نعم، لديه مسؤولية بالنسبة إلى العمر الذي كتب له. يعني اليوم الذي هو يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الثاني هو يوم مقدّر من عمرنا، فكيف سنصرف هذا اليوم، لا علاقة لنا بالغد ولا بالأمس، فكل منهما له ملفّه الخاص به.

  • الكمال المرتبط بهذا اليوم ينتهي بانتهائه

  • كيف نمضي هذا اليوم الذي هو الجمعة الخامس من ربيع الثاني؟ هذه هي المسألة. لذا علينا أن ننظر في هذا العمر ونراقب أنفسنا فيه ونحاسب أنفسنا، كما أوصانا الأولياء، ولا نضيع أوقاتنا بالباطل، ولا نصرف أيامنا بأعمال لا طائل منها، ولو عملنا كما أوصانا أولياء الطريق من المراقبة، فسوف نفوز في هذا القسط من حياتنا، لا نتكلّم عن الغد، فالغد له سهمه الآخر وله حسابه المستقل. لذا كل قسط من العمر يمضي لا يمكن أن يعود، نعم يمكن أن يسدل الله على أخطائنا ستار العفو والمغفرة، وذلك من خلال التوبة وغلبة رحمته وبواسطة لطفته وعظمته، وباب التوبة والرحمة مفتوح لأجل هذا الأمر.. لكن ذاك القسط من الوجود المرتبط بهذا اليوم ذهب ولن يعود. يعني إذا كان المفترض أن يأخذ شخص مقدار كوب ماء، فبتضييعه لهذا اليوم سوف يفقد ثلث الماء الموجود في الكوب، وسيبقى لديه ثلثان فقط، ولن يمكنه تعويض ذاك الثلث الذي فقده.

  • معنى رواية "من اقترف ذنباً فارقه عقل"

  • من هنا يقول النبي صلى الله عليه وآله: "من اقترف ذَنْباً فارَقَهُ عَقْلٌ لَنْ يعُود أبَداً"۱؛ يعني إذا ارتكب الإنسان في أي لحظة من حياته ذنباً أو صدر منه خطأ فسوف يفارقه عقل لن يرجع إليه أبداً، فحتى لو وصل هذا الإنسان إلى الكمال، فإنّ تلك المرتبة من وجوده قد فقدها. فالأفراد مختلفون من ناحية مراتبهم الكمالية؛ فكل منهم له سعته الخاصة، وهذه المسألة تظهر في مسألة البقاء بعد الفناء؛ أي بعد النزول من مرتبة البساطة والهوهوية إلى مراتب الكثرة والتعيّنات. فالإنسان يرى كيفية ظروف الأولياء الإلهيين في مقام الإبراز والإظهار والإثبات، حيث ينتقلون من مقام الإبراز والإظهار والإثبات إلى مقام البروز والظهور والثبوت، وأنّهم في أي مرتبة! ومقصود النبي الأكرم من عبارة فارقه عقل لم يعد إليه أبداً، هو أنّ بعض ذاك الرأسمال الذي جعله الله في نفس الإنسان، وبواسطة هذا الرأسمال يمكن للنفس أن تصل إلى مراتب الكمال.. ذاك الكمال يفقده الإنسان من خلال هذا الذنب.

  • معنى تبديل الله السيئات إلى حسنات

  • وهذا المطلب لا يتنافى مع ما ورد في القرآن الكريم وما دلّت عليه روايات الأئمة عليهم السلام [من تبديل السيئات إلى حسنات]، وهو أيضاً أمر مشهود بالنسبة إلى الأشخاص الذين رجعوا إلى الله واقعاً، وتركوا جميع التعلّقات، وهناك العديد من التجارب في هذا المجال، حيث إنّهم برجوعهم إلى الله يصيرون وكأنّهم لم يرتكبوا ذنباً أصلاً، ولم يصدر منهم خطأ. وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك في آية (أُوْلئِكَ يُبَدِّلُ

    1. ـ من قارف ذنبا فارقه عقل لم يعد اليه ابدا جامع السعادات ج ١ ص ٦٧

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

4
  • اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ)۱، وهذا بنفسه يستدعي بحثاً مفصّلاً؛ وهو كيف أنّ عملاً يؤدّي إلى كدورة النفس ويترك أثراً سلبياً، يمكن أن يتبدّل دفعة، واحدة ليس فقط إلى رفع تلك الآثار السلبية، بل يتبدّل إلى نورانية ورشد وترقّي. فالأشخاص الذين يتخلّون عن النفس ويتركون التعلّقات جانباً، ويكفّوا عن جميع ما يوجب البعد عن الله تعالى، ويطلقون أنفسهم من القيود ويخلّونها من جميع تلك الأفكار والأعمال، فإنّ الله تعالى ليس فقط سيغفر لهم جميع ذنوبهم، بل سوف يبدّل تلك المسائل الماضية إلى ثواب! وهذه مسألة عجيبة جداً! والآية صرّحت بذلك ولم تذكر ذلك كناية؛ فذكرت بأنّ الله يبدّل ذنوبهم إلى حسنات، والحسنة هي فعل نوراني بنفسه، وهي منوّرة أيضاً. والحسنة هي عبارة عن عمل مترشّح عن نفس روحانية، وأيضاً هي توجب الرشد.

  • هؤلاء الأشخاص الذين ارتكبوا ذنباً في السابق بسبب غفلتهم وجهلهم وزلّتهم، فحالهم عند الله تعالى من هذا القبيل، وهذا الأمر لا نراه في أي ميزان من موازين الحياة غير الله؛ فلا نرى بأنّ شخصاً قام بعمل مخالف مع صاحبه، وقام صاحبه، ليس فقط بالعفو عنه، بل بإثابته على ذاك العمل السيّء معه!! هل لدينا مثل ذلك. أكثر ما شاهدناه هو أن يقول لصاحبه لقد عفوت عنك وسامحتك، أما أن يقول له أريد أن أثيبك على ما صدر منك اتجاهي، فلم نر ذلك..

  • التعامل مع الأولياء يمكن أن يحصل فيه تبدّل السيئات إلى حسنات

  • فهذا الأمر ليس فقط ثابتاً في تعامل الله تعالى، بل هو مشهود أيضاً في كيفية تعامل أولياء الله. حيث نرى بأنّ ولي الله ـ وهو الذي وصل إلى مقام البقاء وخرج عن دائرة تعيّنات النفس ـ يتعامل مع الآخرين بشكل مختلف تماماً عمّا نتعامل فيه نحن، وكيفية تعامله وتعلّقه بالأشخاص يختلف عنّا. وهذا الذي أنقله لكم رأيته وشاهدته بنفسي منهم..

  • فبالنسبة إلى المسألة الأولى، كنت أرى الكثير من الأشخاص الذين ارتكبوا الذنوب.. حيث قال لي أحدهم ممن لم يترك في معاملاته وأعماله شيئاً لم يرتكبه: عندما تشرّفت بخدمة المرحوم العلامة وأعطاني دستوراً فيه توبة، وكنت قد وصلت إليه في ليلة الثلاثاء، وكنت نادماً جداً على ما صدر مني من ذنوب، وفي حالة من الندامة والأسى، فقلت للمرحوم العلامة لقد صدر منّي الكثير من الذنوب والمعاصي، فقال لي إنّ الله يغفرها جميعاً! وما إن ذكر ذلك نظرت في نفسي فلم أجد أيّ ذنب وأيّ أثر لمعصية، ومهما تأمّلت لم أجد شيئاً، فقلت في نفسي: ماذا كنت تشعر قبل ساعة من الآن؟ نعم! كان يذكر الفعل الذي قام به، لكن اعتبار ذلك الفعل ذنباً ومعصية له أثر سلبي فلم يكن يراه كذلك! كان قد فعل أمراً وكان أمراً جميلاً [ضحك] لكن العجب أنّه لم يعد فيه كدورة.. انظروا هذا هو نفس ولي الله الذي يكون مطابقاً مع ظهور اسمي الرحمن والرحيم الإلهيين؛ لأنّ ولي الله مظهر لأسماء الله تعالى، فالعمل الذي يقوم به ولي الله يختلف عما نقوم به نحن كالاختلاف بين السماء والأرض! فهو في مقام بروز وظهور تلك الأسماء الإلهية؛ كما يقول تعالى في القرآن (أُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) كيف يتمّ تبديل السيّئة بالحسنة؟! علينا أن نتأمّل كيف يحصل ذلك، كيف يمكن أن يكون لدينا شيء في الخارج منفّر يفرّ المرء منه ويشمئز منه.. ثم فجأة يتبدّل إلى أمر جميل وحسن لا يمكن التخلّي عنه؟! كيف يمكن ذلك؟

  • طبعاً من الناحية الظاهرية يمكن ذلك بأن يتبدّل التراب والنفايات بسبب بعض العوامل إلى أمور أخرى، هذا من الناحية الظاهرية، لكن كلامنا في أنّ تلك الحقيقة المنطوية داخل هذا الرجل.. وكنت أريد أن أتحدّث عن هذا الأمر اليوم، لكن كلامنا اليوم حصل في شيء آخر، كما هو في كل وعد نقطعه..

    1. . سورة الفرقان، من الآية ۷۰.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

5
  • تلك الحقيقة المنطوية داخل هذا الرجل لا يمكن مقارنتها بسائر الأمور العادية، إذ كيف يمكن لتلك المسألة التي تحقّقت بسبب الكدورة النفسانية أن تتغيّر؟! هنا يظهر مقام إعجاز الباري تعالى؛ حيث يقوم الله تعالى بعمل لا يتحقّق من خلال غيره أبداً! وهو عبارة عن تغيير ماهوي للأشياء لا تغيير هوهوي، إذ يحصل تغيير ماهوي من مرتبة الكدورة إلى مرتبة النورانية والروحانية. وهذه المسألة ليست متاحة للجميع، بل هي مختصة بالأشخاص الذين أخرجوا أنفسهم من تحت التعلّقات وخطوا بقدم صادقة وخطى راسخة واهتمام بالغ في طريق الله تعالى وفي السلوك إليه. وفي المقابل، أول شيء يجازيهم الله به هو هذه المسألة؛ وهي أنّكم لم ترتكبوا أيّ شيء حتى الآن ولم تفعلوا أيّ ذنب، بل كل ما قمتم به من أعمال جعلت لكم فيه ثواباً! وهذا الأمر موجود لدينا ويمكننا أن نفعله! والمسألة هي كذلك فعلاً، ليست مزاحاً. وقد ذكرت لكم بأنّ المسألة ثابتة بالتجربة، ولو لم نفهم هذا الأمر لكان ينبغي علينا أن نجدّد النظر في أنفسنا، وعلينا أن نفكّر أكثر في الأمور الموجودة في داخلنا والمأسورين لها.

  • تأثير الأولياء على تلاميذهم إنما يكون بمقدار تسليمهم لهم

  • وهناك قصّة أخرى ينقلها أحد الأصدقاء، يقول بأنّه عندما أتيت إليه [المرحوم العلامة] وبعد أن كنت بخدمته مدّة من الزمن، ذكرت له مرّة حالة الندم التي كانت لديّ من الوضع والحال التي كنت عليها، فقال لي يوماً بأنّ الله يعفو عما سلف وهو أرحم الراحمين، ولا ينبغي أن تفكّر في الماضي، لقد تغيّرت المسألة وتبدّلت فلا داعي لذلك. فقلت له: بل أنا قلق جداً في من حالتي السابقة، فقال لي اذهب وافعل هذا الفعل وتب توبة واقعية، وأعطاه دستور عمل في صباح يوم الجمعة، قال ذهبت وقمت بما طلبه منّي، وعندما انتهيت خرجت من المنزل أتمشى بين الطلوعين ـ وكان منزله خارج المدينة ـ قال كنت في تلك الحالة، وفجأة التفت إلى نفسي ورأيت بأنّي لم أرتكب ذنباً أصلاً! وكلّما فكّرت في نفسي لم أجد ذنباً أساساً، وهذا الرجل أعلى من ذاك الأول؛ حيث إنّه وجد من نفسه أنّه لم يفعل شيئاً، وكلّما حاول أن يتذكّر ما قام به سابقاً لم يجد شيئاً في نفسه.. وإلى الآن هو كذلك، مثله كمثل سائر الناس. لكن كيف حصل ذلك؟! إنّما حصل هذا لأنّه كان قد خطى الخطوات الصحيحة، لم يترك لنفسه مقدار اثنين في المائة أو عشرة بالمائة أو خمسة عشر بالمائة..

  • وكما يقول المرحوم العلامة عندما كنت أقول له عن بعض الأشخاص بأنّه أتوا بتمام وجودهم، قال: لا بل هؤلاء لم يسلّموا إلا بمقدار عشر بالمائة واحتفظوا لأنفسهم بمقدار تسعين بالمائة، هل التفتم؟! والبعض الآخر احتفظ بمقدار ثمانين بالمائة. لكن بعضهم كان يأتي ويسلّم بمقدار مائة بالمائة، فإن كان الأمر كذلك فسوف تختلف المسألة؛ ستكون المسألة كمسألة الفضيل بن عياض وكمسألة بشر الحافي وكما هو حال المخلصين من أصحاب النبي الأكرم، وكما هو الحال مع زهير بن القين والحرّ بن يزيد الرياحي، فهؤلاء كانوا كذلك..

  • عفو الإمام كعفو الله يبدّل السيئات إلى حسنات، مثال الحرّ الرياحي

  • عندما أتى الحرّ إلى سيد الشهداء عليه السلام ترك كل شيء جانباً، وكانت حاله عجيبة جداً، والحال أنّ الحرّ هو الذي أوصل الأمور إلى كربلاء، جميع ما جرى وجميع المصائب التي حصلت كانت بسببه هو، فلو لم يُلزم الإمام بالسير في هذا الاتجاه لتوجّه إلى مكان آخر، وحصلت أمور أخرى، فإذا أردنا أن ننظر إلى المسألة من الناحية الظاهرية لقلنا بأنّ جميع الذي حصل كان بسبب الحر. لكن عندما أتى إلى سيد الشهداء عليه السلام ـ وسيد الشهداء ليس مثلنا ـ بل سيد الشهداء مجري الأسماء والصفات الإلهية

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

6
  • في عالم الوجود، سيد الشهداء هو المظهر الأتم لرحمانية الله تعالى ورحيميّته في عالم الوجود، سيد الشهداء هو الوجود النازل للباري تعالى في هذا العالم، يعني إذا أراد الله أن يأتي إلى هذا العالم المادّي الترابي، ويتمثّل بصورة فيها يد ورجل وعين وأذن ولسان وفم.. هكذا كان سيد الشهداء يوم عاشوراء؛ حيث كان الوجود النازل للباري تعالى، يعني أنّ ذاك الوجود أتى إلى هنا، فما تريده من الله تعالى تراه في الحسين!

  • حسناً، فالنظرة التي ينظرها الإمام تختلف عن نظرة الآخرين، الله قال في القرآن (أُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ)، والله يعمل بما يعد به ويقوله.. فإذا أتى الحرّ الرياحي وطلب من الله تعالى أن يريه بنفسه هذه المعجزة لأراه إيّاها! لذا عندما أتى إلى سيد الشهداء أقرّ له بأنّه أسوأ إنسان على وجه الأرض، والسبب في ذلك أنّه هو أوجد تمام هذه الأمور والأحداث، وإلا فلو لم يقف في وجهه عندما قال بأنّه يريد الذهاب إلى اليمن لما وصل الأمر إلى ما يجري الآن في كربلاء.. لقد شاهد بأنّ الأمر جادّ، وذلك عندما سأل عمر بن سعد ماذا ستفعل؟! وأجابه عمر سنحاربه؛ فإما أن يسلّم ليزيد ويبايعه، أو أن نحاربه حرباً أقلّها أن تطيح الرؤوس.. فرأى أنّ الأمر جديّ، وكان يتوقّع أن تنتهي المسألة إلى صلح واتفاق.. ألا يحصل مثل ذلك هذه الأيام؟ فترى هذا يهاجم ذاك وذاك يحارب هذا وفي النهاية يجلسون جميعاً على طاولة المفاوضات ويأخذ كل منهم حصته.. فقلت بأنّه سينتهي الأمر إلى عقد اتفاق يتنازل فيه يزيد عن بيعة الإمام ويرضى منه بما دون ذلك وتنتهى الأمور.. لذا كان يرى نفسه أسوأ إنسان على وجه الأرض.. وواقعاً لو وضعنا أنفسنا مكان الحرّ ماذا كنّا نرى أنفسنا؟! هل كان لدينا قدرة للذهاب إلى الإمام سيد الشهداء عليه السلام؟! فلا بد من أخذ قرار.. فحينما نقول قضيّة عاشوراء حيّة يعني أنّه يمكننا الآن أن نضع أنفسنا مكان الحرّ ـ والحال أنّنا لم نفعل شيئاً، فالله تعالى رحمنا ولم يجعلنا في ذلك الوقت وإلا لكنّا فعلنا هذا الفعل، ولا بُعْد في ذلك، فالحرّ لم يكن إلا إنساناً لا يختلف عمّا نحن فيه، غاية الأمر أنّه عُرض عليه أمر لم يُعرض علينا بعد، لكن سوف يُعرض علينا ونُختبر به يوماً ما ولكن بصورة مختلفة، وربما وقع لنا وانتهى الأمر.

  • كيفيّة الاعتبار من قصص الماضين

  • فعندما يقول العظماء بأنّه ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه في موقعية الماضين ويعتبر منهم، مقصودهم هذا! لو كنّا نحن في كربلاء وكان قد صدر منّا هذا العمل، فماذا كنا سنفعل؟ لقد جاء الحرّ وقد ضاقت الدنيا عليه وهو يعلم بما لا شك فيه أنّه من أهل جهنّم، لكن مع ذلك كان في باطنه شيء لا يزال حياً! لم يكن وجدانه قد عمي، لم يصل بعد إلى (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَة)۱ كما هو الحال مع عمر بن سعد؛ حيث كان قد أغلق تمام النوافذ إلى الحق.. لم يبق لديه أي طريق أمامه. نفس عمر بن سعد عندما سقط الإمام الحسين عليه السلام على الأرض بكى، ومع ذلك قال لهم اذهبوا واقتلوه! عجيب جداً! أما الشمر فكان أسوأ حالاً؛ فلم يبكِ أصلاً! ومراتب الأفراد مختلفة من جهة القسوة.. فهذا كان يبكي ويقول اقتلوه، أما ذاك فكان يضحك أثناء حزّه لرأس الإمام الحسين عليه السلام! فكل منهما له مرتبة.

  • لكن ما هي هذه الواقعية والمسألة التي يرى أمام عينيه الظلم الواقعي وهو ينظر، نستجير بالله، إذ كيف يمكن للإنسان أن يكون كذلك! وهذا الأمر قد يحصل للإنسان.

  • أضرب مثالاً جزئياً، يمكن أن يحصل لك أمر بسيط، بأن يحصل ظلم لشخص ليس له تلك المكانة الاجتماعية؛ كأن يحصل له تحقير وعدم اهتمام مثلاً، فنقول لقد حصل له هذا الأمر، غاية الأمر ننزعج في أنفسنا من ذلك. لكن لو فرضنا أنّ هذا الأمر حصل مع إنسان له شأنية ولي علاقة به وأحبّه.. فالتعامل سيكون مختلفاً! وقد حصل لنا ذلك مراراً.. هذا الاختلاف في ردة الفعل هو عبارة عن تعامل عمر

    1. ـ سورة البقرة، من الآية ۷.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

7
  • بن سعد، فهذا الرجل ليس له اعتبار عندك، لكن أليس لهذا الفعل اعتبار في عالم الخلقة؟ فهل هو لا أهمية له واقعاً؟! لِمَ لا تنظر إلى ذلك، وتقصر النظر إلى العلاقات الظاهرية بين الأشخاص فقط؟! فما الفرق بين هذا الرجل وبين ذاك الذي لديه موقعية؟ ما الفرق بينهما في عالم الواقع؟ فهذا الآن لديه عنوان ومقام لكنّه في العالم العلوي لا قيمة له، وذاك الآن لا مقام له لكنّ قيمته كبيرة في العالم الآخر!

  • هذا هو السلوك، فالسلوك يعني التفكير الصحيح وأخذ المسألة بشكل عقلائي ومنطقي، والعمل على طبق ذاك التفكير الصحيح والفكر التوحيدي مهما كان الأمر. قد يقال: من الممكن إذا فعلت هذا الأمر معه أن يقطع علاقته بي، فليقطع علاقته ولا أسف! أو يقول: إذا فعلت هذا الأمر قد يؤدّي ذلك إلى أن تفتر العلاقة بيننا، فلتفتر، بل فلتنتف هذه العلاقة من الأساس! وهذه المسألة مهمة جداً، وقد تحصل لنا جميعاً، ولا بد أن تحصل لنا، فهذا قانون عالم التكوين وعالم التشريع الذي ينبغي أن يمرّ في اختباراته الجميع؛ سواء عاجلاً أم آجلاً. فبعضهم يبتلى بمثل هذا الاختبار، فيرجّح الجانب الدنيوي من المسألة ويختار ما فيه هوى نفسه، وبعضهم الآخر يفضّلون الجلوس جانباً بعد مدّة من الزمن.

  • الزبير في حرب الجمل لم يلجأ إلى الإمام لتبديل السيئات بالحسنات

  • ففي قصّة الزبير في حرب الجمل ـ ألم أذكر لكم ذلك؟ ـ ماذا فعل عندما نبّهه أمير المؤمنين عليه السلام؟ لقد ذهب واعتزل جانباً، وقال: أنا لست مع هذا الطرف ولا مع ذاك! استطاع أن يفعل ذلك، لكنّه لم يستطع أن يكون في طرف أمير المؤمنين ويعلن موقفه من الحقّ ويقول لقد كنت مخطئاً! ولا إشكال في ذلك، إذ المسألة كانت مع أمير المؤمنين لا مع إنسان عادي، فمن هذه الجهة ينبغي أن يكون مطمئنّ البال، فكما أنّ الله تعالى يمكنه أن يجعله من الذين (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) كذلك أمير المؤمنين يمكنه ذلك دون أيّ اختلاف، هو وأولاده إلى إمام الزمان عليه السلام كلّهم من هذا القبيل لا فرق بينهم في ذلك. والآن هذا الأمر متحقّق مع الإمام بقية الله إمام الزمان، بل إنّ ما ذكرته لكم يتحقّق من خلال إمام الزمان، يعني أنّ ما يحصل بين الناس الآن إنّما يحصل بواسطة إمام الزمان، فيجب أن تتحقّق من خلاله!

  • فأمير المؤمنين هو الطرف في المسألة ولا إشكال في ذلك، لكن المشكلة في الطرف الآخر، ماذا نفعل هنا؟ وعندما التفت الزبير إلى اشتباهه وخطئه انسحب واعتزل جانباً، واحال أنّه كان ينبغي أن يعلن اشتباهه أمام الناس كي يعتزلوا القتال معه..

  • العمل الصحيح ما كان بأمر الإمام وإذنه

  • وذهب أحد أصحاب الإمام علي فقتله أثناء نومه، ولم يرضَ الإمام عن ذلك، بل قال له من أجاز لك أن تذهب وتقتله؟! لماذا ذهبت من دون إجازة؟ وهذه الأمور كلّها عبرة لنا نحن.. ثم قال الإمام عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: قاتل الزبير في النار۱.. لا ينبغي لك أن تذهب وتقتل الزبير من تلقاء نفسك، هل طلبتُ منك ذلك؟ حتى لو كان في الجيش المقابل ولكن لم تبدأ المعركة بعد، فبما أنّك جندي في جيش عليّ لا يجوز لك أن تضع النبل في كبد القوس؛ لأنّ المعركة لم تبدأ بعد. فهل أمرتك بذلك؟! من كان تابعاً لأمير المؤمنين هو مصداق لهذه العبارة من كلام الإمام الصادق عليه السلام: "وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه"، يعني يفعل ما يأمره به لا ما يحلو له، فإذا كان الناس قد تجهّزوا لمحاربة أمير المؤمنين، فعليك أن تنتظر أمر الإمام؛ فإن أمرك فامض! وإن لم

    1. . "قَاتِلُ ابْنِ صَفِيَّةَ فِي النَّار"، مروج الذّهب، ج ۲، ص ۳۷۳.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

8
  • يأمرك فقف! يقول لك حارب أو لا تحارب، حتى لو كان شخص يحارب وقال الإمام لا تقتله فلا ينبغي قتله! من لديه العلم والمعرفة؟ الإمام أم أنت؟ من لديه العلم بالباطن الإمام أم أنت؟ أنت تعرف الظاهر فقط، وجميع المشكلات التي نبتلى بها إنّما تنشأ من العمل بالرأي الناتج عن الجهل، ومن التصرّف بشكل (ملوكي أكثر من الملك)، فيقوم من تلقاء نفسه بعمل لا يدري إلى أين سيوصله.

  • نفس أمير المؤمنين لم يكن كذلك، بل كان يقتل هذا ويترك ذاك.

  • ضرورة المسارعة إلى اتخاذ موقف الحق دون تروٍّ

  • يأتي البعض ويختار جانب الحق بعد فترة من التفكير والتأمّل، بينما يأتي البعض الآخر ويختار جانب الحق بدون تروّي أو تردّد، وهذا القسم هو الجيد. فعندما يواجه الإنسان ظلماً أمام حقّ، لا ينبغي أن يتردّد في اتخاذ موقفه، وهل أنّ الوقوف في هذا الجانب فيه مصلحة له أم لا؟ يقول لنفسه إن أخذت هذا الموقف فسوف أقع في هذه الأمور، وإن أخذت هذا الجانب فسوف يحصل لي هذه القضايا.. أولياء الله يريدون من الإنسان أن يكون كذلك! نعم عندما لا يكون الحق مشخّصاً ولا المسألة واضحة، ينبغي على الإنسان أن يأخذ مجاله في التفكير في المسألة إلى أن تتّضح. لكن عندما تتّضح المسألة عليه أن لا يتوقّف لحظة واحدة، ولو توقّف بعد ذلك للتفكير للحظة واحدة فهو خطأ، حتى لو عاد وأخذ الموقف الصحيح بعد ذلك، لكنّه يكون قد اشتبه هذا الوقت الذي توقّف فيه. والطريق الصحيح هو أنّك عندما فهمت أنّ هذا الحقّ انتهت المسألة. وإذا أردت التفكير بشيء ففكّر بشيء آخر لا في هذه المسألة.. هؤلاء الأفراد هم الذين يبدّل الله سيئاتهم حسنات، يعني أنّ الله تعالى يبدّلهم من داخلهم ويغيّر باطنهم، فيحصل لهم تبدّل عام في باطنهم وسرّهم.

  • هذه المسألة مرتبطة بهذا الأمر، وهو أنّ نفس الإنسان من ناحية الأعمال التي يقوم بها لها حساب في عالم الوجود ولها ارتباط في نظام التكوين؛ يعني أنّ الله تعالى عندما خلق الإنسان جعل فيه حصّة خاصّة من وجوده، فإذا تعامل الإنسان بشكل صحيح مع تلك الحصّة الوجودية المرتبطة بنظام التكوين، فسوف يصل إلى مرتبته الكمالية، وإلا فلن يصل تلك المرتبة الكمالية، حتى لو طوى بعض مراتب الكمال لكنه سيصل إلى كمال أضعف وأنقص، وستختلف الآثار في مقام الرجوع ومقام البقاء بعد الفناء ومقام التعلّق بالنفس. وهذه النفس يتوقّف وصولها إلى الكمال على إنجاز الدستورات اللازمة؛ كما هو الحال في سائر الموارد.

  • أفعال الإنسان تترك آثاراً على نفسه

  • من هنا نحن ننظر إلى الأفعال بما هي مؤثّرة لآثارها، يعني أنّ الأفعال التي يقوم بها الإنسان ليست مجرّد أفعال عبثية تعبّدنا الشارع بها، بل هذه الأفعال ـ الحسنة منها والسيئة ـ تترك أثراً مباشراً على نفس الإنسان. يعني نفس الأفعال التي ينبغي على الإنسان أن يقوم بها والتي ينبغي تركها من الناحية الشرعية، كلاهما جعله الله تعالى في ملف هذا الإنسان، لا خارجه.

  • عندما يقول رسول الله بأنّ من يرتكب ذنباً سوف ينقص شيء من وجوده، لم يكن يمزح في كلامه! لكن متى يفهم الإنسان ذلك؟! يفهمه عندما يحصل له ما ينبّهه، أما الآن فنحن في حالة غفلة.. [نقول لأنفسنا]: إذا ذهبنا إلى هناك فلا بأس، وإذا فعلنا ذلك فلا بأس، وإذا قلنا هذا الكلام فلا بأس! لكن إجازة النفس للقيام بهذه الأعمال هي في هذا العالم، أما إذا حصل لنا تنبيه [في ذلك العالم] فسأقول لنفسي: عجباً! ماذا كان باستطاعتي أن أحصل عليه! لكن لم أحصل عليه! من الآن ولاحقاً لا إشكال والباب مفتوح..

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

9
  • بعض الرفقاء يأتي ويقول لقد صرفنا هذا المقدار من عمرنا بالغفلة.. حسناً، لكن ماذا عن بقية العمر؟ هل ستصرفه كذلك بالغفلة؟ هل هذا العمل عقلائي؟ ما ذهب من العمر ذهب وانتهى، لكن ماذا عن الآن فصاعداً؟ فهل الطريق مسدود؟ كلا بل الطريق مفتوح، وأنت لا تعلم كم جعل الله لك من العمر، وكم منحك من البركات؟ وكم ترك باب الرحمة مفتوحاً؟ فلماذا يبقى الإنسان يفكّر في الماضي وأنّه أخطأ فيما مضى! وواقعاً إذا ترك الإنسان الخطأ وتاب فسيخرج منه تماماً.

  • فتلك الآية التي تقول: (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَه سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‌)، يعني أنّ السيّئات الماضية يبدّلها الله تعالى إلى حسنات وتفيض عليه النورانية. لكن مع ذلك، تبقى تلك المرتبة الوجودية التي فاتته دون أن تعود إليه أصلاً! هكذا يمكن بيان عدم التنافي بين مرتبتي الامتثال وعدم الامتثال. هذه الأعمال التي ينبغي على الإنسان أن يقوم بها، وهي التي تترك أثراً عليه. فكما أنّ هذه الأفعال لها أثر تكويني ومادّي؛ فمثلاً هذا العمل الذي يقوم به الإنسان له أثر؛ فهذا الطعام الذي يتناوله يترك في وجود الإنسان أثراً موجباً إمّا لنمو الجسم أو لضعفه.. كذلك له أثر وراء المادة على الروح والنفس وعلى مثال الإنسان وملكوته.. فالطعام الذي يتناوله الإنسان يشتمل على أثر ظاهري؛ حيث يرفع الجوع ويحصل به تغذية الخلايا، وينمو به الجسم؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الطعام قد أعدّ من طريق الحلال أم الحرام. وكذا إذا شرب الإنسان ماءً فسوف يرتفع عطشه به؛ سواء كان هذا الماء محرّماً ومغصوباً أم حلالاً، لا يختلف الحال في ذلك.

  • الحاجة إلى النبي والإمام لبيان الآثار الملكوتية للأفعال لا الآثار الظاهرية

  • لكن الكلام في الأثر الآخر وهو الأثر الماورائي والتأثير الذي يحصل لملكوت الإنسان بسبب ذلك.. هو الذي نحتاج فيه إلى مرشد وبحاجة إلى نبيّ وإمام يبيّنه لنا، وإلا فالمسائل الظاهرية واضحة لنا، والمكلّف يعرفها، فالإنسان يعرف أنّ هذا الأمر إما فيه خير لنا أو فيه ضرر. لكن هناك بعض الأمور الأخرى لا نفهمها، وهي التي أرسل الله تعالى الأنبياء ليبيّنوها لنا، ولو كنّا نعرفها ونفهمها لما كنّا بحاجة إلى نبيّ. كأن يقال بأنّ النبي بحاجة إلى نبي ليرشده، أو أنّ إمام الزمان عليه السلام بحاجة إلى إمام يأخذ بيده! يا عزيزي إذا كان إمام الزمان يعرف كلّ شيء وكلّ شيء مكشوف له، فإلى أيّ شيء بحاجة؟ أما نحن فبما أنّنا لا نعرف شيئاً، بحاجة إلى إمام، وبحاجة إلى مرشد ونبيّ وولي؛ لأنّ المسائل غير واضحة لنا. أما إذا كانت الأمور واضحة لنا فلا نعود بحاجة إلى هذه الأمور. إذن أصل الحاجة إلى الدين وفلسفة الحاجة إلى الدين هي جهلنا، ولو لم نكن جاهلين لما احتجنا إلى دين، بل كنا بأنفسنا نعلم ماذا ينبغي علينا فعله، وماذا يجب أن نقوم به ونتركه.

  • خطأ من يقصر العلل في الأحكام على الأمور الظاهرية

  • لذا يخطئ من يأتي ويحاول أن يجعل لكلّ حكم شرعي سبباً ظاهرياً؛ فيقول بأنّ الوضوء إنّما هو لأجل وجود وسخ في اليدين، ومن خلال الوضوء تنظف اليدان ويرتفع الوسخ الموجود عليهما. لكن يا عزيزي ماذا لو كانت ثيابنا وسخة؟ فلن تنظف بغسل اليدين!!

  • أو ما يقوله بعض المعاصرين من أن غسل الرأس إنما هو بسبب وجود الشعر عليه وهو مكان تجتمع فيه الأوساخ، وأمثال ذلك مما هو مدوّن في بعض الكتب هذه الأيام.. إذا كان الأمر بسبب ذلك، فلماذا نغسل الرأس فقط، بل علينا أن نذهب إلى الحمام رأساً فنغسل جميع البدن، فالمسح لا ينظّف شيئاً من الرأس!

  • وكذا تأويل ما ورد من استحباب وضع الزبالة خارج المنزل وتعليل ذلك في الروايات بأنّها موضع اجتماع الشياطين، حيث تُفسّر الشياطين فيها بالجراثيم والميكروبات وأمثالها! يا عزيزي الجراثيم لها محلّها

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

10
  • وموضعها وللشياطين موضعها أيضاً. وهذا النمط من البحث يعتمد على الظاهر فقط، والحال أنّ هذه المسألة من جهة فلسفة الأحكام لا تبلغ واحد من مليون من باطنها.

  • المراد من هذه الأمور هو الجانب المعنوي، وأما الجوانب الظاهرية فهي واضحة لا تحتاج إلى بيان النبي! مثلاً تنظيف الأسنان مسألة واضحة، فمن لا ينظف أسنانه سوف يبتلى بتسوّسها، فلو جاء النبي وقال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك"۱، فأحياناً يبتلى الإنسان بفتور الهمّة عن السواك، أو قد يكون في حالة لا يمكنه أن ينهض لتنظيف أسنانه. لكن نفس عدم تنظيف الأسنان أمر مشخّص، وهو السبب في حصول أمراض في الفم أو تسوّس، بل قد يسبب ألف مرض للفم والأسنان وحتى للمعدة وسوء الهضم.. فالإنسان يعرف ذلك، والنبي أكّد عليه. لكن مع ذلك يأتي النبي ويبيّن بُعداً معنوياً لعدم تنظيف الأسنان؛ فيقول إذا لم تنظّف أسنانك فسوف يبيت الشيطان معك! فهل يمكننا أن نفهم ذلك بأنفسنا؟! هل يمكننا أن ندرك أنّ الشخص الذي لا ينظّف أسنانه لا يبيت الملائكة معه، بل ينام معه الشيطان والجن! وهذا بسبب وجود البعد المعنوي والصورة المثالية والملكوتية الخافية علينا. ربما تقول بأنّ أسناني نظيفة فلا حاجة للتنظيف، لكن في هذه الحالة نسأل: ما هذه العلاقة بين بقايا الطعام في الفم وبين مسألة استجلاب الشياطين والنفوس الخبيثة والجن، وتأثير ذلك على الإنسان الذي قد يظهر له في المنام.. هذه الأمور بسبب تلك المسائل التي لا نراها نحن والتي ينبغي على من يراها أن يبيّنها لنا، فهو يرى أنّ الذي ينام مع هذا الشخص هو الشيطان.

  • يقال مثلاً لا تذهب إلى المكان الفلاني ولا تصل في المكان الفلاني.. أو عندما يقال ضع الزبالة خارج المنزل لئلا يأتي الشياطين ويتسلّطوا على هذا المنزل۲. فهناك علاقة وثيقة ودقيقة جداً بين المسائل المادّية والمسائل المعنوية، لا نعلم عنها شيئاً. لذا عليك أن تضع الزبالة ليلاً خارج المنزل، وعندما لا يعمل الإنسان بهذه المسائل سيبتلى بعد ذلك ببعض الأمور والأمراض والقضايا، وسيقول لماذا صار بيتي هكذا؟ ولماذا حصل هذا الأمر؟! وكذا الأمر بالنسبة إلى أفعال الإنسان؛ حيث إنّها جميعاً قائمة على أساس تلك العلاقة الوثيقة بين التأثيرات الملكوتية والتأثيرات النفسية على الإنسان، أما إذا التفتنا إلى تلك الأمور فسوف نحصل على حظّنا من تلك العلاقة، وإلا فلا.

  • يقال لنا بأنّ عند النوم ينبغي النوم باتجاه القبلة! لماذا ذلك؟ يأتي بعضهم ويقول ـ على ما ينقل ـ بأنّ هناك جاذبة مغناطيسية تبعث على تحريك الحديد الذي في الدم فتجعله يدور من الشمال إلى الجنوب ويصل بسهولة إلى الخلايا! يا عزيزي ماذا تقول بالنسبة إلى من تكون القبلة لديهم باتجاه مختلف؟! هذه المسائل كلّها مسائل ظاهرية. لكن الواقع أنّ من يجعل جسمه باتجاه الكعبة، يجعل نفسه وملكوته متوجّهاً باتجاه ملكوت الكعبة، هذا هو معنى ذلك! لماذا علينا دائماً أن نسعى وراء المسائل الظاهرية والعادية فقط؟!

  • لقد أشرت لكم سابقاً بأنّه يستحب عند الدخول إلى المسجد أن يقدّم قدمه اليمنى وعند الخروج يقدّم اليسرى۳، وأما من يريد دخول الحمام يقدم اليسرى... بعضهم قال بأنّ الإنسان عندما يصاب بسكتة قلبية يميل إلى جهة اليمين، يعني يسقط من جهة اليمين.. وهذا يعني أنّ الإنسان لا يصاب بسكتة إلا في الحمام، فلو فرضنا أن شخصاً له تسعون سنة من العمر لن يحصل له سكتة إلا دخل الحمام! كم لدينا من الأشخاص أصابتهم السكتة القلبية في الحمام؟! هذا كلام عبثي لا أساس له، وهو نتيجة الجهل وعدم العلم.. يا عزيزي القدم اليمنى قدم خير وبركة، والإنسان عليه أن يستخدم اليد اليمنى في الكتابة وتناول الطعام والبدء

    1. . عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه ( عليهم السلام ) - في حديث المناهي - قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) "لا تبيتوا القمامة في بيوتكم وأخرجوها نهارا فإنها مقعد الشيطان". وسائل الشيعة، ج ۵، ص ۳۱۸
    2. . عن يونس عنهم عليهم السلام قال: "الفضل في دخول المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى إذا دخلت وباليسرى إذا خرجت". وسائل الشيعة، ج ۵، ص ۲٤٦.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

11
  • باليمين في كل فعل، وهذه الأمور لها تأثيرات. وأنا أنصح الإخوة الحاضرين إذا كان فيهم من يكتب باليد اليسرى أن يمرّن نفسه على الكتابة باليمنى، فإنّ الخير والبركة الموجودة في اليد اليمنى غير موجودة في اليد اليسرى.

  • وهذه المسائل واقعية حقيقية، يدركها ويحيط بها من كانت عينه مفتوحة، أما غيرهم من الأشخاص ـ أمثالنا ـ الذين لا إشراف لديهم، فعليهم أن يقبلوا ممن يبيّن لهم؛ فإن لم يقبلوا بها يكونوا قد أضرّوا أنفسهم، وإن قبلوا بها نفعوا أنفسهم. هذا الارتباط بين النفس وبين عالم الملكوت وعالم المثال هو الذي يبرّر كيفية تأثير الأفعال في الإنسان.

  • الصلاة في أول الوقت لها خصوصية غير موجودة في آخر الوقت

  • لماذا يقال انهض وصلّ؟! لماذا يقال لنا بأنّه ينبغي أن تنهض لصلاة الظهر في أول الوقت؟ لأنّ لأول الوقت خصوصية غير موجودة في حالة التأخير..

  • كنا نمرّ في مكان وصار وقت الصلاة، صار وقت الغروب فقلنا لأحد الرفقاء فلنصلي هنا ثم نكمل طريقنا، فدخلنا المسجد ورأينا أنّ إمام المسجد لم يأت بعد، وأنّ عدداً قليلاً من المصلّين موجودون فيه، فصلّينا في أول الوقت، وبعد نصف ساعة حضر إمام المسجد وبدأ المصلّون بالدخول شيئاً فشيئاً إلى المسجد. فسألت لماذا لا تأتون في أول الوقت؟! فقال بأنّ هؤلاء المصلّين كسبة لديهم أعمال؛ فيبغي أن يبيعوا ما لديهم من الزبائن وبعد ذلك يأتون إلى المسجد، وهذا يأخذ وقتاً، لذا فقد طلبوا من إمام الجماعة أن يتأخّر قليلاً حتى يتمكّنوا من الصلاة جماعة.. وكان يتأخر أربعين دقيقة بعد المغرب لأداء صلاة المغرب..

  • المرحوم العلامة كان يذهب لأداء صلاة الظهر إلى مسجد القائم، وكان يذهب إليه من شارع آهنك، وكان الشارع في ذلك الوقت ـ إذا كان الرفقاء يذكرون ذلك ـ ترابياً إلى مسافة كيلومتر، ولم تكن السيارات تتردّد من هناك، فكان يذهب إلى المسجد مشياً ويصل أول الوقت، فيكون هناك سبعة أو ثمانية أو عشرة أشخاص أو خمسة، وعندما يحلّ وقت الصلاة كان يأمر خادم المسجد بالأذان ويصلي ـ وأنا أذكر تماماً ذلك منذ طفولتي كنت في العاشرة أو الثانية عشرة، نعم في الأواخر ازداد عدد المصلّين ـ حيث كان يقيم الصلاة أول الوقت بخمسة مصلّين.. وكان الخادم واسمه رحمت اللهي ـ توفي رحمة الله عليه ـ يؤذّن، وكان هو يصلي ويقتدي به خمسة أشخاص، وكان يقول: ينبغي أن تكون الصلاة في أول الوقت، من أراد أن يلتحق بالجماعة فليأت باكراً.

  • هاتان نظرتان؛ الأولى تنتظر الناس وتغفل عمّا هناك، والثانية تنتظر ما هناك وتغفل عن الناس! عندما كان النبي يقول صلّوا في أول الوقت۱.. ألم يقل ذلك؟ إن كان قال ذلك، فلماذا نأتي نحن ونخادع أنفسنا؟ أنا لا أريد أن أنقد على أحد، لكن أريد أن أنبّه الرفقاء على أهميّة المسألة، بأنّ المسألة ليست بأن يقبل الإنسان بأي شيء وتستقر نفسه بأي مكان، بل عليه أن يعلم أين يذهب وإلى أين يمضي..

  • كان هناك أشخاص في النجف يصلّون في صحن أمير المؤمنين عليه السلام؛ يصلّي أحدهم عند الفجر، والآخر بعد الفجر بعشرين دقيقة، والآخر بنصف ساعة، وبعضهم ـ يقول المرحوم العلامة وقد شاهدتهم بأمّ عيني وهم من علماء النجف ـ يصلّي قبل شروق الشمس بعشرة دقائق! لماذا ذلك؟ لكي يثبت أنّه يصلّي هناك أيضاً، ولأنّ بعض الناس يصلّي في آخر الوقت. ففي النهاية كلّ وقت له زبائنه الخاصّون؛ أوّل الفجر له مصلّون، وبعد عشرين دقيقة له مصلّون، وهكذا إلى ما قبل الشروق بعشرة دقائق. يعني أنّ جناب هذا العالم يؤخّر صلاته نصف ساعة أو أربعين دقيقة أو ساعة أو ساعة وربع أو ساعة

    1. . عن زرارة قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : "أحب الوقت إلى الله عز وجل أوله...". وسائل الشيعة، ج ٤، ص ۱۲۰.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

12
  • ونصف لأجل أن يحضر الجماعة! هل أمير المؤمنين يرضى بهذه الصلاة؟! أم لا؟! بل جميع هؤلاء أوقعوا أنفسهم وأوقعوا الناس في الغرر والخداع، فقبل أن يخدع إنسان أحداً يكون قد خدع نفسه!

  • يقول أمير المؤمنين بأنّه عندما يطلع الفجر الصادق عليك أن تصلّي، فمن شاء فليأت وليصلِّ معك، ومن لم يأت فإلى جهنّم! أوهل أنت المسؤول عن صلاة الناس؟! بل عليك أن تفكّر في نفسك! أيها التعيس سوف توضع في حفرة مترين في متر ولن يدخل معك أحد ممن حضر تشييعك وممن كان يقبّل يدك ورجلك ويفديك بنفسه، بل سوف يضعونك في الحفرة ويهيلون عليك التراب ولن يعودوا إليك بعد ذلك! عليك أن تفكّر في ذلك اليوم. الإنسان الذكي هو الذي لا يفكّر فقط في يومه.. لكن تراه يقول نؤخّر الصلاة قليلاً ليأتي المؤمنون للصلاة! يا عزيزي أيّ مؤمنين؟! إذا كانوا مؤمنين فينبغي أن يكونوا صاحين منذ طلوع الفجر، لا من يصلّي قبل الشروق بعشر دقائق. أو يقول نؤخّر الصلاة لكي تكتمل صفوف المصلّين.. الأفضل لذاك الصف الذي يتشكّل قبل الشروق بعشرة دقائق أن لا يتشكّل أساساً!

  • هكذا هي المسألة، وعلى الإنسان أن يشخّص مسيره بين هذه الطرق. الصلاة في أوّل الوقت تشتمل على خصوصية غير موجودة في آخر الوقت.

  • يقول أحد الرفقاء رأيت في مكان رجلاً يصلّي أول الوقت يوم الجمعة ورأيت خلفه صفّين من الملائكة يقتدون به. فقلت له أتعلم لماذا ذلك؟ أولاً لأنّ هذا الشخص يصلّي في أول الوقت، وثانياً لأنّه أذّن وأقام! اذهب واسأله! فسأله، فقال له صحيح. ونحن لدينا رواية تقول: من صلى في أول الوقت بأذان وإقامة يصلّي خلفه صفّان من الملائكة، أما إذا أقام فقط فيصلّي خلفه صفّ واحد۱. وبما أنّ هذا الشخص أذّن وأقام صلّى خلفه صفّان! وهذا الأمر ليس مزاحاً، فقد تمت مشاهدته، وليس الأمر شعوذة أو سحراً، بل هو أمر واقع! حسناً، فإذا كان هناك صفّان من الملائكة يصلّون خلف هذا الرجل، أليس لذلك أثر عليه؟ تلك الآثار والبركات التي تترشّح من نفوس الملائكة تأتي كلّها وتصبّ عند الرجل. أما إذا تمهّل الإنسان وأخّر صلاته عن أول الوقت فلن يكون لصلاته فائدة؛ لأنّ الملائكة تكون قد ذهبت، يقولون نحن لا وقت لدينا لنعود.. نذهب إلى ذاك الشخص؛ فإنّ الكرة الأرضية مستديرة، في كل ثانية وكل دقيقة هناك شروق وهناك غروب، وفي كل دقيقة هناك أذان ظهر.. يقولون نحن نذهب إلى أولئك المصطفّين للصلاة وقت الأذان، أما هنا فقد انقضى الوقت، فنحن لسنا بدون عمل حتى نذهب إلى هناك ونعود إلى هنا.. هذه المأموريّة التي كانت هنا انتهت إلى الغد.. فأنت الذي خسرت!

  • لقد ذكرت هذه القصة للرفقاء سابقاً؛ كنّا يوماً في مجلس عرس، وكان فيه العديد من أئمّة الجماعات، وعندما صار أول وقت المغرب خرج المرحوم العلامة إلى غرفة جانبية وصلّى المغرب مع بعض الرفقاء وعاد وجلس مكانه. وقد شاهدت بأمّ عيني بعض الأشخاص الذين بقوا مكانهم إلى ما قبل منتصف الليل بنصف ساعة دون أن يصلّوا، وبطبيعة الحال إذا أرادوا أن يصلّوا بعد عودتهم إلى منازلهم تكون صلاة المغرب قد فاتتهم قطعاً. وهذا كان من أئمّة الجماعات ومن الخطباء المشهورين. لقد جاء [الأولياء] وأوضحوا لنا تمام هذه الأمور، فقالوا هذه خيراتها وهذه بركاتها وآثارها.

  • كلام الحق إذا خرج من الإمام أو الولي يؤثّرً في النفس بخلاف ما إذا خرج من غيره

  • ومن جهة أخرى ترى بعض الأشخاص عندما يتحدّث يُوجِد كلامه كدورةً في قلب الإنسان، يتحدّث عن الإمام والنبي، ولكن كأنّه يتحدّث عن شيء خالٍ بلا محتوى، وحتى هو نفسه لا يفهم ماذا يقول!

    1. . عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ): "إنك إذا أنت أذنت وأقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، وإن أقمت إقامة بغير أذان صلى خلفك صف واحد". وسائل الشيعة، ج ۵، ص ۳۸۱

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

13
  • أما هذا فحينما يتكلّم يفيض الحياة على الإنسان ويبعث الروح فيه، ويغيّر حاله، والحال أنّه يتكلّم بنفس كلام ذاك ونفس حديثه.. فكل ما لدينا هو من هذه الكتب ومن كلام الأئمّة عليهم السلام، فلم نأت بشيء من عندما، بل ليس لدينا شيء من أنفسنا، نأتي بمطالب من كتاب الكافي ومن كتب الأحاديث عن الإمام الصادق، ثم نفتخر بأنّنا نحن الذين أتينا بها من عندنا، نأتي بالمطالب من الإمام وننسب الفخر لأنفسنا. هذا الرجل يأتي بنفس الكلام الذي أتى به ذاك، لكن يرى الإنسان أنّه لم يتجاوز مرتبة الظاهر فيه، ولم يتجاوز هذا الكلام، يبقى فقط في حالة الألفاظ وترتيب العبارات وتزيين الكلام، بينما ذاك يأتي ويتكلّم...

  • كان المرحوم العلامة كذلك واقعاً، عندما كان يستمع إليه شخص يشعر بأنّ لديه حالاً مختلفة تماماً، حتى لو سمع منه كلمة واحدة! عندما كان المرحوم العلامة الطباطبائي يتكلّم كان الإنسان يشعر بأنّ المطلب الذي يذكره له حياة ونشاط، ولكن نفس كلام العلامة هذا عندما سمعته بنفسي من شخص آخر قلت ما هذا الكلام؟! كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ إذا كان الكلام بهذا الحسن فلماذا يوجب الكدورة لمن يسمعه؟ الكدورة ليست فقط في خصوص استماع الغناء والموسيقى وأمثال ذلك، بل قد تحصل الكدورة من كلام الله؛ ترى الرجل يتكلّم بكلام الله لكنّ كلامه موجب للكدورة! يتحدّث عن النبي وعن المعارف لكنّ حديثه موجب للكدورة! لأنّ هذه المطالب تخرج من ظاهر نفسه، لا أنّها مستقرّة في أعماقه وتخرج من باطنه. لذا من يكون لديه عين ملكوتية يمكنهم أن يروا ويشاهدوا تأثير الأفعال على تشكّل الصور البرزخية.

  • تأثير ترك الطعام الحيواني على نورانية الإنسان

  • نقل لي بعض الرفقاء ـ وهو المرحوم الشيخ بيات رحمة الله عليه ـ قال: ذهبنا مع المرحوم الشيخ الأنصاري إلى منزل أحد العلماء السادة، وكان معروفاً وكبيراً في السن، حيث كان قد دعانا للعشاء في منزله في ليلة من ليالي الشتاء، فجلسنا حول المدفئة، وكان يبيّن لنا حالاته، فرأيت أنّ وجهه نوراني جداً، وبمجرّد أن خطر في بالي مسألة نورانية وجهه، التفت إليّ الشيخ الأنصاري، وقال: لا تعتني بذلك، هذه النورانية بسبب تركه لأكل الطعام الحيواني! طبعاً هذا لا يعني أنّه قام بفعل خطأ، بل مرادي شيء آخر، وهو أن لا يقع الرفقاء في هذا الأمر، يعني أن نفس تركه لأكل اللحم الحيواني أوجد فيه هذا الأثر، وهو أنّه ابتعد قليلاً عن التعلّق بالحيوانية. طبعاً هذا الأمر موجود، لا أنّه أمر باطل؛ إذ قد يرى الأستاذ في بعض الموارد أنّ مصلحة الإنسان ـ بسبب غلبة جانب الكدورة عليه ـ تقتضي أن يمتنع عن الحيواني في مقطع خاص وطبق دستور معيّن. وهكذا كان المرحوم العلامة يعطي بعض الأشخاص هذا الدستور.

  • وأيضاً من جملة ما ورد كدستور عام تقليل أكل اللحوم، فأولاً: الإكثار من أكل اللحوم فيه ضرر، وبطبيعة الحال له آثار على الإنسان، فكما أنّ أكل اللحم قد يوجب للإنسان بعض الآثار السلبية؛ في المعدة والنظام الهضمي وأمثال ذلك، كذلك هو غير جيد من الناحية الملكوتية والمثالية؛ إذ له آثار غير جيدة على الإنسان، حيث يمنع النفس من الحركة والوصول إلى التجرّد، ويجعل النفس تثبت في حدود ظرف الحيوانية التي لها. هذا الأمر موجود. لذا كان المرحوم العلامة يقول الأفضل للإنسان أن لا يكثر من أكل اللحم.. طبعاً الأشخاص الذين لديهم ضرورة أو ضعف حكمهم مختلف، فمن يكون لديه ظرف خاص عليه أن يراعي ظرفه.. لكن بشكل عام يوجد هكذا دستور. نعم يوجد بعض الأشخاص الذين لديهم إفراط؛ حيث يقومون لأجل الإسراع في مسيرهم ببعض الأعمال من تلقاء أنفسهم، والحال أنّه لا ينبغي أن يحصل ذلك، بل ينبغي أن يكون ضمن دستور وفي إطار برنامج خاص. وبطبيعة الحال، من يقوم بذلك سوف يحصل على حالات جيدة، وقد يصدر منه بعض خوارق العادة، وقد تفتح عينه على بعض المسائل

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

14
  • البرزخية وغيرها.. فهذه الأمور موجودة. لكن بما أنّه لا يمكن أن نعتبر هذه الأمور مقصداً وهدفاً، فإنّ العمل بها دون الالتفات إلى المسائل الأخرى ستكون موجبة للضرر..

  • والحاصل أنّ هذا الشخص كان من أولئك الأفراد، وقد حصل على مطالب بسبب ذلك، ومن جملة ما حصل عليه مسألة طي الأرض وغيرها، وكان في تلك الجلسة يعرض على المرحوم الشيخ الأنصاري أن يعطيه ما كان قد حصل عليه من مسألة طي الأرض، فردّه الشيخ الأنصاري وقال له: لست محتاجاً لها وأمثال ذلك.. وانزعج ذلك الشخص من رفضه.

  • هذا العمل له آثار من الناحية الظاهرية على الإنسان، وعكسه أيضاً كذلك؛ فالشخص الذي يفرط في تناول اللحوم والمواد الحيوانية، يحصل لديه حالة من الكدورة والثقل وغلبة الجانب الحيواني عليه، لذا على الإنسان أن يراعي هذه الأمور.. هذا كلّه بالإضافة إلى ضرورة مراعاة جانب الحليّة والمسائل الشرعية المتربطة بها. من هنا كان المرحوم العلامة يقول الأفضل أن لا يأكل الإنسان أكثر من مرتين لحم في الأسبوع، ومراده ليس ما يشتمل على لحم بمقدار بسيط، بل ما كان يحتوي على لحم كثير، أما مقدار اللحم القليل الموجود في الطعام فلا يعتبر الامتناع عنه من الدستور. من هنا يمكن للإنسان أن يتناول الكثير من الأطعمة التي تحتوي على بروتين دون أن تحتوي على الضرر الموجود في اللحم، فلماذا يقتصر على اللحم؟!

  • على كل حال، على الإنسان أن يراعي هذه المسائل؛ سواء في مسألة الغذاء أم في الأفعال العبادية أم غير العبادية، فكل من هذا الأمور له أثره الخاص على النظام التربوي للإنسان.

  • لكل تكليف أثره الملكوتي الخاص به

  • فالصلاة لها أثر ملكوتي خاص بها، والحج له أثر ملكوتي مختص به. بعضهم يعترض على الحج ويقول لماذا يذهب الإنسان إلى الحج؟! فليعطي الأموال التي سينفقها في الحج للفقراء! كلا، بل الحج له أثره الخاص به، والإنفاق على الفقراء له أثره الخاص به، ولا يمكن للإنسان أن يستبدل هذا بذاك. نعم، لو كان الأمر يدور بين الأهم والمهم، فعندئذٍ يجب على الإنسان أن يراعي الأولوية. أما أن يقتصر على مساعدة الفقراء دون أن يذهب إلى الحج، فلن يحصل على الأثر المطلوب والأثر الخاص.

  • من جملة شروط العمرة عدم الاتيان بها مرتين في الشهر

  • وأيضاً إذا أراد الحج والعمرة فعليه أن يقوم به طبقاً للدستور، يعني يأتي به بالشكل الذي حدّد لنا، لا أن يقوم به كما يريد. فالآن نرى أنّ الذين يذهبون للعمرة أو إلى الحج، بعد انتهائهم من الإحرام يقومون كل يوم بعمرة جديدة؛ حيث يذهبون إلى مسجد التنعيم ويحرمون بعمرة مفردة.. جميع هذه الأمور فيها إشكال، وهي خلاف الشرع؛ إذ يكره كراهة شديدة أن يقوم الإنسان بعمرتين في الشهر الواحد، وأما الإتيان بأكثر من عمرة خلال عشرة أيام فحرام. لكن بعضهم يقول: لقد تحمّلنا السفر من أماكن بعيدة، فلماذا لا نذهب يومياً للقيام بثلاثة عمرات حتى نحصل على ثواب أكبر. كلا يا عزيزي! هذه الأفعال تبعدك، إذ لا يمكنك أن تقوم بعمل من تلقاء نفسك...

  • نقل لي أحد الرفقاء بعد إتمام أعمال الحج ذهبت إلى مسجد التنعيم وأحرمت وقمت بعمرة مفردة، وفي اليوم التالي اتصلت بزوجتي للحديث معها حول الأولاد.. فسألتني زوجتي هل قمت بالعمرة أمس؟! فقلت لها كيف عرفتي ذلك؟ قالت: البارحة رأيت المرحوم العلامة في الرؤيا وقال لي: قولي لفلان بأنّه لا يمكن أن يقوم بأكثر من عمرة واحدة في كل شهر. انظروا! هذه أمور لها واقعية! لكن يأتي من يقول بما

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

15
  • أنّنا وصلنا إلى هنا فلنقم بأكثر من عمرة.. كلا بل اذهب وطف بالبيت بمقدار ما تريد، فحتى لو طفت ألف مرة يبقى هناك استحباب، فقد ورد أنّ الطواف بالبيت صلاة۱، هناك [الطواف] يريد الله منك الزيادة والكثرة، أما هنا [العمرة] فيريد منك هذا المقدار. هذه العمرة والحج التي ورد فيها هذا الاهتمام الكبير من الشارع، والذي يقول عنه المرحوم العلامة بأنّ الذهاب إلى الحج مهم ولو كان مشياً على شوك حسك السعدان، لكن عندما تذهب وتقوم بالأعمال لا ينبغي أن تذهب وتقوم بالعمرة، بل عليك أن تذهب للطواف أو الجلوس لقراءة القرآن، أو النظر إلى الكعبة؛ فإنّ النظر إلى الكعبة عبادة۲، من الذي سيعطيك الثواب؟ أنت أم هو؟ هو يقول لا أريد أن تفعل ذلك، بل طلب أن يؤتى بالعمرة مرّة واحدة في الشهر احتراماً للبيت الحرام، فمن يريد دخول الحرم عليه ـ من باب احترام البيت أن يأتي بالعمرة مرة واحدة، فإن أراد أن يأتي بها مرتين يكون قد خرّب الأمر على نفسه.

  • عدم الافراط والتفريط في تحصيل شرط الاستطاعة للحج

  • من جانب آخر، يوجد بعض الأشخاص لا يذهبون إلى الحج أساساً، وعندما تسأله لماذا لا تذهب إلى الحج يقول لست مستطيعاً!

  • ـ أنت غير مستطيع مع جميع هذه الخصوصيّات التي لديك؟!

  • ـ يقول: إذا أردت الذهاب إلى الحج فينبغي أن يكون معي خمسون شخصاً؛ عشرون من هذا الجانب وعشرون من الجانب الآخر وأمامي وخلفي.. وهذا غير متوفر الآن، فإذن أنا لست مستطيعاً! ويبقى كذلك ويرحل عن هذه الدنيا بدون حج! هذا نوع من أنواع التفكير الموجودة بيننا! نعم، حتى لو كان لديه رسالة عملية وكان مرجعاً، لكن فكره ونظرته إلى المسائل الإسلامية ناقصة غير كاملة.

  • هذا من هذه الجهة، ومن جهة أخرى، يقول البعض بأنّ الحج واجب حتى لو كان عندي طفل، فلا إشكال في الذهاب حتى لو أوجب سفري الأذى له، فقط يكفي أن لا يموت! كلا، يقول المرحوم العلامة: من كان عنده طفل وكان ذهابه إلى الحج موجباً لتأثّر طفله وتضرّره فلا يجب عليه الحج، بل عليه أن يحافظ على طفله.. انظروا المسألة دقيقة جداً، فذاك الذي قال عن الحج بأنّ الذهاب إليه مهم ولو كان مشياً على الشوك، يقول إذا كان لديك طفل خمس سنوات أو ثلاث سنوات وسوف يتأثّر بذهابك إلى الحج، يحرم عليك الذهاب، وعليك أن تجلس بجانبه وتهتم به! ألا تريد أن تذهب إلى مكّة لأجل الثواب؟ ثوابك هو البقاء بجانب طفلك الآن.

  • السفر إلى الحج والزيارة وترك الأولاد خطأ كبير

  • هكذا ينبغي على الإنسان أن يصل إلى مقام الاتصال.. أحد أرحامنا القريبين كان يسافر كثيراً ويستغرق سفره عدّة أشهر؛ أربعة أو خمسة أشهر؛ يسافر إلى كربلاء والمقامات ومكّة.. فيدور عليها جميعاً في سفره، وكان يفعل ذلك في كل سنة؛ يبدأ من أول رجب ويعود قبيل محرّم.. والظاهر أنّ المرحوم العلامة ذكر اسمه في بعض كتبه.. وفي يوم من الأيام عندما رجع من الحج وزيارة العتبات وأماكن أخرى؛ حيث ذهب ظاهراً إلى سوريا ومصر أيضاً حتى يكمل دورة زيارته؛ حيث يوجد لدينا خبر أنّ السيدة زينب مدفونة في القاهرة في مصر.. أذكر أنّه عندما ذهب المرحوم العلامة إليه قال له يا فلان ما الذي تريده من سفراتك هذه؟ إن كنت تريد الله، فيمكنك أن تجد الله هنا في منزلك عند زوجتك وأطفالك،

    1. . عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنّ الله أحل فيه النطق". مستدرك الوسائل، ج ٩، ص ٤۱۰
    2. ـ عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: "النظر إلى الكعبة عبادة و ..."، الكافي، ج ٤، ص ۲٤۰.

كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان

16
  • فلماذا تترك طفلك ذا الاثني عشر عاماً ستة أشهر، لمن تتركه؟ فهذا الولد محروم من والده ستة أشهر، محروم من أمّه توكله إلى فلان وفلان حتى تذهب وتبحث عن ربّك هنا وهناك؟! عليك أن تبقى هنا، وستجده هنا، وعليك أن تقوم بتكليفك اتجاهه. فالله الذي في مكّة موجود في هذه الغرفة أيضاً، وذاك الله الموجود في كربلاء موجود في هذه الغرفة..

  • لا أدري هل ذكرت لكم هذه القصة أم لا؟ الآن تذكّرتها.. لقد نقل لي ابن أحد الأولياء الإلهيين الذي كان من أساتذة المرحوم الوالد بأنّه في العهد السابق خلال سفره إلى المقامات، تأثّر في هذه السفرة كثيراً وحصل له حال بحيث لم يرد العودة إلى إيران، بل قرّر البقاء هناك إلى آخر عمره، والحال أنّه كان هو المعيل لإخوته الصغار؛ حيث توفي والده وتحمّل هو مسؤولية إخوته، وقرّر أنّه بعد عودته إلى إيران أن ينظّم أموره على أساس الذهاب والاستقرار في العراق، وفي الليلة الأخيرة رأى والده في المنام وقال له: إنّ مسحك على رأس أخيك ـ وكان في السادسة من عمره ـ ثوابها أكثر من البقاء هنا مدى عمرك؛ يعني إذا بقيت تمام عمرك في هذه الأماكن لا يعادل ذلك ثواب المسح على رأس أخيك الصغير! كل شيء له حساب في هذه الدنيا، وينبغي أن نعمل على أساس هذا الحساب؛ فصلاته لها مكانتها، وصومه له مكانته وحجّه ومساعدته للأيتام، وتركه للحرام وفعله للواجب كلّ ذلك له مكانته الخاصّة بها، لكن دون العمل من تلقاء نفسه، ولا الإفراط.

  • إلى هنا نكون قد أتممنا الكلام في هذا المقدار من النظرة إلى هذه المسألة، وإن شاء الله في الجلسة القادمة نشرع بالنظرة الثانية الموجودة في عبارة الإمام الصادق عليه السلام إذا وفّقنا الله لذلك لولا البداء.

  • فالحاصل من الكلام إلى هنا، هو أنّه طبقاً لهذه النفس وما خلق الله فيها من الاستعداد للتكامل، لا تكون هذه الأحكام والتكاليف التي فرضها الله تعالى علينا مجرّد تعبّد واجب وتسليم بما فرض الله علينا، بل لها واقعية وحقيقة، وهذا الأمر ندركه وجداناً وشهوداً وتكويناً، ولا تكون بعنوان أنّ الله فرض علينا ذلك ونحن نقبل به وبعد ذلك يجعل الله أثراً لهذا العمل.. ليس بهذا المعنى، وإن كان هذا المعنى لا إشكال فيه، بل بمعنى أنّ نفس العمل في عالم الخلقة له أثر ونتيجة. وهذا العمل ونتيجته يطلق عليه اسم نظام التكوين والتشريع. والذي ينبغي أن يوضح هذا العمل ونتيجته التكوينية للناس هو الخبير وولي الله؛ أي النبي أو الإمام أو الولي الذي وصل إلى مقام الفناء والبقاء بالله وبأمر الله. وبناء عليه لا يمكن للإنسان أن يسمع لأي شخص ولا أن يعمل بأمر أيٍّ كان، بل ينبغي أن تكون الدستورات من قبل الذي فتحت عينه الملكوتية بحيث صار يرى المصالح كما هي ويرى الواقعيات على ما هي عليه ويعمل على نقلها إلى الناس.

  • نسأل الله أن يجعلنا الله من المطيعين والعاملين بدستورات الأولياء وأن يفتح بصائرنا بما يرتبط بتكاليفنا ووظائفنا، إن شاء الله.

  • اللهم صل على محمد وآل محمد